لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء > القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء


مشاهدة نتائج الإستطلاع: رأيك في روايتي يا جميلة ؟!
أعجبتني 11 78.57%
لدي بعض الملاحظات ! 3 21.43%
المصوتون: 14. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-09-15, 12:46 PM   المشاركة رقم: 41
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Sep 2014
العضوية: 276583
المشاركات: 65
الجنس أنثى
معدل التقييم: عـذاري عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 63

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عـذاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عـذاري المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: روايتي البوليسية \ لماذا أرى ملاكًا وسط جحيمي

 

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

كيفكم يا حلوين ؟ إن شاءالله تمام ؟ .. أحب أقول لكم كل عام و انتم بخير , و عيدكم مبارك ..

أعتذر عن التأخير اللي صار .. كانت عندي شوية ظروف و التزامات منعتني من الكتابة , لكن عندي لكم بشارة حلوة : بارت اليوم طويل طويل مرة , يعني دبل البارت اللي قبل .. تقريبًا 24 صفحة بالوورد: يعني باختصار ( من طول الغيبات جاب الغنايم ) ..

البارت بيكون متعلق بأحداث الماضي لأبطالنا , و الحلوة الأمورة هي اللي رح تقدر تربط أحداث الحاضر بالماضي ..

قراءة ممتعة حبايبي ..



الفصل الثامن عشر 18 :




تابع ( قبل 30 سنة ) ..

خرج من المنزل محملًا بأحلامه و مأساته على عاتقيه , تاركًا خلفه جزئه الآخر و صندوق أسراره , الذي خذله عند أول مصيبة وقعت ..

مشى حافي القدمين وهو يفكر أين سيمضي هذه الليلة ؟! أو بالأصح , أين سيقضي المتبقي من عمره ؟! .. تذكّر أنه لا يحمل المال و لا حتى مبلغًا صغيرًا يشتري به غداءً لنفسه , أدخل يديه في جيوبه و ابتسم سعادةً عندما وجد هاتفه , أمسك به وهو يفكر بمن سيتصل ! .. هل يستعين بالشرطة لإيجاد ملجأ ؟ و لكنه خاف أن يعرفوا بشأن المخدرات التي كان يتعاطاها , و ينتهي به المطاف بالسجن و يكون هذا هو ملجأه ! ..
فكّر كثيرًا وهو يمسك بهاتفه أسفل شمس الظهيرة الحارقة , مشى قليلًا ليستظل أسفل إحدى النخلات في الطريق .. وهو يلمح نظرات السائقين إليه , بعضهم كان ينظر بشفقة , و البعض باشمئزاز و كبرياء !..

أعاد نظره إلى هاتفه و قرر الاتصال بعبدالرحمن , و ما لبث ذاك كثيرًا حتى رفع السماعة قائلًا :

" أهلًا فيصل "..

" عبدالرحمن , أهلًا , لابد من أنني أيقظتك من قيلولتك ! "..

" لا , لا عليك , كنت مستلقيًا فحسب , ما الأمر ؟! "..

تردد فيصل بالحديث قليلًا , حيث قال عبدالرحمن و هو ينهض من سريره :

" فيصل أأنت بخير ؟! "..

قال فيصل بسرعة وكأنما سؤال عبدالرحمن حفزه على الكلام :" لا , لست بخير , أنا في ورطة يا عبدالرحمن , بل مصيبة ! "..

" يا إلهي .. ماذا حصل ؟! "..

" إنه موضوع ضخم للغاية , لا أستطيع الحديث عنه الآن , هل يمكنني أن آتي إليك في منزلك ؟!"

" بالتأكيد , أنا في انتظارك "..

توجه فيصل نحو منزل عبدالرحمن , الذي كان يسكنه لوحده , حيث كانت عائلته قد انتقلت للعيش في الخرج , أما هو فقد بقي في الرياض ليكمل دراسته الثانوية و الجامعية فيها ..

وصل فيصل بعد نصف ساعة وهو يتعرق بشدة و بالكاد كان يستطيع التنفس , فقد قطع الطريق مشيًا على الأقدام و قد كان على وشك تلقي ضربة شمس حادة !..

طرق الباب بسرعة و فتح له عبدالرحمن , و قد تفاجأ بوجه صديقه الأحمر و قد أحاطت بعيناه هالات سوداء , و امتلأ وجهه عرقًا . دخل إلى المنزل و لكن سرعان ما أصابه دوار و سقط على ركبتيه و هو يتنفس بصعوبة , هلع عبدالرحمن من منظر صديقه و انحنى إليه قائلًا :

" فيصل ! .. أكنت تمشي بالشمس طوال الطريق ؟! "..

هز فيصل رأسه بـ نعم , و هو يسعل و يعود للتنفس بعمق , ساعده عبدالرحمن على النهوض قائلًا :

" أنت حقًا متهور ! , لقد كان من الممكن أن تتعرض لضربة شمس أو أي شيء من هذا القبيل , لماذا لم تأخذ سيارة والدك للمجيء ؟! أو تستقل سيارة أجرة على الأقل ؟! "..

نظر فيصل إلى عبدالرحمن بحدة عندما ذكر والده , وهو يعود برأسه إلى الوراء مسترخيًا على الأريكة و قد وضع يديه على رأسه ..

طال صمت فيصل وهو جالس بهدوء , و قد دارت الشكوك في عقل عبدالرحمن , فنهض ليجلب بعض الماء البارد لصديقه و وضعه على الطاولة و عاود الجلوس و هو يضع يده على كتف فيصل بلطف قائلًا :

" فيصل , ألن تخبرني ما بك ؟! لقد قلت أنك في ورطة , ما الأمر , أنا كلّي آذان صاغية "..

تنهد فيصل بتعب و هو يأخذ كأس الماء و يشربه كاملًا , ثم نظر إلى صديقه قائلًا :

" هل أستطيع أن أمكث هنا معك ؟! أعني أن أمكث طوال عمري ؟! "..

تغيرت ملامح عبدالرحمن وهو يقول :" ماذا حدث يا فيصل ؟! .. لم قد تسكن في مكان غير منزلك ؟ .. عذرًا أنا لا أقصد أنك لا تستطيع البقاء هنا و لكن .. لماذا ؟! و ماذا عن والدك و أخوك ؟! ماذا حصل ؟! "..

تنهد فيصل و هو يثبت نظره على الأرض باستغراق ثم قال :" لقد عَلِم والدي ".. صمت قليلًا ثم أكمل :" لقد عرف أنني أخرج لوقت متأخر كل يوم , لقد عرف عن الأمر برمته ! "..

تساءل عبدالرحمن :" و قد خرجت من المنزل هربًا من عقوبته ؟! "..

نظر فيصل إلى عبدالرحمن ثم قال بهدوء :" لا , لم أهرب .. بل تبرأ هو مني و طردني "..

فتح عبدالرحمن عيناه بصدمة و هو يجهل السبب تمامًا , فقال :" تبرأ منك ؟! .. أنت لم تفعل شيئًا شنيعًا ليطردك هكذا !! "..

" إنه لم يعرف فقط عن أمر خروجي , بل عرف أيضًا بأمر المخدرات يا عبدالرحمن "..

" لقد كنت تتعاطى طيلة الفترة الماضية أليس كذلك ؟! "..

هز فيصل رأسه بالإيجاب و هو يمسح عينيه بيديه و بإرهاق تام ..

قال عبدالرحمن :" لقد كنا أنا و عادل نظن ذلك , و لكننا أحسنّا الظن بك ! "..

نظر فيصل إلى صديقه بحدة قائلًا :" إياك و أن تحدثي عن ذاك الجبان ! .. أهذا مفهوم ؟! .. ذاك الطفل لم يعد أخي .. لقد كسرني صمته أكثر من عتاب والدي و براءته مني !! .. "

" عادل ؟! "..

" نعم , عادل .. لم يحاول التحدث أو توضيح الأمر لوالدي أبدًا , لقد وقف ضدّي .. سأجعله يدفع ثمن ضعفه و صمته ذاك الجبان "..

لم يتمالك عبدالرحمن نفسه و قال :" ستجعله يدفع الثمن ؟! لماذا ؟! .. لم يفعل عادل شيئًا ! "..

وقف فيصل و هو يرمي بكلامه عبدالرحمن :" أنت في صفه أيضًا ؟! .. ستقف ضدي أليس كذلك ؟! .. لابد من أنك تراني الان بصورة الفتى الضائع .. أتعلم شيئًا ! لقد أخطأت عندما استنجدت بك ".. انهى فيصل حديثه و هو يتوجه نحو الباب و ما كاد أن يخرج حتى سحبه عبدالرحمن إلى الداخل مجددًا و هو يقول :

" لن تذهب , أنت لم تفهم قصدي بعد "..

" لا أحتاج لفهمه , إنه واضح ".. حاول فيصل إزاحة عبدالرحمن عن الباب و لكن صديقه أمسك به من كتفيه و هو يصرخ بوجهه :

" فيصل !.. ماذا أصابك ؟! .. هل تريدني أن أكون ذاك النوع من الأصدقاء الذين يقولون أنك على حق دائمًا ؟! ..هل تريدني أن أقول بأنك أحسنت صنعًا عندما أضعت مالك و شبابك في المخدرات ؟! .. أو أن أخرج الآن لأشتري لك المزيد منها ؟! هيّا أجبني ! "..

أشاح فيصل بنظره و قد أنهكه التفكير في نفسه و في وضعه الراهن .. و لم يستطع الإجابة على عبدالرحمن الذي قال :

" نعم يا فيصل , لقد كان عادل على حق , حتى و إن لم يقل شيء , ماذا كنت تتوقع منه أن يقول ؟.. هل أردته أن يدافع عنك و يصرخ في وجه والدك قائلًا بأن المخدرات ليس حرامًا أو عيبًا ؟! .. "

رد فيصل باندفاع قائلًا :" لا , لم أكن أريده أن يقول ذلك , و لكن كان عليه على الأقل أن يجعل والدي يتراجع عن قرار البراءة مني و طردي ! "..

" أنا لست ضدك , عليك أن تضع هذه العبارة في رأسك دائمًا , عندما أتيت إلي قبل ربع ساعة و استنجدت بي , كنت قد وعدت نفسي سرًا أن أقف معك و أساندك حتى النهاية .. و أول أمر سأفعله بصفتي صاحبك هو أن أخبرك أنك على خطأ , لن أكون صديق سوء , و بما أنك في منزلي الآن , فعلينا سوية أن نناقش هذا الخطأ جيدًا .. "

بدأ أعصاب فيصل ترتخي مع نبرة عبدالرحمن المساندة له , و الذي أكمل قائلًا بابتسامة :

" إن كنت تريد المكوث هنا طوال عمرك , فليس لدي مانع .. و لكن بشروطي "..

" شروط , مثل ماذا ؟! أن أعمل كخادمة و سائق لديك ؟! "..

ضحك عبدالرحمن على صاحبه قائلًا :" متى ستصبح أكثر جدية ! .. على العموم , لدي شرط واحد .. لا مزيد من المخدرات , اتفقنا ؟! .. و يمكنك فعلت ما شئت في هذا المنزل "..

" و لكن .. "

" لا تقل و لكن ! .. أنا أعلم بأنك قد دخلت مرحلة الإدمان الآن , و هذا واضح على وجهك .. أعلم بأنك ستختبر أيام عصيبة , و قد تفعل أي شيء مقابل جرعة صغيرة , و لكن لا تفعل .. فُز بمعركتك ضد نفسك أرجوك .. سأفعل كل ما تريده مني و لكن توقف عن هذه السموم "..

تنهد فيصل و قال بتهرّب :" سأحاول .. "..

" إذًا .. مرحبًا بك في منزلك ".. عانق عبدالرحمن رفيقه الذي بدا هزيلًا مقارنة بالأشهر التي مضت .. قائلًا له :

" هيّا تعال معي , هناك غرفة فارغة في الأعلى , ستمكث فيها "..

صعد الاثنان و بدآ بترتيب الغرفة و تنظيف الغبار .. بينما ذهب عبدالرحمن لجلب ملاءات و وسادات جديدة من غرفته و إعطائها لصاحبه ..

انتهى الاثنان من تجهيز الغرفة و اصطحب عبدالرحمن فيصل معه لتناول الغداء قبل صلاة العصر .. ثم توجها لأحد المراكز التجارية لشراء ملابس و أساسيات قد يحتاجها فيصل .. و عندما خرجا قال فيصل بخجل من صاحبه :

" عندما أحصل على بعض المال , سأعيد لك ما دفعته .. "

رمق عبدالرحمن صاحبه بغضب .. فقال فيصل :

" لا تنظر إلي هكذا , أنت لست ملزم بمصاريفي ! .. سأذهب لأبحث لي عن وظيفة ليلية .. "

" و لم هذه الرسميات أيها التافه ؟! .. نحن كالأخوة .. لا داعي لهذا الحديث , نستطيع أخذ المال من بعضنا دون هذه الأحاديث السقيمة ! "..

" أعلم , ولكني لا أزال مصرًّا على إيجاد وظيفة , نحن نتشارك المنزل و لابد أن نتشارك المصاريف أيضًا "..

" فيصل , إن والدي يبعث لي بمبلغ كبير كل شهر , 5000 ريال , إنها كافية لنا .. لم تريد إرهاق نفسك بوظيفة ؟! "..

" لا بأس يا عبدالرحمن , أنا أعرف بأنك لن تمانع من مساعدتي ماديًا , و لكني أريد قضاء وقتي في شيء نافع , لعله ينسيني رغبتي بالتعاطي ! "..

" صحيح , لم أنتبه لهذه النقطة , و لكن ماذا بشأن دراستك ؟! .. لقد بقي شهران فقط على التخرج ! .. عليك أن تكمل يا فيصل , لا تجعل سنوات الدراسة الماضية تذهب سدًى ! "..

" لا , لن أفعل .."

فتح عبدالرحمن عينيه بصدمة قائلًا :" فيصل , أأنت جاد في كلامك ؟! .. لقد بقي شهران فقط ! .. إن استطعت انهاؤها فستمتلك شهادة ثانوية و هذا سيكون رائع , و إن لم تفعل .. فذلك سيصعب عليك فرصة إيجاد وظيفة ! "..

" لا أهتم .. ليس هنالك أمر أطمح إليه "..

" فيصل , لا يمكنك العيش هكذا بدون أمل , ذلك سيودي بك إلى الهلاك , أنا لست دائمًا لك و لا أحد على هذه الحياة سيدوم لك , عليك أن تكمل تعليمك , تعليمك الثانوي على الأقل ! "..

صرخ فيصل منفعلًا :" لقد قلت لك لا ! .. لا أريد أن أتواجه مع عادل في المدرسة ؟! .. أفهمت الآن ؟! .. و لا أستطيع أن أنتقل إلى مدرسة أخرى , نحن في نهاية السنة الدراسية و ذلك سيكون مستحيلًا , و لن أؤجل دراستي إلى السنة القادمة , و أعاود دراسة كل شيء من جديد ! .. سأتوقف فحسب , لن أكمل دراستي , سأبحث لنفسي عن أي عمل لأقوم به "..

" ستتنازل عن الشهادة حتى لا تصطدم بأخيك في المدرسة ؟! .. أترى أن هذا عذر منطقي ؟! "..

" إن كنت في نفس وضعي يا عبدالرحمن , فستتفهم موقفي , ستعرف كيف أنه من المميت أن تصطدم صدفة أو تلتقي عيناك بعينا ذاك الشخص الذي حطّمك ! "..

" و ها أنت تقول أنه حطمك ! .. فهل ستترك دراستك من أجل شخص فعل ذلك بك ؟! "..

" أنا لن أترك الدراسة بسببه , و لكن ... لقد اكتفيت يا عبدالرحمن , لن أستطيع الإكمال , لا أستطيع التركيز بشيء , لقد تغيرت حياتي رأسًا على عقب , إن أكملت دراستي فسأرسب ! .. إن عقلي لم يعد مِلكي ! .. لا أستطيع .. "

هز عبدالرحمن رأسه بهدوء و هو يقود السيارة متجهًا إلى المنزل .. لقد كان هذا أول يوم لهم سوية , و قد اكتفى عبدالرحمن من الحديث عن عادل , و قد لاحظ أن فيصل مشتت طوال اليوم , و قد ملأت الكسور قلبه و روحه ..

لم يستحمل عبدالرحمن منظر فيصل الذي اختفت منه معالم القوة التي كان يتحلى بها سابقًا , و التي حل محلها الضعف و الخجل , و ذاك التمرد الذي يُخفي وراءه حطام روحه ..

بدأت بذرة صغيرة من الكره تنمو في عبدالرحمن تجاه عادل ! .. و ذاك الكره لم ينمو بسبب شخصه , بل بسبب الأثر الذي تركه عادل في توأمه .. !


**********


مضت الأيام و كان فيصل يتردد إلى جميع المحلات التجارية التي يعرفها و مراكز الخدمات بحثًا عن وظيفة , حيث كان يمضي فترة ما بعد العصر في البحث , و لا يعود إلى المنزل إلا عندما يتوّسط القمر السماء ..

و بعد عدة أشهر.. و بعد عدة محاولات في البحث , حصل أخيرًا على وظيفة بائع في إحدى محلّات الخضار و الفواكه ..

كان يشعر ببعض الذل و هو يقف بين الخضار و يملأ الأكياس للزبائن , و قد أحاط به عددًا من العمالة العربية و الآسيوية الذين يعملون معه , و قد كان هو السعودي الوحيد المتواجد .. كانت تجتاحه كثيرًا مشاعر العزة بالنفس و الشعور بتدنّس الكرامة , و قد نسي تمامًا أن العمل و كسب الرزق باليد هو خير و أشرف من طلب المال من الآخرين و التوسل , و لم يكن هو الوحيد الذي يشعر بذلك , بل أغلب العمالة السعودية الذين يعملون في وظائف صغيرة مثل فيصل و برواتب متدنية .. و قد تغلغلت لديهم قناعة سلبية قديمة بأنهم خُلِقوا ليَشغلوا وظائف و مناصب أعلى ! ..

و لكن فيصل كان يفكر كثيرًا في حياته السابقة .. و كيف أنه كان يسكن قصرًا كبيرًا يملأه الخدم و كل ما لذ و طاب , و قد انتهى به المطاف شريكًا في السكن مع صاحبه , و موظفًا في محل صغير ..
و لكن الحرية التي وجدها في وضعه الحالي كانت تساوي عنده ملايين القصور , و قد وجد الراحة و الشعور بالنضج في كل مرة يخرج فيها من المنزل وقتما يريد , و عندما يصحو صباحًا دون أن يقوم أحدًا بالتحقيق معه فيما فعل و ما لم يفعل ..

مضت السنوات , و قد ارتقى فيصل في عمله حيث أصبح يدير المكان بأكمله , و قد زاد راتبه بمعدل خفيف , أما عبدالرحمن فقد كان يخوض تجربته الجامعية بجدارة ..

تخرّج عبدالرحمن , بعمر الـ 23 عامًا , و بدأ والده بالبحث عن وسطاء و معارف ليجدوا لابنه وظيفةً حكومية .. و بعد عدة أشهر , بشّر والد عبدالرحمن ابنه بأنه وجد له وظيفة رسمية في أحد القطاعات الحكومية في الخرج ..!

فرح عبدالرحمن و فيصل لهذا الخبر , و قد خرج فيصل من المنزل ليشتري عشاءً فاخرًا لهذه المناسبة المفرحة .. و ما أن انتهوا من تناول الطعام , حتى تحدّث فيصل قائلًا :

" و للمرة الألف أقول لك , مبروك الوظيفة , أنت تستحق كل خير فعلًا "..

ابتسم عبدالرحمن بهدوء و قال :

" بارك الله فيك , و لكن .. إن الوظيفة في الخرج ! "..

" و ما المشكلة في ذلك ؟! , أعني بأنه أمر رائع , ستكون قريبًا من والديك و إخوتك ! "..

" نعم أعلم , و لكن ماذا عنك أنت ؟! .. إن كنت سأذهب أنا للاستقرار هناك ؟! "..

" عبدالرحمن , أنا لست طفلًا , أستطيع تدبر أمري , قم ببيع هذا المنزل , و أشتري بقيمته منزلًا آخر هناك , أما أنا فسأبحث لنفسي عن منزلًا للإيجار أو شقة , لا تحمل همي "..

" لن أبيع المنزل , لقد حدّثني والدي عن هذا الأمر قبلك , قال بأنه سيزودني ببعض المال لترميمه و إعادة تأثيثه .. أما أنت , فستسكنه في غيابي "..

" لا يا عبدالرحمن , هذا كثير .. أقصد ماذا إذا أراد أهلك أن يأتوا إلى هنا في الإجازات مثلًا ؟! .. أو لزيارة أحدٍ ما ؟! .. سيكون هذا محرجًا "..

" فيصل , أظن بأننا قد تخطينا الرسميات بيننا منذ سنوات ! .. توقف عن الحديث بهذا الشكل , لماذا لا تزال تخجل مني ؟! .. أنا لا أريد منك شيئًا عندما أكرمك , أريدك فقط أن تعيش هنيئًا , أما بخصوص أهلي , فليس لهم حاجة في الرياض ليزوروها , إن كل معارفهم في الخرج .. سيكون من النادر أن يأتوا إلى هنا "..

" حسنًا ... ".. كان فيصل يفكر بطريقة ليشكر بها صاحبه , و لكن ضاعت الكلمات منه فجأة , فقرر أن يشكره دون مقدمات :

" شكرًا , أنا حقًا لا أعرف كيف أرد لك الجميل .. لا تقل أنني أتحدث برسمية الآن , أنا حقًا عاجز عن رد المعروف لك "..

" في الواقع أنا من يجب أن يشكرك , لقد كنت تؤنس وحدتي و غربتي طوال السنين الماضية , لقد اعتدت وجودك معي .. و إن المعروف الوحيد الذي أريد منك إسدائه إلي , كنت بالفعل قد أسديته فيما مضى ! "..

" ماذا تقصد ؟! "..

" إدمانك يا فيصل , لقد تخلصت من إدمانك , إن رؤية وجهك و قد دبت فيه الحياة مرة أخرى , و زوال ذاك الشحوب الذي اكتسى ملامحك و جسدك كفيلٌ بجعلي أحمد الله على ما أكرمك به "..

تمتم فيصل قائلًا :

" صدقت , الحمدلله "..

كان لا يزال مكسورًا من الداخل على ما حدث منذ 5 سنوات .. أن يعبر من خلال نقطة تحوّل قاسية , بعدما تخلى عنه أقرب الناس إليه , توأمه : عادل .. كان شديد التعجب لأمر أخيه , كيف أنه لم يحاول البحث عنه أو إصلاح من اقترفه .. أو حتى زيارة سريّة يصلح بها بعضًا من الماضي ..

" كيف له أن ينساني هكذا ؟! .. كيف انتهت هذه السنوات الخمس دون أن أصادفه ؟! .. لماذا لم يبحث عني ؟! .. أو حتى يحاول الاتصال بي ؟! .. كنت سأسامحه إذا التقيته و رأيت نظرات الندم تشوب عيناه ! .. و لكنه لم يأتِ .. يا ترى ماذا يفعل في هذه اللحظة ؟! .. أين هو و ماذا يدور في عقله ؟! .. هل انهى دراسته الجامعية , أم أنه دفن نفسه بذكراي مثلما فعلت أنا بنفسي ؟! و والدي , ماذا بشأنه ؟! .. ما الذي طرأ في حياته خلال هذه السنوات ؟! .. هل ما يزال غاضبًا مني ؟! .. أم أنه سيعانقني بذراعيه و دموعه إن حصل يومًا و جمعتنا طرقات هذه المدينة ؟! "...


**********


انتقل عبدالرحمن إلى الخرج فور صدور قرار تعيينه , تاركًا فيصل يعيش حياته في الرياض , و قد أعطاه المسؤولية و الحرية الكاملتان للتصرف في منزله ..

مضت الأشهر و فيصل يواجه أيامًا روتينية للغاية , و لكن كان الإحباط و اليأس يزدادان في داخله بشكل مأساوي .. و لكنه ظل يقول لنفسه أنه سيعتاد على هذه الحياة لوحده , خصوصًا بعد رحيل عبدالرحمن , و انعدام الحياة من هذا المنزل ..

كان يقضي ليالٍ طوال و هو يجهل ماذا سيفعل غدًا أو حتّى ماذا يريد من حياته ! .. كانت عيناه لا تعرفان النوم الهنيء , مجرد غفوات صغيرة يتخللها الكثير من الفزع و التعرق ..

بعد سنة من رحيل عبدالرحمن , لم يعتد فيصل شعور الوِحدة الذي بدأ يكتسي كل شيء من حوله , بل زاده ذلك انتكاسًا و رغبة في العودة إلى سمومه القديمة ! ..

فقد أصبح ينفق ثلاثة أرباع راتبه في شراء المخدرات بشكل دائم , و قد رأى بأن حياته لم تتحسن خلال الست سنوات التي مضت و التي ظن أن حياته ستزدهر فيها مع كل هذه الحرية و الاستقلالية اللتان دخلتا حياته و ملأتها ..

في إحدى الأيام خرج من المنزل و قد أمضى 4 ساعات و هو يتجوّل في الشوارع من غير وِجهة محددة , و قد قطع مسافة كبيرة بعيدًا عن المنزل .. و ما أن وقف أمام محل للعصائر لشراء بعض المشروبات .. حتى لفت نظره شاب يقف بعيدًا و يحدق إليه .. تجاهل فيصل أمر الشاب و عاد إلى المشي نحو المنزل مرة أخرى , و لكنه توقف عندما اقترب ذاك بشكل كبير و هو يقول :

" هذا مستحيل ! .. رُبّ صدفة خيرٌ من ألف ميعاد !! "..

التفت فيصل إلى الرجل متسائلًا :" عفوًا ! .. هل أعرفك ؟! "..

" أنت فيصل أليس كذلك ؟! فيصل سليمان ؟! "..

" نعم , هذا أنا , ما الأمر ؟! "..

ابتسم الرجل و عيناه تحملان بعضًا من الصدمة و قال :

" أنا محمد ! .. لقد كنّا زملاء في الثانوي , ألا تتذكرني ؟! "

كره فيصل الوضع كونه قد تصادف مع صديق قديم قد يعيد له ذكريات لا يريدها , ولكنه اضطر للوقوف و الابتسام للصديق القديم :

" أها نعم , نعم , تذكرتك ! "..

وقف الشابان يتبادلان التحية و السلام حين قال محمد :

" أين كنت يا فيصل طوال هذه السنين ؟! .. لقد قلب عادل الدنيا عليك ! "..

سرت رعشة في جسد فيصل من حديث محمد , و رد قائلًا :

" و لماذا كان يبحث عني ؟ "..

" لا أعلم , و لكنه لم يترك مكانًا لم يبحث فيه , و قد سأل الجميع عنك و حقق بشأنك "..

" متى كان ذلك ؟! "..

" لا أعلم ! .. قبل سنوات عديدة , ربما في أيام الثانوية ! .."

صمت فيصل غير مصدقًا ما قاله محمد للتو ! .. و قد بدأت يتساءل في نفسه :
" عادل كان يبحث عني ؟! .. هل كان حقًا يكترث لشأني ؟! .. "

قال فيصل بسرعة :

" نعم , تذكرت الآن ! .. لقد حصل خلاف بسيط بيننا في أحد الأيام و غادرت المنزل , و لكنني عدت من جديد , شكرًا على سؤالك يا محمد "..

صمت فيصل قليلًا ثم أخذ يفكر : إن كان عادل قد بحث و سأل الجميع عني , فلابد أنه سأل عبدالرحمن عني أيضًا ! ..

قال محمد :" لم يكن عادل يبحث لوحده , بل كنّا جميعًا معه ! "

" جميعكم ؟! من تقصد ؟! "

" أقصد أصدقائك القدامى , أنا , أسامة , عبدالرحمن و الآخرون ! "..

هز فيصل رأسه بشرود ثم قال : " لم يكن عليكم أن تحملوا همّي "..

" لا عليك , لقد قلقنا كثيرًا بشأنك , و لكن تسعدني رؤيتك الآن "..

" هذا لطف منك , أعذرني الآن , علي الذهاب لإنهاء بعض المشاغل , ربما ألتقيك لاحقًا "..

قرر فيصل قطع الحديث بسرعة , قبل أن يقوم محمد بسؤاله أكثر عن تفاصيل حياته .. و عاد متوجهًا إلى المنزل و رأسه مليء بالأسئلة :

" عبدالرحمن شارك عادل في البحث ؟! .. و لماذا لم يخبرني عن ذلك ؟! .. لم أخفى هذا الأمر عني ؟ لماذا لم يكن يريد جمع شملي مع أخي ؟ هل لأني كنت دائم الشتم لعادل بعدما تركت المنزل ؟ و قد كنت أرمي كل اللوم عليه طوال الوقت ؟ لم لَمْ يحاول عبدالرحمن أن يجعلنا نجتمع سوية لحل خلافنا ؟ ربما خشي أن أرفض ملاقاة أخي و التعرض للإهانة مرة أخرى ! .. هل اتصل عليه و أسأله ؟ أم التمس له الأعذار ؟ "..

ظل فيصل يلتمس لعبدالرحمن الأعذار على عدم إخباره بشأن بحث عادل عنه ! .. و قد حاول الاتصال كثيرًا بعبدالرحمن و لكنه خاف أن يحرجه , فظل فيصل ملتزمًا الصمت و مفضلًا العيش في عزلته لأيام عمره القادمة ..




يتبع ..

 
 

 

عرض البوم صور عـذاري   رد مع اقتباس
قديم 29-09-15, 12:47 PM   المشاركة رقم: 42
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Sep 2014
العضوية: 276583
المشاركات: 65
الجنس أنثى
معدل التقييم: عـذاري عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 63

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عـذاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عـذاري المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: روايتي البوليسية \ لماذا أرى ملاكًا وسط جحيمي

 

تابع ..


بعد مرور سنة على لقاء فيصل بمحمد , قرر عبدالرحمن المجيء إلى الرياض في أحد إجازاته و زيارة فيصل , و قد أجرى اتصالًا هاتفيًا معه في طريقه إلى الرياض :

" فيصل ؟ "

" مرحبًا عبدالرحمن , ما الأخبار ؟ "..

" الحمدلله بأفضل حال , اسمع , أنا قادم إلى الرياض الآن , و ربما أقضي 3 أيام عندك "..

" حقًا ؟ هذا سيكون رائع , سأقوم بتجهيز غرفتك حالًا "..

" لا , لا تفعل , سأجهزها أنا عندما أصل , قد يستغرق وصولي بضع ساعات , و ربما أصل مع آذان الفجر .. اذهب أنت للنوم , كنت أود إعلامك بالأمر فقط "..

" و لماذا لم تؤجل مجيئك إلى الصباح ؟ سيكون الطريق خطِرًا في هذا الوقت المتأخر ! "..

" لا بأس , يفصل بيني و بينك ساعتان فقط .. و في الواقع , لقد سئمت من أجواء الخرج , فلم أستطع انتظار الصباح ! "..

ضحك فيصل قائلًا :" إن الرياض لا تقل مللًا عن الخرج ! .. على العموم , انتبه لنفسك و قِد بحذر "..

" حسنًا سأفعل , عمت مساءً "..

أغلق عبدالرحمن الهاتف و أكمل قيادته , و قد وصل إلى الرياض في الساعة الخامسة فجرًا , و دخل إلى المنزل الذي كان مظلمًا خاليًا من الأضواء و الأصوات , كان يريد أن يدخل على فيصل في غرفته ; ولكنه توقع بأنه نائم , فقام بتأجيل لقائهما إلى أن يستيقظ , توجّه عبدالرحمن إلى غرفته و قد كانت مرتّبة و مجهزة من قِبَل فيصل , ابتسم عبدالرحمن لما فعله صديقه , و دخل ليستحم و يصلي الفجر ..

و بعدما انتهى , توجه نحو المطبخ ليعد لنفسه وجبة خفيفة , و لكنه توقف عندما سمع صوت ارتطام آتي من الدور العلوي , صعد إلى الأعلى و هو يمشي ببطء محاولًا تخمين مصدر الصوت , و ما أن وصل إلى غرفة فيصل , حتى نسي أمر الصوت , و قرر إيقاظ صديقه للصلاة .. و لكن ما أن دخل حتّى انصدم بمنظر فيصل المستلقي أرضًا وهو يرتعش بشدة !! ..

ركض عبدالرحمن نحوه بفزع وهو يهز كتفي فيصل صارخًا باسمه , بينما كان الآخر يواجه نوبة قلبية حادة ليس لها مثيل , فبعد أن تعاطى جرعة كبيرة من المخدرات , تضرر قلبه بشكل مأساوي , و من المعلوم أن عند التعاطي , فإن احتمالية الإصابة بنوبة قلبية قد تصل إلى 2400% !!

حمل عبدالرحمن صديقه بين يديه و نزل راكضًا نحو السيارة و هو يتنفس بعلو و خوف و قد اختفى لونه و شحب وجهه ..

ذهب به إلى المستشفى .. حيث التقى الطبيب المتدرب ( خالد ) !! .. الأخ الأكبر لسلطان !

كان عبدالرحمن ينظر إلى فيصل بعينين غارقتين بالدموع و الندم لتركه لوحده الفترة الماضية , كان يريد أن يستنجد بأحد في هذه اللحظات , و أن يكون هناك من يربت على كتفه و يطمئنه على صاحبه .. كان ينظر إلى فيصل بحسرة كبيرة على شبابه و صحته اللتان قاربتا على الفناء و الزوال , كان يعلم أن اللحظة قد حانت ليستدعي عادل إلى المستشفى , و يكون بجانب أخوه الذي قد يكون اليوم هو يومه الأخير !!

خرج عبدالرحمن من المستشفى بينما بقي فيصل في الداخل بين تلك الأجهزة و الأسلاك التي تحاول إعادة النبض إلى قلبه و جسده .. جلس عبدالرحمن على إحدى كراسي الحديقة و هو يبكي بخوف و بألم شديدين , و قد سحق الصداع كل الأفكار في رأسه , و لكن هناك فكرة واحدة ظلت على قيد الحياة , الاتصال بعادل !

اتصل عبدالرحمن على ذاك التوأم المنسي و بصوت واهن تحدث إليه قائلًا :

" عادل ؟ "

" من معي ؟ "

" إنه أنا , عبدالرحمن "

" آه عبدالرحمن ! , أهلًا .. كيف حالك يا رجل ؟ , لقد مضى وقت طويل لم أسمع فيه صوتك "..

" أنا آسف لاتصالي في هذا الوقت , و لكن ... ! ".. تحدث عبدالرحمن و قد تحشرج صوته من أثر البكاء ..

" عبدالرحمن , ما بال صوتك ؟! أأنت بخير ؟ "..

نزلت دموع عبدالرحمن قائلًا :" عادل , إن أخوك .. فيصل ! "..

وقف عادل و قد كان مستلقي على سريره و هو يصرخ بصدمة من ذكر أخيه , الذي انقطعت كامل أخباره منذ 7 سنوات :

" فيصل ؟! .. ماذا عنه ؟! أتعرف أين مكانه ؟! تكلم يا عبدالرحمن , ماذا أصاب فيصل ؟! "..

" لــقـ لقد أصيب بــ .. أصيب بنوبة قلبية حادة ! .. لا أعرف إن كان سيموت على أثرها أم لا ! .. و لكن عليك المجيء أرجوك ! .. قد يكون اليوم هو يومه الأخير ! "..

" عبدالرحمن أين هو الآن ؟! "..

" إنه في المستشفى المجاور لمنزلي .. أرجوك لا تتأخر , كن بجانبنا ! "..

" حسنًا حسنًا , لن يستغرق مجيئي ثواني ! "..

خرج عادل راكضًا من المنزل و راكبًا سيارته التي انطلقت بأقصى سرعتها نحو أخيه .. و هو يفكر بفيصل و المرة الأخير التي رآه فيها ! .. و كل تلك الجهود التي بذلها للبحث و التقصي عن أخيه دون علم والده ! .. و لكنه لم يستطع أن يعرف طرف خيط على مكانه ! .. و الآن و بعد 7 سنوات , يأتيه هذا الخبر الصاعق بسقوط أخيه بنوبة قلبية ! ..

وصل إلى المستشفى و جلس لبضعة دقائق داخل سيارته و هو غارق في تفكيره , و قد بدأت الشمس ترمي بخيوط الصباح الأولى :

" ماذا إن لم يكن فيصل يود مقابلتي ؟ .. ماذا لو نجا من هذه المصيبة و رفض أن أكون بجانبه لأسنده في محنته ؟ هل سيسامحني على ما اقترفته بحقه ؟ و لكني تسببت بضياعه قبل عدة سنين مضت ! .. لقد سكت عندما كان يجدر بي الكلام و الوقوف معه ضد جبروت أبي و ظلمه ! .. هل سيسامحني فيصل ؟ .. ماذا إن كان سيموت الليلة ؟ ماذا إذا رحل عن الحياة و لم أره و أطلب السماح منه و أقبل جبينه ؟! .. ماذا إن ارتحل الحياة و قلبه مكسور إلى الآن ؟ هل سيسامحني ؟ .. لا عليّ منه ! .. سأظل بجانبه حتّى و إن اضطر لضربي و إخراجي بالقوة من المستشفى و من حياته بأكملها ! .. سأظل بجانبه ليرتاح ضميري .. لن أتركه وحده حتى و إن رفض أن يغفر لي صمتي ! "..

نزل عادل إلى المستشفى و قد لمح وجهًا يعرفه جالسًا على الكراسي الخارجية , فركض نحوه صارخًا :
" عبدالرحمن ! .. أهذا أنت ؟! "

نهض عبدالرحمن بسرعة متوجهًا إلى عادل و قال :

" نعم , لا وقت للسلام الآن , لنذهب إلى أخيك حالًا ! "..

دخل الاثنان إلى قسم الطوارئ , و مع كل خطوة يخطوها عادل , كان قلبه ينبض بشدة و خوف .. و ما أن وصل إلى غرفة أخيه , حتى انعقد حاجباه و احمرّ أنفه معلنًا بدأ نزول دموعه , استند بيده على الباب وهو ينظر إلى الأطباء الذي ينعشون ذاك القلب الكسير الشاب ! .. و مع كل مرة يصعقونه فيها , كان عادل يغمض عينه بانتظار صوت دقّات قلب فيصل لتظهر على الجهاز , و بعد عدة محاولات لإنعاشه , و مع استمرار عادل بإغماض عينيه , سمع الجميع أخيرًا ذاك الصوت الدال على الحياة و الخارج من الجهاز الموصول بقلب فيصل ! ..

صرخ عادل و عبدالرحمن بـ : الحمد لله يارب ! .. و خر عادل ساجدًا و هو يجهش بالبكاء و التحميد .. بينما نزل عبدالرحمن بجانبه وهو ساجد يحمد الله على الحياة التي أعيدت إلى صديقه ..

هنأ الأطباء الشابين اللذان وقفا عند الباب و قد مزقت الابتسامة شفتيهما .. و توجها نحو فيصل يحدقان فيه بسعادة , أمسك عادل يد أخيه و هو يقبلها و يبكي بهدوء و بابتسامة صادقة :

" الحمد لله على سلامتك , فيصل , استيقظ أرجوك , استيقظ و قل لي أنك ستفسح لي مجالًا في حياتك التي أعيدت لك للتو .. قل لي بأنك لا تحمل أي ضغينة نحوي ! .. استيقظ فيصل , لقد أمضيت 7 سنوات بدونك ! .. هذا ليس وقت للنوم , استيقظ و تحدّث إلي ّ ! "..

سحب عبدالرحمن عادل الذي بدا متأثرًا بشدة لما جرى لأخيه , و أخذه نحو الكرسي ليرتاح و قال له :

" اهدأ يا عادل ! .. سيستيقظ خلال بضع ساعات , ابقى هنا و انتظره , لا تضغط كثيرًا على نفسك "..

هز عادل رأسه قليلًا ثم قال :" شكرًا , لقد فعلت الكثير يا عبدالرحمن , لقد كنت أظن بأننا سنموت قبل أن نلتقي مرة أخرى , لقد جمعتنا , لن أستطيع أن أوفيك حقك ! "..

" لا عليك , لا داع لهذه الرسميات , نحن أصحاب منذ الصغر , كيف لي أن أتجاهل أمركم ؟ "

ابتسم عادل لصديقه و قد صمت قليلًا ثم قال :" أين كان ؟! "..

ارتبك عبدالرحمن لهذا السؤال ! .. و قال و هو يهدئ نفسه :" سـ سأخبرك بكل شيء , و لكن دعني أحضر بعض الماء لكلينا , لقد جف حلقي في الدقائق التي مضت " ..

خرج عبدالرحمن من الغرفة ليجلب بعض الماء و هو يفكر بأكاذيب ليقنع بها عادل أن فيصل لم يكن في منزله , فقد قام عبدالرحمن قبل 7 سنوات بمساعدة عادل في البحث عن أخيه و هو يتظاهر بذلك ! ..

حتّى لا يعلم أحد بمكانه و تتصاعد الشكوك نحو عبدالرحمن نفسه .. لم يكن يظن أن فيصل سينجو من هذه المصيبة , و لكنه قد شفي الآن و قد يخبر أخاه بكل شيء أو لا شيء ! ..

عاد عبدالرحمن إلى الغرفة وهو يسحب كرسي بالقرب من عادل وهو يقول :

" لقد كان الأمر مفاجئ لي ! .. فلقد كنت في طريق عودتي من الخرج إلى الرياض , و قبل الوصول للمنزل , تلقيت اتصالًا مجهولًا ! .. فقد كان من رجل يسكن شقة مجاورة لشقة فيصل في إحدى العمائر القريبة من هنا .. و قد قال بأنه وجد فيصل مصابًا بنوبة قلبية حادة , فقام بإحضاره إلى هنا و قد أحضر هاتف فيصل معه و وجد رقمي فيه , فاتصل بي للحضور , و أنا استدعيتك بعد ذلك "..

تنهد عادل قائلًا :" سبحان الله ! .. لقد أمضينا أيام و شهور للبحث عنه .. و الآن نلتقي به عن طريق رجل غريب لا نعرف اسمه حتى "..

" نعم , لم يكتب الله لنا أن نجده في ذاك الوقت "..

" الحمد لله على كل حال "..


**********


أمضى عادل ساعتين بجانب أخيه , و قد طلع الصباح و أشارت الساعة إلى السابعة و النصف , فنهض للوقوف بجانب رأسه فيصل و قد انحنى ليقبل جبينه بهدوء و هو يقرأ عليه أذكار الصباح , و ما لبث طويلًا حتى رأى فيصل قد بدأ يقطب جبينه بضيق و يأن بألم , و لكنه ارتخى مرة أخرى و عاد للنوم , اقترب عادل مرة أخرى منه وهو يهمس ممازحًا توأمه :

" فيصل , لم تكن تحب النوم هكذا عندما كنّا صغارًا , لم انقلب حالك أيها الكسول ؟! "..

و لكن عادل انصدم عندما رأى ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتي أخيه , ضحك عادل لما رآه و هو يقول :

" فيصل ؟ هل تسمعني ؟! "..

فتح فيصل عينيه بهدوء وهو يحدّق في عيني أخيه , و عاد لإغماضها بهدوء قائلًا :

" لماذا جئت إلى هنا ؟! "..

" أتيت من أجلك .. لم أكن لأتركك مهما حصل ! "..

تنهد فيصل بألم و هو ينظر إلى أخيه قائلًا بهمس :" هل حقًا كنت تبحث عني ؟ بعدما خرجت من المنزل في ذاك اليوم ؟ "..

ابتسم عادل وهو يقترب من أخيه و يقول :

" نعم , لقد بحثت عنك حتّى تورّمت قدماي , لم أترك مكانًا و لا زاوية لم أبحث فيها , و كأني أبحث عن إبرة و ليس بشرًا ! .. لم أترك قسمًا في الشرطة لم أقدم بلاغًا فيه ! .. كنت أريد أن أعتذر لك .. و أقف بجانبك , حتى و إن لم تغفر لي , أريد أن أظل واقفًا بجانبك حتى النهاية ! "..

سكت عادل وهو ينتظر ردًا , و لكن لم يكن هناك سوى نظرات فارغة من عيني فيصل المرهقة و الذي سرعان ما عاد إلى النوم و كأنه لم يسمع شيئًا ! ..

عاد عادل للجلوس وهو يقول لنفسه بأنه سيظل ينتظر غفران أخيه حتى آخر يوم في عمره , فإن خسره في يوم من الأيام , فلن يستطيع أحدًا في العالم أن يعوضه خسارته ! ..

غفا عادل على الكرسي و قد أشارت الساعة إلى الثامنة صباحًا , فلم يلبث عادل طويلًا حتى باغته صوت هاتفه باتصال , رفع هاتفه و رد بسرعة :

" نعم ؟ "

" عادل أين أنت ؟ من المفترض أن تكون في الشركة قبل ربع ساعة من الآن ! "..

" أبي ؟ .. " ارتبك عادل من صوت والده , و لكنه كان مصرًّا على البقاء بجانب أخيه :" أنا , أنا لن أستطيع المجيء "..

" ماذا تقصد ؟ .. لقد أوكلت إليك اليوم اجتماعين مهمين ! .. كيف لك أن تتغيب هكذا ؟! .. لم يجدر بي أن أعطي ثقتي لشخص في عمرك ! "..

" أبي أن لا تفهم وضعي , لقد حصل أمر طارئ للغاية ! ".. كان عادل يود لو يستطيع أن يخبر والده مباشرة بكل شيء ..

" ماذا حصل ؟ و أين أنت الآن ؟! "..

" أنا .. أنا مع ... " سكت عادل قليلًا ثم قال :" أنا مع فيصل "..

" فيصل ! .. من هذا أيضًا ؟ "..

" أبي , إنه فيصل , أخي ! "..

كان عادل يستطيع الإحساس بصدمة أبيه من صوت أنفاسه التي توقفت فجأة .. ثم قال بغضب :

" أنت مع فيصل ؟ ماذا تفعل معه ؟ هل لا يزال ذاك العاق حيًا إلى الآن ؟ "..

صرخ عادل مدافعًا عن أخيه :" أبي , لقد تعرض فيصل لنوبة قلبية و كاد أن يموت على أثرها , أعلم بأنك لن تنسى ما فعله أبدًا , و لكن أنا سأنسى , و سأظل واقفًا معه في مصيبته مهما حصل ! "..

سكت والد عادل – حمد – لثواني , ثم قال بحزم :

" لن أطيل الحديث معك , و لكن سأعطيك 5 دقائق فقط لتأتي إلي , و إن لم تفعل , فسأعتبرك مثل أخيك تمامًا .. لا أكترث إن مرض فيصل أو مات ! .. لأنه لم تعد هنالك علاقة تربطنا به ! .. تذكر يا عادل , 5 دقائق فقط "..

" أبي , ما الذي تتحدث عنه ؟ ألم يحن الوقت لتنسى ما حصل , لقد مضت 7 سنوات ! .. و أجزم بأن فيصل قد أصبح شخصًا أفضل , تذكر أنك لم تعطه فرصة واحدة حتى ليتعدل سلوكه ! أنا لم أعد إليه برغبتي , بل لأنه كان على وشك الموت دون أن يكون هنالك أحد و لا ظلال بجانبه , أظن بأن الوقت حان لننسى يا أبي , علينا أن ننسى لنعيش ! "..

" عادل , أخوك تخطى كل الحدود التي وضعتها لكم , و جلب لي العار و لك أيضًا ! .. لقد فعل أشنع ما يمكننا تصوره .. لا أظن أنه يستحق فرصة أخرى "..

" أنت لم تعطه فرصة أولى حتى تعطيه أخرى ! "..

" عادل ! ".. صرخ حمد .. :" لقد مضت دقيقة حتى الآن , من الأفضل لك أن تأتي , و إلا ... "

تنهد عادل بحيرة من أمره , فلم يكن يريد خسارة والده أو أخوه , فقال بهدوء :" حسنًا , هدأ من روعك , سآتيك حالًا "..

أغلق عادل هاتفه وهو يتوجه إلى فيصل و ينحني ليقبل جبينه قائلًا :

" سأعود , سأشحذ الدقائق و الثواني لأزورك و أطمئن عليك , كن بخير أرجوك ! "..

و ما أن رفع رأسه حتى رأى عبدالرحمن يدخل الغرفة و بيده بعض الطعام للإفطار , قال عادل :

" عبدالرحمن , علي الذهاب الآن , سأعود متى ما استطعت "..

" لماذا ؟ هل حصل شيء ؟ "..

تنهد عادل وهو يقول :" لقد علم والدي بالأمر , و لا يريدني أن أزور فيصل أو حتى أراه ! "..

" لا يزال غاضبًا منه أليس كذلك ؟ "..

" نعم , و لكنني ظننت أن قلبه سيلين عندما يعلم بما حصل لابنه , و لكن ذلك لم يزده سوى قسوة ! .. أنا ذاهب الآن , سأتصل عليك عندما يتسنى لي الوقت , و ربما أزوركم من وقت لآخر دون علم والدي ".. سكت عادل لبرهة ثم قال :

" سيظل يعاملني كالطفل ! .. حتى و إن أصبحت في الأربعين من عمري ! "..

خرج عادل متوجهًا إلى أبيه .. محاولًا بشتى قدراته أن يرضي الطرفين ..

كان عادل قد أخبر عبدالرحمن بالقصة كاملة قبل 7 سنوات عندما قرر أن يستنجد به للبحث عن فيصل , أما باقي أصحابهم , فقد أعطاهم عادل رواية أخرى عن أخيه حتى لا تتشوه صورته في أعينهم و أثناء بحثهم عنه ! .. فقد اختصر القصة بالقول أن هنالك نقاش حاد دار بينه و بين توأمه , جاعلًا فيصل يخرج غاضبًا من المنزل , و نحو وجهة مجهولة ..!

يتبع ...

 
 

 

عرض البوم صور عـذاري   رد مع اقتباس
قديم 29-09-15, 12:48 PM   المشاركة رقم: 43
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Sep 2014
العضوية: 276583
المشاركات: 65
الجنس أنثى
معدل التقييم: عـذاري عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 63

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عـذاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عـذاري المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: روايتي البوليسية \ لماذا أرى ملاكًا وسط جحيمي

 

تابع :

بدأ فيصل بفتح عينيه مرة أخرى مع آذان العصر , و هو يتذكر أنه سمع الكثير من الحوارات أثناء نومه , و لكنه لا يستطيع تذكر التفاصيل ! .. مجرد همسات يظن بأنه سمعها ..

التفت ليجد عبدالرحمن جالسًا يقرأ كتابًا في يده , ثم قال بصوت متعب :

" عبدالرحمن ؟ "..

نهض ذاك مغلقًا الكتاب بين يديه و متوجهًا لرفيقه قائلًا :" الحمد لله على سلامتك .. لقد كدت أموت من الخوف عليك ! "..

ابتسم فيصل بهدوء ثم قال :

" لقد كان عادل هنا هذا الصباح أليس كذلك ؟ "

" نعم , لقد أتى .. استدعيته عندما أصبت بالنوبة , لقد ظننت بأن الوقت قد حان لتلتقيا , لم أستطع الوقوف لوحدي , فاستدعيته ليسندني و يسندك أنت قبلي "..

" أين هو الآن ؟ "..

" لقد رحل الصباح , قال بأنه سيزورك عندما تتسنى له الفرصة "..

" نعم , لقد سمعت ذلك "..

فتح عبدالرحمن عينيه قائلًا :" حقًا ؟ "..

أغمض فيصل عينيه دلالة على الإيجاب , ثم قال :" لقد أمره والدي بتركي أليس كذلك ؟ "..

تردد عبدالرحمن بالإجابة خوفًا على مشاعر صديقه , فقال :" آه , أظن ذلك , لا أعلم "..

" لا بأس يا عبدالرحمن , لقد اعتدت على قسوة قلبه , لقد أنكر وجودي لـ 7 سنوات , فلا أتوقع منه أن يلين و يسامحني الآن , إنه والدي و أنا أعرفه "..

" لا عليك , أنت لست بحاجة إلى أحد , أنا سأكون هنا من أجلك "..

هز فيصل رأسه , ثم قال :" هناك خدمة أريدك أن تسديها إلي , و تستطيع اعتبارها آخر خدمة تقدمها لي "..

" ما هي ؟ "..

مد فيصل يده إلى عبدالرحمن ليساعده على الاعتدال في الجلوس , ثم قال بهدوء :

" أريد أن أكون ميتًا ".. قال فيصل ثم علق ناظريه على الحائط أمامه ..

فتح عبدالرحمن عينيه بصدمة و انعقد حاجبيه , ثم عاد فيصل للحديث قائلًا :

" أريد أن أكون ميتًا بأعين الجميع ! .. و لكن حي أرزق أمامك "..

" تعني بأنك تريدني أن أقنع الجميع بأنك ميت ؟ "..

" نعم , هل تستطيع فعلها ؟ "..

" لماذا قد تريد هذا يا فيصل ؟ من في هذه الحياة يود أن يعيش كـ نكرة ؟ "..

" لا تسأل عن الدوافع يا عبدالرحمن , سأكون مرتاحًا للغاية إن حققت لي ذلك , أريد أن أختفي من ذاكرة الجميع , أن أعيش في الخفاء , أن أدبّر خطط متقنة للانتقام لنفسي , أريد أن أعمل خلف الستار "..

" تستطيع الانتقام لنفسك دون فعل ذلك ! "..

تنهد فيصل ثم رفع عينيه إلى عبدالرحمن بصبر قائلًا :" إن كنت لا تستطيع فعل ما طلبته منك فأخبرني في الحال ! "..

تنهد عبدالرحمن قائلًا :" طالما ذلك سيشعرك بالارتياح , فسأفعل "..

صمت عبدالرحمن قليلًا ثم قال :" و لكن ماذا لو أراد أن يرى عادل و أقاربك الجثة ؟ ماذا سأقول لهم ؟ "..

ابتسم فيصل قائلًا بنبرة غامضة :" أنت بارع في الكذب يا عبدالرحمن , أنا واثق بأنك ستجد مخرجًا لذلك "..

هز عبدالرحمن رأسه و هو يدور في مكانه باحتيار وتفكير ..


**********


( بعد يومان ) ..


رن هاتف عبدالرحمن فرفعه قائلًا :" نعم ؟ "..

" عبدالرحمن , السلام عليكم .. أنا عادل "..

ارتبك عبدالرحمن ثم قال :" وعليكم السلام , عذرًا لم أنظر إلى الرقم عندما رددت على الهاتف "..

" لا بأس , أردت أن اسألك عن فيصل , كيف حاله الآن , هل لا يزال في المستشفى ؟ "..

سكت عبدالرحمن ثم قال بهدوء :" فيصل ؟ "..

خاف عادل من نبرة صديقه ثم قال :" نعم , فيصل .. هل هو بخير ؟ "..

تنهد عبدالرحمن ثم قال :" هناك أمر أريد إخبارك به بشأن فيصل , و لكن أظن أن علينا أن نلتقي , لن نستطيع الحديث عبر الهاتف ! "..

" عبدالرحمن , ماذا حصل ؟! .. لن أنتظر حتى نلتقي ! .. "

" عادل , اهدأ أرجوك , لقد قلت لك علينا أن نلتقي , لا يمكننا التحدث هكذا "..

تلفت أعصاب عادل وهو يقول بصراخ :" عبدالرحمن , إياك و أن تختبر صبري , أخبرني ماذا حصل حالًا ! "..

قال عبدالرحمن بصوت متردد و منخفض :" لقد تعرض فيصل إلى .. إلى نوبة قلبية أخرى "..

فتح عادل عيناه بصدمة قائلًا :" متى حصل ذلك ؟ "..

" قبل يومان "..

قال عادل بسرعة و قلق :" و هل هو بخير ؟ أم ماذا ؟ عبدالرحمن لا تعطيني الأخبار بالتقسيط ! "..

سكت عبدالرحمن ثم همس ببطء :" لـ ـقد مات يا عادل ! "..

كان عادل يقف في منتصف غرفته فجلس على السرير و هو بالكاد يستطيع حمل نفسه , استغرق الأمر ثواني لعادل حتى يستوعب الوضع , فقال ببطء و قد داهم رأسه ألم حاد :

" مات ؟ .. تقولها هكذا بكل بساطة ؟ , لماذا لم تخبرني عن الأمر يوم مماته ؟ .. لماذا انتظرتني لاتصل حتى تخبرني ؟! ".. بدأ عادل بالصراخ و قد تلفت أعصابه كليًا ! ..

" لقد أوصاني فيصل قبيل مماته أن لا اتصل بك أو أخبرك بشيء , لقد كانت تلك وصيته الوحيدة ! .. و لكن أظن أنه من الواجب علي إبلاغك "..

" لم تكن لتخبرني إن لم أتصل عليك الآن ! كنت ستتركني على جهل إلى أجل غير مسمى , إنه أخي , أتفهم ماذا يعني ذلك ؟ لقد مات أخي , و لم ترغب أنت بإخباري بسبب وصية حمقاء ! ".. صرخ عادل غاضبًا من عبدالرحمن و أعذاره الواهية ..

" عادل , إنها وصيته , لم يطلب مني شيء سوى تنفيذها "..

سكت عادل و قد عض على شفتيه بحسرة و ندم , و أغمض عينيه بشدة و هو يقول :" أين هو الآن ؟ في ثلاجة الموتى ؟ "..

تردد عبدالرحمن قائلًا :" لا , لقد دفناه "..

فتح عادل عينيه غير مستوعب للأمر قائلًا :" دفنته ؟ .. و كيف لك أن تتصرف من نفسك بهذا الشكل ؟ كيف استطعت إخراجه من المستشفى دون إذني ؟ كيف سمحوا لك بأخذه للمقبرة ؟! ".. صرخ عادل بشكل استدعى والده إلى الدخول لغرفته و التحقق من أمر ابنه ..

قال عبدالرحمن :" أنا آسف يا عادل , و لكني فعلت ذلك .. لقد طلبت من المستشفى أن يتصلوا على والدك ليستلم الجثة , و لكنه .. و لكنه رفض , فسمحوا لي بإخراجه بصفتي أحد معارفه .."

كان عادل يستمع إلى عبدالرحمن بصدمة , غير مصدقًا أن والده قد يصل به الظلم و القسوة أن يرفض استلام جثة ابنه ! .. نظر عادل إلى والده بنظرات ليس لها مثيل , كانت تحمل الكثير من الحقد و الخزي , الكراهية و النفور ..

تكلم عادل مع عبدالرحمن و لا تزال عيناه معلقة بابيه :" عبدالرحمن , تعال إلى منزلي , و خذني إلى المقبرة حالًا "..

" حسنًا , سأصل خلال دقائق "..

خرج عادل من الغرفة بعدما ضرب كتفه بوالده الذي كان على علم بالأمر , و الذي رفض فعلًا استلام الجثة عندما تلقى اتصالًا من المستشفى .. و لكنه لم يستطع أن يمنع عادل من الخروج و الذهاب إلى المقبرة و الصلاة على أخيه , لم يستطع أن يقسو على عادل أكثر مما فعل مسبقًا ! ..

خرج عادل مسرعًا بعدما تلقى اتصالًا من عبدالرحمن يخبره بأمر وصوله , ذهب الاثنان إلى المقبرة و قد كان الهدوء يسود الأجواء .. كان عبدالرحمن يشعر بالخجل الشديد من عادل , كان يريد أن يتحدث معه و يواسيه , و لكنه خاف أن يتلقى عبارات من التوبيخ و العتاب ! .. و لكن ما أن اقترب الاثنان من المقبرة حتى تحدث عادل قائلًا :

" من قام بالدفن ؟ "..

" أنا و مجموعة من فاعلي الخير , بعدما أخذت جثمان فيصل إلى المسجد , كان هنالك مجموعة من الرجال يصلون على جثمان آخر , فقرروا الصلاة على فيصل أيضًا , و حملنا الجثتان و قمنا بدفنهما سوية "..

" يا للخزي ! .. لقد دفن أخي وحيدًا دون أن يشيعه أحد منا ! .. و كأنه مقطوع من شجرة , و كأنه فعل ذنوب لا تغتفر في حياته "..

" لم أكن أريد لذلك أن يحصل , و لكنها كانت وصيته ! .."

" إنها وصية متهورة و غير عقلانية , و قد زدت أنت الطين بلةً بتنفيذها ! "..

سكت عبدالرحمن غير قادر على نقاش هذا الشاب الغاضب و المتحسر على توأمه ..

نزلا الاثنان إلى المقبرة و مشى عادل خلف عبدالرحمن الذي بدأ يبحث بعينيه عن قبر حديث الإغلاق , و الذي تعلوه تربة رطبة , و ما أن رأى واحدًا حتى أخذ عادل إليه .. !!

بدأ عادل بصلاة الميت , و بدأ بالدعاء الذي تخلله الكثير من الصمت و الإجهاش بالبكاء .. و تلك الرعشات التي جعلت يداه المضمومتان بالقرب من وجهه ترجفان و تتحولان إلى آنية يجمع بها دموعه و حسراته , و يلفظ بداخلها دعاءه و وعوده بعدم نسيانه و دفنه في الذاكرة كما دفن في الأرض ..

انهى صلاته و جلس بضعف على ركبتيه و قد سحب غترته إلى الأرض و بدأ بتجفيف وجهه .. و ما لبث طويلًا حتى أحس بيدي عبدالرحمن على كتفيه و هو يحثه على الصبر و عدم الجزع .. ظل الاثنان صامتان , و مع اقتراب مغيب الشمس , التفت عادل إلى عبدالرحمن قائلًا :

" يمكنك الذهاب يا عبدالرحمن , سأعود بنفسي إلى المنزل "..

" أأنت متأكد ؟ "..

هز عادل رأسه بالإيجاب و أعاد نظره إلى القبر .. و نهض عبدالرحمن متوجهًا إلى البوابة و هو يلتفت إلى عادل كثيرًا , لم يكن يريد أن يرى صاحبه مكسورًا هكذا و يصلي على قبر لمجهول ! .. و أن يملأ وجهه و كفيه بالدموع , و أن يدعو لشخص حي ! .. كان يود لو يستطيع إخبار عادل بكل شيء , و أن يجعله يتوقف عن الحسرة التي هشمت قلبه و كسرته , و لكنه ظل يقول لنفسه أنه لن يخذل فيصل في ما أمره به .. فما تعرض له فيصل كان أشد مما يتعرض إليه عادل الآن , و هذه كانت قناعة عبدالرحمن التي منعته من العودة و فضح أمر هذه الكذبة المتقنة بأكملها ! ..



**********


" أعلم بأن الوقت قد تأخر كثيرًا على الاعتذار , أعلم بأنني لن أستطيع معرفة جوابك , و لكن : هل لا تزال غاضبًا مني ؟ هل سامحتني ؟ هل خرجت منك روحك و أنت مطمئن أم كان الأمر قاسيًا صعبًا ؟ .. هل غسلت روحك بالتوبة قبيل مماتك , أم أنك لفظت بالتوبة عندما بلغت الحلقوم ؟ ..

سأظل أسألك الغفران و السماح حتى آخر يوم في حياتي , سأظل استغفر لك ربك ما دمت لم تشرك به , سيظل لساني يصدح بالدعاء لك و الذكر , سأبذل كل ما عندي من أجلك , سأقيم لك الصدقات الجارية ما دمت حيًا أرزق .. سأظل أحكي للجميع عنك و عن نقاء روحك الذي كنت تخفيه خلف قسوتك و تمردك الدائم , سأخبر الجميع عن ابتسامك التي تظل دائمًا تخفيها خلف حاجباك المعقودان و صوتك الغاضب اصطناعًا ..

سأجعل الجميع يدعون لك سرًا حتى و إن لم يعرفوك , سأجعلهم يتمنون لقاءك في الآخرة , سأرسم لهم أجمل صورة عنك , سأخبرهم بأنك التوأم الوسيم مني , و أنك النسخة الملائكية عني .. سأقنع الجميع و أولهم نفسي بأنك لم تكن عارًا بيوم من الأيام , بل كنت فخرًا و سندًا تمنيت أن يدوم لي طوال عمري .. فلتنعم في الفردوس يا أخي , و ليغفر لك الله ذنوبك , ما علمت منها و ما لم تعلم ..

سأعود .. سآتي لزيارتك كل يوم , سأجعل غرفتك قائمة و كأنك ستعود في يوم من الأيام لتملأها بوجودك , سأطلب من الخدم أن يغسلوا ملابسك كل يوم و يعطروا فراشك , لأنك لم تمت بالنسبة إلي .. ستظل حيًا ما دمت أنا حي .. ستظل موجودًا في حياتي لأني أراك في كل مرة أقف أمام المرآة .. و في كل مرة أمشي بمحاذاة غرفتك .. لعل أجمل ما حصل في حياتي انني توأمك , ففي كل مرة سأشتاق لك فيها , سأنظر إلى المرآة لأراك بدلًا عني , و لكن لا أعلم إن كانت هذه نعمة أم نقمة , لا أعلم إن كانت رؤية نفسي ستطفئ اشتياقي لك , أم أنها ستزيد من حنيني إليك ؟؟ .. نم بسلام أيها المتمرد , ولا تحمل هم العار الذي جلبته , لأنني سأتخلص أنا منه .. "

نهض عادل عن القبر بعدما بلل ترابه زيادة على بلله , و خرج من المقبرة و هو بالكاد يستطيع حمل قدامه اللتان فقدتا قوتهما , و كأنما سار به الدهر 20 عامًا إلى الأمام ..

لم يشعر يومًا بهذا الضعف و الانكسار , و تمنى لو عاد به الزمن يومان فقط ليجلس بجانب أخيه في ساعات حياته الأخيرة ! ..


(( نهاية الفصل 18 )) ..

يلّا يا حلوات , رأيكم و توقعاتكم .. و مين فيكم تقدر تربط لنا الأحداث مع بعض , و تقدر تتوقع الأحداث الجاية ؟؟

بانتظاركم يا حلوات , و دمتوا بحفظ الله و رعياته يارب ..



 
 

 

عرض البوم صور عـذاري   رد مع اقتباس
قديم 21-12-15, 06:50 PM   المشاركة رقم: 44
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Sep 2014
العضوية: 276583
المشاركات: 65
الجنس أنثى
معدل التقييم: عـذاري عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 63

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عـذاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عـذاري المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: روايتي البوليسية \ لماذا أرى ملاكًا وسط جحيمي

 





السلام عليكم ورحمة الله ..

كيفكم ان شاءالله تمام ؟! .. فصل اليوم يعتبر قصير شوي مقارنة مع اللي قبله ..

يلا نبدأ ؟!

قراءة ممتعة ..







الفصل التاسع عشر ( 19 )
- ما قبل الأخير -





مرت سنتان , و تزوج خلالها عادل من ابنة أحد أصدقاء أبيه .. كانت نية الزواج الأولى هي توطيد العلاقة بين آباء العروسين لتثمر من خلالها أعمالهما المشتركة .. و لكن بعد فترة , كان عادل متيم بزوجته التي تصغره بخمسة سنوات , بعدما كان يراها في البداية مجرد صفقة نجاح لأعمال والده ..
و لكن مع مرور الأيام تحولت ( فرح ) إلى معشوقته الأولى و الأخيرة , كانت هي الوحيدة التي تخفف عليه آلامه على فقدان أخيه مع كامل جهلها بوجوده أصلًا ! ..

أحبت عادل من أعماق قلبها , حتى أتى اليوم التي أصبحت تحمل في أعماقها قطعة منه .. كان حملها بابنها الأول بدر هو الفرحة التي أعادت الحياة للمنزل بعدما كانت تتلبسه الكآبة و الضجر .. كان الجميع يرى السعادة و الحياة متشكلة على هيئة انتفاخ في بطنها ..

مضت فترة حملها ببعض الصعوبة , و عندما حان وقت ولادتها , كان الحياة أنانية للغاية , فلم تكن لتعطي فرح هذا الاسم و الفرحة الحقيقة معًا , فأصبح الفرح هو مجرد اسم لها , و تركت الفرحة خلفها بعدما أخذها الموت عندما كانت تنجب حياة و روح جديدة ! ..

توفيت أثناء ولادتها بابنها , و هي تبلغ من العمر 21 عامًا فقط .. و لم يكن عادل مكسور الجناحين كما كان في يوم وفاتها .. لقد سلمته المستشفى جسدين : حي و ميت , ابنه الجميل , و تلك الجثة الهامدة لزوجته الحسناء ..

جلس على كراسي المستشفى وهو يضم ذاك الصغير إلى صدره , و ما كان يرى في بكاء بدر سوى مواساة له و حزنًا على والدته ..

كان عادل يرى زوجته عبر أغراضها الأنثوية التي تركتها خلفها , و كل تلك التجهيزات التي قامت بها في غرفتها لاستقبال مولودها , و كل تلك الأكياس المملوءة بفساتين ما بعد الولادة و عطوراتها و مساحيق التزيين , لم تكن تلك الأغراض و الألوان الزاهية تزيد عادل سوى حزنًا و سوداوية ! ..

أمضى عادل عدة أيام و هو يضع كل أغراض زوجته في صناديق كبيرة , و يقوم بتغليفها بعناية فائقة , ثم قام بوضعها في غرفة خاصة بالمنزل و أقفلها و منع الجميع من محاولة دخولها أو حتى المرور بمحاذاتها , لقد كانت تلك الغرفة بجوار غرفة فيصل التي قام بإغلاقها أيضًا .. فقد أصبح يرى أن للأموات أحقية الحصول على غرف تخصهم في هذا البيت أكثر من الأحياء ! ..

و لكنه لم يترك من أغراضها سوى عطر صغير كان الأحب إلى قلبها , تركه على طاولة الزينة الخاصة بهما , و قد كان يقوم برش بضع قطرات منه على وسادته قبيل نومه , لم يكن يتحمل انعدام حضورها حتى في الهواء ..

أعاد نظره بعد ذلك إلى طفله الرضيع و الفرحة الوحيدة في حياته : بدر ..

كان يمضي ساعات و هو يلاعب أصابع ذاك الصغير و يجعلها تتلمس وجهه و ملامحه , كان يجهل تمامًا كيفية الاهتمام بطفل .. فتركه في الأشهر الأولى مع أم زوجته و أخواتها , فأحسنّ رعايته و الاهتمام بشؤونه , و ما أن بلغ بدر السنتان , حتى أصبح عادل يتركه عندهم في أوقات عمله فقط , و يعود لأخذه منهم عندما يحل الليل و يعود لمنزله ..

و لكن الحياة لم تنتظر جِراح عادل لتلتئم , بل زاد عليها جرح آخر مزق روحه بالكامل .. كانت وفاة والده هي الشعرة التي قسمت ظهره , فقد حولته فجأة إلى رجل بقلب عجوز يائس .. فقد الأخ, الزوجة ثم الأب خلال 4 سنوات فقط .. !

لم يكن عادل ليحتمل كل هذا لوحده .. كان يريد سندًا قويًا غير ذاك الذي يزوّده به أصحابه و أقاربه , كان بحاجة إلى من يمسك يده حين يصبح و يحين يمسي و يخبره بأن هذه هي الحياة و إن جارت عليه و أهلكته !

حاول التفكير في الزواج مرة أخرى , ولكنه شتم نفسه لمجرد التفكير , لم يعد يثق بأحد أو بأي شيء , و لن يترك امرأة غريبة تعتني بحياته و حياة ابنه ..

لم يكن أمامه سوى أن يحمل كل الأعباء على ظهره , و أن يهرب مما يحصل حوله من خلال الغرق التام و الصامت في العمل ! ..

فقد قرر استلام أعمال و شركة والده بالكامل , و بذل عمره فيها لعلها تعطيه راحة البال ..
و أما من الناحية الأخرى , فقد كان لا يسمح لأي أحد أن يتولى رعاية و تعليم ابنه سواه .. فمنذ كان بدر ذو الثلاثة أعوام , كان والده في أوج شبابه .. فقد كان يأخذه معه أينما ذهب , حتى و إن تسبب له بالإزعاج ..

و كلما كبر هذا الطفل في العمر , كلما رأى فيه عادل الحياة بالكامل .. حتى صار رجلًا في 21 من عمره , يحمل وسامة عمه , لطف أبيه , عينا والدته و القليل من إصرار و عناد جده ! ..


********


في الطرف الآخر من العاصمة , الطرف المظلم شبه المجهول , حيث تقع أغلب الجرائم و يسكن أغلب الوافدين و العمالة الأجنبية , كان هناك من يشابه عادل و يناقضه بنفس الوقت ! ..

بعدما اعتبره الجميع ميتًا , قرر الانتقال من منزل عبدالرحمن بعد مسرحيته المتقنة تمامًا إلى شقة مجهولة العنوان و مظلمة الممرات في أعلى أحد العمائر في جنوب الرياض ..

كان عبدالرحمن لايزال شديد الولاء لفيصل , فبعد سنوات من العمل في وظيفته و الارتقاء الملحوظ في عمله , كان يجني الثمار و يقدمها لفيصل على طبق من ذهب .. !

كان يحس بالشفقة تجاه رفيقه , فقد كان يعطيه من المال ما يشتهي و يتمنى , و على الرغم من الحالة النفسية لفيصل التي تجعله يشتم الجميع و يتعارك مع الكل و أولهم عبدالرحمن , إلا أن ذلك لم يجعل صديقه يتوانى لحظة في مساعدته في كل ما يريد .. فقد كان عبدالرحمن يدفع أجر الشقة , و يحضر له المؤونة بشكل أسبوعي, و يغرقه بكل ما يشتهي من المال و غيره ..

إلا أن فيصل كان يأخذ هذه الأموال من جهة , و يسكبها بالكامل على المخدرات و النساء من جهة أخرى , حتى غرِق فعليًا ! ..

و في نفس الوقت , كان عبدالرحمن على صحبة ممتازة مع عادل , فقد كان عادل يعتبره الوحيد الذي يحمل له ما يجهله الجميع , أخوه فيصل ..

كان يحس بوجود فيصل في كل مرة يتحدث أو يجالس عبدالرحمن , كان يشعر و كأن توأمه يتوسط المكان و يتحادث معهم تمامًا مثلما كانوا يفعلون قبل 12 سنة في دراستهم الثانوية , حين كانوا ثلاثتهم على أقوى صلة من الصداقة ..

ولكن أتى ذاك اليوم الذي سأل فيه فيصل عبدالرحمن سؤالًا غيرت إجابته حياة الجميع ! ..


" عبدالرحمن , ما حال عادل ؟! ".. سأل فيصل و هو مستلقي على الأريكة بجانب صاحبه ..

" في أفضل حال , إنه يعيش مجده بالكامل , ذاك المجد الذي كان من المفترض أن يكون لك نصيب منه ! "..

اعتدل فيصل في جلسته و هو يقول :" ماذا تعني بـ يعيش مجده ؟! "..

" بعد وفاة والدك , أخذ الورث بالكامل , و الشركات و كل الأملاك .. "

هز فيصل رأسه بشرود وهو يقول :" و أنت , ما رأيك في الوضع ؟ "..

" رأيي واضح ! .. أنا لست راضٍ أبدًا بحالك يا فيصل , انظر حولك , أهذه حياة يعيشها المرء في عز شبابه !؟ "

قال عبدالرحمن و هو يمسك بملابس نسائية كانت مرمية بجانبه , و قد تركتها إحداهن بعد خروجها من عند فيصل ..

أكمل كلامه قائلًا :" كيف ترضى لنفسك هذه الحياة و توأمك يمتلك حقك و حقه من هذه الدنيا و أكثر ؟! "..

قال فيصل وهو يعود للاستلقاء :" لم يكن ليأكل حقي إن علِم بأنني حي إلى الآن ! "..

" لا تبرر له الأعذار , لقد خذلك كثيرًا ! .. "

" و أنا تعبت كثيرًا , لم أعد أكترث لشيء "..

" لا تفقد شهيتك تجاه الحياة , على الأقل لا تفقد شهيتك تجاه حقك من الحياة ! "..

" لقد تنازلت عن حقي عندما اخترت الموت ! "..

" ولكن .. " قال عبدالرحمن وهو يسترجع شيء في عقله .. " ولكنك عندما اخترت أن تكون ميتًا , أخبرتني بأنك تريد ذلك حتى تتمكن من العيش خلف الستار و التخطيط للانتقام على مهل ! "..

أغمض فيصل عيناه وهو يقول :" بالضبط , هذا ما أفعله الآن , و هذا ما سيحصل , ولكن صبرًا جميلًا , صبرًا جميلًا يا عبدالرحمن "..

صمت عبدالرحمن و ساد السكون للحظات , ثم قال بخفوت :" بالحديث عن ذلك ... " ثم أكمل بشيء من التردد :" هل حضرت جنازة والدك "..

" لم يحضر هو إلى جنازتي , و بالإضافة : أنا ميت , كيف لي أن أفعل ذلك ؟ "..

هز عبدالرحمن رأسه مبتسمًا على قناعات صاحبه المريبة !


********


مرت السنوات , و قد أصبح التوأمان في منتصف الأربعين , وقد شارفا على الوصول إلى نقطة تحول شديدة في حياة كلاهما ! ..

ازدهرت تجارة عادل في شركات المعادن التي استلمها من بعد والده , و أتى ذاك اليوم الذي وظّف فيه سكرتير جديد يمتلك الكثير من الكفاءات , و القليل جدًا من الولاء .. !

استلم سلطان منصبه هذا بالكثير من الشغف و الأطماع , لقد رفع رأسه عاليًا , فكُسرت رقبته و طُعِن ظهره ! ..

بعد عمله لفترة قصيرة لصالح عادل , كان قد استيقن بأن عبدالرحمن يمتلك مكانة خاصة لدى رئيسه , فقد كان دائم القدوم للزيارة , بشكل أسبوعي أو شهري أحيانًا .. و عرف عنه الكثير بعدما كان يستمع سرًا إلى أغلب أحاديثه مع عادل من خلال باب المكتب الفاصل بينهم ..

و لكن بعد أشهر طوال , أتى ذاك اليوم الذي وضع سلطان في كل ما حصل له , و الذي جعله يدفع ثمن فضوله دماءً غزيرة ! ..

كان سلطان يرتب مكتبة عادل و يبحث عن بعض الأوراق بين الكتب , حين لمح طرف صورة قديمة و ممزقة الأطراف قد دسّت بين صفحات أحد الكتب ! ..

نظر سلطان إلى المكان حوله بهدوء ثم أعاد نظره للكتاب و هو يسحبه و يُخرج الورقة بهدوء و صدمة عظيمة ! ..

لقد كانت صورة قديمة باللون الأصفر و البني الباهت تجمع أخّين توأمين يلبسان نفس الثياب , و قد كانا في السابعة أو الثامنة من عمرهما .. ! عقد سلطان حاجبيه و هو يدقق النظر " إنه عادل ! ".. قال بهمس لا يُسمع :

" وهذا الذي بجانبه , أهو توأم ؟؟! "..

استغرب سلطان الوضع وهو يقلب الصورة بين يديه , فلمح كلامًا مكتوبًا بخط قد خفف من لونه الزمن , وقرأ :

" عادل و فيصل , الصف الأول الابتدائي .. "

ولكن سلطان اهتز في مكانه بعدما سمع صوت خطوات قادمة , أعاد الصورة بسرعة البرق و قام بترتيب كل شيء و كأن شيئًا لم يكن ! .. و لكنه تفاجأ بدخول عبدالرحمن إلى المكتب بدلًا من عادل ..

" سلطان , السلام عليكم ".. قال عبدالرحمن بنبرة سريعة

" و عليكم السلام , أهلًا أبا سعود "..

" أين عادل , هل حضر اليوم ؟ "..

" نعم , إنه في اجتماع في الدور الثالث , من المفترض أنه انتهى منذ خمس دقائق ".. قال سلطان وهو يتوجه إلى أحد الكراسي و يزيح الوسادات عنها قائلًا :" تعال و ارتاح هنا , سيأتي عادل في أي لحظة "..

جلس عبدالرحمن , و سأله سلطان :" هل تود أن تشرب شيئًا ؟ "..

" لا شكرًا .. سأنتظر عادل , عد أنت لعملك و لا تكترث لوجودي "..

هز سلطان رأسه بابتسامة و هو يعود إلى رف الكتب , و لكنه كان يلتفت كثيرًا إلى عبدالرحمن بين الفينة و الأخرى , و ما أن تلتقي أعينهما , حتى يبتسم سلطان بسرعة و إحراج , و يعود إلى ما كان يفعله ..

قال عبدالرحمن بصوت واثق :" أتريد سؤالي عن شيء يا سلطان ؟ "..

رفع ذاك رأسه ببلاهة و هو يقول :" عذرًا ؟! ".. و قد احمرّ وجهه

" هيّا تكلم , ماذا تريد ؟ "..

هز سلطان رأسه دون أن يضع عيناه على عبدالرحمن وهو يقول :" لا, لا شيء ! "..

" لا تجعلني أشك في فراستي ! .. أستطيع رؤية بعض الكلام على شفتيك , هيّا تحدث لا أحد هنا ! "..

أغلق سلطان ملفًا كان في يده وهو لا يزال يخفض عيناه بشرود , ثم رفع رأسه قائلًا :

" إن كنت لاتزال مصرًّا ! .. أريد سؤالك عن أمر ما ولكن ... دون أن يعلم عادل "..

" نعم بالتأكيد , لا عليك "..

" إنه أمر خاص به بعض الشيء و لكنه لم يفصح يومًا عنه ! "..

رفع عبدالرحمن حاجباه باستغراب , فقال سلطان :" هل لعادل أخ ؟ "..

سكن عبدالرحمن في مكانه و قد سرت رجفة في جسده , وقد حدث نفسه قائلا : " ماذا يعلم هذا الفتى عن فيصل ؟ و لماذا يسأل عنه ؟ و كيف عرف بوجوده أصلًا !! "..

قال عبدالرحمن بشيء من التردد :" لــ لماذا تسأل ؟ "..

قال سلطان بنبرة أشبه بالهمس :" لقد .. لقد وجدت للتو صورة !.. صورة قديمة تجمع عادل مع فتى آخر شبيه به للغاية ! "..

هز عبدالرحمن رأسه و هو يقول :" نعم , لقد كان له أخ , توأم "..

" كان ؟؟ "..

" نعم , كان ذلك من وقت بعيد مضى .. لقد توفي قبل 22 عامًا "..

قال سلطان بصدمة :" أوه , هذا .. هذا مؤسف حقًا ! .. رحمه الله و غفر له "..

ردد عبدالرحمن :" رحمه الله "..

قال سلطان :" عذرًا , لم أعني التطفل , ولكن خرجت تلك الصورة أثناء بحثي بين الكتب و .. " سكت سلطان فجأة ثم قال :" و لكن غريب , لم يذكر عادل قط أن كان له أخ ! "..

قال عبدالرحمن و هو ينهض بانزعاج :" و لم قد يذكر ذلك ؟ لقد توفي أخاه و انتهى الأمر ! "..

توجه عبدالرحمن نحو الباب , فتبعه سلطان مسرعًا و هو يقول :" أسترحل ؟ .. لم أقصد ازعاجك بهذا الموضوع , أنا أعتذر .. "

التفت عبدالرحمن و هو يبتسم بمجاملة واضحة ويقول :" لا , لم أنهض بسبب ذلك .. ولكن تذكرت بعض الأمور التي يجب علي فعلها .. "

لم يصدق سلطان ذلك , و لكنه تركه ليرحل على أي حال .. و ما أن غادر ذاك المكتب , حتى عاد سلطان إلى عمله و ذهنه مملوء بالأسئلة ..


********


كان فيصل يجلس بانتظار عبدالرحمن ليأتي , بعدما هاتفه قائلًا بأن هناك أمر مهم يدور في باله , و قد حان وقت تنفيذه .. و ما أن وصل ذاك حتى بدأ فيصل بالحديث :

" لقد حان الوقت "..

" وقت ماذا ؟! "..

" أن نتعادل أنا و أخي في نصيبنا من الحياة "..

ملأت علامات الاستفهام وجه عبدالرحمن , فأكمل فيصل قائلًا :" أريد الأخذ بثأري "..

تراجع عبدالرحمن في كرسيه وهو يقول :" لماذا الآن ؟ .. لقد مضى وقت طويل أليس كذلك ؟ "..

" لا , هذا هو الوقت المناسب , أريد أن أجعل عادل يصل إلى القاع .. أن يتحطم كليًا , هو و من معه !! "..

" ولكنك لم تجبني , لماذا قررت فعل هذا الآن ؟ "

" بسبب بدر .. ! "..

استغرب عبدالرحمن قائلًا :" و ما شأن بدر ؟ أنت تريد أن تطيح بعادل ! "..

" لا .. أريد أن يصل الضرر إلى ذاك الشاب أيضًا , أريده أن يستشعر هو و والده معنى العار الذي شعرت به منذ سنين .. لن أكتفي بعادل , أريد أن أقحم الجميع في ذلك , الجميع ! "..

سكتا الاثنان لبرهة , ثم تكلم عبدالرحمن قائلًا :" حسنًا , أنت تعلم بأني كنت أنتظر قرارك هذا منذ زمن بعيد , لعله يخفف قليلًا مما تعانيه .. قل لي ماذا ستفعل بالضبط .. ؟"

استراح فيصل في جلسته و هو يخرج من جيب ملابسه 4 صور ! ..

رماها في حضن عبدالرحمن وهو ينتظر علامات الصدمة على وجهه ... أمسك عبدالرحمن بالصور و هو يحدق فيها بمفاجأة و بحاجبين معقودين , ثم رفع رأسه باتجاه صاحبه الذي كان يبتسم بمكر ..

سأل عبدالرحمن بهمس :" أهذا أنت الذي في الصور ؟ "..

" و من سيكون إذًا ؟! عادل ؟! .. ذاك الجبان يخاف حتى من ظله , أتعتقد بأنه سيغامر و يضع نفسه في هذه الأماكن و بين هؤلاء الحسناوات ؟! "..

" لا تقل بأنك ... " سكت عبدالرحمن و هو ينتظر إجابة من فيصل ..

" نعم , هذا ما سيحصل .. أنت الوحيد الذي يعلم هوية صاحب الصورة , أما الآخرون ... فـ لا "

سكت فيصل لثواني و هو يرفع كتفيه بعفوية ثم قال :" الآخرون لا يعرفون سوى شخص واحد يمتلك هذا الوجه "..

" يبدو ذلك ... عادِلًا للغاية ".. سكت عبدالرحمن ثم أكمل :" و لكن كيف ستنشرها ؟ "..

" هنا يأتي دورك , أنت على معرفة أقوى بعادل , ستعرف جيدًا كيف تنشرها , أنا متأكد بأنك ستجد الطريقة المثلى للنشر "..

" لا تقلق , سأفعل كل ما في وسعي .. "

" انتظر لحظة ".. قال فيصل وهو ينهض و يتجه إلى الغرفة ويعود حاملًا ظرف صغير مربع الشكل .. أعطاه لعبدالرحمن و عاد للجلوس ..

رفع عبدالرحمن حاجباه بابتسامة و هو يقول :" وما هذا أيضًا ؟! "..

ابتسم فيصل قائلًا :" إنها هدية مع الصور , ستعجب الجميع أنا متأكد "..

" و ما محتواها ؟! "..

" عليك أن تراها بنفسك , سيفسدها شرحي "..

طرق عبدالرحمن الصور و الظرف على فخذه ببعض التوتر و هو يقول :

" طالما أنت مرتاح لهذا الأمر , سنفعله .. و لكن هل فكرت جيدًا فيه ؟ .. أعني العواقب ؟ .. "

أخذ فيصل نفسًا عميق ثم قال و هو يزفر :" بالتأكيد , ستكون هناك عواقب وخيمة , وخيمة للغاية .. و لكن لن يمسني شيء منها .. "

هز عبدالرحمن رأسه بشرود و هو متوتر بعض الشيء من قرار فيصل هذا ! ..


(( و بعد عدة أسابيع ))


أتى عبدالرحمن إلى فيصل و أخبره بشأن الفتية الذين وضعوا مبالغ مادية في أماكن متفرقة من مدينتهم , ثم أعلنوا عن مواقعها في أحد شبكات التواصل الاجتماعي .. !!
اقتنع فيصل بهذه الفكرة سريعًا , قائلًا بأنها ستكون رائعة خصوصًا إن انتشرت أسماء المواقع من حساب عادل نفسه !! ..



يتبع ...

 
 

 

عرض البوم صور عـذاري   رد مع اقتباس
قديم 21-12-15, 06:51 PM   المشاركة رقم: 45
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Sep 2014
العضوية: 276583
المشاركات: 65
الجنس أنثى
معدل التقييم: عـذاري عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 63

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عـذاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عـذاري المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: روايتي البوليسية \ لماذا أرى ملاكًا وسط جحيمي

 


تابع ..



**********


بعد عدة أيام .. و بينما كان السكرتير سلطان كثير التوجه لأصدقائه في استراحتهم .. لاحظ قدوم عبدالرحمن المتكرر لعمارة قديمة في جنوب الرياض حيث يجتمع أصحاب سلطان ..

و عندما بلغ الفضول أقصاه لديه .. قرر ملاحقة عبدالرحمن إلى آخر الطريق , و رؤية ما الذي يخفيه حقًا .. و هنا حيث ذهب ورائه إلى تلك العمارة و تبعه إلى أعلاها , و وقف أمام ذاك الباب الحديدي المملوء بالصدأ و الذي يعلن انتهاء السلالم .. !

و ما أن وضع سلطان اذنه على الباب ليستمع إلى الحديث الغامض الذي يدور بالداخل ; حتى انفتح الباب بنفسه بعدما استند سلطان إليه بقوة .. لم يعي سلطان ما الذي حدث إلا عندما وجد نفسه قد دخل إلى الشقة سريعًا بفعل الباب الذي انزلق إلى الداخل ساحبًا سلطان معه .. و هناك بالضبط , رأى عبدالرحمن يجلس بجانب رجل لم يتوقعه سلطان أبدًا .. رأى فيصل , التوأم القاسي من مديره عادل .. و قد عبرت رأسه تلك الصورة التي وجدها في المكتب ! ..

قال في نفسه :" ولكن عبدالرحمن قال أن هذا الأخ ميت , منذ 22 عامًا !! "..

ارتبك سلطان و قد ملأه الخوف من رأسه إلى أخمص قدميه .. " ما الذي سأفعله الآن ؟! .. يا للورطة ! .. كنت أريد أن أسمع ماذا يدور هنا في الداخل , وليس الدخول ! .. يا لحماقتي و فضولي اللعينين ! .. ".. أخذ سلطان قراره و عرف أن هذه المواقف ليس لها حل سوى الهرب ..

و ما أن وثب سلطان خارجًا نحو السلالم , حتى أحس بيد حديدية تمسك بياقة ثوبه من الخلف و تسحبه إلى الشقة مجددًا , كان سلطان يستطيع الحلف بأنها أقوى يد عرفها منذ أن ولد ! .. لقد تم سحبه خلال أجزاء من الثانية , و لم يعي ما الذي حصل , و لا كيف استطاع ذاك الضخم سحبه .. استغرب سلطان نفسه و كيف أنه لم يقو على المقاومة .. عرف سلطان أن هذا الرجل الشبيه بمديره هو رجل ذو بأس شديد , و قد قرر سلطان أن ينطق بالشهادتين عندما رأى نفسه مسحوبًا كأضحية العيد على بلاط بارد و من قِبل شخص لا يعرف ما الذي تعنيه " الرحمة" ..

قام فيصل برمي سلطان في وسط غرفة الجلوس بشدة , فأحس ذاك بوخز قاتل يعبر عموده الفقري .. تأوه سلطان بألم , و لكنه عض على شفته حابسًا آهاته عندما رأى ذاك الضخم يقترب منه بقبضة مشدودة , تراجع سلطان إلى الخلف بضعف ولكن فيصل كان أسرع منه , فقام بالدوس على قدم سلطان مانعًا إياه من التحرك , ثم نزل على ركبتيه بهدوء قائلًا :

" أستطيع أن أحكم قبضتي حول رقبتك و أن أدقها خلال ثواني , و لكن أفترض أنك قطعت كل هذه السلالم بحثًا شيء مهم , أليس كذلك ؟ "..

رفع فيصل حاجبه الأيمن بانتظار .. فقال سلطان وهو يتلعثم :" أ أأ أنـ ــ ـا , ممــ "..

قام فيصل بسرعة بسحب الشماغ عن وجه سلطان أمام نظرات عبدالرحمن المصدومة , و الذي كان واقفًا خلف فيصل بصدمة من كل هذا الذي حدث في أقل من 10 ثواني ! ..

قال عبدالرحمن بهمس :" سلطان ! "..

نظر سلطان إليه بارتباك ثم اخفض عيناه .. التفت فيصل إلى عبدالرحمن قائلًا :" أتعرفه ؟! "..

" هذا , أقصد نعم .. إنه , إنه سكرتير عادل ! "..

التفت فيصل إلى سلطان بسرعة و عيناه تحملان الكثير من الغضب , فامسك بياقة ثوبه وهو يقول :
" ما الذي أتى بك إلى هنا , هـــاه ؟ من الذي أرسلك ؟ عادل ؟ .. هل يعلم عادل بأمري ؟ .. أجبني أيها الحقير ! "

قال فيصل و هو يضغط بشدة على أسنانه , ثم وجه لكمة قوية باتجاه فم سلطان , و الذي صرخ بألم شديد , ثم قال بعد ثواني و هو يتنفس بصعوبة و قد أصابه دوار :

" لا , لــ لا يعلم , لــ لم يرسلنــ ـي إلى هــ هنا .. أنا .. أنا جئت بنفسي "..

أفلت فيصل سلطان فسقط ذاك على ظهره بإنهاك شديد و هو يبصق دماءً .. قام فيصل بركل ساقه بخفة و هو يقول :

" انهض , هيّا .. أمامنا الكثير لنتحدث عنه .. انهض أيها الفتاة , لم تكن تلك اللكمة مؤلمة على ما أظن ! "..

اتجه عبدالرحمن نحو سلطان و هو يساعده على النهوض و وضعه على أحد الكراسي في الغرفة و هو يهمس له :

" ما الذي أحضرك إلى هنا .. هل كنت تتتبعني ؟! .. أظن بأنك كذلك ! "..

ظل الثلاثة صامتين يحدقون إلى بعض , فتكلم سلطان ببطء بعدما هدأ الألم في فمه , فقال :

" لقد , لقد سمعت ما كنتما تتحدثان عنه .. ! "

" أنعتبر هذا تهديدًا من نوع ما !؟ ".. قال فيصل و هو يتجه إلى سلطان بهدوء ..

" اعتبراه ما شئتما .. و لكن , أنا معكما "..

نظر فيصل إلى عبدالرحمن ثم أعاد نظره إلى سلطان قائلًا :" ماذا تقصد ؟ "..

بلع سلطان ريقه وقال بابتسامة :" لقد كنتما تتحدثان عن انتقام ما .. انتقام من عادل أهذا صحيح ؟ "..

صمت فيصل بانتظار سلطان أن يكمل كلامه , فقال ذاك :" على أية حال .. يبدو الأمر شيق , و أريد الدخول معكما فيه "..

تحدث عبدالرحمن قائلًا :" حسنًا , أصبت .. هناك تخطيط لانتقام من عادل , و لكن ما الذي يجعلنا نقبل بك كواحد منا ؟! "..

مسح سلطان بعض الدماء التي كانت على طرف شفتيه وقال بثقة :

" لأنني و ببساطة : سلاح ذو حدين ! ".. و نظر إلى فيصل قائلًا :" أنا سكرتير عادل , أتعلمون ما الذي يعنيه ذلك ؟ أستطيع خدمة خطتكما و إعطائكم كل ما تريدونه من معلومات أو ممتلكات لعادل , إنه يثق بي جدًا .. و في الوقت نفسه , أستطيع الخروج من هنا و إخبار عادل أنني وجدت أخاه العزيز في مكان قذر و هو حي يرزق ! "..

قال فيصل بابتسامة :" تستطيع فعل الأمر الأول , ولكن الثاني .. ستكون ميتًا قبل أن تفكر فيه حتّى ! "..

قال سلطان :" إذًا , نحن على اتفاق ؟! "..

كان فيصل يفكر بالأمر , سيكون هذا السكرتير الأحمق مفيدًا لهما , مفيدًا جدًا , و لكنه خطير بنفس الوقت .. ولكن فيصل رأى بأن يجعله معهم , و يتخلص منه في أقرب فرصة ..

" لم تقل لي ماذا تريد بالمقابل ؟! ".. قال فيصل و هو يجلس على أحد الكراسي مقابلًا لسلطان ..

" في الواقع , الراتب الذي استلمه من عادل , لا يكفي احتياجاتي الخاصة .. أريد منكما مبلغًا و قدره مقابل كل خدمة سأسديها "..

هز فيصل رأسه وهو يفكر ثم قال :" حسنًا , إن المال لا يشكل أية مشكلة بالنسبة لي , ولكن السؤال هو : كيف لي أن أثق بك ؟ .. لابد من وجود شيء ما ليؤكد لي رغبتك الخالصة في الخوض معنا " ..

صمت سلطان لدقيقة و هو يفكر , ثم قام بإدخال يده في جيبه و أخرج مفاتيح سيارته و قد علق معها مفتاح آخر , سحبه من الحلقة ببطء ثم رماه باتجاه فيصل الذي التقطه بسرعه ..

" ما هذا ؟ ".. سأل عبدالرحمن

" إنه نسخة وحيده من مفاتيح منزلي "..

رفع فيصل نظره إلى سلطان و قال :" أتريدني أن أعتبر مفاتيح بيتك كعربون ثقة بيننا ؟ "..

" إن زوجتي و ابنتي الصغيرة هناك "..

عقد فيصل حاجباه بغضب , و قال :" أتعرض حياة أسرتك على غريب تعرفت عليه للتو فقط من أجل المال ؟! "

نهض سلطان ببطء و هو يقول :" أنا أثق بأنك لن تؤذيهن أبدًا , و كذلك أنت , عليك أن تثق بأنني لن أخذلكما في في شيء أبدا "..

نظر فيصل إلى عبدالرحمن , فأعطاه ذاك إيماءة برأسه .. ثم قال فيصل :" إذُا , نحن متفقون الآن "..

نهض سلطان للخروج و لكنه التفت إلى عبدالرحمن قائلًا :

" بالمناسبة , نعم كنت أتتبعك , لقد أثار فضولي رؤية سيارتك هنا كل يومان ! "..

ثم استدار و خرج من العمارة و عاد إلى منزله وهو يفكر , هل إعطاءه مفاتيح منزله لهذا الغريب هو أمر صحيح ؟ أم أنه كان متهورًا للغاية ؟! .. نفض هذه الأفكار عن رأسه و هو يقول أن فيصل يحتاجه بشدة , ولن ينقض الوعد بينهما و يؤذي أسرته ..

ولكن عندما وصل , طرأت في ذهنه تلك القصة التي حكاها له أخوه الطبيب خالد , اتصل عليه بسرعة و هو يسأله :

" خالد , السلام عليكم "

" أهلًا سلطان , وعليكم السلام , ما الأمر , إن الوقت متأخر ! "..

" لا لا , لا تقلق .. لقد كنت أفكر في تلك الحادثة القديمة التي حصلت لك , عندما كنت طبيب امتياز ! "..

" أي حادثة ؟ .. أوه نعم نعم , تقصد الشاب الذي أصابته جلطة ؟ "

" بالضبط , لقد ذكرت لي أن أخاه و صاحبه كانا معه أليس كذلك ؟ .. أتتذكر أسمائهم ؟ "..

" في الواقع لا أعلم , لقد كان ذلك منذ زمن بعيد ! .. 20 أو 22 سنة , لا أظن أنني أتذكر "..

" خالد أرجوك , حاول "..

" لم أنت مهتم إلى هذا الحد ؟ "

" سأخبرك لاحقًا , أريدك أن تتذكر الأسماء , هل يمكنك ؟ "..

" انتظر لحظة , لقد كان واحد منهم اسمه عبد ... عبدالله ؟ لا لا ليس عبدالله .. أظن بأن اسمه عبدالرحمن ! , ولكن لا أتذكر أهو الأخ أم الصديق ! "..

ابتسم سلطان لذلك وقال :" حسنًا هذا جيد , و الآخر ؟ "..

" لا أعلم , لقد نسيت حقًا , و قد أيقظني اتصالك للتو , فمن البديهي أن تكون ذاكرتي في الحضيض ! "..

" أكان اسمه عادل ؟ "..

صمت خالد لثواني و هو يتذكر ثم قال وقد تفاجأ من أخيه :" نعم .. نعم , صحيح , أظن أنه كان الأخ , كيف عرفت ؟ "..

" قلت لك سأخبرك لاحقًا عندما نلتقي , آسف على هذا الاتصال المتأخر "..

" أنت تثير ريبتي فعلًا ! ".. قال خالد و هو يتثاءب " على كل حال , تصبح على خير "..

كانت لدى سلطان ذّرة صغيرة من الشك في أن يكون فيصل و عادل أخوة , و لكن هذا الشكل قد اختفى كليًا بعد هذه المكالمة , و الصوة التي رآها ! ..


**********


ظل فيصل , عبدالرحمن و سلطان يجتمعون كثيرًا حتى استطاعوا إحكام خطة جيدة و وضع النقاط على الحروف .. و كان أول أمر فعلوه هو القيام باختطاف عادل بطريقة هادئة و غامضة جدًا ..

كان ذلك عندما قام فيصل بسرقة سيارة قديمة من الحي الذي يسكنه قبيل صلاة العشاء , في يوم عرس سعود , ابن عبدالرحمن الكبير .. و قام فيصل بإزالة لوحات السيارة سريعًا و اتجه إلى طريق الخرج , بعدما اخبره سلطان أن عادل قد غادر منزله للتو و أنه متجه إلى الخرج من أجل العرس .. قاما الاثنان باللحاق بعادل بهدوء دون أن يثيرا أي انتباه ..

و عندما أصبحت الساعة التاسعة و الربع , كان عادل قد أغلق هاتفه بعدما اتصل عليه عبدالرحمن ليسأله عن مكانه , و قد تبقى له 10 كيلومترات للوصول .. بعد ذلك بعدة دقائق , شعر عادل باصطدام شديد على خلفية سيارته , مما أدى إلى ضرب رأسه بالمقود بقوة , ضغط بشدة على المكابح و توقفت السيارة , و كذلك السيارتين اللتان كانتا خلفه ..

نزل سلطان و فيصل و هم مغطين أوجههم بأشمغتهم و أخرجوا عادل من سيارته و أغلقوا فمه ببعض القماش , حاول تحرير نفسه و لكنه تلقى لكمة قوية على وجهه أفقدته وعيه , وضع الاثنان عادل في صندوق سيارة سلطان , و تركا السيارة المسروقة خلف سيارة عادل , و صعدا إلى سيارة سلطان و تولى فيصل القيادة بينما جلس سلطان بجانبه .. عادا بسرعة إلى الرياض في أقل من ساعة و هم يقودون بسرعة جنونية , ثم وصلا إلى شقة فيصل و حملا عادل إلى الأعلى دون أن يراهما أحد , و قد كانت العمارة منزوية في أحد الأحياء المظلمة ..

أحكما القيود حول معصمه و ربطاه على كرسي في غرفة صغيرة في الشقة .. ثم غادر سلطان المكان على الفور متجهًا إلى منزله .. تاركًا عادل بين يدي فيصل وهو ينتظر خبر وفاته ! ..



**********


و الآن , وبعد هذه الأحداث بيوم واحد فقط , أقحموا الابن الشاب "بدر" في متاهة و آلام لن ينساهما أبدًا .. وهو ينام الآن كالميت في شقة ما , يرافقه العقيد السيف الذين وعد نفسه بمساعدة هذا الفتى الذي يذكره بابنه كثيرًا ..


الساعة 12:00 بعد منتصف الليل :


توقفت سيارة الأجرة أمام منزل عاش فيصل الكثير فيه ! .. نزل و اتجه إلى الباب .. باب منزل عبدالرحمن !

هذا المنزل الذي استقبله عندما بدأ كل شيء , و الذي آواه عندما كان في أشد حالاته اكتئابًا و حزنًا .. و ها هو الأن يحوي في داخله توأمه ..

دخل فيصل إلى المنزل الذي نسخ مفتاحه سرًا بعدما أخذه من عبدالرحمن , و اتجه إلى الغرفة التي أمر سلطان أن يضع عادل فيها ..

دخل إليها و رأى أخاه مستلقيًا على الأرض كالميت , كان العرق ينزل من كل مكان في جسده , و هو يرجف بشدة و قد ازرقت شفتاه , علم فيصل أن معدل السكر قد انخفض جدًا , ولكنه اشترى له الأدوية اللازمة قبل أن يجيء , و احضر له بعض الطعام و السكريات التي ستعيده لوضعه الطبيعي ..

كان فيصل قد فكر في كل ما سيقوله لينهي الأمر مع أخيه , لينهي كل شيء حصل من قبل .. ليخبره عن كل ما يجول في رأسه , و السبب الحقيقي وراء كل ما يفعله تحت مسمى " انتقام " .. !!!


....


نهاية البارت ..

أتمنى أنه أعجبكم .. تراني شديت على نفسي قد ما أقدر عشان أخلصه لكم اليوم , أول مرة أخلص فصل و أراجعه و أنشره بنفس اليوم , لكن حسيت أني تأخرت عليكم , لذلك سويت كل اللي أقدر عليه ..

يلا عاد لا تحرموني من توقعاتكم و تحليلاتكم

 
 

 

عرض البوم صور عـذاري   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الرياض, اختطاف, بوليسية, جرائم, روايات, رواية, عذاري, قتل
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 04:08 PM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية