لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-03-07, 02:53 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
امير المسابقات


البيانات
التسجيل: May 2006
العضوية: 5144
المشاركات: 299
الجنس أنثى
معدل التقييم: حسين السريعي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 32

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
حسين السريعي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : شذى وردة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

=============


(12)




كانت واضعةً قدميها على الطاولة بإستهتار وهي تثني إحدى الأوراق بأناملها وتترنم بأحد الألحان...


فلا غرو، فاليوم هو الثاني بعد سفر المدير المفاجئ إلى "قطر"...


ومرّ في ذهنها خاطرٌ خبيث فابتسمت....


مدت يدها لحقيبتها وأخذت تعبث بها قليلاً وأخيراً أخرجت شيئاً...



نهضت من مكانها و توجهت لمكتب صاحبتها وهي تسألها بنعومة مصطنعة:


- "أشجان" متى سيعود المدير من سفره برأيك؟!


- لا أدري، ربما بعد أسبوع..


- امممم سنشتاقُ له كثيراً!!!!


ولوت فمها بقرف وهي تغطي جانب من وجهها الأيمن بيدها..


ثم أردفت بدلع:



- خذي هذه "علكة"، ذكرتك وأنا في المحل واشتريتها خصيصاً لكِ، تعرفينني لا أنسى من أحبهم أبداً...



والتفتت إلى "جميلة" التي كانت تطالعها بحنق، فبادلتها ابتسامةً عريضة وهي ترمش عينيها ببراءة:


- عذراً لا أملك قطعةً أخرى، سأكتب ملاحظة في المرة القادمة، تعرفين مشاكل الذاكرة هذه الأيام!!


وعادت لتخاطب "أشجان" من جديد وهي تعبث بخصلتها النافرة من حجابها:


- هل سمعتي أغنية "نانسي" الجديدة؟!



ولكزت إحدى عينيها ففهمتها "أشجان" وضحكت بخفوت..


ردت عليها والضحكة تملأ شفتيها:


- أي أغنية؟!


- أخصمك آه.


- هذه أغنية قديمة على ما أعتقد..


لوت "ندى" فمها وهي تعلّق بعتاب:


- ماذا جرى لكِ، ألم تعلمي؟! لقد أجرت على كلماتها بعض التعديلات!!


- يجوز... ردت وهي تهز رأسها بإيمان.



- المهم سأسمعك إياها.



و تراجعت بخفة إلى الوراء لتقف في المنتصف دون أن تأخذ موافقتهم!!!!


أخذت تتنحنح في البداية وهي ترمقهما بإبتسامة، ثم شكّلت يدها على هيئة "ميكرفون" وهي تنحني:


- تصفيق حار أولاً يا بنات لصاحبة الصوت العذب...شكراً شكراً.


وأعادت خصلتها إلى الداخل لتطربهم بصوتها الصداح!!



أخصمك آه

أسيبك لا


وجوّه الروح حتفضل "مديري" إلا آنه بهوااه!!!


يا لي بهواك مجنني يا لي بالشغل دايماً "متعبنيييييي"!!


..........................................


وانفجرت "أشجان" على طاولتها والدموع تطفر من عينيها لكنها استمرت بالغناء وهي تتحرك بجانب "جميلة" لتصطدم بها عمداً:


- أخ، لا تقفي أمام إبداعي، يا للغيرة القاتلة.


ومدت لها لسانها وهي تميل بجذعها وتسحب "أشجان" من يدها لتشاركها الرقص:



- تعالي وارقصي معنا، فساعات الحظ هذه لا تعوض. نادتها بسخرية.


خرجت "جميلة" من المكتب ومعها أوراقها وهي تنظر لهما شزراً...


- هههههه، ستخبر المدير بكل شئ بعد أن يعود.


ردت "ندى" وهي تحرك كتفيها بلا مبالاة:


- لا عليكِ منها، سأكذّب كل ما ستقوله، هيا أنا سأغني مقطعاً وأنتِ تُكملين.


- موافقة.



- أخصمك آه. ودارت حول نفسها.


- أسيبك لا...


- وجوّه الروح حتفضل "مديري" إلا آنه بهوااه!!!



وتبادلت الفتاتان المكان وهما تصفقان بأيدي بعضهما...


- يا لي......



وجمدت الفتاتان فجأة بمكانيهما وبعد أن أستوعبتا الشئ الواقف أمامهما صرختا بصوتٍ كاد أن تتهدم له أسقف الشركة....



خبأت "أشجان" وجهها المتضرج احمراراً من الإحراج بكفيها أما "ندى" فكادت أن تتعثر بحذائها المخلوع وهي تركض حافيةً كالصاروخ إلى الحمام...



أغلقت الباب خلفها وهي تصفع وجهها دون شعور:


- يا إلهي، الفاتحة، الفاتحة على روحك يا "ندى"!!


وسمعت طرقاً عنيفاً على الباب فهوى قلبها تحت قدميها...


أخذت تصيح بتوسل:


- ليس ذنبي أنا، "نانسي عجرم" من غنت هذه الأغنية!!


- افتحي الباب واخرجي من هنا..



- ستصرخ علي أعرفُ ذلك.



- افتحيه وإلا كسرته على رأسك.. صرخ بصوتٍ هادر.



- أريدُ أبي، أريد أن أعود للبيت، أخوتي مرضى، و أنا مريضة أيضاً، أصبتُ بالجدري، سأُعديك!!



ورفعت صوتها بتباكٍ وهي تقرص خدها أمام المرآة وتطالع نفسها بإعجاب في آنٍ واحد!!!


- سأعدُّ حتى الثلاثة إن لم تخرجي سيكون حسابك عسيراً. قال بتهديد.


عادت لتصيح بإستعطاف:


- أنت لا تصدقني، تريدني أن أشتري لك هذا الشريط وأسمعك إياه؟!


- قسماً بــ...


- لحظة لحظة سأخرج.



عادت لتربت على خدها وهي تدور في مكانها:



ماذا أفعل، ماذا أفعل!!


وفتحت ماء الصنبور، واختلست منه قطرات وضعتها في عينيها وهي تصرُّ عليها وتقرص خدها من جديد...



- اخرجي فوراً. صرخ بنفاذ صبر.




أمسكت إكرة الباب ببطء وهي تسمع الدماء تجول بقوة في رأسها وتعطله من الخوف...



وأخيراً فتحته وهي مطأطأة رأسها بأقصى ما تصل إليه حتى كادت رقبتها أن تنكسر من هذا الإنحناء القسري!!



كانت ترى حذائه فقط، هذا ما استطاعت مشاهدته!!



ازدردت ريقها وهي تقول بخفوت وذل:


- أستاذ، أستاذ لم أكن أعلم بأنك ستعود اليوم..


- حقاً!! أعتذر إن كنتُ قد قطعتُ عليكِ الحفل أنتِ وصديقتك!! رد بسخرية لاذعة.


- أستاذ أنا..أ...


- اخرسي أتخالين هذا المكان مرقصاً؟! أليس بكِ ذرة حياء واحدة، ألا تخجلين من نفسك؟!


"لا تبدأ بالغلط، سكتُ عنك كثيراً أيها السخيف!!!"..



- أستاذ، الطبيب الذي أعطاني العذر ذلك اليوم قال...


قاطعها بإستهزاء:



- ماذا قال هذه المرة أيضاً؟! أن ترقصي وتغني كي تعالجي جنونك!!!


غطت وجهها بكفيها وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها من الإحراج..


- أ..أ...أ وعادت تتأتأ.



- اصمتي، كم مرة قلتُ لكِ لا أريد أن أسمع صوتكِ البشع هذا.


- أنا صوتي بشع؟! رفعت يدها عن وجهها وهي تصيح بإستنكار.



حدجها بنظرةٍ نارية فعادت لتزم فمها ووجهها منتفخ، أخذ يتأملها من رأسها لأخمص قدميها بإمتهان ثم توقف عند قدمها الحافية، كانت بلا حذاء!!!



تطلعت إلى حيثُ ينظر فصعقت وهي تتراجع للوراء بسرعة....


أخذت تردد بتلعثم وعلى فمها ابتسامة بلهاء:


- حذائي، أين ذهب؟! لا بد أنهم سرقوه، تعرف هذه الأيام كل شئٍ يسرق، وحذائي غالي الثمن، اشتريته بــ....


وعاد إليها المغص من جديد من ملامح وجهه المكفهرة...


- اليوم لن تخرجي من هنا، ستبقين هنا حتى المساء تعملين..


- مع "أشجان"؟!


- كلا لوحدك. رد بحسم.


رفعت أصبعها بإستنكار وهي تشير لـ"أشجان":


- هي أيضاً فعلت مثلي، هذا ظلم..


شهقت "أشجان" لكنها لم تبالِ بها وأخذت تنظر إليه بغضب:


- هي لم تكن كذلك أبداً وأنتِ من خربتها..



ضربت على صدرها وهي تصيح في وجهه:


- أنا خربتها؟! يا قليل ال...



وتقدم منها وقد أسودّ وجهه، سألها بصوتٍ مصرور:


- قليلُ ماذا؟! أكملي...


عادت لتنطق والحقد يملأ عينيها:


- يا قليل ال..ال...


وصمتت وهي تنظر للأرض كأنها تبحث عن شئ ثم صدت له وهي تطالعه:


- ال...الشعر!!



وتحركت عضلة صغيرة في زاوية فمه في شكلٍ أشبه بضحكة، لكن وجهه سرعان ما عاد لجديته وغموضه.



- في المرة القادمة لا تنسي أن تحضري معكِ "دفّاً" ربما تحتاجينه..




"أحتاج لمقص كي أقص لسانك الكريه هذا"...



وسار عنها إلى مكتبه وهي تتابعه بعينين لا تريان..


أخذت تخاطب نفسها بأسى:


- سيحبسني هنا حتى المساء، كيف سأتحمله!!



وأخذت تدق الأرض بقدمها الحافية دون شعور..


اقتربت منها "أشجان" وهي تربت على كتفيها:


- لا عليكِ، هو يومٌ واحدٌ فقط...



- بودي أن أعرف لم يكرهني أنا بالذات، دائماً أنا أنا أنااااااااااااااااااااااااا.



وأخذت ترفع من صوتها، فسحبتها هذه الأخيرة وهي تكمم فمها:


- اخفضي صوتكِ، تريدينه أن يسمعكِ من جديد ويمسح بكِ الأرض.


- دعيه يسمع، أنا أريده أن يسمع، يخالني أخافُ منه، ألا يعرف من هي "ندى"؟!



تطلعت إليها "أشجان" بإشفاق وهي تهز رأسها:


- أجل هو يعرف هذا جيداً...



- ثم ما ذنبي أنا إن كانت "نانسي" اللعينة تختار هذه الكلمات الخرقاء، أأنا من قلتُ لها ذلك؟!



- !!!!!!!!!!!


- ثم أين ذهب حذاااااااااااائي؟!



و أخذت تصرخ بهستيرية وهي تدور حول المكان وتلقي بالأشياء من حولها:


- سرقوووووووووه...



جلست "أشجان" على مكتبها وهي تطالع صاحبتها بخوف..


"يبدو أنها فقدت عقلها"...



==========


>>>> يتبع الجزء في المرة القادمة بإذن الله...

 
 

 

عرض البوم صور حسين السريعي   رد مع اقتباس
قديم 17-03-07, 06:33 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
امير المسابقات


البيانات
التسجيل: May 2006
العضوية: 5144
المشاركات: 299
الجنس أنثى
معدل التقييم: حسين السريعي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 32

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
حسين السريعي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : شذى وردة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

(12)



أوقفت قلمها عن الكتابة فجأة وهي ترهف السمع للصوت القادم من بعيد...


لحظة!! هذا ليس بصدى صوته...


ربما كان ذلك صدى أنفاسها هي، أو صدى خواطرها التي باتت تأرقها منذُ يومين!!!


منذُ آخر مساءٍ جمعهما معاً...


أين هو ؟! و أين ذهب؟!


وعاد القلق ليعتريها من جديد، فأزاحت دفترها عن جانبها وفتحت باب حجرتها لتخرج...


أخذت تدور حول الشقة ربما للمرة العاشرة لهذا اليوم ولكن دون أن ترى له أثراً في هذا المكان....


أمن المعقول أن يتركها هنا لوحدها؟!!


كلا، كلا هذا ليس من شيمه البتة...


وتطلعت إلى غرفته بوجوم، هذا هو المكان الوحيد الذي لم تطرقه بعد...



أتراهُ يحبس نفسه فيها كما تفعل هي؟!


توقفت أمام باب غرفته بتوجس، لكنها استجمعت شجاعتها أخيراً وطرقتها بخفوت....



لا إجابة، لا صوت، لا صدى!!


زادت من دقها وهي تنادي عليه:

- عمر!!


ليس هنا أيضاً...


وانقبض صدرها وهي تقف في مكانها بحيرة، أرادت أن تعود إلى حيثُ كانت من جديد لكن شيئاً استوقفها...


أمسكت إكرة الباب وأدارتها فانفتح شيئاً فشيئاً...



أطلت من تلك الفرجة الضيقة وهي تجول ببصرها حول الغرفة التي لم تطأها قدماها من قبل.....


وفتحت الباب على مصراعيه...


كانت واسعة، فسيحة، جدرانها مطلية بلونٍ مشمشي فاتح...


ولجت إلى الداخل، وبلا شعور أخذت تتفقد محتوياتها وتجمع تلك الملابس المبعثرة على الأرض...


كان فيها شيئاً منه، شيئاً لم تستطع تلك النافذة المفتوحة أن تتخلص منها رغم هبات النسيم التي تعبث بحرية في تلك الستارة.....



ربما كانت رائحة عطره المميزة، أو غموضه أو حتى قسوته!!


عادت لتحني جذعها وتلتقط فرشاة شعره الملقاة على الأرض....



وضعتها على طاولة الزينة لكنها توقفت طويلاً أمامها وقد جذبتها تلك الصورة الصغيرة المحاطة بإطارٍ نحاسي مُذهب....


أمسكتها بيديها الصغيرتين وهي تمرر أناملها النحيلة عليها....


تأملت صاحب الصورة، وجهه، عيناه، وكل خلجةٍ من خلجاته...


ولاح طيفُ ابتسامةٍ باهتة على شفتيها وهي تلمس عيناه!!


لم تعرف حتى الآن مِن مَن اكتسب هذا اللون؟!


أتراها ستعرف يوماً أم لن تجرؤ على سؤاله حتى؟!


وطمست الصورة بيدها وهي تضمها إلى حجرها بقوة وألم...



هبات النسيم لازالت تدور بحرية، تجوبُ الستار والزوايا والزمن!!!



لكنها تقفُ عاجزةً عن اختراق الجنان، عاجزةً أن تمنحه شيئاً من الراحة والطمأنينة والسكون....



- ماذا تفعلين في غرفتي؟!



ورفعت رأسها فجأة بذعر منتشلةً خواطرها، لتجد صاحب الصورة واقفاً ويده مرتكزةً على الباب...


تراجعت إلى الوراء وهي تخفي ما بيدها خلفها بخوف...



كان ينظر لها بتعب وقد بدا الإرهاق على وجهه الأسمر ما خلا ذلك البريق القاسي الذي بات يلوح في عينيه في الآونة الأخيرة...



- أأعجبتكِ غرفتي؟!


- ..................


- ربما تودين الإنتقال إليها؟!! سألها بسخرية مؤلمة.



أطرقت للأرض وهي تهزُّ رأسها نفياً ببطء...



خيم السكون المتوتر عليهما من جديد، لكن صوته الهادر أجفلها:


- إياكِ أن تأتي إلى هنا يا "غدير"، إن أردتِ أن تسلمي مني..


ثم أردف وهو يصيح:


- اخرجي من هنا فوراً...



وانكمشت في مكانها وهي تعضُّ على نواجذها بقوة....



لازالت مطرقة، لازالت هاوية، لازالت ضائعة هنا و الصورة لازالت بين يديها!!!!


وابتعد عن الباب وهو يتقدم منها بغضب من وقفتها هكذا بلا حراك....


أمسكها من ذراعها المنثني وهو يصرخ في وجهها:


- لقد عُيل صبري منكِ، أنا لستُ قديساً، لستُ قديساً أتفهمين؟!



لكنها لم تكن لتسمع، كان همها أن تتراجع إلى الوراء....


انتبه إلى يديها المعقودتين، فسألها بحدة:


- ماذا تخفين خلفك؟


نظرت إليه بإضطراب وهي ترد بتقطع:


- لا...لا شئ..


- كم مرة قلتُ لكِ أنا لا أحبُّ الكذب!! أريني ما بيدك..


- "عمر" أرجوك......


وذهبت توسلاتها أدراج الرياح، هناك خلف الستار!!!



أمسكها من ذراعها وهي تجاهد بيأس:

- إنها..إنها..


وسحبها من يدها دون أن يستمع لما تقوله، وسكن فجأة وهو يطالع صورته دهشاً...


مرر بصره بينها وبين الصورة بتساؤل:

- لماذا؟!


لم تحر جواباً، كل ما أرادته هو أن تفر من هنا، من أمامه...


لكنه وقف أمامها بالمرصاد وعاد ليسألها بإصرار:

- لماذا؟!


أطرقت للأرض وهي تحاول أن تلملم نفسها، أن تجمع أشلاءها...


وكلما حاولت أن تمسكها، أن تقبض عنق الزجاجة أفلتت وسالت قطرات الماء....


- أنا..أنا...


- أنتِ ماذا؟!


- لاشئ..لا شئ. رددت بصوتٍ لا يُسمع.


تطلع إليها بنفاذ صبر وهو يمرر أصابعه في شعره بتوتر....


ثم نظر إلى الصورة وما هي إلا دقيقة حتى ألقاها على الأرض بعنف...


الصورة تهوي والزجاج يتحطم، يتبعثر ناعماً، بقطعٍ صغيرة لا تبين...


وضعت أناملها المرتجفة على فمها لتكبح صرخة استنكار كادت أن تنطلق رغماً عنها...


وأشار بيده إلى الباب فخرجت كالبرق ولوعةٌ دفينة تسبقها...


ألقت بنفسها على سريرها وهي تجهش بالبكاء، ضربت وسادتها بقبضتها وهي تهمس:


- ليس ذنبي..ليس ذنبي أنا!!



===========



- اذهبي هو ينتظرك، أليس هذا ما تريدينه!!


- ناصر، ألا زلت غاضباً؟! إذا كنت لا تريد فلن أذهب.


نظر إليها بفتور ثم تنهد:


- أنا لستُ غاضباً..


اقتربت منه وهي تضع يدها على كتفيه:


- إذن تعال معي.


أبعد يدها عنه بضيق:


- أنا أخبرتهُ بما لدي، ليس لدي المزيد لأقوله..


نظرت إليه بعبوس ثم سرعان ما خرجت من غرفتها...


تطلع إلى الباب المفتوح وتنهد...



ثم عاد ليتصفح كتاب "رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية" للدكتور محمد جابر الأنصاري...


أخذ يقلبه برهة ثم سرعان ما قلبه على الصفحة التي توقف فيها مسبقاً..


لا يدري ما يمزقه أكثر!!!


هموم العالم القابع في دوامة، في بقعةٍ سوداء ضئيلة، في ماءٍ آسن يرفل بالجبن والعار والتبعية!!


أم همومه مع هذه الزوجة العنيدة!!!


كلاهما صداع، صداع مقيت...



دقت باب غرفة الجلوس لتجدهُ جالساً بإنتظارها وفي يده لفافة تبغ سرعان ما سحقها على الطاولة الزجاجية الصغيرة!!!


حركت يدها في الهواء لتبعد رائحة الدخان الكريهة بإشمئزاز عن محيطها...


وبعد أن ألقت السلام جلست على الكرسي الذي يقابله...


وابتسم لها معتذراً:


- آسف إن أزعجتكِ الرائحة، إنها عادة سيئة اكتسبتها في الغربة!!


- لا بأس. ردت مجاملةً.


- طيب لنبدأ الجلسة، أخبريني أولاً ماذا قال لكما الطبيب.


- ألم يخبرك "ناصر"؟


- بلى، ولكن أحب أن أسمعه من جديد منكِ، فأنتِ تعرفين أن النساء يذكرن تفاصيل قد يغفلها الرجل وقد تفيدنا في موضوعك..


وعاد ليبتسم لها، فحكت جبينها بتفكير:


- لقد أجروا لنا فحصاً أكلينيكياً، وقال الطبيب أن كلانا سليمان من هذه الناحية، لكن القلق النفسي هو من يحولُ ذلك وسماه بالاضطراب السيكو...


وتوقفت عند هذه الكلمة بتلكأ محاولةً نطقها بشكلٍ صحيح:


- آه، السيكوسوماتيك”psycosomatic” أي الاضطراب النفس جسمي..


- لم أفهمها صراحةً..


- هذا اضطراب ينشأ من وجود عامل نفسي كالضغوط أو التوتر أو القلق مما يؤثر على وظائف الجسد الفسيولوجية فيصاب الشخص مثلاً بآلام عضوية، أمراض القلب، صداع، إمساك، عقم وهكذا...



وشهقت بصوتٍ مرتفع وهي:

- عقم!!


- أجل، بل أسوأ من ذلك، إذ قد يصل الصراع النفسي الذي يعيشه الفرد إلى اصابته بالسرطان والعياذ بالله و هذا ما أثبتته آخر الدراسات الأجنبية.


وأخذ يشرحُ لها وهي تستمعُ له بإنصات واهتمامٍ شديد...


- على العموم أنتِ لازلتِ صغيرة وأمامك المتسع لتنجبي بدل الطفل عشرة...


قال ذلك وهو يتأمل وجهها البرئ بإعجاب لم يخفى على عينيها...


تململت في جلستها بضيق وهي تهمهم بردٍ غير مفهوم.


وانتبه لنفسه وعاد ليتكلم بلغة الطب من جديد:

- اعطني فحوصاتكم السابقة لأطلع عليها.


- تريدها الآن؟!


- ليس الآن تحديداً، ولكن في أقرب فرصة، فأدواتي المخبرية ستصلُ بعد يومين أو ثلاثة من الخارج.



نهضت وهي تشكره منصرفةً فعاد ليسحب لهُ سجارةً أخرى....



نفث دخانها ببطء وصورة قوامها الممشوق ماثلة بوضوح أمام عينيه الصغيرتين!!!



=======


- خذي..


- ماذا؟!


- أعطها المدير.


تطلعت "أشجان" للملفات وكأنها تنظر لأفعى و سرعان ما رفعت يدها نافيةً وهي تقول:


- آسفة، أنا لن أذهب إليه، هذه ملفاتكِ أنتِ ولا أريده أن يصرخ علي.


- لن يفعل شيئاً لكِ.


ثم اقتربت منها وهي تهمس لها بتوسل:


- أرجوكِ، ألا يقولون: الصديق وقت الضيق.


- سأساعدك في أي شئ ولكن إلا في هذا.


كتفت "ندى" ذراعيها وهي ترفع حاجبيها عالياً:


- لم تفعلي لي شيئاً قط، دائماً أنا، أنسيتِ ذلك اليوم حين تعطلت سيارتك وأوصلتك إلى منزلك!!


شهقت "أشجان" وهي تردد دون تصديق:


- أتمنين علي بتلك التوصيلة؟!


مطت "ندى" شفتيها:

- كلا، ليس هكذا، تعرفين هذا ليس من خصالي، أحببتُ أن أذكرك ليس إلا..


ثم أردفت بصوتٍ واطئ:


- ماذا سيضرك، ارميها على مكتبه وانقذيني..


- أنا لا أحب المشاكل، ولا أستطيع الرد عليه مثلك.


- وأنا لا أطيق رؤية وجهه.


- قولي لـ"جميلة" ربما تساعدك..


- يا لخفة دمك!!


واستدارت متجهة للمكتب وهي تتأفف، طرقت الباب فجاء صوته البارد:


- تفضل..


- إذا كنت مشغولاً سأعود!!


- ادخلي.


زمت شفتيها وهي تتمتم بشئٍ ما، وولجت إلى الداخل...


وضعت ما بيدها على الطاولة مباشرة وهي تخاطبه بسرعة:


- الملف الأحمر والأزرق لشركة "الصائغ" للمقاولات، وهذه رسالة وصلت لك من بنك "البحرين والكويت" ربما كانت ديون أو ضرائب لم تدفعها أفتحها إذا كنت تريد أن تعرف...


ثم استدركت وهي تلوي شفتيها:

- إذا شئت طبعاً..


واستدارت لتعود إلى مكانها لكنه استوقفها:


- هيه أنتِ انتظري.


- نعم.

ودوّن شيئاً ما في ورقة صغيرة وهو يخاطبها:


- غداً أريدك أن تذهبي إلى هذه الشركة لتخلصي معاملاتنا معهم، وخذي معكِ "جميلة" فقد سبق أن تعاملت معهم.


- أنا لن أذهب معها..


- لماذا؟!


- نحنُ لا نكلم بعضنا..



ردّ بحزم:

- الأمور الشخصية ليس لها علاقة بالعمل في هذا المكان، أتفهمين!!


- سأطلب من "أشجان" أن تذهب بدلاً عني.


- أنا قلتُ أنتِ وانتهى الأمر فلا تجادليني. صاح في وجهها.


- لماذا تكرهني، ماذا فعلتُ لك؟!


- أكرهك!! ومن أنتِ كي أكرهك أو أحبك!!


رفعت أصبعها في الهواء بتهديد:


- إذا كنت تحبني فهذه مشكلتك لوحدك، لو سمحت أنا صغيرة ولا أريد أن تتفتح عيناي على مثل هذه الأمور!!!


فتح هو عينيه بدهشة...


و من قال الآن أنهُ يحبها!!!



ثم أردفت بإنزعاج:



- ثم هذا مكان عمل كما تقول، و من المشين أن تتحدث إلي هكذا، ماذا لو دخل أحدهم وسمعك تقول هذا الكلام!! تريد أن تتشوه سمعتي؟!!



ثم زفرت وهي تشيح وجهها وتحرك أصابعها في الهواء...


- أعلم أنني جميلة وملفتة للنظر لكن هذا لا يجوز، لا يجوز إطلاقاً!!!!



الدهشة تكبر وتمتد لتشد تعابير وجهه بأكملها...


وحين أفاق من صدمة كلماتها، ضرب بقبضته على مكتبه بقوة، فقفزت في مكانها وهي تلم أصابعها بخوف:


- تعالي إلى هنا، اقتربي...


- ماذا..ماذا تريد، كنتُ أمزح معك، لا يجوز..يجوز...أشر برأسك يجوز أو لايجوز؟!


- أأنتِ بلهاء أم ماذا؟!


وأكمل بغضب:


- ماذا تعتقدين نفسكِ أيتها السخيفة الفارغة من أي شئ!!


"أنا سخيفة، أنا فارغة، سامحك الله!!"


ولكن لا ترد على السفيه جوابا أليس كذلك؟!


اسمعني إذن أيها السفيه....



أسبلت عينيها بتذلل كعادتها في تلفيق قصصها الدرامية، ولم تفته هذه الحركة أبداً...


عبّرت بإستكانة:


- صدقني أستاذ، عندما كنتُ صغيرة كان بودي أن أصبح ممثلة، لكن كلهم وقفوا في وجهي، حتى المعلمات في المدرسة كن يطردنني من المسرح ويقلن عني فاشلة...


وغطت وجهها بكفيها وهي تخرج صوتاً أقرب للبكاء، وتطالعه بعينها من تلك الفرجة الضيقة التي تخللت أصابعها...


وأكملت وهي تنهنه:


- وتكونت لدي عقدة، ليس مثل عقدة "أوديب" و "الكترا"، لا بل أخطر...


ورفعت يديها عن وجهها وهي تسأله فجأة بحماس:


- أتعرف عقدة "أوديب" و "الكترا"؟!!


فغر فاهه وهو يحملق فيها بريبة من تغير حالها...


- أنا أعرفها جيداً، هذا فتى اسمه "أوديب" كان يكره والده لأنه ينافسه في حب أمه، تصور ترك نساء العالم وأنا!!! وأحب أمه ذلك المجنون!!!


وأخذت تضحك بأريحية وهي تضرب ظهر الكرسي بيدها وبعد أن هدأت، أردفت:


- أما "الكترا" فهذه فتاة كانت واللهُ أعلم، تعرفني لا أحبُّ أن أغتاب، لكن هم من قالوا عنها ذلك، المهم كانت هي الأخرى تحب أمها، كلا، بل كانت تحب والدها وتكره أمها، أرأيت مجانين كهؤلاء؟!!


وعادت لتضحك بهستيرية وقد نست نفسها...


نظر إليها بذهول وعلّق وكأنهُ يخاطب نفسه:


- ما المجنون إلا أنتِ أيتها المجنونة...



لكن كلماته تلك لم توقفها بل زاد ذلك من ضحكها وهي تلوي على نفسها وتسعل دون توقف....


تسللت ابتسامة صغيرة عنوةً إلى شفتيه من منظرها لكنهُ سرعان ما أخفاها وقال بجمود:


- بإمكانك أن تنصرفي الآن يا آنسة.


وخرجت من مكتبه بعد عناء متعب من أجل أن تقفل فمها، وما أن فتحت الباب حتى استلمتها "أشجان" وهي تسحبها:


- أخبريني، ماذا جرى؟! لم كل هذا الضحك مع المدير!!


- أتعرفين "أوديب" و "الكترا"؟! سألتها بأنفاس مقطوعة.


- لا...



وكلما همت بأن تنطق كلمة عادت لتقهقه من جديد بصوتٍ مجلجل ودموعها تطفر من عينيها..



- ندى، تكلمي من هم هؤلاء؟!



ولكن لا حياة لمن تنادي....



==========

 
 

 

عرض البوم صور حسين السريعي   رد مع اقتباس
قديم 17-03-07, 06:34 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
امير المسابقات


البيانات
التسجيل: May 2006
العضوية: 5144
المشاركات: 299
الجنس أنثى
معدل التقييم: حسين السريعي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 32

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
حسين السريعي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : شذى وردة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

غطت وجهها بصفحة الجريدة العريضة وهي تحاول أن تتحاشى ذاك الظل الذي بات يحاصرها أمامها وفي أحلامها!!!



عيناها مفتوحتان تتابعان تلك الحروف الصغيرة المطبوعة في جملٍ وعبارات لم تفقه منها أي شئ، وكيف لا، وهو واقفٌ هكذا منذُ 10 دقائق!!



الصفحة لم تقلب بعد وأطرافها بدأت تتجعد بلا رحمة بين أصابعها...


وكلما كادت يدها تهوي على حجرها استماتت بقوة لتظلّ مرفوعة، فلا تدري أي صفحةٍ طُبعت على وجهه هذا المساء!!


ولكن لا بد لها أن تقرأ شاءت ذلك أم أبت ، ها هي يداه تمتدان لتخطفا الجريدة وتكورانها بأكملها...


ضمت يديها إلى حجرها ونكست رأسها كأنها تنتظر العقاب.


- ماذا أعددتِ للعشاء؟! سألها ببرود.


- لاشئ.


- لاشئ؟! صاح بغضب.


انكمشت في مكانها وهي تردُّ بإستعطاف:


- لم أجد شيئاً في الثلاجة لأطبخه.


- ولم لم تخبريني من قبل؟!


- أنا لا أراك..


- بإمكانكِ أن تتصلي على هاتفي.


ردت بإنفعال:

- لا أعرف رقمك.


- أليس لديكِ لساناً لتسألي!!


- أنت تريدُ معاقبتي على أي شئ أليس كذلك، اضربني إن كان يريحك هذا..


وغطت وجهها بكفيها وهي تبكي من العذاب، من الألم، من هذا الشجار اليومي الذي لا ينتهي....


مدّ يده بسرعة واضعاً إياها على رأسها لمدةٍ طويلة فارتفع صوتُ بكاءها و بدأ جسدها يهتز...


ثم حرك أصابعه ليمسح على شعرها برفق:


- انهضي سنتناول العشاء في الخارج..



وهدأت فجأة فقد خالته سيخلع شعرها كما حدث في المرة السابقة..


رفعت وجهها إليه وهي تمسح عينيها دون تصديق...


طالعها بنظرةٍ عميقة قبل أن يستدر:


- هيا لا نريد أن نتأخر...


وتركها تتابع طيفه يتهادى لينزح إلى الأسفل...


إنها لا تفهمه، لا تفهمه أحياناً...


انساقت هي الأخرى إلى غرفتها دون تفكير لتغير ملابسها....




وانتابتها السعادة دون أن تدري مصدر ذلك، ألأنها ستخرج من هنا لأول مرة أم لأنها ستخرج معه أم ماذا؟!



وجدته ينتظرها في سيارته، فولجت إلى الداخل وانطلقا معاً...


لم يتحدث كلاهما ولم تسأله أين سيذهبان، واكتفت فقط بالنظر إلى النافذة...



الكونُ يبدو فسيحاً في المساء وقد ألقى بظلاله على الجميع مانحاً إياهم شيئاً من الألفة ودفء النجوم...


أخذت تعبثُ بعباءتها بعد أن أتعبها النظر إلى الفضاء، ثم راحت تختلس النظر طويلاً إلى الجالس بجانبها بصمت....



الليلُ يضفي الكثير ويخفي الكثير أيضاً!!


ولكن من الصعب أن تحدق عن كثب أليس كذلك؟!



وأرادت أن تحول وجهها للنافذة من جديد لكنهُ التفت لها في تلك اللحظة وكأنهُ أحسًّ بنظراته المحدقة به...


وتشابكت نظراتهما برهة فتضرج وجهها احمراراً لأنهُ أمسكها متلبسة بتهمة النظر إليه!!



أزاحت بصرها إلى يديها المنقبضتين، فأتاها صوتهُ لاذعاً كالسوط!!


- ماذا؟! تقارنين الأصل الصورة!!


وعنّفت نفسها على فعلتها المشينة كما أسمتها وهي تدعو أن يتوقف عن السخرية بها...



وأخيراً أوقف مكابح سيارته.....


انتظرها ريثما تخرج بينما هي تتطلع إلى اللافتة المعنونة بمطعم "الأبراج"...


وتقدمها خاطفاً وهي تحاول اللحاق بخطواته السريعة بين الممرات حتى كادت أن تتعثر عدة مرات.


التفت إليها وهو عاقدٌ حاجبيه:


- ماذا بك؟!


- انتظرني أنا لا أعرف هذه الأماكن، لم أدخلها قط..


وارتجفت أهدافها وهي تقاوم دمعةً مُرة علقت بأطرافها.....


لا تدري لم أحست بالخوف وهو يبتعدُ عنها بخطواته، وحين اختفى طيفه فجأة بين الأزقة كادت تصرخُ ذعراً...


نكست رأسها بألم فانسابت دمعتها شفافة ملساء، انحدرت حتى ذقنها...


انقبض وجهه فجأة وضاقت عيناه وهو يرد بخفوت:


- آسف ...


ومدَّ يدهُ إليها فتناولتها وهي تتشبثُ بها بقوة أدهشته...



وجلسا حيثُ أشار النادل متقابلين...



سألها محاولاً الترفيه عن دموعها التي لا تفتأ أن تنزل على وجنتيها:


- ماذا تريدين أن أطلب لكِ؟!


- لا أريدُ شيئاً..


- امممم، تريدين "سزلنج دجاج"، هذا طبق لذيذ...


- ...........


- أم تريدين "شاومين" مشكل؟! هيا قرري..



وهزت كتفيها بأن لا تدري وقد بدأ مزاجها يتغير من رؤيته يخاطبها هكذا بلا تكلف...


ومرت دقائق قليلة سرعان ما أُحضر فيها الطعام وعاد الصمت ليخيم حول المكان ما عدا قرقعة الصحون...


لم تأكل الكثير واكتفت ببعض لقيمات...


- ألم يعجبكِ الأكل؟


- بلى، لكنني شبعت والحمدُ لله.


وضمت يديها إلى جانبها وهي تتأمله، تراقب طريقة أكله، حركاته، شعره!!!


خاطبها دون أن يرفع عينيه عن الطبق:


- لا تنظري إليّ هكذا، نحنُ في مطعم!!



- أنا لم أكن انظر..انظر إليك.. ردت بإنفعال.


- أجل!!


- أ..أ سأذهب إلى الحمام لأغسل يدي.


- أتعرفين أين يقع؟!


- ســ..سأسأل.


- انتظري سآتي معك، لقد انتهيت.



وسبقته في الخروج وقلبها يدقُّ دون هدى، بإضطراب....


ماذا أفعل أنا يا ربي!! يبدو أنني فقدتُ عقلي!!!


ودخلت إلى الحمام لتغسل يديها ووجهها علها تفيق من انجذابها المغناطيسي له.....


وأخذت نفساً عميقاً وهي تخرج لكنها لم تجده...


وابتعدت عن دورة المياه لتقف في نهاية الممر متجنبةً ازدحام الوافدين إلى هناك..



وانسلّ المنديلُ من يدها فحنت جذعها لتلتقطه، لكنها لم تكمل إذ سرعان ما التقطتهُ يدٌ أخرى أسرع منها وناولتها إياه...


- تفضلي...


تطلعت إلى الرجل الواقف قبالتها وعلى وجهه ابتسامة هادئة...


- شكراً.


وأخذته منه فهمهم:


- لا شكر على واجب.


وبقيت في مكانها واقفة تنظر للساعة بتوتر والرجل يتأملها بإهتمام:


- أتنتظرين أحداً، أتريدين مساعدة، أنا في خدمتك!!


هزت رأسها بسرعة وهي ترد بخوف:


- كلا، أنا لستُ وحدي، معي ..ز..وجي.


- أهاا..



ومد هذه الكلمة بتفكير، فأخذت تتلفت حولها وما أن صدت للأمام حتى رأتهُ قادماً باتجاهها...


ابتسمت له بارتياح لكنها سرعان ما وأدت ابتسامتها...


كانت عيناهُ تشتعلان وقد بدا وجهه مظلم، منطفأ، ومسحة من الإجرام تلوحُ في حناياه وهو ينقل بصرهُ بينهما...


تراجعت إلى الخلف بفزع وهي تهزُّ رأسها نافيةً كي لا يفسر ما يراهُ خطأ...


ها هو يقترب بثبات، بقوة...


أخذ صدرها يعلو ويهبط بقوة وشفتاها ترتجفان، وأفلتت من فمها صرخة ذعر:



- كلاااااااااااااااااااااااااا



لكن الصرخة اختنقت قبل أن يتردد صداها!!!!



.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.



مازال القلب يشتعل..


أصابهُ ظمأ الراحة و الاستقرار..


غارقٌ في لجلل حروفٍ هوت كالنار على الأسماع...


الحجارة تدقُ بعضها البعض والشرارة لا تلبث أن تتولد عنوةً رغم أنف الرياح...


الهديرُ لازال مستمراً وعاصفةٌ هوجاء قادمة على قيد أنملة...

 
 

 

عرض البوم صور حسين السريعي   رد مع اقتباس
قديم 17-03-07, 06:36 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
امير المسابقات


البيانات
التسجيل: May 2006
العضوية: 5144
المشاركات: 299
الجنس أنثى
معدل التقييم: حسين السريعي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 32

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
حسين السريعي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : شذى وردة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

(13)


ومد هذه الكلمة بتفكير، فأخذت تتلفت حولها وما أن صدت للأمام حتى رأتهُ قادماً باتجاهها...


ابتسمت له بارتياح لكنها سرعان ما وأدت ابتسامتها...


كانت عيناهُ تشتعلان وقد بدا وجهه مظلم، منطفأ، ومسحة من الإجرام تلوحُ في حناياه وهو ينقل بصرهُ بينهما...


تراجعت إلى الخلف بفزع وهي تهزُّ رأسها نافيةً كي لا يفسر ما يراهُ خطأ...


ها هو يقترب بثبات، بقوة...


أخذ صدرها يعلو ويهبط وشفتاها ترتجفان، وأفلتت من فمها صرخة ذعر:



- كلاااااااااااااااااااااااااا



لكن الصرخة اختنقت قبل أن يتردد صداها!!!!




أحاط خصرها بذراعه وهو يشدها إليه بقوة، نظر إلى الواقف أمامه وهو يسأله بجمود:


- نعم!!

- لا...لا شئ يا أخي.


وابتعد الرجل وهو يغمغم معتذراً...


أما هي فبقيت جامدة في وقفتها تطالع الفراغ بعينين لا تريان وذراعه لا تزال تطوقها...


صرّ على أسنانه، وبصوتٍ كظيم همس:


- سيري أمامي فوراً وبهدوء.


وأفلتها بإزدراء دون أن تنبس ببنت شفه، دون أن تتحرك، بصرها ينظر للبعيد، إلى الأمام، إلى لا شئ!!!


وانتبهت لأصابع يدها التي أخذت ترتجف دون توقف....


روحها معلقة بين جنبيها، فوق فوهة زجاجة مهشمة، وقدماها ثقيلتان لا تتزحزان ولا تستجيبان لنداءه المتكرر لها....


أخذت تطالعه وتطالع يديها لكأنه تستفهمه وتستفهمهما معاً عمّا حدث!!!


تُرى ماذا حدث؟!


عاد ليدمدم وهو يسحبها من ذراعها بفظاظة....


هوى قلبها، ماج تحت الأقدام الثقيلة وانزوى هناك في زاوية مظلمة، غير مرئية...


لازالت عاجزة عن الحراك لوحدها، عن النطق، فقط زخات الدماء التي تنبض في عروقها بقوة، بسرعة شلت باقي الحواس...


ووجدت نفسها داخل السيارة دون أن تشعر، ها هي تسمع هدير محركها ينطلق....


الهدير يعلو، يطغى على الأسماع، والأشياء تتماهى أمام عينيها، تبدو صغيرة، صغيرة جداً، كتلك النقط المتوهجة التي نراها على قمم الموج قُبيل الغروب...



وأدار مقود السيارة حول "الدوار" فجأة فارتطم كتفها بالباب، أمسكته بيدها الأخرى وهي تغمض عينيها بتعب...


الدموع تنساب حارة، دفينة على الوجنتين، ها هي تصل لأسفل الذقن وتتجمع بتؤدة...


"ليت الطريق إلى المنزل بعيداً، بعيداً". رددت في نفسها.


الصمتُ قاتل، مخيف، ملئٌ بالرعود والمطر!!!


الكلام أفضل، أفضل بكثير، تحدث وقل شيئاً، أي شئ...


والتفتت إليه في نصفِ التفاتة ويدها تقبض على صدغها...


بدت عضلات وجهه مشدودة وفمه مزموم، وعيناه، إنها لا ترى عيناه!! بهما تستشفان حالته، بماذا يفكر الآن؟!!


عضت على نواجذها لتمنع صرخة ارتياع انطلقت من الداخل، إنها تخافه، تخافه أحياناً!!!



تشابكت أناملها معاً في عقدة، كتلك العقدة التي تعتمل بصدرها تلك اللحظة، أخذت تنظر بزيغ إلى النافذة والعقدة تكبر وتكبر لتصبح بحجم كرة الثلج....


لم تستطع الصبر أكثر، الصمت أصعب من أن يُحتمل، وقد بانت معالم شقتهما عن كثب..


نادتهُ بإرتجاف، بصوتٍ لا يكادُ يُسمع:

- عمر!!


- صه، أصمتي.



انخلع قلبها، إنه يأبى أن يعود ليستقر، لا يلبث أن يتردى، يهوي إلى الأعماق، حيثُ لا تدري!!



بكت بصوتٍ متقطع، بصوتٍ مسموع علّها تنفس عما بداخلها أو ربما لتستعطفهُ منذُ الآن!!!


ولكن لا حياة لمن تنادي، أليس كذلك؟!


توقف الهدير وتوقفت السيارة وتوقف خافقها هو الآخر!!!


أمسكت بمقبض الباب لكأنها تسميت في منعه من أن يُفتح، لكن يدها أوهن من أن تمنع أو تحتج...


نظرت بعجز إلى الباب المفتوح وإلى ذاك الواقف أمامها بعينيه الداكنتين!!


وسارت دون أن تنتبه لخطواتها، بدا الطريق وعراً أو ربما خالياً من الوجود أو ربما كانت هي بلا قدمين!!


وما أن ولج إلى الداخل حتى تجمدت هي عند الباب لكنهُ قبض على يدها رغم صياحها.


صرخ وهو يدنو من وجهها وهي تحاول الابتعاد:


- من هذا، تكلمي؟!


- لا أحد، لا أعرفه، لا أعرفه. ردت بجنون.


وأجهشت بالبكاء لكنهُ لم يرحمها ولم يرحم دموعها، هزها بعنف لتنظر إليه من جديد:


- بكاءك لن يجدي نفعاً معي لذا أتركي ألاعيبك بعيداً عني وخاطبيني جيداً وإلا حطمتك..


- يدي.. يدي تؤلمني. صاحت بألم.


- لم تري شيئاً بعد يا غدير!!


توسلته بصوتٍ ضعيف من بين شهقاتها:


- لا أعرفه أقسمُ لك، لقد سقط منديلي وناولني إياه.


نظر إليها بإستهزاء وعلى فمه ابتسامة قاسية:


- يا للشهامة، ولم أنتِ دون بقية النساء؟!


- لم يكن هناك أحدٌ غيري. ردت بإندفاع.


- وبالطبع لم تشاءا أن تضيعا هذه الفرصة الثمينة أيتها ال.....


- كلا، أرجوك لا تقلها، أنا لستُ هكذا، لستُ هكذا.


وأخذت تنتحبُ بين يديه بحرقة وهي تردد بصوتٍ مبحوح.


أتاها صوته بارداً، بعيداً، بلون الرماد...


- تريدين أن أصدقك بعد الذي رأيتهُ بأمّ عيني!!


- قلتُ لك لم أفعل شيئاً، هو من أتى و...


وصرخ في وجهها فخانتها قدماها:


- ماذا؟! كنتِ تريدنني أن أتأخر أكثر، أن أنتظركما حتى تنهيان أحاديثكم الحقيرة!!


- قلتُ لك لا أعرفه، صدقني.


وارتمت تحت قدميه وهي تمرغ وجهها ودموعها في يده بلا توقف...


ومرّ زمنٌ طويل سادهُ أنينها المتقطع، كساهُ بثوبه، بلونهـ بترابه، بزمهريره!!!



حدجها من علو وهو يخاطبها ببرود:


- تريدين أن أصدقكِ؟


- أجل، أجل. رددت بإستعطاف.


- إذن وافقي..


- أوافق على ماذا؟! سألتهُ بلهفة.


- لا أخالك ساذجة لهذه الدرجة!!


ورمقها بنظرة ما فأخذت تطالعه بإستفهام وقد نسيت ألمها...


بقيت تنظر إليه هكذا لبرهة حسبتها دهراً دون أن تتغير تعابير وجهه...


و لكن سرعان ما أن تغيرت تعابير وجهها هي بإمتقاع...


ابتعدت عنه لا إرادياً بفزع وهي تتمسك بظهر الأريكة:


- كلا، أنا، أنا...


وطأطأت رأسها للأرض ودموعها تتساقط بغزارة دون أن تحر جواباً.


- لقد صدق ظني إذن!!

رفعت بصرها إليه بإرتياع وأناملها على شفتيها المرتعشتين تمنعاها من الصراخ.


"ماذا!!"


- تحافظين على نفسك من أجله أليس كذلك؟!!


- .........................


واسودّ وجهه فجأة وهو يقول:


- أقسم وأنا لا أقسم إلا لماما أن ما تتمنينه لن يحصل، هي مجرد أيام يا "غدير" أيام فقطٌ بيننا..



شعرت بالدوار ينتابها، كانت على الهاوية، على شفا حفرة من الجحيم...


استندت بجذعها على الأريكة لعل الرعدة تتوقف وتتوقف أنفاسها التي انتفضت...


وبعد جهد استنفرت حواسها وهي تضغط على مخارح ألفاظها بصعوبة:


- ط..طلقني، هذا أفضل لي و...لك أرجوك!!


وعادت لتبكي بتقطع...


عقد حاجبيه فبانت عيناه أكثر حدة، أشدّ قسوة:


- أتخالينني سأطلقك أو شيئاً من هذا القبيل يوماً ما؟!

- ...............................


ضرب كفاً بكف وهو يعلق بجفاء:


- أنتِ واهمة يا عزيزتي، فهذا من آخر المستحيلات.


- ....................


- يبدو أنكِ لا تعين ما أقولهُ أبداً، حبكِ له أفقدكِ صوابك وحكمتك، تعالي واقتربي هنا لأسمعك!!


ترنحت في وقفتها وهي تهز رأسها بضعف...


- أنتِ لا تسهلين الأمر على نفسك!!! لا تضطرني إلى فعل شئٍ لا أريده. صرخ بتهديد.


- ع...ع-مر، عمر. نادته بألم.


- لا تنطقي اسمي على لسانك مرةً أخرى، أنتِ تثيرين اشمئزازي.


- ع..مـــر. وأخذت تشهق وهي تغطي وجهها بكفيها وقد جثت على الأرض.


وأراد أن يخطو للأمام ليقول شيئاً لكنهُ عاد ونكص وخرج من البيت بأكمله!!!



وغاب القمر تلك الليلة......



=========



دخلت "ندى" إلى المكتب وهي تسب وتشتم وتمسح جبينها المتصفد عرقاً، وما أن رأتها "أشجان" حتى هرعت إليها وهي تصيح:


- لماذا فعلتِ ذلك يا "ندى"؟!


- أف، ماذا فعلت!! ردت بنفاذ صبر وهي تلقي بنفسها على الكرسي وتغمض عينيها بقوة.


- المدير قلب المكتب على رأسي بحثاً عنكِ وقد اتصلتُ بكِ عدة مرات لكن دون جدوى.


- أوه نسيت أن أشحن البطارية. وضربت على جبينها بخفة وهي تردف بسرعة:


- ألديكِ شاحن الآن؟!


- أنتِ في مصيبة وتسألين عن الشاحن؟! سألتها بإستنكار.


- مصيبة!! أعوذُ بالله، ما هذا الفأل السئ، أنا لا أحب التشاؤم في....


ولم تكمل عبارتها إذ سرعان ما حولت بصرها إلى تلك الأصابع التي تدق على سطح الطاولة من الخلف بغطرسة.


رمشت عينيها ببراءة وهي تقول:


- السلام عليكم يا أستاذ..


- .............


- أنا ألقيت السلام فلي 69 حسنة، وإذا رددت أنت تحصل على حسنة واحدة فقط، ألا تريد حسنات!!!


قاطعها وهو يزمجر في وجهها بغضب:


- كيف تركتها لوحدها في الطريق؟!

ازدردت ريقها وقد جفلت من نبرة صوته:

- من تقصد؟!


- أقصد "جميلة" فلا تتغابي..



"أنا غبية!!! ماذا عن اختبار "وكسلر" الذي طبقته على نفسي ونتج أني ذكية، من منهما الصادق؟! بالطبع الاختبار، إنهُ يريد أن يشكك في ذكائي ليس إلا هذا الغبي!!"



واستجمعت شجاعتها وهي ترد عليه بإندفاع وقد لوت فمها:


- لقد كذبت علي، قلتُ لها منذُ البداية ادفعي ديناراً واحداً ثمن البنزين ووافقت، وحين أتممنا العمل أخرجت لي 500 فلس، تصور!! قالت لي إن هذا ما تملكه فقط تلك الكاذبة البخيلة...


- أتتركينها في الشارع وفي عز الظهيرة من أجل 500 فلس؟!!


شهقت بصوتٍ عالٍ وهي تقول:


- وهل تعتبرها قليلة!! من أين لي ثمن البنزين كل يوم؟! أنت لا تعطيني راتباً رغم كل ما أبذله من جهد ومشقة في العمل حتى أنكسر ظهري، ووالدي فقير، نحنُ فقراء، لا نملك مالاً كثيراً كالذي في محفظتك!! تريدني أن أسرق؟!!


تطلع إليها بصدمة ثم ما لبث أن أخرج محفظته من جيب بنطاله وهي تراقبه:


- خذي هذه الـ 500 فلس المتبقية.


صاحت بإستنكار:


- 500 فلس!! أريد ديناراً كاملاً، تخالني أخذتُ منها شيئاً، لقد ألقيتُ حفنة النقود التي أعطتني إياها من النافذة!!


وبان على وجهه عدم التصديق فردت بمراوغة:

- أ..أ سأعطيها إياها بعد أن تعود، فمهما كان النقود نعمة من عند الله.


وتناولت منه الورقة الحمراء لتدسها في حقيبتها وهي تدافع عن نفسها بإيمان:


- لا تخالني مادية، أنا أكره النقود، إنها تحرق يدي!!


وابتسمت ابتسامةً عريضة...


نظر إليها من رأسها لأخمص قدميها وكأنهُ يقيم بعوضة فشعرت بالمهانة وابتلعت ابتسامتها.


- أين هي الآن؟!


ردت عليه والحقد يشعُ من عينيها:


- إنها بجانب محطة البنزين في منطقة "........" تشم رائحة البترول!!!


لم تبالي بنظرة الاستهجان التي اتسمت على وجهه وأردفت وعيناها تضيقان:


- ماذا أفعل لها؟! هي قالت لي أنها تحبُّ رائحته، أنت لا تعرفها مثلي، إنها من ذلك النوع المدمن على هذه الروائح، أحياناً أراها تجلب صمغاً وتشمّه وهي جالسة تحت الطاولة، أنا أخافُ منها، خذها مني نصيحة: أطردها وارتح منها.



- حقاً!!! لقد قالت لي كلاماً آخر، قالت أنكِ هددتها إن لم تدفع ستلقينها إما في "الصخير" حيثُ لا أحد هناك أو ستلقين بها في المحطة المليئة بالعمال الهنود.


- أنا خفتُ على الجمال الموجودة في "الصخير" أن تموت عندما تركبها تلك السمينة ثم هي كاذبة فلا تسمع لها بل صدقني أنا. ردت بإنفعال.


- أنتِ لا جدوى منكِ إطلاقاً في أي شئ، هيا قومي معي لنجلبها.


- من؟! أنا!!


- أجل أنتِ.


ضربت على صدرها وهي تصيح:


- تريدني أن أذهب معك في السيارة لوحدنا؟!! لو علم والدي سيذبحني لا محالة، و "عمر" و "وليد" سيسلخان جلدي وسأصبح مشوهة...


وأخذت تتخيل شكلها بعد الذبح والسلخ فصرخت بلا شعور:


- كلا، كلا مستحيل، ليس أنا، ليس أنا.


وانتبهت لنفسها وهي تصرخ، وأخذت تتلفت حول المكان فرأت "أشجان" وهي تغطي وجهها بالملف المهتز بين يديها..



تطلعت بإرتباك إلى المدير الذي كان يحدجها بنظرة شك وارتياب، فابتسمت له ببلاهة وهي تعلل بصوتٍ منخفض:


- كنتُ أقصد من هذا الكلام أنني من عائلة محافظة ليس إلا..


- بإمكانك أن تلحقيني بسيارتك.


- سيارتي نفذ منها البنزين، كم مرة قلتُ لك ذلك.


وأطبقت فمها وهي ترى وجهه يظلم فجأة فأطرقت للأرض بإستكانة...


- سأنتظرك بالأسفل. ردّ بحسم.


مطت شفتيها لفترة طويلة ثم زمته وهي تتابع طيفه الذي اختفى بسرعة..


تنهدت وهي تخاطب "أشجان":


- يا له من رجلٍ مريع!! الناس الآن باتت لا تبالي بالأخلاق!!


- وهل ستذهبين معه فعلاً؟!


- سأذهب، أتحسبينني أخافُ منه!! ردت بلا مبالاة.


ثم أخرجت مرآتها الصغيرة من حقيبتها وبعد أن استوثقت من منظرها زفرت وهمت بالإنصراف لكنها توقفت بعد بضع خطوات:

- أشجان..


- نعم!!


- لديكِ رقم هاتفي؟!


- أجل.


- وتعرفين الطريق إلى منزلنا؟!


- أجل أعرف.


- أنا أرتدي الآن سلسلة فضية بإسمي في حال قُطعت جثتي.


- لا حول ولا قوة إلا بالله.



ثم بدأ صوتها يتهدج:


- "أشجان" سلمي على أبي وأخوتي وقولي لهم أنني من حرقتُ القفص وهرّبتُ طيور الكناري!!!



وبكت الفتاتان وهما تتعانقان وقد اندمجتا في تلك اللحظة المأساوية.


وتركتها "ندى" بعد أن حملتها الأمانات الثقال!!! وحين نزلت وجدتهُ ينتظرها، فركبت في المقعد الخلفي.



أدار محرك سيارته مع أنغام "بحرين أف أم" فانتابها الذعر فصاحت:


- هيه أنت، أنا لا أسمع الأغاني الآن، لقد قاطعتها، من يسمعها لا يسمع ريح الجنة، لا أسمعها، لا أسمعهاااااااااااااااااا.


واستدار إلى الخلف وهو ينظر لها بإستنكار من هذا الزعيق المفاجئ..


وتمتم بشئٍ ما لم تسمعه وهو يوقف المسجل، فعادت لتستند على مقعدها وهي تتنهد بإرتياح، لكن السكون سرعان ما خيم حول المكان فاستفز حواسها، أخذت تتلفت في مكانها وهي تفتش عن جريدة، قصاصة ورق، أي شئ لكنها لم تجد أياً منهم، كانت السيارة نظيفة تماماً!!!



حنت بجذعها إلى الأمام وهي تصيح بالقرب من أذنيه:


- حر، حر،حرررررررر، أنا لا أستحمل الحر، شغل المكيف، الكريمات التي وضعتها على وجهي قد سالت.


وأوقف مكابح سيارته فجأة حتى كادا يصطدمان بالسيارة التي تسير أمامهم..


تراجعت إلى الوراء بسرعة وهي تسمع صوت سبابه وكلماتٍ لم تسمعها قط في حياتها من قبل...


أغلقت إحدى عينيها وهي تتلقى صراخه كالرشاش:


- أنتِ ماذا أيتها الحمقاء الغبية؟! لقد كدتُ أرتكبُ حادثاً بسببك، ألا تعرفين أن تتحدثي بهدوء!!


مدت فمها بإستياء وهي تتأفف بصوتٍ منخفض:

- ماذا كلامي لا يعجبكِ؟!

ردت بتذمر:


- بل يعجبني، كل شئ يعجبني، العمل يعجبني، سيارتك تعجبني، "جميلة" تعجبني، الطريق يعجبني، كل شئ!!!


وهزّ رأسه بإستنكار وهو ينظر إليها من مرآة سيارته...



فتحت حقيبتها وأخرجت لها "علكة" مضغتها بتأنٍ لعلها تهدأ، لكن العلكة تلكأت بين أسنانها وهي تتذكر حوادث اختطاف فتيات قرأتها في الجريدة عن أرباب العمل وبقي مصيرهن مجهولاً حتى اليوم...



اختلست النظر إليه من المرآة لتستوثق من منظره، أيبدو من هؤلاء؟!



وتخيلته بلحية كثة وشارب طويل ذكرها بمجرمي الأفلام الهندية التي تُدمن على مشاهدتها ليالي الخميس فارتاعت..



أخذت بلا شعور تدق زجاج النافذة بقوة بأصابعها وهي تصيح:


- افتح النافذة، لا يجوز، سيدخل لنا الشيطان.


وبهت الرجل في مكانه، واستدار لها دون أن يوقف محرك سيارته وقد بدا وجهه محتقناً...


رد بصوتٍ مصرور وقد طفح الكيل منه:


- أنا الآن من سيفتح النافذة ولكن لألقيكِ منها أيتها الشيطانة المجنونة!!


- أنت "شِيطان سنداباد" الذي أراد قتل "شاروخان".... لا... مستحيل...


وأخذت تصيح بإنفعال فأوقف سيارته في زاويةٍ ما وهو في حيرةٍ كبيرةٍ من أمره..


"عمن تتحدث هذه المجنونة!!"


- تريدين أن أوقف لكِ سيارة "أجرة" كي تطمئني ؟!


- كلا.


- تريدين أن تخرجي من السيارة؟


- كلا.


- تريدين أن أتصل بذويكِ؟!


- كلا.


- ماذا تريدين إذاً؟!


- سُق بسرعة كي نصل.


قالت ذلك وهي تمسح دموعها بطرف خمارها، فعاد ليقود والصدمة تعلو وجهه من تصرفاتها الغريبة، إنها ليست طبيعية البتة!!!


- هيه، أنت!! نادته بحدة.


وشعر بالخوف لأول مرة منذ أن ركبت معه.


- إذا وصلنا إلى هناك فلا أريدها أن تجلس بجانبي، دعها تجلس بجانبك أنت!!



وزمت فمها بتكبر وهي تعقد ذراعيها وتنظر للنافذة وكأن شيئاً لم يكن...


"غير معقول..غير معقول!!!!!" ردد في نفسه.



==========

 
 

 

عرض البوم صور حسين السريعي   رد مع اقتباس
قديم 17-03-07, 06:39 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
امير المسابقات


البيانات
التسجيل: May 2006
العضوية: 5144
المشاركات: 299
الجنس أنثى
معدل التقييم: حسين السريعي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 32

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
حسين السريعي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : شذى وردة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

تقلبت "شيماء" على فراشها وهي تضغط بوسادتها الأثيرية على رأسها علها تبعد طيف أسئلته المحرجة الذي ما فتأ يسألها عنها ظهر هذا اليوم....



ورغم ممانعتها إلا أنهُ ألح وأصر بحجة أن العلاج يقتضي ذلك!! كم كرهته تلك اللحظة وشعرت بالمقت ناحيته...


وحين سلمته ظرف الأشعة وفحوصات الأطباء السابقة تعمد أن يمسك يدها، أجل لم تكن بالصدفة، كان يقصدُ ذلك وعيناهُ الخبيثتان تشهدان بذلك....



كيف يجرؤ على ذلك، كيف؟!!!


لن أذهب إليه أبداً مرةً أخرى، أبداً، أنا لا يهمني الأطفال، لا يهمني إلا ناصر....



ولكن!!!!!



و دفنت رأسها في وسادتها بعد أن أرخت قبضتيها و بكت بصمت...



.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.



اشتعالات لم تهدأ بعد


و حنين بين حب و غدر


و جنون لم يعد له طاقهـ ..


متى تتساقط أقنعة الحقيقه؟


متى ترتوي روح ظامئه ؟


متى تشتعل تلك الشمعهـ ؟

=========


(14)


لاح هلالُ محرم كقاربٍ وحيد تائهٍ في لجة لا متناهية من الظلمات....


بدت السماء شاحبة، مائجة كمحيطٍ في عينيها السوداوين...


ابتعدت عن النافذة وهي تتنهد، وجلست على حافة السرير تنظر للباب بإستغراق...


أتجرؤ؟!!


و وقفت على قدميها بتصميم...

توجهت إلى غرفته و رفعت أناملها لتخدش بابه...

وقبل أن تطرقه انفتح على مصراعيه ولاح لها صاحب العينين الخضراوين..

تبخرت شجاعتها وهي تتراجع للوراء، أخفضت يدها وضمتها خلف ظهرها وهي تطرق للأرض.


قالت بسرعة وبصوتٍ هامس:


- أريد أن أزور خالي إن لم يكن لديك مانع.


وعادت لتتنهد وكأنها أزاحت حملاً ثقيلاً عن صدرها...


وانتظرت رده لكن لا جواب...


وأخيراً رفعت رأسها إليه بتوجس....


كان يجول ببصره حول ملابسها المكونة من قميص وبنطالٍ أسودا اللون ما خلا من ورود بيضاء صغيرة ناعمة زينت حاشيته...


خشيت أن يطلب منها أن تغير ملابسها كما حدث في ذلك اليوم، لكنها لن تقبل هذه المرة، هذا من معتقدات مذهبها بل من صميمها ولا يحق له أن يفرض رأيهُ عليها...


و رفعت نظرها إليه بتحدي لكن عيناه بدتا حينها خاويتان من أي تعبير، سأل بجمود:


- الآن؟!


- أ...لا، بل في الغد، كلهم يجتمعون يوم الجمعة.


وأوصد غرفته ولم يعلق وكأن في صمته الإجابة، فشعرت بالإحباط دون أن تدري السبب..


وسار عنها وهي تتابع خياله، فنادته بإنكسار :


- عمر!!


التفت إليها وهو يرفع حاجبيه بتساؤل:


- نعم؟!


ولم تدر ما تقول وحين أحست بطول صمتها أردفت:


- أريدُ أن أذهب هناك طيلة الأيام العشرة من محرم.


- لا مانع لدي حتى لو بقيتِ لديهم للأبد !!!


وصفق الباب خلفه...



===========

 
 

 

عرض البوم صور حسين السريعي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 02:22 PM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية