لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-06-08, 04:33 AM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 47688
المشاركات: 1,443
الجنس أنثى
معدل التقييم: دموع يتيمة عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 30

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
دموع يتيمة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : دموع يتيمة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء التاسع عشر
أني بدأت أشفق عليه

في اليوم التالي .. كنت جالسة مع الفتى في غرفته بعدما عدت من السوق ..لشراء الملابس الشتوية.. كنت أحادثه عن ما يحدث لي المدرسة .. من إساءات من الطالبات .. و لكنه يبقى صامتاً و سارحاً دون أن يبادلني أطراف الحديث ..
أختي الصغيرة هدى تحوم في الغرفة و هو يراقبها .. إلى أن فتحت هي أدراج خزانته .. و أخرجت منها بنطالاً أسوداً ..صرخت أنا بها :" هدى .. كفاك تطفلاًً "
ابتسم الفتى من ناحية أخرى لدلال أختي .. فقد أخذت تركض في الغرفة و هي تسحب من ورائها البنطال ..
إلى أن سقطت ( ساعة كحلية اللون ) من جيب البنطال .. أسرعت هدى بالتقاطها .. و تركت البنطال و ركضت هاربة ..
الفتى نظر إليها و قد انعدمت ابتسامته .. ثم خاطبني :" هدية عمتي .. "
هدية عمته ؟!! أظن أنها غالية على قلبه .. لأنه يحب عمته كثيراً ..كانت هدى تحاول ارتداء الساعة على يدها و هي تقول :" رائعة " نهض هو و اقترب منها بهدوء .. و مد يده نحوها قائلاً :" أعطيني إياها "
خبأت هدى الساعة خلف ظهرها و قالت بدلال :" لا ! "
ثم ركضت خارجة من الغرفة بضحكاتٍ بريئة .. و تنهد هو :" أنا لا ألعب معكِ يا شقية "
تقدم هو خارجاً من الغرفة و أخذ يبحث عن الطفلة .. التي راحت تركض في الصالة بجنون حاملة الساعة ..
اتجه نحوها .. كانت تحوم حول الطاولة التي تتوسط الصالة و على المقاعد كان يجلس سامر ..
عاد خالد ليمد يده نحو الطفلة و هو يحفظ هدوء أعصابه .. خاطبها بلطف :" أيتها الجميلة .. أعطيني الساعة "
و عادت هي لدلالها و مالت بجسدها مخبئة الساعة خلف ظهرها :" لا ! .. لا "
قطب حاجبيه و نظر للطفلة بنظرات حادة قاصداً إخافتها :" أعطيني إياها .. "
و لكنها مصرة على عدم إعطاءه الساعة .. تنهد ..:" مدللة .. "
ركضت إلى ناحية أخرى .. عض هو شفتيه .. و اتجه نحوها حيث كانت تستند على الجدار و تتأمل الساعة ..
انحنى لها .. فخبأت هي الساعة وراء ظهرها .. فحاول هو مجاراتها ..
فخاطبها بلطف :" ألا تحبيني يا صغيرة ؟!! "
أشارت بوجهها سلبياً ..:" لا ".. و أخذت تضحك ..
و قهقه وراءها سامر .. و هذا ثار جنون خالد .. أدار برأسه نحو أخي بنظرة حادة ..
ثم عاد ليزمجر بهدى بغيظ .. :" أعطيني الساعة و إلا "
ارتعبت الصغيرة و رمت بالساعة تحت قديميها و داست عليها حتى حطمتها و ركضت نحو سامر خائفة ..
ارتمت في أحضانه خوفاً من الملك .. و هو نظر لساعته المحطمة بغيظ .. ثم نظر لأختي بنظرات تثير رعبها فبدأت بالبكاء .. و شدت قميص سامر مخبئة رأسها في صدره.. سامر بدأ بمشاجرة الفتى ..
" هذه طفلة أيها القاسي .. لمَ تعاملها هكذا ؟!! "
انتقلت نظرات الملك الغاضبة إلى سامر و تحولت لسخرية :" و ماذا بعد يا سيد سامر "
صرخ سامر بغيظ :" أتسخر مني ؟!! أيها المغرور المتكبر "
و انطلق سامر نحوه لتبدأ معركة عنيفة بينهما .. و الطفلة تصرخ خوفاً ..
يشد سامر قميص الفتى .. و الفتى يدفع عنه أخي بقوة .. و يعود أخي لشد قميص الفتى .. كنت خائفة جداً .. فكلاهما يشتعلان غيظاً ..و ها هو أخي يغزر ظفره الطويل في وجه الفتى .. و الفتى يقبض على يد أخي يحاول إبعاده عنه ..صرخت أنا و صرخت هدى .. حتى سمعنا صرخات أمي :" ما هذا ؟!! ماذا يجري ؟!! "
تسمر الاثنان في مكانهما .. و كأنهما تحولا لتمثالين .. ترك الفتى يد أخي و أخي ترك قميص الفتى ..
فاقتربت أمي منهما .. لتفحص الكدمات التي على أذرع أخي و وجهه و الخدوش الغزيرة التي علت وجه الفتى ..
وقفت أمامهما و صرخت :" لمَ تتعاركان ؟!! "
قبل أن ينطق الفتى أسرع أخي بالدفاع عن نفسه :" أمي .. الفتى صرخ بوجه أختي و أرعبها .. حتى بكت "
استدارت أمي لترى أختي المرعوبة تبكي ..فأكمل أخي :" و سخر مني أيضاً "
توجهت أنظار أمي للفتى و خاطبتها بحيرة :" لماذا ؟؟!! "
انحنى الفتى لالتقاط ساعته المكسورة و رفعها أمام أمي و أجاب ببساطة :" ساعتي "
صرخت أمي :" أتفعل هذا كله لأجل ساعة ؟!! "
هزّ رأسه ايجابياً ..

هنا ارتفعت شهقات أختي المسكينة المرعوبة .. فزادت أمي غيظاً ..
حتى رفعت يدها لتصفع الفتى ..احمر خده .. وضع يده على خده مصدوماً .. و بعد فترةٍ همس :" آه "
و كأن تلك الصفعة المؤلمة سلبت منه القدرة على مشاجرة أمي ..
صرخت أمي به :" وقح .. أتحسب أننا سنصمت على ما تفعله .. ؟!! "
بأسى أطال النظر لأمي و هو يعض شفتيه ..ثم انتقلت أنظاره لسامر .. ثم لي .. ثم للصغيرة .. ثم للساعة التي بيده ..
دفعته أمي إلى الخلف بقوة .. كادت أن تسقطه على الأرض .. صرخت به و هي تشير إلى غرفته :
" أذهب .. و لا أريد رؤيتك أيها الدخيل المتكبر .. العاق المجرم "
و بقت أمي تقذف كلماتها الجارحة كالقنابل على ذلك الفتى المصدوم ..
استدار و مشى ببطء نحو غرفته .. و قبل دخوله غرفته .. ألقى علي نظرة عتاب عميقة ..
ربــاه ..!

==

اقترب موعد عودة والدي من عمله ..فازداد خوف أمي من أن لو أخبر الفتى والدي بما حدث ..
سيغضب والدي منها كثيراً .. أمي جهزت طبق لبيتزا شهية ..و اتجهت نحو غرفة الفتى .. هل ستعتذر منه ؟!!
لم تطرق الباب بل فتحته و دخلت الغرفة .. حيث كان الفتى كالعادة مستلقٍ على سريره و لكنه هذه المرة يتظاهر بالنوم ..
اقتربت أمي منه .. و وضعت الطبق على الطاولة المجاورة للسرير .. و هي تقول مبتسمة:
" أعلم أنك مستيقظ .. أنك لا تجيد التمثيل "

فتح الفتى عينيه .. ثم أشاح بأنظاره عن أمي ..فقالت هي :" لست آتية لأعتذر لك لكي تشيح بوجهك عني .. عزيزي .. أنا آتية لأقول لك .. لا داعي لتشكوني عند زوجي ..و إلا سوف سأريك من أنا .."

هنا شعر الفتى بقلق و خوف غريب .. أغمض عينيه يتهرب من أمي .. و لكنها سحبت اللحاف و أمسكت بيده:
" انهض .. و أخرج من غرفتك هذه ,, و لا تحسس زوجي أن شيئاً حدث اليوم .. أفهمت ؟!! "

صمت الفتى لبرهة و هو يشيح بنظراته عن أمي في قلق و خوف .. ثم هز رأسه مستسلماً ..
أيعقل !! الملك يستسلم أمام والدتي .. ؟!!

ابتسمت أمي بمكر .. ثم قالت :" ستتناول غداءك معنا "

و هز الملك رأسه ايجابياً ..

أتصدقون ؟!!

خاطبته أمي بقسوة نادرة :" انهض .."

و نهض بسرعة ..!!

و أمرته أمي حيث قالت :" اتبعني "

و مشت خارجة من الغرفة .. و هو يمشي خلفها ..

ما الذي جعله ينقلب مئة و ثمانين درجة .. من الكبرياء إلى الخضوع ,,؟!!

و في المطبخ يختار الفتى له مقعداً و يجلس .. و سامر بالمقابل في قمة الدهشة .. أمي تضع الصحون على الطاولة .. و ها هو صوت والدي .. أظنه عاد من عمله ,,تخرج أمي من المطبخ لترحب بوالدي بكلمات الغزل تلك .. ثم تدعوه لتناول الغداء ..
و عندما طل والدي على المطبخ .. رأى الفتى يجلس على أحد المقاعد بهدوء ..
يتقدم والدي بدهشة تجاهه .. و يهتف :" بني .. هل ستتناول الغداء معنا ؟!! "
يهز هو رأسه ايجابياً دون أن ينظر لوالدي .. بدعابة يعبث والدي بشعر الفتى و يقبله .. فوالدي يحبه كثيراً ..
يجلس والدي على مقعده و أمي تجلس مكانها .. و نبدأ بتناول الطعام ..
حتى خاطبنا والدي :" سوف أسافر بعد يومين إلى البلاد المجاورة لمدة أسبوعين فقط .. "
كنا متعودين على سفر والدي المتواصل .. و لكن الفتى حملق بوالدي لبرهة .. ثم همس :" ستسافر ؟!! "
هزَّ والدي رأسه بابتسامة :" نعم عزيزي .. و سوف أعود بعد أسبوعين "
نظر الفتى لأمي .. ثم عاد يحملق بوالدي و قال باستنكار :" و تتركني ؟!! "
استغرب والدي ثم قال :" ستبقى مع أم سامر و زينة و سامر و هدى .. "
أخذ الفتى يضيّق فتحة عينيه منزعجاً ..ثم رمى بالملاعق و نهض :" تباً "
و خرج من المطبخ .. و هذا ما أقلق والدي ..

=

مر اليومين بسرعة .. حتى سافر والدي ..
الآن أمي تستقبل جارتنا القديمة التي كانت مسافرة لبلد آخر .. و ها قد عادت ..ضحكت أمي في وجهها :
" مرحباً أم ناجي .. لقد اشتقنا لكِ كثيراً "
جلست أم ناجي على المقعد و ضحكت :" و أنا أيضاً اشتقت لكم "
جلست أمي بجانبها .. فسألتها :" ما أحوالكِ الآن ؟!! "
تنهدت أمي :" أبا سامر جاء بان صديقه إلى هنا .. ليعيش معنا قليلاً ثم يرحل للعيادة.. يقول أنه مريض نفسي .. و لكني لم أرَ في حياتي طفلاً مريضاً كهذا .. متكبر .. مغرور .. يسبب لي الإزعاج .. و لا أدري كيف أتعامل معه .. أنه عبئ علي "
قالت أم ناجي :" أتسمحين له أن يتكبر و هو ضيف في منزلك ؟!! "

" ماذا أفعل .. لقد حدث ذات يوم أنه أسقط قالب الكعك عمداً .. و دعاني بالعجوز و أيضاً اليوم صرخ بوجه ابنتي الصغيرة حتى أرعبها ..و تعارك مع ابني سامر حتى سبب له كدمات واضحة على وجهه و ذراعيه "

شهقت الجارة :" و تستكين ؟!! "

" لم أسكت .. بل باغته بصفعة قوية "

" فقط ؟!! "

" ماذا أفعل .. أنه مريض نفسياً .. "

" لقد حدث أن زوجي أبا ناجي .. جلب لي خادمة متكبرة و ترفض العمل أحياناً .. فاستعملت لغة الضرب لتأديبها.. و فعلاً .. أفادني هذا الأسلوب كثيراً"

حملقت أمي بها باستغراب :" و هل تريدين مني ضرب الفتى لتأديبه .. أتمزحين ؟!! "

" و لمَ لا .. ؟!! "

" الفتى مريض نفسياً يا أم ناجي .. "

" أنه مريض نفسياً .. و ليس مريض جسدياً .. و إن أخفته قليلاً بالضرب .. سوف يكون كالخاتم في يدك "

" اليوم عندما صفعته .. بدا لي خائفاً جداً مني .. أظن أن نفسيته ستسوء إذ فـ... "

قاطعتها جارتنا :" جربي فقط بالحزام الجلدي .. حاولي إخافته لكي يترك تكبره و يبقى خاتماً في يدك "

كانت أمي مترددة .. و ها هي أم ناجي تقف قائلة :" حسناً .. أنا سأتركك الآن .. و لكن لا تنسي .. إذ احتجتِ شيء .. أنا حاضرة .. لاسيما أن زوجك مسافر .. "

ابتسمت أمي و نهضت و أوصلت المرأة حيث الباب .. ثم اتجهت نحو غرفتها ..
و أنا خرجت من المنزل بعدما ارتديت معطفي .. لأرى الفتى و أخي يتعاركان من جديد .. رباه ..
اقتربت منهما .. حيث كان أخي يصرخ بكل قوته بوجه الفتى :
" أنت يجب أن تفهم أنك ضيف في منزلنا .. ضيف .. و ضيف ثقيل أيضاً "
و من طرف آخر يزمجر الفتى :" و من قال أني أريد العيش معكم أصلاً ؟!! "
" لمَ تعاملني هكذا ؟!! أنا لا أفهم .. "
و يستمر الشجار .. هذا يصرخ و هذا يصرخ .. إلى أن تحول الشجار من شجار كلامي إلى شجار حقيقي ..
بدآ في العراك .. و أظن أنهما لن ينتهيا .. حاولت إيقافهما و لكن لا جدوى ..
ركضت نحو المنزل .. نحو غرفة أمي .. فتحت الباب بقوة و صرخت بأمي التي تسرح شعرها ..:
" أمي .. الفتى و سامر .. يتشاجران !! "
صرخت أمي :" يتشاجران ؟!! "
" نعم .. في الخارج .. "

نهضت أمي مسرعة .. و لكنها توقفت لبرهة .. استدارت للخزانة .. اقتربت منها ..
و فتحتها و أخرجت منها حزام جلدي .. خاص لوالدي .. رباه .. ماذا تنوي أمي ؟!!
ثم لفت على رأسها خماراً ..و ركضت خارجة من غرفتها .. و نزلت عتبات السلم بسرعة .. و عبرت الصالة حتى وصلت لباب المنزل..فتحت الباب بقوة و اندفعت لترى الاثنان على حالهما السابق .. يتشاجران بكل عنف
صرخت بكل قوتها .. لتوقف شجارهما الحاد ذاك ..
التفت الاثنان لها .. هي اقتربت قليلاً منهما .. و صرخت :" مجدداً "
و انطلق سامر للدفاع عن نفسه :" أمي.. أنه .. "
قاطعته أمي:" أسكت أنت "
و اقتربت من الفتى الذي ظل صامتاً منكس الرأس ..مدت يدها و قبضت قميصه بعنف و خاطبته:" متوحش ! "
ثم أبعدت يدها عنه و همست :" اتبعني "
و استدارت ناحية المنزل حاملة الحزام .. و رمق الفتى أخي بنظرات حادة جداً .. و همس :" سأريك "
و لحق بأمي .. و ها هو سامر يصدر قهقهة ساخرة :" لنرى ماذا ستفعل .. "
دخلت أنا المنزل و طللت على المطبخ .. حيث كانت أمي تقف أمام الفتى حاملة الحزام .. :
" قل لي .. لماذا أنت متوحش هكذا .. و تحقد على ابني رغم أنه لم يفعل شيئاً لك "
كان الفتى ينكس رأسه بصمت .. أردف بهمس :" هو يتحرش بي .. "
" و تقوم بضربه ؟!! "
" هو أيضاً ضربني "
رفعت أمي الحزام .. :" كلامك هذا لا يعني لي شيئاً .. و بما أنك آذيت ابني للمرة الثانية .. ستعاقب ..! "
رفع الفتى رأسه مصدوماً .. نظر للحزام الذي بيد أمي .. ثم نظر لأمي بخوف :
" لا تقولي أنك سوف تعاقبيني بالحزام "
هزت أمي رأسها .. و بعد ذلك سددت ضربة قوية على كتف الفتى إلى صدره ..
صُدم الفتى لقوة تلك الضرب .. و لم تكن ضربة واحدة .. بل تلتها ضربات ..فانحنى الفتى بسرعة و جلس على الأرض مخبئاً رأسه تحت ذراعيه يحتمي من تلك الضربات .. و أمي لا تتوقف ..كانت توجه ضربات متتالية على ظهر الفتى و رقبته ..
ركضت خارجة من المنزل و صرخت بأخي الذي يلاعب كلبه :" سامر .. سامر .. "
اقترب مني :" ماذا ؟!! "
قلت بخوف :" أمي تبرح الفتى ضـــرباً "
ركضت إلى الداخل صارخة بأخي :" اتبعني "
ركضت نحو المطبخ و لكني صادفت الفتى يركض خارجاً من المطبخ متجهاً نحو غرفته ..
دخل غرفته و أغلق الباب بقوة .. فركضت نحو غرفته بقلق .. فتحت الباب .. لأراه يتمدد من جديد على سريره ..و غطى جسده بالكامل باللحاف .. اقتربت منه لأسمعه و هو يلهث ..
خاطبته بقلق :" أيها الفتى .. "
و لم يجيبني ..
" خالد "
و لازال صامتاً ..
" أيها الملك "
لا حياة لمن تنادي .. يظل يلهث .. مطلقاً زفرات عميقة ..
خرجت من الغرفة .. متجهة نحو أمي التي كانت في المطبخ .. علقت الحزام على المسمار الذي يتوسط الجدار ..
و ابتسمت و هي تنظر له :" كلما تمرد عن أمري .. سأصعقه بالحزام "
لم أستطع الصمت .. فاقتربت منها و قلت بعتاب :" أمي هذا لا يجوز .. "
نظرت لي و قالت مستغربة :" و ما الذي لا يجوز .. هو تعدى على ابني فيحق لي معاقبته "
" و لكن أمي .. سامر أيضاً آذى الفتى .. كلاهما أخطأ .. كيف لكِ أن تعاقبي الفتى دون معاقبة سامر "
حاولت أمي تجاهلي لعدم تمكنها من إجابتي ..فأخذت تعد طعام الغداء ..حتى انتهت من ذلك..ذهبت أمي لمناداة أخي لتناول طعام الغداء .. و ها هي تصعد السلم لمناداة الفتى ..لحقت وراءها.. دخلت هي غرفته حيث كان يغطي جسده باللحاف و نائم .. اقتربت أمي منه قليلاً ..وقفت تتأمله .. ثم أزاحت عن رقبته قميصه لترى الاحمرار الملحوظ ..ثم عادت تتأمله .. و بعد ذلك .. غطته جيداً باللحاف ..و خرجت من الغرفة ..
فبقيت أنا أتأمل الفتى .. أني بدأت أشفق عليه ..

==

مرت الأيام و مرت الاختبارات و استلمنا نتائجنا اليوم .. عدت مع أخي من المدرسة ..
نتيجتي ؟!! لا تسألوني عنها .. نتيجة أخي ؟!! أيضاً لا تسألوني عنها ..
كنا خائفان من أمي كثيراً و خصوصاً أنها عصبية .. عندما وصلنا للمنزل .. صادفنا أمي ..
خرجت من المنزل و هي تضبط خمارها و قالت لنا :
" ادخلا المنزل .. سأذهب لشراء بعض الحاجيات و آتي فوراً "
دخلت مع سامر الذي تنهد :" الحمد لله .. لم تسألـــــــنا عن نتائجنا "
" ستسألنا عاجلاً أم آجلاً "

دخل سامر المطبخ و هو يرمي حقيبته فوق طاولة الطعام متجاهلاً وجود الملك .. يجلس على أحد المقاعد و يحتسي الشاي .. جلس سامر على أحد المقاعد و أخرج شهادته من حقيبته .. و تنهد و هو ينظر إليها :" رباه .. ما هذه النتيجة ؟!!"
ابتسم الفتى .. و سأل سامر ببعض السخرية :" ما هي نتيجتك ؟!! "
اشتعل سامر غيظاً .. لاسيما أنه مقهور من درجته المتدنية هذه .. صرخ :" و ما دخلك أنت ؟!! "
ظل الفتى يبتسم ساخراً .. ثم نهض حاملاً كوب الشاي و اقترب من أخي .. و انحنى ليرى علامات أخي ..ابتسم :
" هكذا إذاً .. درجاتك متدنية جداً "
اشتعل أخي غيظاً .. و نهض صارخاً بالفتى :" لا يحق لك أن تسخر من درجاتي لأنك لا تدرس .. جاهل .. تركت دراستك لتبقى عبئاً علينا جميعاً "
انعدمت ابتسامة الفتى و تحولت ملامحه إلى الغضب.. صرخ بأخي :
" أنا لم أكن أجلب لوالدي نتائج متدنية كنتائجك هذه .. لو أكملت دراستي لأصبحت أفضل منك بكثير "

و هنا اشتعل أخي .. و لكن الفتى فعل شيئاً أثار جنون أخي أكثر .. فقد سكب الشاي الساخن على قدمي أخي ..
و هنا ( بالطبع ) يبدأ عراكهما الطويل الذي لا ينتهي .. و يبدو أنه لن ينتهي ..لأن أمي خارج المنزل .. و لا أحد يستطيع إيقافهما ..
كنت مرتكبة .. و خائفة .. و ها هي أختي هدى تستيقظ من نومها و تأتي لتشاهد هذا العراك العنيف ..
استمر العراك فترة طويلة .. كُسرت أواني كثيرة .. و تبعثرت المقاعد هنا و هناك ..و الذي أخافني أن الفتى كاد ينفجر غيظاً .. و كما تعلمون هو أكبر من أخي بسنتان .. و طبعاً أقوى منه .. فقد كان يرطم أخي المسكين بالأرض بقوة .. و أخي يصرخ .. و أنا لا أستطيع فعل شيء ..و أختي تكاد تموت خوفاً..
و هنا التقط الفتى سكيناً كبيرة .. و حاول بها قتل أخي .. رباه .. رباه .. هل يريد أن يجدد جرائمه في أسرتنا ؟!!
لا ! .. لا!!

سدد الفتى السكين نحو وجه أخي فخدشه .. فصرخت أنا رعباً .. و لم يكتفِ هذا المجرم ..بل استمر بخدش أخي في صدره و ذراعيه و حتى رقبته ... رباه .. لن يتركه .. سوف يقتله بالتأكيد ..هنا استرجعت كل لحظاتي الرائعة مع أخي .. نلعب .. نلهو .. نتشاجر .. نتعارك .. نبكي .. نضحك.. كنا ثنائي رائع .. لا أصدق أني سأفارقه ..!!

و ها أنا أسمع ضحكات أمي .. :" تفضلي يا أم ناجي .. تفضلي "


صرخت بقوة :" أمـــــــــــــــــــــــي !! "
و لحقت صرختي تلك بكاءاً طويلاً ..

=

أخي المسكين .. يتمدد على سريره و يئن بألم .. تحاول أمي تهدئته .. بينما كانت أم ناجي تداوي جرح صدره العميق و أذرعه و وجهه أيضاً .. و بعض الخدوش السطحية ..
أمي صرخت بي :" أين ذلك المتوحش ؟!! "
أعقبت :" في غرفته .. "
ضمت أمي رأس سامر إلى صدرها .. و قبلت جبينه بحنان .. :
" لا تخف عزيزي .. لن أتركك مرة أخرى ..ستبقى في ظل حمايتي من ذلك المتوحش "
و المسكين أخي يقبض بيده يد أمي و يئن :" أمي .. أمــــــي .. "
إلى أن هدأ أخي و غط في النوم .. يؤسفني أمره كثيراً .. لا أريد رؤيته على هذا الحال .. تعودت أن أراه نشيطاً .. مرحاً .. لا عليلاً مريضاً ..

نهضت أمي و جارتنا أم ناجي بهدوء .. و خرجنا من غرفته .. حيث بدأت تلك الجارة بالصراخ بوجه أمي :
" لا تقولي لي أن ضيفكم فعل هذا بابنكِ "
هزت أمي رأسها .. فصرخت أم ناجي :
" و تستكين ؟!! كاد أبنك أن يموت لولا رحمة الله"
حملقت أمي بالجارة .. ثم بدا في عينيها الغيظ .. و الشرر ينفلت من مقلتيها ..
اتجهت نحو المطبخ و دخلته .. ثم خرجت بيدها الحزام .. رباه .. صرخت :" أمي لا .. الفتى لا يتحمل "

وقفت أمامها أصدها .. :" أمي .. الفتى يتعرض لضغوط نفسية من جميع الاتجاهات .. من جهة أسرته .. و من جهة العيادة .. و من جهتنا أيضاً .. أمـي .. لا تظني أن هذه وسيلة لتأديب الفتى .. بل أنها أسرع وسيلة لتسوء نفسيته أكثر .. لا تنسي أمي أن والدي أوصاك به .. و لا تنسي أيضاً أنه أمانة .. و لا تنسي أنه وحيد هنا "

هنا خفضت أمي رأسها .. و الأخرى جارتنا بدت خجلة من نفسها لأنها تحرض أمي لفعل الخطأ ..أعادت أمي الحزام لمكانه .. و جلست مع جارتنا في الصالة ..و بدأت تحادثها ..أما أنا ركضت نحو غرفة الفتى .. منذ أن فعل فعلته تلك .. حبس نفسه في غرفته ..
فتحت الباب بهدوء .. الغرفة مظلمة ..و أشعة الشمس لا تكاد تسلل من بين الستائر..
اقتربت قليلاً من السرير .. تحسست بيدي الجسد المستلقي على السرير و المغطى باللحاف ..
و ها أنا أسمعه يلهث خوفاً .. أهو خائف من أمي ؟!!
همست :" لا تخف .. أنا زينة .. و أمي لن تفعل بك شيئاً صدقني "
و لازال صامتاً ..و لكني فوجئت .. بعد ثوان نهض الفتى بسرعة .. انطلق نحو النافذة و فتحها على مصارعيها..
وضعت يدي أمام عيني أحتمي من أشعة الشمس المفاجئة.. بعد ثوان فتحت عيني لأراه يقدم على جريمة حقيقية في حق نفسه ..

الانتحار ..

 
 

 

عرض البوم صور دموع يتيمة   رد مع اقتباس
قديم 22-06-08, 11:43 PM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 47688
المشاركات: 1,443
الجنس أنثى
معدل التقييم: دموع يتيمة عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 30

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
دموع يتيمة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : دموع يتيمة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء العشرين
العودة


مال الفتى بجسده إلى خارج النافذة الكبيرة تلك .. و ها هو يغمض عينه و يهذي بكلمات لا أفهمها ..
و بعد ذلك .. أنه يسقط من الطابق الثاني إلى الأرض .. أنه ينتحر .. أنه يقوم بجريمة شنيعة ..
وجدت نفسي ممسكة بالفتى .. أغلفه بذراعي .. أصرخ :" أرجوك لا ! .. كفاك جرماً .. لا تفقد أملك في الحياة "
أجبرته على الابتعاد عن النافذة .. و عندما استلقى على سريره .. أحكمت أنا إغلاق النافذة .. النافذة .. خطر كبير على خالد ..
جلست بقربه حيث كان يتحاشى النظر إلي .. وجدت نفسي أصرخ به :" مجنون .. مجنون .. ما الذي يجبرك على فعل هذا بنفسك .. فلتعلم ..! أنك تعذب نفسك بكل ما تفعله من إساءة للآخرين .. أراك كئيباً لأنك تفعل هذا .. لو نفضت هذه الأفكار السوداء .. لشفيت من مرضك النفسي هذا .."
همس :" أخرجي "
صرخت :" لا ! لن أخرج .. لأنك مجنون .. سأخبر والدي بما تفعله يا هذا "
اقتربت منه و صرخت :" و سوف أخبره أنك آذيت أخي .. و سأخبره أنك تشاجره دائماً و سأخبره .... ... "
صمتت .. فقد رأيت شيئاً جديداً في خالد .. دموع ؟!! هل يملك هذا الملك دموعاً ..
اقتربت منه أكثر .. حيث كان يشيح بوجهه عني .. خاطبته بلطف :
" أرجوك لا تبكي .. لن أخبر والدي بشيء فقط لا تبكي "
=
بعد أيام من صمت الفتى المتواصل .. و بعد أن عاقبتنا أمي بعدم مشاهدة التلفاز بسبب درجاتنا المتدنية ..
ها قد عاد والدي من سفره .. رميت بجسدي في حجره .. كم اشتقت له ..هذه المرة بالذات .. اشتقت لوالدي كثيراً أكثر من كل مرة ..لأن حدثت أحداث كنا بحاجة لوجود أبي معنا ..
و لكني أخبرته بمحاولة انتحار الفتى .. فكان ذلك خطيراً جداً عليه ..
ها هو والدي ينطلق نحو غرفة الفتى .. النافذة مفتوحة .. و لا أحد على السرير ..رباه ..
بعد ثوان مملوءة بالخوف همس والدي :" أين هو ؟!! "
تقدمنا نحو النافذة .. طللنا للخارج .. و هنا شهقت أنا .. أيمكن أنه .. انتحر ؟!!
بعد فترةٍ مليئة بالخوف .. سمعنا صوتاً جافاً :" ماذا هناك ؟!! "
التفتنا إلى مصدر الصوت .. كان هو .. يخرج من الحمام و يضع على كتفيه الفوطة ..
آه .. الحمد لله ..
هنا يقترب والدي منه .. و يضمه إليه ..
=
أبي الآن يجر سرير الفتى لينقلـه إلى غرفة سامر .. طبعاً .. لقد خاف على خالد كثيراً .. لذلك قرر أن ينقل سريره إلى غرفة سامر .. ذلك أفضل .. رغم أن سامر و الفتى يتشاجران دائماً ..
يقف الفتى بجانبي و هو ينظر لوالدي بغيظ .. لأنه سيرغم على مشاركة سامر غرفته ..و لا تنسوا أنه غاضب مني كثيراً .. لأني أخبرت والدي بالحقيقة..
و عندما انتهى والدي من نقل السرير اقترب من الفتى ليسحبه من يده متجهاً نحو الغرفة ..أدخله والدي الغرفة و أجلسه على سريره و قال له :" هنا ستنام من الآن فصاعدا .. و سوف أنقل خزانتك قريباً "
أدار الفتى برأسه لجهة سامر و أشار إليه بسبابته و قال مخاطباً والدي باستنكار :" أنا سأنام مع هذا ؟!! في غرفة واحدة ؟!! "
و هنا صرخت أمي :" و ماذا في ذلك؟! ألا يعجبك ابني ؟!! إذ كان لا يعجبك فأخرج من منزلي فوراً "
و خاطبها والدي :" هدئي من روعك عزيزتي .. الفتى لا يقصد ذلك "
أشارت أمي إلى وجه الفتى المستغرب و صرخت بوالدي :" هذا الفتى متكبـر .. "
تنهد الفتى بملل .. و استلقى على سريره و كالعادة يطردنا قائلاً :" أخرجوا "
فخرجنا تاركين أخي و الفتى ينامان في غرفة واحدة ..

=
في منتصف الليل أيقظني ضجيج في الخارج ..نهضت بسرعة .. و فتحت الباب لأرى أخي سامر يخرج من غرفته مسرعاً .. راكضاً نحو غرفة والدي و والدتي .. ركضت خلفه ..
طرق هو الباب بقوة .. فخرجت أمي و هي تفرك عينيها و تقول بقلق :" ماذا ؟!! ما بك ... "
قال أخي بخوف :" الفتى .. لا أعلم ماذا حدث له .. "
صرخت أمي :" ما به ؟!! انتحر ؟!! "
" لا ! لا !... اتبعيني أمي "
و هنا خرج والدي من غرفته قائلاً:" ماذا هناك "
" أبي الفتى .. "
و ما كاد أن يكمل جملته .. حتى اندفع والدي إلى تلك الغرفة و ركضنا نحن جميعاً وراءه ..فتح والدي الباب و انطلق نحو سرير الفتى و نحن خلفه ..
على السرير الفتى مستلقٍ .. يقبض بيديه الاثنتين على رأسه و يتوجع ..وجهه محمر جداً ..
اقترب والدي منه بخوف .. همس :" ما بك ؟!! "
و يزداد توجعاً ... يعض على شفتيه ألماً .. ما به ؟!!
ينظر والدي إلينا بوجل ثم يعود يغلف الفتى بذراعيه و يمسح شعره :" ما بك ؟!! "
يعض الفتى على شفتيه و يهمس بألم :" رأسي ...!!! "

و هنا يسرع والدي بمساعدة على النهوض ..يساعده على ارتداء قميصه .. ثم معطفه .. و يخرجان من المنزل فتوقفهما أمي :" إلى أين ؟!! "
" إلى المشفى "
و الفتى لازال يقبض بيديه على رأسه .. و يتوجع كثيراً .. لا أتحمل رؤيته هكذا ..

=
اتجه أخي لغرفته و النعاس بادٍ على وجهه .. أما أنا تسمرت على المقعد في الصالة .. فصرخت بي أمي :
" أذهبي و اخلدي للنوم "
" لا .. سأنتظر عودة الفتى .. "
" لن يعود الآن .. قد ينام في المشفى .."
" و ما أدراكِ أمي ؟!! الفتى لا يعاني أي أمراض جسدية "
تنهدت أمي و جلست بجانبي .. و قالت في قلق :" ماذا جرى له يا ترى ؟!! "
قلت :" أجبرتموه على النوم مع أخي .. "
ابتسمت هي بسخرية :" أتعتقدين أنه يمثل دور المريض لكي يعود ينام وحيداً ؟!! "
ماذا ؟!!!
=
بعد فترة طويلة .. كانت أمي تكاد تنام .. مسكينة هي .. مجبرة على انتظار والدي..
لقد تأخروا !!

فجأة يفتح الباب الرئيسي للبيت و يدخل والدي ممسكاً بالفتى .. نهضت و نهضت أمي..
يبدو على وجه الفتى الإرهاق .. و ها هو أبي يخاطبه بلطف :" أصعد للغرفة لتنام .. استرح و لا تفكر بشيء "
هزّ هو رأسه ايجابيا.. و اتجه نحو الغرفة .. و دخلها ..
فسألت أمي والدي قائلة :" ما به ؟!! "
جلس والدي على المقعد و أردف :
" قال لي الطبيب أن هذه نوبات تواتيه بسبب مرضه النفسي .. ربما تذكر شيئاً أثار حزنه .. و غيظه .. "
قالت أمي :" و لكنها نوبات حادة جداً .. كان يتوجع كثيراً "
" نعم .. كلما تذكر الفتى شيئاً يحزنه أكثر .. سوف يتألم أكثر.. لذلك نصحني الطبيب بعدم إغاظته "

و قال والدي موجهاً الحديث لأمي بالذات :" لذلك يا أم سامر .. كوني ألطف معه .. فما هو إلا طفل مريض "

نكست أمي رأسها .. ثم رفعته و قالت :" ماذا فعل له الطبيب ؟!! "

" لم يفعل شيئاً سوى أنه أعطاه بعض المهدئات .. و لازال رأسه يؤلمه قليلاً "

نهض والدي و خاطبني :" زينة ! أذهبي للنوم .. الساعة متأخرة .."
نهضت و قبلت والدي و والدتي و ركضت نحو غرفتي .. استلقيت على سريري ..
ترى هل لازالتِ تتوجع أيها الملك ؟!!
=

في صباح اليوم التالي .. تجمعنا حول طاولة الطعام لتناول الإفطار ..
ها هو الفتى بيننا .. تظهر هالات سوداء تحت عينيه .. المسكين .. لم ينم البارحة جيداً بسبب آلامه ..
أضحكني مظهره هذا.. شعره غير مرتب كلياً.. و من أين سيجد له وقتاً ليرتب شعره و هو تحت ضغوط كثيرة؟!
يتناول فطوره بهدوء شديد .. أمي وضعت أمامه طبقاً .. فرفع هو رأسه و نظر لها .. هي ابتسمت له و مسحت شعره .. أظن أنها أدركت أنه مسكين .. يحتاج لمن يساعده .. لا يعاكسه ..
عندما انتهينا من تناول الطعام .. نهض سامر و قال لي :" زينة دعينا نلعب قليلاً "
هززت رأسي ايجابياً .. ثم قلت :" و لكن لماذا لا يشاركنا الفتى اللعب ؟!! "
و أشار أخي إليه و قال :" أطلبي منه ذلك "
اقتربت منه حيث كان يراقب والدي كيف يداعب الصغيرة هدى في صمت ..
أمسكت يده و قلت في مرح :" هيا .. تعال ألعب معنا "
نظر لي بانزعاج شديد .. و حاول سحب يده من قبضة يدي .. و لكني سحبتها قائلة :" هيا ! أنهض .. "
همس منزعجاً :" أوه.. اتركيني "
و لكني كنت مصرة .. فسحبت يده أكثر حتى صرخ بي أبي بقوة :" زينــة ..! "
تسمرت بخوف .. و صرخ والدي بي :" الفتى متعب ألا تفهمين ؟!! دعيه هيا "

تركت يد الفتى ( المتعب ) .. و ركضت مع أخي سامر خارج المنزل لنعلب ..
و لأننا في إجازة .. فلا شيء يوقفنا .. نلعب و نلعب و لا نتعب .. حتى الكلب تعب .. و نحن لم نتعب بعد ..
حتى خاطبني أخي و هو ينظر لساعة يده :" أوه .. زينة .. لقد استغرقنا وقتاً طويلاً في اللعب "
" هيا .. ألن تكمل ؟!! "
قال مشيراً برأسه بالنفي :" لا .. لقد تعبت ..! "
و مشى متجهاً نحو المنزل .. ركضت خلفه و خاطبته :" هل أصبحت بخير ؟!! "
ابتسم في وجهي :" نعم .. لم أعد أشعر بأي ألم "
ركضنا نحو المنزل و دخلنا مصدران ضجيجاً .. فخرجت أمي من المطبخ و وضعت سبابتها أمام فمها عمودياً :
" شششش .. الفتى نائم "
أشارت إلى الفتى المستلقي على الأريكة و غاط في نوم عميق .. و ها هي تقترب منه حاملة لحاف و غطته جيداً و خاطبتنا بهمس :" الفتى متعب .. ألا تفهمان ؟!! "
نظرت له و قلت :" و لكن لماذا ينام هنا ؟!! "
اقتربت أمي منا و همست :" نام هنا و انتهى الأمر .. هيا ابتعدا و ألعبا في مكان آخر .."

=

الإجازة هي جميلة أحياناً .. و لكنها مملة أحياناً أخرى ..
ها هو والدي يعود من عمله و يجلس على أحد المقاعد ليتأمل النائم على الأريكة .. أنه إن نام لا يستيقظ أبداً..
جلست بجانب والدي و همست :" أبي ! "
التفت لي :" ماذا "
" ملل .. "
ابتسم و قال :" عزيزتي .. سوف يقام مهرجان غداً .. و لن تشعرين بالملل .."
قلت بفرح :" مهرجان ؟!! أين ؟!! "
" في الساحة المقابلة لمتجر الحلوى .. سوف تلعبون و تمرحون و تشترون و كل شيء .. "
أشرت للفتى :" و الفتى ؟!! سيأتي معنا ؟!! "
" بالطبع عزيزتي .. جميعنا سنستمع في المهرجان "

قفزت من الكرسي و أسرعت لإخبار أخي ..

في المساء ..يغطي والدي الفتى جيداً و يقبل جبينه و يقول له :" لا تفكر في شيء .. نم بهدوء .."
في طرف آخر أخي غارق في النوم .. يخرج والدي من الغرفة .. فيستوي الفتى على سريره و يسند رأسه للخلف و يغمض عينيه و يعود ليفتحها .. و الحزن باد على ملامحه .. اتجهت نحو غرفتي خلدت للنوم ..

في اليوم التالي ها هي الاستعراضات و الألعاب و الفرح و المرح في تلك الساحة .. ينطلق أخي بفرح نحو أحدى الألعاب الالكترونية .. و والدي و أمي يقلبون في الحاجات المعروضة للبيع ..
آه مهرجان رائع .. هناك من يعزف ..و هناك من تنثر الورد علينا و هناك و هناك ..كم هذا رائع ..

" الدنيا تغرق ..! "

التفت إليه .. الفتى .. يقف يحملق بالناس بنظرة غريبة .. خاطبته :" ماذا تقصد ؟!! "
تنهد بعمق و أشار لجميع الناس :" أنهم يغرقون و هم لا يعلمون ؟!! "
قلت مستغربة :" يغرقون ؟!! "
تقدم هو نحو بائع الحلوى .. الذي يوزع الحلوى على الأطفال ..أبعد الفتى الأطفال عن طريقه و عندما بلغ البائع ..ضرب بقبضة يده الطاولة فسقطت علبة الحلوى على الأرض و تناثرت الحلوى هنا و هناك ..
همس بغيظ موجهاً حديثه للبائع :" توقف عن هذا "
البائع يشتعل غيظاً .. أمسك بذراع الفتى و صرخ به :" كيف تجرؤ ؟!! "
ردد ذلك المجنون عبارته بنظرة عميقة :" توقف عن هذا "
" و من أنت أيها الفتى .. أذهب و ألعب بعيداً .. "
و ها هو سامر ينطلق نحوه ليسحبه.. و لكنه مصر على مشاجرة الرجل .. همس و هو يعض شفتيه :
" أنت لا تفهم "
صرخ البائع :" و من الذي يفهم أيها العبقري ؟!!"
و هنا أخرج البائع علبة حلوى أخرى ليوزعها على الأطفال .. فأوقفه الفتى :" توقف .. قلت لك توقف عن هذا "
صرخ الرجل موجهاً حديثه للناس :" من والد هذا الفتى ؟!! فليأتِ و يأخذه و إلا.... "
نكس الفتى رأسه و همس :" لن يأتِ .. لأنه مات .."
صُدم البائع .. و هنا ابتعد الفتى عن حشد الناس و جلس على العشب مبتعداً عن موقع المهرجان ..
ركضت نحوه .. جلست بجواره .. نظرت له .. ينكس رأسه بحزن ..خاطبته بحيرة :
" ما بك ؟!! أحياناً جنون و أحياناً حزن .. أحياناً غضب و أحياناً تعب .. "
نظر لي بابتسامة ساخرة .. ثم همس :
" من حقكم أن تلقوا بي في تلك العيادة النفسية .. لأنكم لا تفهموني و لن تفهموني "
" ما الذي لا نفهمه .. وضح لي .. "

تنهد بعمق .. ثم استلقى على العشب و أغمض عينيه ..

=
في اليوم التالي .. اصطحبنا والدي إلى أحد الأسواق لشراء ما نحتاجه ..و تركنـا أمـي و الفتى في المنزل .. لم ننتهي من التسوق إلا في وقت متأخر .. الساعة التاسعة ليلاً.. عدنا للمنزل بينما كان البرد قارصاً ..
دخلت المنزل .. و أخذ أبي ينادي أمي .. خرجت أمي من المطبخ باسمة :" العشاء جاهز "
جلست على مقعدي و جلس سامر على مقعده و هدى اختارت مقعدها بقرب والدتي و بدأنا في تناول العشاء ..
و سامر أخذ يحدثني عن الفتيان الذين يتعرضون له في المدرسة .. بدت لي حياته في المدرسة كئيبة فهي شبيهة بحالي أنا ..طبعاً .. إذ كنت طالباً موضع سخرية .. ستتألم جداًَ ,,
المدرسات تسخرن مني.. و الطالبات أكثر .. يحاولن إحراجي قدر الإمكان ..
سامر يتألم جداً عندما يظهر ضعيفاً أمام حشد الطلاب الذين يندفعون نحوه لضربه .. و ليثبتون له أنهم أقوى منه و هو ضعيف .. و لكني أتألم عندما تقف الطالبات و يرمقوني بنظرات و ضحكات ساخرة .. و أتعذب من حديثهن ( وشوتهن ) فيما بينهن عني ..
ترى إلى متى سأظل هكذا ؟!! موضع سخرية الجميع ..!
قطع سرحاني سؤال والدي الموجه لأمي :" أين الفتى ؟!! "
" لا أعلم ! ربما نائم "
تركت أنا الملاعق .. و نهضت قائلة :" شبعت و الحمد لله .. "
و ركضت خارجة من المطبخ .. اليوم لم أرى وجه الملك بتاتاً .. ركضت نحو غرفته ..عندما بلغتها طرقت الباب .. فلم أسمع أي صوت .. أيمكن أنه نائم ؟!!فتحت الباب بهدوء .. و ألقيت نظرة على الغرفة .. لا أحد !!
أغلقت الباب و رحت أبحث عنه في أرجاء المنزل .. رغم أن الفتى لا يمكث إلا في غرفته و أحياناً قليلة إذ شعر بالعطش يطل على المطبخ ..
فتشت كل ركن و زاوية من المنزل و لكـن لم أجد الملك !!ربما هو خارج المنزل .. أيمكن أنه .. فرَّ هارباً ؟!!
ركضت بخوف نحو باب المنزل .. خرجت من المنزل و أنا أرتعش برداً .. البرد يتضاعف آلاف المرات في الليل .. لا أعتقد أن الفتى يستطيع المشي وسط هذا البرد القارص .. أنه ليس معتاداً على البرد ..كان المطر يتساقط بغزارة .. فاستعرت مظلة والدي و اندفعت أبحث عن الفتى .. هنا و هناك ..آه أكاد أجن .. لا أحد يسير في الشوارع في هذا الوقت .. برد قارص و أمطار غزيرة .. ركضت بسرعة .. و أخذ أدير عيني أبحث عنه بقلق .. و لكن لا جدوى ..يستوجب علي البحث أكثر ..أخذت أمشي و أنا أبحث عنه هنا و هناك .. أين هو ..
ابتعدت عن المنزل كثيراً .. و لكني لم أجده لحد الآن !! شعرت بالبرد .. يجب أن أعود للمنزل قد يقلق والدي علي .. و لكـن ! ماذا عن الفتى ؟!!
أدرت رأسي للخلف .. ربـاه .. الليل مخيف .. الظلام موحش .. و لا أحد يسير في الشوارع غيري ..
عدت أنظر للأمام .. لحظة .. كأني رأيت شبح خالد ..
دققت أكثر في ذلك الشيء المتكوم على نفسه بقرب إحدى الأشجار .. رباه .. خالد ..
اقتربت أكثر .. أكثر.. لأراه أمامي يخبأ رأسه بين ركبتيه .. و يغلف جسده بذراعيه و يرتعش برداً ..
يرتدي قميصاً قصير الأكمام و ليس سميكاً أبداً .. يتجمد برداً .. أنحيت له .. فشعر بي .. رفع رأسه ببطء ..
ثم نظر لي .. رباه وجهه ازداد احمراراً من شدة البرد .. يرتعش برداً ..المطر يبلل جسده بأكمله ..
ظللته بالمظلة .. و صرخت به :" ماذا تفعل هنا ؟!! "
كان ينظر لي بنظرات غريبة جداً .. و كأن هموم الدنيا كلها انصبت على رأسه ..
همست بلطف أكبر :" ألا تشعر بالبرد "
هزّ رأسه ايجابياً ..فقبضت على يديه فإذاً بهما جليد صلب .. همست به بقلق :" أنك تكاد تتجمد حتى الموت "
همس هو :" أرسلوني إلى العيادة النفسية "
" لماذا ؟!! هل فعلت أمك مالا يرضيك ؟!! هل قالت لك شيئاً "
عاد يقول و هو يعض شفتيه :" أرسلوني إلى العيادة النفسية.. لا أريد البقاء بينكم "
قلت بانفعال :" لماذا ؟!! أرجوك أخبرني ما الذي حدث .. ! "
نكس رأسه و بحشرجة أردف :" المريض النفسي لا يستطيع العيش بين بقية الناس العاديين .. "
رفع رأسه فإذا بوجهه أكثر احمرار .. و عينيه تلمعان .. و كأن سيلاً من الدموع على وشك التدفق ..
يا إلهي لأول مرة أراه بهذا الشكل .. قبضت على كتفيه و قلت بترجي :" أرجوك لا ! .. "
حدق بي طويلاً بتلك النظرة الكئيبة .. فضغطت على ذراعيه و قلت بهمس و كلي قلق :
" خالد .. دعنا نعود للبيت "
نكس رأسه :" دعيني أبقى هنا قليلاً "
" لا ! .. ستتجمد .. أنك تتجمد ! سوف نعود للمنزل و يمكنك أن تطلب من والدي أن يرسلك إلى العيادة النفسية .. فقط لا تبقى هنا .. المكان موحش و بارد .. ستمرض ..! "
نظر لي بنظرته الكئيبة تلك .. ثم بدا متقبلاً الفكرة .. مددت يدي له و أعنته في النهوض .. لاسيما أنه متعب جداً .. و مشينا معاً عائدان إلى المنزل .. نظرت له .. مرهق جداً ..
عدت أمشي و هو بجانبي يمشي .. حتى بلغنا المنزل .. تصلبت نظراته عند المنزل عندما رأى والدي يحوم بقرب الباب .. و سامر بجانبه ..
وقف دون أن يتحرك خطوة واحدة للأمام .. و نظراته مركزة على والدي ..
خاطبته :" هيا بنا "
نظر لي .. ثم عاد ينظر لوالدي .. حتى واصل مشيه نحو والدي و أنا بجانبه أظلّه بالمظلة ..
رأيت على والدي ملامح الصدمة لرؤية الفتى يمشي نحوه .. اقترب منه بسرعة و هتف :
" ماذا كنتما تفعلان في الخارج ؟!! "
نظر لي الفتـى .. ثم نظر لوالدي مرة أخرى .. فعاد والدي يسأله :
" و لمَ أنت مبلل هكذا ؟!! و كيف تخرج بملابس صيفية و البرد قارص "
نظر الفتى لوالدي نظرات عميقة .. ثم همس :" أرسلوني إلى العيادة النفسية .. "
" و لكـن يجـب .... "
قاطعه الفتى بزمجرة و بصوت غاضب :
" ليس من حقك أن تبقيني هذه المدة كلها في منزلك .. أنا جئت هنا لأعالج فقط .. "
تقدم الفتى بخطوات إلى الأمام صاعداً عتبات البيت .. و والدي يراقبه .. دخل المنزل .. فنظر لي والدي :
" ماذا حدث ؟!! "
" لا أعلم .. كان مصراً على ألا يخبرني بشيء "
دخلت أنا المنزل و لحق بي والدي .. انطلق والدي نحو غرفة الفتى..و أنا وقفت أمام أمي متسائلة :
" أمي .. ماذا حدث بينك و بين الفتى ؟!! "
قالت مستغربة :" لا شيء جديد .. أهناك شيء ؟!! "
يبدو أن أمي صادقة !
تركتها و انطلقت نحو غرفة الفتى .. فتحت الباب ! .. كان يضع حقيبته الكبيرة الخاصة للسفر على سريره ..
و يبقى ينقل ملابسه و حاجياته من خزانته إلى الحقيبة .. و هو يشتعل غيظاً ..
و والدي يحاول إقناعه :" ماذا تفعل !.. ألا تعلم أي حياة ستعيشها هناك .. سيعاملونك كالمجنون .. يصعقونك بالكهرباء و ستدمن على الحقن المهدئة .. "
وقف الفتى أمامه .. :" لا ! .. أظن أن الطب متطور في هذه البلاد .. و هناك أطباء و خبراء نفسيين "
و واصل عمله .. فوقف والدي أمامه يصدّه .. حملق به بحيرة و قال :" ما الذي حدث ؟!! "
عضّ شفتيه .. ثم واصل عمله :" انتهى الأمر .. و لا مجال لمناقشة الموضوع "
ابتعد والدي عنه قليلاً .. و هكذا أكمل الفتى عمله .. و خاطب والدي بجدية أكبر :
" غداً أرسلني إلى العيادة النفسية .. فلم أعد أستطيع البقاء "
ثم خلع قميصه المبتل ذاك ..و حمل الحقيبة من السرير إلى الأرض .. ثم استلقى على سريره و غلف نفسه باللحاف .. و أغمض عينيه و الغضب يتفجر من رأسه ..
و هنا أطفأ والدي النور .. و خرج من غرفة الفتى و اقترب من أمي الجالسة في الصالة و خاطبها :
" أظن أن الحق مع الفتى .. ليس من حقنا إبقائه هنا أكثر.. "
اقترب والدي منها أكثر و جلس بجانبها قائلاً :" غداً سوف أرسله للعيادة .. "
قالت أمي مستغربة :" ما به ؟!! لماذا يريد الذهاب للعيادة ؟!! "
التفت لها والدي :" لا أعلم أصر على عدم البوح بشيء .. و هذا ما يحيرني .. ما الذي جرى ؟!!! "
أشاحت أمي بوجهها إلى التلفاز .. فنهض والدي حائراً ..!


في صباح اليوم التالي يجر الفتى حقيبة ليغادر المنزل .. حتى دون أن يلقي نظراته الأخيرة علينا ..نحن سنزوره بالطبع في المشفى و لكنه أتى للمنزل و أضاف جواً جديداً و ها هو الجو سيختفي لمغادرته ..استوقفه والدي :
" ألن تسلم على سامر و زينة و أم سامر .. لا تنس أنك ستغادر منزلنا و لن تعود إلا بعد خمس سنوات "
توقف الفتى قليلاً لينظر لسامر .. ثم ينقل نظراته لي .. ثم لأمي .. و تراءى لي شبح ابتسامة .. يبتسم لي ؟!! اقترب مني قليلاً تاركاً حقيبته .. و هو يبتسم لي ..
توقف عند بعد خمس خطوات .. ثم همس :" سأشتاق لكم .. "
شعرت بالسعادة .. ممزوجة ببعض الحزن .. الفتى سيغادر منزلنا و لن يعود إلا إذ بلغ الخامسة عشر ..
ابتسمت في وجهه .. و ها هو سامر يرد نيابة عني :
" و نحن أيضاً سنشتاق لك و سنزورك بين فينة و أخرى .. أليس كذلك أبي "
( ما دخلك أنت ؟!! الحديث موجه لي أنا )
و ها هو الفتى يدير رأسه للخلف ليرى والدي يهز رأسه ايجابياً ..و يعود ليحملق بي ..
ثم مد يده لأخي بابتسامة رائعة قائلاً :" وداعاً ! يا صاحب الكلاب .. "
و انفجر أخي ضحكاً قابضاً على يد الفتى بيديه الاثنتين :" وداعاً ! وداعاً "
سحب الفتى يده بلطف من قبضة أخي .. ثم مدها نحوي .. و بدعابة خاطبني :" و أنت أيتها المرحة الماهرة "
مددت يدي لأسلم عليه .. و ضحكت قائلة :" وداعاً .. أيها الملك !! "
ثم تركت يده ليبتعد عني متجهاً نحو والدي .. فيخاطبه أبي :" ألن تسلم على أم سامر ؟!! "
أدار هو برأسه نحو أمي حيث كانت ترسم على شفتيها ابتسامة صغيرة ..
اقترب الفتى من أمي و بقي يحملق بها .. فارتسمت على وجهها ابتسامةً حنونة ..
و أنحت جذعها لتضمه إلى صدرها ..



هنا يغادر الملك .. و لكننا لم نتركه .. بل نظل نزوره بين فينة و فينة في المشفى .. بصراحة مظهره على السرير الأبيض و بملابس المرضى يشعرني بأنه ضعيف .. أمي تحسنت علاقتها معه .. فبدأت تعامله كابن لها .. و خصوصاً بأنه مريض .. أخبرنا الطبيب أن خالد يتحسن بسرعة .. و يتقبل العلاج النفسي رغم أنه أحياناً قليلة يضجر و يثور .. و يحتاج الطبيب لتهدئة أعصابه بالمسكنات .. و لكن هذه الحالة لا تواتيه إلا نادراً ..
يقول الملك .. أن بعض الممرضات لا يحسنون معاملته و هذا ما يجعله يكره المشفى ..,
طبعاً ! فبعض الممرضات المبتدئات لا يدركون أحاسيس المرضى النفسيين و يظنون أنهم مجانين بلا عقول ..
استمر الحال هكذا .. كل يوم نذهب لزيارة الفتى لتقديم طعام الغداء له .. و كل يوم أتلقى منه شكوى من جميع المحيطين به .. حتى زملائه المرضى النفسيين .. فهل يا ترى سيتقبل خالد هذا الحال ؟!!

=
مـر من الزمان الكثير .. حتى استطاع خالد الخروج من المشفى ليعيش عشر سنوات معنا ..
أصبحت متحجبة .. و هذا ما يجعله ينام في الملحق التابع للمنزل ..و لكنه بدا مهتماً لأمري كثيراً ..
فقد رأيته رجلاً ناضجاً واعياً .. و قد بلغ ما فوق العشرين .. يخاف علي من الشبان التافهين المتناثرين في الشوارع ..يحاول قدر الإمكان حمايتي حتى من أي نظرة من أي شاب ..
في الفترة الأخيرة يزورنا والد خالد و عمه الذي يصغره بسنتين .. و أسمه على ما أظن ( إياد ) ..
و عمته الكبرى " ذكرى" .. و أحياناً يصطحبون معهم عمته الأخرى التي تدعى سمية ..بدت لي أسرته في غاية اللطف .. و لاسيما أنهم يكثرون المدح فيا ..
و لكن الذي يحيرني ! .. أن خالد لم يرَ أمه لحد الآن ! و لم يسمع صوتها ..!و كل ما سألته عنها يقول لي أنها لا تريد التحدث معه ..!! أيعقل ؟!! ألازالت لا تطيق سماع صوته .. قلبها حجري و قاسٍ جداً ..
من الذي يكره سماع صوت خالد ؟!! أنه أصبح ملاكاً .. يزداد إشراقاً يوماً بعد يوم ..
بعد أن أكمل دراسته .. و ها هو يدرس دراسات عليا .. و لكنه لن يباشر بالبحث عن وظيفة ..لأن والده أخبره الوظائف أصبحت متوافرة في بلده الأصلي .. و لا داعٍ للبحث عن وظيفة ..
و لكني فرحةٌ جداً .. لاسيما أن أبي أكمل بناء بيت آخر في إحدى مدن بلدنا الأصلي و سنهاجر له .. ما إن ستتدبر أمورنا .. و الذي أسعدني أن " خالد " سوف سيعود معنا أيضاً
..

 
 

 

عرض البوم صور دموع يتيمة   رد مع اقتباس
قديم 22-06-08, 11:46 PM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 47688
المشاركات: 1,443
الجنس أنثى
معدل التقييم: دموع يتيمة عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 30

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
دموع يتيمة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : دموع يتيمة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء الواحد و العشرين
و مرت السنين


خالد .. ! بداية قصته .. أنه شهد جريمة قتل بشعة .. بعدما ابتعد عن عمه ليلهو قليلاً و لكنه توقف عند أحد البيوت المهجورة لرؤيته رجلاً .. يعذب امرأة بالسكاكين .. قطعها و عذبها إلى أن ماتت .. الرجل قتل المرأة و لكنه لم يعلم أنه قد أثّر على قلب طفل رآه ..و لأن خالد فهم ذلك المشهد بالخطأ ..فقد اعتقد أن ما يقوم به الرجل صواب ..حاول في البداية قتل أخيه الذي يغار منه ..ثم قتل ابنة عمه حقاً ..و دفع الثمن غالياً .. تخلت عنه أمه .. و الجميع اقتنع أنه مريض نفسياً ..و هكذا بدأ خالد بالعلاج في المشفى في بلده .. ثم انتقل إلى عيادة أخرى في بلد آخر .. فقد تخلى عنه الكثيرون ..و ها هو يكمل علاجه .. و يكمل دراسته .. و يصبح شخصاً يستحق الإعجاب..
حتى بلغ سن الرشد .. نضج .. أصبح عاقلاً و واعياً .. رجلاً بمعنى الكلمة ..بلغ الخامسة عشر سنة ! بمَ يذكركم هذا الرقم ؟!!
بعمر خالد .. بعد خمسة عشر سنة .. أي انتهت المدة المحكومة على خالد بالبقاء خارج البلاد ..
و حان موعد العودة ..
==
كنت جالسة في الصالة أقلب قنوات التلفاز .. الساعة الحادية عشر ليلاً .. آه رباه ..
ذكرى في غرفتها .. و عادل خارج المنزل .. ابني وائل و إياد و سالم و مروة و سمية .. يتجولون في الأسواق.. بحثناً عن هدايا لابنة أختي " سارة " فغداً عيد ميلادها ..
رباه .. أنا الآن وحدي ! الملل يقتلني .. أقلب القنوات و لا أجد فيها شيئاً مسلياً ..
دخل عادل المنزل ! آه .. و أخيراً .. ؟!!
اقترب مني حاملاً هاتفه الخلوي .. على وجهه ابتسامة عريضة و فرح شديد .. صرخ بي :
" أين ذكرى ؟!! "
" في غرفتها "
خرجت ذكرى من غرفتها فإذا بعادل يركض نحوها بسرعة ( لم هذا الجنون ؟!! )
يناولها الهاتف و يقول بفرح :" خالد ! لديه خبر رائع "
إلى متى سوف ترافقنا مكالمات هذا الفتى .. أقصد الشاب .. لأنه الآن كبر و أصبح شاباً..
اقتربت ذكرى و سألت عادل :" أي خبر ؟!! "
ناولها الهاتف .. و حضّها على محادثة المجرم ذاك ..قرّبت الهاتف لأذنها :" آلو خالد ! ماذا هناك ؟!! "
ثم اتسعت فتحتا عينها و شهقت :" أحقاً ما تقول ؟!! "و قالت و هي تلتقط أنفاسها :" لا أصدق "
ثم قالت :" حسنٌ عزيزي .. " أغلقت الهاتف .. و خاطبت عادل بجنون :" أنا سأصعد لأرتدي عباءتي "
و شقت طريقها بسرعة .. و هي تضحك بفرح و جنون ..ترى ماذا قال لها خالد ؟!!
و في جهة أخرى يركض عادل بفرح كالأطفال .. خارجاً من المنزل ..ماذا دهاهما ؟!!
و ها هي تخرج ذكرى من غرفتها و عيناه تلمعان فرحاً .. تكاد تبكي ..و قد تجهزت للخروج من المنزل ..
استوقفتها :" ذكرى ! ماذا هناك ؟!! "
وقفت أمامي بفرح .. ثم قبضت على يدي الاثنتان ,, و صرخت :
" غيداء ..! الفقيد سيعود إلى أرض الوطن أخيراً ..! "
نظرت لها بأعين حائرة .. الفقيد .. خالد .. ابني .. الذي نسيت شكله .. و لكني لم أنسى جرائمه ..
سيعود لأرض الوطن ؟!! أي .. سيعود فرداً بيننا ؟!!
لكننا رفضناه .. أني حتى لا أذكر صوته .. و لا حتى لمحة من ملامحه وجهه..
لا أذكر إلا جرائمه البشعة ..!
لا أتخيل أن يعود خالد بيننا .. ذاك الإنسان .. سيعود ليعيش هنا ؟!!
تركتني ذكرى .. و ركضت خارجة من المنزل و هي تردد:" لا أصدق أني سأقف أستقبل الفقيد .. أخيراً ؟!! "
تكاد تموت فرحاً.. و أنا أكاد أموت حيرة .. أموت خوفاً منه ..و حقداً عليه ..
بني وائل ! كيف ستكون نظرته لأخيه المجرم هذا .. سيرفضه ؟!! أم يرحب بمن حاول قتله في الماضي..
هل سيفتخر ابني أن له أخاً هكذا .. مجنون ..! مريض ! .. مجرم .. مخيف .. مريب ..غامض ..
و بقية الشبّان و الشابات .. مروة سمية .. إياد و سالم .. هل سيقبلون وجود هذا الإنسان بينهم ؟!!
أيتذكرني ؟!! أم يكرهني ؟!!
قال عادل من قبل .. أن خالد حينما يعود .. سوف يعيش في شقة خاصة له .. بعيدة عنا ..ذلك أفضل ..!
ما هو شكله الآن ؟!! هل تغيـــر ؟!!
غفوت قليلاً .. لأفكاري الكثيرة .. غفوت قبل أن أستعيد كل ذكرياتي التعيسة مع هذا الابن .. ليتني لم أنجبه ..
ليست غفوة .. و أنما نوماً عميقاً .. فتحت عيني على وجه ذكرى المشرق الذي يهزّني :
" غيداء ! .. أنهضي .. أنظري لمنزلك كيف أشرق .. لدخول النور كله له .."
نهضت و نظرت لعادل الذي يخرج من غرفة إياد .. و يقترب مني بابتسامة مشرقة جداَ,,
هنا شهقت ..! فقد رأيت حقيبة سفر بقرب ذكرى .. صرخت :" أهو في المنزل ؟!! "
ابتسمت ذكرى و أشارت إلى غرفة إياد :" هناك ! .. أنه يرتاح قليلاً .. "
صرخت بعادل :" ألم تقل بأنه سيعيش في شقة ؟!! "
هزّ رأسه :" بلى .. و لكنها ليلة فقط .. سينام قليلاً ليرتاح .. ثم يذهب لشقته المجهزة "
كنت خائفة .. ثم قلت :" و أين سينام إياد ؟!! "
" في غرفة أخيه سالم .."
اقترب مني عادل و أمسك كتفي باسماً :" ألن تطلي على أبنك لتري كيف أصبح ؟!! "
عارضت بشدة :" كلا ! .. "
استاء عادل من ردي .. و لكن ذكرى لم تكترث بي .. تزداد إشراقاً و بهجة ..أخذا يتحدثان عنه بكل فرح ..
نظرت للغرفة التي يمكث فيها أبني الآن .. ( ابني ؟!! ) .. ترى لمَ أقولها و أنا أكره أن يكون هو ابني ..
=
تمدد عادل على السرير بفرح كبير .. يغمض عينه و يهمس :" تصبح على خير .. بني! خالد "
أسندت رأسي على الوسادة .. نظرت لعادل .. غطَّ في نومٍ عميق ..ها أنا أسمع أصوات وائل و سالم و إياد و مروة و سمية .. أظنهم عادوا .. و ها هو صوت ذكرى يوقف ثرثرتهم .. تخبرهم بوجود " خالد " في غرفة إياد ..فتتعالى أصواتهم دهشة ! من كان يتوقع أن هذا الإنسان سوف يعود الآن ..آه لم عدت الآن ؟!! لست مستعدة لرؤيتك !
انعدمت أصوات الجميع .. أظن أن كل واحدٍ فيهم ذهب ليخلد للنوم .. و لكن النوم فارق أجفاني ..لا أصدق أن مصدر خوفي و رعبي موجود معي في منزل واحد ! رباه يجب علي إقفال الباب جيداً .. قد يحاول .....
لحظة ! ما الذي أفكر به ؟!!خالد تعالج .. لم يعد مريضاً ! .. لمَ الخوف ؟!!
و لكني بجنون نهضت لأقفل الباب ..مددت يدي و أدرت المفتاح .. و لكن ! يال قسوتي !.. يال سوء ظني ..
عدت أفتح الباب ببطء .. و طللت على الخارج .. سكون رهيب ..استدرت و نظرت لزوجي المتمدد على السرير .. ثم عدت أنظر للخارج بقلق .. خرجت بهدوء .. و أغلقت الباب من بعدي .. أرجوا ألا يستيقظ عادل ..
على أطراف أقدامي أتسلل نحو الغرفة التي تسبب كل قلقي ..ترى ! ماذا أريد أن أفعل ؟!!وقفت أمام الباب بخوف .. مددت يدي .. و أمسكت بمقبض الباب .. تنهدت بعمق !
أرجوا أن تكون نائماً أيها المجرم .. أنا أريد فقط رؤيتك .. أرجوك لا تؤذيني ..فتحت الباب بهدوء و أنا أغمض عيني.. و تتسارع نبضات قلبي .. كأنه طبل أفريقي مجنون ..
دخلت و أغلقت من ورائي الباب .. و فتحت عيني !

==

ليت العمى أصاب عيني ... و ليتني شللت .. ليتني مت .. عقاباً على ما فعلته في السابق..

اقتربت من ذلك السرير .. انعدم خوفي فجأة ..أي شعور غريب غلّف قلبي .. لا أعلم .. تبلل وجهي بالعرق المتصبب ..

آه .. لم أكن أتوقع أنه كبر هكذا .. خالد ! الطفل ..! ابن العاشرة ! .. على السرير أمامي بطول .. و عرض ..


تحدثت ذكرى عنه .. حاولت وصفه لي من قبل و هو كبير .. و لكني لم أسمح لعقلي حتى أن يتخيله ..


أبني عزيزي .. ينام دون تبديل ملابسه هذه .. حتى حذائه لم يخلعه ..

يغمض عينيه بهدوء شديد .. نائم بهدوء شديد ..

وجهه ..! كالقمر المنير .. لم تتغير ملامحه كثيراً ..

ربــاه .. تذكرت كلمات عادل و ذكرى :" لماذا تطعنين أبنك ؟!! "
" أنت تقتلينه بهذه الكلمات "
" أبنك مظلوم "
" أرجوك غيداء لا تقسي عليه .. "

نفضت كل تلك الكلمات و عدت أتأمله ..

كان حلماً هذا الجسد المتمدد أمامي .. أجمل حلم عبر رموشي ..

كم كنت أحلم أن أراك هكذا .. بدون مرض... بدون نقص .. كأي شاب و ربما أفضل ..


يدي جُرت نحو هذا الشاب .. أريد إيقاظه .. و أخبره أني أمه ..


و لكني تجمدت لآخر لحظة .. انسحبت .. و شعرت بغصة !


الآن يا غيداء تدعين نفسك بأمه ؟!! كان مريضاً فرفضته .. و لما عاد كاملاً .. أدعيتِ أنك أمه ؟!!


تراجعت للوراء .. شعرت بصرخة تكاد تخرج من داخلي .. تصرخ باسمه ..


و شيء يبلل وجهي المصدوم لرؤية هذا الكيان !


قبضت بيدي على فمي مانعة تسرب أي صرخة .. و دموعي تبلل وجهي .. أي عقاب ستعاقبني إياه ربي!


أنا من فرقت بين أبنائي الاثنين .. فضلت المجتهد الوسيم .. و تخليت عن المريض المجرم!


وكأنني انتزعته مني .. انتزعت كل مشاعر الأمومة التي بداخلي تجاهه ..


و ها هي تنصب علي من جديد !




استيقظ خالد !.. أنا هي من ظلمتك ..


أنا أمـك !

=

عدت و تمددت على السرير .. أنظر لعادل .. و أعود أكمل نحيبي !!

رفعت يدي .. ناجيت ربي ..أرجوك رباه سامحني .. أنا لم أكن أدرك معنى الأم ..


لقد كبرت و رأيته كبيراً .. رأيته بريئاً من كل اتهاماتي ..


رأيته رباه على ذلك السرير .. بوجه مشرق ..


قد كان في صغره في مريضاً و لكنه تعالج .. أرجوك رباه ساعدني .. أريد أن أتقرب له ..


أريد أن أشعره بحناني .. عمري الذي فات هو .. هو ينتمي لي .. هو أبني ..

هو جزء لا يتجزأ مني .. رباه لا تحرمني منه ..

هو كوني .. هو حياتي الضائعة .. هو قلبي التائه .. هو نبضي ..


أرجوك رباه ساعدني لأتقرب لأبني أكثر ..


طوال الليل لم يلامس النعاس جفوني .. أبكي بصمت في غرفتي تارة .. و أذهب لأطل على ابني تارة ..


هذا هو ابني .. هو من ظلمته محكمة الحياة ..

!!



في اليوم التالي .. استيقظت بتقاعس .. نظرت للساعة .. الساعة التاسعة ..

رباه !!

لقد تأخرت في نومي .. عادل لم يكن بجانبي ..نهضت بسرعة و غسلت وجهي و استبدلت ملابسي ..

و تذكرت أن في المنزل ابني العزيز ..

الشاب الذي قاوم كل مصاعب الحياة وحده ..

رغم كل شيء ..

رغم قسوتي ..

و بعده عنا ..

خرجت من الغرفة .. أصوات الجميع تنبعث من المطبخ ..

اتجهت نحو غرفة ابني .. أخذت شهيقاً .. و فتحت الباب بابتسامة رائعة ..

صُدمت ..!!


الغرفة مرتبة جداً .. و لا أحد يمكث فيها ..

أيعقل أنه يتناول فطوره مع الجميع ..؟!!


لا أصدق ..


ركضت نحو المطبخ .. طللت عليهم بسرعة أفتش من بينهم " خالد "

أين هو !! .. أني لا أرى الجسد الذي رأيته بالأمس ..

و كأنه اختفى ..أين ذلك الوجه ؟!! أريد رؤيته مجدداً ..


و كأن ما رأيته البارحة خيال خالد .. و لا أثر له الآن ..

دعاني عادل لتناول الفطور..

آه .. أين خالد ..

ليت عيني العمى .. فقط لا تمحون صورة خالد الرائعة التي رأيتها البارحة من عيني ..

أدرت عيني عليهم واحداً تلو الآخر ..

هتف بي بني وائل :" أمي ما بكِ ؟!! "


نظر لي عادل بقلق :" غيداء ! عزيزتي ما بكِ "


كنت حائرة ! أيمكن أن ما رأيته بالأمس خيال و وهم ..

لا أثر لحقائب خالد و لا حتى هو ..


الغرفة مرتبة جيداً..


أكاد أجـن ..!


قلت بارتباك :" أين خالد ؟!! "


بدا الجميع مستغربٌ جداً ..


آه .. إذاً ما رأيته بالأمس وهم ..


لا !
لا أصدق ..



" لقد رحل إلى شقته منذ الصباح "


كان قول عادل بعث لي راحة .. على الأقل لم أكن أتوهم ..

و لكني فجأة شعرت بغيظ ..

كيف يرحل بدون أن يراني ؟!!

بدون أن يسلم علي .. أنا أمه ..

قلت باستنكار :" بدون أن يسلم علي ؟!! "

تبادل الجميع النظرات ..


و قالت ذكرى تخاطبني :" أنا من قلت له أنك لا تريدين رؤيته ..لأنك .. ."


صرخت بها بغيظ :

" ماذا ؟!! من قال أني لا أريد رؤيته ؟!!

أنت تكذبين لتشوهين صورتي في عين ابني أليس كذلك ..

يا خائنة ..

تريدين خطف أبني مني ..

أنا لم أصدق أنه عاد أخيراً ..

لماذا تفعلون هذا ؟!! "


تراجعت للوراء و صفعت الباب .. و اتجهت نحو الصالة ..

جلست على المقاعد .. أشعلت التلفاز ..

كنت غاضبة من الجميع .. الآن سيظن خالد أنني لا أريد رؤيته لأني لا أطيقه ..

رباه ! أنها ذكرى الخائنة ..

رن الهاتف المزعج .. آه .. تظاهرت باني لا أسمع شيئاً ..

و ها هو إياد يخرج من المطبخ و يخاطبني مستغرباً :" غيداء .. لمَ لا تجيبين على الهاتف ؟!! "


تنهدت منزعجة .. فرفع هو السماعة :" آلو ..! "


ثم ابتسم بفرح :" آه .. خالد .. كيف حالك .. هل وصلـ... "

لم يكمل جملته لأني هجمت على السماعة هجوماً ..


سحبتها منه .. و قربتها إلى أذني .. فسمعت صوتاً جافاً و رائعاً .. :

" نعم .. أنا أمكث الآن وحدي في الشقة .. "


كان صوته رائعاً جداً على الهاتف .. صوت رجل ..!


وددت محادثته ..!

و لكني رميت السماعة بين يدي إياد ..


. و جلست على مقاعد الصالة من جديد..



إياد أصبح صديقاً لخالد .. لاسيما و أنه كان يسافر لزيارة خالد في تلك البلاد ..


يقول إياد .. أن شخصية خالد أعجبته كثيراً .. و وجدها خالية من الجرم و الحقد ..


أما سالم .. فتبع وائل الذي سمع كلامي من قبل ...


بعدما أخبرته أن أخيه مات ..


و لكن بعد ذلك توضح كل شيء لوائل .. فكبر .. و لاحظ كلمة(خالد) تتردد على ألسنة الجميع ..


( أيعقل أن الميت يتحدث عنه الجميع باستمرار ؟!! )


أخبرته أنه حي و لكنه مجرم .. لذلك طلبت منه الابتعاد عنه ..


فكرهه .. عندما قلت له ما فعل .. و سالم أيضاً كرهه..


مـازن .. عاد لنا بابتسامة تسامح .. و قد أدرك أن خالد كان مريض .

.مروة .. لا يهمها أمر خالد أبداً ..


و سمية .. أنها تعتبر خالد أقرب أخٍ لها ..


أغلق إياد السماعة ..

و ها هي مروة تمسك بذراع إياد بمرح :

" ستوصلنا إلى منزل سارة أليس كذلك ؟!! "


ابتسم إياد و قرص خد أخته مداعباً :

" بالطبــع عزيزتي .. "

==

( يسعدني أن أعرفكم على نفسي لأبرز دوري في هذه القصة )

البارحة لم أفاجئ بعودة خالد .. لأنه بلّغني من قبل أنه يجهز نفسه للعودة للوطن ..


و صباح هذا اليوم استيقظت لأراه يجر حقيبته خارجاً من المنزل ..

ودعني و ودع عادل و ذكرى فقط ! و رحل لشقته تلك ..

و ها أنا أزوره في شقته ..

سألته بينما كنا نحتسي الشاي :

" ألا تشعر بالوحدة هنا ؟!! "

نظر لي .. ثم هزّ رأسه ايجابياً :

" بلـى .. "

" ستبقى وحدك في هذه الشقة إلى متى ؟!! "

راقب الدخان المتصاعد من الشاي ثم قال :


" لا أعلم .. "

ابتسمت و ربتُ على كتفه :

" ألا تشعر بالحنين إلى والدتـك ؟!! "


نظر لي .. فقلت :

" أرجوك لا تحقد عليها .. أنها تحبك صدقني .. "


ارتسمت على شفتاه ابتسامة ساخرة و همس :

" منذ متى ؟!! "


" منذ أن أنجبتك .. أرجوك تقرب لها .. و هكذا ستعطيها فرصة ........... "


قاطعني :" إياد ! .. أغلق الموضوع "

=
" أسرة زينة .. "

بعد أن استحم .. اقترب مني و نطق بهذه الكلمتين .. و الابتسامة مرسومة على شفته ,,

سألت مستغرباً :

" ماذا ؟!! "

جلس على المقعد المجاور و أخذ ينشف شعره بالفوطة ثم قال باسماً :

" أود زيارتهم "

ابتسمت :

" و هل تريد العودة لتلك البلاد لتزورهم "


" لا .. لقد استقروا هنا في المدينة المجاورة .."


هززت رأسي ايجابياً و قلت :


" إذاً تريد زيارتهم .. "


" نعم .. ستأتي معي ؟! "


" بالطبع "

=

خرجت معه من الشقة .. و صعدنا السيارة .. أي ( سيارتي ) .. شغلت السيارة و انطلقت مخاطباً خالد :

" ألا تريد أن تتدرب على سياقة السيارة ؟!! "

هز رأسه ايجابياً :" بلى ..و لكن ليس في هذا الوقت .."

ابتسمت :" يقول والدك أن هناك فرص عمل كثيرة .. ألن تباشر بالبحث عن وظيفة "

أخذ يراقب الناس من خلال النافذة و التيارات الهوائية تلفح وجهه .. ثم همس :" بلى .. و لكن ليس الآن "


قلت مستغرباً :" لماذا التأجيل ؟!! أأنت منشغل بشيء آخر "


هزّ رأسه سلبياً :" لا .. و لكني لم أتأقلم بعد على حياتي هذه .."


عدت أنظر للطريق .. ثم طلبت منه أن يدلني على منزل ( أسرة زينة ) كما يقول ..

و ها نحن نوقف السيارة أمام ذلك المنزل ..


لم يكن منزلاً فاخراً جداً و لا عتيقاً جداً .. أظن أن حالهم المادي متوسط ..


قرعنا الجرس و بقينا لعدة ثوانٍ ننتظر ..

نظرت له ..

على وجهه ترتسم ابتسامة ارتياح .. أيحب هذه الأسرة لهذه الدرجة ؟!! خاطبني :


" منذ أن عدت للوطن لم أراهم .. لقد اشتقت لهم كثيراً "


ابتسمت له :" يبدو أنك تحبهم مثلما لو كانوا أسرتك الأصلية "


هزَّ رأسه ايجابياً :" نعم .. "

ها هو أبا سامر يطل يفتح الباب لنا بابتسامة ... يشهق لرؤية خالد .. و يندفع ليطوقه بذراعيه ..

" لقد اشتقنا لرؤية بني .. رغم أنك لم تفارقنا سوى يومين .. "

هزَّ رأسه خالد ايجابياً بابتسامة صغيرة و قال :" نعم و أنا اشتقت لكم جميعاً .. "

و هكذا يرحب بنا أبا سامر في بيته .. و بعدها تمطرنا زوجته بالكلمات المرحبة ..

و أبنهما سامر أيضاً .. و الفتاة التي يتحدث عنها خالد دائماً ( زينة ) .. كانت طيبة جداً .. ترتدي وشاحاً تغطي شعرها عنا .. كانت متحجبة .. كانت علاقتها مع خالد طبيعية جداً .. و لا يتخللها الخجل.. طبعاً لأنهما عاشا سنوات طويلة مع بعضهما البعض ..

استغرقنا وقتاً طويلاً في الحديث .. عن هذا و ذاك .. نظرت لخالد .. يعجبني هذا الشاب ..
يستند إلى الخلف .. و يرفع رجلاً فوق رجل .. و بطريقة رائعة و حركات رهيبة .. يتحدث مع أبا سامر و تشاركهما ( زينة ) الحديث أحياناً ..

و هكذا تنهض المرأة العجوز و تقول :" سوف تتناولان الغداء معنا "
نظرت لساعتي .. رباه تأخرنا .. خالد حرك يده اعتراضاً و قال :" لا ! سوف نخرج الآن .. "
و هكذا يبدأ الجميع بالإلحاح علينا .. و لكنا نجونا بصعوبة .. خرجنا من المنزل بحجة أننا نريد التسوق قليلاً ..
و لكن .. الفتاة ( زينة ) .. قبل خروج خالد استوقفته قائلة :" خالد ! "
التفت لها بابتسامة .. فقالت بترجي و هي تميل برأسها :" أرجوا أن تداوم على زيارتنا .. "
هزّ خالد رأسه مبتسماً .. و هكذا خرجنا من منزل أبا سامر و صعدنا السيارة ..

أخذت أتجول مع خالد قليلاً ..أطلعه على هذا المطعم .. و هذا المجمـع .. و عند خروجنا من أحد المجمعات .. صادفنا مجموعة من الشبان الذين حياتهم هي التدخين .. و مطاردة الفتيات و السخرية من الناس ..
تجاهلتهم أنا كعادتي و لكن خالد ركّز عيناه عليهم .. ثم خاطبني باستغراب :" من هؤلاء ؟!! "
طبعاً خالد ليس معتاداً على رؤية هؤلاء الشبان ذوي قصات و صبغات الشعر المختلفة .. و ملابس الأجانب ..و تصرفاتهم الرذيلة ..
أجبته:" شبان تافهين عابثين .. لا عليك منهم .. "
سحبت يده .. و لكنه لازال يرمي الشبان بنظراته تلك ..
و في مكان آخر صادفنا مجموعة فتيات يتلقطن الأرقام من الأرض التي يرميها الشبان أمامهن ..و طبعاً لباسهن لم يعجب خالد .. و سألني عنهن .. فأجبته .. فظل لا يبعد نظرات الاحتقار عنهن ..
خالد باختصار ! ليس معتاداً على كل هذا ..و خصوصاً أنه ملتزم جداً ..
صعدنا السيارة التي اشتراها لي عادل منذ حوالي ستة أشهر ..ليست رائعة جداً .. ولكنها جيدة .. على عكس سيارة وائل .. شغلتها و قدتها ببطء للازدحام ..
أخذ خالد يعبث بهذا الشريط .. و هذا الشريط .. ثم التقط نظارتي الشمسية .. و ارتداها .. و التفت لي ..
انفلتت ضحكة مني .. و قلت :" تبدو كشرطي أجنبي "
خلع هو النظارة و نظر إليها و ابتسم :" حقاً ؟!! "
أدار رأسه ناحية النافذة .. و بقي يتأمل حشد الناس ذاك .. فأشرت أنا إلى مجموعة الفتيات .. نهلة و ليلى و منى.. و أروى طبعاً آتون لشراء ملابس أنيقة لحفل عيد ميلاد سارة.. أو شراء هدايا ..
خاطبته مشيرا لهنً :" أنظر لمجموعة الفتيات تلك "
" نعم .. ما بهم ؟!! "
" هؤلاء بنات خالاتك ..نهلة و ليلى و منى و أروى "
قطب حاجباه متعجباً .. و ركز أكثر فيهن .. و نظر لي .. ثم عاد ينظر لهن .. و قال :" و أين حجابهن ؟!! "
قلت ببساطـة :" لا يرتدن الحجاب "
يتحدث و كأنه ولي أمرهن .. و له أحقية التحكم فيهن .. :
" كيف ؟!! ألن يبلغن سن البلوغ ؟!! "
قلت بضحكة :" هكذا هو الجيل الجديد .. و من لا يكون هكذا يكون متخلفاً "
قطب حاجباه استنكاراً .. فقلت أنا بابتسامة :" أتريد أن نذهب لنسلم عليهن ؟!! "
" لا.. لا أريد مقابلتهن .. "
عارض بشدة .. و كأنه سيقابل جورج بوش ..
و هنا تلتفت لي نهلة .. و تنبه الفتيات الباقيات لي .. فيلحون لي .. و كأنهم سيقتربون مني لإيصالهن لمنازلهن ..
فأسرع أنا بالسيارة خشية من هذا المعقد الذي يجلس بجانبي .. لو صعدت الفتيات السيارة .. لترك هو مصاحبتي
أظن أنهن سيغضبن مني كثيراً .. و خصوصاً .. أني دائماً أوصلهن بسيارتي ..!

 
 

 

عرض البوم صور دموع يتيمة   رد مع اقتباس
قديم 22-06-08, 11:49 PM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 47688
المشاركات: 1,443
الجنس أنثى
معدل التقييم: دموع يتيمة عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 30

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
دموع يتيمة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : دموع يتيمة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء الثاني و العشرين
سارة




بينما كنت أنا أقلب في هذه الدمية و تلك الدمية .. لأن أختي سارة لا تحب إلا الدمى و لا شيء سوى ذلك .. مع أنها بلغت الواحدة و العشرين .. و مرحلة الطفولة و المراهقة تعدتها ..و لكنها لا تزال طفلة .. و بريئة أيضاً ..
و الأخريات يبحثن على ملابس للحفل .. تقترب مني أختي أروى و هي تقرب فستاناً كلاسيكي و قصير إليها ..و تسألني :" ما رأيك ؟!! منى ! "
" لا .. أنه لا يناسبك .."
و تعود هي للبحث عن شيء آخر ..أما ليلى فهي تتبع أروى في كل شيء ..الاثنتان يبلغان العشرين و تصرفاتهما أركز بكثير من تصرفات أختي المدللة سارة ..أما المسكينة نهلة .. تواجه صعوبات كثيرة في اختيار ملابس أنيقة لها .. لأنها سمينة و ليس كل شيء يعجبها يطابق مقاسها ..
أنا .. بكل رقة أتخير لي شيئاً جميلاً و مميزاً ..لأرتديه في هذه الليلة ..و طبعاً معضم الشبان يقعون في الإعجاب بي .. ربما لأني أحسن وضع المساحيق .. و حتى أحسن تسريح شعري بطريقة جذابة .. و أيضاً .. أظهر بملابس أنيقة جداً .. تجذب الجميع لي ..
بعد ذلك خرجنا من المجمع بعد أن اشترينا الكثير من الهدايا و الملابس .. و الآن سنتصل للسائق لإيصالنا لمنازلنا ..حملت هاتفي الخلوي فإذا بنهلة توقفني مشيرة إلى سيارة رمادية اللون :" أنظري .. إياد "
آه .. إياد .. أنه يقرب لنا من بعيد .. فهو عم لوائل ابن خالتي غيداء ..يبلغ من العمر ثلاثة و عشرون سنة ..
هادئ .. مسالم .. مرح .. اجتماعي .. مثقف .. و أصلع .. ( أنه يتميز بصفته هذه )
قلت أنا :" إذاً لا داعي لنتصل للسائق .. فلدينا سائق .."
رفعنا أيدينا نلوح له ,, هناك شاب يجلس في الكرسي الآخر أظنه أحد أصدقاء إياد .. و لكن لا بأس .. يمكننا أن نجلس في المقاعد الخلفية ..و خصوصاً .. أن السيارة واسعة ..
و لكن الذي صدمنا أن إياد رآنا .. و لكنه أسرع بالسيارة .. آه .. أتهرب منا يا إياد ؟!! سأريك ..
اشتعلنا غضباً .. و ها هي نهلة تهدد و توعد ..و أروى غارقة في الضحك .. تشمت منا و هي منا ..
و ليلى بكل هدوء تقول :" يمكن أنه لم يرانا .."
صرخت بها نهلة :" بل رآنا و فرَّ هارباً .. "
=
اتصلت أنا بالسائق و ها هو يأتي لإعادتنا للمنزل .. كان السائق خاص لنهلة و ليلى و عائلتها.. و لكن أحياناً كثيرة أنا أطلب منه إيصالي للأماكن التي أريد الذهاب إليها لانشغال السائق الخاص بأسرتي بمشاوير أمي ..
وصلت أنا و أروى لمنزلنا فودعنا نهلة .. و أسرعنا بدخول المنزل ..
أسرعت أنا إلى غرفتي لأخبئ كل الهدايا و الملابس عن أنظار " المدللة سارة ".. ثم استبدلت ملابسي .. و مسحت المساحيق .. و نثرت شعري على كتفي .. و بكل دلال أخرج من غرفتي و ها أنا أسمع أصوات والدي الحبيب .. انطلقت بمرح نحوه .. أنا أبلغ من العمر الثانية و العشرين .. و أنا الكبرى .. من بين أخواتي ..
أخذ والدي يداعب خصلات شعري و ضحك :" بنيتي .. أين والدتك ؟!! "
أشرت للمطبخ .. فمشى والدي بهيبته نحو المطبخ ..:" هيفاء .. أين أنت عزيزتي ؟!! "
دخل المنزل ذلك الشاب الذي لا أطيقه .. و من غيره ؟!! ماجد ابن خالتي هناء .. متطفل .. يدّعي أنه يحبني .. و يتمنى الزواج بي .. و لكن كبريائي لا يسمح لي بقبول هذا كزوجٍ لي ..
تجاهلته مستديرةً .. فاستوقفي بضحكة :" منى .. كيف حالكِ .."
أدرت رأسي له ..ثم تجاهلته و مشيت نحو غرفة أختي سارة .. فتحت الباب .. لأرى مصففة الشعر تقف خلف أختي الجالسة على الكرسي أمام المرآة .. المصففة لا تستخدم أجهزة تؤلم سارة .. و لكنها بدلال تدّعي الألم ..
اقتربت منها .. فإذا بالمصففة صنعت لها تسريحة خاصة للأطفال ..
كدت أضحك .. و لكن أختي دائماً هكذا .. طفلة فقط .. و علي عدم جرحها .. فهي كالجوهرة الثمينة لدى أبي و أمي ..
خاطبتها بلطف بينما كانت تضع يدها بقرب أذنها و تتألم ..:" سارة.. هل تجهزتِ جيداً للحفل ؟!! "
نظرت لي و هزت رأسها ايجابياً و عادت لتصرخ بالمصففة :" كفاك .. لا تشدي شعري بقوة "
كتمت ضحكتي .. و بقيت أتأملها .. تملك ملامح ناعمة .. عينان زرقاوتان ..شعر طويل بني ..
ها هي الخادمة تدخل الغرفة حاملة بيدها كوب ماء و أقراص طبية .. نظرت لأختي .. آه ستبدأ المعركة الآن ..
اقتربت الخادمة لأختي و وضعت الكوب فوق الطاولة التي أمامها .. و انتزعت قرصاً لتتناوله أختي ..قدمته لها .. فرأيت بعين أختي شرراً يتطاير .. و كأنها قنبلة موقوتة على وشك الانفجار ..و بالطبع ,, تصرخ أختي غضباً لتسقط بالكوب على الأرض و تكسره و تسحق القرص تحت قدميها ..و تبقى تصرخ بجنون .. تلك حالة أختي المدللة .. لا تقبل تناول الدواء ..نظرت لها بأسى .. المصففة تمسك بيدها اليمنى و الخادمة تمسك بيدها اليسرى .. يحاولن فقط تهدئتها ..و هي تصرخ بجنون :" حتى يوم عيد ميلادي يلاحقني هذا الدواء ؟!! لماذا ؟!! لماذا ؟!! "
فتهرول والدتي للداخل .. تصرخ بي :" ما بها أختك "
" كالعادة ..! الدواء يثير جنونها "
أسرعت أمي لها و ضمتها لحجرها و خاطبتها بحنان :" كفى يا حبيبتي .. لا عليك..لن أجبرك على تناول الدواء "
صرخت أنا :" لكن أمي .. إذ لم تتناول الدواء سوف تسوء صحتها "
" أسكتي أنتِ .. أن تسوء حالتها الجسدية أفضل مما أن تسوء حالتها النفسية "

هكذا هدأت المدللة على حضن أمي .. خرجت أنا من غرفتها .. أختي سارة .. يستوجب عليها تناول هذه الأقراص بانتظام .. لأنها منذ كانت في السادسة عشر من عمرها راودتها تشنجات في المخ ..عندما ترتجف المنطقة المحيطة بشفتها في الجانب الأيسر لوجهها .. و تشل قدرتها على التحدث لدقائق .. هي نوبة تشنج ..
و لأن تلك النوبات كانت تراودها باستمرار .. تراجع مستواها الدراسي .. و لأنها لا تلتزم بالدواء استمر حالها السيئ هذا حتى بلغت الحادية و العشرين سنة ..أي عمرها الحالي ..
لا أحد يستطيع إقناعها أن الدواء هو من صالحها .. و سر كآبتها أحياناً بسبب هذا المرض ..
من الذي يستطيـع إقناعها و التحكم بها يا ترى ؟!! فكروا معي ..
=
تجهزت جيداً لحفل عيد ميلادي .. و أصبحت رائعة .. و ها هي أختي منى ترتب خصلات شعري.. و تطبع قبلة على خدي و تقرصه ثم تقول بضحكة :" سارة .. أنتِ رائعة "
ابتسمت أنا .. و ها هي أمي تمطرني قبلاً و كلمات تشجعني أكثر وترفع من معنوياتي ..و أروى بعدها لا تتركني إلا بعد أن تفرغ شحنة القبل و الكلمات الرائعة .. و لا تنسوا الخادمات ..لن يتركنني .. يظلون يرتبون شعري و يداعبونني .. لحظة ! هل نسيتم والدي الحبيب .. لقد حملني بكل ما لديه من قوة.. و هو يردد :" دمتِ لي يا صغيرتي الجميلة "
و ليس هذا فقط .. خرجت من غرفتي أتجه للصالة لأتلقى بنات خالتي هناء و أخوهن ماجد و مداعباته السخيفة .. و وائل ابن خالتي غيداء و عمه إياد و سالم و عماته مروة و سمية ..
أوه .. لا تنسوا .. خالتي هناء و زوجها يكررون دائماً :" هذه المدللة سوف تكون من نصيب ابننا "
و ليس هذا فقط .. وائل و سالم لا يبعدون نظرات الإعجاب عني .. و كذلك عمة وائل المسماة ذكرى .. تمطرني بالكلمات التي لا تنتهي و بالقبل .. و خالتي غيداء .. تضمني إلى صدرها و لا تتركني إلا بعد أن تسحبني خالتي الأخرى هناء .. و زوج خالتي غيداء .. لا يتركني و يمطرني بنصائحه التي لا تنتهي .. أهذا وقت النصائح ..
أوه لا تنسوا ..صديقات أمي الكثيرات .. هذه تقول :" رائعة " و هذه تقول :" جذابة " و الأخرى تقول :" ستكون زوجة ابني في المستقبل " لماذا يتحدثون عن الزواج في كل حين ؟!!
وقفت بقرب الكعكة حيث أطفأت جميع الأنوار .. و الجميع حولي يرددون ذلك النشيد .. إلى أن قربت أنا وجهي للشموع .. كانت أحدى و عشرين شمعة ..على الكعكة .. طفأتها بكل ما لدي من قوة ..هذا هو عيد ميلادي الحادي و العشرون ..
و هنا أتلقى الهدايا من كل فرد من العائلة .. بعد ذلك .. نجلس نحن الشبان و الشابات على الأرض نشكل دائرة و نظل نتحدث و ندردش .. بجانبي يجلس إياد الذي لا يتوقف عن الحديث .. و في الجانب الآخر سمية .. تعاكس أخيها في كل كلمة يقولها .. وائل لا يفعل شيئاً السخرية و لا شيء غير ذلك.. ..منى تخاطب نهلة بهمس .. و أروى تفعل الشيء نفسه مع ليلى .. ماجد .. على وشك العراك مع سالم .. و مروة تشارك هذا و ذاك في الأحاديث..جميعنا نحن الفتيات لا نرتدي الحجاب .. إلا سمية .. التي اتبعت نصائح أخيها إياد ..

بعد فترةٍ نهضت سمية مشيرة لساعتها :" لقد تأخرنا "
و نهض من بعدها إياد .. و هنا استوقفته نهلة بصرخة :" آه .. أيها الخائن لماذا تجاهلتنا اليوم عندما لوحنا بأيدينا لك .. لا تقل أنك لم ترانا .. لقد انطلقت بالسيارة هروباً منا أليس كذلك .. أيها الخائن الماكر و.... "
قاطعها إياد باسماً :" هيه .. أنا كنت مستعجلاً جداًً .. لذلك أعذروني "
صرخت نهلة :" لا لن نعذرك "
سحبت سمية يد أخيها قائلة :" دعك منها .. "
و انطلقت خارجة من المنزل مع أخيها .. و هنا نهضت مروة و خلفها الاثنان وائل و سالم .. خالتي غيداء و زوجها عادل و أخته ذكرى خرجوا من البيت مودعين أمي ..
و ها هي خالتي هناء تصرخ بنهلة و ماجد و ليلى :" هيا .. سنعود للمنزل "
و هاهم ينهضون و يخرجون من المنزل .. منى نهضت متجهة نحو غرفتها و أروى اتجهت نحو أمي ..

=
في صباح اليوم التالي كنت جالسة أتناول فطوري مع والدتي .. دفعت أمي بيدها كوب العصير تجاهي قائلة بهمس :" منـى "
رفعت رأسي ناثرة شعري عن وجهي و قلت مستفهمة :" ماذا ؟!! "
ابتسمت أمي :" كم أصبح عمركِ عزيزتي "
استغربت ! منذ متى كانت أمي تسأل عن عمري .. أجبت :" ثلاثة و عشرون سنة .. أهناك مشكلة ؟!! "
حملقت أمي بي قائلة بابتسامة غريبة :" و أختك سارة عمرها إحدى و عشرون سنة و أختك أروى عمرها عشرون سنة .. أليس كذلك عزيزتي ؟!! "
قلت باستغراب :" نعم ؟!! أهناك شيء ؟!! "
أخذت أمي شهيقاً ثم بدأت حديثها :" أنتن أصبحتن في سن يسمح لكن بالزواج "
اتسعت حدقتا عيني تعجباً .. فأكملت أمي :
" أسمعي منى .. وائل ابن خالتك .. شاب .. وسيم .. مثقف .. و هو طلب يدك مني البارحة .. فما رأيك ؟!! "
صمتت لبرهة أفكر .. أنا سأتزوج ؟!! و من ؟!! ابن خالتي وائل الشاب الذي تتمناه جميع الفتيات ؟!!
قلت مصدومة :" أمي أنـا ... لا أعلم ماذا أقول لكِ "
" لا بأس عزيزتي يمكنك أن تفكري .. و إن كنتِ موافقة .. سأخبر أختي غيداء لكي تحدد موعد المقابلة .."
نكست رأسي مصدومة .. فقالت أمي :" أيضاً .. ماجد يريد خطبة أروى .. "
حملقت بأمي :" ماجد ؟!! يريد خطبة أروى ؟!! "
" نعم "
" و ماذا عن أختي سارة "
" عزيزتي سوف نقيم زفاف جماعي لكم جميعاً .. سارة لم يتقدم أحد لخطبتها .. و لكن عادل زوج غيداء قال أنه سيعرض فكرة خطبتها على ابنه خالد "
صُدمت :" أمي .. أليس هذا هو المجنون ؟!! "
صرخت بي أمي :" لا! .. لا تقولي ذلك .. أنه تعالج .. و عاد أفضل من جميع الشبان هؤلاء .."
صمتت أنا .. فابتسمت أمي قائلة :" فكري بما قلته لكِ جيداً عزيزتي "
نهضت و أنا أهز رأسي حاملة كتبي خارجة من المنزل .. السائق الآن ينطلق لإيصالي الجامعة .. و أنا سارحة ..
أنا سأتزوج وائل .. أروى ستزوج ماجد .. سارة ستتزوج خالد ..و نهلة من ستتزوج ؟ ليلى من ستتزوج ؟!!
سارة و ابن خالتي المجنون هذا .. كيف ستكون حياتهما .. مريضة جسدياً .. سوف ستتزوج بمريض نفسياً .. سوف تكون حياتهما جحيم ..أختي أروى .. كيف ستتعايش مع الذي لا يطاق ماجد ؟!! و نهلة ! هل ستترك صداقتي لزواجي من وائل .. أفضل شاب لديها ؟!!
رباه علي التفكير بشريك حياتي المستقبلي .. وائل ..
من أنت ؟!! جميع الفتيات يقعون في حبك و لكن .... أنا أشعر أنك ماكر جداً ..
=

قطب حاجبيه متعجباً .. نظر لي .. ثم أعاد النظر لوالده الذي ينتظر منه الإجابة ..
قال باستغراب :" أنا ؟!! "
قال أباه بابتسامة :" نعم .. ما رأيك ؟!! "
استفهم قائلاً :" و من تكون هذه الفتاة ؟!! "
" سارة .. ابنة خالتك هيفاء.. مريضة .. تحتاج لمن يساعدها .. تحتاجك .. "
و قلت أنا :" نعم .. أنها بريئة جداً "
و أيدّني عادل قائلاً :" نعم .. كما يقول إياد .. الفتاة بريئة جداً .."
حملق خالد بأبيه .. ثم نظر لي .. قائلاً :" و لكـن من قال أني أريد الزواج ؟!! "
أمسك عادل بكتفي عادل و هزه بحماس :" بني .. أرجوك .. الفتاة تحتاجك .. الفتاة تحتاج لمن يحميها "
قال باستنكار :" و أهلها .. ألا يحمونها ؟!! "
" بلى .. و لكنك مؤكد ستبقيها في حصن يحميها .. أرجوك بني .. أريد رؤية عيالك .. أخيك وائل سيتزوج أيضاً أختها الكبرى "
هنا رأيت الشرر ينفلت من عينه .. إذ سمع أسم أخيه يشتعل غيظاً ..سأل :
" و لماذا هو يتزوج بالكبرى و أنا بالصغرى ؟!! ألست أنا الكبير ؟!! "
ابتسم عادل:" بلى ..و لكن وائل لا يستطيع الاهتمام بسارة جيداً .. أنه عديم المسؤولية .. أنت بالتأكيد ستهتم بها جيداً "
ابتسم خالد أخيراً .. فاستغل عادل ابتسامته و قال له :
" متى تريد مقابلة الفتاة ؟!! "
أخذ يفكر قليلاً .. و هذا ما أشعرني و أشعر عادل بالطمأنينة .. على الأقل أنه يتقبل فكرة الزواج ..

" يوم الثلاثاء .. أهذا يوم مناسب ؟!! "
هزّ عادل رأسه ايجابياً بابتسامة عريضة .. :" نعم مناسب "

=

لا أخفي عليكم .. خالد .. لا يكف عن طرح الأسئلة عن ( سارة ) .. أظن أن من حقه أن يعرف شخصية من سيتزوج.. حدث أن وائل رفض منى من أول مقابلة لهما و هذا ما ثار غيظ منى حتى أنها تحبس نفسها في غرفتها .. لا إعجاباً بوائل .. بل غضباً منه .. لقد كسر غرورها ..
حان موعد المقابلة.. يرحب والد سارة بخالد بحرارة و بي و بعادل ..و يدعونا للجلوس في الصالة ..
يبدأ والد سارة بحديثه ليعبر على غضبه من وائل .. و كيف جرح منى كثيراً .. خالد ! لا يشاركنا هذا الحديث .. طبعاً لأنه يدور حول وائل ..
الآن يوجه والد سارة حديثه لخالد .. :" بني خالد .. يسعدني أنك جئت لخطبة ابنتي سارة .. و لكن يا عزيزي عليك تعلم بعض الأمور عنها .. لأنها ستكون زوجتك في المستقبل "
هنا يبد خالد اهتماماً لمَا يقوله السيد أبا سارة .. حيث قال :
" أولاً ابنتي تعاني مرضاً .. تواتيها تشنجات في المخ .. لذلك أرجوا منك الاهتمام بها جيداً .. و عدم الصراخ في وجهها أو إرعابها..و أن تساعدها في التغلب على هذا المرض من خلال أن تقنعها أن الدواء من صالحها "
خالد الآن يبدِ استغراباً من هذا الموضوع .. فيقول :" قلت لي أنها تعاني تشنجات في المخ ؟!! "
" نعم .. و أتمنى منك ألا تضجر أو تمل في مساعدتها على التغلب على هذا المرض .. لأننا يأسنا من ذلك "
هزّ خالد رأسه ايجابياً ..:" نعم أنا أتفهم هذا .. "
فيبتسم والد سارة بارتياح.. ثم يقول :
" ثانياً .. أنها تبدو كالطفلة البريئة .. فأتمنى منك ألا ترفض لها طلباً .. أو تغضبها .. "

فيقول خالد مقطباً حاجباه :" ذلك له حدود .. أنا لا أستطيع تدليلها لأقصى حد .. سوف أحاول عدم إغاظتها و لكن ليس لحد أنا أدللها و أكون خادماً لها .. أنا بصراحة عصبي المزاج .. و سوف أحاول أن أرضيها قدر ما أستطيع و لكنها يجب أن تراعيني هي أيضاً "

والد سارة لم يطمئن لحديث خالد .. فقال عادل منقذاً :" ابني صريح جداً .. و هو من الخير أن يحاول خالد مراعاة الفتاة .. و أظنه سيحاول تدليلها و لكن ليس للحد الذي تتوقعه .. "

هزّ والد سارة رأسه مرتاحاً .. ثم قال :" ثالثاً ..أبنتي جسدها ضعيف فلا تستطيع إنجاب الأطفال "

كنت أتوقع أن خالد سيعارض بشدة و لكنه قال :" لا بأس .. أنا أيضاً لا أريد إنجاب الأطفال "
ارتاح أبا سارة كثيراً .. ثم خاطب خالد :" ألا تريد مقابلة الفتاة ؟!! "

هزَّ رأسه ايجابياً :" بلى "

=

منى تصرخ بي :" سارة ارفضيه .. صدقيني هو مجرم و قاتل و متوحش .. ارفضيه "
و من جهة أخرى تصرخ بي أروى :" سوف يتقدم لكِ آخرون و آخرون .. فقط لا تقبلي بهذا المتخلف عقلياً "
صمتت بحيرة .. أنا سأصبح زوجة ؟!! لا أتخيل ذلك ..
و لماذا والدي و والدتي يؤيدان زواجي من هذا الشاب و أختاي يعارضان بشدة ؟!!
لماذا هذا التضاد ؟!! أنا لا أفهم شيئاً ..ثم .. أنا لم أرى هذا الشاب من قبل .. قالوا لي أسمه خالد ..
خالد .. هناك من يرفضك و هناك من يقبلك .. و أنا لا أدري ما أقول ..
فُتح باب الغرفة و طل والدي و والدتي منه و قال والدي بهمس :" سارة .. العريس ينتظرك .. "
سرت رعشة في جسدي .. رباه.. رباه .. وقفت .. ثم جلست ..
خاطبتني أمي مستغربة :" هيا تعالي .. ما بك ؟!! "
وقفت ببطء .. نظرت لمنى و أروى .. همست منى :" لا تنسي ما قلناه لك .."
مشيت نحو أمي بخوف .. رتبت هي شعري .. و طبعت قبلة على وجنتي و قالت :" هيا اتبعي والدكِ "
ها هو والدي يسحب يدي بلطف و يقودني إلى غرفة الجلوس ..
يقول لي قبل أن أدخلها :" عزيزتي .. أسمعي ما يقوله خالد و احفظيه جيداً .. "
أهو درس تاريخ ؟!!
ابتسم لي و قال :" هيا أدخلي .. "
كنت مترددة جداً .. أمسكت بمقبض الباب .. آه أنا و المجرم في غرفة واحدة .. و لا أحد معنا ؟!!
رباه ..انفلت من يدي مقبض الباب .. فكنت متوترة جداً ..
خاطبني والدي مستغرباً :" ما بك صغيرتي ؟!! "
قلت بارتباك :" لا شيء .."
و هنا ابتعد والدي قليلاً و قال :" أدخلي عزيزتي .. "
فتحت الباب بهدوء ..و دخلت منكسة الرأس .. و أغلقت من ورائي الباب و لا أدري كيف أغلقته ..تحسست شيئاً على ذلك المقعد ..اقتربت .. اقتربت .. و جلست على المقعد المقابل .. منكسة الرأس ..لا أصدر أي صوت ..
أنفاس باردة تصدر من الطرف المقابل .. و أنا لا أجرؤ على رفع رأسي ..

" سارة اسمعيني .. "

فزعت !! صوت جامد جداً .. جاف جداً ..رباه أنقذني من هذه الورطة .. التزمت الصمت و لا شيء غير الصمت.. الخوف يقتلني .. أمامي كما تقول أختي منى " قاتل و متوحش " .. أنه صارم جداً ..
أهكذا يعاملني و نحن في أول مقابلة ..؟!!

" ارفعي رأسك "

قلبي أخذ يقرع كطبل أفريقي مجنون .. و كأنه يهددني بالقتل .. رفعت رأسي بصعوبة بالغة ..
و وجهت بصري على الشيء المتربع أمامي ..

ملامح صارمة جداً .. و لكن ..أنه وسيم .. ملامح غريبة قليلاً .. و لكنها رائعة ..
ابتسم لي .. أوه .. احمرت وجنتاي خجلاً .. فنكست رأسي على الفور ..

أخذ يتحدث و يتحدث .. و أنا لا أسمع شيئاً .. ركزت أنظاري على حذائه الأسود هذا .. بصراحة ! شعرت أنه أكبر مني بكثير .. أي أنه يتحدث بثقة أكثر .. ارتفعت أنظاري من حذائه إلى ساقيه .. يضع رجلاً فوق رجل و كأنه سمو ( الأمير ) ..
أنا بصراحة لا أحب أن أتزوج بشاب كهذا .. جامد .. يثق بنسفه .. أريد أن أتزوج بشاب يشبه إياد.. ليس مائعاً و ليس جامداً .. عادي .. عادي .. أريد الزواج بشخص عادي ليس إلا ..

و هنا ارتفعت أنظاري إلى الأعلى قليلاً .. قالوا لي أن عمره خمسة و عشرون سنة ..و لكني بصراحة أراه أكبر من ذلك من طريقة حديثه ..

ارتفعت أنظاري إلى الأعلى و الأعلى .. حتى رأيته وجهه مرة أخرى .. رباه ..
نكست رأسي على الفور .. رباه أكاد أحترق خجلاً ..

توقف هو عن حديثه ذاك .. و سمعته يقول بقلق :" ما بك ؟!! "
رفعت رأسي قليلاً .. و ركزت أنظاري في وجهه .. يجب أن أكون شجاعة ..

دعوني أصفه لكم ..
في البداية شعرت بخوف منه .. فكان يقطب حاجبيه بطريقة ترعبني ..
قالوا لي أنه أخ وائل .. بصراحة هناك فرق جامح بينهما .. أولاً هذا الجالس أمامي ..
شعره أسود كثيف جداً .. ليس ناعماً بذلك القدر .. أظنه عادي .. يملك هذا الجالس أمامي ..حاجبان طويلان .. و كثيراً ما ( يقطبهما ) .. و عينان ناعستان ( رماديتان ) .. من أين جاء بهذا اللون الغريب ؟!!
تظهر هالات سوداء خفيفة تحت عينيه لتزيدني تصديقاً أنه مجرم .. بشرته بيضاء ..
طريقة جلسته لا تعجبني .. من يظن نفسه ؟!!

طويل .. غريب .. خالتي غيداء ليست طويلة و زوجها ليس طويلاً بذلك القدر .. من أين جاء هذا الجالس أمامي بهذا الطول الغريب ..؟!!

بعد فترة التأمل الطويلة تلك .. انتبهت أني بالغت في ذلك .. تبدلت ملامحه من الجمود إلى اللطف قليلاً ..
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة .. و خاطبني :" إلام تنظرين ؟!! "
حملقت به مستغربة و هنا احمرت وجنتاي خجلاً و عدت أنكس رأسي ..

بصراحة أنا لا أخجل من الرجال لهذه الدرجة و لكن هذا الرجل نظرته تشعرني بالخجل ..
بقى يتحدث عن أمور شتى .. أم أنا صامتة و منكسة رأسي ..
حتى نهض قائلاً :" تأخرت .. سوف نحدد موعد المقابلة الأخرى فيما بعد .. "
و ها هو يتجه نحو الباب .. فوقفت أنا و اتجهت نحوه لأقيس طوله .. أنه أطول مني بكثير .. !

يمد يده نحو مقبض الباب فيفتحه .. و يخرج و يصطحبه والدي إلى خارج المنزل .. و قبل خروجه يتحدث مع والدي قليلاً .. وقفت لبرهة أتأمله .. أهذا هو زوجي المستقبلي ..
جامد لدرجة لا تطاق ..طويل لدرجة لا تطاق .. و ماذا أيضاًَ ؟!!

و بينما كنت في لحظة تأمل .. التقت أنظارنا .. نكست رأسي على الفور خجلاً .. و لكن عينيه الرماديتين جذبتني للنظر إليهما .. رفعت رأسي و عدت بأنظاري له .. فإذاً به يتحدث مع والدي و هو ينظر لي .. يبدو أنه يتحدث عني .. و ها هو يبتسم مجدداً في وجهي و يرفع يده ليلوح لي مودعاً ..

و خرج ! عدت إلى غرفتي حيث كانت أختاي تنتظراني .. وقفتا تنظران لي .. ثم سحبتاني و أجلستاني على مقعد .. و أروى تربعت على الميسرة و منى تربعت على الميمنة ..

" ماذا حدث ؟!! "
قالت منى بخوف .. فتنهدت و أرجعت رأسي مسنداً للوراء .. و أغمضت عيني قائلة :
" بصراحة ! .. لم أسمع شيئاً مما قال .. و لكنه على ما أظن جامد جداً .. و لا يبدو ( مريض نفسياً ) .."
و استطردت :" و لكنه بادلني ببعض الابتسامات .. ذلك جيد "
نظرت لي منى باستغراب .. و أروى خاطبتني بنفاذ صبر :" ما رأيك به الآن ؟!! "

قلت بانفعال :" قلت لكما .. أنه جيد .. جيد .. "
" هل تعنين بهذا أنك موافقة على الزواج به "

صرخت :" طبعاً لا ! "
ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي منى و أروى حائرة ..فقلت أنا :
" أقصد أني لم أفكر في الأمر جيداً .. أو ربما أني أحتاج لمقابلة أخرى لكي أتعرف على شخصيته أكثر "

و ها هو والدي يدخل غرفتي باسماً .. جلس على أحد المقاعد و قال :
" خالد يقول عنك أنك كنت خجولة جداً .. و لكنك أثرت إعجابه "
ارتفعت الدماء إلى وجهي .. أكاد أحترق خجلاً .. أثرت إعجابك ؟!! كيف ؟!! أنا لم أنطق .. أنا لم أرفع رأسي سوى لثواني .. إن هذه المقابلة لم تستغرق حتى نصف ساعة ..
نكست رأسي خجلاً فبادرني والدي بسؤاله :" ما رأيك به بنيتي ؟!! "

" أأ .... أبي .. أنا .. أحتاج لأفكر قليلاً "

وقف والدي و قال بفرح :" بل فكري كثيراً .. فما هي إلا مقابلة أولى .. و سوف تتبعها مقابلات "

و هنا غادر والدي و غادرت ورائه أختاي ..
استلقيت على سريري .. آه .. أنت أيها الجامد .. هل أنت حقاً ( زوجي ) المستقبلي ؟!!
أنا اعتدت أنا يعاملني الجميع بفرح و مرح .. لا جمود !
أني لا أرى فيك جنوناً .. و لكني أرى فيك تعقيداً ..
ترى ! هل أعجبتك أنا حقاً ؟

 
 

 

عرض البوم صور دموع يتيمة   رد مع اقتباس
قديم 22-06-08, 11:53 PM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 47688
المشاركات: 1,443
الجنس أنثى
معدل التقييم: دموع يتيمة عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 30

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
دموع يتيمة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : دموع يتيمة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

يالله ماااعاااااااااااد باقي على النهاية شي




ابغى على الاقل رد واحد


علشاااااان اكملها

 
 

 

عرض البوم صور دموع يتيمة   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
للكاتبة براءة, براءة, جنون خالد للكاتبة براءة, قصة جنون خالد, قصة جنون خالد للكاتبة براءة
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 12:48 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية