انهيار العملة الإيرانية وتزايد الطلب علي شراء الدولار

سجّل الريال الإيراني تراجعاً قياسياً آخر في مقابل الدولار، وخسر نحو ثلث قيمته في غضون 6 أشهر. لكن المرشد الإيراني علي خامنئي اعتبر أن «قوة النظام ستتعاظم على رغم أنف الأعداء»، وتحدث عن «مرحلة عزة» لبلاده. وانخفضت العملة الإيرانية أمس بنسبة تزيد على 6 في المئة، إذ بات الدولار يساوي 55200 ريال عند إغلاق السوق المفتوحة.

مع مواصلة انهيار العملية الإيرانية، وهبوط الريال إلى أدنى مستوياته على الإطلاق بفعل مخاوف من عودة العقوبات عليها، وحدت طهران بين سعر الصرف الرسمي للعملة وسعرها في السوق الموازية.
ووفقا لـ “الفرنسية”، اتخذت إيران أمس، خطوات جذرية لضبط سعر صرف الريال الإيراني في مقابل الدولار، في مسعى لوقف تدهوره.
وتراجع الريال على عدة مرات في الأسابيع الأخيرة، ليبلغ 58650 مقابل الدولار عند إقفال المعاملات المالية أمس الأول، مع تزايد الغموض بشأن مستقبل الاتفاق النووي .


وبعد لقاء طارئ للحكومة البارحة الأولى، أعلن إسحق جهانجيري نائب الرئيس أن سعر صرف الريال سيحدد بحد أقصى 42 ألف ريال مقابل الدولار مع إخضاع مكاتب صرافة العملات الأجنبية لسيطرة المصرف المركزي.
وقال جهانجيري للإذاعة الحكومية “للأسف خلال الأيام الماضية، حدثت وقائع في سعر صرف العملات الأجنبية سببت قلقا للمواطنين”.
ولام نائب الرئيس عوامل غير اقتصادية وغير مبررة وغير متوقعة تسببت في تراجع الريال، مضيفا “لا ينبغي أن نشهد مثل هذه الأمور في اقتصادنا”.
وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات جديدة على إيران الشهر المقبل، إذا لم يتم وضع قيود جديدة على برامجها الصاروخية والنووية.
ويقول محللون “إن هذا التهديد شجّع الإيرانيين على شراء الدولار أملا في بيعه لاحقا لتحقيق مكاسب إذا ما انهار الريال”.
وحذر جهانجيري من أن بيع العملات بأسعار أعلى من سعر الصرف الرسمي سيعتبر بمنزلة “الاتجار بمواد ممنوعة”.
وقال “مثل تهريب المخدرات، لا يحق لأحد بيعها أو شراؤها، إذا عرض سعر صرف آخر في السوق، فسيتعامل القضاء والأمن معه”.
وتسارع هبوط الريال منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في وقت كان يتم تداول الدولار بسعر 40 ألف ريال، بعد أن هدد ترمب بالانسحاب من الاتفاق حول برنامج إيران النووي.
وفي حال انسحاب الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن تعيد فرض العقوبات الاقتصادية المعلقة حاليا بحق إيران، ما سينعكس على اقتصاد البلاد وسيبعد المستثمرين الأجانب.
وحقق اليورو والاسترليني مكاسب كبيرة مقابل الريال الإيراني خلال الشهور الأخيرة.
وقفز الدولار الأمريكي خلال يوم من 54700 ريال إلى 60 ألف ريال في السوق الموازية في طهران أمس الأول، وفقا لـ “رويترز”. وكان سعر الدولار قد بلغ 36 ألف ريال في منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي.
وبحسب “الألمانية”، قاطع عدد من أعضاء البرلمان الإيراني، كلمة ولي الله سيف محافظ البنك المركزي أمام البرلمان أمس، واقتحموا المنصة في الوقت الذي كان محافظ البنك يتحدث فيه عن أسباب التراجع الأخير لقيمة الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي.
وأظهر تسجيل فيديو بثته وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء عددا من النواب الآخرين ورجال الأمن وهم يحاولون تهدئة الموقف.
وكان سيف، يحاول أن يشرح أمام البرلمان سبب تراجع قيمة الريال الإيراني بنسبة 40 في المائة أمام الدولار خلال الأسابيع الأخيرة. وبعد المشاجرة حاول محافظ البنك المركزي الخروج من قاعة البرلمان لكن رئيس البرلمان علي لاريجاني أقنعه باستكمال كلمته.
يذكر أن محافظ البنك المركزي ورئيس إيران حسن روحاني يتعرضان لانتقادات قوية بسبب تدهور قيمة العملة المحلية، في الوقت الذي يهدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية وتهديده بإعادة فرض العقوبات على إيران.
وذكرت وسائل إعلام رسمية أمس، أن البنك المركزي الإيراني وضع حدا أقصى لحيازة المواطنين للنقد الأجنبي خارج المصارف عند عشرة آلاف يورو، وفقا لـ “رويترز”.
وقال البنك المركزي في بيان نشرته وكالة تسنيم للأنباء “إن المواطنين أمامهم موعد نهائي حتى آخر الشهر لبيع أي كمية فائضة أو إيداعها في المصارف”، مبينا أن المخالفين سيعرضون أنفسهم لإجراء قانوني.
وأظهرت أسعار الصرف الجديدة التي نشرها الموقع الرسمي للبنك المركزي الإيراني على الإنترنت أن البنك حدد أمس، أسعار الصرف الرسمية للجنيه الاسترليني عند 59330 ريالا واليورو عند 51709 ريالات.
إلى ذلك، هرع كثير من الإيرانيين وهم في حالة إحباط إلى مكاتب الصرافة أمس، بحثا عن دولارات بأسعار أقل، غداة قرار الحكومة ضبط ارتفاع سعر صرف الريال في مقابل الدولار، ليجدوها مغلقة أو ليس لديها دولارات.
وبحسب “الفرنسية”، فهم أرادوا شراء دولارات بسعر أرخص من سعر أمس الأول، في شارع فردوسي في وسط طهران، الذي يعج بعشرات المصارف ومكاتب الصرافة.
لكن كافة مكاتب الصرافة في شارع فردوسي ردّت الراغبين بالحصول على الدولار، أو علّقت لافتات تقول “ليس لدينا دولارات للبيع”، فيما خلت اللوحات التي تعلن عن أسعار العملات الأجنبية أمام مكاتب الصرافة من أي سعر مكتوب.
وقال تاهموريس فارافاهار الموظف المتقاعد في قطاع النفط “سمعت في التلفزيون أن سعر (الدولار) 42 ألف ريال، لذا جئت لاشترى لابني الذي يدرس خارج البلاد لكنني لم أجد أي دولارات”.
وأكد رجل يبيع عملات أجنبية في الشارع -طلب عدم ذكر اسمه – أن الناس لا يثقون بحديث الحكومة بأن أموالهم ستبقى آمنة.
وأضاف أن “الناس ليس لديهم ثقة بالوضع السياسي والاقتصادي في البلاد. إنهم مرتبكون ويريدون فقط الحفاظ على قيمة أموالهم عبر تحويلها إلى دولارات”.
وأكد مكتب صرافة أنه ليس من الواضح على الإطلاق متى سيمدهم المصرف المركزي بالدولارات لبيعها.
وقال صراف آخر في الشارع -طالبا عدم ذكر اسمه – “إذا نظرت إلى السوق، فستجد كل شيء في تراجع إلا الدولار. سوق العقارات لا تعمل، سوق التجزئة لا تعمل. الناس بحاجة إلى دخل، لذا شراء وبيع دولارات لكسب بعض المال يعد فكرة جيدة”.
وأضاف “خفّضت الحكومة سعر “الصرف” فأصيب البعض بنوبات قلبية، لكن السعر لن يبقى كذلك”.
وأوضح أن تجار العملة سيجدون وسيلة للتحايل على النظام والبيع بأسعار أعلى من سعر الصرف الرسمي، رغم تحذير نائب الرئيس اسحق جهانجيري من أن ذلك سيعتبر بمنزلة “الاتجار بمواد ممنوعة”.
وقال رجل أربعيني – رفض ذكر اسمه – “أريد أن أبيع بعض الدولارات لكن لا أحد يريد شراءها لأن السوق غير آمنة”.
وأشار إلى أن “مكاتب الصرافة قلقة حيال الوضع لأن الحكومة قالت “إن البيع أعلى من سعر الصرف الرسمي يعد تهريبا، لذا لا أحد يريد البيع”.
وكان عدد من المختصين قد توقعوا لـ “الاقتصادية”، أن يشهد الاقتصاد الإيراني انهيارا وتحديدا القطاع المصرفي، خلال الفترة المقبلة، مؤكدين أن أزمة العملة تضع نظام طهران بين سيناريو الإفلاس أو السير على خطى فنزويلا التي تعاني أزمة اقتصادية حادة.
وقالوا “إن معدلات التضخم في إيران وصلت إلى أرقام فلكية، فقدت معها العملة الوطنية قيمتها، ويتطلب شراء رابطة خبز أن تحمل معك “كيسا” من المال لدفع ثمنها”.
ودفع هذا الوضع المتأزم كثيرين إلى التساؤل عن حقيقة ما يحدث للعملة الإيرانية؟ هل تعبر في وضعها الراهن عن ملامح أزمة حقيقية يمر بها الاقتصاد الإيراني تحت وطأة العقوبات الدولية، أم أن الأمر لا يتعدى “وعكة” صحية سيخرج منها الريال الإيراني قريبا؟
وأكدوا وجود مجموعة من الأسباب تتراكم منذ فترة طويلة، لكنها تسارعت في الآونة الأخيرة، وستزداد تسارعا في الأشهر المقبلة بحيث سيفقد الريال الإيراني مزيدا من قيمته، مشيرين إلى أنه بصفة عامة الحصار الاقتصادي لسنوات أنهك بنية الاقتصاد الإيراني، فإذا أخذ في الاعتبار أن البنية الأساسية للاقتصاد الوطني بنية تقليدية تعتمد على تصدير النفط والغاز، فيمكن الفهم أن هيكل الاقتصاد الإيراني أصيب بتشوهات متعددة نتيجة عدم قدرته على التفاعل مع الاقتصاد العالمي.
وذكروا أن تفشي الفساد في المراكز العليا لصنع القرار السياسي والاقتصادي، أفقد رجال الأعمال والمدخرين الثقة بالعملة الوطنية، خشية التلاعب بها لمصلحة القطاعات الاقتصادية النافذة، وتحديدا الحرس الثوري، ما جعل القطاع الأكبر من الإيرانيين يحول مدخراته إلى دولارات أو ذهب لتفادي تراجع مستوى معيشته.