لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-05-09, 10:30 AM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



أدخلت المفتاح في قفل الباب ودخلت..
أشعر بالحنين إليك يا بيتي في اللاذقية، وببعض الندم لمجيئي إلى دمشق..
أردت أن أشغل نفسي فيها بالعمل نهاراً، وبالثقافة مساء.
فرحت بالحصول على العمل بسهولة، وأفرحني أيضاً قول السيد عبد القادر أن لدي مجال للإبداع في هذا العمل. بدأت العمل مع افتتاح المعرض وفعالياته، وكان العمل ممتعاً.. وفود وأجانب ومناقشات ثقافية ولقاءات صحفية..
وانتهى المعرض، وعدت لأقبع طوال اليوم في المكتب مع الأخبار والترجمة والحاسب.
أين هو هذا الإبداع، وأنا أعرف تماماً ما ينبغي علي عمله كل يوم؟!
مكتب أنيق هو مكتبي، لكن الروتين يعشش فيه، وأنا أكره الروتين.
وجدت نفسي في دمشق وحيدة وبائسة..
أذهب إلى المسرح وحدي، وإلى المعارض وحدي، وإلى حفلات السفارة وحدي..
ما فائدة الثقافة؟!
الأدب.. الفن.. الموسيقى.. أي شيء جميل في الحياة أن لم يشاركك فيه أحد؟!
هل أتناقش مع نفسي في موضوع ذاك الفيلم، أو لوحات ذاك المعرض؟!
عملي الروتيني أصابني بالملل، وأمسياتي الثقافية كئيبة.
كنت أفرح أحياناً بأوقات وحدة قصيرة عندما كانت ليلى لا تزال تذهب إلى المدرسة، ويكون بيتر مسافرا.. لكنني لم أتخيل قط أن تكون الوحدة قاسية إلى هذا الحد.
فرشاتي وألواني والقماشة المشدودة ما زالت في الزاوية تنتظر إنجاز اللوحة التي ما زالت في مكانها منذ أسابيع. لقد أصبحت أفتقد اللاذقية.. أفتقد البحر والحديقة وعصافيرها.
أفتقد الكتابة، والموسيقى الكلاسيكية تصدح في أرجاء البيت.
عندما دعونا بيير، مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية، لزيارتنا فرح كثيراً..
كان يريد الهروب من المدينة الكبيرة وضوضائها..
مكث عندنا أسبوعاً، وكنا ننوي أن نأخذه في جولات، لكنه كان يسترخي طوال اليوم في مقعده في الحديقة.. لقد جال في أنحاء سورية، وتعرّف على كل معالمها الطبيعية والأثرية، وكان يعجب من أناس يسألهم عن هذا الموقع أو ذاك فينكرون معرفتهم به رغم أنهم من أهل البلد، ويكتشف أنه يعرف عن بلدهم أكثر مما يعرفوه!!
قال لي مرة:
إن بيتك يا كارمن يصيبني بالخدر.. الحديقة الخضراء، والبحيرة، والعصافير، والأثاث.. أنا استرخي سعيداً قانعاً في هذه الجنة الصغيرة، ولا رغبة لي بنزهات خارجية..
ضحك بيتر وضحكت، وأنا أقول له:
-أهلا وسهلاً بك.. استرخ كما يحلو لك، فالبيت بيتك.
بعد عودته إلى دمشق، اتصل بنا مرة يستأذن في أن يزورنا ثانية، ويعتذر عن "وقاحته".. إن كان في السؤال وقاحة..
رحبنا به طبعاً، واستضفناه لعدة أيام أخرى قبيل سفره إلى تايلندة.
****
كانت القرية تستهويني مذ كنت صغيرة..
أجمل الأيام بالنسبة لي كانت تلك التي قضيناها في أريحا، من نواحي ادلب..
كانت أريحا في ذاك الوقت قرية صغيرة..
وكان الكرز البري الأحمر الداكن الذي يسمونه "الوشنا" ينمو برياً على سفوحها..
كان أبي الأستاذ موفد إليها لعامين دراسيين متتاليين..
وفيها دخلت المدرسة الابتدائية لأدرس الصف الأول والثاني..
كنا نقضي الشتاء فيها، ونعود في الصيف إلى دمشق، حيث جدتي..
شتاء أريحا قارس البرودة، لأنها تستلقي في أحضان جبل الأربعين.
أذكر كيف استيقظت يوماً على صوت أمي تنادينا لنرى ما فعله الصقيع بالحديقة.
كانت الورود الحمراء متفتحة داخل كرات بللورية أبدعها الصقيع.
كان أهل أريحا طيبون جداً وكرماء.. ككل أهل القرى في بلادنا.
وكان الأستاذ في تلك الأيام يحظى باحترام كبير وتقدير..
كانوا ينادوننا بأولاد الأستاذ، ويتنافسون على ارضائنا بحلوى الجبن ومربى الكرز والمكسرات، وبالنزهات نقطف فيها –نحن الأولاد- الكرز لنلوّن أظافرنا بعصير حباته كطلاء مستخدمين بذلك أعواده.. أو نشوي سنابل الحنطة الغضّة ونتلذذ بقضمها كالفئران، وقد تلّطخت شفاهنا بالسواد!
كانت زياراتنا لبيت عمي الذي يقع على تخوم المدينة من أجمل أيام الطفولة أيضاً..
كانت الحقول الخضراء تمتد أمامي وتغريني بمغامرات كانت تبدو لي "عظيمة"!
كنت أستمتع بمطاردة السحليات.. أتأملها تقف على الجدران في أشعة الشمس بلا حراك، فأنقض عليها محاولة الإمساك بها، لكنها كانت تفلت مني بسهولة إلا نادراً..
كنت أطلق عندئذ صيحة الظفر، وأنا أتلذذ بحركتها تدغدغ كفي، وهي تحاول الإفلات..
ولكن مهارتي كانت أفضل في اصطياد الضفادع.. أطاردها بين الأعشاب الطويلة حتى أحظى بواحدة منها، لأطبق عليها أصابعي برفق، ثم أتركها تخرج رأسها وذراعيها من خلال أصابعي.. أتأملها بفرح قبل أن أطلق سراحها.
لم أحاول قط إيذاء أو قتل تلك المخلوقات الضعيفة، وعندما تسببت مرة بموت ضفدعة صغيرة دون قصد، بقيت أياماً أبكيها!
كنت قد ظفرت توا في الحقل القريب من منزل عمي بضفدعة صغيرة خضراء فاقعة اللون.. تماماً، كتلك المرسومة في حكاية الأمير المسحور الذي جعلته إحدى الساحرات ضفدعاً، ولم يبطل مفعول سحرها إلا بتلك القبلة!
لقد سحرتني تلك الحكاية، وكنت أنوي تهريب الضفدعة وجلبها إلى حديقة منزلنا لتسرح هناك وتمرح دون علم أمي التي تكره الحشرات والحيوانات.
فكرت أن أخفيها في علبة كبريت فارغة.. لكن صوت أمي وهي تتقدم نحوي باغتني:
-ماذا تفعلين هناك يا كارمن؟
-لا شيء!
قلت لها، وأنا أخفي بسرعة يدي المطبقة على الضفدعة خلف ظهري.
-إيّاك أن تأتي بضفدعة إلى البيت.
-لن أفعل يا أمي.
عادت أمي أدراجها إلى بيت عمي، وفتحت يدي بسرعة لأطمئن على الضفدعة.. كانت مختنقة.
لقد باغتني حضور أمي، فضغطت يدي على الضفدعة دون قصد مني وقتلتها.
قال لي أبي يوماً، وهو يضحك: "أتمنى يا كارمن أن تتزوجي فلاحاً حتى تستمتعي حقاً بحياة القرية"
لم أدر وقتها إن كان يسخر مني، لكن أمنيته تحققت، ولم أقطن إلا في القرية بعد زواجي رغم أنني لم أتزوج فلاحاً!
كان بيتر أيضاً لا يحبذ السكن في المدينة..
والريف في أوروبا جميل، ولا تنقصه الخدمات العامة ووسائل الراحة، كما أنه متصل بالمدينة بالطرق السريعة والسكك الحديدية التي تعمل منذ الصباح الباكر، وحتى ساعة متأخرة من الليل.
ولذا لم نقطن إلا في القرية.
كان جمع الأعشاب الطبية هو إحدى هواياتي.
أحفظ أسماءها العربية والأجنبية.. أجمعها وأجففها وأخلطها، ثم أضعها في أوعية زجاجية جميلة أهدي بعضها للأصدقاء المقربين.
أشتري زيوتها الطيّارة، وأطبخها مع سكر الفاكهة لأصنع منها سكاكر ضد نزلات البرد في الشتاء.
وكانت ليلى مساعدتي الصغيرة.
تخرج معي إلى البرية، وقد أجلستها على مقعدها الصغير على الدراجة خلفي..
تركض وسلتها في يدها لتجمع فيها أزهار البابونج، وكثيراً ما كانت تخطئ فتجمع معها أزهارا أخرى تشبهها، لكنها كانت تفضّل جمع التوت البري تضع منه في فمها الصغير أكثر مما تضعه في السلة!.
****
بيتي في دمشق قريب في موقعه من وسط المدينة، في حي يعتبر من أقدم، وبالتالي من أعرق أحيائها المأهولة.. حي تقطنه الطبقة الوسطى.. طبقة المثقفين، والعمود الفقري للبلد.. أي بلد.
لكن الطبقة الوسطى بدأت تتقلص في بلادي بشكل مثير للقلق تتبدى مظاهره بوضوح في الشوارع.
يتسع نطاق طبقة الفقراء من متسولين، وجامعي قمامة، وبائعي علكة، وأصحاب "بسطات" تحتل من الأرصفة معظم المساحة.
ونرى أبناء تلك الطبقة التي برزت واغتنت فجأة بوسائلها "الفنية" الخاصة تعبر الشوارع بسرعة بسيارات "الشبح" وتغدق النقود بسخاء في فنادق الخمسة نجوم وما فوق!
تشاء الصدفة أن يكون البيت الذي اشتريته يقع في نفس الحي الذي فيه (أو كانت فيه) تقطن أسرة هيثم الحبيب الأول..
جارنا الذي جاء ليقطن لوحده في حارتنا أيام كنت طالبة في الثانوية، وكان يرميني بزهرات الفل!
بين بيت أهله وبيتي يفصل شارع مواز.. أتساءل إن كانوا ما زالوا يقطنون فيه.. أبوه الطبيب، وأمه، وربما أخوته..
أتساءل ماذا فعلت به الأيام بعد أن تزوج، وبعد أن انتقل من السكن في حارتنا.. وهل سأتعرف عليه إن لمحته بالصدفة في الشارع؟!

عندما جاءت أمي تزورني وتبارك لي في البيت.. قالت:
-ما أغرب الصدف يا ابنتي.. ها أنت تقطنين بالقرب من منزل أهل هيثم، وبالقرب من منزل خال أبيك ياسين.
-الخال ياسين؟!.. حقاً، إن منزله يقع في هذا الحي.. أذكر بيته القديم الجميل، ولكنني لا أذكر بالتحديد موقعه..
-ستستغربي كم هو قريب!
عندما غادرت أمي خرجت إلى الشارع أبحث عن منزل الخال. كان يفصل بينه وبين بيتي بيت واحد فقط!
اتصل بي حسام يتساءل عن انقطاع أخباري، فاتخذت من انشغالي ببعض الأمور عذراً لأتهرب منه، ثم فوجئت به يطلب أن يزورني في بيتي ليشرب فنجان قهوة ويبارك لي بالبيت!
عندما رفعت السماعة وسمعت صوته انتابني شعور مقيت..
أفهمته بصريح العبارة أني لا أرحب بزيارته وأنا وحدي في البيت، فقال:
-لقد تغيرت يا ست كارمن.. لقد ظننت..
وقاطعته:
-ماذا ظننت؟!.. أنا لم أفسح لك المجال أبداً لسوء الفهم.
لقد كنت أبادلك الحديث بحكم علاقتك بزوجي، وأراك كل يوم تقريباً بحكم الجيرة، ونحن لم نعد جيراناً، فهل كنت حقاً تظن أني سآتي لأزورك كل يوم؟!
فلا تذهب بأفكارك بعيداً لأني وحيدة..
ما أغرب أمر الرجال عندنا!
-أنا لست انتهازياً.. أرجو أن لا تسيئي فهمي!
ثم أردف يناقض نفسه:
-سأنتظرك.. ربما..
قاطعته بحدة.. ولم أدر كيف خرجت الكلمات من حلقي:
-ربما ماذا؟!.. ماذا تنتظر؟!
.. ثمة رجل واحد أنتظره فقط.. فإن لم يأت، فأنا لست بحاجة لرجل آخر!
استغربت كيف تفوهت أمامه بهذه الكلمات..
فأنا.. من أنتظر.؟!
لماذا أحببتك أنت بالذات؟
إن كان قدري أن أحب.. فلماذا لم يختر لي كيوبيد واحداً من أولئك الذي يحومون حولي، رغم أني لست جميلة؟!
ترى.. هل يلازمك ذاك الشعور المقيت الذي لازمني وأنا أسمع صوته، عندما ترفع السماعة وتسمع صوتي؟! خفت أن يكون شعورك تجاهي مشابهاً لشعوري تجاهه..
كيف أتصل بك إذن، أو أزورك بعد اليوم؟!
اتصل بي بيتر يخبرني أنه لن يأتي قبل حزيران.. أما ليلى، فمن المحتمل أن يرسلها لوحدها في إجازة لأسابيع. أخبرته عن حسام، ورغبته في زيارتي، فقال لي: "إن زوجته سيئة"!
كان هذا كل ما قاله!
****
جلست في الشرفة، وقد استدرت للشمس أملاً أن تدفأ ظهري..
أفكر فيك في وحدتي، وأتمنى لو تنتزعني منها، ولو بمجرد رنّة هاتف تقول فيها: كيف الحال؟
اليوم الجمعة، وأنا وحدي في دمشق.
هذه أول مرة أتغيب فيها ثلاثة أسابيع عن منزلي في اللاذقية.
متعبة ولا أرغب بالسفر.
وأنت .. هناك.
ماذا تفعل يا ترى؟!
****
أتيت إليك في عيد العشاق، وما أنت بعاشق..
لا أريد أن يكون للعشاق عيدا، فأيامي كلها أعياد إن أحببتني..
لا أريد أن يكون للهدايا مواعيد، فأنا أهديك كل يوم شوقاً جديداً.
هداياي تأتيك من القلب، ولذا أهديتك كلمات وموسيقى وخزفاً مغربياً وبنفسجاً ووردة وقرنفلة.. وقبل ذلك كله أهديتك قلباً.
لن أهديك في العيد شيئاً، ولكن للطفل الذي في داخلك.. لعبة!
أو لم تقل لي يوماً أنك ما زلت تحمل في داخلك طفلاً، وأنك ما زلت تحب الألعاب وتشتريها؟!
فكيف تلومني في يوم آخر على تصرفاتي الطفولية أيها الطفل المغرور المدلّل؟!
بقايا من طفولتنا ما زالت تعيش فينا.. ففي نفسينا بعض من عفويتها، وفي قلبينا طيبتها..
الأرنبة الصغيرة البيضاء ستذكرك بي، ليس لأن اسمي مكتوب عليها، ولكن لأنني لا أحفل بالهدايا تأتي من الجيب. ولأني –ربما- ما زلت أنتظر منك هدية تأتي من القلب.. كهداياي.
دخلت إليك أحمل في يدي المجلة وقصاصة الجريدة.. لقد نشروا الخاطرتين في آن واحد..
اليوم.. في "الفالنتاين" في عيد العشاق.
كنت لوحدك في العيادة تجلس أمام طاولة صغيرة مفروشة بالكتب والدفاتر والأوراق.
لم يمنعك دخولي من التوقف لدقائق عن النظر في مراجعك اللعينة، وتدوين ملاحظاتك بالقلم الأحمر.
سألتني وأنت ما زلت تكتب:
-كيف حالك يا كارمن؟
-لا بأس.
-وكيف حال بيتر؟!
-لا بأس أيضاً
(لماذا تتعمد سؤالي عنه؟.. ألتذكرني أني زوجته وتوقظ فيّ تأنيب الضمير؟!.. كيف يؤنبني ضميري، وهو لا يبالي إن أحببتك ولا إن تحرش بي حسام أو غيره؟!)
وضعت المجلة وقصاصة الجريدة على المكتب:
-اقرأها هذه المرة، ولا تضيّعها!
ثم ناولتك اللعبة.. أمسكت بها تتأملها وتقول:
لطيفة.. Sympathetic
نهضت أود الانصراف:
-أنت مشغول جدا.. لا أريد ازعاجك.
-أنا فعلاً مشغول جداً.. علي أن أنهي هذا الكتاب.. See you later
تعالي بعد عشرة أيام!
حاولت أن أبدو مرحة وأنا أقول لك: See you later alligator
****
لبست البيجامة وتربعت على الأريكة أدخن، وأفكر:
"تعالي بعد عشرة أيام"..
لكن فرحتي بلقائك تقتلها دائماً الخيبة..
لا أريد أن يكون الحوار مقطوعاً بيننا إلا من عبارات المجاملة.
عشرة أيام؟
فلتكن خمسة عشر يوماً.. بل سنة كاملة.
عندما قلت لي أنك حر، وأنك مجنون..
أردت أن أجاريك في جنونك، وفي عنادك..
أبرهن لك أني عنيدة أكثر..
وأتحول كرمى لك من نمرة شرسة إلى قطة وديعة!
أردت أن أكون قطرة ماء تتساقط برفق، ولكن باستمرار على الصخر حتى تترك فيه أثراً.
ولكن؟!
كم من الوقت تحتاجه القطرة؟
ربما تجف القطرة، وربما ينتهي الوقت!
الوقت!!

أراك بعد سنة، لتلمح في وجهي تجعيدة جديدة، وألمح في وجهك مثلها!
سينتظر حسام دون جدوى رغم أني لم أغويه، وسأنتظر أنا دون جدوى رغم أنك أغويتني..
أغويتني، وعندما وقعت في حبك لم تعد تعرف كيف تتخلص مني، ولم أعد أعرف كيف أتخلص منك!
****
حقاً.. لم أعد أعرف كيف سأتخلص منك..
جلست أتابع أخبار الساعة السادسة، فشاهدتك فجأة على الشاشة..
كانت لقطة صغيرة للحظات، ولكن رؤيتك أسعدتني..
كنت تهز رأسك منسجماً مع حديث الطبيب الفرنسي الزائر، وأنا أهز رأسي عجباً من حالتي المجنونة معك!
تذكرت كيف اتصلت بي يوماً، وقد عدت من بيروت لتطلب مني أن أشاهدك على التلفاز..
لم أستطع يومها أن أخفي فرحتي حتى عن بيتر
أنا لا أستطيع أن أخفي انفعالاتي أبداً..
انفعالاتي تفضحني، ومشاعر الفرح أو الحزن أو الغضب تبدو دائماً مقروءة في عينيّ، ولذا لم يصعب عليك يوماً أن تقرأ الحزن في عينيّ.
انفعالاتي تفضحني أيضاً، لأني أكره التملّق والكذب، ولا أجيدهما..
لا أجيد الكذب، ولو كان مجرد كذبة صغيرة بيضاء.. كتلك الكذبة عندما أرادت مايا أن تعرفني على صديقها.
****

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 22-05-09, 09:29 AM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



الربيع الثالث
من حديقتي فاح العبير








اتصل بي بيتر ليطمئن على أحوالي..
أنا كالعادة.. وحيدة وتعسِة..
وهو ما زال كالعادة.. ما زال يعمل مؤقتاً في "شركة العائلة"، وأخوته يريدون التخلص منه بأسرع وقت.
حدّثني مطوّلاً عنهم.. أفرغ شحنته من الكرب فيّ.
حدّثني ثانية عن والديه.. جعل عينيّ تفيض مرة أخرى بالدمع:
-أتعلمين؟!.. أمنيتهم أن نفترق.. أن أبقى هنا، وتبقين هناك..
-يا لـه من حقد أعمى.. ما الذي يجعلهم يكرهونني هكذا؟!.. هل كانت حياتك ستكون أسعد لو أنك تزوجت غيري؟
-إنهم مصابون بعقد نفسية.. وإن حدث وافترقنا، فستكون لنا أسباباً أخرى.
-أعتقد أن علينا أن نفترق يا بيتر.. ها أنت تذكرني ثانية بذلك.
-ماذا تقولين؟!
صدمه قولي، وكأننا لم نتناقش يوماً في هذا الموضوع.
-أعتقد أننا نجلب التعاسة لبعضنا البعض.. انظر لحالنا، ولحال ليلى.
-يا كارمن.. إن ليلى مريضة، ولا دخل لنا بمرضها.. إنه القدر.
-.. ولكن، ربما كان من الخطأ أننا تزوجنا منذ البداية.. ربما ما كان ينبغي لنا أن نفعل ذلك أبداً.
دعنا من هذا الموضوع الآن.. المهم ما تفعله حالياً هناك.. أريدك أن تقف أخيراً على الأرض بقدمين ثابتتين.. أن تجد أخيراً عملاً مجدياً تقوم به.
وأخبرني بيتر عن كل تلك المجالات التي من الممكن أن تفتح أمامه أبوابها: مكتب سياحي مع خاله لتنظيم رحلات إلى سورية.. شركة كومبيوتر.. شركة استيراد وتصدير..
مجالات.. لكنها ما زالت حبراً على ورق.
اتفقت معه أن يحجز لليلى بطاقة سفر يكون موعدها أوائل الشهر القادم.. شهر نيسان.
وأخبرني أن علاجها بالمركز سينتهي في أوائل الخريف، وأن علي أن أبدأ البحث عن طبيب مختص يعنى بها بعد عودتها، ومشرفة اجتماعية متخصصة، لأن ليلى مرهفة الحساسية، وأحتاج إلى مساعدة للتعامل معها!!
****
جلست أفكر بكلام بيتر:
".. إن ليلى مريضة، ولا دخل لنا بمرضها.. إنه "القدر"
أيها القدر.. كم أصبحت أؤمن بك!
كنت أظن أنه بإمكاننا أن نصنع بإرادتنا الكثير، لكنني أدركت فيما بعد أن الإرادة عاجزة أمام القدر، لأن صلاحيتها لا تتعدى تفاصيل الحياة اليومية.
أما الخطوط العريضة.. مفترقات الطرق في حياتنا.. فتصنعها الأقدار.
كان أبي قد ساهم دون أن يدري، في صنع قدري عندما أسماني كارمن إعجاباً منه برائعة جورج بيزيه وتزوجت بيتر لأن القدر أراد ذلك..
في رحلة جامعية مددت يدي مثل الباقين إلى العرّافة لتقرأ كفي..
ضحكت عندما أخبرتني أنني سأسافر وأتزوج أجنبياً وأعيش في الغربة، ولم آخذ كلامها على محمل الجد، ولكنها صدقت ولو أنها كاذبة!
عندما وافقت على الزواج من بيتر، وعدت من بلاده، كانت رسالة من هيثم بانتظاري..
لم أفتح صندوق البريد على غير عادتي، ولم ألتق به.
لو أنني فعلت وقتئذ لما تزوجت بيتر أبداً.
لقد بقي هيثم ينتظر دون جدوى، وبقيت الرسالة تنتظر أن أقرأها، وعندما قرأتها كان الأوان قد فات، وكان هيثم قد ذهب إلى غير رجعة..
كانت تلك الحادثة أشبه بالقصص الخرافية لم أصدقها تماماً عندما رواها لي بيتر، ولكنني صدقتها عندما روتها لي أمه وصادق أبوه على صحة كلامها في "جلسة صفاء" مصطنعة معهم، وأنا لا أزال "عروساً".
كان والده يدخن سجائر تحمل اسم كارمن، وعندما جاء مارية الطلق، وكانت حاملاً ببيتر، كان أبوه يشاهد أوبرا كارمن على الشاشة، ويرجوها أن تنتظر قليلاً ريثما ينتهي العرض!!
(لقد ذهبت إلى كشك بيع السجائر ووجدت حقا سجائر تحمل اسمي، فاشتريت علبة ما زلت احتفظ بها للذكرى.. خاصة وأن تلك العلامة التجارية اختفت فيما بعد من السوق).

عندما عدت إلى الوطن، كانت أول نبتة أزرعها في الحديقة شجيرة ياسمين من أجل ليلى.. كانت تصاب بمرض غريب كلما بدأت نجومها البيضاء تتفتح أوائل الصيف، فأقضي باقي السنة وأنا أداويها دون جدوى.. وقفت مرة أتأملها وأتساءل إن كان قدرها مرتبطاً حقاٌ بقدر ابنتي؟!
احتجت إلى عملية، فدلّوني عليك لأحبك، ومرضت ليلى، فكان لمرضها علاقة باختصاصك!
****
ذهبت أزور روزماري، زوجة هانس نائب السفير.
لقد دعتني لتناول طعام الغداء، وهانس في السفارة لا يأتي عادة إلى البيت من أجل الغداء..
كان أطفالها الثلاثة الوديعين جداً يجذبونني من يدي ويعرضون علي ألعابهم، ويأخذون الحلوى التي جلبتها لهم ليضعوها على المائدة منتظرين تناول طعام الغداء أولا، لأنهم أولاد مطيعين.
أخبرتها عن ليلى، واستشرتها من أجل المشرفة الاجتماعية، فأعطتني رقم هاتف طبيب عائلتها لأستفسر منه. ثم تذكرت فجأة البطاقة فنهضت كي تجلبها لي..
كانت البطاقة بطاقتين.. دعوتين لي لحضور حفل استقبال المستشار الذي تقيمه السفارة في نفس الفندق الضخم الذي تعمل فيه مايا، ودعوة لحفل العشاء الذي يليه.
قالت لي روزماري، وهي تبتسم بود: "يسرنا أن ندعوك كصديقة وكمواطنة وكصحفية".
خرجت من البيت كاملة الأناقة.
كان الجو ماطراً، والريح الباردة تلسع وجهي.
أسرعت أفتح المظلة، وأنا واقفة على حافة الرصيف أنتظر سيارة أجرة لتقلني إلى الفندق.
دخلت مسرعة إلى مكتب مايا، فما زال لدي متسع من الوقت.
ألقيت عليها التحية، وجلست على الكرسي المجاور أمشط شعري الذي عبثت به الريح.
سألتني مازحة:
-كيف هي أخبارك العاطفية؟
-زفت والحمد لله!
-لا تقولي زفت.. بل أسوأ.. أحوالنا كلها".."!
كان المكان مزدحماً بالمدعوين، والوجوه التي لا أعرفها أكثر بكثير من التي أعرفها.
كانت عيناي تختلسان بين فينة وأخرى النظر إلى الباب ترقب كل رأس أشيب يدخل منه!
أفكر فيك؟.. أجل!
أتخيل معجزة صغيرة تحدث في خيالي فقط.
جاء هانس ليوقظني من أحلام اليقظة: "حضرة المستشار يريد التعرف إليك"..
بعد تبادل عبارات المجاملة وقف المستشار بقامته المديدة يلقي كلمته الدبلوماسية المنمقّة.
كان خفيف الظل لا يفوته سرد النكات، والمدعوون يضحكون ويصفقون.
انتهى حفل الاستقبال وانصرف معظم الناس، بينما اتجه الباقون إلى المطعم، حيث العشاء.
كان مكاني محجوزاً على المائدة العاشرة "مدام مايور".
جلست أتبادل ابتسامات المجاملة مع المحامي السوري الشاب الجالس قبالتي، والصحفي الأجنبي إلى يمينه، والمراسل الصحفي الأجنبي إلى يساري، وقد اصطّفت أطباق المقبلات والكؤوس على المائدة الممتدة بيننا.
كرهت مرة أخرى حضوري وحدي، واجتاحتني رغبة بالفرار.
فررت بعينيّ عبر النافذة إلى الفضاء الواسع خارج النافذة.. إلى العتمة التي تلف هذه المدينة القديمة قدم التاريخ.
عانق ناظري الضوء الأخضر المنبعث من مآذن الجامع الأموي ثم ارتد تلقائياً إلى الداخل.
أخبرني حدسي أن ثمة من يراقبني:
كان المحامي الشاب يتأملني، وقد لاح على شفتيه طيف ابتسامة!
كان لطيفاً ومثقفاً يتحدث الانكليزية والفرنسية والألمانية، وسرعان ما انسجمنا نحن الأربعة بحديث شيّق أزال الحديث بعضاً من كآبتي، وأنساني إلى حين همومي، وتأخر الوقت دون أن نشعر به..
عرض علي المحامي أن يوصلني بسيارته، فقبلت عرضه شاكرة، وودعته عند مدخل البناية.

****
كيف بالإمكان أن أنتظر سنة كاملة؟
كيف أحتمل مضي سنة كاملة لا أراك فيها؟!
هراء..
سأراك قريباً، وأستشيرك من أجل ليلى.
لا أريد استشارة طبيب روزماري وهانس.
كان صوتك يتناهى إلى مسمعي، وأنا أصعد الدرج ببطء كي لا يخفق قلبي بشدة.
الباب نصف مفتوح.. دفعته بحذر، والتفتّ يساراً إلى حيث تقف أنت في غرفة الانتظار، وسماعة الهاتف في يدك.
ابتسمت بتردد، وأنا أقترب منك.. أصافحك وأجلس.
كنت لا تزال تتكلم على الهاتف، وأومأت لي بيدك لأدخل المكتب.
في غرفة المكتب كان البرد..
دخلت وأنت ما زلت ترتدي سترتك الجلدية:
-لم يأت حمزة اليوم ويشعل المدفأة.
طلبت مني قداحة وأوقدت ناراً في المدفأة، ثم رفعت من جديد سماعة الهاتف:
-هؤلاء.."الـ..." في المستشفى.. يتحاملون دائماً على الفقراء.. ليتهم يفعلون ذلك مع أحد أبناء المسؤولين أو الأغنياء.
وجاءك الصوت على الطرف الآخر، وتدفق السباب من فمك تنذر وتتوعد وتطلب فوراً من أولئك "الـ.." أن يسمحوا لأهل ذاك الشاب البدوي الفقير بالدخول لزيارة ابنهم.
جلست بقربي تحدثني وتبتسم..
أحدثك وأبتسم..
نتحدث في مواضيع شتى:
-كيف أحوالك يا كارمن؟
-دعك من أحوالي الآن.
-أتريدين شايا؟
-بكل سرور.. إن كان وجودي لا يزعجك.
-لا يزعجني البتة، ولكن إن كنت تريدين شاياً...
-فعلي إعداده بنفسي..
ابتسمت وأنت تهز رأسك إيجاباً.
-لا مانع.. على الأقل أعده كما أحبه، وليس سكراً وماء أصفر ساخناً على طريقة حمزة.. لكن الشاي لا يناسبك. هل أحضر لك فنجاناً من الزهورات.؟
-نعم شكراً.. يمكنك غلي الماء، وسأحضر الزهورات بعد ذلك.
خلعت السترة ووضعتها على الكرسي:
-دخول المطبخ لا يصلح وأنا أرتدي السترة!
دخلت المطبخ..
أبحث عن الإبريق.. الفنجان.. الكأس.. المصفاة.. السكر.. أين السكر؟
لم يبق منه إلا القليل.. وضعته في السكّرية، ولبثت أنتظر الماء حتى يغلي..
تذكرت ذاك اليوم البعيد عندما ذهبت إلى المطبخ لتعد لي القهوة، وتبعتك لأضع ذراعي حول خصرك، وأسند رأسي إلى ظهرك، وأنا أقول لك: أحبك!
استفقت من شرودي على وقع خطوات ظننت للوهلة الأولى أنها خطواتك.. وأنك تتبعني إلى المطبخ لتضع ذراعك حول خصري وتشدني إليك، وتقول لي: أحبك!
لكن الخطوات توقفت، فقد جلس صاحبها ينتظر في غرفة الانتظار.
خرجت من المطبخ وبيدي ظرف الزهورات الذي وجدت علبته على الرف، وقرعت الباب:
-ثمة شخص ينتظر.. هل هذا هو الظرف المطلوب؟
-نعم، شكراً..
ودخل الرجل وعدت إلى المطبخ، ثم إلى المكتب أحمل فنجان الزهورات وكأس الشاي.
مددت الصينية بكأس الشاي أقدمها للرجل.. قريبك:
-تفضل .
-شكراً.
قال وهو يرمقني، وقد ارتسم في عينيه أكثر من تساؤل.. لاحظت أنت ذلك، فبادرته قائلاً:
-إنها ليست سكرتيرة.. إنها أميرة تفضلت بإعداد شيئاً نشربه
-شكراً.. شكراً جزيلاً لك.. نحن فلاحون وبسيطون!
نظرت إليه أعجب من ارتباكه:
-أهلاً بك.. ولو!!
-أين شايك؟!
سألتني مستغرباً، فأجبتك أني سأجلبه من المطبخ.. لم يكن ثمة شاي أجلبه، فقد أعددت فقط فنجاناً واحداً، وكأساً واحدة!
جلست صامتة أقلّب المجلات الموضوعة أمامي، وقريبك يتحدث ويتحدث، وأنت تومئ برأسك وتجيب باقتضاب.. تنظر في كرّاسات طلابك التي أمامك.. تقلّب صفحاتها لتقرأها وتكتب ملاحظاتك عليها.
وعدت تسألني:
-أين شايك؟!
ابتسمت وأنا أضغط بأسناني على شفتي وأجيبك:
-.. لقد شربته في المطبخ!
فهمت إشارتي وضحكت، وأنت تقول:
-حقاً.. كل شيء في الدنيا قسمة ونصيب.
كان قريبك ينقل ناظريه بيننا بفضول أكثر، ثم يسأل:
-لم تعرّفنا بالأميرة!
-السيدة كارمن مارديني.. صحفية، ومثقفة.. السيد ".." مخرج سينمائي، ومثقف!
لم يعلق اسمه بذاكرتي، خاصة وأني لم أسمع به من قبل.
كنت عنه ساهمة أتساءل عن اللحظة التي سينصرف فيها!
حانت أخيراً تلك اللحظة، وخرجت معه تودعه عند الباب، وما إن خرج حتى زعق الهاتف، وبقيت أنت في غرفة الانتظار لترد عليه..
بحثت بناظري عن اللعبة.. هديتي لك في عيد الحب، فوجدتها مستلقية على طاولة المكتب..
****
أجلست الأرنبة، وأنا أتساءل عن المجلة..
ها هي على المنضدة الصغيرة، وقصاصة الجريدة في داخلها..
-هل قرأت المجلة؟
بادرتك بالسؤال، وأنت تدخل.
-ليس بعد!!
-إنها مجرد صفحة لن تأخذ من وقتك كثيراً.. كتبتها عنك!
-....
(كان صمتك هو الدليل أنك قرأتها!)
عدت تجلس بجانبي.. قلت لك:
شكراً على الشاي الذي لم أشربه!
-لقد أزعجني ذلك حقاً.. إن هذا الرجل ثقيل الدم!
ما زلت ترتدي السترة..
دسست يديك في جيبك..
وددت لو أسحب يديك لأدفئها بيدي الباردتين، أو أدفئ يديّ بهما!.. لكنني لم أجرؤ.
-أما زلت تشعر بالبرد؟
-نعم.. وبالتعب أيضاً.. لقد عدت اليوم من اللاذقية، وليس البارحة.
وقفت أريد الانصراف:
-سأزور أم ياسر لأطمئن على ساقها المكسورة.
-دعك من تلك الزيارات!
-ليست لدي حقاً الرغبة بذلك، ولكن ريما أحرجتني عندما اتصلت تستفسر عن انقطاع أخباري، وتخبرني عن أمها.
-إلى اللقاء إذن.. Bon nuit
-إلى اللقاء.. سآتيك بليلى كما اتفقنا لتراها ونرى ما يمكن أن نفعله من أجلها.
-طبعاً.. طبعاً..
جلست في السيارة أفكر في اقتراحك..
تريد أن تشرف على ليلى ابنة أخيك الطبيبة ديمة.
لو لم تكن تريدني أن أكون قريبة لكنت أشرت إلى أي طبيب أو طبيبة أخرى تعرفها ولا تمت لك بصلة القربى. ارتحت لهذا التفسير.. لهذا "الوهم"!
كغريق يتعلق بقشة، ويتمنى أن تتحول إلى خشبة!
وتبقى القشة أفضل من لا شيء.. جذوة أمل صغيرة!!
استقبلتني ريما كالعادة بابتسامة وقبلة واحتجاج على تأخري..
سلّمت على أمها وأبيها، والضيف الذي كان هناك..
لقد كان والد ديمة.. يا للصدفة!
تفاءلت خيرا بوجوده.
استأذن الرجلان، وانصرفا
تأملتني ريما، وقالت تخاطب أمها:
-انظري يا أمي.. كم يبدو وجه كارمن أبيضا مشرقا!
-إنه الشتاء.. يعيد بشرتي بيضاء اللون
-لكن وجهك مشرق جداً!
لم أحر جواباً، وابتسمت وأنا أقول في سري:
إنه الحب يا كارمن يا مجنونة! وليس الشتاء يا ريما يا مغفلة!!
****
شكراً على ابتسامتك..
شكراً على الحوار اللطيف..
شكراً على فرح أهديته لي البارحة..
عادت عفوية أيام تعارفنا الأولى، وارتويت دون أن أشرب شايا!
ليت حمزة يغيب كل يوم، وليتك تفتقدني، فآتيك كل مساء لأعد لك فنجاناً من الزهورات، وأتحدث معك في الفن، في السياسة، في الأدب.. في أي موضوع تشاء.
ربما أتواطأ في المرة القادمة مع عمال الهاتف ليقطعوا لك الخط في يوم معيّن أزورك فيه، وأكتب خلسة على باب العيادة كلمة "مسافر" لأمنع عنك زيارة ثقيل يشرب الشاي بدلاً مني!
****
تأخر الوقت وأنا منهمكة بإنهاء اللوحة.. أضع خطا هنا، وأضيف لوناً هناك.
التلفاز يثرثر..
مجرد صوت يؤنس وحدتي..
أخبار الساعة الواحدة والنصف صباحاً تذكرني أن اليوم الذي بدأت ساعاته الأولى هو يوم عطلة!
كيف فاتني ذلك، وأنا على وشك الذهاب إلى الفراش أفكر بالاستيقاظ باكراً من أجل الدوام؟!
يوم عطلة آخر مقيت أقضيه وحدي في البيت.. لماذا لم أتذكره قبل أن يتأخر الوقت؟ كان بإمكاني الاتصال بروزماري ودعوتها للغداء..
أطبخ لها ورق الملفوف على الطريقة السورية كما وعدتها.. أكلة "يخنة"!
اتصلت بها في العاشرة أدعوها للغداء، فاعتذرت لارتباطها بموعد غداء آخر، واعتذرت أنه فاتني أن اليوم عطلة، ولم أتصل بها قبل الآن.
قالت لي:
-لقد فكرت أنا أيضاً بك البارحة، وأردت اليوم أن اتصل بك لأرى إن كان بإمكاني زيارتك بعد الظهر.
اتفقنا أن نلتقي عند مدخل المشفى الإيطالي القريب من البيت، فروزماري تزورني فيه لأول مرة.
ثم خرجت بسرعة إلى السوق لأشتري بيضاً وطحيناً، وأصنع أول قالب كاتو في فرن البيت الجديد!
عندما عدت رن جرس الهاتف.. إنه بيتر:
-ألو كارمن؟.. لماذا أنت بالبيت؟
-لأن اليوم عطلة.. وأنت؟.. كيف خطر ببالك أني بالبيت؟!
-لا أدري.. طلبت الرقم.. هكذا.. كيف حالك اليوم؟
-كالعادة.. ولذا دعوت روزماري لزيارتي.
-أرجوك يا كارمن لا تكوني تعيسة.. تعالي إلى هنا..
-ماذا تقول؟.. كيف؟!.. ألا تعرف أن ذلك أصبح صعباً جداً؟.. لم يعد لنا بيت في بلادك، وأنت عند أهلك، وبالكاد تستطيع ترتيب أوضاعك، فتصور لو أنني أتيت أيضاً!
-لكن وضعنا هكذا ليس حلا.
-طبعاً ليس حلا.
-الطلاق هو الحل الوحيد إذن.. لا أريدك أن تكوني تعيسة بسببي!
-ولكن!..
-أنا سأبقى هنا، وسأعتني بليلى، فلا جدوى من إرسالها إلى سورية!!
-ماذا عن البيت الذي اشتريناه في دمشق؟!.. ماذا عن عملك فيها؟!
-بإمكانك أن تزورينا، وبإمكانك بيع البيت، وأنا لم يعد يهمني أن أعمل في سورية!
-ما الذي حدث إذن وجعلك تغيّر رأيك هكذا؟.. لقد صدمتك فكرة الطلاق في مكالمتنا السابقة، وأنت تطرحها الآن!
اسمعني جيداً يا بيتر.. أنا لا ألومك، ولكنك أنت من قرر الاستقرار في سورية، وأنت من أكّد لي أن الأمور ستكون على ما يرام بالنسبة لأهلك وعملك وأنه ليس من مبرر لقلقي بهذا الشأن.
ألم نقرر أيضاً معاً شراء البيت في دمشق من أجلك، ومن أجل ليلى؟!
هل تدرك الآن أن حدسي كان دائماً في محله وأن قلقي ومخاوفي لها دائماً ما يبررها؟!!
-سأذهب إلى الطبيبة النفسية قبل أن أرتكب جريمة بحقه!
-هم والديك إذن!
أجهشت بالبكاء.. وصل نحيبي إلى بيتر:
-أرجوك.. لا تبك!
-..
-سأرسل لك قريباً نقوداً.. دفعة أخرى من أجل البيت..
شعرت بالغثيان:
-لا أريد نقوداً.. سأبيع البيت وأرسل لك ثمنه.
-لا أريد ثمنه.. ليس عليك أن تبيعيه من أجلي.
ذهبت إلى المطبخ..
أفش خلقي بالبيض أخفقه بشدة، وأنا أبكي:
لماذا لا يكبر بيتر يا ربي ويصبح رجلاً، ويريحني؟!
لماذا لا تسمعني يا ربي وتريحني؟!
أنا لا أطلب منك معجزات.. أصلي لك وأصوم ولا أؤذي أحداً.
فما الفائدة؟!
لن أصلي لك بعد اليوم، ولن أصوم..
أنا لم أعد أؤمن بك أيها الرب!!
حاولت بصعوبة إخفاء متاعبي عن روزماري.. انفعالاتي تفضحني كالعادة.
عندما سألتني، أخبرتها عن بعضها فقط.. عما تعرفه من قبل..
عن أهله العنصريين!
ورن الهاتف من جديد..
قالت روزماري:
-ربما كان بيتر يتصل من جديد
كان بيتر:

-ألو؟.. ليس معي وقت.. أنا أتكلم من كشك بالشارع.. أريدك أن تعرفي أني سأرسل غداً مبلغاً كبيراً!!
-من أين حصلت عليه؟.. من أهلك؟!
-بيب.. بيب!
انقطع الخط دون أن أستطيع تبليغ تحيات روزماري له، ودون أن أسمع حتى جوابه على سؤالي!
-خيراً!
تساءلت روزماري..
-.. سيرسل نقوداً، ولم أستطع أن أعرف مصدرها، فقد انقطع الخط..
-ربما سطا على أحد البنوك!
ضحكت مع روزماري للنكتة، ثم خرجنا معاً إلى بوابة الصالحية.
عدت إلى البيت..
أفكر بما قلناه أنا وبيتر، صباح اليوم..
عندما طرحت في لحظة يأس على بيتر فكرة الطلاق صدمته.
وعندما طرح عليّ نفس الفكرة في لحظة مماثلة صدمني..
كيف يمكن إلغاء عشرين سنة من حياة مشتركة بكلمة واحدة؟!
الطلاق يكون حلاً.. يكون فرحاً، عندما يحيل أحد الشريكين، أو كليهما، حياة الآخر جحيماً.
أما بالنسبة لنا، فالأمر مختلف.. إنه مؤلم ومحزن..
يسهل علينا اتخاذ القرار لأنه عبر الهاتف.. دون أن ينظر أحدنا في عيني الآخر، فلا تحرجه نظراته، ولا يرى عبراته!
اتصلت بأمي.. أخبرها عن بيتر، وأنا أحاول أن أبدو رابطة الجأش، لكن شجاعتي خانتني، وسمعتني أمي أبكي:
-.. لقد كفرت بربي يا أمي.. قلت له أني لن أصلي وأصوم بعد اليوم!
-إياك يا ابنتي أن تكفري بربك.. أنسيت كم مرة أنجاك فيها في اللحظة الأخيرة، وأرسل لك الحل المناسب، لأنك طيبة القلب يا ابنتي، ولست أنانية، ولا تؤذي أحداً.
-…
-كفي عن البكاء.. لقد كنت على وشك الدخول إلى الحمام، ولكن..
-دعك من الحمام، وتعالي.
ما إن وضعت السماعة في مكانها، حتى رن الهاتف.. كان بيتر من جديد:
-.. لقد حصلت على نقود من والديّ!
-يا للمفاجأة.. كيف حصل ذلك؟!
-لقد غضبا مني لأني أخذت قرضاً من البنك، وأعطوني المبلغ!
-ما أغرب أطوارهما.. جمّدا الحسابات، وهما يعرفان أننا مرتبطين بعقد بيع.. أجبراك على أخذ قرض لأول مرة في حياتك، ثم غضبا منك.. يا لها من علاقة رهيبة.. هذه العلاقة التي تربطك بوالديك!!
-دعك منهما الآن.. واهدئي نفساً، وافرحي بقدوم ليلى.
-معك حق.. وأنت أيضاً أهدأ نفساً، وعش حياتك كما تحلو لك دون أن يساورك تجاهي أي شعور بالذنب. ضحك بيتر، وسألني:
-ماذا تعنين؟!
-أريدك أن تحب يا بيتر. ليتك تحب!
عندئذ فقط سيسهل عليك أن تتحرر مني!
وضحكنا معاً..
أجل..
لن يفرّق بيننا إلا الحب!
هكذا اتفقنا في يوم الاعتراف..
سنفترق فقط عندما يقع أحدنا في حب يكون متبادلاً، وليس من طرف واحد.
عندئذ يمكن لأحدنا أن يتمنى للآخر السعادة في حياته الجديدة..
فليس لدينا حقا من سبب آخر وجيه يدعونا للطلاق!
حضرت أمي..
كانت تتوقع أن ترى على وجهي تعبيراً مأسوياً..
لحظت في وجهها استغرابها فبادرتها:
-لقد اتصل بيتر من جديد..
-أرأيت؟.. إنه لن يستغني عنك، والله أيضاً!
-الحمد لله.
-لا تبك ثانية على الهاتف وتثيري هلعي.. أفهمت؟!
قالت لي أمي ضاحكة.
عاود الهاتف رنينه..
إنه بيتر للمرة الرابعة اليوم:
-لن تصدقي يا كارمن.. ما الذي جرى بعد أن كلمتك على الهاتف..
-ما الذي جرى؟!
-جاءتني ثلاث مكالمات هاتفية هامة في آن واحد.. ثلاثة ردود إيجابية بشأن العمل، من خالي، ومن شركة الكومبيوتر، ومن شركة الاستيراد والتصدير..
أخبرني بيتر بالتفصيل، وأخبرت أمي بالمختصر المفيد..
-ألم أقل لك يا ابنتي أن الله لن يستغني عنك؟
قالت لي أمي، وعادت إلى بيتها.
*****

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 22-05-09, 09:31 AM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



اليوم قدّمت استقالتي من العمل..
مللت من الروتين..
مللت من الأحاديث التي أصبحت سخيفة جداً ومبتذلة منذ أن جاءت تلك البدينة إلى استراحتنا!
كنا نجتمع في الاستراحة نحن الأربعة.. غسان، وعماد، وفريال وأنا..
نتحدث ونمزح ضمن حدود المعقول وينتهي الأمر.
لكن الصبية فريال لم تكن حقاً تهتم لحديث الأدب أو السياسة التي كنا نتداوله، فأرادت أن تكون استراحتها مع الصبايا الأخريات، ووافق المدير على طلبها، لكنه أرسل لنا بدلاً منها مها المسؤولة عن البريد، والتي لم يكن أحد من الصبايا يرغب بمجالستها.
كانت مها التي تبلغ الثانية والعشرين تبدو أكبر من سنها بكثير، والسبب لم يكن في بدانتها وحسب.. بل في تلك الوقاحة في عينيها..
شعرها مصبوغ بلون أصفر، وأظافرها المطلية معقوفة لطولها، وعلى وجهها مساحيق تجميل سمكها سنتيمتر!! (من أين جاؤوا بها، والباقي من الموظفين قد تم اختيارهم اختياراً مدروساً؟!).
أصبحت مها هي محور الحديث.. كانت تتكلم معظم الوقت، وأصبحت الأحاديث تبدأ بجوارب النايلون التي ترتديها، مروراً بأحمر الشفاه والأكلات التي تحبها وانتهاء بآخر أخبارها العاطفية!
كنت أكتفي بابتسامة المجاملة والصمت، وأحتسي الشاي على عجل وأخرج قبل أن يصيبني الصداع، وكان الرجلان يجاريانها في الحديث، وقد سال لعابهما لأحاديثها الشيَّقة.. ثم يعودان إلى المكتب ليسخرا منها!
سألتهما:
-لماذا تجاريانها في الحديث، وأنتما تدركان سخافته.. لم لا تلتزما الصمت لتدرك هي ذلك؟!
أجابني عماد:
-إننا نتسلى!!
كانت ساعات العمل تسير على هذه الوتيرة يوماً بعد يوم، وأنا أعلل نفسي بالصبر حتى قدوم ليلى..
وأفكر أن تقدم بعد أيام بطلب إجازة بلا راتب كي أعطي ليلى كل ما لدي من وقت.
حتى جاء ذلك السبب الذي جعلني أحسم أمري بسرعة.
دخلت فريال تخبرنا أن البريد حمل إلينا رسالة من المدير العام.. قرار بنقل إدارتنا وحدها إلى الضاحية، حيث المطابع كي يتسنى لنا الإشراف المباشر على الطباعة!!
صدمنا الخبر، وتساءلنا: لماذا؟!
قلت لفريال، وقد أصبحنا لوحدنا:
-لم يعد ضرورياً ذهابنا في مهمات لمراقبة الإخراج، وماكيت كل عدد يصلنا بسرعة لنشرف عليه الإشراف النهائي.. فلماذا قرار النقل؟
-أنت محقة إن كنت تتحدثين عن عملك، فقد جلبوا لك كل ما طلبته من مستلزمات، ولم تعودي بحاجة للذهاب في مهمات، ولكن عماد كان يستغل فرصة خروجه في مهمة لينهي مهماته الخاصة، وما زال!
-هكذا إذن، وأنا كنت أستغني عن الاستراحة عندما أخرج في مهمة كي أنجز العمل بنفس اليوم ولا أضطر لتأجيله وتأخيره، ثم أعود للمنزل وعيناي تؤلماني من كثرة التدقيق.
دخل غسان ونحن نتحدث، فبادرته فريال بالسؤال:
-وأنت؟.. هل كنت تعرف بقرار نقلنا عندما ذهبت البارحة إلى المدير العام وأبلغك قرار نقلك إلى إدارة أخرى غير إدارة الإعلام؟
-نعم.. كنت أعرف، ولكنه أوصاني أن لا أخبر أحداً منكم !
-هكذا إذن.. ونحن جئنا إليك نعبر لك عن حزننا لفراقك.
دخلت مها غرفة الاستراحة متهللة الوجه وناولت غسان قرار نقله:

-مبروك.. أصبحت معاون مدير.
ثم التفتت إلى عماد:
-وأنتم قد تم نقلكم والحمد لله!
-الله يسامحك.. أتشمتين بنا، وتفرحين لأن "الفرافير" انتقلوا؟!
ضحكت مها وهي تجيب:
-أجل!!
عندئذ خرجت عن صمتي أصب جام غضبي على هذا "الفرفور" وهذه "الغانية"، وأخرج فوراً لأقدم استقالتي إلى المدير العام.
هرعت إلي مديرة الإعلام تسألني:
-ومن سيشرف على الأخبار الانكليزية والفرنسية؟.. أنا بحاجة إليك.
ثم طلبني مدير المقر.. يريد التحدث إلي:
-هل صحيح أنك رفعت طلب استقالتك إلى المدير العام؟.. أرجو أن لا يكون السبب هو مها.. لقد استدعيتها إلى مكتبي ووبختها.
-طبعاً لا.. أنا في الحقيقة لم أعتد على الروتين في عملي.. لم أعتد على العمل في دائرة رسمية.
كنت أعتقد أن العمل هنا سيختلف عما هو عليه في الدوائر الأخرى، وفرحت بالمكاتب الأنيقة والنظام.. لكن ذلك وحده لا يكفي.
ثم جاء قرار النقل التعسفي ليقصم ظهر البعير.. لا أريد أن أتنقل كل يوم للعمل في ذلك المجمّع الضخم، خاصة وأن ابنتي ستأتي قريباً في إجازة.. لقد كنت أنوي تقديم إجازة بلا راتب، ولكن لم يعد هناك من داعي!!
-ومع ذلك أنصحك أن تتريثي.. انتظري على الأقل لما بعد إجازة العيد.. وعسى أن تغيّري رأيك..
-سأرى.. شكرا لك أستاذ سعيد.
طلبت إذن مغادرة، وذهبت إلى السفارة لأستلم الحوالة التي أرسلها بيتر..
قالت لي سامية:
-تبدين شاحبة الوجه.
-لقد قدمت استقالتي..
وأخبرتها..
-لا تهتمي للأمر.. سيعرفون قيمتك ويندمون..
ساعة الخروج تلك منحتني طاقة وفرحا وشعوراً بالراحة والحرية.
توقفت عند المكتبة لأشتري كتاباً أقرأه في الحافلة غداً، ثم قفزت إلى ناصية الشارع، وأنا أنفخ العلكة بالونا غير عابئة بالمارة!
****
دلفت عبر الحديقة، وقد فاح عبق البنفسج في هذه الأمسية الدافئة من آذار.
سيمضي العيد الرابع وأنا وحيدة.
تمددت في فراشي سعيدة بالعودة إلى بيتي.
إلى حديقتي وكتاباتي و.. لوحاتي.
لما لا أمارس الرسم من جديد؟
لقد أصبح الرسم في السنوات الأخيرة مجرد لوحة في السنة أهديها لأحد ما في مناسبة ما!
سأعتني بحديقتي التي طال اهمالي لها، وسأفتح نوافذ بيتي من جديد للشمس..
لشمس تدفئ قلبي، وتبعث في روحي أملاً جديد، وكل شيء سيكون على ما يرام.
استيقظت فجأة في الليل وأنا أشعر بالبرد..
مددت فوقي غطاء إضافياً، ولبست جواربي فلم يذهب البرد عني.
ثم جاء ذلك الألم في البطن، وارتفعت حرارتي.. إنه الغثيان..
أسرعت إلى الحمام، ومضى باقي الليل وأنا أهرع ما بين الحمام والسرير.
اتصلت بي أمي.. كنت منهكة وأنا أحدثها على الهاتف عصر اليوم التالي:
-لقد أصابك المرض بسبب تلك الاستقالة اللعينة.. هكذا أنت.. شديدة الحساسية.. تمرضين كلما شعرت بالحزن الشديد أو الانزعاج.
-ورغم ذلك أنا سعيدة يا أمي أنني عدت لبيتي وأشيائي التي أحبها.. ستأتي ليلى قريباً، وسيكون كل شيء على ما يرام.
-فليقدم الله لك ما فيه الخير.
جاء المساء.. جاء وقت الكتابة.
أسدلت الستارة، ومددت أصابعي بين الأسطوانات أبحث عن موسيقى أستمع إليها.
سحبت أسطوانتي..
أريد الاستماع إليها، وقد شارفت روايتي على نهايتها.
انسابت الألحان من "كارمن"، وانسابت أصابعي معها تكتب.
تكتب، وتكتب..
تناهى إلى سمعي فجأة زقزقة عصافير!
لماذا تزقزق في هذا الوقت؟!
في هذا الوقت؟!! كم الساعة الآن؟
ساعة المكتب متوقفة، فقد انتهى مفعول بطاريتها.
خرجت من الغرفة أبحث عن ساعة أخرى.
فاجأني النور!
لقد انبلج الفجر، والساعة تشير إلى السادسة إلا ربعاً!!
قضيت إذن الليل كله أكتب..
وقد جاء الصباح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
انتهت روايتي يا شهريار!
شهرزاد الحكايا كانت تحكي حكاياها مخافة الموت..
شهرزاد حوّلت شهريار من قاتل يكره إلى رجل يحب!
وأنا لم أحك في ألف ليلة وليلة سوى حكاية واحدة!
أنا لا أخاف الموت، وما أنت بقاتل يكره!
أنت فقط.. رجل لا يحب!
يا شهرياري..
جاء الربيع الثالث، وفاح عبق البنفسج..
وقريباً ستتفتح براعم القرنفل الأحمر، وأنا أحبك.
سيأتي الصيف الثالث، والخريف الثالث، وأنا ما زلت أحبك!
فهل يأتي الخريف ربيعاً؟!
قد يأتي الخريف.. ربيعاً!!
إلى اللقاء

*******************


- تمــــــــــت -

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
ربيـــعا ، للكاتبة عائدة الخالدي, قد يأتي الخريف, قد ياتي الخريف ربيعا
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 07:45 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية