لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-05-09, 12:27 PM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



التقيت أحد المعارف.. كانت قد مضت مدة لم أره فيها، وعلمت أنه خطب إحدى الفتيات:
-مبروك يا الياس.. سعيدة أنا من أجلك.
-شكراً.. إنها تصغرني بخمسة عشر عاماً، وهي فتاة جامعية ذات تربية دينية متزمتة، ولقد تعرفت عليها في الكنيسة في حفلة عرس..
-جميل جداً.
في الحقيقة لم أتعرف عليها مباشرة.. لقد أعجبتني واستفسرت عنها واستأذنت وذهبت أخطبها.
-خطبة تقليدية إذن.
-أجل.. لكنها خجولة جداً، ولا تعرف شيئاً سوى البيت والكلية والطريق بينهما!!
-فتاة جامعية ومنغلقة على نفسها إلى هذه الدرجة؟!.. لن يضيرها أن تكون منفتحة قليلاً.. إن ذلك لن يتعارض مع تربيتها.
-إنها تتعبني، ولقد أعطيتها مهلة لتتغلب على خجلها.. قليلاً فقط؛ فالشرقية شرقية والشرقي شرقي، وفي الحقيقة لا ضير عندي أن تكون "خام"!!
-خام؟!.. هذا رأيك وأنت حر به، وأنا أحترمه؛ ولن أبدي لك رأيي بصراحة.
واستدرك فقال:
-أنت امرأة شرقية فريدة من نوعها؛ فهدفك في الحياة ليس أن تتزوجي وحسب وتصبحي مجرد زوجة فلان؛ بل أن تكوني وتبقي أنت.. أنت!
-طبعاً.
-أنا أهنئ زوجك بك وأهنئك به!
(أجل يا الياس.. لقد كان اعترافك خطيراً!.. إذ لم يلغ أحد منا شخصية الآخر بالزواج.. ولكن؟!).
****
اتصل بي الدكتور طارق يدعونا للغداء.. هذا الصديق الذي يحلو معه الحوار والنقاش بصراحة وعفوية لا تخلو من دعابة.
قال لي:
-لقد دعوت أيضاً الدكتور إبراهيم الذي تعرفينه، وزوجته.. أنها أيضاً حلوة المعشر.
-سيسعدني التعرف عليها.
كان الحوار ممتعاً حقاً لم يترك لا سياسة ولا دين ولا فن ولا أي موضوع آخر يعتب عليه!
قلت له:
-غريب أمر الرجل الشرقي.. إنه معظم الأحيان، حتى وإن كان مثقفاً، يخاف من المرأة المثقفة التي تحاوره وتناقشه.. يحترمها لكنه لا يريدها لأنها تسبب لـه (أو يتوهم أنها ستسبب له) صداعاً، ولذا يفضل عليها أية امرأة أخرى.. امرأة لعوب تجامله وتخدّره ولو كانت تسخر منه.. أو يريدها امرأة "خام" يشكّلها كيفما يشاء.
ضحكت زوجة الطبيب، وقالت مخاطبة طارق وهي تشير إلي بسبابتها:
-أنت تحترمها وتستمتع بالحديث معها؛ ولكن ألا يخيفك أن تتزوج واحدة مثلها؟!
-طبعاً لا؛ ولذا لم أتزوج حتى الآن!
****
اتصل بي بيتر يعلمني أنه غيّر رأيه، ولن يبقى هناك ينتظر ليلى ليصطحبها معه.. فلا عمل لديه حالياً هناك بعد أن أنهى ارتباطاته في العمل بالمؤسسة العائلية التي يملكها والديه.
سيعود ليبدأ أخيراً العمل الذي يأمل منه خيراً.. هنا، ومع شركاء سوريين.
قلت له:
-سأستقبلك في المطار إذن.
قبل أن أذهب إلى المطار.. ذهبت إليك!
جئت إليك في محاولة أخرى لمعرفة السبب.. أريد معرفته قبل أن أسافر.
كنت تتوقع قدومي بعد تلك الرسالة التي كتبتها لك في لحظات من الانفعال، ثم ندمت:
"ياحبيبي المجنون..
حزينة أنا.. إن سافرت وليس وداعنا أكثر من قبلة اختطفتها منك!
حزينة.. لأنك لا تعرف ماتريد وتعاكس الظروف دائماً.
وحزينة.. لأني أعرف ما أريد وتعاكسني الظروف دائماً!!
يا حبيبي المجنون..
أنت لست مطلق الحرية كما تدّعي.. أنت مجرد هارب من نفسك، ومن عواطفك، ومني.
تهرب مني كل مرة بحجة واهية جديدة؛ لكنك في قرارة نفسك تحبني كما أحبك!……"
أردتك على الأقل أن تستقبلني بطريقة حضارية وتدعوني ربما لنشرب شيئاً ونتحدث.
استقبلتني عند الباب ودعوتني للجلوس:
-تفضلي.. كيف تحبين الشاي؟
-وسط.. لو سمحت.
ودخل حمزة يحمل صينية الشاي..
كان شاياً أصفراً غير مختمر.. مجرد ماء ساخن أصفر ومحلّى بالسكر!
مكثت صامتة؛ فبادرتني تقول:
-يا كارمن.. هذه الرسائل..
(أردت هذه المرة أن تتغدى بي قبل أن أتعشى بك.. كما يقول المثل؛ فلقد منحتك فرصة مابين قراءتك الرسالة وحضوري إليك لتكون في موقع القوي، وتضع اللوم علي، ويكون "السبب" جاهزاً لديك.. بعد أن كنت أنا الأقوى عندما فاجئتك بالزيارة السابقة وأنت غير مستعد!!
كنت تدرك نقطة ضعفي، وتعرف أني بحضورك أنسى الكلمات التي أعددتها لأقولها لك.. تهرب مني وتضيع بمجرد أن أراك!).
وعاودت هجومك..
عدت تجادلني على مبدأ: "من كان أولاً.. البيضة، أم الدجاجة؟!"
وأنا؟.
أنا لم أنس الكلمات وحسب؛ بل نسيت أني لست مذنبة على الإطلاق!
بدأت أستميحك عذراً، وأنا أبتسم محاولة بذلك تلطيف الجو:
-آسفة.. آسفة على كل الرسائل التي كتبتها!
-كم عمرك لتكتبي لي هذه الرسائل؟
-وهل للجنون عمر يادكتور؟!
-إن لله في خلقه شؤون!
-وهذا ينطبق عليك أيضاً!
(أخيراً.. أسعفتني القريحة بجواب أكبح به هجومك!).
-هذه الرسائل يا كارمن.. إنها قاسية جداً. وأنا delicate
-وأنا أيضاً delicate
بقيت أنت صامتاً.. فتابعت:
-.. والرسائل كانت "فشة خلق" لابد منها؛ لأنك تتجاهلني باستمرار.
وعدت من جديد تنظر إلي النظرة المؤنبة:
-… على أي حال نحن دراويش ونفهم على بعضنا!
-ماذا تعني بذلك؟
-أقصد أننا أخوة وجيران!
-ألا شيء غير ذلك؟!
-أخوة وجيران ولا شيء غير ذلك!
بدأت تذرع الغرفة جيئة وذهاباً وبيدك فوطة صغيرة تمسح بها الغبار عن الأثاث وعشرات.. بل مئات الأشياء الصغيرة والكتب المتبعثرة على مكتبك، هنا وهناك..
-إن كان لديك فوطة أخرى.. أعطني إياها كي أساعدك!
-…
-لماذا جئت يوماً تزورني؟!.. ألأننا أخوة وجيران؟!!
-ومتى زرتك؟!!
(كنت تريد أن تنتقم مني لأني سخرت من ثرثرتك عني مع ريما).
-لا.. طبعاً، أنت لم تزرني أبداً!
عدت تجلس وراء منضدة مكتبك؛ فسألتك:
-هل لديك صديقة "جديدة"؟!
فاجأك سؤالي.. قرأت ذاك في عينيك وسمعته في إجابتك المبهمة:
-… لو أن جميع "صديقاتي" مثلك!.. ليس بمقدورك يا كارمن أن تقيمي علاقة ما!
عدت تكيل لي الاتهامات، وبقيت أنا صامتة.. لم أعد أعرف بما أجيبك؛ بل تركتك تتابع كلامك:
-.. يا كارمن. أرجو من الله أن يشفي لك ابنتك.. بلّغي تحياتي لزوجك، وأتمنى لك Happy flight

أخرجت من حقيبتي شريط الكاسيت وناولتك إياه:
-هذا لك.
-آه.. Italiano. شكراً.
- وموسيقى كلاسيكية سجلتها لك.
(كان الكاسيت مناسباً جداً للموقف الدرامي.. إنه الحدس مرة أخرى!)
أردفت، وأنا أحاول السيطرة على انفعالاتي:
-أتساءل إن كنت ستذكر صوتي إن فكرت يوماً أن أتصل بك.
-…
-هل أنت مسافر الليلة إلى القرية؟
-لا.. ليس إلى القرية.. أنا مسافر إلى فيينا لأربعة أو خمسة أيام.
-.. لن تكون إذن بعيداً عن المكان الذي سأسافر إليه؛ ولكني لن أسافر إلا بعد أسبوعين أو ثلاثة.
ومددت لك يدي مصافحة:
-أستودعك الله.
-مع السلامة.
(استمع وأنت تقود السيارة إلى المطار، إلى أندريا بوتشيللي يشدو con te partiro ؛ فقد تحرك أغنيته الشجية بعضاً من مشاعر قد تكون موجودة عندك!).
عدت إلى الشقة، وقلبي أشعر به ثقيلاً بين ضلوعي..
في الساعة الحادية عشر ليلاً سيصل بيتر، ومازال لدي متسع من الوقت.
خلعت ملابسي واستلقيت في السرير أفكر في قسوتك وكلامك:
"أخوان وجيران".. حتى هذه تقولها مجرد "رفع عتب".
كانت عيني مبتلّة من آثار الدموع، وقد فوجئت بالوصول المبكّر لأخي، جاء مع أمي يصطحبني إلى المطار..
لم ينتبه وائل أنني كنت أبكي؛ لكن أمي كشفتني وبقيت شفتاها صامتتين، بينما عيناها تتساءل رغم أنها تعرف..
تعرف نصف الحكاية فقط.
النصف الآخر الذي لا علاقة لك به!
****
لم أشأ، ولم أفكر يوماً أن أخبرها بذاك النصف الآخر من الحكاية.. بذاك الحاجز اللا مرئي الذي يفصل بين بيتر وبيني منذ ليلة الزفاف!
كنت أتقن إخفاء همومي عنها عندما ترانا أنا وبيتر معاً.. ولم يخطر ببالها قط أن هناك خللاً ما في حياتنا العاطفية والجنسية..
لم تكن فضولية لتستفسر وتسألني.. ربما لأنها تعرف أني أتمتع بالاستقلالية في شخصيتي، وليس من عادتي.. بل ليس باستطاعتي أيضاً أن أبحث عندها عن حلول لمشاكلي، وقد تزوجت وسافرت، وأصبحت المسافات الجغرافية تفصل بيننا.
لم تسألني قط في رسائلها، ولا في زياراتي المتكررة للوطن عن الإنجاب والأطفال..
لم تسألني قط عن تأخر حملي سبع سنوات بعد الزواج..
لم أعرف أبداً أنها كانت قلقة علي بهذا الشأن إلا عندما حملت فعلاً وزففت إليها الخبر، وعندئذ فقط أخبرتني عن ذاك القلق الذي كان يشاركها فيه أبي طوال تلك السنين!!
أصبحت أمي جدة، وكانت ليلى أولى الحفيدات والأحفاد.. أما أبي؛ فلم يصبح جداً؛ إلا بعد وفاته، رحمه الله.
لم تعرف أمي كيف حملت بليلى، وبقي الأمر سراً احتفظت به كرمى لبيتر حتى كانت تلك الأمسية..
عندما سافرت برفقتك إلى دمشق في عيد الأم، ثم ذهبت أزورها وأحمل لها هدية..
تلك الأمسية التي كنت فيها مستعجلاً جداً، ومدعواً للعشاء في سفارة ما!
****
كانت ظلال الأشجار تتراقص على جانبي الطريق، وتذكّرني بأشجار أخرى كانت تتراقص أمام ناظري في أمسية ربيعية ساحرة.
(تصوّر.. أفكر بك رغماً عني وأنا ذاهبة لاستقباله.. لاستقبال زوجي!
فما السبيل إلى نسيانك؟!
هل استمتعت ياعزيزي بزيارة فيينا الرائعة رغم الجو الماطر؟..
هل زرت دار الأوبرا فيها، واستمعت إلى إحدى معزوفات فالس شتراوس؟.. وتذوقت في مقاهيها الجميلة قهوتها اللذيذة المعروفة باسمها؟!.. أم أنك تذوقت هناك أشياء أخرى؟!!
لا لوم ولا عتاب بعد اليوم.. لقد تعبت ومللت ولم يعد يهمني أن أعرف السبب؛ ولكن يهمني أن تعرف أنك لم تقنعني!
أنت تحبني، ثم تؤاخيني!..
فهل أحببتني حقاً، وهل بإمكانك أن تصبح بعد ذلك أخاً؟!
الحب والأخوّة..
كلمات.. ما أسهل النطق بها؛ لكنها ليست مجرد كلمات نلوكها كيفما نشاء ثم نبصقها عندما نتعب منها!).
****
-أريد أن أعمل في دمشق.
قلت لبيتر، وقد عدنا إلى الشقة، واستلقى كلاً منا في سريره.
-طبعاً.. ألم نفكر بذلك من قبل؟
-أريد ذلك بعد عودتي من السفر.
-لا بأس.. أنت متوترة جداً، ما الذي حدث؟
-… لقد أصبحنا أخوة، وهو يبعث إليك بتحياته!
-وماذا بعد؟
-لا شيء البتة.. تصبح على خير.
-تصبحين على خير.
واستدار بيتر لينام، وسرعان ما زاره النوم وعلا شخيره.. أما أنا؛ فقد هرب النوم مني وزارني عوضاً عنه الأرق عندما استغرقت في التفكير أناجي نفسي:
-يالك من تعيسة يا كارمن..
كيف سمحت لهذا الرجل أن يستولي على مشاعرك دون أن يمنحك شيئاً؟!..
تنازلت من أجله عن كبريائك، ومنحته قلبك بلا مقابل..
وجعلت تصرفاتك كلها رهن قلبك الأرعن.. فأين أضعت عقلك يا مجنونة؟!
يا مجنونة.. يا مجنونة!!
استفقت من أفكاري على صوت بيتر.. لقد أيقظه صوت بكائي المكتوم دون أن أدري:
-أنت تبكين؟!.. تبكين يا كارمن من أجله؟!!
هل يستحق حقاً دموعك؟!!!
وخجلت.. خجلت من نفسي، ومن دموعي.. خجلت من بيتر.
لم أستطع أن أقول له من جديد: "آسفة".. لقد أصبحت الكلمة ممجوجة ومللت من تكرارها.. إنها على أي حال لا تكفي؛ فالتزمت بالصمت، ونمت..
****
عدنا إلى منزلنا في القرية، وهرول بيتر فور وصوله إلى الحديقة يتفقد نباتاتها، كعادته كلما عاد من سفر:
-آه.. انظري، هناك ثلاث شجيرات موز مثمرة!
-أعرف..
-علي أن أقص أغصان العريشة و"المزّيكا".. إنها تمنع ضوء الشمس عن باقي النباتات.
-…
-هل نشاهد فيلم فيديو هذا المساء؟
-نشاهد..
جلس على السجادة الممدودة صيفاً شتاء –كما يحب- يتابع أحداث الفيلم، وأنا أشعر بالملل، ولا رغبة لي بمشاهدة أفلام.
نظرت إليه… مستغرق بالمتابعة بكل حواسه، وقد نسيني..
نسيني، وقد عاد البارحة فقط من السفر!!
اندسست جالسة بين ساقيه الطويلتين الممدودتين.. تحرشت به.
داعبت بأناملي ذراعه؛ فلم تقف ولا شعرة واحدة!.. وبقي منسجماً مع الأحداث.. أحداث الفيلم طبعاً!
سألني وعيناه مازالتا تحدقان في الشاشة اللعينة:
-مابك؟!
-لا شيء.. أتحرش بك فقط.
-…
-هل.. الفيلم ممتع جداً؟
-أجل!
-ألا.. يمكننا أن نلهو قليلاً؟
-نلهو؟!.. أنت تعرفين يا كارمن.
-أعرف.. لا داعي أن نلهو حتى النهاية.. نلهو ولو قليلاً!
-…
تركته وذهبت إلى الفراش.. بقيت مستلقية حتى أتعبني التفكير الذي لا يجدي على أي حال.. ثم نمت.
زرتني أنت في الحلم!
حلمت أني أكتب لك رسالة، وما إن أوشكت على الانتهاء حتى جاءتني سناء.. قلت لها: "أكتب رسالة للرجل الذي نحبه أنا وأنت!!".
****
بعد يومين ستأتي الذكرى العشرون لزواجنا.. لكن بيتر أراد العودة بعد يومين إلى دمشق من أجل بعض اللقاءات والاستعدادات لعمله الجديد.
سألته:
-هل عليك حقاً أن تسافر غداً إلى دمشق؟
-أجل يا كارمن.. لقد اتفقت مع نبيل والدكتور شاهين على اللقاء غداً.. علينا أن ننهي الأمور بسرعة..
أريد أن نبدأ مشروعنا أخيراً..
آه صحيح.. سيكون غداً عيد زواجنا!!
-حمداً لله أنك تذكرت!..
لا بأس.. نحتفل بالمناسبة عندما تعود.
-حسناً.. نذهب ونتعشى في مطعم "طل القمر".
(بيتر يحب هذا المطعم، وأنت تتواجد فيه غالباً عندما تكون في القرية، وتدعو ضيوفك للغداء.. فهل سأراك هناك؟!).
وسافر بيتر إلى دمشق، ثم اتصل بي هاتفياً من هناك، وكنت قد نسيت أنا أيضاً المناسبة:
-أطيب الأمنيات لك!
-لماذا؟!
-عيد زواجنا العشرين!
-يا إلهي.. لقد نسيت!
(من المؤسف؛ بل من المؤلم أن ننسى.. لقد أصبحت مناسبة كهذه تفوتنا لأول مرة!!).
ذهبت مساء إلى سوسن أزورها.. تجولنا معاً في أرجاء المدينة الساهرة في مهرجانها السياحي؛ ثم بت الليلة عندها.
****
اتصلت بي ريما:
-يا خائنة.. لماذا لم تتصلي بي، وأنت تعرفين أن خطيبي قد عاد من السفر؟
-الحمد لله على السلامة.. أعرف أنه عاد لتوه؛ ولكنك مشغولة به حتماً الآن، وأنا مشغولة.. فقد عاد بيتر أيضاً، كما تعلمين.
-أود أن يتعرف يونس على بيتر؛ فهل يمكننا أن نلتقي؟!.. أنا في القرية.
-سنذهب هذا المساء إلى مطعم "طل القمر"؛ فما رأيك أن نلتقي هناك؟
-حسناً.. اتصلي بي فور وصولك إلى هناك.
-لا داعي لذلك؛ فنحن سنأتي إلى القرية لنزور سريعاً أسرة سناء.. هل أنت في المنزل مساء؟
-أجل..
-أراك إذن هناك ونذهب سوياً إلى المطعم.
دلفت مع بيتر إلى الشرفة، حيث تجلس أختك مع زوجها وضيفيهما..
لم تكن ريما هناك!!
ولم تكن أختك تعرف بما اتفقنا عليه صباح اليوم، وقالت أنك جئت فجأة وطلبت من ريما ومن خطيبها أن يرافقاك إلى المدينة.. جئت فجأة مسرعاً لدرجة أن ريما لم تجرؤ على الدخول إلى الغرفة لجلب حقيبتها؛ بل أرسلته.. أرسلت خطيبها يونس ليجلبها لها!!
(يالك من استبدادي، ويا لها من…!
إنها لا تجرؤ أن تجلب حقيبتها بنفسها؛ فكيف تجرؤ أن تخبرك أننا كنا على موعد مساء اليوم؟!!).
أزعجنا تصرف ريما.. لقد تصرفت معنا بمنتهى الفجاجة وعدم اللباقة.
في الحقيقة.. أنا لم أعرف ريما، وأمها أيضاً، إلا كذلك؛ وأعذرهما –رغم انزعاجي- لأني أعرف تماماً أن المرء يبقى ابن بيئته التي ترعرع فيها، ولكن التأقلم ضروري عندما يعيش الإنسان في بيئة مغايرة، ويحتك بأناسها..
ضروري ليكتسب منهم عادات اجتماعية تسمى أصولاً.. أليس كذلك؟!
إن درجة التأقلم تختلف باختلاف الشخص وخلفيته الثقافية.. وهنا تكمن مشكلة أسرة أختك!).
أذكر أول مرة دعتني فيها أختك لتناول الطعام عندها.. كان ذاك في العام الفائت، وقد حل بيننا شهر رمضان.. جئت إليها قبل الإفطار بحوالي الساعة، وكانت بادئ الأمر لوحدها في البيت، ولم يكن في المطبخ مايدل على أنها منهمكة في إعداد طعام الإفطار.
قالت لي:
-لقد قال لي أبو ياسر أنه سيجلب طعاماً جاهزاً معه.
وجاءت ريما، ثم جاء أبوها؛ لكنه كان خالي اليدين!
بادرته أم ياسر بالسؤال:
-ألم تقل لي أنك ستحضر طعاماً جاهزاً من السوق؟!
-أنا؟!.. لا لم أقل لك ذلك!!
-لأسرع إذن إلى المطبخ وأعد شيئاً من طعام البارحة!!!
وتم إعداد ماتبقى من طعام البارحة:
نصف رأس خروف مسلوق فوق جاط من البرغل، مع حساء عدس وشيء آخر يسبح فيه، وصحناً من سلطة خضراء لم أعد أذكر محتوياتها.. إضافة إلى خبز بائت منذ أيام يتكسر بمجرد اللمس!!
أنا لا أحب التعقيدات والرسميات، وأحب أن يشعرني من أزوره أني "من أهل البيت"؛ لكنها كانت أول دعوة من أختك، وكانت تعرف أني قادمة في ذاك اليوم بالتحديد؛ فأنا لم أزرها فجأة حتى تجود بالموجود!
ذهبت أنا وبيتر إلى "طل القمر" لوحدنا..
كان روّاد المطعم كثيرين، والموسيقى تصدح والمساء لطيف؛ لكننا كنا نشعر بالملل، ونحاول عبثاً أن نبعده، ونحن نتسلى بتناول المقبلات..
قلت لبيتر، وقد شارفت الساعة على الحادية عشر إلا ربعاً:
-سأطلب سيارة.
وبينما نحن جالسين ننتظر السائق حانت مني التفاتة إلى القسم العلوي من المطعم لأراك تدخل مع أربعة رجال آخرين!
-انظر يا بيتر من جاء إلى المطعم الآن!
-أتظنين حقاً أنه هو؟!
-طبعاً.. شعره الأشعث وحركات يديه العصبية!
-لكنه رجل هادئ!
-رجل هادئ؟!.. أنت لا تعرفه حقاً.. إنه هو.
-لا.. ليس هو؛ بل رجل يشبهه.
(إن الله يخلق من الشبه أربعين؛ ولكن لا أظن أنه خلق مجنوناً يشبهك!).
نظرت مرة أخرى حيث تجلس؛ فرأيتك تنظر إلي.
نهضنا خارجين، وبيتر يطلب مني، ونحن نعبر بين الطاولات، أن أمعن النظر لأتأكد من صحة كلامي، أو كلامه!!
(تصوّر هذا الطلب!..).
..لكنني لم أجرؤ، وخرجت مسرعة إلى السيارة.
****
ذهبت ليوم واحد إلى دمشق لتجديد عقد استئجار الشقة، وبقي بيتر في اللاذقية يقلّم أشجار الحديقة..
وفي المساء زرت مايا..
مايا مطلّقة تعمل مديرة مكتب، مستقلة وسعيدة بعملها ومعارفها كثر..
اقترحت علي أن تتصل بصديقها زهير وتعرّفني عليه ونذهب سوية للعشاء؛ فوافقت..
قالت لي تحذّرني، ونحن نخرج من مكتبها للقائه:
-..إنه يقسم لي أنه يحبني، ورغم ذلك لا يقصّر إن سنحت له فرصة!
-لا تقلقي.. لن تسنح له معي أية فرصة.
-أعرف.. ولكن تحسباً من إمكانية أن يطرق بابك يوماً، أو يتصل بك هاتفياً بحجة أنك صديقتي ويريد أن يقول لك مرحباً؛ فمن الأفضل أن تقولي له أنك تقطنين حالياً مع أختك أو أخيك!!
استغربت اقتراحها، ولكنني طبعاً وافقت أن أكذب هذه الكذبة من أجلها.
تناولنا العشاء في شرفة أحد المطاعم بالهواء الطلق، ثم أوصلني زهير إلى بيتي، فدعوتهما لتناول الشاي عندي.
سألني زهير، ونحن على وشك أن نترجّل من السيارة، إن كنت أقطن وحدي..
نسيت وصية مايا؛ فأجبت بنعم ولم أستدرك إلا عندما رمقتني مايا بنظرة عتب ودهشة وتحذير؛ فأردفت بسرعة:
-.. أقطن وحدي؛ ولكن في شقة أخي التي فصلها مؤقتاً بواسطة باب داخلي إلى قسمين.. إنه يقطن هنا.
وأشرت بيدي إلى باب مجاور كان في الواقع باباً لشقة أخرى لا أعرف أصحابها!!
****
آخر مساء لي هنا قبل سفري إلى ليلى..
جلسنا كعادتنا على كرسيين متقابلين نرقب من سطح منزلنا شمساً حمراء تغرق ذائبة في حضن البحر.
أشعل لي السيجارة التي نسيتها بين أصابعي وأنا غارقة بأفكاري، ودارت الأسطوانة الليزرية في الجهاز:
con te partiro.. كان أندريا يشدو..
ونجحت في كتم مشاعري، بادئ الأمر؛ لكن سرعان ماتملكني الشجن عندما بدأ يغني أغنية أخرى حزينة جداً؛ ففقدت السيطرة على انفعالاتي..
كان بيتر يعانقني، وأنا أبكي..
لا أدري متى بدأ البكاء، ولا متى ضمّني بيتر إليه..
كنت أبكي من جنوني، ومن يأسي، و.. منك!
أبكي من أجله، ومن أجلي، ومن أجل ليلى..
وهدأت نفسي؛ فابتعد عني بهدوء، وجلس يرقبني بصمت ويدخن.
****
التوصيات الأخيرة قبل أن أسافر إلى دمشق وحدي عصر ذاك اليوم من أواخر شهر آب:
-… أرجوك أن تأكل جيداً.. لقد أعددت لك كالمرة السابقة ما يكفي من طعام مطبوخ؛ فلا تهمل نفسك وتأكل فقط جبناً وزيتوناً وزعتراً، وتترك نصف الأكل ينتظرني عندما أعود.
-نعم.. نعم.
-لقد كتبت لك كالعادة المحتويات على غطاء كل علبة، وماعليك سوى تسخينها.. أخرج مساء كل يوم من الجمّادة علبة من أجل غداء اليوم التالي.
-…
يوجد أيضاً برغل وأرز حسب ماترغب مع الوجبة، وطعام مطبوخ بالزيت يلائم الجو الحار!
-حسناً "يا أمي.. لا تقلقي بشأني.. لن أهمل معدتي هذه المرة لا تغضبي!!
وتبادلنا القبل على الوجنتين:
-إلى اللقاء إذن..
-إلى اللقاء.. اتصلي بي فور وصولك.
****
انطلقت بي الحافلة إلى دمشق، وفي المساء زرت مايا.. أخبرتها عن رغبتي بالحصول على عمل كي لا أقضي أيامي كمداً وخمولاً.. ولأهرب من التفكير بك.
لأقتل في دمشق الوحدة التي تقتلني في القرية..
فحياة الناس اليومية لم تعد توحي لي بالكثير من الخواطر أكتبها للمجلة، وعهد التحقيقات الصحفية انتهى، إذ لم تعد للسفر سوى وجهة واحدة.
وعدتني مايا خيراً؛ فلابد أن تعلم بوجود شاغر ما بحكم عملها واتصالاتها وصداقاتها، وأنا رغم أني ابنة دمشق فأنا لا أعرف فيها سوى الأهل؛ بحكم أسفاري وغربتي الطويلة وسكني بعيداً عنها بعد رجوعي.
المؤهلات لا تنقصني، وأنا واثقة أن بإمكاني التأقلم بسرعة.. أنا لا أخشى البدايات.
سهرت عند مايا حتى العاشرة؛ فطائرتي ستقلع الساعة السادسة والنصف من صباح الغد، وسيارة الأجرة ستكون بانتظاري في الساعة الرابعة والنصف لتقلني إلى المطار.
جاء السائق في الوقت المحدد، وانطلقت السيارة، والعتمة مازالت تلفّ المدينة الخاوية كوشاح أسود..
أغادر دمشق، وأنت ستنهض بعد قليل لتسافر عائداً إليها من اللاذقية..
أتساءل إن كنت أنت من اتصل بي مرتين بعد عودتك من السفر، ولم تتكلم!
لم أغلق السماعة بسرعة؛ بل انتظرت كل مرة وطلبت من الذي على الخط الآخر أن يتكلم؛ لكنه كان كل مرة ينتظر ثم يغلق الخط بعد أن أنهي جملتي!
لا.. لا يمكن أن تكون أنت.. كفاني أوهاماً..
أنت تهرب مني؛ لأن الشيء الوحيد الذي لم يكن في حسبانك هو أن أحبك!
أنت تخشى الحب.. تخشى أن تحبك امرأة؛ فكيف إن كانت امرأة متزوجة؟!!
تريد أن تكون حراً، والحب بالنسبة إليك قيد، لأنه التزام..
لكنه التزام جميل.. التزام لا يمليه الواجب؛ بل الشعور.
لا بأس.. نحن أخوة..
لقد جعلتني أختك؛ ولكن يصعب علي أن أجعلك أخي!
وما حاجتي أنا لأخ جديد، وأخوتي ممن لم تلدهم أمي كثيرون؟!!
********

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 11-05-09, 12:29 PM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



الخريف الثاني:
سافرت البحار.. لم تأخذ السفينة







اليوم السبت..
اليوم الأول من عطلة نهاية الأسبوع.
وطئت قدماي أرض المطار الكبير المزدحم دائماً..
وطئت قدماي أرضه للمرة الثالثة منذ سفر ليلى..
كانون الأول.. نيسان.. ثم آب.
مددت يدي بجواز السفر لضابط الأمن القابع وراء الحاجز الزجاجي؛ لكنه ما إن لمح لونه وشارته المميزة حتى قال لي شكراً، وأعدته إلى مكانه دون أن يفتحه؛ فأنا مواطنة منذ عشرين سنة في هذا البلد الذي يحترم مواطنيه..
هبطت السلم الكهربائي إلى حيث تسليم الحقائب.. نظرت مرات عبر الجدار الزجاجي وأنا أنتظر مرور حقيبتي على الشريط الدائري المتحرك فلم ألمحهما.. حماتي وحماي!
حملت حقيبتي الخفيفة (فباقي حاجياتي مازالت هنا منذ زيارتي السابقة)، وجلت بعينيّ مرة أخرى بين الجموع فلم أجدهما!
ثم.. سمعت فجأة صوت بيتر الأب يناديني، فأقبلت نحوه أحاول رسم ابتسامة على وجهي:
-مرحباً بيتر!
-مرحباً كارمن
هكذا تكون المناداة في هذا البلد الأوروبي.. لا عمي ولا امرأة عمي؛ بل الأسماء المجرّدة فقط، وكذا الأمر بالنسبة للأعمام والأخوال والعمات والخالات حتى وإن كان المنادي طفلاً صغيراً، ويستثنى من القاعدة الجدّين فقط!..

اسم والد زوجي هو أيضاً بيتر، وكذا اسم جده..
فحمداً لله أني لم أرزق صبياً.. ربما توجّب علينا أن ندعوه بهذا الاسم، خاصة وأنه أول الأحفاد، ليصبح بيتر "الرابع"!
.. عندما ولدت ليلى وأردنا أنا وبيتر تسميتها بهذا الاسم احتج الوالد بأن الاسم هو اسم لسلالة كلاب!!
هرعت إلى ليلى فاحتضنتها، وقبّلت جديّها على الوجنات، وتبادلنا عبارات المجاملة، ثم قاد المليونير بيتر سيارته الجاكوار إلى البيت..
إنه مصطنع في كل شيء حتى في مزاحه.
اصطنعت ضحكة لأوهمه أنه خفيف الدم فعلاً، ثم التفت إلى ليلى.. تأملتها وابتسمت:
-ياحبيبتي.. فرحة أنا بلقائك.. فرحة جداً أنك أصبحت تمشين من جديد وتتكلمين.. لقد ازداد وزنك وازددت جمالاً.
ضحكت ليلى ومدت لي يدها بهدية:
-هذه هدية لك ياماما.. صنعتها لك في المعسكر الصيفي.
-شكراً ياحبيبتي.
فتحت الرزمة الخضراء.. كانت الهدية قناعاً من الجص لوجه ليلى وضعته على وجهها بمساعدة المشرفة حتى جف واكتسب ملامحها، ثم لونته بلون فضي ورسمت الشفاه باللون الأحمر:
-كم هو جميل!.. سأحتفظ به في غرفة النوم كي أراه عندما أستيقظ وقبل أن أنام، وأفكر بك كلما رأيته.
****
صباح يوم الأحد أوصلتنا ماريا (حماتي) إلى "مركز التأهيل" حيث تقيم ابنتي وتخضع للعلاج منذ حوالي السنة، وتزور المدرسة أيضاً.. مدرسة خاصة في المركز.
أما أنا فسأمضي أيامي التالية في نفس الغرفة التي كنت فيها المرة الفائتة.
عندما آوت ليلى إلى فراشها وقبّلتها قبلة المساء، عدت إلى غرفتي وأشعلت لفافة تبغ.
جلست أدخن وأحتسي كوباً من الشاي..
".. سافرت البحار، لم تأخذ السفينة
وأنت كالنهار، تشرق في المدينة
الريح تبكي، تبكي في الساحة الحزينة.."
وأنا أبكي..
أندريا وفيروز والبحار والسفن و.. أنت!
أفكر بك أيها البعيد..
أرسلت لك بطاقة جميلة، ودونت عليها رقم الفاكس هنا.. في المركز.
أبعث في نفسي أملاً جديداً كاذباً.. فعساك ولعلك تتصل بأختك المزعومة!
تمددت في السرير ورفعت الغطاء حتى كتفي وأغمضت عيني..
فكرت بك، وبكل جراحاتك.. تدحرجت من جديد دمعات ساخنة على خدي، ووجدت نفسي أبكي هذه المرة بصوت مسموع:
-ارحمني يا الله!..
أريد أن أعرف طعم الراحة.. لماذا لا أشعر أبداً بالرضى؟.. بالرضى عن نفسي؟!
فتحت عيناي ومسحت دموعي وأنا أنظر عبر زجاج النافذة..
لاح لي في ظلمة السماء نجم يتلألأ.. أمعنت النظر إليه؛ فهدأت نفسي ونمت.
ماعدا الاستقبال الحار في المطار؛ فإن ليلى اعتادت على وجودي رغم أني حضرت بالأمس فقط.. بل إنها لم تعد تشعر بوجودي!
برنامجها في المركز مكثّف ما بين معالجة فيزيائية ونفسية ولغوية وسباحة وركوب خيل ومدرسة.. وأنا آتي إليها في فرصة ما بعد الغداء لأقضي هذه الساعة معها، أو في الفترة مابين العشاء ووقت الذهاب إلى النوم، لكني سرعان ما أجد نفسي وحدي أنتظر في غرفة ليلى مجيئها، وقد ذهبت هي في أثر المشرفة فلانة أو علانة ونسيتني.
تقبّلت الأمر في البدء وفرحت أن ليلى ليست انطوائية، وأنها منسجمة مع الآخرين ومشغولة؛ لكني وجدت نفسي في بحث دائم عنها هنا وهناك، وأنا ما أتيت إلى هنا إلا من أجلها ولوقت معلوم ولسويعات محددة في اليوم، وهي تعرف ذلك حق المعرفة.
جئت إليها؛ فلم تكن متحمسة لحضوري..
اقترحت عليها أن نتمشى في الحديقة؛ لكنها أصرت على انتظار المشرفة بربارة حتى تخرج من المكتب لتعطيها حبتي توت قطفتهما لها، وأذعنت لمشيئتها وانتظرت معها، وطال انتظاري، وبربارة مازالت في الغرفة تسجّل تقريرها اليومي، وليلى مازالت مصرّة على انتظارها وقد عبس وجهها.
بدأت أشعر بالحنق؛ فقلت لليلى محاولة قدر الإمكان أن أخفي انفعالي:
-أنا آتي من أجلك حتى نخرج في نزهة، وأنت تنتظرين بربارة لتعطيها حبتي توت قبل انصرافها إلى البيت، وكأنك لن تريها بعد اليوم، مع أنها ستكون هنا في الصباح من جديد، وأنا أنتظر معك طوال هذا الوقت.
-…
-سأذهب إلى غرفتي إذن.. إذ يبدو أن بربارة أهم مني.
-…
أردت أن أجس نبضها؛ فوقفت أنوي الانصراف؛ لكنها بقيت صامتة وكأن الأمر لا يعنيها البتة!
لم تركض ورائي وأنا أتجه إلى المصعد لتخرج معي إلى النزهة، أو لتطلب مني أن أنتظر قليلاً، أو لتعتذر مني على الأقل.
عدت إلى غرفتي وجلست فيها طويلاً أنتظر ليلى أن تأتي أو أن تتصل بي هاتفياً؛ فلم تفعل!
"جميل جداً يا كارمن.. لماذا جئت إذن إلى هنا؟!.." شرعت أخاطب نفسي:
".. هاهي ابنتك لا تحس بوجودك، بل وتتصرف معك ببرود، وبقلة أدب أيضاً.. إذ كثيراً مايعلو صوتها وتخاطبك بحدة، أو تقاطعك قبل أن تنهي جملتك!…
يا إلهي!.. ربما ستكبر باردة العواطف كجدّيها.. وأبيها أيضاً.. إنها تشبههما في الملامح، وستكون مصيبة إن كان للتشابه وجه آخر!
لعنهم الله جميعاً.. وليلعنه هو أيضاً أكبر لعنة"!
(كان المقصود باللعنة أنت طبعاً)!!
أطفأت لفافة التبغ ونهضت ألوم نفسي:
"حسناً.. سأذهب إليها.. إنها ابنتي، وأنا أمها
وعلي أن أستوعبها، وهي مريضة وأنا هنا من أجل
ماذا إذن؟!!".
****
اليوم ستتزوج ريما..
دعتني ريما لحضور زفافها؛ لكن الموعد تأجل وحان موعد سفري قبله..
لن يقام حفل زفاف على أي حال، ولن أرتدي للمرة الثانية ذاك الفستان الذي أخطته من أجل زفاف سناء من قبل..
لن أراك هذه المرة أيضاً..
ربما هذا أفضل.. فقد وصلت الأمور بيننا إلى أسوأ ماكنت أتمنى؛ ولكن من حسن الحظ أنها لم تكن أسوأ مما كنت أتوقع!
وماذا كنت أتوقع أسوأ من ذلك؟!
أن يحتقن وجهك غضباً وتحملق فيّ، ثم يعلو صوتك و..؟!!
أنت تضع اللوم كله علي بكل برود، وتحتفظ بهدوء أعصابك أمامي كي لا تعطيني الفرصة لأرد لك الصاع صاعين!
تمنيت لو أنك أعطيتني تلك الفرصة لأفجّر غضبي الكامن.. أفجّره فيك، وأرمي بوجهك بعضاً من أشيائك المبعثرة على طاولة المكتب أمامك..
أتمنى لو أني أصفعك، ثم أخرج من عيادتك إلى الأبد وقد صفقت الباب ورائي بعنف!
كنت أجلس قرب النافذة أمعن النظر إلى القرية المنبسطة أمامي يميناً، والغابة الممتدة يساراً.. أفكر بك وأنا أستمع إلى الموسيقى.
كلاسيكية حزينة كنفسي الحزينة..
أنت في الذاكرة لا تبرحها أبداً.. كيف استطعت أن تحتلني هكذا؟!
أحاول نسيانك فلا أقدر.. أحاول أن أكرهك فلا أقدر..
أشعر تجاهك بالمرارة.. (فالرجولة هي موقف لم أجده عندك أبداً وبحثت عنه عندك، ولم أجده بعد!).
لقد حاصرتك كثيراً، وكتبت لك كثيراً، وتمنيت لو نجلس معاً ونتحدث.. كثيراً.
وكنت تجيد دائماً التهرب مني، وتنزلق كالزئبق من بين أصابعي بإجاباتك المبهمة..
تشد الحبل ثم ترخيه وتؤكد لي كل مرة أننا أحباباً.. وكم وددت لو كنا كذلك حقاً..
تبعث كل مرة فيّ الأمل من جديد، وأجلس أنا في وحدتي أنتظر منك دون جدوى مبادرة صغيرة..
أصبح رنين الهاتف يوتّرني، فيقفز قلبي بين ضلوعي ويسبق قدماي إلى الجهاز الذي يحمل كل الأصوات إلا صوتك!
..أردتك واحة فرح، ولو صغيرة؛ لكن الحب لم يكن طوال سنة ونصف إلا من طرف واحد.
رنين الهاتف جعل خواطري تتلاشى:
-مرحباً يا كارمن.. أنا آناريتا.. سأحضر إليك لتناول الغداء.
-حسناً.
فتحت الباب ودخلت آناريتا.. امرأة قصيرة ممتلئة:
-تشاو كارمن
-تشاو آناريتا.. كيف حالك؟
-بخير.. تبدين مثيرة يا كارمن بهذه الثياب.. لو رآك أنطونيو لما قصّر بمغازلتك.
ضحكت، وقلت لها:
-مثيرة؟!.. دعك من هذا الهراء.
(لقد أحببت اليوم، والجو دافئ مشمس، أن أرتدي هذه البلوزة والتنّورة الضيقتين.. صحيح أنني رشيقة القوام، ولكن لم يخطر ببالي حقاً أني قد أبدو بهما مثيرة).
-ليس هراء.. أنت امرأة جذّابة، وأنطونيو…
-ما به أنطوينو؟!
-إنه رجل وسيم وأنيق، وأنا امرأة ممتلئة!.. أتعرفين أني كنت أكثر سمنة، وأن أنطونيو كان يطلب مني دائماً أن أنتبه إلى قوامي، ويشجعني لأذهب واشتري ثياباً جميلة؟
-…
-كنت أتأمل قطع الثياب المثيرة، وأفكر، مرتين ثم..
-لا تشتريها..
-أجل.. لقد اعترف لي أنطونيو أنه خانني مع امرأة أعرفها، وأنا لم أستطع إلا أن أسامحه.. لقد أقسم لي أن المبادرة كانت منها، وأنها لحقته حتى المنزل!
-ياله من رجل بريء!
كانت آناريتا تحضّر في المطبخ الصغير طعام غدائها الذي جلبته معها، وجلست أنا على الكرسي قبالتها..
ضحكت آناريتا، ثم قالت:
-تصوري.. إنه يخونني، ويغار علي.. يغار كثيراً.
-لا أستغرب ذلك.
-وأنت يا كارمن.. كيف حالك مع بيتر؟!
تجاهلت قصدها وتظاهرت أنني لم أفهم.
-ماذا تقصدين؟
-أقصد أن بيتر هادئ جداً.. هؤلاء الرجال الأوربيون الشماليون.. إنهم مختلفون.
-أجل.. إنهم حقاً مختلفون، وهدوئهم يبعث على الجنون أحياناً!
ضحكت آناريتا مرة أخرى وسألتني:
-ألن تتغدي؟
-لا.. لقد أصابني الأرق، وبقيت مسهدة حتى الرابعة صباحاً، ثم استيقظت تلقائياً الساعة التاسعة والنصف..
أنا لست جائعة الآن.
-لا يستطيع المرء النوم جيداً هنا.
-نعم.. إن المكان ضيق نوعاً ما.. يشعرني بانقباض نفسي.
لم يكن هذا هو السبب الوحيد، أو الأساسي.. فلقد بكيت الليلة الفائتة بما فيه الكفاية..
أريد أن أستريح من عناء التفكير.. أريد أن أعيش أيامي يوماً بيوم؛ ولكني لا أستطيع ذلك..
آناريتا تستطيع:
-أتعرفين يا كارمن.. لقد تعوّدت أن أعيش حياتي يوماً بيوم؛ فظروف مرض ايرين تحتم علي ذلك.. أنت على الأقل استمتعت بأوقات جميلة قبل أن تكتشفي مرض ابنتك؛ ولكن ابنتي مريضة منذ زمن بعيد، وقد تعايشت مع مرضها وقبلت بالأمر الواقع.. فلا جدوى من التفكير في الأحزان.
-معك حق.. الحمد لله أنها لم تعد طريحة الفراش، وأنها لم تعد بحاجة إلى كرسي متحرك.
-أجل.. أجل يا كارمن، لقد أصبحت ليلى في وضع نفسي أفضل.. إنها تتقبل مرضها الآن ولديها قوة الإرادة.. لقد منحتها أنت ذلك عندما جئت إليها في المرة السابقة.
-أجل، لقد أعطيتها مني طاقة كبيرة.. طاقة أتعبتني كثيراً، ولكن النتيجة كانت مثمرة والحمد لله.
-إنها تشعر نوعاً ما أنها في بيتها هنا.. لقد تأقلمت مع الجو وانسجمت مع المشرفات وأقامت علاقات صداقة مع باقي الأولاد.. إنها فتاة ذكية.
التقيت بعد الظهر بالطبيبة لأناقش معها إمكانية سفر ليلى إلى سورية من أجل إجازة قصيرة؛ فأخبرتني أنه من الأفضل الانتظار وتأجيل ذلك لوقت آخر بسبب كذا وكذا وكذا..
وعاد الأرق يزورني في الليل..
نهضت من الفراش حوالي الساعة الثانية، وجلست على المكتب أكتب حتى سمعت صوت الديك ينبهني إلى انبلاج الفجر..
اندسست في الفراش؛ لكن النوم استعصى علي مجدداً، وما إن تسلل أخيراً إلى أجفاني حتى أيقظني منه رنين الهاتف.. كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، وأنا لم أنم إلا ساعتين، وكانت ليلى على الطرف الآخر؛ فاليوم هو السبت..
اصطحبت ليلى في نزهة طويلة، وعدنا والجو مازال لطيفاً مشمساً منذ أسبوع.. منذ مجيئي إلى هنا..
أما صباح الأحد؛ فقد جلسنا –ليلى وأنا- في غرفة المعيشة بالمركز نشاهد معاً شريط الفيديو الذي سجلته المشرفات.. كان مسجلاً عليه برنامجاً للتلفاز المحلي الرسمي عن المركز ونشاطاته، وكانت ليلى بحق هي البطلة؛ فقد كانت اللقطات، وهي تمتطي الحصان تحتل أكبر مساحة من التصوير..
وأمضينا اليوم كله لوحدنا تقريباً؛ فمعظم الأولاد عند ذويهم في عطلة نهاية الأسبوع.
لم تتغير تصرفات اللامبالاة التي تبديها ليلى تجاه تواجدي معها؛ لكن إحدى المشرفات المعنيات بأمرها مباشرة لاحظت ذلك، وأرادت أن تتحدث إلي في نفس الوقت الذي كنت أنا أنوي فيه لقاءها ومناقشتها عن ذات الموضوع.
إن كل مشرفة في المركز هي بمثابة "أمينة سر" لعدد من الأولاد يلجؤون إليها عندما تعترضهم مشكلة ما، أو يشعرون بحاجة لشخص يمكن الوثوق به والبحث عن حل لهمومهم الصغيرة عنده.
كانت بربارة هي "أمينة سر" ليلى..
جلسنا معا في حديقة المقهى نشرب المرطبات ونتحدث..
أدركت بربارة حجم المشكلة، وتفهمت الإحباط الذي أشعر به كأم، في ذات الوقت الذي أفرح فيه لانشغال ليلى بمختلف النشاطات؛ فاقترحت علي أن تتناول ليلى العشاء معي، وليس مع الأولاد الآخرين –كما جرت العادة- وتبقى الفترة مابين العشاء ووقت النوم مخصصة لنا لوحدنا.
عندما حان وقت العشاء امتعضت ليلى عندما أخبرتها بربارة باقتراحها، ولم تبد حماسة كبيرة بادئ الأمر للذهاب إلي وتناول الطعام معي.. حيث أقيم.
كانت تتذرع كل مرة بسبب ما كي نبقى مع باقي الأولاد، وكنت أطلب منها في كل مرة أن تسأل بربارة إن كانت تسمح بذلك؛ لكن بربارة كانت صارمة في كل مرة.. وأذعنت ليلى للأمر مرغمة!
كنت أحاول قدر الإمكان أن يكون الوقت الذي نمضيه معاً ممتعاً؛ لكنني كنت ألحظ أنها معي، لأنها مجبرة وليس لأنها ترغب حقاً بذلك..
كنت أحياناً أذهب معها لنتمشى في الغابة، ثم نجلس على أحد المقاعد، وأقرأ لها قصة أخذتها معي من المكتبة؛ لكنها لم تكن حقاً تستمتع بذلك، وكثيراً ماكنت أراها شاردة الذهن لا تستمع حقاً لما أقرأه لها.
كان ذلك يحز في نفسي؛ فقد تغيّرت علاقتها بي كثيراً عن المرة السابقة..
كانت لا تطيق فراقي.. تريد أن تراني طوال الوقت.. وكانت مقعدة وبحاجة ماسة لمساعدتي ودعمي المعنوي وتشجيعي..
أما الآن، وبعد التحسن الكبير الذي حصل لها؛ فقد أصبحت لا مبالية، وأصبحت نظراتها باردة.. باردة جداً. يبدو أنها تأقلمت أكثر من اللزوم، وليس باستطاعتي تجنب ذلك طالما أن إقامتها هنا مازالت إلى أجل غير مسمّى، كما أنه ليس بإمكاني البقاء دائماً هنا.
****

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 11-05-09, 12:31 PM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



بعد أسبوع كان لي اجتماع مع الفريق الطبي، والمشرفات، والطبيبة النفسانية والأخصائية الاجتماعية.
ابتسمت، وبادرتهم بالمزاح، وأنا أراهم يشيرون إلي للجلوس على ذاك الكرسي في صدر المجلس، وقد توزعوا على اليمين واليسار، ينتظرون دخولي لأترأس أنا الاجتماع..
إن سمة التواضع فيهم تفرض على المرء احترامهم..
تناقشنا في وضع ليلى الحالي من كافة النواحي وتبين لي أنها مازالت لا تستطيع التركيز رغم كل الجهود والتمارين الخاصة، وأن تصرفاتها مازالت طفولية لا تناسب عمرها، ثم ذهبت في اليوم التالي للقاء المستشارة الغذائية في مكتبها الذي يقع في تلك المدينة الكبيرة، ويبعد مسافة ساعة بالسيارة عن المركز.
ومضت الأيام المتبقية من إقامتي مابين انشغال بليلى واجتماعات بالمعنيين بأمرها وزيارات الأصدقاء.
وحان من جديد موعد السفر..
اليوم الاثنين..
اليوم العشرون من شهر أيلول..
جاءت مارية في الصباح لتقلني إلى المطار..
استأذنت المشرفات لاصطحاب ليلى معي، وجلسنا ننتظر وصولها، والجو ماطر..
لقد استقبلني المطر عند وصولي، فأصابني الاكتئاب.. لكن الشمس ما لبثت أن أشرقت في اليوم التالي، وبقيت مشرقة حتى يوم سفري..
لم يكن وداع ليلى درامياً كالمرة السابقة، فقد قبلتني بسرعة، ثم لوّحت لي بيدها وهي تضحك وأنا أعبر الباب الزجاجي متجهة إلى البوابة..
في الخريف تبادلنا الأدوار من جديد أنا وبيتر.. أعود أنا ليسافر هو..
قبل سفره اتصلت بي مايا لتخبرني عن عمل لي في دمشق..
كانت فرحة بيتر أكبر من فرحتي، فقد أدرك مدى معاناتي وشعوري بالوحدة.. ربما تمنى أيضاً أن يكون في انشغالي بالعمل شفائي منك!
(هل كان لرغبتي في العمل بدمشق سبب آخر؟.. هل كنت أرغب شعورياً بالهرب منك، ولا شعورياً أن أكون قريبة منك!؟).
ذهبت مع مايا للقاء رب العمل.
دخلنا مكتبه الفخم.. الفخم جداً.
نادى على أحدهم بجهاز التحكم عن بعد ليجلب لنا شيئاً نشربه، ثم استرسل بالحديث مع مايا يسألها وتسأله بالتفاصيل عن أمور عائلية جعلتني أشعر بالسأم، وأنا أنتظر أن يسألني أخيراً عن شهاداتي ومؤهلاتي.. عن خبرتي وعملي!
باشرت العمل في اليوم التالي في بناء تمَّ ترميمه حديثاً، وتأثيثه بأثاث خشبي أنيق لا عهد للدوائر الرسمية به!
صحيح أن المركز الذي أعمل به تابع للدولة، ولكن وضعه خاص جداً.
ارتحت جداً للأثاث المريح، والنظافة والنظام، ولإدارة الإعلام حيث سأعمل..
كانت إدارة الإعلام مؤلفة من أربع موظفين فقط:
الأستاذ غسان وعماد والسكرتيرة فريال وأنا.
جو عمل مثالي..
أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الواسعة وغمرت المكتب نوراً غمرت قلبي فرحاً بالعمل الذي ينتظرني لأنجزه..
عدت إلى دمشق..
مدينتي التي ولدت فيها وكبرت وعشت أول عشرين سنة من عمري.. عدت إليها وقد تغيرت ملامحها كثيراً. نمت المدينة في عقود قليلة من الزمن نمواً لم تعهده مثيلاتها في قرن كامل!
جفّ نهرها الذي طالما تغنّى به الشعراء، وأصبح مستنقعاً، فاستعاض سكانها عن خريره بنقيق جوقة الضفادع التي تقطن جوفه.
لم تعد النسائم تحمل منه عبق أزاهير تنمو على ضفتيه، بل رائحة كريهة لجثة نهر تتفسخ.. وحدها الأشجار التي نمت على جانبيه ما زالت صامدة حتى تنضب آخر قطرة ماء تمتصها من أعماق تربته التي تجف رويداً رويداً كما جف سطحها.
مات النهر الذي كان منذ زمن ليس بالبعيد يزور أهل المدينة في بيوتهم، جارياً في قنوات تصل بينها..
كانت النسوة يرسلن الفاكهة لبعضهن البعض عبر القنوات، وهن يتنادين من وراء الجدران، والرجال يتوضؤون من مائها، والأطفال يتراشقون بالرذاذ.

كان بردى هبة دمشق..
ومات بردى فلم يبك عليه أحد، ولم يرث لحاله أحد، ولم يحاول إعادة الروح إليه أحد، وكأن موته أمر محتّم وطبيعي.
حرام أن تكبر المدينة وتتغيّر معالمها إلى حد التشوّه.. هذه المدينة التي ولد التاريخ من رحمها.. حرام!
قلت لي، والسيارة تنطلق بنا في تلك الأمسية:
-أنا أكره هذه المدينة.. أشعر دائماً بالانشراح عندما انطلق منها باتجاه القرية، ثم بالانقباض عندما أعود باتجاه دمشق!
نظرت إليك أعاتبك على كرهك العلني لمدينتي:
-لكن دمشق لم تكن كذلك.
-نعم، لم تكن كذلك.. إنهم التجار الذين شوّهوها!
(التجار؟! لقد ازدهرت دمشق منذ أقدم العصور على أيدي تجارها!)
لذت بالصمت.. لأني لم أشأ أن أفسد جو الأمسية الجميل بنقاش قد يطرق أبواباً أخرى!!
لقد سحرت دمشق الروائي هاني الراهب عندما جاء إليها من اللاذقية لأول مرة..
قال في لقاء معه أنها سحرته ببناتها وياسمينها ونظافة شوارعها، واعترف أن دمشق قبل أربعين عاماً هي غير دمشق التي نعرفها اليوم..
وأن سكانها كانوا من أكثر الناس دماثة.. لا يجعلونك واحداً منهم، ولكنهم يرحبون بك، ويحترمون خصوصيتك.. فكيف تكرهها بدل أن تشفق عليها؟
****
القلق هو رفيقي الدائم..
هناك في الغربة، كان القلق يعبث بي في الليالي عندما آوي إلى فراشي… أفكر في السنوات القادمات وأتساءل إن كنت سأمضي عمري الباقي كله في الغربة.
الغربة يحملها المرء معه فور رحيله لتكون زوّادته منذ اللحظة التي تطأ فيها قدمه الأرض الغريبة، وأنا حملت زوادتي معي منذ اللحظة التي وطئت فيها قدمي أرض ذلك المطار الكبير متأبطة ذراع زوجي الأجنبي..

أحببت في بلاد الغربة نظامها ونظافتها، والتزام أهلها بالعمل والمواعيد، وسهر الدولة على راحة مواطنيها.. طبيعتها جميلة.. يهتم الناس بالمحافظة عليها، فلا يشوهوا جمالها بأبنية قبيحة، ولا يرموا فيها قمامتهم.. طبيعة جميلة نظيفة منسقة، لكنها تفتقد إلى الرومانسية.
تلك الرومانسية التي أجدها في طبيعة بلادي رغم الأبنية القبيحة والقمامة واستهتار الناس!
كنت أفتقد الرومانسية في الطبيعة، والدفء في قلوب الناس..
كرهت في بلاد الغربة برودة عواطف أهلها، وتعجرفهم، وضيق أفقهم أحياناً..
مللت من أسئلتهم التقليدية: المرأة والحجاب، المرأة والرجل، الإسلام ومحرماته.. إسرائيل" المسكينة" والعرب المتربصون بها!
أسئلة تتكرر دون أن يتكبدوا عناء البحث عن أجوبتها بأنفسهم، ثم مناقشتي فيها كما أناقشهم أنا في قضاياهم.

أغرب سؤال سمعته كان عندما دعونا مرة لزيارتنا زوجين أتوا حديثاً للسكن بجوارنا.
تبادلنا الأحاديث عن الطقس والأولاد والجيران وأحوال البلدة وغير ذلك من الأحاديث التافهة التي لا مفر منها أحياناً حرصاً على اللباقة، ولعدم إحراج الطرف الآخر إن كانت اهتماماته لا تتعدى هذا المجال المحدود.
ثم.. ومن حيث لا أدري تغيّر فجأة مجرى الحديث، وأصبح "العالم الغريب" الذي جئت منه موضع اهتمام غابي وزوجها مارسيل الذي بادرني بسؤال لا يخطر ربما على بال طفل أن يسأله.. فما بالك برجل تجاوز وقتها الثلاثين من عمره!
سألني مارسيل ببداهة وبلاهة:
-هل تعرفون، وتستعملون فراشي الأسنان؟!
من حسن حظ مارسيل في تلك الأمسية أنني لجأت إلى طريقة العد إلى عشرة المحمودة، ولم أفتح فمي جيداً لأبرهن له على سلامة أسناني، ومعرفتي بفرشاة الأسنان، وبالمسواك أيضاً.. فرشاة أسنان أجدادنا أيام كان أجداد مارسيل لم يكتشفوا الفرشاة بعد، وكان القمل يسرح ويمرح في رؤوسهم!

منذ تلك الأمسية أصبح غابي ومارسيل حذرين في طرح الأسئلة.. ربما لأنهم اكتشفوا بأنفسهم أننا لا نمسح مؤخرتنا بأوراق الشجر!!
(هكذا هم معظم الناس، وليس كلهم.. فأصابع اليد ليست واحدة، ولي من مواطني تلك البلاد أصدقاء متسامحين ومحبين يحلو الحديث معهم)
الشعور بالقلق ملازم دائماً للشعور بالغربة..
كنت أقلق من شيء مجهول يحمله لي المستقبل.. شيء لا أدري كنهه، وكنت في نفس الوقت أخاف… أخاف أن أموت في الغربة، وأدفن في أرض غريبة باردة..
لم يكن الموت بحد ذاته يخيفني أبداً..
أنا لا أخاف الموت، ولا أخاف المجازفة.. لا أخاف السفر ولا أخاف الفأرة التي تخافها النساء!!
(يا لها من مسكينة تلك المخلوقة الضعيفة.. الفأرة!)
عدت إلى الوطن.. إلى أحضانه، لكنني لم أجد فيه الدفء الذي كنت أبحث عنه، وعاد القلق من جديد ليصبح رفيقي.
الشيء المجهول الذي كنت أتوجس أن يحمله لي المستقبل، لم يعد مجهولاً، فقد تجسّم لي القلق ثلاثي الأبعاد..
مرض ابنتي هو عمق القلق.. أهم أبعاده..
أما بيتر وأنت، فطول القلق وعرضه!
كان بيتر يتركني دائماً ويسافر إلى بلده.. حيث عمله.
كنت أتحمل غيابه، فعلاقتنا هي على أي حال من نوع آخر، فأنا أفتقد فيه عقل الصديق، ولا أفتقد جسد الزوج، أو أشواق الحبيب، وكانت ليلى تملأ وقتي وتشغلني بمسؤوليتي تجاهها، وتؤنسني بوجودها.
أما الآن.. فأنا وحيدة حقاً.
وأنت؟..
كيف أحببتك كل هذا الحب؟!
لا أنتظر جواباً منطقياً.. متى كان الحب منطقياً؟!
لقد تسلّقت جبالاً مكللة بالثلوج في سويسرا.
عبرت بالسيارة الغرب الأمريكي حتى المكسيك وأنا في مقتبل العمر وحدي مع جدة تجاوزت الثمانين من العمر!
طرت بالحوّامة فوق بركان ثائر في هاواي دون خوف، وسمعت زمجرة النمر في أدغال ماليزيا، وليس معي سوى سكين لن يمنع النمر من التهامي!
جرّبت قدرتي على تحمل الغثيان في قارب سريع ترفعه الأمواج العاتية ثمانية أمتار، ثم تهوي به في ثوان وسط محيط هائج عند سواحل جزر تاهيتي.
حاول سائق سيارة أجرة في تايوان ابتزازي، ووقف أمامي متحفزاً بطريقة الكونغ فو وهو يصرخ بالصينية لإخافتي، فما كان مني إلاّ أن قلدته الحركة والصراخ فلاذ بالفرار وهو لا يعلم أني لا أفقه من الكاراتيه شيئاً!
وحاول بعض رجال الشرطة تجاوز سيارتي في الأردن بسيارتهم بالقوة، ودون وجه حق، فترجلت من السيارة وتقدمت نحو السائق، وقد انحشرت سيارته في الزحام، لأجذبه من ياقة قميصه، وأنا أهدده ببطاقة سحبتها بسرعة من جيبي، وكأنها بطاقة حصانة دبلوماسية، ثم أعدتها بنفس السرعة كي لا ينتبه، وأنا أقسم أن أخرب بيته، فبدأ يعتذر ويتوسل وهو لا يعلم أن البطاقة كانت مجرد بطاقة اعتماد من البنك!
أول صفعة تلقاها رجل مني كانت منذ أكثر من عشرين عاماً، وكان هو يكبرني بعشرين عاماً..
تجاهلته سنة كاملة رغم أن ظروف العمل كانت تجمعني به معظم الأحيان، ولم أصفح عنه إلا عندما وقف أمامي يبكي كالطفل لأنه لم يعد يحتمل!
(عديدة هي المرات التي تمنيت فيها لو.. ولم أجرؤ لأنك لم تعط انفعالاتي فرصة، ولأنك ذو سطوة ومهابة، ولأني أحبك.. كنت ألمح آثار أصابعي الخمس حمراء على.. خدك.. في مخيلتي فقط!!)
أجل يا عزيزي.. هذه أنا.
لا أروي لك أحداثاً من نسج خيالي، بل أروي لك أحداثاً صحيحة مئة بالمئة، ليست سوى غيض من فيض، والله على ما أقول شهيد، وكذلك بيتر!!
كنت جريئة وشجاعة وخالية البال..
أستعرض أحياناً شريط الماضي في بالي، وكأني أستعرض أحداث فيلم من أفلام المغامرات بطلته ليست أنا.. فأضحك في سري وأنا أفكر أنه لولا الذكريات والصور والوثائق لما صدقت أنني أنا البطلة!
كانت رباطة جأشي، و"آية الكرسي" تكفيني لأنجو من المأزق مهما تكن..

لكن مأزقي معك مختلف.. وقد طال أمده سنة وسنتان..
سنتان لم تنفع فيها "آية الكرسي"، ولا الصلاة، ولا الصوم!


***

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 21-05-09, 10:26 AM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 




الشتاء الثاني:
.. ويمطر الشتاء قرنفلاً أحمرا








لا أدري كيف خطرت ببالي فجأة أختك أم ياسر.. قبل أن أرفع السماعة كنت أسأل نفسي: هل أزورها اليوم، أم غداً؟
لكن الصوت في داخلي أجاب: بل اليوم، فقد تسمعين عنه خبرا!
ما إن سلّمت على أم ياسر وجلست حتى رن جرس الهاتف!
لم أعرف من المتحدثة، لكنني عرفت فوراً أنهما يتحدثان عنك.. هي وأم ياسر..
سألتها بلهفة:
-هل هو متوعك..؟
لمحت في عينيها تعجباً أني عرفت فورا.
قالت:
-أجل.. إنها زميلته.. لقد شعر بالدوار، وهو في مدرج الجامعة.
-سأزوره في العيادة لأطمئن عليه.
-أرجوك.. لا تخبريه أننا نعرف.. هو لا يحب أن نعرف كي لا نقلق عليه!
لقد كان بالأمس عاتباً علينا وشكانا لأمه لأننا نهمله، ولكن بالله عليك.. كيف أذهب إلى بيته لأرتبه له؟.. ماذا سيقول عني الجيران أن رأوني؟.. أنهم لا يعرفون أنني أخته!!
عجبت من منطقها الغريب.. ماذا سيقول عنها الجيران حقاً؟!.. يا للسخف.. مجرد حجة واهية كي تتهرّب وأنت.. ما أطيب قلبك!
فحتى ريما التي تدللها، وتجلب لها الهدايا وتأخذها إلى الحفلات استغنت عنك فور زواجها، ولم تعد تزعج نفسها بمرافقتك إلى اللاذقية عندما تنتهي زيارتها لأهلها في دمشق.
تطلب منها أن ترافقك، لكنها تتركك تسافر وحيداً رغم أن وجهتكما واحدة!
عقارب الساعة تتحرك ببطء، وأنا أنتظر أن تحين الساعة السادسة مساء..
أسرعت فرحة .. أحمل إليك قرنفلة حمراء..
قلبي تدحرج إلى قدمي، لكن نبضه يصل حتى رأسي!
سألني حمزة، وأنا أناوله القرنفلة ليسلّمها لك:
-ما الاسم لو سمحت لأقول له؟
-لا عليك.. سيعرف لوحده!
وناديتني..
فأجبت: بعفوية: نعم..
كتلميذة مطيعة جاءت لتزور أستاذها!
ودلفت من الباب، وابتسامتي تسبقني إليك.
وجهك يشع بابتسامة عريضة وأنت تشدني إليك وتقبلني على الوجنتين، فأضغط بلهفة على يدك القوية الدافئة وقد اغرورقت عيناي بالدموع.
أجلس قبالتك مضطربة جداً كعادتي كلما تصالحنا.. صامتة.. فالكلام كله مقروء في عينيّ.
وأنت مضطرب مثلي.. تسألني مرة وثانية وثالثة كيف حالك.
(كيف حالي؟.. مشتاقة إليك.. لم أرك منذ آب.. وقد شارف تشرين الأول على نهايته)
جئت إليك لأتكلم، ولكنني معقودة اللسان دائماً بقربك.. لا أريد إلا أن أتأمل وجهك، ولو بقيت لساعات.. صامتة!
أريد أن أخبرك عن كل متاعبي، ولا أريد..
أريدك أن تستشف ذلك بنفسك، وتسألني وأجيبك على قدر السؤال.. كي لا أتعبك.
وأنت.. أدركت هذه المرة أن عليك أن تسألني..
تسألني، ولكن بحذر كي لا يزل لسانك أيها اللعين!!
****
جاءت سوسن إلي في المكتب عند نهاية الدوام، ففي فندق الميريديان معرضاً لأجهزة الحاسب ومستلزماتها، وقد اتفقنا على زيارته معاً مساء اليوم.
كان من الصعب إخفاء الفرح الذي خلقه لقائي بك البارحة.
كان الفرح يتألق في عينيّ، فبادرتني سوسن ضاحكة:
-الله.. الله.. تبدين فرحة للغاية.
-أجل.. أنا فرحة.. وبهذه المناسبة أدعوك لتناول الغداء في مطعم فاخر تختارينه بنفسك!
كانت الشمس المشرقة دافئة، والطعام لذيذ، والحديث ممتع.. كل شيء كان رائعاً..
جاء النادل بورقة الحساب، فناولته آخر النقود التي كانت في المحفظة!
ثم ذهبت بعد سفر سوسن إلى أمي أستدين منها مبلغاً من المال حتى يوم القبض.. فقد طار باقي الراتب، والحوالة لم تصل من بيتر بعد!!
****
كيف أكره قوتي أمامه، وأحب ضعفي أمامك؟
كيف تذيبني بابتسامة وتحرقني بقبلة ولو على الوجنتين؟!
لتذهب إلى الجحيم كل المشاعر الأخوية.. فليس بإمكاني إنكار القرنفلة!
وأنت.. لم تسألني إن كنت ذاهبة غداً إلى اللاذقية عندما زرتك.
لماذا؟.. لا خوف من رفقتي، فلست مطالباً بمبادلتي نفس المشاعر.
أو لم تقل لي عندما جئتك بالقرنفلة: "زوريني دائماً، فنحن أصحاب وجيران"؟!
جئت إليك يا جاري لأعرف إن كنت تريدني رفيقة سفر.
كان الباب مفتوحاً قليلاً، وصوت المذياع يصل إلى مسامعي، وحمزة ليس في غرفة الانتظار..
قرعت الباب قرعاً خفيفاً ثلاث مرات قبل أن تسمعني وتأذن لي بالدخول..
تسربت إلى أنفي، وأنا أدخل رائحة دخان.. رائحة نارجيلة!
أنت تدخن النارجيلة في العيادة!!
بادرتني مرحباً:
-أهلا.. أهلاً تفضّلي بالجلوس.
أضحك وأسألك عن تدخين النارجيلة، فتضحك..
أنت تجلس في العيادة وحيداً..
تدخن لتنفث مع الدخان همومك التي لا ترغب أن أشاركك فيها..
أنت متحفظ جداً معي في الحديث عن نفسك، وأنا فتحت لك كتابي لتقرأه صفحة.. صفحة.
وتسقط الجمرات.. واحدة، ثم أخرى على الأرض..
تنحني لتبحث عنها، وتلتقطها وتعيدها إلى مكانها شاكياً:
-هذه الجمرات.. لا تتقد جيداً.
-هل أضعها لك على النار في المطبخ؟
-لا تزعجي نفسك.. سيفعل حمزة ذلك.
(هو هنا إذن)
دخل حمزة ثم خرج يحمل معه الجمرات ليشعلها.
تعاود التدخين.. وأنا أتلذذ بصمتي وأتأملك.
وتعاود السؤال عن أحوالي، بحذر هذه المرة أيضاً فأجيبك عن تفاصيل أخرى لا تعرفها.. كعملي مثلاً.
ثم أسألك أنا أيضاً بحذر:
-هل.. أرافقك إلى اللاذقية.. أم أشتري بطاقة السفر؟
-اشتريها، لأني ذاهب إلى بيروت.. مؤتمر طبي!
(قرأت الكذب مرة أخرى في عينيك)..
-يا للمصادفة!!
نظرت إلي نظرة معاتبة لأني أشك بمصداقية كلامك..
يا لبيروت هذه، ومؤتمراتها الطيبة التي لا أسمع عنها في نشرات الأخبار!
مرة أخرى تتخذ من بيروت ذريعة واهية!
كنت على وشك أن أذكرك بتلك المرة الأولى، لكنني آثرت الصمت..
لست بحاجة لتبرر لي شيئاً.. أنت حر.
اذهب إلى "مؤتمرك الطبي" وعد منه، وقد عاد إليك نشاطك..
عد من بيروت رائق المزاج، واطلب ممن يجرون معك العمليات الجراحية في اللاذقية ألا يعكرّوه!!
****
موجات القشعريرة تجتاح جسمي في المكتب..
أشعر بالتعب، ولا رغبة لي بالعمل..
جلست قرب النافذة حيث الشمس، ألتمس منها دفئاً دون جدوى..
انطلقت الحافلة بي إلى اللاذقية بعد انتهاء الدوام، وحالتي الصحية تزداد سوءاً.
توجهت فوراً إلى منزل سوسن القريب وأنا في غاية الإعياء أرتجف من الانفلونزا.
نوبات السعال منعتني من النوم، ومنعت صديقتي المسكينة منه.
أعرف أنك لست ذاهباً هذه المرة أيضاً إلى بيروت.
أعرف أنك ذاهب لوحدك إلى اللاذقية
ندمت جداً أني تسرعت مرة أخرى معك..
ليتني لم أسألك..
المرض يصيبني كل مرة أصاب فيها بخيبة أمل منك.. صغيرة كانت أم كبيرة.
سيحين قريباً شهر رمضان.
سأصوم وأصلي وأطلب من كل قلبي من الله أن يشفيني منك!
(آه.. كم أود ذلك!)
فإن جئت أزورك في العيد، فاعلم أن الله لم يقبل توبتي!
****
سافرت مرة أخرى إلى اللاذقية..
أسافر كل أسبوعين مرة..
اليوم هو اليوم الأول من شهر رمضان، وأنا صائمة..
والبارحة كان عيد ميلاد ليلى.. أول مرة تأتي هذه المناسبة دون أن أشاركها فيها..
اتصلت بليلى اهنئها بعيد ميلادها..
لقد أصبح حديثها أكثر اتزاناً..
أخبرتني بالتفاصيل عن الحفلة التي أقاموها في المركز احتفالاً بعيد ميلادها، وعن صديقتها ايفي، وعن كعكة العيد بكريم البرتقال.
لقد أصبحت تفتقدني، وتتصل بي من حين لآخر من المركز بالبطاقة الالكترونية التي بحوذتها لتخبرني بتفاصيل حياتها اليومية..
اختفت تلك اللامبالاة التي كانت تثير أعصابي وتحزنني.. لقد تغيّرت ليلى حقاً.
تغيّرت نحو الأفضل من الناحية الجسدية، ومن الناحية النفسية أيضاً.
كنت قد اتصلت بسوسن البارحة أدعوها لترافقني إلى القرية، إذ لم أشأ أن أبيت الليلة وحدي.
كانت سوسن بانتظاري عند موقف الحافلة، وعندما لاحظت شحوبي اقترحت علي المبيت عندها فوافقت دون تردد، فقد كنت في غاية التعب.
****
عدت إلى دمشق..
ليست لدي الرغبة في زيارات يومية لأمي، أو أحد أخوتي..
لقد تعودوا على غيابي الدائم، فلم تنشأ بيننا تلك العلاقات الحميمة جداً ..
وكانت لي أفكاري المغايرة لأفكارهم..
فقد جعلني السفر والترحال، منذ أن كنت في الثامنة عشر، أنظر إلى الأمور من منظار مختلف.
وسّع احتكاكي المباشر مع أناس مختلفين من مشارق الأرض ومغاربها آفاقي، وأعطاني دروساً في المحبة والتسامح واحترام إنسانية الآخرين واختلافهم.
جعلني ذلك أيضاً أكثر حساسية في اختيار الأصدقاء.
لم تسنح الفرصة بعد لتكوين صداقات جديدة، هنا في دمشق.. فالأمر يحتاج إلى وقت، وأنا لا أعرف في دمشق أناس أرتاح للجلوس معهم والحديث إليهم سوى نائب السفير هانس وزوجته روزماري، وسكرتيرة السفارة سامية.
أما الآخرون الذين جاؤوا يزوروننا في اللاذقية فقد سافروا جميعاً.
عادوا إلى أوطانهم، أو انتقلوا للعمل في بلاد أخرى بعد أن انتهت مهامهم الدبلوماسية، أو عقود عملهم هنا.

ذهبت وحيدة إلى حفل توديع السفير الذي أنهى هو الآخر مهمته هنا..
جلست بعد انتهاء "مراسم تبادل التحيات" في ركن قصي أرقب الناس في حفلة الكوكتيل الباذخة يأكلون ويشربون ويتحدثون.
لم تكن لدي الرغبة في الأكل ولا في الحديث، فانصرفت بسرعة.
في اللاذقية تعرّفت على سوسن منذ سنوات.
عاش أهلها فترة في ألمانيا، وأمضت هي في سويسرا وقتاً تعلمت فيه الفرنسية في دير للراهبات هناك.
سوسن المتحفظة في عواطفها، وفي تعاملها مع الناس لا تلبث أن تصبح موضعاً للثقة إن نجحت في النفاذ إلى قلبها.. أتبادل معها الكتب نقرأها، والأفكار نناقشها..
أفتح لها قلبي وأبكي أمامها دون حرج، وأعرف أنها ستفهم السبب وتفهمني.
تأتي لتنام عندي عندما أكون وحيدة فيخطر ببالها فجأة، وقد تأخر الوقت، أن تصنع قالباً من الكاتو ننسى ونحن غارقتين في الحديث أننا زدنا معيار السكر فيه قليلاً، أو تشتهي فطائراً أصنعها بسرعة ونلتهمها ساخنة، فنسهر الليل بسببها ونحن نعاني من سوء الهضم!
نضحك ونبكي معاً.. نلعن الدنيا ونسخر منها، ونحن نعرف أنها تلعننا وتسخر منا أيضاً.
أما طارق الطبيب، فهو وأسرته الوحيدين من أهل القرية الذين تجاوزت علاقتي بهم حدود المجاملة والمعرفة السطحية.
يأتي طارق ليسهر عندنا في الصيف، وتمتد السهرة حتى الثانية صباحاً.. ينظر إلى ساعته، وقد تذكرها فجأة، مندهشاً ثم معتذراً أنه نسي الوقت، فأضحك وأقول له:
-أهلاً وسهلاً بك دائماً.. لا بأس علينا نحن إن تأخر الوقت، ولكن عليك أنت أن تستيقظ باكراً للذهاب إلى العيادة.
يتصل طارق دائماً عندما أكون وحيدة ليسألني إن كنت بحاجة لشيء ما، ويستفسر عن حال ليلى.
يدعوني من حين لآخر لتناول الغداء مع أسرته في المنزل، أو مع أصدقائه في المطعم ليبعد عني السأم والكآبة.
يوصلني وحقيبتي بسيارته إلى موقف الحافلة عندما أسافر، أو يترك مرضاه لعشر دقائق، ويأتي إلى الموقف مودعاً إن أوصلني شقيقه بدلاً منه.
عندما نجتمع نحن الثلاثة، يلتزم بيتر الصمت ويكتفي بالاستماع إلى حوارنا وهو يبتسم، ويزعجني ذلك، فأطلب منه أن يشاركنا الحديث، لكنه يقول أنه يستمتع بالاستماع إلينا ونحن نتناقش ونضحك!!
أطلب من كليهما أن يلتقيا عندما أكون مسافرة فلا يفعلان، ويبقى كلا منهما ينتظر عودتي كي نجتمع نحن الثلاثة!
****


 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 21-05-09, 10:29 AM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



اليوم هو الرابع عشر من شهر رمضان..
دعتني أم فادي البارحة لتناول الإفطار عندها مساء اليوم، فوافقت..
كنت مشغولة بري النباتات عندما اتصلت بي ريما تدعوني هي أيضاً لتناول الإفطار عندها اليوم…
تدعوني لتناول الطعام في بيت أهلها، وليس في بيتها!
(لماذا لا تدعوني لبيتها؟.. هل أنت مدعو للإفطار في بيت أختك، ومن الممكن أن أراك هناك؟!)
سأحضر إذن طمعاً برؤيتك فقط، وليس رغبة برؤية ريما، أو تذوّق طعام أمها التي لا تجيد الطبخ.
اعتذرت من أم فادي بعذر مقنع مع أني لا أجيد الكذب، وعدوت مسرعة إلى موقف السيارات فقد تأخر الوقت وأوشكت الشمس أن تغيب.
كانت ريما وزوجها يونس وأمها وأخيها ياسر متحلقين حول مائدتين واطئتين غير متساويتين في الحجم أو الطول موضوعتين في غرفة الجلوس قرب التلفاز.
(كم أكره هذه العادة.. التلفاز الذي يرافقنا حتى أثناء تناول الطعام).
أما غرفة الطعام حيث يمكن أن يجلس الإنسان مرتاحاً، فأظن أنها تبقى مجرد ديكور لا يستعملونها أبداً لتناول الطعام.
سألت أم ياسر:
-أين أبا ياسر؟
-لقد ذهب مع أخي إلى بانياس.. إنهم مدعوين لتناول الإفطار هناك!
(يا لحظي العاثر مرة أخرى.. ليتني لم أعتذر لأم فادي وتناولت الإفطار عندها)
كان منظر الملوخية غريباً جداً، فلم أتعرف إليها إلا عندما أومأت أم ياسر أن أضع في صحني بعضاً منها.. كانت في غاية اللزوجة!!
أما الكبَّة اللبنية، فلم يكن منظرها أفضل حالاً، ولا طعمها أيضاً!!
****
مشيت اليوم ساعتين أذرع الطرقات مللاً..
أتخيل أني سألاقيك في منعطف ما، وأقطع المسافات وأنا أنسج في خيالي كل مرة قصة جديدة للقائنا آه.. كم كنت سعيدة وأنا أتوه في شوارع المدن المغربية في آخر رحلة رغبت فيها..
سعيدة بالسير في مدن لا أعرفها من قبل، ولا يعرفني أحد من سكانها.. كما يعرفني الناس في اللاذقية.
في دمشق عدت لمغامرة التسكع في الشوارع، فقد أصبحت دمشق لا تعرفني.
شوارع دمشق مكتظة بالناس الذين أتخموا بطونهم بطعام الإفطار، ثم خرجوا يتدافعون داخلين أو خارجين من المحلات التي تعاود فتح أبوابها حتى منتصف الليل من أجل العيد..
تناهى إلى سمعي في "الطلياني" صوت جرس بيد شاب يهزه لجذب انتباه المارة، فالتفتّ إلى الخلف لأرى صاحب الجرس المتنكر بثياب "بابا نويل" يقف أمام يافطة كتب عليها "سوق خيرية من أجل الأطفال المصابين بالشلل الدماغي بمناسبة شهر رمضان".
"بابا نويل" وشهر رمضان.. هذه هي بلادنا.. مزيج من كل شيء.
دلفت من المدخل أهبط الدرج إلى السوق الخيري، وأجلت نظري في المعروضات.. لم أكن راغبة بشراء الملابس أو الشوكولا، أو مساحيق التجميل.
سحبت من جزداني نقوداً وضعتها في صندوق جمع التبرعات، وتدحرجت من عينيّ دمعات، وأنا أفكر بليلى وأدعو لها بالشفاء.
في الليل حلمت أني أزورك في العيادة، وما إن دخلت مكتبك حتى وجدت طبيباً آخر قد حل محلك!
نظرت إلى الجدار، فلم أجد صورتك التي من المفترض (في الحلم) أنها هناك.. بل صورة الطبيب الجديد!!
أصابني القلق والحزن من أجلك، وسألت الطبيب الآخر عنك، فأجابني إجابة مبهمة.
****
جاري حسام، مدير مكتب الطيران، في الرابعة والخمسين.. وباب شقتي التي استأجرت في دمشق لا يبعد إلا أمتاراً عن مكتبه..
كان بيتر يتردد عليه قبل سفره من أجل التنسيق لعمل سياحي مشترك، وكان هو يتفقد أحوالي بحكم الجيرة وعلاقته بزوجي..
فأنا امرأة وحيدة، والرجل الشرقي يشفق على المرأة الوحيدة.. يراها ضعيفة، ويرى نفسه ولياً لأمرها، فلا يتوانى عن مساعدتها خاصة عندما تكون جارته..
كان يناديني لأرد على الهاتف عندما يتصل بيتر.. إذ ليس في الشقة التي استأجرتها هاتف.
وكنت أتحدث إليه، عندما يلمحني، وأنا أمر يومياً من أمام واجهة المكتب الزجاجية لأدخل شقتي.. حديثاً لا يتعدى حدود تلك العلاقة.

قال لي مرة أن زوجي طيب القلب لدرجة أنه لا يتوقع لـه أن ينجح في العمل هنا، لأن الناس الذين سيتعامل معهم سيستغلون طيبته بالتأكيد.
ودعاني مرة لأزوره في البيت وأتعرّف على زوجته، فأذعنت أخيراً لالحاحه خاصة وأنه سبق لبيتر أن زاره في البيت.. لكن زوجته لم تكن حقاً من النوع الذي أرغب بصداقته، رغم حرصها أن تكون لطيفة معي، فلم تتكرر الزيارة!
لم أرغب أبداً في ذلك الحديث.. لكن حسام بدأ فجأة يحدثني عن زوجته.. عن اهتماماتها التي تنحصر منذ 25 سنة في شؤون المنزل فقط من طبخ وغسيل وتنظيف، وعن شجاعته التي خانته أكثر من مرة، فلم يتركها!!
أدركت عندئذ أنه يجب علي أن ألتزم جانب الحذر، فأصبحت أتجنب الحديث إليه وأكتفي بالتحية. (عجبت كيف يجرؤ أن يبدأ معي حديثاً كهذا، وعلاقتنا لا تتعدى حدود المعرفة السطحية..
أنا فتحت لك قلبي وأخبرتك عن أموري الشخصية، لكن الوضع مختلف، فأنت.. أنت تعلم!)
"الحب أعمى، لكن الزواج يعيد إليه النظر"***
****
قالت لي سوسن على الهاتف:
-لقد مللت.. كل يوم هذا الروتين القاتل.. قولي بالله عليك ما الغاية من وجودنا؟!
قلت لها مازحة في محاولة فاشلة لإزالة الملل:
- أن نأكل ونشرب و..!
- يا لها من حياة!
- المشكلة يا عزيزتي أن ما قد يجده أحدنا غاية لوجوده قد لا يجده الآخر كذلك.. الناس كلها تتذمر، وإن اختلفت الأسباب.
أنت مثلاً لم تتزوجي، ولكنك تتمتعين بكامل حريتك في كنف أسرة منسجمة، وحالك أفضل بكثير ممن هن مثلك، ولكنك غير راضية، لأن ثمة شيء تتوقين إليه وتفتقدينه.. شيئاً لم يتحقق في ذاتك..
وأنا.. عشت في أوروبا، وسافرت في أنحاء الدنيا وتزوجت وأنجبت، ومارست نشاطات كثيرة، ولكنني رغم ذلك لم أكن يوماً راضية تماماً عن نفسي يا سوسن.
-وماذا إذن؟
-ننتظر حتى نرضى عن ذاتنا.. أو نموت دون ذلك.. فهل من اقتراح آخر؟!
-لا!
الوحدة التي هربت بسببها من اللاذقية تبعتني إلى دمشق، وأنا كئيبة حتى البكاء.
أبكي وأتوسل إلى الله.. أرجو منه حلا.. حلا لا يتراءى لي أبداً.
صمت.. وقد قارب الشهر من نهايته.
صلّيت.. ولكني أشرد في صلاتي.
قرأت القرآن، فلم أشعر بالراحة النفسية التي أنشدها.
لم أقرأ في القرآن سوى قصص من سبقونا وتذكير بالإيمان، وأنا مؤمنة..
مؤمنة.. فلم تبخل عليَّ يا رب ببعضٍ من الراحة النفسية فقط؟
أريد فقط أن أكون راضية عن نفسي، ولكنني لست كذلك.
أنا لا أطلب منك مالا ولا جاها ولا مظاهر براقة..
لا أريد تلك الزائفة.. الآتية من المادة..
أريد سعادة تنبع من الروح.. من القلب، فأين أجدها؟!
****
حلمت أنك تزورنا في بيتنا.. بيت أبي، وأبي لا يزال حيا..
كنت مدعواً لتناول الطعام عندنا، وقد تناهى إلى مسمعي صوتك، وأنا في المطبخ أعد الطعام..
كنت أسمع تحادث أبي وأختي، ثم خرجت أنظر إليك وأبادلك بتردد البسمات، وأتأمل وجهك الذي كان يشبه وجه أبي!
ثم أدنو منك وأقبّلك في عنقك، وأسألك: ألم تشتاق لقبلاتي؟!
فتقول: بلى.. وتقبلني على شفتيّ!
استيقظت في ساعة متأخرة على غير عادتي.. ربما لأن الحلم كان جميلاً جداً.
اليوم الجمعة..
أمضيت النهار وأنا أجمع أشيائي في الحقائب والعلب لأنقلها إلى الشقة التي اشتريناها بالتقسيط.
كنت قد دفعت القسط الأول من مال حصلت عليه من لوحاتي التي تركتها هناك وطلبت من بيتر بيعها، ومن المال الذي جنيته من عملي في مجال التصميم الإعلاني، ومما تجود به المجلة عندما يتذكر رئيس التحرير فجأة أن يرسل لي شيكاً!!
أما القسط الثاني، فقد أرسله بيتر متأخراً جداً، ولم أستلمه بعد.. فقد حلّت أيام العطل: عيد الميلاد ورأس السنة. (كنت قد تركت لك عند نديم بطاقة تهنئة بمناسبة العام الجديد.. بطاقة بلا كلمات، فقد أقسمت مرة أخرى ألا أعاود الكتابة إليك).
****
جاء عيد الفطر مع البرق والرعد والمطر..
عدت ليل البارحة من اللاذقية بعد أسبوع إجازة أمضيته في منزلي.
أمضيت العيد للمرة الثالثة.. وحيدة.
أنتهز فرصة العطلة لأكتب..
تحلو لي الكتابة هنا، فأعيد كتابة الخواطر التي تراكمت في دمشق.
أستمع إلى الموسيقى وأكتب.
كانت سوسن تتصل بي لتسألني ماذا أفعل، فأقول لها أنني أكتب، فتتساءل بعجب: ألم تتعبي.. ألم تملّي؟!
****
كان البرد قارساً هذا المساء وأنا قادمة إليك.. مشتاقة إليك
أحمل إليك قرنفلة على الورقة.. دون كلمات.
كانت غرفة الانتظار فارغة
مددت يدي بالورقة إلى حمزة، وجلست أنتظر خروجه، فخرجت أنت بدلاً منه تمد لي يدك مصافحاً..
وجهك حيادي.. لا يعبس ولا يبتسم:
-أهلاً يا كارمن.. تفضّلي بالدخول.
-شكراً.
دخلت وأنا أظن أنك لوحدك.. ولكنك لم تكن لوحدك.
كانت هناك امرأة.
امرأة أنيقة وجميلة تجلس في الركن القصي.
(ارتحت أنها تجلس بعيدة!)
ألقيت عليها السلام، وجلست في المكان المعتاد.. على الكرسي اليساري قرب طاولة المكتب.
كانت فايزة أحمد تغني عبر المذياع: "قالوا لي هان الود عليه.."
(أغنية مناسبة تماماً.. كأنها تغنيها نيابة عني.. خسارة أننا لم نكن لوحدنا!)
بدأت تسألني عن أحوالي وأحوال ليلى، وأنا أسألك عن أحوالك.. والمرأة صامتة.
قلت لي أنك كنت في القرية.. "عندنا".. تزور المختار المريض..
(تزوره، لأنه مريضك، ولا تزورني وأنا مريضتك.. فمرة واحدة تكفي!)
وقفت تبحث بين رفوف الكتب، وتقلّب بين أصابعك كتيبات طبية تضع بعضها على المكتب أمامك. لمحت على المكتب خيوطاً فضية، فأمسكتها.. كانت خصلة صغيرة من شعرك:
-هل تقص شعرك، وتتركه على المكتب؟!
مددت يدك تتلمس شعرك وتتساءل:
-لقد استطال.. أليس كذلك؟!
انصرفت المرأة، ودخل رجلان يستشيرانك على عجل..
لمحت على مكتبك يقطينة صغيرة متطاولة.. ثمة كلمات مكتوبة عليها:
"ستبقى قريباً من الجميع، ولا تقترب من أحد"!
أنت فعلاً كذلك..
كان التوقيع يحمل اسم سوسن، لكنها ليست بالتأكيد سوسن التي أعرفها.
(ما قصة سوسن معك؟.. إن كلماتها لم تأت بالتأكيد من الهواء).
أمسكت باليقطينة أخط عليها:

"أصبحت الكتابة ممنوعة، لكن اللبيب من الإشارة يفهم"!
أعطيتها لك، وقد خرج الرجلان للتو، فوضعت نظارتك أمام عينيك لتقرأها ثم تسألني:
-لماذا ممنوعة؟!
(ما أشد مكرك!.. تشتكي من رسائلي وتجعل منها سبباً لابتعادك عني، ثم تتساءل!
سأعاود بالطبع الكتابة إليك.. سأعاود الإدمان بعد فترة نقاهة قصيرة!).
نهضت أريد الانصراف.. فوجئت بك تجذبني إليك وتقبّلني.. على الشفتين، ثم تعتذر مني لانشغالك!
اتصلت بي ليلى:
-ماما.. كيف حالك؟.. اشتقت إليك.
وبدأت تحدثني وتحدثني.. عن صديقتها ايفي، وإجازة التزلج، والمشرفات وايرين، وكل ما يخطر ببالها التحدث عنه.
كانت نبرات صوتها غير واضحة تماماً، لكنها كانت تحدثني بهدوء وتركيز لنصف ساعة، وعندما سمعت إشارة التنبيه أن الوقت على وشك الانتهاء.. قالت لي:
-ماما.. سأرسل لك في الهواء قبلات حتى ينتهي الوقت!
****
عاود بيتر الاتصال ليستفسر عن وصول النقود التي أرسلها:
-أتعلمين؟.. لقد استدنتها من البنك، لأن والديّ جمدا الحسابات بحجة أنهما قلقين على مستقبلي ومستقبل ليلى!!
-أنت وليلى؟! طبعاً أنا على الهامش بالنسبة إليهم. هل يخشون عليكما مني، ولأن البيت لا يسجّل إلا باسمي؟!.. هذا هو القانون في بلادي، فماذا بإمكاني أن أفعل إن لم يكن يحق لزوجي أو حتى لابنتي التملك فيها.؟! هل نسي والداك أن ليلى ابنتي، وأنني زوجتك التي عاشت معك عشرين سنة بحلوها ومرها، ولم أكن يوماً أنانية؟.. كان مالي الذي أجنيه هو بالطبع مالك، ولم أقتن أبداً ثياباً فاخرة ومجوهرات وأبذّر نقودك وأخرب بيتك.. إن حدث وافترقنا يوماً، فسأبيع فوراً، وأرد لك المال اللعين.. أرميه في وجوههم الصفراء، وأرحل.
-أرجوك يا كارمن.. أعرف ذلك، ويعرفان، ولكنهما هكذا بطبعهما.. أرجوك، لا تنفعلي..
****
عيون المسافرين في الحافلة التي تقلّنا إلى اللاذقية تتابع أحداث فيلم لعادل إمام.. أما عينّي فتتأمل عبر النافذة الغيوم الوردية في سماء زرقاء بعد ليلة عاصفة.
اجتزنا القطيفة، وقد لاحت قمم الجبال المدبّبة على يساري مغطاة بوشاح رقيق من ثلج هطل البارحة.. أفكاري مشتتة..
أتذكر حلم تلك الليلة.. حلمت أني في مستشفى، وقد تهت في الردهات. أرى ليلى وهي ما زالت طفلة تترك عربتها وتمشي، فأركض إليها.
وأتذكرك..
أنت تزورني دائماً في الأحلام لتؤكد لي أن عبثاً أن أهرب منك!
وقد استيقظت صباح اليوم، وفي بالي أطياف حلم أحاول أن أستذكره الآن، وأنا أنظر عبر النافذة:
كنت أزورك، وبعد انصرافي تذكرت أني نسيت شيئاً عندك.. مفاتيح؟
نعم.. مفاتيح..
عدت أدراجي لأستعيدها..
لم تكن أنت موجودا، بل حارساً يعمل عندك وزوجة له!
وفجأة.. رأيت بيتر يجلس مع الحارس يبادله الحديث والمزاح، وقد ارتدى كل منهما زي الآخر!!
سخرت من أحلامي السخيفة، وارتديت ثيابي على عجل، وأسرعت إلى مكتبي، فقد تأخرت في الخروج من البيت اليوم.
هذه أول ليلة أقضيها في هذه الشقة التي اشتريناها في دمشق من أجل أن يباشر بيتر عملا هنا، ومن أجل معالجة ليلى مستقبلاً، ومدرسة لها –ربما- ومن أجلي أيضاً.
ما زال البيت خالياً من المفروشات، سوى فراشاً اسفنجياً موضوعاً على فراشين آخرين كي لا يلامس الأرض الباردة مباشرة.
فراش وطاولة وكراسي بلاستيكية وبضع أدوات وأواني في المطبخ والحمّام.
جلست في غرفة الاستراحة مع زميليّ غسان و عماد نحتسي الشاي وندخن..
كان عماد يحدثنا عن دراسته الجامعية وعن أستاذته الصارمة نضال معلا..
نضال معلا.. زوجتك السابقة!!
كانت دهشتي كبيرة فخرجت تساؤلاً عفوياً من بين شفتيّ:
-نضال معلا؟! كانت أستاذتك؟
-أجل.. الزوجة السابقة للدكتور ".." من عندكم.. من اللاذقية!!
(من "عندنا".. هل أنا دمشقية، أم أنني أصبحت لاذقانية دون أن أدري؟!… أنا أشعر أنني فعلاً في بيتي هناك، وليس هنا).
وتابع عماد:
-إنها متشددة جداً مع الطلاب عندما يتغيبون عن محاضراتها.. لا ترتدي إلا البنطال، ولا تبتسم أبداً هذه المرأة.. إنها مسترجلة!!
ثم سألني فجأة:
-لماذا تطلّقا؟‍
-وما أدراني أنا ؟‍‍!!
أرأيت؟‍.. عبثاً أحاول الهروب منك، فأنت تقتحم أسواري دون قصد منك، ورغماً عني.. تزورني في الحلم، أو يذكّرني دائماً أحد بك.
(ما علاقة حلم الليلة الفائتة بحديث عماد وسؤاله الفجائي هذا الصباح؟‍.. عجباً).
كنت متعبة، واهتزازات الحافلة تهدهدني، فأغلقت عينيّ وغفوت للحظات، وعندما فتحتهما فوجئت بالرجل الجالس بجواري يقرأ بعضاً مما كتبته في الدفتر الذي نسيته مفتوحاً في حضني!
لا بأس.. إنه لا يعرفني ولا يعرفك، ولا يهمني أمره على أي حال.
****


 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
ربيـــعا ، للكاتبة عائدة الخالدي, قد يأتي الخريف, قد ياتي الخريف ربيعا
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:46 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية