لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


دليلي

الجزءالأول رفعت فانيسا اصابعها المرتجفة إلى رأسها، كانت تجلس دون حراك تحدق في ستائر غرفة نومها المطلة على الأدغال القريبة، قرع الطبول يقترب أكثر فأكثر ويعلو وسط هدأة المساء، صوت

مشاهدة نتائج الإستطلاع: هل أعجبتكم الرواية ؟
نعم 3 75.00%
لا 1 25.00%
المصوتون: 4. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-06-10, 06:07 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 171977
المشاركات: 2
الجنس ذكر
معدل التقييم: housam عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 10

االدولة
البلدSpain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
housam غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي دليلي

 

الجزءالأول
رفعت فانيسا اصابعها المرتجفة إلى رأسها، كانت تجلس دون حراك تحدق في ستائر غرفة نومها المطلة على الأدغال القريبة، قرع الطبول يقترب أكثر فأكثر ويعلو وسط هدأة المساء، صوت آخر قريب جداً مزق سكون البيت، ماذا؟ طلقة مسدس؟ جمدت فانيسا مكانها خائفة.. ترى، ما الذي ينتظرها في الطابق السفلي؟ لكنالحب و الشعور بالقلق على عمها تغلبا على خوفها فهرعت إلى مكتبه صارخة، في القاعةالمؤدية إلى غرفة المكتب وقفت فانيسا وجهاً لوجه امامه..الرجل المديد القامة، فيثيابه من الحاكي..ملأ الفزع قلبها عندما رأت المسدس المتدلي من يده.

- أنتياسيد!خرجت الكلمات من فمها بمرارة وهي تتخطاه لدخول المكتب.
كان النظر رهيباً، عمها برأسه الأشيب الحبيب كان كومة ملقاة على الأرض، ركعت فانيسا أمامه بلهفة منادية:
- عماه! عماه! أجبني، هل أنت مريض؟
لكن فمها الذي التصق بجبين الرجل الكهل ارتد عنه بسرعة.، كان جبينه بارداً كالثلج .
- هيا آنسة.
أحست فانيسا بيدي الرجل الثقليتين على كتفيها ترفعانها عن الأرض و تدفعان بها إلى القاعة.
- يجب ترك هذا المكان بسرعة، ليس باستطاعتنا عمل أي شيء للسيد كارول، والمركب بانتظارنا قرب النهر.
لم تفهم فانيسا شيئاً مماجرى، حاولت تخليص ذراعيها من قبضة الرجل، للحظة لم تعرف ان كان صديقاً ام عدواً، ورمقته بنظرة تحمل كل رعب الدني.
فهم الرجل وقال موضحاً:
- عمك مات اثر نوبة قلبية ياآنسة كارول، الرصاصة التي سمعتها اطلقتها على شبح كان يتحرك في الخارج.
على الرغم من تصديق فانيسا قوله الا أنها بقيت جامدة مكانها.
اقترب منها الرجل وهمس بلكنته الغريبة:
- التمرد أخذ طريق الثأر الأعمى، عليك قبول مساعدتي ياآنسة سواء رضيت بذلك أو لم ترضى.
- ماذا تقصد بذلك ياسيد؟
- هل تريدين شرحا ً مطولاً؟ عمك الطيب، رحمه الله، كان صديقي و أنا أنوي تخليصك من هذا المكان شئت أم أبيت.
قال ذلك وقبض على ذراعها بقوة مضيفاً:
- الوقت قصير، علينا لخروج بسرعة، الا تسمعين؟ قرع الطبول يقترب و أنا لا أحب أن استعمل العنف لإخراجك من ادغال اورداز.
ارتجفت أوصال فانيسا، فقد كان صوت الطبول يصم الآذان وكانت تعرف جيداً أن الرجل الواقف أمامها، دون رفاييل دوميريك قادر على استعمال العنف معها.
في الواقع كان قد بدأ يسحبها من الباب مصطحباً اياها الى العتمة الاستوائية في الخارج.
مسافة نصف ميل تفصل البيت الذي تركاه وراءهما عن النهر.
كان الدون رفاييل يساعد فانيسا لتسرع وسط الادغال الاستوائية مزيحاً الأغصان المتشابكة من أمامها.
أخيراً وصلا إلى حيث المركب، ساعدها الدون على نزول الدرجات المؤدية إلى اقمرة فرمت فانيسا بنفسها على السرير وهي ترتجف.
في ظلمة القمرة ملأت المرارة قلب فانيسا وهي تستعيد ماجرى في الأيام القليلة الماضية.
كانت الثورة قد بدأت وامتدت إلى مسافة قريبة من اورداز حيث احرق الثوار مزرعة على من فيها، تذكر يومها أن الدون رفاييل جاء إلى عمها راجياً إياه أن يترك اورداز و يذهب معه إلى جزيرة لويندا حيث يسكن.
لينارد كارول، عم فانيسا، والذي قضى في اورداز اكثر من ثلاثين سنة، لم يقبل عرض الدون، لم يصدق ان العمال الذين أحسن معاملتهم يمكن أن ينقلبوا ضده، حاول الدون اقناع فانيسا بالذهاب معه ورفضت هي أيضاً.

- آمل ألا تندمي على عنادك يا آنسة كارول.

قال الدون ذلك لغطرسة السيد الأسباني الذي لم يكن معتاداً على قبول الرفض من امرأة.
ثم أكمل ببرودة:
- يظهر ان الانكليز يندفون وراء شجاعة مزيفة، وعندما يفوت الأوان يدفعون ثمن غلطتهم بحياتهم.
ثم نظربغضب إلى عمها قائلاً:
- سيد كارول، أرجو أن تلح على الآنسة بالذهاب معي حالاً.
- آسف يادون رفاييل فنحن لا نجبر نساءنا على القيام بأي عمل، خاصة اذا كن ذوات شعر أحمر.
قال العم ذلك متطلعاً إلى فانيسا و مبتسماً.
- حسناً، عندك رقم هاتفي، اتصل بي ان ساءت الأمور.
ثم انحنى بتهذيب و خرج تاركاً فانيسا تصلي ان تكون تلك المرة الأخيرة التي ترى فيها وجهه.
في الأسبوع التالي ساءت الأمور أكثر، وبالتحديد، جاء هذا اليوم عندما ترك الخدم البيت الواحد تلو الآخر، عند ذلك طلب العم كارول من فانيسا ان تجهز القليل من الأمتعة التي قد يحتاجانها وذهب ليتصل هاتفياً بالدون رفاييل متمتماً:
- كان الدون على حق و يعرف الناس أكثر مني.
ذاك ماحدث وماكسر قلب عمها العزيز و قتله، وهاهي الآن في الحادية والعشرين من عمرها وحيدة..، عمها كان كل ما بقي من لها من أهل بعد أن قتل والداها في حادث سيارة وجاءت لتعيش معه في مزرعة القهوة على شاطئ نهر أورداز.
نظرت فانيسا من نافذة القمرة الصغيرة وهي مستغرقة في أفكارها لترى ألسنة اللهب المتصاعدة من بعيد.
أحرقوا بيتها الأبيض الجميل! احرقوا كل ذكرياتها مع عمها الطيب.. وبدأت ترتجف مثل ورقة في يوم خريفي.
بعد أن وجه الدون سير المركب نول الى حيث كانت تجلس في العتمة، اضاء القنديل وسألها ان كانت بخير.
كان صوته بارداً و بعيداً، ترى، ألم يتوقع أن تكون فانيسا شاهدت بيتها يحترق؟ ألا يظن انها بحاجة إلى موساة و عطف؟ ام كان يتجنب ذلك كي لا يراها تنفجر بالبكاء! وبدل المواسة قال بغضب:
- كان الجنون بعينه رفضك عرضي في الأسبوع الماضي، واليوم لوتأخرت قليلاً لفاتني الوقت و عجزت عن انقاذك.
أجابت فانيسا بصوت مرتجف:
- لم استطع ترك عمي وحده، كان كل اهلي، لم يخطر بباله أبداً أن ينقلب عماله ضده، لقد أحبوه و أحبهم، لماذا ياسيد؟ لماذا فعلو ذلك؟
- لأن قائدهم أغراهم بالوعود، بثروات الرجل الأبيض كلها ان هم انقلبوا عليه، اتركي الذكريات وراءك، عائلتي تنتظرك، بإمكانك البقاء معنا قدر ماتشائين.
- شكراً لك، لا أعرف كيف أرد جميلك.
- من يتحدث عن رد الجميل ياآنسة.
وفجأة تغيرت لهجته ومرر أصابعه في شعر فانيسا بلطف وحنان، ثم قام و أحضر لها كوباً من الشاي فقد كانت ترتجف.
عندما هدأت قليلاً خفض الدون النور وطلب منها أن تحاول النوم فيما زالت امامهما بضع ساعات قبل الوصول الى لويندا كما قال.
تمددت فانيسا على السرير الضيق محاولة النوم لكن صوراً كثيرة مرت في مخيلتها، تذكرت الأوقات التي كان يأتي فيها الدون لزيارة عمها في اورداز.


كانا صديقين حميمين رغم فارق السن الكبير بين الرجلين، تذكرت كم كانت تراه غريباً في ثيابه البيضاء، كما تذكر الطريقة المهذبة التي كان يكلمها و يعاملها بها.
مرة، عندما كانت مجموعة من الشبان في بيت عمها، جاء الدون للزيارة، كانت حفلة راقصة و صاخبة وكانت فانيسا الفتاة الوحيدة الحاضرة، أحد الشبان وكان يدعى جاك كونروي راقصها كثيراً تلك الليلة و أحست بميل اليه، تذكرت كيف كان الدون يقف بعيداً يدخن سيكاراً و يراقبها ببرودة، بعدها قال لعمها:
- لازالت طفلة.
ولأنها مازلت طفلة لم تكن تميل الى الدون، ووصلت الأمور الى ماوصلت اليه.. ربما لو قبلت عرضه الاسبوع الماضي لما مات عمها بنوبة قلبية.. ربما كان ذهب معها الى لويندا، وأخذت الدموع تنهمر بغزارة من عيني فانيسا المتعبتين الى أن غلبها النوم.
بعد ذلك بقليل استفاقت فانيسا على صوت خطوات الدون القادم من غرفة القيادة ، أخبرها بلهجة المهذبة الباردة ان لويندا اصبحت قريبة، وطلب منها ان تغتسل و ترتب نفسها استعداداً لملاقاة عائلته.
شعرت بالغيط لطلبه، هل من المفروض ان تكون بكامل اناقتها ليراها أهله؟ وبعد رحلة الهرب المضنية في الأدغال؟ وماذا لديها من ثياب غير الثياب الممزقة الوسخة التي تلبسها! كل شيء احترق..كل شيء..
بثقل كبير مشت فانيسا نحو المغسلة ورشت وجهها و شعرها و عنقها بالماء البارد المنعش، اذن عليها أن تكون حسنة المظهر عندما يستقبلها أهل هذا الرجل الاسباني المتعجرف البارد! كم تكره الاعتماد على غير نفسها، وعليه بالذات.
حاولت فانيسا جاهدة أن تمسد ثيابها و تخفي التجعيدات البشعة فيها، اما صورة وجهها في المرآة فكانت متعبة و شعرها الجميل مشعثاً.
تناولت فرشاة الدون الكبيرة قد بدأت تتسلل وسط ظلمة الليل الاستوائي متيحة لفانيسا ان ترى اجمل منظر وقعت عليه عيناها.
شاطئ فضي لبحيرة هادئة تحيط بها أشجار جوز الهند الجميلة، عند قدمي تلة عالية تستريح فوقها بكل شموخ قلعة توحي بالعصور الرومنطيقية الساحرة.
- رائع! رائع ياسيد!
ولمعت عينا فانيسا الخضروان في وجهها الشاحب المتعب، نظر اليها الدون مبتسماً ثم حول نظره الى مكان الجميل حوله قائلاً:
- مع ان القلعة مبنية على طراز القلاع العادية، الا ان حجرها المميز ذا اللون الوردي المذهب هو الذي يضفي عليها السحر.قمر الليل
همست فانيسا مأخوذة:
- كاستيلو دورو، وكأنها خارجة من كتاب أساطير!
- ابنتي بالتبني، فقد مات والداها وكانا صديقين لي، ندعوها باسم آخر.
وابتسم ابتسامة ماكرة ثم اكمل:
- تسميها" حبس الأسيرة الشقراء"، فتاة رومانسية، ستصبحان صديقتين كما أعتقد.
لمست فانيسا بعض السخرية الخفية في كلامه وفي عينيه اللتين تطلعتا اليها طويلاً قبل أن يوجه اهتمامه الى المركب.


أشعة الشمس على وجهه لمعت للحظة في عينيه، وعرفت فانيسا انها كانت مخطئة وان عينيه ليستا سوداوين، أحست بالرجفة وأدركت ان عليها ان تكون دائماً حاضرة لمواجهة مفاجآته.
- انظري!
قال الدون مشيراً بيده الى مكان قريب من المرسى، كان رجلان يقتربان من جهة الصخور، أحدهما تلقى الحبل الذي رماه له الدون، والآخر ساعد فانيسا على النزول الى الشاطىء، كان كلا الهنديين يتفحصان فانيسا بنظرات فضولية، وعرفت هي من جمال وجيهيهما البربري وعظام خدودهما العالية ان بهما دماً اسبانياً، كثير من هؤلاء الهنود ينحدر من نسل العبيد الذين كان يملكهم الاسبان الأولون على الجزيرة.
عندما كان الرجلان يوجهان الحديث الى الدون كانا يسميانه كومبادر، فعرفت فانيسا انهما من عماله الكثيرين على مزراع الفاكهة و البهارات و معامل العطور التي يملكها.
سار الدون الى جانبها بمشيئة الرشيقة وأخذ يخبرها ان الرجلين اصطادا بعض السمك ويريدان تحضير الفطور لهما على الشاطئ.
أحست فانيسا بالجوع عندما وصف لها الدون كيف سيحضران السمك على نار قشور جوز الهند، يجب أن تأكل لتستجمع قوتها لملاقاة عائلة الدوميريك.
تصاعدت رائحة السمك المشوي اللذيذة، وعندما تم حضيره أكلت فانيسا بنهم كبير، لم تذق في حياتها أطيب من هذا السمك وكان حليب جوز الهند الذي قدمه لها الدون منعشاً و لذيذاً، بعد الانتهاء من الطعام جاء أحد الرجلين لتنظيف المكان، شكرته فانيسا، ابتسم لها وذهب لغسل الصحون في ماء البحر وهو يغني لنفسه.
سألت فانيسا الدون بفضول:
- ماذا تقول كلمات الأغنية ياسيد؟
أجابها ببساطة:
- تقول ان البحر مثل الحب..قاسٍ وجميل.
ثم أكمل قائلاً عن الرجلين:
- جاليتو و بيريكو أخوان، اناس بسطاء استخدمهم لقضاء بعض الحاجيات في القلعة.
- ألا تخشى أن تمتد ثورة أورداز إلى هنا ياسيد؟
- لا، لويندا بعيدة و مقطوعة عن الثوار، والاسبان فيها منذ القرن السادس عشر، تعرفين طبعاً اننا نحن الاسبان مثلكم أنتم الانكيز تماماً ..لنا محميات كثيرة.
هنا ينتهي التشابه، قالت فانيسا لنفسها وهي تعبث برمل الشاطء وتحدق في البحر، تقول الاشاعة ان من فجر الثورة في أورداز رجل اسباني، وهنا عادت المرارة الى نفس فانيسا وهي تتذكر ماحدث، مرارة المستقبل المظلم الممتد أمامها.
يد الدون على كتفها أعادتها الى الحاضر، نظر إليها قائلاً:
- ليلة أمس كنت مازلت غاضبة وغير مصدقة، كان المر صدمة لك، ووقت الصدمة يكون الم أقل، الآن أنت حزينة و متألمة، تفكرين بماحدث، و بحظك التعس الذي أوقعك بين يدي هذا الرجل الاسباني المتعجرف الآتي من جزيرة لويندا، لابأس يا آنستي، الوقت كفيل بمسح كل آلام الدنيا، كوني شاكرة انك ما زلت على قيد
الحياة.
- بالطبع انا شاكرة لذلك ياسيد ، لكن ماذا افعل الآن، المزرعة اخترقت، عمي مات،ولست مدرية بأي عمل، طبعاً لابد ان نحصل على تعويض عن حرق المزرعة لكن...
- آنسةكارول، أرجو ألا تزعجي نفسك بالتفكير في المال، أعلم انك فقدت كل شيء، لكن طالماانت ضيفتي ..لا...
وصمت عندما لاحظ احمرار وجهها ثم قال:
- هل يصعب عليك تقبلضيافة رجل كان صديقاً حميماً لعمك؟
ثم ابتسم بمرارة وسألها:
- هل أسأتمعاملتك؟
- ليس الأمر كذلك، يادون رفاييل، لكن..
- لكنك لا تحبينني، حسناً ،علينا تناسي الأمور الشخصية.
الآن أنت طفلة وحيدة و بحاجة الى مساعدة، هذا كلشيء.
عليها ان تحاول قبول ضيافته شاكرة، لن يطول الوقت ، ستعرف السلطاتالانكليزية بماجرى و ستقوم بالتعويض عليها عندما تتخلص من الاعتماد على هذا الرجلالقوي الذي سيقرر سير حياتها في الاسابيع المقبلة.كان الدون يحدق فيرمال الشاطئ الذهبية عندما قال بلهجة مرحة وكأنه يخاطب أحد السواح:
- ستحبينبلدة لويندا، انها هادئة وفي نفس الوقت مثيرة..كالحب الحقيقي.

فوجئت فانيسابكلام كهذا يصدر عن الدون، وكانت تتخيله ممن يحبون بعنف، فمه القاسي قليلاً أوحىبذلك، ربما تكون مخطئة، مهما يكن فهي بالتأكيد، لا تسحد المرأة التي يحبها هذاالرجل أو سيحبها، ستكون جميلة بالطبع، فالدون ذو دوق رفيع، وستحسد كل نساء البلدةتلك المرأة التي ستكون سيدة القلعة وزوجة هذا الرجل الاسباني الكامل.
انقطعتتأملات فانيسا عندما ظهر فارس واقترب منها، كان الفارس فتاة ذات شعر أسود طويل تعبثبه الريح، لها عينان وحشيتان جميلتان، بحركات عنيفة مسرحية أوقفت الفتاة الفرسونظرت اليهما.
أطلق الدون لعنة غاضبة ووقف مواجهاً للفتاة التي ربما كانت فيالسادسة عشرة من عمرها، صبيانية التصرف، وفي عينيها نطرة تحد و ترقب.
بدأ الدونيكلمها باللغة الاسبانية غضباً، موبخاً اياها كما ظهر من لهجته العنيفة، كاناينظران الى بعضهما كقطتين غاضبتين مستعدتين للانقضاض.
- قلت لك ألف مرة أن لاتركبي بهذه الطريقة المجنونة.
وأخذ يكلم الفتاة باللغة الانكليزية و كأنه تذكرفجأة وجود فانيسا الى جانبه:
- انها فرس أصيلة لا حيوان في سيرك! ان لم تغيريطريقتك منعتك من الركوب.
- تمنعني! انها كلمتك المفضلة أيها السيد. قالت الفتاة ذلك ورفعت رأسها بشموخ متطلعة الى فانيسا:
- أنت الفتاةالانكليزية القادمة من أورداز،أليس كذلك؟ لست كما توقعتك، شعرك أحمر و عيناك بلون زمرد.
ابتسمت فانيسا رغمشعورها ببعض الحرج، فهي فتاة انكليزية متحفظة وغير معتادة على صراحة الشعب اللاتينيهذه.
تدخل الدون رفاييل وعرف فانيسا على الفتاة..باربرا دل كويروس، سألتهاالفتاة بطريقتها المتسرعة:
- هل ستقيمين معنا في الكاستيلو يا آنسة فانيساكارول؟وعندما رأت ثياب فانيسا الممزقة المجعدة:
أضافت:
- سأعيرك بعضاً من ثيابي، ستناسبك فمقاسك و مقاسي متشابهان.
شكرتها فانيسا ونظرت تجاه الدون الذي ظهر عليه السرور لعرض باربرا، وقال واضعاً يده على كتفها:
- الآنسة كارول تمر بفترة قاسية فقد فقدت عمها و أحرق بيتها، ستبقى معنا بعض الوقت، كوني لطيفة معها ياعزيزتي ، انتما من عمر متقارب وكلاكما طفلتان في بعض الأمور، آمل ان تنسجما.
ابتسمت له باربرا وغمزت بعينها قائلة:
- احياناً تريني معدنك الاسباني البارد القاسي، واحياناً اخرى ديبلوماسيتك المخملية، لن أكون المرأة التي تقع في حبك فأنت لا تطاق عندما تكون غاضباً، وعندما يتفجر حنانك يغرق الجميع.
- تتكلمين بطريقة لا اسمح الا للقليلين بالتجرؤ على استعمالها معي ياباربرا.
ولمعت اسنانه بانزعاج ولكن دون غضب، وكأنه لا يعرف كيف يتصرف مع هذه الفتاة الغريبة ثم أكمل مهدداً:
- ولا تعيدي ركوب الفرس بهذا الشكل، انك تجعلين العرق يتصبب منها.
- لكنها تحب ذلك.
وربتت باربرا على عنق الفرس بحنان ثم اضافت:
- الحقيقة اني رأيت المركب وأنا في القلعة، وعندما لم تصل انشغل بالي.. أترى كم أنا مولعة بك..رغم كل عيوبك!
عند ذلك أخبرها الدون عن فطورهما على الشاطئ ثم قال:
- سأرسل احد الرجال ليحضر السيارة من القلعة، أنت لازلت متعبة ياآنسة كارول ولا أظنك تقوين على السير.
أكمل كلامه واتجه نحو الرجلين، في هذه الأثناء نظرت باربرا الى فانيسا وقالت:
- انت لا تحبين الكومبادر ياآنسة كارول؟
جفلت فانيسا من المفاجأة فضحكت باربرا و أخذت تربت على ظهر فرسها.
- الأمر واضح، أنت لا تحبين هذا المكان..على هذه الجزيرة التي يملك الكومبادر جزءاً منها مما يجعلك تفقدين استقلالك و تضطرين لا طاعته.
- أظنك تبالغين ياآنسة دل كويروس.
احتجت فانيسا بشدة ثم قالت:
- لن أبقى هنا الا لفترة قصيرة ولا أنوي تلقي الأوامر من الدون رفاييل، أنا ضيفته لا مستخدمته.
- كم انت فخورة بنفسك، ربما لو كنت مستخدمة الدون رفاييل لكان ذلك أفضل.
- ربما.
اجابت فانيسا باختصار و أخذت تفكر بامكانية ايجاد عمل في الجزيرة، سرحت بأفكارها وهي تحدق في البحر و انعكاسات أشعة الشمس المتكسرة فوق امواجه، غير بعيد عنها كان يقف الرجل الذي أحضرها الى هنا، هو الآخر كان يحدق بالأمواج المتكسرة على الشاطئ الرملي، بم تراه يفكر؟ بأن البحر قاسٍ وجميل.. كالحب.
استدار فجأة ومشى باتجاه فانيسا وباربرا، كم يوحي بالقوة وزخم الحياة..هذا الرجل، هنا في لويندا يصبح شخصاً آخر، مختلفاً، انه السيد هنا، لا الضيف الذي كان يعاملها بلطف بارد عندما يزور عمها..



الجزء الثاني

استرخت فانيسا في المقعد الفخم في سيارة الرولز الفضية، كانت السيارة تعبر بوابة

ضخمة يحيط بها صفان من الاشجار الرائعة المحملة بزهور حمراء بلون اللهب.
- كل شيء هنا رائع..رائع حقاً ياسيدي! هل المكان حقيقة ام تراني أحلم؟
اندفعت فانيسا تقول ذلك بحماس طفل يرى الاشياء لأول مرة.
- هل تتمنين ياآنسة لو كنت أنا و الجزيرة حلماً واقعاً هيا..كوني صريحة معي،

حاولي.
قال ذلك بأسلوب تهكمي عرفته فانيسا جيداً أيام كان يزور عمها في اورداز،

نظرت اليه لتراه يبتسم ويعيد قوله:
- هيا..كوني صريحة. بانفعال كبير قالت فانيسا:
- أنت تظن ياسيدي أن بإمكانك اظهار كرمك امامي لأنك تملك قلعة و نصف

الجزيرة بينما لا أملك أنا شيئاً في الوقت الحاضر، أن كنت حقاً كريماً يادون رفاييل

فستجد لي عملاً على الجزيرة.
- هكذا إذن ؟ وبهذه السرعة؟ حسناً، مانوع العمل الذي تفضلين ياآنسة كارول؟

قطف القطن ام الفاكهة؟ او ربما تفضلين العمل في مصانع العطور؟
اندفع الدم حاراً الى وجه فانيسا امام الاحتقار الذي رأته في عينيه، وعضت على

شفتها..رباه ، لابد انه يجدها ناكرة للجميل، عرض حياته للخطر ليلة أمس

لانقاذها، وهاهو يأخذها الى بيته وليس لديها سوى التذمر تقابله به...
قال الدون بسخرية و نفاذ صبر:
- يعجبني عدم الاتكال على الغير ياآنسة كارول، لكنك تبالغين في ذلك الى درجة

لا تطاق، ثم أضاف:
- أنا متأكد ان كل النساء الانكليزيات لا يرفضن المساعدة وقت الحاجة، ويحزنني

موقفك مني، وأعتقد ان السبب في هذا الموقف يعود إلى كوني أجنبياً، لو كنت

انكليزياً لقبلت مساعدتي شاكرة، الهذه الدرجة تكرهينني ياآنسة؟ حسناً ، لن

يطول بك الأمر فعندما تعرف السلطات بالحادث ستقوم بالتعويض عليك.
قالت فانيسا بانفعال:
- انا..انا استطيع الاتصال بالقنصل البريطاني.
- بالطبع ، لكن اعلمي شيئاً ياآنستي العزيزة، قلت لك أن بيتي بيتك،
ارفضي ضيافتي ولن أغفر لك الاهانة ابداً.
ألقت عليه فانيسا نظرة جانبية ورأت الجد كل الجد على وجهه، ما أصعب التعامل

مع هذا الرجل! لو كان جاك كونروي هو الذي أنقذها من اورداز لكان الأمر

انتهى بكلمة شكر بسيطة و سريعة.
لكن هذا الرجل الاسباني دون رفاييل دو دوميريك يعتبر الأمر متعلقاً بشرفه و

يشعر بالمسؤولية تجاهها، تباً للعادات الاقطاعية الاسبانية!
في هذه الاثناء كانت السيارة قد وصلت بهما إلى ساحة واسعة امام القصر، توقفت

و نزل السائق مسرعاً ليفتح الباب للدون وضيفته اللذين اخذا يصعدان درجات

حجرية نصف دائرية وقفت فانيسا في أعلاها ونظرت الى الوراء مبهورة و مأخوذة

الحواس بجمال المنظر.
الجزيرة تحت أقدام القصر! انتبه الدون وقال ضاحكاً:
- يظهر ان أول دون رفاييل جاء الى هنا كان يحب ان ينظر اليه الناس من تحت.
في تلك اللحظة فتح رجل يلبس زياً رسمياً باب القلعة الضخم ليدخل منه سيد

القلعة و ضيفته ، أرض القاعة الكبيرة كانت من الموزاييك، في الوسط درج عريض

ارتقاء الدون وهو يحيط كتفي فانيسا بذراعه اخذاً اياها إلى قاعة اخرى.
كان المكان رائع الجمال، مزيناً و مزخرفاً بالتماثيل وخشب الماهوغاني المحفور،

شخصان كانا يجلسان في الداخل، رجل و امرأة، الرجل يقرأ جريدة والمرأة تجلس

قرب النافذة، كانت تلبس ثوباً ضيقاً ومن خصر ثوبها ينسدل ذيل طويل مزين

بأزرار ذهبية.
- اخيراً عدت يارفاييل؟
قالت المرأة مادة يدها النحيلة و متطلعة الى الدون بعد ان قاست بنظراتها فانيسا من

رأسها الى قدميها..رد عليها الدون بابتسامة جذابة سارحاً بنظره في عينيها البنيتين

و شعرها الجميل الذي كان يحيط بعنق أبيض ووجه مرفوع الى الدون.

عاتبته المرأة بغنج قائلة:
- رفاييل ، شغلت بالنا، لم ذهبت وحدك الى اورداز؟
- رجل واحد يعرف تماماً مايريد، أسرع من جيش بكامله يا عزيزتي لوسيا.
قال هذا ثم رفع يدها وطبع عليها قبلة خفيفة، لاحظت فانيسا خاتم الزواج في

اصبعها الى جانب خواتم الماس اخرى، لابد ان تكون هي السيدة لوسيا مونتيز

الأرملة الشابة التي اتى الدون على ذكرها امام عمها في احدى زياراته، زوجها

الذي كان يكبرها بكثير توفي منذ عام.
كان الدون يتطلع الى هذه المرأة وكأنهما الوحيدان على الجزيرة، وبتردد راه الجميع

ترك الدون يدها مبتسماً ثم قال:
- يسعدني كثيراً يالوسيا اهتمامك و انشغالك بأمر غيابي، أنا متأكد انك ستغفرين

ذهابي المفاجئ من الحفلة امس و امتناعي عن ذكر الاسباب ، تركت مع سكرتيرتي

امراً بعدم اشاعة النبأ حتى صباح هذا اليوم ساعة أكون في طريق العودة.
- لا بأس يارفاييل مادمت قد عدت الى القلعة سالماً، كلنا لاحظنا مدى اهتمامك

بماقد يحصل لصديقك السيد كارول و قريبته الشابة في اليومين الأخيرين.
قالت هذا و ابتسمت لفانيسا ثم اضافت:
- لكن اين السيد كارول؟
نظر الدون باهتمام الى فانيسا ثم اخذ يكلم السيدة باللغة الاسبانية شارحاً لها

ماجرى، ظهر الاهتمام على وجه السيدة مونتيز كما وقف الرجل الشاب الذي

كان يقرأ الجريدة واخذ يتطلع الى فانيسا باهتمام، ربما كان في أواخر العشرينات

أي اصغر من الدون بسنوات عديدة.
قال موجهاً كلامه باللغة الانكليزية الى فانيسا:
- أنا آسف جداً لما حصل ياآنسة كارول.
شكرته فانيسا قائلة لنفسها انه يبدو أقل تعقيداً من الدون ويمكن التحدث معه

براحة أكثر، عندما قام الدون بتعريف فانيسا رسمياً الى الشاب الاسباني رأي

الفاداس والى السيدة مونتيز.
أخذت فانيسا تجيب على اسئلة السيدة لوسيا الكثيرة..هكذا اذن، فقدت المسكينة

كل شيء! كم كان حظها كبيراً ان وصل الدون رفاييل في الوقت المناسب لانقاذها

من اورداز!
ثم استدارت السيدة مونتيز الى الدون ونظرت إليه بطريقة تجعل من اقوى رجل

عبداً لعينيها الداكنتين وقالت:
- أنت بطل يارفاييل.
ابتسم لها الدون قائلاً:
- انك تبالغين ياعزيزتي، الحظ يلعب دوره في هذه الأمور ثم هناك شجاعة الآنسة

كارول والتي ساعدت كثيراً.
سألت الأرملة ببطء:
- هل زرت لويندا من قبل ياآنسة كارول؟
- لا، سمعت عنها كثيراً، بالطبع، من الدون رفاييل عندما كان يزور عمي.
وبينما كان الدون يشرح للسيدة العلاقة التي كانت تربطه بعم فانيسا، وواجه

تجاهها بعد ان فقدت عمها و بيتها، كانت هي تتفحص بفضول منظر فانيسا وثيابها

، وبعد ان أكمل الدون كلامه قالت السيدة لفانيسا كلمات مدروسة:
- ان احتجت اي شيء ياعزيزتي، لا تترددي الي

- هذا لطفاً منك.
اجابتها فانيسا وهي رافضة، بينها وبين نفسها، فكرة قبول اي احسان من هذه

المرأة، وعرضها لم يكن عفوياً أبداً.في تلك لحظة سمعوا طرقة خفيفة على الباب الذي

فتح ووقفت على عتبة امرأة مخيفة في منتصف العمر تلبس ثوباً اسود، قام الدون

من مكانه وذهب يكلم المرأة ثم عاد الى جانب فانيسا وقال:
- شقتك اصبحت جاهزة الآن ياآنسة كارول، اظنك كتعبة و ترغبين في الانفراد.
فانيسا التي كانت تتوق ان تكون وحدها أجابته بلهفة:
- نعم ، أرجوك.
وقف راي الفاداس عندما وقفت فانيسا و ابتسم لها قائلاً:
- آمل ان أراك فيما بعد ياآنسة.
كانت ترد ابتسامته بمثلها عندما لمحت تقطيبة على وجه الدون يظهر ان ماقاله قريبه

لم يعجبه.
- كونسيبيون ستعطيك كل ماتحتاجين ياآنسة كارول، بإمكانك البقاء في غرفتك

ماشئت، سيؤخذ طعام الغداء اليك، لا حاجة بك الى النزول.
- أنت لطيف جداً ياسيدي.
قالت فانيسا ذلك بصدق، فبرغم كل مايوحي به مظهر هذا الرجل من قسوة،

تكمن في داخله طيبة ولطف حقيقيان.
- هيا ياعزيزتي ، حاولي ان تستريحي و تذكري انه طالما نحتفظ بذكريات طيبة عمن

نحب، كانوا احياء في داخلنا، الى اللقاء.
كانت الغرفة واسعة وذات سقف عال و السرير الجميل اطرافه عالية تنسدل فوقها

ناموسية.
وفي الحمام كانت رائحة الورد تتصاعد مع بخار الماء الذي يملأ المغطس، شكرت

فانيسا المرأة التي رافقتها قائلة ان لديها كل ماتحتاج اليه.
أحست بالراحة عند خروج المرأة، أخيراً وجدت نفسها بمفردها، خلعت ثيابها

الممزقة و ألقت بنفسها في الماء الساخن وأغمضت عينيها، أحست بكل تعبها

يتلاشى في دفء الماء المعطر، ثم قالت لتجد عباءة من الحرير لفت بها جسمها و مشطت شعرها ثم عادت الى غرفة النوم الجميلة.
كم بدت اورداز بعيدة..ملايين الاميال، لكن الحزن في قلبها مازال كبقضة حديدية، عمها الكهل الحنون الذي كان لها أباً و أماً، مات..يالله، وقامت فانيسا
من مكانها الى الشرفة.
اتكأت حافتها، وحدقت بعيداً بعيداً..في الأفق، لماذا لم تسمع كلام الدون؟ لم لم تقنع

عمها بترك اورداز؟ رربما كانت أنقذت حياته، لكن مزرعته و بيته كانا حياته

كلها. لو أُجبر على تركها و ترك كتبه التي كان يحبها، و البيانو وكل الأشياء لما تحمل قلبه الحنوون...
تنهدت فانيسا و أرخت قبضتها عن حافة الشرفة، صوت أجراس قادمة من البلدة
كانت كأنها تقول ان كل شيء مقدر! دخلت الغرفة و أغلقت النوافذ ، يجب ان تستريح لتستعيد بعض حيويتها.
استلقت على السرير وبدأت تفكر بالاشخاص الذين يسكنون القلعة...الدون، لوسيا مونتيز،باربرا..وعندما فتح الباب و أطل رأس باربرا ديل كويروس.
- حسناً، لست نائمة!
ودخلت حاملة بعض الثياب ثم ألقت بها على السرير.


الجزء الثالث

-شكرا لك ياآنسة دل كويروس
قالت فانيسا ذلك باسمة رغم شعورها بالانقباض،طبيعتها الاستقلالية تكره
الاعتماد على الغير مهما كانوا لطفاء.
- بالطبع، هذه الاشياء مؤقتة، الكومبادر سيرتب الأمر فتشترين كل ماتحتاجيناليه...
توقفت باربرا عن الكلام عندما رأت اللون الأحمر يندفع الى وجنتيفانيسا، ثمأكملت:
- سيصر على ذلك، غريب ان لا تحبي هذا الرجل، نساءكثيرات يتبعنه كظله،
ألا تجدينه مثيراً للاهتمام؟
- فقط أفضل ..أفضل انأحافظ على استقلاليتي.
- لا ينسجم ذلك مع وجودك في ضيافة الكومبادر، دعيني أخبركهذا، أنه رجل
اسباني حقيقي، وكمعظم رجالنا، يظن ان المرأة مخلوق هش وحساس،كالزهرة
تماماً، نساؤنا يعرفن ان ذلك غير صحيح ، لكنهن يظهرن عكس ذلكللحفاظ على
اهتمام الرجل ورعايته، هل كان لك خطيب في أورداز؟
- كنتمكتفية بصحبة عمي.
- لكن سيأتي اليوم الذي تريدين فيه الزواج، طبعاً؟ أنا أريدذلك واريد ان انجباطفالاً ايضاً.
ابتسمت لها فانيسا واخذت ترتب الثيابالتي احضرتها باربرا وتضعها في الخزانة،
بساطة وصراحة هولاء الناس تفاجئها،فقد احمر وجهها مرة ثانية عندما قالت باربرا
انها جميلة جداً بشعرها الأحمروجلدها ابيض كالزبدة، لكنها استطاعت ان تقول:
- كنت محقة لو كنت تتحدثين عنالسيدة مونتيز، أما أنا!
- هة، كل ذلك طلاء، كم اتمنى لو ارى وجهها وهي خارجة منالحمام مباشرة،
فانيسا، هل تجدينني جميلة؟
- طبعاً، أليس لديك مرآة فيغرفتك لتري ذلك؟
قالت فانيسا مبتسمة ثم اضافت:
- ربما كان هذا هو السبب الذييريدك الدون من اجله ان تحومي في الجزيرة علىفرسك، مثل صبي تماماً.
- لم أكن اجرؤ على فعل ذلك من قبللكن مرافقتي تركت العمل معنا وانا الآن
حرة في تجوالي، الدون طبعاً يريدني ان اتصرف كسيدة، وانا اكيدة انه سيجد لي
مرافقة أخرى عن قريب.
انه حقاً رجل ذو سطوة، هذا الدون رفاييل، رجل يأخذ مسؤولياته بجدية جديرة
بالاحترام، و أخذت فانيسا تتخيل السيدة مونتيز معه، يظهر ان باربرا لا تحب تلك
المرأة، لكنها صغيرة ولا تعرف ماتمثله امرأة مثلها بالنسبة الى رجل مثل الدون.

لاحظت باربرا شرود فانيسا؟ فقالت :
-ذكريات أورداز تلاحقك، سأتركك تستريحين قليلاً والا غضب مني الكومبادر،
أراك فيما بعد.
ثم خرجت و أغلقت الباب خلفها، ارتمت فانيسا على السرير واغرقت رأسها في
وسائد الحرير الناعمة.
عادت الذكريات تعصر قلبها، عمها، بيتها، اورداز و الحالة التي آلت اليها حياتها،
أتعبتها فوضى افكارها و استغرقت في نوم عميق.
استفاقت بعد بضع ساعات على صوت الباب يفتح ورأت كونسيبسون تدخل
حاملة صينية ملأى بالطعام و القهوة، جلست فانيسا في السرير لتجد نفسها محاطة
بالناموسية.
- هل نمت جيداً ياآنسة كارول؟
- نعم، شكراً لأنك أسدلت الناموسية اثناء نومي.نسيت ان افعل ذلك.
وضعت كونسيبسيون الصينية على الطاولة ونظرت الى فانيسا بوحشة ثم قالت:
- لم أدخل غرفتك منذ أن تركتك في الصباح ياآنسة، ربما كانت الآنسة كويروس
هي التي فعلت ذلك.
ثم استدارت وخرجت مسرعة خوفاً من ان تزعج ضيفة الكومبادر، يهتمون
بضيوفهم كثيراً في هذا المكان، ورغم ذلك لم تكن فانيسا مرتاحة، لم تكن معتادة
على الانصياع لرغبة أحد، في بيتها الجميل كانت سيدة نفسها، وعمها كان سهل
الانقياد.
سكبت فنجاناً من القهوة و أخذت ترشفه ييطء، لم تكن تشعر بالجوع، وضعت
الطعام جانباً واستغرقت في افكارها، لم تسمع الطرقة الخفيفة على الباب ولم تشعر
بأحدهم يفتح ويدخل، أحست بالرجفة عندما سمعت صوتاً عميقاً خافتاً يقول:
- اخبرتني كونسيبسيون انك نمت جيداً و طويلاً ياآنسة كارول.
كان الدون يقف قرب الباب واضعاً يديه في جيوب عباءة.
- نعم شكراً.
اجابته بتهذيب فتاة المدرسة المرتبكة، اقترب الدون من السرير و ألقى نظرة سريعة
على الطعام الذي لم تمسه، قالت فانيسا معتذرة:
- لم..لم استطع ان آكل.
أجابها الدون بمرح:
- لابأس، هل تعجبك الغرفة ياآنسة كارول؟
- إنها جميلة جداً.
وحاولت لملمة أطراف عباءتها فوق صدرها بحياء بعثه فيها منظر الرجل بقامته
المديدة، الرجل الذي لا تظن انه يراها كامرأة بل كفتاة صغيرة.
لاحظ الدون احمرار وجه فانيسا و تجاهله قائلاً:
- كانت هذه غرفة والدتي، انها من أجمل غرف القلعة، ربما كنت تفضلين غرفة عصرية أكثر.
- لا أبداً، أنها منسجمة مع جو القلعة.
اجابته مبتسمة فقد رق وجهه عند ذكر والدته.
قال بمرح و عيناه على فانيسا طيلة الوقت:
- لكن السرير ضخم و يخيف قليلاً، هل سمعت قصة الأميرة و حبة الحمص تحت
السبع فرشات؟ اذكر اني قرأتها عندما كنت صغيراً واذكر الصورة المرفقة ايضاً،

تشبه الطريقة التي تجلسين فيها على حافة السرير.
ضحك الدون و ابتسمت فانيسا التي فهمت قصده، يحاول يقول لها ان لا تشد

أعصابها في حضوره بهذا الشكل وأن ترتاح.
- لا أدري لماذا تنقبضين هكذا و تشعرين بالحرج في حضوري! ربما تفكرين انه لو
كان كونروى هو الذي أنقذك من اوردز، لأنقضى الأمر بسهولة، كلمة شكر و
ينتهي كل شيء، لا ياعزيزتي الشهامة و الفروسية صفتان نادرتان هذه الأيام.
دائماً يعود الى ذكر كونروي، هذا الاسباني المتعجرف هل يظن ان بامكانه التحكم
في حياتها؟ لمعت عيناها الخضروان بغضب و اندفعت تقول:
- كيف تريدني أن أدفع ثمن انقاذك حياتي يادون رفاييل؟ بالطريقة التي تظن ان
الرجل الانكليزي يتوقعها؟

ساد صمت ثقيل في الغرفة الجميلة: وفجأة انحنى دون رفاييل فوق فانيسا مركزاً
نظره على عينيها مسمراً اياها كفراشة..ارتجفت الفتاة في داخلها مخافة ان يعرف
هذا الرجل مدى الخوف الذي يملأ قلبها.
اخيراً كسر الدون هذا الصمت الثقيل قائلاً:
- أنت تخدعين نفسك ياآنسة كارول، ماقد يعجب شبلاً صغيراً مثل كونروي قد
لا يعجب رجلاً مثلي صقلته التجارب، بالنسبة الي، أنت مازلت عوداً أخضر و
طرياً ياآنسة.
ثم توقف وعاد الى برودته السابقة مكملاً كلامه:
- ما أطلبه منك لقاء انقاذ حياتك، هو ان تبقي في القلعة الى ان يصبح باستطاعتك العودة الى انكلترا، أصرعلى ذلك كصديق لعمك الطيب رحمه الله من
أجله فقط أبقيك هنا ، أفهمت؟
ملأ فانيسا شعور بالندم للكلام الذي وجهته اليه ، وتمنت لو يتركها وحدها ، سألها
ان كانت باربرا أحضرت لها بعض الثياب لتستعملها الى ان تشعر بالقوة الكافية
على شراء الثياب بنفسها، فأجابته بصعوبة قائلة:
- لا أريد أن استغل كرمك يادون رفاييل، ولا أظنني باقية هنا لمدة طويلة كي..
- مهما يكن فأنت بحاجة لثياب خاصة بك، والآن وقد ارتحت قليلاً، أرجو ان
تنزلي الى الحديقة لترافقي باربرا، الوحدة لا تلائمك في حالتك الراهنة، افعلي كما
اقول ياآنسة.
وأقفل الموضوع تاركاً الغرفة.
ارتجفت فانيسا و كأنها في مهب ريح باردة، ماهذا! أوامر؟ عليها ان تتصل بجاك
كونروي بأية طريقة ليمدها ببعض المال فتنتقل الى فندق، تفضل ان تستدين منه
على أن تشعر بأنها أميرة القلعة الذهبية.


في الأيام التي تلت بدأت فانسيا تتغلب على صدمة فقدان عمها و بيتها، صحبة باربرا ساعدتها كثيراً، باربرا فتاة نشيطة ممتلئة حيوية، رفقتها ممتعة رغم تصرفاتها الصبيانية احياناً، ماكانت فانيسا لتجد دواء أنجح من رفقة هذه الفتاة.
كانتا تذهبان للسباحة احياناً، وأحياناً لركوب الخيل على الشاطئ البحر أو للتنزه سيراً على الأقدام، كان الدون يلاقيهما بين وقت و آخر، كان ركوبه للخيل متقناً، وهو بثيابه الرسمية كان يبدو أكثر وسامة و أصغر سناً.
لكن شيئاً حدث ذات ليلة عكر صفاء الأيام المقبلة، كان الجميع يتناولون طعام العشاء عندما افتقد الدون باربرا وبعث في طلبها، لم تكن في القصر.
ولم يعرف أحد مكان وجودها، أحست فانيسا بالجو يتكهرب رغم محاولات مونتيز ترطيب الجو.
قريب الدون، رأى الفاداس كان قد ذهب لقضاء عطلة نهاية الاسبوع في مكان ما، أما جدة الدون فقلما تتناول العشاء معهم.
نظر الدون الى فانيسا نظرة اتهام، إنها وبربارا تقضيان وقتاً طويلاً معاً، لكن باربرا لا تتكلم عن نفسها كثيراً ولم تكن فانيسا لتعرف أين ذهبت تلك الليلة.
في الصباح التالي وبينما كانت الفتاتان تركبان مهرتهما على شاطئ البحر، اقترب الدون من باربرا وسألها أين كانت الليلة الماضية.
عند سماع ذلك حاولت فانيسا الابطاء خلفهما، الأمر شخصي ولا يعينها.
مع ذلك كانت تسمع لهجة الدون الغاضبة وهو يعنف الفتاة لخروجها من القصر في الليل دون اذنه.
أجوبة باربرا كانت سريعة و متحدية ورفضت تماماً أن تخبر الدون عن الشخص الذي قضت معه السهرة، بدأ صبر الدون ينفذ وصوته يعلو، ثارت ثائرة باربرا على الرجل الذي يريد التحكم في حياتها، وفجأة رفعت السوط وهوت به على يد الدون التي كانت تمسك بمقود فرسها.
أطلق صرخة ألم خفيفية وأبعد يده، عندما انطلقت باربرا بالفرس بأقصى سرعتها، كانت لحظة صعبة ، بحركة عنيفة أدار الدون حصانه وقابل فانيسا وجهاً لوجه.
قال مصراً على أسنانه:
- من الحكمة أن لا ألحق تلك الحمقاء الآن.
ثم أردف فجأة:
- والآن قولي ياآنسة كارول، هل تعلمين مع من قضت باربرا مساء أمس؟
- أبداً ياسيد.
وعدلت جلستها على ظهر الفرس، ورغم الغضب في عيني الدون وجدت فانيسا الجرأة الكافية للدفاع عن باربرا.
- أعتقد ان فتاة في عمر باربرا بحق لها التمتع بالقليل من الحرية، أفهم موقفها منك، فهي ترفض مذلة مرافق لها يراقب تحركاتها طوال النهار و الليل، إنها ليست طفلة.
- هكذا تفكرين اذن ياآنسة كارول، طفلة في عهدتي تسلل من بيتها في الليل، طبعاً لملاقاة رجل ، ويجب أن تركها تفعل ذلك؟
قالت بانفعال:
- لماذا" طبعاً لملاقاة رجل؟" ربما ذهبت تسبح في ضوء القمر ، أو تمشي، أو تزور صديقتها.
قال بسخرية:
- ربما، لكن اسمحي لي ياآنستي أن أقول لك اني اعرف ابنتي اكثر مما تعرفينها أنت، ولو لم تكن فعلاً قضت الليل بصحبة رجل، ورجل لا أوافق أنا عليه، لما انفعلت بهذا الشكل.
أصرت فانيسا على الدفاع عنها:
- باربرا شابة و جميلة، ومنعها من الاختلاط بالرجال حسب المعتقدات القديمة، يسبب مشاكل أكثر.
- هذه عاداتنا و تقاليدنا ياآنسة كارول، والنتائج أفضل بكثير من مآسي الزواج و الطلاق في بلدكم حيث تختار الفتاة زوجها دون موافقة أهلها أو رضاهم، أنت لا توافقين ياآنسة ، لكنني أؤمن أن الوالدين هما اخبر الناس بطباع ابنتهما ويعرفان تماماً من نوع الرجل الذي يجب أن نتزوج، وأنا متأكد أن قلوب الكثيرين من الآباء و الأمهات تحترق في بلدكم لأنه يحظر عليهم التدخل في هذا الأمر الأساسي.
كان الدون يتكلم بكل جدية ثم أضاف ببطء:
- عمك الطيب أسر لي ذات مرة عدم ارتياحه من تطور صداقتك مع جاك كونروي.
شعرت فانيسا بالغضب، كيف يجرؤ هذا الرجل على تضمين كلامه أيه ملاحظة سلبية عن أحد اصدقائها؟ جاك كونروي ليس أكثر من صديق، لم تفكر يوماً بالزواج منه، وأن فكرت مادخل الدون بالأمر؟
قالت منفعلة:
- لم يكن عمي ليسمح لنفسه بالتدخل في حياتي الخاصة، كان باستطاعته أن يفهم ان مايجلب السعادة للمرأة، ليس بالضرورة حياة روتينية منظمة.
- هكذا اذن؟ كنت مستعدة لمرافقة كونروي في رحلاته في الأدغال؟ اظن ذلك يتطلب الكثير من الشجاعة.. والحب.
قالت دافعة رأسها الى الوراء لأزاحة شعرها عن وجهها
- بالطبع، ياسيد، لن أتزوج شخصاً لا يعني لي العالم كله.
- نعم، أعرف ذلك.
وفجأة امتلأ صوته دفئاً وكأنه قرر أن لا يغضب من انفعالاتها وتابع قائلاً:
- أتفتقدين عمك الطيب، ياآنسة؟
خفضت فانيسا بصرها وشعرت بالدموع تتراكض في عينيها، حاولت التحكم في عواطفها وقالت قمرالليل بعصبية:
- وجودي مع باربرا ساعدني كثيراً، يظهر أنها تحتاج الى صحبتي كما احتاج أنا الى صحبتها.



- آنسة كارول، حصل وطلبت أن أجد لك عملاً هنا، مارأيك في أن تصبحي مرافقة باربرا؟
فوجئت فانيسا وصمتت، ثم ارتجفت عندما أحست اصابعه تلمس كتفها بعد ان اقترب منها كثيراً، أصبح التنفس صعباً، كادت تختنق، فقط لو يبعد يده عن كتفها.
لابد ان الدون أحس باضطرابها وترك يده تسقط عن كتفها، ابتعدت هي قليلاً وحاولت ضبط اعصابها.
- أريحي اعصابك ياآنسة، أعرف انك تنفرين مني، الشعور متبادل، طالما احسست بالنفور منك خلال زياراتي لأورداز، لكن هذه اللحظة، لا دخل للأمور الشخصية، أنا أناقش العمل معك، احسست انك تميلين الى باربرا، هل أنا مخطئ؟
- بالطبع، أميل إليها، لكن لا أظن انني استطيع العمل كشرطي.
تقلصت عضلات وجهه وقال غاضباً:
- كم أنت مزعجة، أو تظنين انني سأحافظ على هدوء اعصابي معك فقط لأنك قريبة صديقي، لينارد كارول، أنت مخطئة ايتها الآنسة النادرة المثيل.
الوحش! شعرت فانيسا بكراهية بدأت تمتزج بالغضب الذي يأكل صدرها، وبدأت الدموع تتدافع من عينيها، يجب أن تبتعد ، لن تدعه يرى دموع الهزيمة على وجهها.استدارت بضع خطوات ثم جمدت في مكانها، على بعد بضع سنتيمترات من وجهها وعلى احد أغصان الشجرة الضخمة كان ثعبان كبير مخيف، صرخت بفزع، وبسرعة كانت ذراعا الدون تلتفان حول خصرها و تسحبانها الى الوراء..الى صدره القوي الآمن، وضربة واحدة من السوط الذي كان في يده فصلت رأس الثعبان عن بقيته.
بعد أن التقطت فانيسا أنفاسها ، قال الدون مبتسماً:
- أرأيت؟ الاستقلال التام عملية مستحيلة، لقد احتجتني الآن كما احتاجك أنا لمرافقة باربرا، لا لتكوني شرطياً، بل صديقة.
ابتسمت له فانيسا بارتباك، فجأة اختلطت عليها الأمور ، تباً له! تارة يثير فيها كل مشاعر الغضب و الكره و تارة يمتلئ صوته ووجهه دفئاً و حناناً، فلا تعود تعرف حقيقة مشاعرها، ورغم اضطرابها استطاعت أن تجيب:
- كنت دائماً اظن انك تعتبرني متهورة يادون رفاييل، ألا تظن ان وظيفة مرافقة تتطلب نضجاً وحكمة؟
- لا أتوقع النضج من شابة في عمرك.
أجاب ببطء مركزاً النظر على وجهها الذي بدأ اللون الأحمر يتدافع اليه.
ترى بماذا يفكر؟ هل يظن ان اخذها هذه المسؤولية يساعد على نضوجها؟
لكن بإشارة سريعة منه، اشارة الى الشاطئ، والبحر و الجبال البعيدة، قال:
- هل تجعلك مأساة اورداز تشعرين بالذنب للاستمتاع بكل هذا الجمال؟ هل من اجل ذلك ترفضين البقاء هنا؟..استطيع ان افهم ذلك، لكن الوقت.. الوقت ياعزيزتي كفيل يمحو كل الأحزان.
وبالفعل، كان الجمال و الهدوء هنا في لويندا ساعداها كثيراً في محاولة نسيان مصيبة أورداز، لكن السبب في عدم رغبتها بالبقاء أبعد بكثير من الحزن أو الشعور بالذنب، مايحملها على الذهاب هو شعور غريب بأن خطراً ما يكمن لها هنا، وبأن عليها الفرار قبل أن يتمكن منها.


قال الدون ضاغطاً على يدها:
- لا أطلب منك رداً سريعاً، فكري بالأمر، وأن كانت لا تزال لديك تحفظات، سأبحث عن مرافقة اخرى، لكن، أرجو ان تتذكري ان وجود مرافقة تقاربها في العمر يجعل قبول الأمر أسهل على باربرا، أعني ان شابة في مثل عمرها تشعر مثلها وتعرف ان الشباب ليس ورداً دون أشواك.
قالت فانيسا بانفعال:
- مع ذلك فأنت تقسو عليها كثيراً.
- أحياناً كثيرة يضطر الانسان أن يقسو لكي يكون لطيفاً فيما بعد.
ثم نظر الى ساعة يده و أضاف:
- لدي ساعة قبل موعدي التالي، مارأيك بفطور شهي في مكان جميل؟ ستحبين ذلك، أعدك.
- فطور؟ لكن الا ينشغل بالهم في القلعة؟
قال ضاحكاً:
- سيد القلعة سيد وقته أيضاً ياآنسة.
سارا على طريق قديمة للعربات محاذية للشاطئ تنتهي عند كرمة كبيرة للعنب، في وسطها بيت حيطانه مطلية بالكلس الأبيض.
وأمامه غسيل منشور يهتز بفعل نسيم البحر، وامرأة عجوز في ثياب سوداء كانت تجلس امام العتبة تهزأ سريراً من القصب ينام فيه طفل.
عندما اقتربا من حيث كانت تجلس العجوز الغليون من فمها وتطلعت باتجاههاو سألت بالاسبانية:
- من هناك؟.
عرفت فانيسا من نظرة المرأة العجوز انها عمياء
أمسك الدون بذراع فانيسا وقادها الى حيث تجلس المرأة، حياها بالاسبانية منادياً اياها بماريا، تحدثا قليلاً بالاسبانية واستطاعت فانيسا أن تفهم بعض الأشياء.
قال الدون وهو يبتسم للطفل المستلقي في سريره و الذي كان يمص اصبع قدمه الصغيرة:
- عندك حفيد جميل ، يشبه ولدك كثيراً لكن له ابتسامة أمه.
قالت العجوز برضى:
- أمه زوجة طيبة، حمداً لله، لم يكن ولدي رامون سعيداً هكذا من قبل، الفضل لك ياكومبادر، لولا تلك العملية التي دفعت مصاريفها، لما استطاعت باكينا انجاب الطفل، اسميناه رفاييل تيمناً بك ياسيدي.
- لم أعرف، عليّ اذن أن أقدم له هدية.
وسحب الدون بعض الأوراق النقدية من محفظته واضعاً اياها في يد العجوز وهو يقول:
- لا تخبري رامون فهو يعتبر نفسه مديوناً لي بمافيه الكفاية، اشتري للطفل ماقد يحتاجه واتركي الأمر سراً بيني و بينك.
- لك قلب كقلب أمك، كومبادر، حفظك الله.
ولمست ماريا العجوز الأوراق النقدية بشفتيها ثم وضعتها في جيب ثوبها الأسود وهي تحدق بالدون وكأنها ترى أعمق أعماقه ثم قالت:
- اشعر ان في الجو شيئاً ثقيلاً ياسيدي، هناك ما يؤلمك قليلاً.
اجابها ضاحكاً:
- ماريا! أتظنين ان بإمكانك حملي على تصديق ما تبصرين ؟

- أضحك ياكومبادر، أضحك مني مثل بقية الرجال، لكن اعلم ان هاتين العينين تريان أكثر من العيون المبصرة.
ثم تطلعت فجأة باتجاه فانيسا التي كانت تقف بهدوء وتراقب الأثنين وسألت:
- هل احضرت سائحة جميلة لترانا يادون رفاييل؟
حول الدون نظره الى فانيسا التي احمرت ارتباكاً، غريب! لم يخطر ببالها مرة أن تتساءل ان كان الدون يراها جميلة.
- ماريا! أنت تدهشينني حقاً، صحيح ماقلته، معي هنا صبية انكليزية و الألم الذي رأيته سببه مأساة حدثت لها منذ اسبوعين، هي الآن تقيم معنا في القلعة.
وغمز بعينيه لفانيسا.
- آسفة لماحصل، ياآنسة، أهلاً بك في كرمنا.
- شكراً لك سيدتي.
ووضعت فانيسا يدها في يد العجوز الممدودة نحوها ، لكن تلك اليد لم تسلم عليها كما توقعت بل أخذت اصابعها النحيلة تتلمس خطوط كف فانيسا بتركيز، مرت لحظات صمت ثقيلة ثم هزت العجوز رأسها قائلة:
- لا أحد بامكانه اقناع هذه الآنسة بشيء ترفضه.
اضطربت فانيسا و أحست بالرجفة وهي تقف هناك الى جانب دون رفاييل، كم ارادت لوتسحب يدها من يد العجوز ماريا من يدري ماالذي ستقوله بعد ذلك! ثم هي لا تفهم كل الكلام الاسباني، ماعدا كلمة هنا و تعبير هناك، رفعت عينيها الى الدون تريد أن تحتج لكنه قال بلهجة نافذة:
- أتريدين أن أترجم لك ياآنسة؟
- لا...لا.
- بلى، سأفعل، اسمعي ، إنه بالفعل ممتع، تقول ان لديك طاقة كبيرة على الحب، وانك لن تعطيه من تلقاء نفسك، وتقول ان خط الحياة عندك طويل و يخبئ لك ثلاثة حوادث تحمل سعادة كبيرة، احدى هذه الحوادث، كما تقول ماريا، تلوح في الجو الآن..
فانيسا تعرف ان ذلك صحيح و تشعر بأن لديها الكثير من الحب و الفرح و العطاء، تعرف ان كل هذا يختمر في داخلها و ينتظر لحظة الحدث الكبير.
فجأة أحست بالرغبة في إخفاء مشاعرها عن الرجل الواقف الى جانبها، الرجل الذي كان يسخر من كل الأشياء، لم تجد سوى الطفل في سريره تخفى في الانشغال به ما شغل أفكارها، ركعت على العشب و أخذت تلاعب الصغير و تكلمه.
في تلك الأثناء ظهرت امرأة سمينة تلبس قميصاً من القطن الأبيض و تنورة سوداء.
حلقات ذهبية في أذنيها تهتز على وقع خطواتها وهي مقبلة نحوهم، حياها الدون منادياً اياها باكيتا..ثم عرفها على كارول و أخبرها عن رغبتهما في تناول الفطور في الحديقة، رمقت المرأة فانيسا بفضول و أخذتهما الى الحديقة الخلفية ثم ذهبت لإحضار الطعام الذي طلبه الدون.
تحدثا طويلاً، تحدثا عن أشياء كثيرة..عن أسفاره العديدة، عن الأماكن الجميلة التي زارها في البرتغال و اليونان وغيرهما لكنه كما قال لفانيسا، لا يستطيع العيش بعيداً عن لويندا، إنها الوطن الحقيقي بأناسه الطيبين القانعين.
وافقته فانيسا على ذلك، فذكرى ما فعل أهل اورداز بينهما مازالت قوية، بينما هنا في لويندا، لاحظت الرابطة القوية التي تجمع بين الدون و مستخدميه.


كان يجلس مسترخياً في مقعد مقابل لمقعدها، نظرت فانيسا اليه، طويلاً وأخذت تفكر بمن قد تصبح زوجته، ترى هل سيتزوج امرأة مثل لوسيا مونتيز؟ أم تراه سيفضل فتاة جميلة و بسيطة تنجب له عدة أولاد ليحملوا اسم عائلة الوميريك؟
هل تراه غارقاً في حب تلك الأرملة الفاتنة؟ انها تناسبه وبامكانها ان تكون نجمة اجتماعية بالاضافة الى ذوقها الجميل في اختيار الثياب الفخمة.
هل تراه يخطط للزواج منها قريباً؟ أمن أجل ذلك يريدها أن تصبح مرافقة باربرا؟ ليضمن انها في مأمن عندها يذهب في رحلة شهر العسل؟
همس فجأة:
- بماذا تفكرين ياآنسة كارول؟ أبما قالته العجوز ماريا؟
هزت رأسها بالنفي و أخذت تعبث بزهرة سقطت على الطاولة.
- أتؤمنين بقراءة الكف؟
سألته متحدية و مبتسمة لتخفي عنه انها حقاً تؤمن :
- وأنت ياسيد. اتؤمن بذلك؟
- أريد ان اصنع قدري بنفسي رغم كل قوى الظلام.
قال هذا ضاحكاً ثم وقف ماداً يده ليساعدها على الوقوف.
وقفت بجانبه تحت شجرة النخيل الكبيرة، وثانية أحست بتوتره..بانه يحاول جاهداً اخفاء شيء قد يفلت منه، قالت لتكسر الصمت:
- أعدك بالتفكير جدياً بالوظيفة التي عرضتها علي ياسيد.
- شكراً، أكون شاكراً ان عرفت قرارك في اليومين المقبلين.
- بالطبع.
لم تكن فانيسا معتادة على النوم بعد الظهر، كانت في هذه الأثناء ، وبينما تذهب باربرا الى غرفتها لتستريح قليلاً، كانت تتجول في القلعة.
كثيرة هي الأشياء القديمة الجميلة التي كانت تكتشفها و تتمتع بها، بعد ظهر هذا اليوم بالذات قادتها رجلاها الى سلم لولبي.صعدت فانيسا السلم لتجد نفسها امام باب فتحته ووقفت مبهوتة، يالله ما اجمل هذا المنظر! كان الباب يفتح على سطح صغير يطل على المحيط الواسع.
وقفت فانيسا بهدوء كمن يصلي في قلبه، خافت ان هي تحركت ان يختفي كل ذلك السحر، وبينما كانت تحدق بالنظر غير مصدقة، سمعت حركة.
استدارت بسرعة و تطلعت حولها ، لم تر شيئاً، لكنها اكتشفت ان الباب الذي خرجت منه يقود الى مكان آخر ملاصق للسطح الذي الذي تقف عليه، رباه، لعلها تراها دخيلة على مكان لقاء عاشقين؟ وارتجفت للفكرة واحتمال مواجهة مع الدون و لوسيا مونتيز.
كانت تتجه الى الباب لتعود الى الدرج الولبي عندما سمعت صوتاً نسائياً يقول:
- أنت يافانيسا.
استدارت لترى باربرا دل كويروس تقف هناك بوجهها الجميل، وثوب حريري أبيض، بحركة دراماتيكية كانت تضع يدها على صدرها.
- شكراً لله، كنا نتصور شخصاً آخر..تعرفين من أقصد؟
ثم ضحكت بارتياح و نادت الشخص الآخر أن يخرج فهما في أمان كما قالت له.
كانت مفاجأة فانيسا كبيرة، راي الفاداس، قريب الدون؟ نظر الى فانيسا بابتسامة، مد يده وصافحها محنياً رأسه، وقال بصوت خفيض:
- المنظر من هنا رائع، أنت ايضاً أخذت به مثلنا، باربرا و أنا.
بدأت دهشة فانيسا تتحول الى غضب، انه اكبر من باربرا بكثير، هي طفلة بريئة لم تخرج الى العالم، تعيش منقطعة عنه في القلعة، أما هو فاالأمر واضح ، رجل عرف العالم بخيره و شره، عيناه تقولان ذلك، ترى لو عرف الدون ان الشخص الذي تقابله باربرا من وراء ظهره هو راي! راي قريبه الذي يبقونه في القلعة فقط لأنه ابن خالة الدون!
غضبت فانيسا من كذبه، كان اذن يتمتع بجمال المنظر مع باربر! الآن عرفت فانيسا حقيقة خوف الدون كولي أمر باربرا...
خوفه عليها وعل براءتها من ذئاب مثل راي.
تطلعت فانيسا الى باربرا التي اندفع اللون الأحمر الى وجهها بينما كانت عينا راي تغوصان في ملامحها الفتية، إنها غارقة في حبه حتى أذنيها.
كم كانت فانيسا تتمنى لو تتصل بجاك كونروي ليخلصها من هذا المكان! لكنها أحست بالقدر يطبق عليها، وعرفت أنها عوضاً عن الرحيل ستطلب موعداً لمقابلة الدون رفاييل.
الجزء الرابع

كان العشاء في القلعة يقدم في ساعة متأخرة عادة، وبينما كانت فانيسا تنزل الدرج في طريقها الى غرفة الطعام التقت بالدون قادماً من جناحه.
سارا جنباً الى جنب، وأخبرها الدون انه سيراها في مكتبه في العاشرة و الربع أي بعد العشاء، شكرته على اعطائها موعداً سريعاً.
وكان على وشك طرح السؤال عليها عندما قوطع بنزول باربرا في ثوب من الشيفون الأبيض المطعم بالأسود.
وقفت باربرا في منتصف الدرج و نظرتها تنتقل من الدون الى فانيسا وكأنها تقول" ما الذي تتحدثان عنه؟".
فهمت فانيسا خوف باربرا، لم ترسل لها بأية اشارة لتريح قلبها


دعها تخاف ، هي ليست طفلة وعليها أن تعرف أن آخر شخص في الدنيا يريد الدون أن تقيم علاقة معه، هو رأي الفاداس.
كان العشاء عادياً رغم الاضظراب الذي كان بادياً على باربرا، ورغم نظرات الرجاء التي كانت تبعث بها الى فانيسا، بالطبع لن تخبر الدون عن اكتشافها للعلاقة بين باربرا وراي.
الأسباب عديدة، أولاً معرفتها لطباع الدون الشرسة ، ثانياً خوفها من عمل طائش تقوم به باربرا..كأن تهرب مع رأي إن قرر الدون أبعاده عن القلعة، وهناك سبب أكثر أهمية وهو خوف فانيسا على العلاقة الحميمة الدافئة التي تربط باربرا يولى أمرها الدون.
لوسيا كانت تجلس الى جوار دون رفاييل تشغله بحديثها الممتع وحركاتها المليئة بغنج الأنوثة، راي كان الى جانب فانيسا يتبادل نظرات الهيام مع باربرا الجالسة قبالته والتي كانت تحمر و تصفر خوفاً، من انكشاف امرها.
مع انشغال الجميع استرقت فانيسا نظرة جانبية الى الدون، وجهه القوي كأنه منحوت من الصخر، " كوجه نسر" قالت لنفسها.
لم تذكرت كيف طار إليها في محنتها واختطفها من براثن الموت الى وكره..كالنسر تماماً! شيء لا يصدق! أيكون هذا الرجل في ثياب العشاء الرسمية هو نفسه الذي تناولت معه الفطور؟ كان يلبس ثياباً عادية.
كان يكلمها بحماس طفل عن أسفاره و مغامراته، كان يلاعب الطفل بكل حنان ورقة، ويجلس في كرسيه بكسل يراقب العصافير تطير و يضحك بشقاوة من ماريا وهي تقرأ كفها!
انتهى العشاء، وكما كانت العادة انتقل الجميع الى الصالة لتناول القهوة، كانت الليلة دافئة.
انسحبت فانيسا الى الحديقة تمشي قليلاً قبل أن يحين الموعد في مكتب الدون.
سارت في ممر تحيط به أشجار الياسمين واستغرقت في أفكارها، غريب أمر هذا الرجل ، عندما كان يزور عمها في أورداز كانت تظنه بارداً وقاسياً.
كانت تعتبره رجلاً بلا هموم ولا مشاعر انسانية، ساخراً و متهكماً، وهاهي تكتشف العكس، هنا في بيته، تكتشف انه رجل يهتم بعائلة فقيرة لا طفل لها، يدفع تكاليف عملية ضخمة ممكن هذه العائلة من انجاب طفل جميل، انه انسان..انسان له مشاكله وأحاسيسه المرهقة!
اضطربت فانيسا لتلك الأفكار ، أحست بقلبها يخبط صدرها كالطفل و كأن أحداً لمسها، أقشعر جسمها وقامت تركض في ممر الياسمين.. نحو الباب.
دخلت الصالة ومنها اتجهت نحو باب مكتبة الدون، طرقة خفيفة على الباب وكانت وجها لوجه مع الدون.
تنحى الرجل جانباً وخجلت، وقع نظرها على لوحة كبيرة لأم مع طفلها ووقفت مأخوذة.
- تحبين هذه اللوحة اكثر من التي شاهدتها في صالة العرض؟
تذكرت فانيسا يوم أخذها لمشاهدة الصور الفنية في صالته الكبيرة، وتذكرت كيف ارتجفت امام لوحة ضخمة تمثل رجال محاكم التفتيش الاسبانية، وتذكرت صور الضحايا البشعة واندفاعها في القول:
- لو كانت هذه اللوحة ملكي لألقيتها في الخارج.
ضحك حينئذ وتساءل كيف يلقي بلوحة تقدر بالملايين، عرفت قمر الليل تلك اللحظة ان هذا الرجل الذي لم تستطع يوماً ان تتخطى حاجز البرودة و النفور القائم بينها وبينه، يختلف عنها تماماً، أحاسيسه لا تمت الى أحاسيسها بصلة، لن يكونا صديقين أبداً كما كانت هي وجاك كونروي.



قال مركزاً نظره عليها:
- حققت لك طلبك بمقابلتي ياآنسة كارول،أتوقع أن تكون المقابلة حول العرض الذي قدمته لك هذا الصباح.
- نعم.
ونظر اليها بتأمل وهو يقول:
- تفضلي بالجلوس ، ماالذي تخفينه ياآنسة ؟ ولم لا تنظرين اليّ مباشرة؟ هل لأن مالديك لن يروق لي؟
ومع انه كان يتكلم بلطف الا ان فانيسا أحست بالتهديد في لهجته، أتره لاحظ نظرات باربرا المستغيثة على طاولة العشاء، أم تراه لاحظ نظرات الوله بينها وبين قريبه راي؟ لايمكن ان يكون رأى شيئاً من ذلك، كان اهتمامه كله منصباً على تلك الأرملة لوسيا!
قالت ببرود:
- جئت اخبرك ياسيدي انني أقبل عرضك.
- هكذا، اذن! هذا أمر مثير، ظننتك غير متحمسة للموضوع في الصباح، ماالذي جعلك تغيرين رأيك ياآنسة كارول؟
- أنت نفسك قلت، ياسيدي، ان طبيعتي الاستقلالية...
قاطعها بنظراته الحادة قائلاً:
- لا تعطيني اجابات مرواغة ياآنسة! هيا..كوني صادقة معي، لماذا تريدين البقاء؟ أمن أجل باربرا ام من اجلك أنت؟
رددت قمر الليل كلماته ببطء:
- لماذا اريد البقاء؟ وهل لي الخيار في البقاء أو الرحيل يادون رفاييل؟
- حتى الآن لم تقم السلطات بدفع التعويض عن بيتك، لكن بما انني تحرقك للعودة الى انكلترا، فأنا مستعد لتسليفك بعض المال.
مرت لحظات صمت ثقيلة، أحست فانيسا بالدم تصاعد الى وجهها، لم لم يعرض ذلك منذ اسبوعين؟ لم أصر عليها أن تبقى في بيته كل تلك المدة؟ الآن فقط وبكل برودة يقدم عرضه، تحرقها للعودة؟ وراقبته يشعل سيكاراً فخماً و ينفث دخانه في جو الغرفة ببطء، عندما فقدت عمها وبيتها شعرت ان الشيء الطبيعي كان عودتها السريعة الى انكلترا، لكنها الآن ترى الأمور بوضوح أكثر.
منذ أربع سنوات قدمت الى هذه المناطق البدائية، أصبحت لها جذور هنا، لن تقبل النمو بسهولة ان هي اقتلعت من الأرض الدافئة لتزرع في أرض باردة معتمة، ثم لا تستطيع تصور العودة الى حياة المدينة السريعة المزعجة، ومن بقي لها في انكلترا؟
- أليس لديك رد على اقتراحي ياآنسة؟
قالت باضطراب:
- لم أعد افهم شيئاً يادون رفاييل، مرة تأمرني بالبقاء هنا في بيتك، ومرة تعطيني الخيار بالرحيل، تعرض على وظيفة ثم تقرر أنني قد لا أتمكن من القيام بها.
- ربما ظهر الأمر محيراً لك ياآنسة، لكن اسمعي تبريري ،يوم فقدت عمك و بيتك كنت في حالة اضطراب شديد، لوذهبت الى انكلترا حيئذاك لما وجدت من يعطف عليك و يواسيك ، شعرت أن من واجبي ابقاؤك هنا الى حين تستطعين اتخاذ قرار حكيم، لايقدر العقل على اتخاذ قرار سيلم وهو في حالة اضطراب، ولا يعرف القلب مايريد وهو في قبضة الحزن.



ثم وقف فجأة و أخذ يمشي في الغرفة الواسعة وعينا فانيسا تلحقانه بدون أرادة منها، كانت ترتجف ، ربما لا حظ ذلك فتظاهر بانزال كتاب كبير عن أحد الرفوف، و أضاف قائلاً:
- الآن اعطيك حرية القرار ياآنسة كارول، بامكانك العودة الى انكلترا ساعة تشائين.
قالت باندفاع:
- وماذا بالنسبة الى باربرا؟
نظر اليها نظرة طويلة وقال:
- تبدين مهتمة بباربرا كثيراً، لماذا؟ أتعلمين شيئاً لا أعرفه؟
قالت وأحست بريقها يجف تحت نظراته الفاحصة:
- ليس تماماً.
ثم وقفت و أكملت :
- أنا شاكرة كرمك يادون رفاييل، لكنني أفضل أن اكسب النقود بنفسي، لقد وافقت على عرضك أن أكون مرافقة باربرا...من أجلها ومن أجلي أنا ايضاً.
قال مسرعاً:
- من اجلك أنت على الأكثر ياآنسة، فأنت لا تتحملين قبول أية مساعدة مني.
اندفع الدم حاراً الى وجهها وهي تجيب:
- عفواً ياسيدي؟
- كما تريدين ياآنسة كارول، قد تشعرين بالراحة معنا اكثر ان كنت تكسبين عيشك بنفسك.
بالطبع كانت فانيسا شاكرة لضيافته وكرمه لكن فكرة مرت ببالها..ربما كان تفضل لو تذهب، ربما لم يكن يرحب كثيراً بهذه المسؤولية الجديدة الملقاة على عاتقه، مهما يكن فبصفتها مرافقة ابنته ستصبح علاقته بها رسمية، وذلك أفضل بكثير.
- هل أعلم انا باربرا بالأمر، ام تفعلين ذلك بنفسك؟
أجابت باختصار:
- أنا افعل.
وقبل أن تتمكن فانيسا من تمنى ليلة طيبة للدون و الهروب من حضوره الطاغي، كان قد اخذ كتاباً صغيراً ونظر اليها قائلاً:
- من المؤسف حقاً انك لا تقرأين اللغة الكاستيلية، كنت ستمتعين بهذا الكتاب،انه أشعار آل سيد، هل سمعت بآل سيد؟
أشارت بالايجاب وقلبها يخفق بعنف فقد كانت نظراته اليها طويلة و فاحصة.
- بما انك لن تستطعين قراءة الأشعار، سأريك أشياء اخرى تسرك.
أمسك بيدها وقادها الى خزانة في زواية المكتبة، عندما فتحها لم تصدق فانيسا عينيها، كانت مليئة بأشياء كثيرة ثمينة ورائعة.
كان فيها المرواح المصنوعة من الحرير المزركش و العاج، والأمشاط المرصعة بالجواهروحلي من اللفضة و الذهب بالاضافة الى مجموعة جميلة من الشالات الاسبانية المختلفة.
قال مبتسماً:
- هذه الأشياء كانت لوالدتي، أذكر عندما كنت صبياً كم كنت أحب أن أجلس و أراقب والدتي وهي تختار قلادة أو أسوارة تجربها وهي تبتسم لوالدي وتسأل رأيه، كنت أشعر بالغيرة من والدي، كانت نظراتها اليه كلها حباً وولهاً، طبعاً كانت هناك نظرات جميلة من نصيبي لكنها كانت تختلف.

وضحك بحنان، ثم تناول عقداً من الاحجار اللامعة وقال:
- هذا العقد من الزمرد الجميل من كولومبيا.
ثم رفع عينيه عن العقد في يده الى عنق فانيسا و أردف:
- هل تجربينه؟
- بلطبع لا!
وابتعدت مسرعة و مرتبكة وهي تقول:
- لست..لست أهلاً لذلك!
ارتفع حاجباه بنظرة فاحصة ألأقاها على فانيسا من رأسها الى أخمص قدميها وقال:
- حقاً؟ أهي عادة عند الفتاة الانكليزية أن تنكر جمالها؟ أظن لون زمرد الأخضر يناسب جداً لون عينيك، أو ربما تلمحين الى الثوب الذي تلبسينه و لا يناسبك؟
أحست بالحرج و بدون وعي ضغطت بيدها على الثوب الأزرق الذي تلبسه، الثوب الذي أعطتها إياه باربرا، لقد لا حظ الدون كم يتنافر لونه الأزرق مع لون عينيها الأخضر.
هز الدون كتفيه و أعاد العقد الى مكانه، ولاحظت فانيسا انه لم يقفل الخزانة، ترى ألهذه الدرجة يثق بالخدم و العاملين في القلعة؟ الجميع يحبه و يخافه، قالت فانيسا لنفسها، اما أنا فأخافه.
نظر اليها الدون وكأنه ينظر الى شخص آخر بعيد:
- كم كانت أمي تبدو جميلة وهي تضعه حول عنقها.
- هل مات من زمان ياسيد؟
سألته بهدوء بينما كانت تفكر بأن صوته القوي العميق يصبح اكثر جاذبية عندما يهمس.
- والدتي لم تمت ياآنسة.
ونظر اليها مندهشاً.
- بعد وفاة والدي مباشرة اعتزلت امي العالم لتعيش في دير في سيفوفيا، كان حبها له كبيراً لدرجة لم يعد العالم يعني لها شيئاً بعده.
- هل يدهشك ذلك ياآنسة؟ ألا يمكنك فهم حب كبير كهذا؟
نعم، تفهم جيداً حباً كهذا، لكنها أرادت أن تسأله:
- وماذا عنك يادون رفاييل؟ لم تكن قد تجاوزت العشرين من عمرك فكيف تركت لك كل تلك المسؤوليات؟
لم تطرح فانيسا السؤال فقد كانت الكآبة تملأ وجهه، اشار نحو الشرفة وابتعد عن الباب لتخرج فانيسا قبله.
أرض الشرفة من الموزاييك الجميل وفي الزوايا تماثيل

منحوتة من الحجر و الرخام، بدأ الدون يشرح لفانيسا عن تلك الأشياء الجميلة وكانت أفكارها بعيدة، الحنان الذي رأته في عيني الدون! كم استغربته، والخوف الذي يملأ قلبها كلما وجدت نفسها وحيدة معه! الخوف من ضعفها أمامه.
- آنسة كارول ألا تتمنين احياناً لو كنت تعيشين في أحد العصور الماضية؟..في عصر رومانسي مثلاً، هل تؤمنين بالحب؟ ألست أنت التي وصفتني بالقسوة لأنني منعت باربرا من الخروج وحدها للقاء حبيبها؟
قالت له بالجرأة:
- أنا وأنت ياسيدي لا نؤمن بنوع واحد من الحب، أنت تريده مكبلاً بالقيود و الممنوعات.
- اذن تجدينني تقليدياً، أليس كذلك؟

وابتسم ابتسامة ملتوية وتابع:
- قولي لي، كيف تفسرين أنت الحب؟ أهو لعبة؟ غريب ان اجمل و أعمق كلمات عن الحب قالها اكليزي:" أنت الروح فيّ، التصق بك كما النار باللهب".
لو كانت فانيسا مع رجل غير الدون على شرفة تضيئها النجوم، والرجل يسمعها كلاماً جميلاً كهذا، لكانت ظنت انها مقدمة ليقول انه يحبها، لكن الدون رفاييل دوميريك! بالطبع لا.
- ربما كان الانكليز لا يجيدون الا الكلام عن الحب!
قال بمرح ساخر:
- أحب أن اتخيل قصة حب بين شخص لاتيني و فتاة انكليزية. ترى بأية سرعة يطفئ جليدها نار عواطفه، أو ربما تذيبها حرارته، تلك فكرة! بالطبع يمكن تذويب جليد الانكليز! أليس كذلك؟
- أتسأليني؟
دخلت اللعبة معه شاكرة العتمة التي تخفي وجهها الملتهب عن عينيه العميقتين.
قال بلهجة غريبة:
- بالطبع اسألك، ألم تذيبك حرارة حب السيد كوتروى، يا آنسة؟
قالت مجفلة:
- هذا سؤال شخصي جداً.
قال برقة غير عادية:
- الغور في عمق الشخصية و تركيبتها النفسية لعبة يحبها الأسبان.
- لكني لست اسبانية ياسيدي!
وعاد اليها تحفظها كله عندما ذكر اسم جاك كونروى.
أطلق ضحكة عصيبة وقال:
- ربما من اجل ذلك أحب الغوص في أعماق شخصيتك ، يا آنستي ، هيا.. لاتغضبي أنها فقط لعبة.
قالت بحدة:
- اكره أن يضع أي كان مشاعري على طاولة التشريح، هذا اقتحام أرفضه.
قال بلهجة سليطة:
- غريب ان تقول امرأة ذلك، النساء، حسب خبرتي، يرحبن بهذا الاقتحام كما سميته.
- يظهر ان خبرتك مع النساء خلت من البراءة ياسيد.
قال بلا مبالاة:
- لا يمكن لرجل ان يتفادى ذلك، الخبرة لا تأتي من البراءة، لا يمكن اعطاء الطهر حتى قدره الا بعد معرفة البشاعة.
صحيح! فكرت فانيسا في نفسها بسخرية، لم لا تظن ان كلمة الطهر تنطبق على الأرملة لوسيا مونتيز! لكن يظهر ان عين الحب عمياء، كما يقولون.منتديقال بلهجة ساخرة:
- اعتذر، واجهتك بسؤال من الطبيعي ان يزعجك، لكني اسباني ولا استطيع مقاومة أي تحد، أنت معي دائماً على حذر، هل ندخل؟
وسارت فانيسا امامه، أقسمت لنفسها أن تتفادى اللقاء به على حدة ان كان ذلك ممكناً.
انحنى الدون بكل تهذيب وتمنى لها ليلة طيبة، أجابته بالمثل و أسرعت خارجة من المكتبة ثم اتجهت الى غرفة نومها.


كانت كونسيبسون كالعادة قد أبعدت الغطاء عن السرير ووضعت قميص نوم فانيسا و العباءة في مكانهما المعتاد، كم كانت العباءة الخضراء تذكرها بثوبها الأخضر الذي كانت تحبه كثيراً ، هناك في أورداز ، في بيتها، حيث لم تكن غريبة ولم تكن " اجنبية".
وقررت فانيسا أن تشتري ثياباً خاصة بها عندما تحصل على أول أجر لها كمرافقة لباربرا.
عندما استيقظت صباح اليوم التالي، كان كل شيء جميلاً و منعشاً، البحر..الجبال البعيدة، ودفء الشمس المستيقظة، انسلت فانيسا خارجة من البيت بهدوء شديد.
كان الرمل دافئاً على الشاطئ البحيرة الصغيرة الخاصة التي تتصل بالبحر من الجهة الأخرى، خلعت فانيسا صندلها و بدأت تركض حافية باتجاه الكوخ الصغير المحاذي للبحيرة.
لم يكن الكوخ مقفلاً، دخلت فانيسا لتخلع ثيابها وترتدي ثوب الاستحمام، ألقت نظرة سريعة على أكوام المجلات وعلب السكائر، ثم ذهبت لتفتح الخزانة المليئة بثياب السباحة.
كانت باربرا قد أخبرتها ان هذه الثياب لاستعمال الضيوف الذين قد يخطر ببالهم أن يسبحوا في البحيرة، يفكرون بكل شيء، قالت فانيسا لنفسها وهي تختار ثوباً أخضر اللون.
كان الماء منعشاً وسبحت فانيسا باستمتاع شديد، ستقضي نصف ساعة ثم ترتاح قليلاً على الصخرة الكبيرة وسط البحيرة و تعود الى القلعة.
كانت الصخور دافئة، استلقت فانيسا على ظهرها مغطية عينيها من الشمس بذراعها، وبدأ النعاس يغالبها عندما سمعت حركة قريبة منها، انتفضت جالسة، من تراه يكون في هذه الساعة المبكرة؟
لم تكن في رأسها صورة واضحة عمن تتوقع، لكنها بالتأكيد لم تكن تتوقع الرجل الطويل الأشقر الذي رأت، كان شخصاً غريباً لم تره من قبل، نظر إليها دون أن يفوته شيء من رأسها إلى قدميها، وقال باسبانية تحمل لكنة اجنبية:
- انه نهار جميل ياآنسة.
وانحنى لها.
ضحكت فانيسا لنفسها، لا يظهر عليه أنه خادم لأي كان، وجهه يحمل تعبيراً متهكماً غير مهتم برضى الآخر عن وجوده أو عدم رضاه، كان الأمر مثيراً، لقد ظنها فتاة اسبانية.
اجابت بالانكليزية وقد لفت ذراعيها حول ركبتيها:
- صباح الخير.
قال بابتسامة عريضة:
- أنت انكليزية اذن؟ ياإلهي كيف ظننتك اسبانية بهذا الشعر الأحمر؟
ومد لها يداً كبيرة قوية.
- غاري السنغ ياآنسة...؟
قالت مخفية اسمها الأول عن قصد:
- كارول، أنت سائح هنا ياسيد السنغ؟
- بالطبع لا، أنا اعمل هنا في شركة نفط كبيرة، هل أنت سائحة؟.
- أنا اعمل في القلعة عند الدون رفاييل .
أطلق صفيراً طويلاً وقال:
- هذه مفاجأة! ترى، هل أنت مرافقة جديدة للسيدة العجوز؟


- لا، أنا مرافقة ابنة الدون، احضرني من اورداز عندما بدأت الثورة هناك، لقد أسدى لي معروفاً كبيراً و أنا شاكرة له.
قال وهو يمسد شعره المبلول:
- بالطبع ياآنسة، بالطبع، إنه اجنبي طيب.
- نحن الغريبان هنا ياسيد السنغ، الجزيرة محمية اسبانية.
- هيا آنسة كارول، دعينا ننسى آنسة وسيد! مانحن الا غريبان محاطان بكل هؤلاء الاسبان، لنكن صديقين.
ولأنه ذكرها قليلاً بجاك كونروى، ابتسمت له وأخبرته ان بامكانه ان يناديها فانيسا، على الأقل هو رجل من جنسها وتستطيع التحدث اليه بكل راحة وحرية على خلاف سكان القلعة الذين لا تشعر معهم بذلك.
- اذن، كنت تعيشين في اورداز، سمعت ان الثورة قاسية هناك، ماذا حدث بالضبط..أو ربما لا تريدين التحدت في الموضوع؟
برغم مظهره الساخر كان هناك جو من الدفء يحيط بهذا الرجل جعل فانيسا تشعر بالراحة، أخبرته باختصار ثم انهت الحديث بذكر عرض الدون بخصوص وظيفتها الجديدة وقبولها ذلك.
- يقولون ان لدى سيد القلعة اسباباً شخصية دائماً من وراء كل عمل يقوم به، هل تعنين شيئاً بالنسبة إليه؟
قالت فانيسا بحدة:
- بالطبع لا! ولا أظن اني أروق له، كل القصة انه كان صديق عمي وكاسباني يشعر ان من واجبه الاهتمام بأمري، ثم انني بحاجة الى عمل واصبحت معتادة على الحياة البطيئة في هذا المكان من العالم!
قال وهو يتمدد بكسل على الصخرة:
- هذه الجزيرة جميلة جداً و دافئة كامرأة، هل يزعجك اعجابي بك يافانيسا؟
قالت ببطء، فرغم جاذبيته ومرحه لم يستطع هذا الرجل التغلغل الى اعماقها:
- لا، مادام الأمر ليس جدياً.
توقفت قليلاً ثم سألته:
- أليس لديك صديقة في اميركا؟
- اوه..كثيرات، في كل مكان احط به، لكن ولا واحدو كالمفاجأة التي انتظرتني هذا الصباح، عينان خضروان كالزمرد وشعر باحمرار النار،أواه.
- أنت تغازلني ياسيد السنغ.
ضحك مظهراً اسناناً بيضاء جميلة وقال:
- أنا ذئب ياعزيزتي، تصوري مهمة ترويضي!
ألقت نظرة سريعة على ساعة يدها وقالت:
- شكراً، عندي وظيفتي، وأظن الوقت قد حان لأباشر بالعمل.
قام غاري من مكانه مسرعاً وساعد فانيسا على الوقوف .
لحظة وكانت فانيسا في الماء ثانية، قفز غاري خلفها وأخذا يسبحان باتجاه الشاطئ.
سألها برجاء:
- نفس الوقت غداً؟
قالت وهي تفكر بباربرا:
- لا ادري.
قد تريد أن تذهب في نزهة مبكرة، لا فائدةاذن من اعطاء وعد ، ولا تريد ان تعرف باربرة بأنها تأتي لملاقاة صديق اميركيجديد.
- اسمع باغاري، لا استطيع أن أعد بأي شيء، قد اجيء صباح الغد، هذا كل ماأقدر أن أقول.
- يكفي ذلك، الى اللقاء.
- الى اللقاء.
ودعته فانيسا وهيتدخل الكوخ لتلبس ثيابها وتعود الى القلعة، وبينما كانت تفعل ذلك كانت تحس بارتياحشديد، لم تعد وحيدة في هذا المكان، اصبح لها صديق يتكلم لغتها، وابتسمت.
قالت باربرا بلهجة اتهام:
- لم تقلبي صفحة واحدة منذ بدأت القراءة، أنت تحدقينبالكلمات المكتوبة فقط.
فقالت فانيسا بنبرة احتجاج وهي تغلق الكتاب :
- هذاصحيح.
- ليلة أمس أخبرت الدون عني وعن راي، أليس كذلك؟
قالت فانيسابحزم:
- قلت لك مراراً ان هذا غير صحيح، هل كان يترك البيت بهدوء، كما فعل هذاالصباح، لو علم بالأمر؟ كان سيقيم الدنيا على رأسك و يقعدها. قالت باربرا بمرارة:
- أنت لا تعرفينه كما اعرفه أنا، أنه ينتظر اللحظة المناسبة عندما لا يكون الآخر يتوقعها ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، رأيت ماحدث على الشاطئ صباح أمس.
- ورأيتك أيضاً ترفعين السوط وتنزلين به على يده، كنت محظوظة اذ لم يلحق بك و يعلمك درساً قاسياً.
ضحكت باربرا وقالت:
- ألم أقل لك يافانيسا انه رجل من حديد؟
بعد ظهر ذلك اليوم طلبت باربرا من فانيسا الذهاب معها الى غرفتها، رحبت فانيسا بالفرصة، ربما استطاعت الافضاء بالنبأ اليها، نبأ قبولها وظيفة مرافقة.
اكتشفت ان باربرا غارقة في حب راي حتى اذنيها، كانت تتكلم عنه وترف عيناها بشكل لا يمكن تجاهله، و بعصبية ظاهرة كانت تدخن السيكارة تلو الأخرى.
قررت فانيسا أن تقول رأيها بصراحة.. أليست مسؤولة عن هذه الفتاة؟
- هل كنت تقابلينه في الخفاء لولا شعورك بأن الدون لا يوافق على مثل هذه العلاقة؟ وهل كنت تخشين شيئاً ان انا اخبرته بما حصل خلف ظهره؟
سألت باربرا بحدة:
- مالذي يجعلك تنفرين من راي؟ ماالذي تعرفينه عنه ام عن أي رجل آخر؟ أنت نفسك أخبرتني انه لا صاحب لك، أتعرفين بماذا أفكر في هذه اللحظة؟ ربما أنت تغارين مني.
قالت فانيسا بغضب:
- ان كنت تقصدين انني اتمنى ان التقى راى في الزوايا المعتمة فأنت على خطأ.
قالت باربرا بسخرية ظاهرة وهي تنفث دخان سيكارتها:
- ربما تخافين ان يلتقيك أي كان، ليس سراً على كل حال ان الانكليز شعب بارد متحفظ، غريب أن شعباً كهذا لم ينقطع نسله بعد!
أحست فانيسا بكلامها مثل السوط على جلدها، يؤلمها كثيراً ان فروقات أساسية تفسد علاقتها بأناس ستعيش بينهم لمدة غير قصيرة.قمر الليل
ربما كان أفضل لو عادت الى انكلترا، وأحست بالدموع تلسع جفنيها، الحقيقة انها لم تعد تشعر بالانتماء لا هنا ولا هناك.
وضعت باربرا ذراعها حول كتف فانيسا وقالت بحنان:
- فانيسا.. سببت لك الحزن مع اني لم اقصد ذلك، لكنك تفكرين تماماً بالطريقة التي يفكر بها الدون، كلاكما يظن اني متهورة العواطف، أليس هذا صحيحاً ؟ تظنان اني القي بعواطفي كلها على راي وبأني مازلت طفلة لا تعرف ماهو الحب، لكنني اعرف يا فانيسا، اعرف.
مررت فانيسا اصابعها في شعر باربرا الجميل وقال:
- ياعزيزتي..كثيرون منا يخلطون بين الافتتان و الحب الحقيقي، والسيد الفاداس شاب جذاب و جميل...

قبلت اطراف اصابعها بطريقة دراماتيكية وقالت:
- آه..ارأيت عينيه؟ يجمعان المرح والعمق، أعرف بماذا تفكرين..بصديقاته الكثيرات قبلي وبأنه ليست له شخصية الدونالقوية، لكن من يحب يقبل الحسن و السيء معاً، ياإلهي! كيف اكون طفلة وانا اعرف هذهالاشياء؟
كانت اللحظة حساسة لكن فانيسا ارادت ان تكون قاسية لمصلحة الفتاةفقالت:
- اني اتساءل يا بابرا، هل كنت ستحبين راي لو لم يكن حسن الشكل؟ لا يمكنان يكون هذا كل ماتريدين في شريك حياتك.
قالت قمر الليل بحدة:
- اعرف ماذااريد، لا اريد الزواج من شخص لا اعرف، شخص يفرض علي، لا يمكنني تحمل ذلك يافانيسا،انه تقليد رهيب، وأنت تعرفين ان الدون يملك السيطرة الكاملة على حياتي وسيقرر مايظنه مناسباً لي.
- اسمعي يابابرا، عندي خبر لك.
ثم قامت من مكانها وتمشتباتجاه باب الشرفة و اكملت:
- طلب مني الدون رفاييل ان اكون مرافقتك.
- ماذاتقولين؟
اطفأت سيكارتها و اسرعت لتمسك بيدي فانيسا واكملت:
- أحقاًتقولين؟
فأومأت بالايجاب قائلة:
- هل تعجبك الفكرة؟
قالت باربراضاحكة:
- هكذا إذن، أخيراً أقنعته بايجاد وظيفة لك ، نعم يعجبني ان تكوني انتسجانتي.
أحتجت فانيسا بالقول:
- جميل جداً أن تسميني سجانة، لكنني أفضل لقبمرافقة.
تطلعت باربرا ملياً الى فانيسا ثم قالت فجأة:
- اظن الرجال يجدونكجذابة! هذا الشعر الجميل وهذا الوجه وجلدك الناعم...آه ترى كيف يرى الكومبادر كلهذا؟
قالت فانيسا وقد اندفع الدم الى وجهها كتلميذة صغيرة:
- لا اظنهيهتم.
ضحكت باربرا بشقاوة وقالت:
- اوه..لكنك لا تحبينه، من الخطر النفور منشخص بهذا الشكل، النفور نوع من الكراهية و الكراهية، كما يقولون، هي الحبمعكوساً.
مرات كثيرة شعرت فانيسا بنفور شديد من دون رفاييل، هذا صحيح، قالتمسرعة لتغير الموضوع:
- هيا نخرج نتنزه.
اجابت باربرا و غمزت بعينيهاضاحكة:
- هيا.`
مر الأسبوع التالي بهدوء، كانت لوسيا منونتيز غائبة في زيارة لاحدى صديقاتها وذهب الدون معها بحجة بعض الاعمال، علقت بابرا على قوله هذا لفانيسا وهي تضحك:
- عمل ومتعة معاً.
صباح يوم الثلاثاء وعند عودة فانيسا و باربرا من نزهتهما المعهودة على الشاطئ لا حظنا شيئاً ما في جو القلعة، كان النشاط بين الخدم قد عاد بشكل ملحوظ بعد فترة كسل و تراخٍ.
عرفت الفتاتان السبب لحظة دخولهما القاعة الكبيرة لتجدا الدون يجلس الى الطاولة ويبدو منشغلاً ببعض الاوراق.
قالت باربرا بمرح:
- اراك قد عدت، كيف العمل؟ على مايرام؟
- لا أستطيع التكهن بشيء الآن، يقوم الانسان بزرع البذرة، ولا يعلم الا بعد مرور بعض الوقت ان كانت ستزهر أم لا، كيف تجري الأمور بينك و بين المرافقة الجديدة؟
- لا بأس ، أليس كذلك يا فانيسا؟
وضحكت بشقاوة ثم ركضت و عانقت الدون مضيفة:
- كلنا افتقدناك مع انك لا تتوقف عن مراقبة حركاتنا و أنت هنا.
نظر بتهكم الى فانيسا وقال:
- كلكم افتقدتموني، هه؟ أشك في ذلك.
سألت باربرا:
- هل عادت لوسيا معك؟
- لا، أقنعتها صديقتها بالبقاء لمدة أطول، والآن لم لا تجهزان نفسيكما للذهاب و شراء بعض الثياب؟ أظن الوقت قد حان يافانيسا لتشتري ثياباً لك بدل لبس الثياب المستعارة.
قفزت باربرا بفرح لكن فانيسا أحست بالانزعاج، لم يدفع لها الدون أجرتها بعد، ولا تستطيع تذكيره بذلك.
قال بصوت منخفض:
- دون رفاييل، أستطيع شراء الملابس في أي وقت آخر...
لم يدعها الدون تكمل كلامها، قال بصوت عميق و لهجة حازمة:
- أرجو أن لا تعترضي ياآنسة كارول، هناك مخزن جيد تشتري منه السيدة مونتيز ثيابها و تعجبني بضاعته، سأوصلكما الى هناك و أرجو ان تشتري كل ماتحتاجين اليه دون تردد.منتديات ليلاس
- كل ما تحتاج له مرافقة؟
لم تستطع ايقاف الكلمات التي اندفعت من فمها، نظر اليها بحدة وقد قطب جبينه.
- تعرفين جيداً انك لست مجرد مستخدمة هنا، ومن زياراتي الكثيرة لاورداز لاحظت انك تختارين ثيابك بدقة و ذوق كبيرين، لست من حجر يا آنسة كارول، واعلم تماماً تأثير فقدان كل شيء على فتاة مثلك، بالطبع لا تعوض الثياب عن فقدان انسان عزيز، لكنك فتاة تحب لبس الثياب الجميلة، هيا كفي عن الجدل.

أحست فانيسا نفسها في قفص، كانت أسيرة جاذبية الدون المتدفقة هذا النهار، نظرت اليه وهو يبتسم بحنان ثم ينظر الى ساعة يده ويقول:
- أعطيكما عشر دقائق فقط، هيا اصعدا كل الى غرفتها وانزلا بمظهر لائق، لنذهب ، هيا.
وكأننا طفلتان، فكرت فانيسا في نفسها، ليتها تستطيع صعود الدرج ببطء، لكن باربرا التي تحمست للفكرة كثيراً، أمسكت بيدها و صعدت الدرج راكضة.
غيرت فانيسا ملابسها بينما كانت تفكر بالطريقة الطفولية التي تتصرف بها مع الدون، عضت على شفتها بندم، ترى كيف يفكر بها. كيف يراها؟ كان قلبها يخفق بعنف، لم يكن السبب صعود الدرج ركضاً، بل أشياء كثيرة معاً، تشوقها كامرأة لفكرة شراء ثياب جديدة، يخالطه شعور بالرضوخ دائماً لرغبة هذا الرجل القوي، المستبد أحياناً كثيرة .
كم وجدته جذاباً اليوم، كان الدون بانتظارهما امام سيارته الفضية الفخمة، وساعد الفتاتين على الجلوس في المقعد الخلفي بتهذيب مترفع، لاعجب ، فكرت فانيسا في نفسها، ان تستغل النساء الاسبانيات هذا الاهتمام ويظهرن كل ضعف و هشاشة امام رجولة هؤلاء الاسبان و شهامتهم.
سأل الدون:
- أتريدين ان ابقى سقف السيارة مفتوحاً آنسة كارول؟
- نعم ، أرجوك، انه صباح رائع.
- أيعجبك ان يطير شعرك في الريح؟
قال و عيناه تلمعان بنظرة طويلة الى شعرها و كتفيها النحيلتين، ثم حول اهتمامه الى المقود و انطلقت السيارة وسط ممر تحيط به انواع الاشجار المزهرة.
كانت فانيسا تحاول السيطرة على صدرها الخافق بعنف، كان في هواء ذلك الصباح الجميل سحر معين، سحر جعل نبضها يتسارع وجعلها تشعر بصباها يتفتح و بسعادة غامرة لكونها ملئية بالحياة.
من مكانها في الزواية اليمنى للمقعد الخلفي كانت فانيسا تراقب جانب وجه الدون الجالس الى عجلة القيادة، أشعة الشمس على وجهه أظهرت لونه الأسمر اكثر حدة و جاذبية.
أدركت فانيسا ان موجات الكره و النفور التي كانت تحسها لدى زياراته لعمها قد خفت حدتها كثيراً، إنها هنا الآن وقادرة على التمتع بجمال لويندا و التمتع بكونها مازالت على قيد الحياة، والدون هو الذي جعل ذلك ممكناً.
أحست قمر الليل بقلبها يغوص في صدرها و يرتجف، عادت الى ذاكرتها كل الاشياء التي حدثت في أورداز تلك الليلة الرهيبة، لو قاومت ارادته و أصرت على البقاء لحملها على كتفيه كما يحمل طفلة.

طافت بسمة خفيفة على شفتيها، هل ظنت حقاً انها تكره الرجل؟ صحيح، يثير غضبها احياناً بكبريائه و تسلطه، لكن هناك جوانب أخرى لشخصيته لم تعرفها الا هنا في جزيرته ، انه في اعماقه يخفي نبعاً من الحنان الدافق و الدفء الى جانب صلابته الظاهرة ، كم ستقاسي زوجة هذا الرجل ! لكن في الوقت نفسه، كم ستجد تعويضاً على ذلك !
توقفت فانيسا عن التفكير بالرجل لتصغي الى ماكان يقوله لباربرا، كان يحدثها عن رحلته الأخيرة مع لوسيا وعن الأماكن التي زاراها و الأحداث التي صادفتهما.
قالت بابرا وهي تغمز بعينها لفانيسا:
- أظن أننا سنسمع قريباً نبأ اعلان زواجك من لوسيا؟ أتدري يا طوني تحيرني؟ كيف تأخذ لنفسك من كانت زوجة لسواك؟
قال متهكما:
- حقاً؟ وهل تدعين معرفتي ياعزيزتي؟
- بالطبع، بالقدر الذي تسمح فيه لأحد ان يعرفك.
ومدت يدها بحنان لامسة كتفه مماجعله يبتسم وتابعت:
- هيا ياعزيزي ، قل لي ، ألست تفكر بالزواج الآن؟
- وأن كنت افكر بالزواج، فليس هذا من شأنك ياصغيرتي، الى ان اكون انا مستعداً لمناقشة الموضوع مع المرأة المعنية.
اختلط الحزم بالرقة من جواب الدون، مماجعل باربرا تصمت و تتطلع الى فانيسا التي ابتسمت، فضول فانيسا ايضاً كان كبيراً.
كانت تود ان تعرف متى سيعلن الدون خطبته على لوسيا التي لابد انها تنتظر ذلك بصبر يكاد يفرغ.
الحبّ...وسرحت فانيسا بأفكارها، هذا الشعور الغريب، فيه عنف وفي الوقت ذاته هو تجسيد للبراءة، فيه نار تحرق وحنان لا حدود لدفقه، نتوق اليه بوجع و نتمنى لو نهرب منه، ابتسمت فانيسا لنفسها، كيف تعرف عن الحب كل هذا ولم تمسها ناره!
هنا، في هذه اللحظة وفي سيارة الدون رفاييل، وجدت نفسها تفكر بجاك كونروى، ترى ماذا لو ظهر فجأة في مكان ما، قد لا تكون تعمل في قصر الدون رفاييل عندئذ الدون سيتزوج لوسيا بالطبع، لن ترغب في وجود فانيسا ومن لواضح ان لدى الدون مشروعاً لتزويج باربرا.
حدقت فانيسا في يديها المتشنجتين في حضنها، وفكرت بأسى، سيأتي اليوم الذي ستكون فيه وحيدة، وقد تضعف لدرجة تتصور معها شعورها نحو جاك حباً و تقبلاً، لكن هل يمكن ان تتخلى عن الحلم؟ الحلم بأن تجد الرجل الذي يتفانى في حبها هي في حبهّ.
تذكرت كيف ردد الدون هذه الكلمات الشعرية على مسامعها وتذكرت الحرقة التي خالطت صوته، ترى أيعشق لوسيا بهذا العنف؟ هل حقاً وجد فيها المرأة التي يتحد بها كما اللهب بالنار؟

في تلك اللحظة اخذت السيارة تقترب من المدينة، كان منظر البيوت الحجرية القديمة المستريحة في حضن اشجار الزيتون جميلاً.
جو يذكربالعصور الوسطى، ردة فعل فانيسا لذلك كانت رعشى طفيفة حالمة، كان للتاريخ حضور طاغٍ، الشوراع ضيقة و الشرفات حديدية تغطيها أزهار شقائق النعمان الحمراء.منتديات ليلاس
باقتراب السيارة اكثر من منطقة الاسواق التجارية ازدادت كثافة السير، ضجيج السيارات و محاولات الشرطي لتنظيم تدفق كتل الحديد، أعادت فانيسا الى الواقع الراهن.
سمعت الدون يقول لها بنبرة ضاحكة:
- انظري الى جهة اليمين آنسة كارول، متعي نظرك برؤية أحد اجدادي، انه الرجل الذي اكتشف هذه الجزيرة وبنى القلعة على أعلى نقطة فيها، من هناك كان يراقب مملكته كالنسر القابع في وكره.
أدارت فانيسا رأسها وحدقت في المكان الذي أشار اليه الدون، كان لنظرته الضاحكة صدى عميقاً في نفسها، تباً للرجل! انه يعرف تماماً الصورة التي له في نفسها.
- كم كان هذا الجد شرساً! على الأقل هذا ما تنم عنه تقاطيع وجهه
قالت باربرا ذلك وهي تنظر الى تمثال المحارب المدجج بالسلاح و المنتصب في وسط الساحة، أما فانيسا التي كانت بدورها تحدق في التمثال المنحوت من الحجر، فقد أخذها العجب، العجب من الشبه الكبير بين و السائق و الدون الجالس في المقعد السيارة الامامي.
الأنف البارز و العينان الشبيهتان بعيني تسر كاسر، بالاضافة الى القامة الرشيقة المنتصبة بكل اعتداد وثقة.
قال الدون ضاحكاً و موجهاً كلامه الى فانيسا:
- بماذا تفكرين ؟ بالشبه الكبير بيني و بين سلفي الشرس؟
اجابت فانيسا بحماس بينما كان الدون يتأهب لسرد قصته:
- يستحيل على أي كان انكار الشبه، أكاد اراك تجوب المحيطات و تتجه نحو الشاطئ البرزايل و البيرو الذهبية!
- لهذا الدون قصة ممتعة أحسده عليها، قصة زواجه من فتاة انكليزية ، كان القراصنة قد اختطفوها من بيتها، في الوقت الذي وصل فيه القراصنة كانت سفن الدون رفاييل راسية في الميناء، ويقال انه دفع ثمناً باهظاً للحصول على الفتاة في الوقت الذي كان أحد الامراء يحاول شراءها، تصوري ياآنسة كارول فتاة انكليزية جميلة تباع في مزاد علني يحضره قراصنة و مجموعة من البرابرة و جنود اسبان، لابد ان فزعها فاق الوصف.
- مسكينة، وهل أجبروها على الزواج من الدون؟
- مارأيك ياآنسة؟ ألا ترين ان الزواج منه كان أفضل من أي شيء آخر؟ المهم ياآنستي ان السجلات تقول انه وزوجته الانكليزية عاشا حياة سعيدة، للحب طرقه الغامضة!





قال ذلك و ضحك بعصبية بينما كان يدير عجلة القيادة الى اليمين حيث أوقف السيارة امام أحد الصالونات الأنيقة، على جانبي المدخل اصطفت آنية الزهور الجميلة و أمام الباب كان يقف بواب في ثياب العمل الرسمية يراقب السيارات الفخمة و يساعد الزبائن.منتديات ليلاس
وبرشاقته المعهودة سار الدون الى الداخل و الى جانبه باربرا وفانيسا، هناك وبكل ترحاب و احترام استقبلته صاحبة المكان حيث ترك الفتاتين في عهدتها، قائلاً انه سيعود بعد مضي ساعتين، وبينما كان يهم بالخروج استدار الى فانيسا و غمز بعينه قائلاً:
- لن تشتري ثياباً تليق بـ " مرافقة" ياآنستي، ولا شيء باللون الأزرق، مفهوم؟
ابتسمت فانيسا قائلة:
- حسناً ياسيدي، لا شيء باللون الأزرق، وشكرا َلك.
أجابها الدون بانحناءة انيقة و خرج مبتسماً ابتسامة قانعة.
ادارت فانيسا عينيها في أرجاء الصالون، رغم كونه على هذه الجزيرة الصغيرة، كانت آخر الازياء و اكثرها اناقة معروضة فيه.
نظرت اليها مديرة الصالون نظرة فاحصة، مشيرة الى ان لون بشرة فانيسا يجعل اختيار ألوان الثياب التي تناسبه صعباً، ومع ذلك استطاعت انتقاء بعض الثياب التي كما قالت تناسب شعرها المتوهج و عينيها، ثم عهدت بها الى عارضة تدعى روزانا بدأت تضع الثياب و تتمختر بها أمام فانيسا بكل ليونة ورشاقة لتساعدها على الاختيار.
ثم جاء دور عرض فستان من البيج المطعم باللونين النحاسي و البرتقالي على شكل زهرات متناثرة في مختلف الاتجاهات، وعلى كل جانب من تنورته ألصقت جيبه على شكل قلب، لم تكن فانيسا مرتاحة الى الفستان الاخير، فهو كما بدا لها يناسب فتاة أصغر سناً.
اما باربرا التي كانت تراقب الموقف باستمتاع ظاهر فقد قالت وهي تضحك:
- لقد اعطى الدون أوامره و عليك التقيد بها، ألم يقل لك انه لا يريد ثياباً تناسب "مرافقة"! ثم كيف يمكنك ان تقاومي تلك الجيوب الرائعة؟
رائعة زيادة عن اللزوم، قالت فانيسا في نفسها، لكن الفستان الذي لم تستطع فانيسا مقاومة الرغبة في ارتدائه، كان فستاناً للسهرة من الدانتيلا المخرمة فوق طبقة من الحرير بلون التفاح الأخضر معه.
كانت العارضة ترتدي صندلاً جميلاً من الشرائط الجلدية باللون الأخضر، عندما ارتدت فانيسا الفستان مع الصندل ذي الكعب العالي بدت وكأنها عارضة رشيقة، كتفاها ظهرتا من تحت الدانتيلا الخضراء بنعومة وحياء.
كان الفستان يلتصق بجسمها اللين حول الصدر و الخصر ثم يتسع لينزل برهافة حول وركيها والى الأسفل.



نظرت الى صورتها في المرآة الطويلة، ياالله، انه فستان يليق بمناسبة مهمة، لا يناسبها هي المرافقة أبداً، ابتسمت قليلاً بحرارة وقالت وفي صوتها رنة ندم:
- لا أظن دون رفاييل قصد شيئاً كهذا ياباربرا، انه رائع، لكن من أين اجيء بالمناسبة التي ارتديه لها؟
ضحكت باربرا بمرح وقالت:
- قريباً جداً ياعزيزتي سنحتفل في القلعة بعيد الكروم، ستكونين متألقة و ستجعلين لوسيا تغار.
- لا شكراً لك! ان فعلت هذا أكون بدون عمل بعد يوم على الأكثر، الفستان رائع لكنني لن أخذه، أريد شيئاً أكثر بساطة و بلون معتم اكثر.
لكن باربرا أصرت خصوصاً بعد ان لمحت الحرارة في صوت فانيسا:
- فانيسا، يجب أن تأخذيه.
- لا أظن ذلك ياصغيرتي.
قالت فانيسا ذلك ورفعت ذقنها الى اعلى بكبرياء الانكليزية العزيزية، ياليتها تملك النقود الكافية لشراء هذا الثوب الرائع.
شفافيته ورهافة قماشه أيقظت فيها كل مكامن الانوثة و الرغبة في الاستحواذ على الاعجاب، رغم كل ذلك عادت الى غرفة القياس لتخلع الثوب وتعود فتناوله الى العاملة في الصالون، لتعلقه بانتظار زبونة اخرى أوفر منها حظاً؟
ثم حولت فانيسا اهتمامها الى الثياب الداخلية التي كانت بأمس الحاجة اليها، اختارت منها مجموعة جميلة و مجموعة اخرى من ثياب النوم ذات الوان هادئة مريحة.
وقبل ان تخرج الفتاتان من صالون بيع الثياب خطرت لفانيسا فكرة، ربما اصطحبهما الدون للغداء في مطعم انيق، من الأفضل اذن ان تغير ثيابها المستعارة التي لا تلائمها وتلبس فستاناً جميلاً من الفساتين التي ابتاعتها.
ألقت نظرة سريعة على الثياب وقد قررت على ارتداء الفستان الحريري الأبيض المحلى باللون البرونزي، بعد ارتدائه قررت ان الشعر المنسدل لا يناسب قصة الفستان، ربما اذا رفعت شعرها الى اعلى كان منظرها أكثر احتشاماً واكثر جدية، وهذا مافعلته ، مما دعا باربرا الى التعليق الضاحك عليها وعلى منظرها كآنسة انكليزية حقاً!
وفي الطريق الى خارج الصالون كانت باربرا تسترق النظر بين الحظة و الأخرى الى فانيسا الجديدة هذه، ثم لم تتمالك نفسها وقال:
- تبدين جميلة ياعزيزتي، لكنني أفضلك عندما يكون شعرك النحاسي منسلاً على كتفيك.
- أنا ايضاً أفضله كذلك ياعزيزتي، لكنني الآن مستخدمة الدون فعلياً وأفضل ملاقاته بشكل رسمي.
- هل تخافينه قليلاً يافانيسا؟
- ماهذا الكلام! اية افكار غريبة تعشش في رأسك! ولم أخاف من الدون؟
- ربما لكونك انكليزية وكونه اسبانياً لايعرف كيف يتعامل معك بارتياح كما يفعل شبان وطنك، دائماً هو السيد، ولا تستطيعين الانسجام معه!


ان كنت أفهم قصدك جيداً ياباربرا، فلا رغبة عندي في الانسجام مع أي رجل كان، وبالتأكيد ليس مع الدون رفاييل! وان كنت...
توقفت فانيسا عن الكلام عندما وجدت نفسها فجأة وجهاً لوجه امام الدون، وانتبهت الى أن صوتها كان عالياً اكثر ممايجب، اندفع اللون الاحمر الى خديها للنظرة الثاقبة التي كان يرميها بها، ترى هل سمع جملتها الأخيرة، بالطبع لم يظهر لها مايدل على ذلك، فهو كعادته وغير كل الظروف مثال اللباقة و التروي، حتى لو رغب ان يعرف القصد مما قالته، فقد اخفي رغبته تلك وراء ابتسامة مشجعة.
- لابد انكما جائعتان، هيا سنذهب لنأكل في مطعم السكاي لايت، لم تزوري المكان من قبل ياآنسة كارول لكنك ستحبيه.
كان المطعم يشغل آخر طبقة من فندق سياحي فخم، عندما فهمت فانيسا ماقصده الدون بقوله أنها ستحب المكان، فقد كان يعج بالعديد من السواح الأوروبين.
ورغماً عنها، وعند سماع الاصوات التي تتكلم لغتها، نظرت فانيسا حولها مبتسمة..واذا عيناها تلتقيان بعينين رماديتين حادقتين، غاري السنغ! غمز لها بمرح ثم حول نظره الى الدون عن رفاييل الجالس بكل ارتياح الى جانب فانيسا، بالطبع لم يغفل الدون عن تلك النظرة الفاحصة، وقبل ان تغيب البسمة عن شفتي فانيسا كان الدون قد استدار اليها ورمقها بنظرة ثاقبة قائلاً:
- اذن انت تعرفين السيد السنغ؟
- قابلته مرة عللى الشاطئ، لم يمكنني تجاهل لطفه، أو هل كنت تتوقع مني كمستخدمة لديك ان أحيله الى حضرتك لتقوم بتقديمي اليه كمرافقة تعمل في حماك؟
ياإلهي، عادت الى تلك اللهجة وعاد التوتر بينهما، استطاعت فانيسا رؤية ذلك في انقباض عضلات وجه الدون.
- أنت حرة ياآنسة كارول في اختيار اصدقائك، والسيد السنغ يذكرني كثيراً بذلك الشاب مونروي، الاتوافقين؟
باربرا التي كانت تجلس باسترخاء في مقعدها تراقب باهتمام ما يجري قالت بحماس:
- كونروي؟ هل هو الشاب الذي أخبرتني كم كنت تتمتعين بعناقه يا فانيسا؟
فقط لو تنشق الارض و تبتلعها في تلك اللحظة، لكن الارض بقيت متماسكة تحت قدمي فانيسا المرتجفتين، الا تكفي لهجة الاحتقار في صوت الدون كلما جاء على ذكر جاك؟ و بغضب شديد قالت لبابرا:
- ظننتك تحفظين سراً، لو لدي أدنى شك في انك ستخبرين أياً كان...
واندفع الدم حاراً في عروقها، وازداد الحرج وهي تشعر بعيون الدون الفاحصة ترقب احمرار وجهها.
- لا بأس ياآنسة كارول، لا بأس، ماهمّ ان فضحت باربرا سرك الصغير هذا؟ أنسيت كم مرة رأيتك وذلك الشاب تنسحبان بهدوؤ لتمتع بالليالي المقمرة في زواية مهجورة؟
لم تعد فانيسا تستطيع احتواء غيظها، كيف يجرؤ ؟ كيف يجرؤ على السخرية من مشاعر الآخرين؟ او هل تكون مشاعره اكثر سمواً و براءة؟ لا..لا تظن ذلك.

وماذا يربط أرملة طموحة برجل في أواسط الثلانينيات، رجل يفضل المصلحة الاجتماعية على براءة لمسات الحب الصادق البسيط؟
هذا الرجل وحش، وبغضب نفضت فانيسا فوطة المائدة ومدتها على حضنها، بينما كان النادل يضع المقبلات على الطاولة.. حبات الزيتون الخضراء، الخيار المخلل و الأسماك الصغيرة.
اجبرت فانيسا نفسها على وضع حبة زيتون في فمها، كادت الحبة ان تخنقها لكنها حاولت استعادة رباطة جأشها و الظهور بمظهر اللامبالي، اضافة الى ذلك و بتحد للدون، نظرت باتجاه غاري مبتسمة، وبادلها الشاب الابتسام، كم تحسده على ارتياحه في التعامل مع الآخرين.
أما باربرا فلم ينغص شهيتها شيء، كل التوتر الواضح بين الدون و فانيسا لم يمنعها من التهام المقبلات و الثرثرة المستمرة.
حاول الدون جاهداً مجاملة الفتاتين و التحدث اليهما ، لاحظت فانيسا ذلك فهي تعرف تماماً السهولة و الحماس اللذين يتحدث بهما الدون عندما يكون في أحسن حالاته.منتديات ليلاس
ابن هذا الرجل المهذب البارد من ذلك الاسباني الذي تناولت معه الفطور على الشاطئ الجزيرة يوم وصولها؟ ذلك الرجل الراقي الذي ماكان مهتماً بالريح تعبث بشعره كفيما شاءت، كان ذلك الصباح حلماً وردياً مشبعاً بعطر الجزيرة الساحر.
خلال فترة الغداء كانت النظرات الفضولية تنصب على الدون و الفتاتين، لم يكن يصعب على احد ان يكتشف ان شخصية مهمة تتناول الغداء في المطعم، اهتمام المسؤولين بالرجل كان واضحاً، ثم هناك أيضاً اناقته المفرطة و تصرفاته ذات النهضة الارستقراطية، وبالطبع قامته الرشيقة و تقاطيع وجهه النبيلة وكأنها منحوتة من الرخام بيد فنان ماهر.
ومما زاد فضول الزبائن جلوس الرجل بين جميلتين احدهما فيها كل سحر المتوسط، والثانية طرواة الغرب.
استفاقت فانيسا من احلامها لتلتقي عيناها بنظرة نافذة من عيني الدون الذي بادرها بابتسامة قائلاً:
- ثوبك الابيض جميل جداً ياآنسة كارول، آمل ان نكوني انتقيت ثياباُ تليق بكا المناسبات، قريباً جداً سنحتفل بعيد الكروم في القلعة، ستلتقين نساء يهمهن المظهر كثيراً، النساء الاسبانيات طاغيات الأنوثة، مغرورات بعض الشيء، ومن اهتماماتهن الأولى مظهرهن الخارجي..و مظهر النساء الأخريات ايضاً، هل ابتعت ثياباً للسهرات؟
- نعم ياسيدي، أنا شاكرة لك كرمك لكن...
- آه ، اعرف ما ستقولين...يجب ان ادعك تردين الجميل في أحد الأيام، لا تخشي شيئاً يا آنستي، أنت مجينة لي ببعض الثياب، بوظيفة و بمكان تأوين اليه، ستكون الفاتورة هائلة لكن أعدك يا آنستي اني سأقدمها لك يوماً.


كانت ابتسامته وهويتكلم غريبة و متوترة الى درجة التهكم، ثم استرخى في مقعده ومال بجسمه الرشيق الى الوراء حين التقت عيناه بعيني سيدة أنيقة و جذابة، ابتسمت له المرأة بكل دلع الاسبانيات و أنوثتهن.
وبنظرة سريعة الى وجهه الداكن، استطاعت فانيسا ان ترى كل نهم الرجال في عينيه.
ذكرتها تلك المرأة بلوسيا مونتيز، ترى هل احتضنها الدون مساء الأمس وهمس في اذنيها على رجاء ان تعود معه الى القلعة؟ هل قال لها بكل أشواق الأرض الدافئة انها انه يحبها؟ وهل تراه قال لها ذلك بالكلمات ام كان عناقه الحار كافياً لا خيارها؟
وجدت فانيسا نفسها تحدق في الدون وهي تمسح فمها بفوطة المائدة، هاتان الشفاتان الرقيقتان كم تنمان عن قسوة! و الغريب في الأمر انها في اللحظة التي يفتر فيها ثغر هذا الرجل عن ابتسامة، تتحولان الى التعبير عن الطيبة كلها.
طبع هذا الرجل العجيب المليء بالمتناقضات يظهر واضحاً في تكوين فمه فهو يقول له انه عاشق لا مثيل له، لا يحتاج إلا للمرأة التي تعرف كيف تصل الى اعماقه لتتمتع بكل كنوزه الواعدة، ولوسيا المرأة الاسبانية حتى اصابع قدميها تعرف دون شك سر هذا الوصول الذي يجعل من الدون خاتماً حول خنصرها.
انتفضت فانيسا في تلك اللحظة عائدة من تصوارتها، فقد احست بيد تشد على كتفيها بلطف، سمعت صوتاً كرحا يقول:
- بودي ان اصطحب الآنسة كارول الى العشاء ذات ليلة يادون رفاييل، موافق؟.
- بالطبع يا صديقي.
أجابه الدون بلهجة باردة وهو ينقل بصره من وجه الشاب الأميركي الذي لوحته الشمس الى وجه فانيسا الذي علته الدهشة، فهي لم تكن تتوقع ان ينقل غاري الى ساحة الدون، كانت تستمع اليه يسأل عن الليلة التي تكون فيها حرة وهي مشدوهة.
- الآنسة كارول حرة تختار الليلة التي تناسبها، وأنا أكيد أنها ستسر بصحبتك ياصديقي، بعد كل هذه الاسابيع بصحبة الأجانب، ومتأكد ايضاً ان طباع أهل اميركا الشمالية تتوافق مع طباع الانكليز، أتوافقني ياسيد السنغ؟
كان الصوت الدون حاداً و بارداً كالمعدن، لكن لم يؤثر على الشاب الذي ضحك بمرح قائلاً:
- بالطبع أوافقك يادون رفاييل، فانيسا سأمر مساء السبت في الساعة الثامنة و النصف لاصطحبك، وستكون ليلة رائعة، أتناسبك ليلة السبت؟
كم يبدو مرحاً وواثقاً من نفسه.
- حسناً يا غاري.
لم تكن فانيسا متأكدة من رغبتها في الخروج معه، تعترف انها استمتعت بالتحدث اليه على الشاطئ ذلك الصباح، لكنها لا تريد ان تستعجل الأمور، فهو رجل مكتمل و جذاب وهي فتاة تعيش وحدة قاسية مما قد يدفعها لارتكاب الحماقات...

- حتى مساء السبت اذن ياحلوتي، وشكرا ياحضرة الدون على اعطاء الضوءالاخضر!
ابتسم له الدون ابتسامته المتحفظة الباردة ثم قال:
- لا تنس أيهاالسيد انه في بيتي لا يسمح لأي فرد كان البقاء خارج القلعة بعد العاشرة و النصفمساء، هذا تقليد البيت الاسباني، لهذا اتوقع منك اعادة الآنسة كارول في الوقتالمجدد.
أطلق غاري ضحكة استنكار عالية وقال:
- ماذا لا بد انك تمزح!
- لاياسيد السنغ، أنا لا أمزح.
- لكنك تدرك ياحضرة الدون انه لا يمكنني ان اعدكبذلك.
- اظن انه من الافضل لك العمل بما اقول به، الآنسة كارول في رعايتي طالماهي على هذه الجزيرة، ويخيل الي انه وقت كافٍ للتمتع بصحبة امرأة تصطحبها في السابعةو النصف و تعيدها في العاشرة
- هذا تزمت رهيب يادون رفاييل، فانيسا فتاةانكليزية وغير معتادة ان يقرر عنها رجل كيف تتصرف، الساعة العاشرة! ياإلهي، بالكادتكون السهرة ابتدأت ، هيا ياسيدي كن عطوفاً! أليس بين ظلوعك قلب؟
- صدق اولاتصدق ياسيد ألسنغ، لكن لي قلباً و أفهم مشاعرك حق الفهم، ثم بدأ صديقك يتضايق منالانتظار.
رمى غاري نظرة سريعة باتجاه الرجل الذي كان يتناول معه طعام الغداء،ثم رفع يده بحركة عصبية الى ربطة عنقه ووجه الكلام الى فانيسا:
- أنت حقاً فيورطة، سأرى مايمكنني فعله من أجلك ياحلوت الى اللقاء.
وبخطوات غاضبة انضم الشايالى رفيقيه وخرجا من المطعم.
كانت فاتيسا تحدق بالدون الواثق من نفسه و الشرريتطاير من عينيها الخضرواين، بحق الله كيف يستطيع هذا الرجل ان يقبض زمام حياتهابهذه السهولة وهذا التصميم؟ كل همجية أسلافه وحسهم الاقطاعي تتمثل في هذا الرجلالداكن اللون والجالس قبالتها... - - أنا لست طفلة بادون رفاييل، استطيع الاهتمامبنفسي.
- تقولين هذا بتحدٍ ياآنسة كارول، وأشك في انك حقاً تصدقين ماتقولين.
- أنت لا تطاق احياناً!
لكن في اعماق نفسها كانت تعرف انه على حق،فغاري ألسنغ بعينيه الحيويتين و مزاجه المرح كان بالفعل شبيهاً بجاك كونروي، وقدتجد نفسها تميل اليه دون ان تدري، وقد تظن حباً و أماناً و تتماي أبعدممايجب...
ارتجفت فانيسا عندما أحست ياصابع الدون الرقيقة تشد على يدها وهويقول:
- التلاعب بالعواطف هواية لا أحبذها، والسيد كما يبدو لي خبير بها، تذكرينيوم أحضرتك الى لويندا اول مرة، اخبرتك انه بعد موت عمك الطيب سأضع نفسي في موضعه وأكون لك مرمرشداً، أنا رجل عند كلمته ياعزيزتي.
وكما لو كان يرغب في تأكيد كلماته، كانت اصابعه تضغط اكثر فأكثر على معصمها وكانت عيناه العميقتان تغوصان بعيداً بعيداً في عينيها الحائرتين، حاولت فانيسا تخليص معصمها من قبضته او التحرر من نظرته النافذة، لكن دون فائدة.
كانت اسيرته في تلك اللحظة كما في كل لحظة، أخذت انفاسها تتلاحق بصوت مسموع، انها تكرهه..تكرهه لأنه على حق فيما يتعلق بغاري.. وتكرهه لأن شيئاً كان يسري في جسمها كلما لمسها، شيئاً تركها مشدوهة و مرتجفة.
- سأتخذ غاري صديقاً ان اردت، لن يكون بامكانك فعل اي شيء حيال ذلك.
- على العكس تماماً ياآنسة، هناك دائماً ما يمكنني فعله بصدد ما يحدث في الجزيرة، والسيد ألسنغ موظف هنا، أليس كذلك؟
وشد على يدها اكثر فاكثر الى درجة الوجع، كادت فانيسا تختنق، لا يمكنها تصديق ذلك.
هل يمكنه حرمان غاري من وظيفته! لكن نظرة واحدة الى وجه الرجل قالت لها الكثير، سيد لويندا هذا يستطيع الوصول بقسوة ووحشية الى كل مايريد، كل هذا واضح في عينيه، في قبضة يده التي بدأت تؤلم معصمها وفي دقات قلبها المتسارعة.






الوقت ليلة الجمعة، وفانيسا مستلقية في فراشها تستمع الى الزيزان و حفيف سعف

النخيل، وبين وقت و آخر زعيق طائر ليلي آت من بعيد.
كأنها في أورداز...أصوات الليل ذاتها، أورداز! كم كانت سعيدة هناك وحرة،

تنهدت فانيسا للفكرة وأخذت تتململ في فراشها محاولة اصطياد النوم الذي كان

يجافيها هذه الأيام، مسدت مخدتها وحاولت التركيز على دقات الساعة، لكن

حلاوة النوم و سلامة بقيا يتهربان منها.
اللعنة! قامت من فراشها بهدوء و لفت عباءتها حول كتفيها ، العباءة التي اشترتها

مع بقية الثياب منذ بضعة ايام. كان باب الشرفة مفتوحاً، خرجت منه فانيسا و أخذت تحدق بالنجوم، ثم حولت

نظرها الى البحر وكان سطحه يعج بحبات اللؤلؤ، انطلقت صرخة طاؤؤس كأنها

الشؤم فضاعفت احزان منتصف الليل التي كانت تضطرم في داخلها.
أخذ الحزن يسري من قلبها الى جسمها كله وهي تنظر باتجاه اورداز، لماذا تنظر في

ذلك الاتجاه؟ عما تبحث؟ عن العم الطيب الذي ضاع منها الى الابد...أم عن

الوعد الهارب كشعاع شمس، والذي كان يملأ النزهات، ولعبة كرة المضرب،

ورحلات الصيد، والمناقشات التي كانت تتمتع بها بصحبة جاك كونروي المرح؟

أين يكون جاك الآن؟ لا ليس في الفندق في تشيلي حيث كانت تعبث برسائلها،

لابد انه في احد الأدغال الخضراء بحثاً عن الماس و الزمرد.
طافت ابتسامة على شفتيها مالبثت ان اختفت اذ تحولت افكارها ورغماً عنها الى

الرجل الذي احضرها الى لويندا.
منذ تلك اللحظة في مطعم السكاي لايت و فانيسا مضطربة، كم تكره هذا

الشعور...كأن روح التحدي عندها قد سحقت من قبل رجل استعمل جاذبيته و

سلطته بطريقة جعلتها تخضع رغم ارادتها.
السلطة الأكبر لمن له سلطة على نفسه، هذه الكلمات التي ترددها فانيسا لنفسها

كم هي صحيحة، وشدت قبضتها على قبضان الشرفة، قضبان حديدية تسجتها في

قلعة من صنعها هي! لتكن عادلة فالدون عرض عليها دفع تكاليف سفرها الى

انكلترا.
لكن ماذا فعلت هي؟ اشتاقت فيها كل مشاعر الكبرياء الانكليزية و أصرت ان

تعمل لتكسب بنفسها أجرة الطريق وما يكفيها لدراسة السكرتاريا، انها هي التي

اعطته السلطة عليها كمستخدم، وهي تعي ذلك كله الآن.


وبالمقابل ماذا؟ تعلقها بباربرا يزداد يوماً بعد آخر و ينقص من استقلاليتها؟ ألا

تعرف مقدار تعلقها بهذه المناخات الاستوائية؟ الا تعرف انها ان حرمت منها

فسيموت أو على الأقل يذبل كل شيء حيوي في داخلها؟ جاءت الى هذه البلاد

منذ اربع سنوات وضربت جذورها في اعماق تربتها، كيف تقتلعها الآن؟ كيف

تترك الشمس و البحر وكل نجوم السماء في الليل؟ وكيف تترك رتابة أصوات

الزيز في الليالي الدافئة، تلك الأصوات التي اختلطت بدقات قلبها...
دقات قلبها كم هي سريعة، تصعد الى حنجرتها كعصفور حبيس يبحث عن مخرج،

في الحديقة تحت شرفتها التقطت عيناها لمعة ضوء تتحرك، قد تكون براعة مضيئة،

لكن لا ليست براعة انها ضوء سيكار.
رجل مديد القامة كان يقف هناك محاطاً بظلال منتصف الليل، وحيداً يدخن

سيكاراً وسط ايحاءات القرون الوسطى التي ينشرها البناء القديم.
كان الدون رفاييل الذي تذكر فانيسا كيف لمعت عيناه وهو يخبرها عن سلفه

الذي ابتاع لنفسه عروساً انكيزية بذهب منهوب.منتديات ليلاس
هل حقاً حدث ذلك؟ هل حقاً أحيت تلك الانكليزية رجلاً كذلك الدون؟ وهل

كان ممكناً ان قلبه الشرس كان يحمل في طياته مشاعر رقيقة أغدق بها على تلك

الفتاة التي اختطفتها القراصنة من دفء بيتها لتباع في المزاد؟ قصة بربرية حقاً،

ومناسبة لذوق الرجل الذي أخبرها اياها.
فجأة وفي تلك اللحظة تراجعت فانيسا الى الخلف ، بعيداً عن حافة الشرفة حيث

سقط كوب منسي على الطاولة محدثاً بسقوطه ضجة قوية.
كانت متأكدة ان الصوت وصل الى اسماع الدون و أحست بالغيط من نفسها، انه

يعلم الآن انها كانت تقف على الشرفة تشاركه التمتع بجمال الليل.
وقفت لحظة جامدة في مكانها، ثم استدارت مسرعة ودخلت غرفة نومها، عندما

كانت آمنة في سريرها أحست بالرعشة تسري في جسمها وفي عنقها كأنها اصابع

رقيقة، ورأت وجهاً ينحني فوق وجهها...الحب جميل وقاسٍ...عميق كالبحر،

جاءها صوته.
اخيراً استسلمت للنوم وعندما استفاقت كان يخالجها شعور بأنها رأت احلاماً

غريبة، كلما حاولت تذكرها هربت منها في ضوء النهار المتسلل من باب الشرفة،

الى جانبها كانت صينية عليها ابريق شاي وابريق حليب من الفضة الخالصة.
سكبت فانيسا لنفسها كوباً من الشاي أخذت ترشفه بكسل ناعس وهي تحدق في

صورة وجهها المعكسة في المرآة المقابلة لسريرها، شعرها النحاسي اللون يتموج

بجاذبية، يرسم اطاراً مضيئاً لعينين خضراوين مازال النعاس يداعبهما، أشرطة ثوب

نومها كانت تنزلق فوق ذراعيها تاركة كتفها تتحدى أشعة شمس الصباح وهي

تسترخي فوق مخدة زهرية اللون على سرير ملوكي.
تذكرت قمر الليل قصة الأميرة وحبة الحمص و ابتسمت لنفسها وهي تتناول

قطعة من البسكويت من صحن على شكل ورقة، ما أطيب البسكويت المصنوع

من جوز الهند الطيب، المغطى بالكريما اللذيذة، كل صباح يحضر لها نوع مختلف

من البسكويت مع الشاي، لكن بسكويت جوز الهند يقدم صباح يوم السبت

دائماً.

لحظة أطلت فانيسا من الباب الجميل المصنوع من خشب الأرز و المنحوتة فوق

سطحه زهور القرنفل الجميلة، كانت دهشتها كبيرة لرؤية الدون جالساً الى طاولة

الأفطار، لم تكن هذه عادته.
كان يخرج باكراً الى اعماله الكثيرة وقبل أن تنزل فانيسا و بابرا لتناول الفطور،

ربما شعر بالكسل هذا اليوم، أنه أول الاسبوع.
كان مستغرقاً في قراءة الجريدة الصباحية عندما أحس بقدومها، رفع بصره اليها

مبتسماً، كم كان جذاباً بقميصه ذي الأكمام القصيرة و فتحة الصدر التى تظهر

لون جلده الداكن، لم تقدر فانيسا ان تسيطر على خفقان قلبها المتسارع.
عند اقترابها أسرع الدون الى القيام و الترحيب بها محدقاً في ثوبها البسيط بلون

ورق الشجر الأخضر، وبالعقد المصنوع من الأصداف الذي كان يزين عنقها

الجميل، سألها ان كانت نامت جيداً الليلة الماضية و أجابته بحركة من رأسها،

تبعتها رجفة عندما لمست ذراعه السمراء ذراعها بحركة غير مقصودة.
كان يمد يده ليقبض على عنكبوت سقط من أغصان الشجرة التي كانا يقفان

تحتها.
عاد الدون الى مكانه ضاحكاً بشقاوة ثم قال:
- يظهر انها اصبحت عادة، انقاذي لك من الأحداث السوداء.
أجابته فانيسا بابتسامة وهي تتناول فوطة و تضعها على حضنها استعداداً لتناول

الفطور، كانت تتمنى ان لا تتأخر باربرا في الوصول، تناول الفطور مع الدون

وحدهما لن يكون سهلاً عليها في حالتها الراهنة.
- تعودت على العناكب في اورداز، لا أحبها بالطبع، لكنها لا تجعلتي أصرخ في

طلب النجدة من أقرب رجل في المكان!
- طبعاً، طبعاً، فأنت الفتاة الانكليزية التي تأبى حماية الرجل! هيا ياعزيزتي،

أتريدين القهوة كالعادة أو كما أرجو، ترغبين في كوب من الشوكولا على الطريقة

الاسبانية؟
كانت ترغب في فنجان قهوة لكن نظرته المركزة على وجهها جعلتها تغير رأيها،

وقبل أن تقول أي شيء سمعته يقول:
- هيا، قوليها، قولي انك لا تستغين أي شيء اسباني خصوصاً انا الذي تتجسد فيه

كل الشرور وكل القسوة!
تطلعت في عينيه الداكيتين الساخرتين وشعرت بأنه يرى أعمق اعماقها، يرى

خوفها منه ويرى النفور الذي تشعر به تجاهه.
وبسبب كثرة كلام باربرا استطاع ايضاً ان يرى انها ليست دائماً الانكليزية

المتحفظة الباردة، عرف انها استمتعت بعناق الشاب كوتروي و أطلت من هناك

على أرض الحب الموعودة.
- سأشرب الشكولا الساخنة ياسيدي.منتديات ليلاس
وأخذت تراقبه وهويسكب الشراب الساخن من ابريق من الفضة، كم هو غريب

هذا الرجل! ترى هل استطاع أحد معرفة حقيقته، امه الجميلة مثلاً والتي تعيش في

عزلة بعيداً عن الدنيا و صخبها...أو ربما جدته الدونا مانويلا؟ هل تراه يظهر

جانباً مختلفاً من طبعه الصعب للذين يحبهم؟ ...خصوصاً لوسيا مونتيز؟
- أترغبين في بعض السمك أو ربما البيض؟
اختارت البيض المقلي فقد كانت رائحته شهية و منظره يسيل اللعاب..مقلي مع

الفطر اللذيذ و شرائح البندورة الطازجة.
سكب لها ثم وضع القليل في صحنه ومد يده لتناول الملح، كانت فانيسا تمد يدها

لأخذ الملح في نفس الوقت مما قلب المملحة و تناثرت ذرات الملح على غطاء

الطاولة.

- ياإلهي!
تمتم الدون الذي رأى فيما حدث فالاً سيئاً، وعلى طريقة الاسبان تخذ قبضة من

الملح ورش منها كتفه ثلاث مرات ثم قال:
- كم منا تسبب فيما حدث؟ أنت أم أنا؟
التقت عيناها بعينيه وعرفت عندئذ سمع الكوب يقع و ينكسر على شرفتها الليلة

الماضية، مد الدون يده الى صحن المعكرونة وعيناه مركزتان على وجه فانيسا ثم

قال:
- هل أشعرك بالحرج؟ غريب ذلك فنحن نعرف بعضنا منذ مدة طويلة.
- كنت صديق عمي ياسيدي، ثم انك كنت تنظر دائماً الي كفتاة طائشة، انا

لست كذلك ويزعجني ان يرى فيّ الآخرون عكس حقيقتي.
- معك حق دون شك، ربما اخطأنا الحكم على بعضنا مماسبب هذا التوتر بيننا.
- صحيح، وأشعر انك تنتظر مني ان احس و أتصرف كفتاة اسبانية و يزعجك

كثيراً اخفاقي فى ذلك.
- تماماً كما قال السيد ألسنغ..أنت فتاة انكليزية وغير معتادة ان يتحكم الغير في

حياتك،أليس كذلك؟ هيا، قولي ياآنستي، هل حقاً أجعل من باربرا سجينة بالرغم

من ولعها بوصف نفسها حبيسة القلعة؟ هل أكون ذلك التنين الذي تتصورون؟

كوني صريحة عزيزتي.
ولمعت عيناه بابتسامة ماكرة.
- حسناً، انك تبالغ في اضفاء الأهمية على فكرة خروجي مع غاري ألسنغ..اؤكد

ياسيد اني لن أهرب مع هذا الرجل رغم جاذبيته الطاغية.
- اذن تعتبرينه جذاباً، الا يبدأ الحب بالنظر؟
ضحكت فانيسا متعجبة:
- الحب! أوتظن ياسيدي أني جاهزة لأقع في حب أول شخص يغازلني على هذه

الجزيرة؟ ياإلهي هل تفكر اني صغيرة الى هذا الحد؟
- على الأقل عاطفياً لم تنضجي بعد.
وشغل نفسه باختيار بعض حبات العنب من صحن مليء بالفاكهة الشهية، حركاته

كانت كسولة بتعمد ذكرها بأمير اسطوري قيل انه اختطف عروساً وحملها الى

مملكته البعيد!.
زجرت فانيسا فهذه ليست المرة الأولى التي تذهب فيها بعيداً بتصوارتها عن طريقة

هذا الرجل في الحب.قمر الليل.
- كيف وجدت البيض المقلي؟ لذيذ؟
أجابته باسمة وهي تتناول بعض الفاكهة:
- لذيذ جداً وخفيف.
- خفيف لأنه مقلي بزيت الزيتون، نحن الاسبان نستعمله دائماً في طعامنا، وهناك

الكثير من الأمثال الشعبية التي تدور حول صفات وفوائد زيت الزيتون، ونذهب

بعيداً في ذلك الى درجة تشبيه الزوجة المثالية بنعومة و سلاسة هذا الزيت.
ضحكت فانيسا من كل قلبها، بالطبع لابد للزوجة الاسبانية ان تكون بسلاسة

الزيت لتستطيع العيش مع الرجل الاسباني ذي الطبع الناري و العواطف الجياشة،

خاصة وقد لاحظت فانيسا ان الرجل الاسباني يفوق امرأة بلده وسامة، فتكون

المرأة بهذا معرضة لكل مشاعر الغيرة وعواصفها، فإن لم تكن بسلاسة الزيت يصبح

جو البيت مشحوناً طوال الوقت.


لاحظ الدون انغماس فانيسا بأفكارها فابتسم قائلاً:
- في عينيك كلام ياآنسة كارول، ماالذي يشغل رأسك؟
اتحسين بالعطف نحو المرأة الاسبانية؟ قلت لك قبل الان ان المرأة الاسبانية معززة

مكرمة من قبل زوجها الى درجة لا تحلم بها نساء وطنك، الرجل الاسباني في

أعماقه رجل بدائي يعتبر زوجته ملكاً له، أتفهمين؟...وهي تعرف ذلك وتعرف انه

يعود اليها مهما حاد عن الطريق، والرجال ليسوا ملائكة و النساء الحقيقيات لا

يردنهم كذلك، بالطبع لا انتظر من الانكليزي ذي الطبيعة الباردة المتحفظة ان

يفهم ذلك أو أن يوافق عليه، لكن تأكدي ياآنسة ان النار المأججة التي تسكن

قلب العاشق المحب اللاتيني كفيلة بمحو كل المشاكل التي تخلقها العلاقات الزوجية.
كانت عينا فانيسا مسمرتين على وجه الدون الأسمر بارتباك أحست بيديها

ترنجفان، كيف تهرب من هذا الحديث الحميمي؟ أين باربرا، هل مازالت نائمة؟

ماذا سيقول أو سيفكر الدون ان هي اختلقت عذراً لمغادرة المكان ؟ سيعرف انها

تهرب منه، حاولت السيطرة على انفعالاتها ثم قالت:
- كنت اظن الحب اللاتيني حباً رومانسياً لكن يظهر من كلامك انه حب بدون

أجنجة.
- على العكس ياعزيزتي، قد تكون لغة الحب الاسباني أجمل اللغات و أكثرها

اثارة،أظنك تلمحين فقط الى اننا لا نتهرب من الخوض في الجانب الواقعي للحب،

فللحب جماله الغريب... ماذا؟ هل أحرجك كلامي؟
اندفع الدم حاراً الى وجنتي فانيسا، لماذا يكلمها بهذه الطريقة؟ لا لم يجرحها كلامه،

ليست هي المرة الأولى التي تستمع بها الى مثل هذا الحديث...لكن صوته ..صوت

هذا الرجل الدافئ وهو يتحدث عن مسرات الحب الموعودة...هو الذي جعل

جسمها يرتجف.منتديات ليلاس
بذلت فانيسا جهداً كبيراً لتجيب الدون على سؤاله بلهجة طبيعية:
- لا ياسيدي، لم يحرجني كلامك،انما اظن اني انكليزية لدرجة يصعب معها

الاعتراف بأن الحب عاطفة حسية اكثر منها روحية.
وبابتسامة بطئية تحمل صبر رجل ناضج تجاه اضطراب شابة قال الدون:
- الأمر لا يتعدى كونه كيمياء بدائية، فالجسم بوعيه الرغبة أسرع من العقل في

قبول ماهو حتمي، هذا هو السبب وراء كل الأخطاء التي يرتكبها الشبان، ومن

أجل تفادي هذه الأخطاء تراعي التقاليد في بلادنا فتساعد الفتاة في اختيار شريك

عمرها، الرغبة قد تعمي الفتاة وتجعلها تستسلم لعناق الرجل الأول الذي يكشف

لها أسرار الحب و أسرار نعومة جلدها وانحناءاته، تلك هي قوة المرأة، واكتشافها

لسلطانها ، هذا السلطان الذي يركع أمامه أقوى رجل، يجعلها تميل في البداية الى

الصنف الضعيف من الرجال وكأنها يتفتحها لا تستطيع التمييز بين غريزة الأمومة

وبين العشق... بين كونها أماً أو حبيبة، هل كلامي واضح ياآنسة؟
اكثر وضوحاً من ضوء الشمس! هذا ماقالته فانيسا لنفسها وهي ترتجف في مقعدها

كورقة شجر، كانت الشمس تنعكس على شعرها الجميل كاللهب مظهرة جمال

عنقها الأبيض، ولم يعد باستطاعتها
تمالك نفسها فاندفعت قائلة:

هل محاضرتك موجهة الي ياسيدي؟ أتكون تحذيراً لي كي أترك غريزة الأمومة

تتفجر اذا أخذني غاري ألسنغ بين ذراعيه؟ هل أبدو بمظهر المحروم من الحب

المتعطش لأول قطرة؟ لم أكن أظن ذلك!
- الكثيرون متعطشون للحب، لكن معظم النساء يخلطن ما وهبهن الله من الحكمة

ببعض الطيش الذي يسمونه تحرراً، وأنت يا آنسة وفي هذا الظرف بالذات حيث

يغمرك شعور بالوحدة و الخوف قد تندفعين باتجاه هذا الشاب ظناً منك انك

وجدت الحب.
- أنت تنسى أني أحب جاك كونروي ياسيدي، اما اخبرك عمي اني كنت اكتب

لجاك باستمرار وأراه كلمت زار اورداز؟ انت بفسك رأيت ذلك ألا تذكر؟
تراكضت الكلمات من فم فانيسا دون ارادة منها أو تفكير تكلم اليها الدون

طويلاً، وببرودة قاسية لا تحلو من بعض الاحتقار أجابها:
- رأيت فتاة صغيرة مع صبي فاشل ضعيف، لكن ان كنت تظنين ذلك حباً

فليكن..قد يحميك ذلك من التهور مع غاري ألسنغ هذا.
طار صواب فانيسا وانتفضت واقفة بغضب لا يثيره فيها غير هذا الرجل:
-كيف تجرؤ؟ لا تتصور ايها السيد انه لمجرد كونك زعيم لويندا تستطيع ان تتكلم

وان تتصرف كما يحلو لك، يالك من مغرور متعجرف شاء سوء حظي أن ألتقي

به.
كان الدون قد انتصب واقفاً هو الآخر و بخطوات واسعة أضحى بجانبها ممسكاً

ذراعيها المكشوفتين بكل مافي يديه من قوة، كانت عيناه تلمعان بغضب شديد

كغضب عاصفة سوداء.
- وأنت ياآنسة فانيسا كارول، الفتاة التي لا تستطيع ضبط اعصابها والتي شاء

سوء طالعي ان التقي بها، من الأفضل لك السيطرة على هذه الانفعالات الملتهبة،

فهي لا تناسبك و تفضح قلة نضجك.
كانت اصابعه الآن تشد على كتفيها بقوة مؤلمة، ازدادت ضربات قلبها ونفر الدم

من وجهها.
- يؤسفني ان لا استطيع ارضاء غرورك و غريزة التفوق التي تسيطر عليك،

ويؤسفني اني لا استطيع ان اركع امام رجولتك الطاغية وقصرك و ثروتك، انا لا

املك ان اكون الآنسة التي تخضع و اعرف تماماً ان لا املك اياً من الصفات التي

تعجبك ولا يهمني ذلك في شيء.
- الجملة الأخيرة تصدر عن عدم نضج وعناد وتعني عادة العكس تماماً، اتريدين

أن أقول اني معجب بشعرك و عينيك.. وبنعومة جلدك؟ هل أزعجك انني لم أتمش

معك في ضوء القمر و أعانقك؟
قال هذا وهو يسرح عينيه على عنقها العاجي، كانت فانيسا تحدق به غير مصدقة

تلك الصورة، هذا الرجل يعانقها؟ رفاييل دوميريك يعانقها! همس صوت ساخر في

داخلها، يكفي ليجعل أية امرأة تعيسة مع أي رجل يأتي بعده!
- هيا آنسة كارول! عهدي بك ألا تقدمي شيئاً تقولينه في الدفاع عن استقلالية

تفكيرك، لم تنظرين اليّ هكذا؟ وكأن العناق أمر لا أعرفه و لا استمتع به، أتظنني

من صخر؟ لا املك اشواقاً كغيري من الرجال؟
كانت يداه الدافئتان قد خففتا قليلاً من الضغط على ذراعيها، وكان وجهه قريباً

من وجهها، لكن ماجعل قلبها يغوص في داخلها هو رجفة شفتيه التي قالت لها

الكثير عن الرجل و أكثر مما كانت كلماته تقول.

في تلك اللحظة أحست فانيسا ان قناع الرجل المتسلط، الرجل السيد قد بدأ

يسقط ويظهر خلفه الرجل العاطفي الذي تمتع يوماً بعناق امرأة في ضوء القمر

هامساً في اذنيها كلمات الحب الناعمة...
وأحست فانيسا بأن عينيها قد شدتا الى عينيه وتعلقتا بهما.
- لا.. لا اطنك من حجر، لقد أنقذت حياتي في أورداز، وهذا مالا يفعله رجل

بلا أحاسيس، وأيضاً ليس سراً انك والـ...
سكتت فانيسا والتقطت أنفاسها، يجب أن لا تتدخل في أمور الدون الشخصية.
- كنت تقولين...أكملي.
حاول الدون تشجيعها على الكلام و بسمة خبيثة تلمع في عينيه.
- كنت تريدين أن تقولي انني مقدم على الزواج؟
أومأت فانيسا برأسها بالايجاب.
- وكيف ترين الأمر ، رومانسياً؟
وبنعومة لا تصدق لمس شعرها كما فعل على القارب في ذلك اليوم، ورد خصلة

كانت تغطي عينها وقال:
- على الرغم من كل الكلام الفارغ عن حبك للشاب كونروي فالحب الحقيقي

يجب أن يحمل سحراً اكبر وجمالاً اكثر لفتاة مثلك.
- لفتاة مثلي ، لكن ليس لرجل مثلك.
خرجت الكلمات من فمها دون ارادة منها، تلك اللمسة الرقيقة جعلت الرعشة

تسري في عظامها، جعلها تحس بمرارة تخالطها حلاوة، تماماً كما شعرت يوم لمسها

للمرة الأولى بعد ان انقذها من اروداز.
- الحب الحقيقي الذي نتحدث عنه ياسيدي يتعارض مع ايمانك بالزواج المرتب و

المدروس.
- مااؤمن به ياآنسة وماقد أفعله أمران تتحكم بهما الصدفة، تماماً كالحشرة التي

لابد لها من الدوران حول اللهب، قد تحترق وقد تنجو، تنظرين الي ولا ترين سوى

سيد القلعة وسيد الجزيرة وما انا سوى رجل كباقي الرجال ، وكباقي الرجال لا

مهرب لي من الاقتراب من نيران الحب، ان احرقني شعرت بالوجع كأي رجل

آخر.
- لا أظنك ستحترق.
قالتها فانيسا وهي تتذكر نظرات الوله و الاعجاب تملأ عيني السيدة لوسيا

مونتيز، هذه المرأة الأنيقة أرملة وكما قالت باربرا لفانيسا، ليس الدون بالرجل

الذي يختار عن وعي زوجة كانت لغيره ذات يوم، لكن الحب لم يكن يوماً يحترم

تقاليد و معتقدات الناس، الحب يغزو ولا يطلب أذناً بالدخول، يغزو اكثر القلاع

منعة ويصدر أوامره التي لا يستطيع أحد تجاوزها.
كانت اعصاب فانيسا تضج برغبة التحرر من أصابع الدون الحديدية التي مازالت

تضغط على ذراعيها وكأن الدون أحس برغبتها الصامتة فأرخى اصابعه عن

جسمها الندي وبدأ يطوي جريدته الصباحية ثم قرع الجرس كي يأتي الخادم ويأخذ

ما تبقى من طعام الفطور.
- تأخرت باربرا عن موعد الفطور.
قالت فانيسا لتكسر الصمت الذي خيم بينهما وكأن الطيور على أغصانها صمتت

أيضاً، رفعت فانيسا نظرها الى اعلى، تغير لون السماء الى رمادي المعتم وقد تمطر.


- آه، نسيت أن أخبرك ان باربرا كانت متوعكة بعض الشيء ليلة امس، ربما

كان السبب شيئاً أكلته، اهتمت بها كونسيبسيون طوال الليل وهي الآن نائمة،

هذه الطفلة تبالغ في كل شيء وترهق نفسها ، لا داع للقلق ياآنسة كارول،

ستكون باربرا على احسن ما يرام بعد بضع ساعات من النوم.
اظهرت فانيسا أسفها للخبر وتذكرت انها لاحظت تغير وجه باربرا الليلة الماضية،

لكنها في حينها ظنت الأمر عائد للعب الورق مع راي الفاداس الذي حاول

استفزازها في حضور الدون.
- آنسة كارول...
أعادها صوت الدون من أفكارها.
- نعم سيدي.
- لست بأعمى كما تعرفين.
- لا أفهم قصدك.
- يظهر ان حمى الحب تضرب الجزيرة هذه الأيام، وباربرا تتصور انها وجدت

فارس احلامها في قريبي راي، أليس كذلك ؟.
اندفع اللون الى وجنتي فانيسا..انه يعرف اذن؟
- كنت اظنها تعرفت على شاب من الجزيرة ووقعت في هواه، لكن حرصك ان

تكوني بصحبتها أثناء وجود راي دفع بي الى الشك في أمرهما.
- لا أعرف ما سأقول ياسيدي، فقط استطيع ان اؤكد لك الأمر في غاية البراءة.
- لن يغير هذا في الأمر شيئاً، سأقوم بترتيب عودته الى اسبانيا ، لا تخبري باربرا

بذلك.
هزت فاننيسا رأسها بالموافقة ثم سارا باتجاه الداخل، عندما وصلا وضع الدون يده

على كتف فانيسا وقال:
- باربرا الآن نائمة وأنت حرة، مارأيك لو قضيت ساعة في زيارة جدتي؟ ستسر

بك كثيراً، طالما عاتبتني وقال انه لم تتح لها الفرصة للتعرف اليك اكثر.
كانت فانيسا تشعر بالرهبة في حضور الدونا مانويلا جدة الدون الذي قال لها

مبتسماً ابتسامته الجذابة:
- لا تخشي شيئاً فمظهر جدتي الخارجي قد يوحي بالتكبر لكنك ستكتشفين فيها

الأنسانة التي كغيرها من النساء تسر بجلسة ثرثرة، اخبريها عن الثياب الجديدة

التي ابتعتها.
عند ذكر الدون للثياب الجديدة تذكرت فانيسا بانزعاج ثوب السهرة الأخضر

الذي وجدته في خزانة ثيابها بأمر مباشر من هذا الرجل، لم تحاول اخفاء تعبير

الانزعاج الذي ارتسم على وجهها ، ولاحظته عينا الدون المنتبهتان دائماً، ولم

تشعر الا و أصابع الدون الدافئة تمسك معصمها وصوته العميق يقول:
- ألا يمكنني فعل شيء يرضيك؟ وهل تريدينني أن اصدق انك تفضلين ارتداء

الثياب التي لا تناسبك بدل ثوب كهذا الذي ترتدينه الآن؟ الأخضر الفاتح لون

جذاب و يناسب لونك ولون شعرك ، ام هل ترى لون شعرك الناري هو المسؤول

عن مزاجك الحاد؟ واطلق ضحكة عالية و عميقة.
هذا الرجل، هذا الرجل يسلب كل سلاح عندما يريد، وعندما التقت عينا فانيسا

بعينيه الضاحكتين لم تتمالك نفسها عن الابتسام.
- أمي كانت ايرلندية ياسيدي، ربما أخذت الشعر الأحمر و المزاج الحاد عنها.



- ونبرة صوتك ايضاً ربما؟ امك توفيت وأنت مازلت في المدرسة كما فهمت؟
اومأت فانيسا برأسها والألم في عينيها.
- كان والدي في طريقهما الى حفلة عيد الميلاد في المدرسة التي كنت اعيش فيها،

انزلقت بهما السيارة فوق الثلج الذي كان يغطي الطرقات وقتها عندما كانا

يحاولان عبور احد الجسور وقتل كلاهما في لحظة.
- ياصغيرتي المسكينة، لابد ان الحادث كان صدمة أليمة.
ومرت سحابة عطف لطيفة في عيني الدون الذي أكمل قائلاً:
- ومنذ موت عمك، وكأن الصدمة الثانية، وجدت حاجزاً يحول بينك وبين

الحب من جديد..طبعاً لا أقصد بكلامي الشاب كوتروي، دعيني الآن اوصلك الى

الجناح الذي تعيش فيه جدتي.
في طريقهما الى هناك كانت فانيسا تفكر باصرار الرجل الاسباني على التحدث عن

الحب، هل تراه يعتقد ان المرأة خلقت فقط من اجل الحب... من اجل ان تشعر به

وان تعطيه؟ ان تكرس كل حياتها وكل وجودها وطاقتها له ؟ كانت تود لو تناقشه

في الموضوع لكن نظرة سريعة الى وجهه جعلتها تمتنع عن ذلك، كان الدون قد

ذهب بعيداً في احدى تلك اللحظات الصامتة التي ينزل فيها الى أعماق نفسه و

يغلق الباب على حوله..
صعدا السلم العريض جنباً الى جنب يلفهما صمت مطبق، وكالعادة ذهبت فانيسا

بعيداً بتصوراتها، هذا الدرج الفخك بحافيته المرصعتين وخشبه الجميل، كم يصلح

لأن تنزل عليه امرأة ذات جمال اخاذ مرتدية ثوباً من الحرير اللامع تحمل بيدها

مروحة أنيقة تحركها بكل أنوثة ودلع، وتضع في شعرها مشطاً اسبانياً مرصعاً

بالجواهر.
جناح الدونا مانويلا يقع في الطابق الأول وهذه هي المرة الأولى التي تدخل بها

فانيسا جناح السيدة العجوز هذا، بحركة رشيقة فتح الدون رفاييل باباً على

مصراعيه ودخلا..
شهقت فانيسا للمنظر الرائع الذي وقعت عليه عيناها.. حدقة زهور وفي وسطها

بركة صغيرة مليئة بالأسماك تتجدد مياها من نافورة جميلة على شكل صبي يركب

سمكة دولفين.
اقتربت فانيسا لتمتع نفسها بمنظر الأسماك الصغيرة اللطيفة، وظهرت امرأة ترتدي

ثوباً اسود.
المرأة هي لويزا وصيفة السيدة العجوز و مرافقتها جاءت تدعو الزائرة الى الدخول

حيث تنتظرها الجدة، ازداد اضطراب فانيسا لكل هذه الترتيبات الرسمية و

تسارعت ضربات قلبها وهي تدخل الصالة الكبيرة، كل مافي هذه الصالة كان

ينطق بالاسبانية، الديكور و الأثاث و الصور الكبيرة المعلقة على الجدران الخشبية

و التي تمثل تسلسل رجال و نساء عائلة الدوميريك لا جيال خلت.
تطلعت فانيسا ملياً الى تلك الملامح الارستقراطية التي تنم عن الطبع الاسباني بكل

مافيه من اعتداد وحدة.
أجالت بصرها في انحاء الغرفة الكبيرة، الشمعدانات المنحوتة باليد، الطاولات

المرصعة، المساند الياقوتية اللون، كل مافي المكان يذكر بالعهود القديمة و تضفي

عليه رائحة البخور و المحترق نكهة ساحرة و غريبة.
أحست فانيسا بكل هذا وكأنه مقدمة معبرة قبل الوصول الى السيدة الصغيرة

الحجم التي كانت تجلس بكل راحة و كبرياء في مقعد وثير، مادة قدميها النحيلتين

بكل اناقة على مقعد صغير امامها.



جلد وجهها بلون العاج يغطي عظامها الصغيرة، عيناها سوداوان كالليل تحدقان

في فانيسا بلا تردد، شعرها بلون الفظة يغطيه منديل من الدانتيل النتط، من اذنيها

يتدلى قرطان من العاج، وعلى اصابعها تلمع خواتم الماس و العقيق.
حيا الدون جدته طابعاً على اصابعها النحيلة قبلة دافئة، ردن الدونا التحية بأن

رفعت اصابعها المثقلة بالخواتم وربتت على خده الداكن بكل حنو ومحبة.
نظرة واحدة باتجاه الاثنين كانت تكفي لتجعل فانيسا تفهم انه بالنسبة الى هذه

المرأة العجوز، الشمس لا تشرق إلا في وجود حفيدها، تعرف فانيسا ان من

التقاليد الأصلية عند الاسبان اليهم يتعلق بالشرف كما يتعلق بالمحبة.
طوال الوقت لم ترفع الدونا مانويلا نظرها الفاحص عن فانيسا، والآن وجهت اليها

تحية الصباح باللغة الاسبانية وطلبت منها ان تجلس قبالتها، وعند ملاحظتها

اضطراب فانيسا ابتسمت للدون ببعض الخبث ثم قالت:
- ماذا يارفاييل، أتظنني أخيف الآنسة الانكليزية؟
ثم وجهت كلامها الى فانيسا :
- هل أخيفك ياعزيزتي؟ ضعف نظري هو المسؤول عن تحديقي بك بهذه الطريقة

الوقحة، كم أنت جميلة يا آنسة، اليس الأمر كذلك يارفاييل؟
ازداد اضطراب فانيسا واندفع اللون حاراً الى وجهها بينما نظر الدون باتجاهها

بكل تعمد و بطء ثم قال:
- نعم ياجدتي، الانكليزيات عادة جميلات، ألم يكن الأمر يشغل بالك عندما

ذهبت الى انكلترا، الا تذكرين كيف حذرتني و طلبت مني ألا انسي ان ولائي

يبقى دائماً لا سبانيا في كل الأمور؟
- اذكر ذلك جيداً يا رفاييل، لكنك الآن اكثر نضجاً ، كنت مخطئة ما يقلقني

الآن هو انك اصبحت في الخامسة و الثلاثين من عمرك ولم تجعل مني جدة كبرى

لأولادك.
ضحك الدون بمرح وقال:
- أنت ككل النساء ياجدتي تريدين ان تجري الأمور على هواك.
- ليس الأمر كذلك، مايشغل بالي اني لن اتمكن من ملاعبة طفلك وانا على حافة

قبري.
معها حق! قالت فانيسا لنفسها مرتاحة لأن الحديث انعطف عنها الى مجال آخر،

لكن الأمر مضحك فهي لا تستطيع ان تتخيل لوسيا، السيدة الأنيقة تؤرجح طفلاً

على ركبتيها.
قالت الدونا باصرار:
- انت تفكر بالأمر رفاييل؟
- بالطبع ياجدتي الملحاحة، اعدك اني لن اترك اسم الدوميريك يختفي من الوجود

لكن لا تنسي ايتها العزيزة اني قد اصبح اباً لعشر بنات وقد لا ارزق بصبي.
وانفجر ضاحكاً بشقاوة.
رفعت الجدة اصابعها النحيلة الى صدرها بحركة عصبية وقالت:
- انت صعب مزعج ، وفر على جدتك العجوز مثل هذا الهم، لا...سترزق صبياً

قوياً جميلاً ، كل رجال الدوميريك كان لهم هذا ، لكن أسرع ياحبيبي.




هز الدون رأسه بحب وحنان وقال لجدته:
- تتكلمين وكأنك ذاهبة عن قريب، لازال امامك متسع من الوقت ياجدتي

العزيزة لحياة طويلة وتري ازعاج أطفالي، لا تخشي شيئاً، والآن علي ان اذهب ،

اعمالي تنتظرني.
- غداً عندما تكون لك زوجة لن تركض وراء اعمالك كل هذا الركض، قالوا لي

انك تقضي ساعات الراحة تعمل بمكتبك، لن يحدث هذا في المستقبل، ستقضي

تلك الساعات في السرير الزوجي الدافئ.
- يالك من عجوز شيطانة! لا تقومي باطلاع الآنسة كارول على افكارك هذه،

لديها الكثير منها على كل حال ولا حاجة بها الى المزيد.
- هيا اذهب ايها الشقي وان احببت ان اخبر الآنسة كارول أي شيء عن غرور

الرجل وعن كيفية تدجينه،سأفعل.
- خسارتي كبيرة اذ لن أبقى وأستمع الى احاديثك الشيقة يا جدتي، وأنت ياآنسة

كارول ستعرفين اسراراً رهيبة منها، ففي ايامها كانت الجدة كما يقولون رائعة

الجمال يحوم أفضل الرجال حولها كالفراشات حول النار.
وغمز لفانيسا بعينيه باسماً ثم استدار وخرج من الصالة.
- سنتناول بعض الشاي الآن ياآنسة كارول.
قالت الدونا مانويلا هذا ثم تناولت جرساً صغيراً قرعته منادية لويزا التي جاءت

مسرعة وتلقت أوامر السيدة باحضار الشاي والكعك، في انتظار ذلك اخذت

الدونا تطرح على فانيسا اسئلة تتعلق بانكلترا وبرقة فائقة قادت الحديث الى عم

فانيسا ومزرعته قائلة:
- لا يجب أن تدفن الأشياء المحزنة في أعماق انفسنا، الحياة مليئة بباقات الفرح و

أكداس الحزن ، الحزن و الفرح ياعزيزتي كلاهما الحياة وكلاهما يغني النفس أو

يجب أن يغنيها، وأنت عشت سنوات جميلة مع عمك الطيب كما علمت، صحيح؟
- نعم، كانت سنوات طيبة.
وأحست فانيسا بحرارة الذكريات وحلاوتها، كل هذا أصبح الآن من الماضي.
- كان رفاييل يحدثني كثيراً عن طيبته..آه هاهو الشاي، أنا مدمنة على شرب

الشاي لكن عندما يكون رفاييل هنا من اجل لعبة شطرنج يفضل القهوة عليه.
ابتسمت فانيسا للعجوز ولا حظت طاولة صغيرة عليها حجارة شطرنج مصنوعة

من العاج بدقة و مهارة ومن طريقة صف القطع عرفت فانيسا ان اللعبة لم تنته.
لاحظت الدونا اتجاه نظر فانيسا وقالت:
- كم اتعجب من الصبر الذي يظهره رفاييل في اللعب معي، فهو كما تعلمين

رجل مليء بالحيوية و النشاط، احياناً يقوم بتحريك حجر بطريقة متسرعة،

وأحياناً اخرى يأخذ وقته و يحشر جدته المسكينة في زواية... هذا تعبير تستعمله

باربرا، هذه الطفلة ، هل تسبب لك المشاكل؟
- ابداً يادونا مانويلا، أنا احبها كثيراً.
تناولت فانيسا فنجان الشاي من يد الدونا شاكرة ، وفضلت ان تضع في قطعة من

الليمون الحامض عوضاً عن الحليب، أرضى ذلك الدونا مانويلا التي ابتسمت

لفانيسا التقت عينا المرأة العجوز بعيني الفتاة الشابة و تبادلتا ابتسامة دافئة تشير

الى رغبة مشتركة في الصداقة و التفاهم.منتديات ليلاس
- كان علينا أن نلتقي للثرثرة قبل الآن، امرأتان، ابريق من الشاي ورجل تحكي

عنه، انها احدى باقات الفرح التي حدثتك عنها قبل قليل، أتوفقين؟
- بالطبع ياسيدتي.
ورشفت فانيسا بعض الشاي اللذيذ، رجل تحكي عنه! من غيره؟ الرجل الرشيق

الداكن اللون الذي ترك الغرفة منذ عشر دقائق!

كانت صينية الشاي قد احضرت وعليها سلة من الفضة مليئة بقطع الحلوى و المعجنات المحشوة بالكريما الطازجة إلى جانب صحون صغيرة فيها فيها أنواع المربى المزينة بحبات المشمش و العنب.
- أحب الحلوى كثيراً تماماً كعزيزي رفاييل، ماذا ؟ ألن تأكلي؟ تخافين السمنة؟
ابتسمت فانيسا واجابت:
- لحسن حظي ازدياد الوزن ليس مشكلة عندي، لكنني تناولت الفطور منذ نصف ساعة فقط.منتديات ليلاس
- لم تكن السمنة مشكلتي ابداً مع ان النساء بلدي يعانين منها كثيراً، في صباهن لا أجمل من قدودوهن، لكن مع مرور السنوات ومع الانجاب تأخذ اجسامهن بالامتلاء و الاستدارة،اما الوحوش البشرية التي هي رجال بلدي، فتحافظ على رشاقتها و تناسق أجسامها طويلاً، هذه الوحوش العنيدة الوسيمة!


لمعت عينا الدونا بفخر وحنان فأجابتها فانيسا التي بدأت ترتاح كثيراًً في حضرة هذا المرأة العجوز، بضحكة صاخبة مرحة.
- هل تجدين الرجل اللاتيني وسيماً ياطفلتي؟
- نعم، تقاطيع وجهه متناسبة وفيها جاذبية، لكني اعترف ان الرجل اللاتيني يشعرني بالهيبة و الخوف بالمقارنة مع الرجل الانكليزي.
- أظنك تتكلمين بالتحديد عن حفيدي،انه رجل قوي و عاطفي ولكي يكون سعيداً يحتاج الى امرأة ذات فلب دافئ و متفهم، ابني خوان، والد رفاييل كان كذلك وحسن حظه دفع به الى احضان امرأة استطاعت ان تفهم أمزجته المتغيرة فعاشا في سعادة عامرة وهذا ما أريده لرفاييل.
صمتت الدونا مانويلا و سرحت بافكارها للحظات ثم قالت:
- أخبريني ياآنسة كارول، مارأيك بالسيدة مونتيز؟
تسارعت ضربات قلب فانيسا لهذا السؤال المفاجئ فالسيدة مونتيز كما يبدو، مرشحة للزواج من الدون رفاييل، وهي فانيسا ، ليست سوى مرافقة لابنته ومن غير اللائق ان تعلق على اختياره لشريكة حياته، باربرا لم تكن تحب الأرملة الانيقة وكانت تصرح بذلك لفانيسا التي كانت تتحاشى ابداء رأيها بالموضوع، فباربرا خانت ثقتها عندما باحت بما اخبرتها اياه عن جاك كونروي في حضور الدون.
لاحظت الدونا تردد فانيسا في الاجابة فربتت على ركبتها بمسكة مروجتها وقالت لها مشجعة:
- هيا يا آنسة ، بامكانك التحدث الي بصراحة فأنا امرأة وصلت سن النضج منذ زمن بعيد و تسطيع ان تكتم سراً، رفاييل اسباني حتى العظم وعلى زوجته ان تكون امرأة حقيقية ، لا اقصد ان تكون كلها أنوثة فقط بل ان تكون ذات قلب دافئ محب وان لا تكون أنانية، ربما كانت السيدة مونتيز مثالية كمضيفة، فهي محدثة لبقة وجذابة وانيقة ايضاً، لكن الزواج السعيد هو الذي يبنى خلف كل هذا الستارات، وشخصياً لا اعتقد ان السيدة مونتيز تستطيع ان تقدح الشرر من الحجر الأصلي الذي هو رفاييل، آه طبعاً اعرف ان هناك قسوة الحجر في طبع رفاييل ومن اجل هذا اريده ان يتزوج من المرأة المناسبة، وان لم يفعل ذلك، فلا هو ولا زوجته سيتمكنان من الاستمتاع بالسعادة التي اعرف انه قادر على منحها، اخبريني بكل صراحة ياعزيزتي هل تجدين حفيدي وهذه المرأة مناسبين لبعضهما؟
قالت فانيسا ببعض التردد:
- اجل، اظنهما متناسبين...
- لكن أتحبينها؟ أتظنين ان لها قلباً دافئاً؟
- لا يستطيع الانسان ان يحكم على المظاهر يادونا مانويلا، لكني متأكدة أن باستطاعة الشخص نفسه ان يحكم ان كان قد اختار امرأة ذات قلب دافئ أم لا؟
- ليتني أستطيع الموافقة على ماتقولين لكن الرجال ياعزيزتي يخدعون بسهولة وأية امرأة تصمم على نيل زوج غني ووسيم كرفاييل تستطيع التظاهر بكل الصفات التي لا تملكها، ليكن الله في عوننا ان كانت لوسيا مونتيز تقوم بتمثيل دور للحصول على رفاييل، وقد لاحظت في المدة الأخيرة أن حفيدي يتصرف تصرفات غريبة...تماماً كرجل عاشق، كثيراً ما يتمشى وحده في الحديقة اثناء الساعات المتأخرة من الليل، من يدري ربما أوقعته هذه المرأة في حبها، فماهو سوى بشر وفي أواسط الثلاثينيات من عمره، ويعرف ان الوقت قد حان للتفكير جدياً بالزواج، والمثل القديم يقول ليس غير الأولياء يستطيعون العيش وحدهم.


توقفت الدونا عن الكلام و ابتسمت لفانيسا، كانت عيناها السوداوان تنظران اليهما بكل مباشرة وحدّة، عيناها كعيني حفيدها تغوصان في الأعماق باحثتين عن الحقيقة التي تكمن دائماً وراء كل اللياقات الاجتماعية والاحاديث السطحية، ومن ذلك المنطلق قالت الدونا بكل صراحة:
- انت فتاة طيبة ياعزيزتي لتستمعي بكل صبر الى ثرثرة عجوز مثلي، أمر سعادة حفيدي قد لا يعنيك كثيراً أليس كذلك؟
فوجئت فانيسا بالسؤال المباشر، كان قد مر ببالها في السابق ان زواج الدون من السيدة مونتيز قد يعني انتهاء وجودها هي في القلعة، لكن لم يسبق لها ان فكرت جدياً بسعادة الدون ان هو تزوج من تلك الأرملة.
الدون ليس ولداً صغيراً ليتوقع النشوة الكبرى من زواج كهذا، لابد انه يعرف تماماً ماهو مقدم عليه، لكن... وهنا طافت ببال فانيسا صورة الدون الوسيم في تلك الحديقة قرب البحر... ترى أيمكن ان يكون كل ما يطلبه هذا الرجل من المرأة التي ستصبح زوجته هو الأناقة و الجاذبية الاجتماعية؟منتديات ليلاس
انتفضت فانيسا، منتبهة الى ان الدونا بانتظار الجواب على سؤالها:
- انا احترم الدون رفاييل وأدين له بحياتي.
- هذا كل شيء؟ لا مشاعر خاصة نحوه؟
- لا يمكن ان يكون هناك اكثر من هذا .. من لطرفين!
واتسعت عينا فانيسا الخضروان بالدهشة من هذه الفكرة غير المعقولة.
ضحكت الدونا وقالت:
- تتكلمين بكل تأكيد، الجاذبية بين رجل و أية امرأة ليست مستحيلة كما تعلمين، ، لماذا اذن تشعرين ان حفيدي لا يمكن ان ينظر الا بعيني الحارس و المستخدم؟
- لا..لا اعرف.
وحاولت فانيسا تجنب النظر في عيني الدونا، كانت تشعر بالاضطراب، وأزعجها شعورها هذا، لماذا لا تستطيع ان تتصرف بسهولة؟ لماذا لا تضحك من الفكرة و تبعدها باشارة مستخفة من يدها؟
- سامحيني ياصغيرتي لقد أحرجتك، الانكليز لا يحبون تعرية أعماقهم امام الآخرين، أليس كذلك؟
- نحن نميل الى التحفظ.
- ومع ذلك فالفتيات الانكليزيات يتمتعن بحرية تفوق كل ما تمتع به فتيات البلدان الاخرى، في الأمر تناقض ، لا؟ انتم ترفعون سياجاً حول العواطف، بينما نحن نرفع سياجاً من التقاليد حول الاناء الذي يحوي تلك العواطف..أعني الفتاة، الا تجر الحرية التي تعطى للشباب في بلادكم الى المشاكل في معظم الأحيان؟
- معك حق، ولكن اعتقد أيضاً ان كبت الشباب يدفعهم أكثر و اكثر الى ارتكاب الاخطاء سراً.
- أظنك تقصدين باربرا، لقد أخبرني الدون عن تعلقها بقريبه راي، واعلمي ياعزيزتي اننا لن نمانع في زواج كهذا لو كان من النوع الذي يستطيع تحمل مسؤولية بناء عائلة، الدون يحب باربرا لدرجة لا يستطيع معها تركها تتعذب في حياتها الزوجية، كان رفاييل حكيماً جداً عندما اختارك مرافقة لبابرا وكنت أنت لطيفة بقبولك هذا.

- انا استمتع كثيراً بصحبة باربرا، واعتبرها اختاً لي اذ طالما تمنيت ان تكون ليأخت.
- اذن انت تؤمنين بضرورة انجاب اكثر من طفل واحد؟ عظيم..عظيم جداً،تعجبينني ياعزيزتي ومن الآن سأناديك باسمك الاول فانيسا، كم هو جميل ويناسبك.
وربتت الدونا بيدها النحيلة على خد فانيسا بحنان واضافت:
- قبل لي أنلك صديقاً هنا، أميريكي شاب؟
دهشت فانيسا لهذه الملاحظة، فالدونا رغم عزلتهاالظاهرة مطلعة تماماً على كل مايدور حولها في القلعة، ربما كانت لويزا مرافقتها، هيالتي تقوم باطلاعها على مايجري، او ربما..وخفق قلب فانيسا بعنف، ربما كان الدوننفسه هو الذي أخبرها عن غاري ألسنغ! يا إلهي، هل حقاً جلس مع جدته وتناقشا فيعلاقتها مع غاري؟ لابد أن الدونا الذكية لا حظت ان حديثاً مايدور في نفس فانيسافاسرعت قائلة:
- لا تظني ياعزيزتي اننا نعارض ان يكون لك اصدقاء هنا، كل ما فيالأمر اننا تعرف الوضع الصعب الذي تمرين به لا نريد لك التسرع في موضوع الزواجهرباً من الوحدة و الحزن، انت تعرفين دون شك اندفاع الاميريكين للزواج لسهولةالطلاق في بلادهم.
- الزواج؟ ياإلهي بالكاد تعارفنا غاري وأنا، الزواج ليس أمراًمطروحاً بيننا.
- اعرف ذلك ياعزيزتي، لكن الوحدة التي تعيشينها قد تدفع بك الىمثل هذا التسرع، وربما كان تشدد رفاييل معك في هذا الموضوع عائداً الى اهتمامه بككقريبة صديق و كشخص..
وتوقفت الدونا عن اكمال جملتها عندما لاحظت التعبير علىوجه فانيسا ثم تابعت:
- مانظرة الشك هذه في عينيك يافانيسا؟ ماالذي قاله او فعلهرفاييل ليدفع بك الى الظن بأنه يعاديك؟
- الشعور بالعداء أمر متبادل... - [قم بالرد على الموضوع حتى تتمكن من مشاهدة الروابط وبعد الرد قم بتحديث الصفحة . إضغط هنا للتسجيل]
- أنتلا تحبين رفاييل؟
قالت الدونا مانويلا ذلك بعدم تصديق، اذ كيف يمكن لأي كان الاأن يعبد حفيدها؟ ثم حاولت ان تفهم فانيسا ان الأمر لا يتعدى رفضها للا نصياع لسلطةالدون، ففانيسا كما تعتقد معتدة كثيراً باستقلاليتها ولا ترضى لأي كان ان ينتفض منهذه الاستقلالية، وليس الأمر في النهاية سوى لعبة بين شخصيتين قويتين، عند قول هذااحتجت فانيسا بشدة قائلة :
- لكن الأمر لا يبدو دائماً كذلك.
- حقاً؟ الاتستمتعين احياناً بمثل تلك الشجارات الصغيرة بين رجل وامرأة؟ اذكر عندما كنت صبيةوكان كل هؤلاء الشباب يحومون حولي ان افتعال تلك المشاجرات كان تسلية مثيرة بالنسبةلي.
ضحكت فانيسا من قلبها وسألت الدونا:
- أخبريني عن قصصك الغرامية ياسيدتي،احب سماع ذلك.
- كنت مصدر يأٍس كبير لكل مرافقاتي، لكن عندما قرع جد رفايبل بأبيعرفت انه الرجل المناسب
- الم يكن زواجك مرتباً من قبل العائلة؟
- دون رفاييل الذي اصبح زوجي فيمابعد كان واحداً من الكثيرين الذين رشحهم والدي للزواج مني، لكن عندما عرفت انه لن ينحني لي كسواه ولن يتذلل عند قدمي قلت لنفسي لن يكون لي زوج غيره، نحن في اسبانيا نقول ان على المرأة ان تحب زوجها كصديق وتختاره كعدو.. فكيف اذا كان الزوج من عائلة الدوميريك يجري في عروقه الكثير من دم القراصنة القدماء! هل اخبرك رفاييل بذلك؟
ضحكت فانيسا وأسرعت قائلة:
- نعم، اخبرني و بكل فخر واعتزاز.
- هذا يذكرني ياصغيرتي بأشياء اريدك ان تريها، قومي الى تلك الخزانة و ناوليني صندوق الجواهر.
فعملت فانيسا كما طلبت منها دونا مانويلا، وأحضرت صندوقاً من الفضة ظهر عليه القدم الشديد.
شكرتها العجوز وأدارت المفتاح في القفل فانفتح الغطاء عن مجموعة ساحرة من القلائد والاقراط وكل أشياء الزينة، ترى، قالت فانيسا في نفسها ، أتكون هذه حلى تلك الانكليزية التي تزوجها الدوميريك الاول بعد أن أنقذها من البيع في سوق الرقيق؟
سألتها الدونا بصوت خافت:
- بماذا تفكرين ياطفلتي؟
فهمست فانيسا مخافة ان تعكر السحر الذي أضفته هذه الأشياء القديمة على اللحظة:
- بالفتاة التي تزوجها دون رفاييل الأول.
- اذن اخبرك رفاييل بالقصة المشهورة؟ هل أدهشك؟
- في البداية نعم، لكن حفيدك أخبرني ان الحب نما بين الاثنين فيما بعد.
- وهل تجدين الأمر غريباً، ان تقع فتاة انكليزية في حب قرصان اسباني عرض حياته للخطر من اجل انقاذها من مصير مخيف؟ نعم أحبته ورافقته في اسفار الى ان اكتشفا جزيرة لويندا هذه فاستقرا وكونا عائلة.قمر الليل
ابتسمت فانيسا ولمعت عيناها الخضراوان بحرارة:
- قصة رومانسية حقاً.
- ويجب ان لا تنسى ياعزيزتي ان ذلك الدوميريك الأول كان ابن عصره، ربما كان رجلاً قاسياً لكن كانت له الشجاعة و تزوج من تلك الفتاة التي انقذها، ربما كان السبب في نجاح ذلك الزواج ان عند كل امرأة، ، واقصد المرأة الانثى حقاً، جانباً بدائياً يميل الى الرجل رغم مقاومتها الظاهرية لهذا التسلط، انها تماماً كالنمرة التي تشاكس وفي الوقت ذاته تحب مروضها.
لم تناقش فانيسا ذلك مع الدون! طالما احست ان اعماقها كلها كانت ترتعش لذلك اللمعان المتسلط في عيني الدون رفاييل، وبينما هي تتفحص الاشياء الكثيرة في صندوق المجوهرات لفت انتباهها كيس من الجلد يضم كتاباً في داخله، فسألت الدونا التي اجابتها:
- انه ألبوم الصور! وكنت أبحث عنه طيلة الوقت، خذي انظري.
وشهقت فانيسا عندما رأت صور الدون رفاييل وهو صغير:
- ماأجمل خصلات شعره! ماأجمله!


ابتسمت الدونا بفرح لردة فعل فانيسا وقالت:
- كان عفريتاً صغيراً لا يحب الا ان يبحر بقاربه الصغير مع الهنود ويعود في نهاية النهار منهكاً متسخاً، كنت آمل ان يصبح له اخوة واخوات، لكن ماريانا امه لم تستطع ان تنجب بعد رفاييل وانظري اليه الآن لديه كل السلطة لكنه لا يسيء استعمالها ابداً، أهل الجزيرة يحترمونه و يحبونه في نفس الوقت.
وابتسمت دونا مانويلا بكل فخر واعتزاز ثم اضافت:
- ستحتفل الجزيرة كلها اروع احتفال يوم يأخذ رفاييل عروساً له، وان كان حقاً وجد في الأرملة مونتيز حلمه، فليكن، مع اني عجوز تقليدية وتفضل ان تكون الصفات الأهم في الزوجة دفء المحبة و القدرة على التحمل، الى جانب الرغبة في انجاب الاطفال.
اكملت الدونا كلامها واغلقت ألبوم الصور من اذن فانيسا متفحصة وقالت:
- هذه لك ياعزيزتي، اعطيني يدك.
كانت دهشة فانيسا كبيرة كبيرة ولم تعط الدونا يدها، لكن هذه أصرت و ألبست فانيسا الأسورة الجميلة وسألتها ان اعجبتها فأجابت:
- لكن يادونا مانويلا، لا استطيع قبول حلى كهذه، انها من ذكريات العائلة..وماذا سيقول حفيدك عندما يعرف بالأمر؟
- ليس هذا من شأنه، ربما كانت هناك بعض القيمة التاريخية لهذه الأشياء لكنها لا تقارن ببقية حلى زوجة رفاييل الأول، هيا اقتربي يا عزيزتي ودعيني أضع الاقراط في أذنيك، كم يناسبك لونها الأخضر.منتديات ليلاس
- لطيف منك يادونا مانويلا ان تسنحي لي بوضعها بعض الوقت...
- إنها لك يا عزيزتي، انا متأكدة ان المرأة التي لبست هذه الحلى يوماً كانت ستسر كثيراً لو عرفت انها اصبحت ملك فتاة انكليزية اخرى.
- تقصدين ان هذه الاشياء كانت لها..لتلك المرأة الانكليزية؟ يا إلهي! سأحافظ عليها كما احافظ على روحي...لكن ، هل انت متأكدة ان الدون لا يمانع؟ انا لست سوى مستخدمة هنا!
- لا تقولي هذا ياصغيرتي، انت اكبر من ذلك وانا متأكدة تماماً انه لن يمانع.
وربتت الدونا خد فانيسا الناعم بلطف ثم اضافت قائلة:
- لقد استمتعت بزيارتك كثيراً وارجو ان تتكرر في المستقبل، هلا طلبت من لويزا ان توافيني ياعزيزتي؟
مرة ثانية شكرت فانيسا الدونا على كل شيء، وخرجت باحثة عن لويزا ثم توجهت نحو غرفة باربرا لترى كيف أصبحت.
كانت باربرا مستلقية في سريرها في حالة نفسية متعبة، شجعتها فانيسا على الخروج و الجلوس معها على الشرفة، كان الطقس منعشاً و الغيوم قد بدأت تتجمع في السماء.
- ارجو ان لا تمطر كي تتمتعي بسهرة لطيفة مع ذلك الشاب الاميريكي الجذاب.
قالت فانيسا ببطء:
- لا عليك ياعزيزتي، لن أدع قطرات المطر تفسد علي سهرتي.
ورفعت نظرها الى السماء بينما كانت أصابعها تتلمس القرط الجديد المتدلي من أذنها وابتسمت لنفسها، كان الوقت الذي قضته مع الدونا ممتعاً وكالعادة سرحت فانيسا بأفكارها ناسية وجود باربرا الى جانبها، الجدة لا تبارك العلاقة بين الدون و الأرملة مونتيز ، بل تفضل لحفيدها شابة لم تفتح قلبها لرجل قبل رفاييل.

بماذا تفكرين يا فانيسا؟ بسهرتك مع الشاب الأميركي؟
- لا، كنت افكر بزيارتي للدونا مانويلا.
أجابتها فانيسا التي امتدت اصابعها و قطفت زهرة حمراء من الشرفة، لم تتحمل الزهرة تلك القسوة و انتشرت أوراقها في حضن فانيسا التي جلعتها واحدة و برقة كبيرة وكأنها تعتذر للزهرة، يبدو ان الانسان يفسد الاشياء الجميلة و يشعر بالندم حين لا ينفع الندم!
- هكذا اذن؟ وهل دار الحديث حولي؟
- فقط بشكل عام، انظري ، الدونا أعطتني هذه الاسورة وهذه الاقراط، جميلة، مارأيك؟
- الاخضر ليس لوني المفضل، لكنه يناسبك ، ثم ان هذه الاشياء لا تناسب موضة هذه الأيام.
- أتريدين ان تقولي اني لست مع الموضة؟
- قلت لك اكثر من مرة انك لا تناسبين هذا العصر، لا انت ولا ذلك الرجل المتعسف الذي يتحكم بحياتي، ألم تلاحظي كيف كان ينظر الى راي واليّ ليلة أمس؟ اظنه يشك بعلاقتنا ولم يعد يهمني شيء فليعرف.
- انتبهى ياباربرا، لا أظنك تريدين معادة الدون من اجل انسان غير مسؤول كراي.
- ماذا تريدين مني ان افعل؟ أقبل برجل يختاره لي الدون ، لا يا عزيزتي لن يرغمني أحد على الزواج من شخص لا أحبه، لا تبتسمي لي بهذه الطريقة، ماذا تعرفين انت الانكليزية الباردة عن اصابع الحب الحارقة عندما تتغلغل في الصدر؟
قالت فانيسا بحزم:
- لا تفقدي اعصابك بهذا الشكل.
- من أنت لتصدري الأوامر لي؟ لا تنسي انك لست سوى المرافقة الانكليزية في هذا البيت، احتفظي برأيك لنفسك.
انتفضت باربرا من مكانها وركضت الى غرفة نومها مغلقة الباب خلفها بقوة.
عضت فانيسا على شفتها بندم ثم قامت لتذهب تاركة باربرا تهدئ غضبها بنفسها، كان وقت الغداء قد اقترب ورغم ان فانيسا فقدت شهيتها بعد الذي حدث الا انها اخذت تحضر نفسها للنزول قبل ان يبعث الدون بأحد الخدم في طلبها.منتديات ليلاس
كانت فانيسا المرأة الوحيدة بين عدد من الرجال الاسبان حول طاولة الغداء، لوسيا مونتيز لم تعد من رحلتها بعد و باربرا تلازم غرفتها، لم يزعج هذا فانيسا، كانت معتادة على صحبة الرجال يوم كانت في اورداز، بل على العكس كانت مط انظار الجميع، واكثر من مرة كان على الدون ان يترجم لها الملاحظات التي كان يبديها ضيوفه الاسبان.
كان غداء عمل كما يظهر ووجود فانيسا اضفى الطراوة على جوه، وعندما استأذنت فانيسا للانسحاب رافقها الدون الى باب الصالة وهمس لها مبتسماً:
- كنت رائعة ياعزيزتي، وضعت هؤلاء الرجال في حالة نفسية منشرحة ممايسهل عليّ المهمة الآن.
- حظاً سعيداً ياسيدي.
ودعها الدون بانحناءة رسمية لكن نظرته الطويلة الى عينيها كانت تحمل دفئاً كبيراً.


لم تشعر بالرغبة في الذهاب الى غرفتها بل اتجهت نحو البحيرة، كانت الامواج الفضية تلطم الشاطئ ووقفت فانيسا برهة تراقبها، مأخوذة بانتظام حركة الامواج التي لا تتعب، لم تلاحظ ان طرف تنورتها امتلأ برشقات الماء و الرمل، وعندما ادركت ذلك ابتعدت متوجهة نحو الشاليه و تممددت على احد الكراسي المريحة المواجهة للبحيرة.
بدأت الصور و الذكريات تتوالى ..تذكرت يوم كانت في طريقها الى لندن للسفر الى لويندا وكيف شعرت عندئذ بأن دوران عجلات القطار كان يخبرها انه لن تكون لها عودة الى انكلترا، لم تكن حزينة، كانت تعرف ان احداً في انتظارها في الطرف الآخر اما الآن..وقبل ان تعرف استسلمت لنوم لذيذ دام اكثر من ساعة، لتستيقظ فجأة و تمد يدها مسرعة لتلتقط مجلة، وكأن حاستها السادسة نبهتها الى قدومه.منتديات ليلاس
ما كادت تنتهي من فتح المجلة حتى كان يقف قربها بقامته المديدة، واكتشفت انها تمسك بالمجلة معكوسة.
بادرها الدون مستفسراً:
- هل تجدين القراءة اكثر امتاعاً على هذا الشكل؟
- ما أغباني!
تمتمت فانيسا وهي تصحح وضع المجلة و الدم يندفع الى وجهها ساخناً تحت نظر الدون المحدق فيها دون رحمة.
ببطء شديد ومن غير ان يرفع نظره عنها.. عن شعرها الجميل، عن عنقها و كتفيها المكشوفين سحب كرسياًً وجلس قبالتها ، سألته محاولة السيطرة على اضطرابها:
- آمل ان يكون اجتماع قد آتى الثمار التي اردتها ياسيدي؟
اومأ برأسه ان نعم ثم قال:
- مرة او اكثر على مائدة الطعام لاحظت على وجهك تعبيراً قلقاً، بالطبع رأيتك تحاولين اخفاء ذلك بالابتسام، لكن كافي القلب يظهر في العينين مهما حاولنا تغطيته، فكيف اذا كان المعني امرأة حساسة؟ هل في قلبك حزن يافانيسا؟قمر الليل
ربما كان هذه المرة الثانية او الثالثة التي ناداها فيها باسمها الأول و بنبرة دافئة حنونة، ازداد اضطراب فانيست امام جاذبية هذا الرجل اللاتيني الذي يعرف حق المعرفة تأثير جاذبيته هذه على المرأة، ويعرف كيف يسعملها لازاحة الستار الذي يغلف غموضها.
- لم لا تفتحين لي قلبك كما لو كنت عمّك؟
قالها الدون بجدية واضحة.
أجابت فانيسا:
- لكنك لست عمي.
- صحيح، لست عمك ولا يهمّني ان أكون.
- لم لا؟ لأنك تظن اني لا اقبل بعادات الاسبان؟ اتظن ان عمي اعطاني قدراً كبيراً من الحرية ياسيدي؟ انها الطبيعة الانسانية ان تعطي من تحب مساحة واسعة يتضمن فيها.
- لست هنا في معرض الحديث عن نقاط ضعف الطبيعة الانسانية، خاصة فيما يتعلق بشجون القلب ، مابك ياآنسة وما الذي يشغل بالك! ايتعلق الامر بباربرا؟
ياللرجل! يظهر انه مصر على معرفة مايدور في اعماقها، ماله ولها... ماله و لمزاجها المتعكر؟ لم لا يدعها وحدها؟
- باربرا تعرف انك تعرف بأمرها وامر السيد الفاداس وتخاف ان..


- باربرا الآن كالفراشة التي تحوم حول النار.. ولن ادعها تحرق نفسها ان استطعت ذلك.
هذا الرجل دائماً على حق، كم تتمنى لو تضع يدها يوماً على نقطة ضعفه! وكعادتها سبحت فانيسا بافكارها ثم قفزت من مكانها مرتجفة على حركة غير متوقعى الى جانبها، مجموعة من الطيور حلقت معاً تاركة اغصان الشجرة التي كانت تجلس في ظلها، اصابع دافئة قبضت على معصمها وصوت صاحبها الأجش كان يقول:
- لماذا تزعجك صحبتي ياآنسة كارول؟ لم تشعرين بالراحة في حضور الآخرين وفي اللحظة التي تجدين فيها نفسك وحيدة معي تضطربين و تستعدين لمعركة؟ كم نفذ صبري معك!
- أنا آسفة، لكني لست وحدي المسؤولة عن هذا الاحساس، انه شعور متبادل تصعب السيطرة عليه...
- تصعب السيطرة على غير ذلك ياآنسة، احذرك من العفريت الذي يسكنني، لا تدعيه يستيقظ اذ لن تكون تجربة ممتعة لك... اعدك بذلك.
- انا؟ انا اوقظ العفريت فيك ياسيدي؟ وهل عليّ ان اقبل أوامرك كلها دون سؤال كما يفعل كل من يعمل عندك ام يعيش تحت سقفك؟ أتظن تهديداتك فيما يتعلق باصدقائي لا تجعل الدم يفور في عروقي؟ ما المنتظر مني؟ ان اقبل التهديدات كأمر واقع مادمت في حماك؟ ومادمت راضخة ، كل مافي الكون يزهر و يشرق..
- هنا المشكلة اذن، ازعجك طلبي ان تكوني في القلعة في ساعة معقولة كما تفعل كل النساء في بيتي!
- لا ، ليس الأمر كذلك، الذي ازعجني هو ما اشرت اليه فيما يختص بعمله في الجزيرة و خطر فقدانه، ان هو لم يراع تقاليد بيتك ، بالطبع لا انتظر ان افعل انا مايحلو لي بينما لا يسمح لباربرا بذلك، لكنني أحتج بشدة على التهديدات التي توجه الى اصدقائي.
نظر الدون اليها باحتقار وقال:
- اتظنين هذا الرجل، غاري السنغ يريدك صديقة له؟ لاتقولي لي ان الانكليز يؤمنون بالحب الطاهر بين رجل مكتمل و امرأة جذابة، ياإلهي! نحن الذين يجري في عروقنا الدم الاسباني، برغم عاداتنا التي تعتبرينها بالية، لا يمكن ان نقع في مثل هذا الخطأ، نحن لا نهين الرجولة بهذا الشكل، ولهذا نضع القوانين التي تحك علاقة الرجل بالمرأة..لحماية الاثنين: تقولين صداقة! انت تموهين يا آنسة.
- أنت تتكلم عن الانسان وغاري ليس اسبانياً، وليس سيداً ينتظر من الجميع الانحناء امام سطوته!
طار صواب الدون و لمع الغضب في عينيه، وبحركة سريعة قبض على ذراعي فانيسا التي وجدت نفسها وجهاً لوجه امام رجل قادر على تحطيم عظامها في فورة غضبه، صرخ في وجهها:
- كيف تجسرين على مخاطبيتي بهذه اللهجة! اذن هذا الرجل ألسنغ يروق لك، فهو ليس اسبانياً، وانت تحبين الرجل الذي يتلاعب بالحب وكأنه للتسلية؟
- دعني..دعني ، انت تكسر ذراعي...
- لا ياآنستي..عندي رغبة في قهرك هذه اللحظة، ماذا أفعل بك؟ نحن الآن وحدنا..هل اجعلك تنحين امام سطوتي؟ لا تنسي ان في عروقي دم قراصنة، لا يمكنك تجاهل ذلك، غرائزي كلها متحفزة للانقضاض الآن مثل وحش تماماً.



لم تستطع فانيسا ازاحة نظرها عن وجه هذا الرجل الغاضب، كان يهزها بعنف و يحدق في عينيها كأنها فريسته ، فجأة اطلق ضحكة خافتة ثم قال:
- لا تخافي ياآنستي الانكليزية، أنت معي في امان رغم كل غرائزي المجنونة..بأمان كما لو كنت باربرا، فكفي عن النظر إليّ وكأني طاغية.
صمت الدون وأخذ يتفحص العلامات الحمراء التي تركتها اصابعه على ذراعي فانيسا وبهدوء مفاجئ همس:
- المرأة كالبحر تقدر ان تكون مخيفة في سلطانها ، امامها يلجأ الرجل الى قوته ليقمع قسوته الخفية، وهي دائماً تعي ان لديها من السلطان مايكفي لمحو قوة الرجل و تحويلها الى تنهدات تنسكب فوق استدارة كتفها الملساء، كوني حكيمة في استعمال سلطانك يا صغيرتي، فهم أما ان يوصلك الى السعادة أو الى اليأس.قمر الليل
مع الهدوء الغريب الذي يسبق العاصفة، احست فانيسا برغبة فرحة في الخضوع ، الخضوع لشيء ما، في هذا الرجل، ما اصغرها امامه ، كم تأسف الآن لمابدر عنها من عدم احترام، التقت عيناها بعينيه العميقتين وهمست:
- انا آسفة يادون رفاييل، لا حق لي بالتحدث اليك بهذه الطريقة.
هز الدون كتفيه بعدم مبالاة وأرخى قبضته عن ذراعيها قائلاً:
- أنت تنفرين مني لأني اتصرف كوني امرك الاسباني ولا اتصرف كما تتوقعين من رجل انكليزي، لكنني اسباني ، ومهما يكن فأن نيتي تجاهك حسنة.
في طريق عودتهما الى القلعة كانت ألوان السماء رائعة وآثار المطر أضافت جمالاً حزيناً الى لحظات الغروب تلك، وهناك على ذلك المنحذر وقفت فانيسا ورفاييل برهة براقبان الشمس تغيب وراء الجبال، كانت لحظة تنحبس لها الانفاس، لحظة غرقت السماء في جهة أخرى بشكل رائع و ببطء، اختفى كل ذلك ومات، تماماً مثل صحوة الموت، كان صفاء وجمال تلك الهنيات ونزل الغسق البنفسجي.
همس دون رفاييل مأخوذاً:
- ياللروعة!
تطلعت اليه فانيسا بطرف عينيها، لم تعرف ان حزن الغسق انعكس على وجهها، ولونه بألوانه الهادئة مظهراً جمال هذا الوجه وتكاوينه الدقيقة، ولم تعرف ان الرجل الواقف الى جانبها كان يراقبها مسحوراً.
- يعجبك المنظر، أليس كذلك؟ رأيتك مراراً عديدة تقفين في هذا المكان، تحدقين بالبحر و بالجبال.
خفق قلبها بعنف اذا لم تكن تدري في اللحظات التي كانت تقف فيها هنا..لم تكن تدري ان عينيه كانتا عليها

- من جناحي في قلعة ارى الشاطئ بأكمله، بماذا تحدقين وعم تبحثين؟
الا يمكنك بعد أن تقبلي بنسيان اورداز وانتهاء تلك الفترة من حياتك؟
تنهدت فانيسا واجابت:
- من الطبيعي ان يتعلق الانسان بالذكريات الحلوة.
- احتفظي ياعزيزتي بالذكريات كما لو كانت جواهر غالية، ضعيها جانباً، ذكريات اخرى ربما يجب ان تأخذ مكانها في حياتك، الم تقل لك ماريا العجوز ان احداثاً بانتظارك ؟ لابد ان يكون الحب احدها، لكن تأكدي ياعزيزتي من مشاعرك ، تأكدي انها الحب الحقيقي لا مجرد حاجة أو نزوة طارئة.
بالطبع كان يثير في حديثه الى جاك او غاري لم تضطرب فانيسا لكنها احست بثقل كبير يجثم فوق صدرها.
- لكن ماهو الحب؟
انطلق السؤال الهامس دون تفكير وادركت فانيسا انه لولا الهدوء الغريب الذي اشاعه الغسق حولها لماجرؤت على التفوه بمثل هذا السؤال امام الرجل الواقف الى جانبها.
- الحب ماسة خان يافانيسا,,ضربة خاطئة وتتحطم تاركة خلفها بحراً من الدموع، الحب رجفة ويد ممدودة تنتظر .. الحب نحلة عسل تعرف تماماً على اي مكان في الزهرة تحط.. الحب اشياء كثيرة ياصغيرتي لكنه فوق كل شيء هدية ..علينا ان نتأكد من اعطائها لمن يعرف قيمتها.منتديات ليلاس
وسارا باتجاه القلعة وفانيسا تفكر في نفسها ان كلاماً كهذا لا يصدر الا من رجل غارق في الحب، ترى اتعرف لوسيا مونتيز قيمة الحب الذي يكنه لها هذا الرجل .
في غرفة نومها، اخذت فانيسا تستعد لسهرتها مع غاري ، لبست ثوباً من الحرير البرونزوي اللون ينسدل فوق ركبتيها، لم تنس الجواهر التي اهدتها اياها الدونا مانويلا والتي اضافت سحراً خاصاً الى مظهرها.
ثم اخذت تتلمس العلامات الزرقاء التي تركتها اصابع الدون على ذراعيها عندما كان غاضباً، وتذكرت كيف تحول غضبه الى نعومة حزينة شفافة.
ارتعشت فانيسا للذكرى وحاولت تجنب النظر الى عينيها في المرآة، ومدت يدها الى قارورة العطر فأخذت ترش منه على عنقها وكتفيها المكشوفين، ترى هل مزج هذا العطر خصيصاً من اجل والدة الدون؟ لابد ان يكون الأمر كذلك فهذه غرفتها.
وضعت فانيسا اللمسات الأخيرة و أسرعت خارجة من غرفتها ، وتوقفت برهة امام باب غرفة باربرا..قرعة خفيفة على الباب ثم دخلت، كانت باربرا ماتزال مستلقية على سريرها تستمع الى موسقى عالية صاخبة لم تسمح لها بسماع صوت خطوات فانيسا.
- الى متى ياباربرا تبقين مستسلمة لهذا المزاج المتعكر؟ الغلطة ليست غلطتي ان اكتشف الدون امر علاقتك بقريبه راي، اوقفي هذه الموسيقى العالية ياباربرا لنستطيع التحدث.
- لست مرغمة على البقاء ان كانت الموسيقى لا تعجبك.
اجابتها باربرا بتحد في اللحظة التي كانت تتجه فيها فانيسا الى الفوتوغراف لاسكاته، خيم صمت مطبق على الغرفة.. صمت مليء بالنفور و التحدي.
بدأت فانيسا تتكلم بغضب ثم حاولت السيطرة على نفسها:
- تصرفي كشخص ناضج ان كنت تريدين ان تعاملي كامرأة لا كفتاة صغيرة.
- وأنت ياآنسة فانيسا الزمي حدودك ان كنت تريدين ان تحتفظي بوظيفتك هنا، مكانك في خلفية الاشياء وليس من حقك التدخل بعلاقاتي الشخصية.
- باربرا ، يحزنني ان اراك غير سعيدة.
- حقاً؟
كان التحدي واضحاً في نبرات صوت باربرا، وعرفت فانيسا ان الفتاة تتألم وان علاقتها براي ليست علاقة عابرة فالفتاة متعلقة به ولا تنوي ان تخسره مهما حصل.

بماذا تفكرين ياآنستي الانكليزية؟ بأن راي قد سلب عقلي؟ ليته فعل لكان الدون أرغم على تزويجي منه لكنه بدل ذلك سيجعله يترك القلعة، أقسم بأعز ماعندي أني سألحق به فانيسا أرجوك كلمي الدون ، قد يسمع منك، أرجوك.
- يسمع مني أنا!
وضحكت فانيسا بمرارة ثم أضافت:
- الدون ياعزيزتي ينظر الي تماماً كما لو كنت مراهقة سيهز كتفيه ولن يأخذ أية كلمة أقولها على محمل الجد، انه يخاف عليك ياباربرا، كان يحب والدة راي كثيراً ورأى بعينيه العذاب المر الذي أذاقها اياه والد راي، وهو يظن أن راي مثل أبيه لا يحتمل المسؤولية، ولا يريدك ان تشقي معه

لكن الحب يأتي قبل كل شيء، ألا ترين أني أفضل مواجهة الشقاء مع راي على مواجهة الحياة بدونه؟ أرجوك يافانيسا ، ارجوك ان تكلمي الدون فهو رجل ايضاً وله أحاسيسه.
كانت فانيسا تعرف جيداً ماسيكون رد الدون، لكن لا بأس، ستحاول من اجل باربرا، وستحاول افهامه ان الأمر يتعدى النزوة الطائشة وان الفتاة جادة في الأمر.
وقبل ان تخرج، وعدت باربرا بالمحاولة فرمت الأخيرة ذراعيها حول فانيسا شاكرة و طالبة منها العفو على ماصدر عنها من اساءة، قبلتها فانيسا مرتبكة.. لم تعرف هل تبكي أم تبتسم، وقال:
- هيا، عودي الى فراشك ونامي باكراً هذه الليلة، عليّ ان اذهب الآن.
في الخارج وبعد أن أقفلت فانيسا باب الغرفة، وقفت برهة وهي تحس بغصة في حلقها، لم تكن تعرف قبل الآن كم هي مرتبطة عاطفياً بمشاكل أهل هذا البيت وهمومهم، أخذت تنزل الدرجات بطء وهي مستغرقة في التفكير الى أن رأت غاري يقف في انتظارها ويتحدث الى سيد القلعة، نظر اليها الرجلان وفي عيني كل منهما اعجاب واضح، فقد بدت جميلة جداً في ثوبها الحريري و شعرها النحاسي المنسدل حتى كتفيها.
بخطوات سريعة اقترب منها غاري وعيناه تلمعان اعجاباً، أمسك بيدها ونظر الى وجهها قائلاً:
- ياإلهي! تبدين رائعة!
شكرته فانيسا وابتسمت له لكنها كانت تشعر بحضور الرجل الآخر الذي كان يقف على بعد خطوات ينظر اليهما.
رافقهما الدون الى الباب قائلاً لفانيسا:
- هذا الرجل! انا متأكد انك مسرورة للابتعاد عنه ولو بعض الوقت، أليس كذلك ياحلوتي؟
- انه متسلط بعض الأحيان.
- مهما يكن فقد سمح لنا باطالة السهرة حتى الحادية عشرة قبل منتصف الليل، يكون انسانياً احياناً.
- احياناً.
أجابت فانيسا وهي تتذكر ماقاله لها هامساً عن الحب، الحب ماسة..الحب ارتجافة..هدية...
اضطربت فانيسا في أعماقها وأحست بالدم الحار يندفع الى وجنتيها، لكنها كانت شاكرة للعتمة التي أخفت كل ذلك، وعندما وصلا الى المطعم كانت قد استعادت السيطرة على نفسها، خارجياً على الأقل.
كانت بداية السهرة ناجحة فغاري كان محدثاً جيداً مثل أكثر الاميركيين ، تحدث عن نفسه كثيراً ، واستمعت فانيسا اليه معظم الوقت اذ لم تكن تشعر بالرغبة في الكلام، لم ينزعج غاري من ذلك بل ظهر عليه ان التمتع بوجودها يكفيه.قمر الليل
تناولا العشاء في الخارج تحت الأشجار وضوء النجوم، كانت الموسيقى جميلة وحالمة، اختارها لها غاري الصنف الذي يجب أن تأكله فضحكت قائلة:
- ماهذا؟ رجل آخر يملي عليّ ارادته؟ لا اعرف ماالذي يجعل الرجال يحسون بأن
عليهم أن يأخذوا بيدي؟- أنا أعرف أين أحب ان آخذك، سينتقل عملنا الى تشيلي بعد حوالي شهر من الآن، مارأيك بحزم أغراضك والذهاب معي؟
تشيلي ! وخفق قلب فانيسا:
- ماذا؟ أتوافقين؟ لا تسيئي فهمي، بالطبع لا أنوي ان تكون علاقتي بك علاقة أخ بأخته، لكن عندي أصدقاء متزوجين سيرحبون باقامتك معهم هناك بينما نحن في مرحلة التعارف.. بالنسبة لي انا...
- لا تستبق الأمور ياغاري فهذه أول مرة نلتقي فيها ولم أوافق على عرضك بعد، ثم هل تطلب يد كل فتاة تقابلها؟
- بالطبع لا، لكن حلمي كان دائماً ان التقي بفتاة مثلك كاللعبة تماماً، ياإلهي كم أنت جميلة يافانيسا.. هذا الوجه وهذا القد، لا استطيع ان اتركك بين براثن هذا الرجل الاسباني، أنقذ حياتك..نعم لكن هذا لا يعطيه الحق في استعبادك ومهما يكن فالاشاعة تقول انه مقدم على الزواج من أرملة جذابة قريباً، وتعرفين طبعاً أنها لن تقبل بوجود جميلة مثلك في بيتها خاصة اذا كان لها دم ايرلندي.
قالت فانيسا ضاحكة:
- كيف عرفت ذلك؟
- كيف لا! عينان خضراوان مزروعتان في الثلج وشعر أحمر تسكنه العفاريت! من الايرلندي في العائلة؟ امك؟
- نعم أمي، كم هي غريبة قصة الوراثة هذه مع انه لا امي ولا أبي كان لهما شعر احمر ولا مزاج عصبي ، لكني اتمتع بالاثنين.
- عظيم ، عظيم، احب المرأة التي تستمتع بمشاجرة وأنت تمتعين بكل الصفات التي اطلبها في المرأة.
- يسرني سماع ذلك، لكن ماالذي يجعلك متأكداً من انك أنت تمتع بالصفات التي اطلبها في الرجل؟
- لا تنقصي من قيمتي ياعزيزتي، كثيراً ماهمست الفتيات في أذني اني شاب لطيف محبوب، وان عندي المقدرة ان اجعل اية فتاة تحس كأنها امرأة كاملة، لكن صحيح، لم تتح لك الفرصة للتعرف علي عن قرب، سنرى مانفعل بهذا الشأن.
- حقاً، سمعت ان الاميركيين يعملن بسرعة لكنك تضرب الرقم القياسي دون شك.
عند هذا ابتسم غاري وحاول الظهور بمظهر الطفل البريء الذي لا نية سيئة لديه.
- كنت أقصد ان آخذك بعد العشاء الى السكاي لايت لنرقص.
قالت فانيسا بحذر:
- أحب أن أرقص.
- عظيم، عظيم، كل شيء على مايرام اذن.
أثناء تناول الطعام استمر غاري يتحدت عن نفسه ومزاياه ومشاريعة وفانيسا تستمع الى ان جاء على ذكر دم اسباني وآراؤهم فيمايتعلق بالحب و الزواج غريبة.
- تقصد أنهم يأخذون الأمر بجدية ، معهم حق فالمسألة ليست لعب أطفال.
- طبعً، طبعاً هي مسألة جدية، لكن الافتنان هو الذي يشبه اللعبة.. ولعبة ممتعة شرط ان لا يجرح أحد الاثنين، لم اؤذ أية فتاة في حياتي، ألا تصدقين ؟
هزت فانيسا رأسها بالايجاب ثم قالت:
- أنا متأكدة من انك لم تقصد ايذاء اية فتاة ، لكن المرأة عادة تغوص في اعماق الأشياء اكثر من الرجل، ونادرة هي المرأة التي تستطيع المرور في تجربة الحب دون الخروج منه بجراح.


لم تنتبه فانيسا الى ماراح يثرثر به الشاب بل أخذت تفكر كم هو طفل في مسألة الحب، الحب سر لا يحكى عنه.. الحب عزيز، وتوقفت فانيسا متعجبة، ترى كيف تعرف كل هذا ان لم تكن...
قال غاري:
- يجب ان يكون الحب عميقاً كالمحيط؟ ألا توافقينني؟
- نعم.
قالتها فانيسا وقلبها وقلبها يخفق، فهي تعرف تماماً كيف تريد الحب ان يكون علاقة تذيب الواحد الآخر، كم تحلم بذلك..لكن عقلها و قلبها يفضلان دائماً عدم التعمق في الأمر، وكمن كان يركض هارباً من شيء، قالت لغاري وهي تلهث:
- ان كنا ننوي الذهاب الى السكاي لايت فعلينا ان نتحرك.
أسرع غاري بالوقوف واصطحب فانيسا الى صالة الرقص التي كانت تعج بالسواح الأوروربين وتنبعث منها أصوات الموسيقى والأضواء الخافتة.
كانت فانيسا تجيد الرقص وكذلك غاري وأحست كأنها بين ذراعي جاك فاغمضت عينيها وعادت الى لويندا ، رأت عمها يقف قرب الفوتوغراف بينما كان جاك يشدها الى صدره اكثر فأكثر، وهناك في الزواية كان يقف رجل يراقب الاثنين.
ارتجفت فانيسا للذكرى الحلوة لحظة ان انتهت الأغنية وتوقفت الموسيقى، وعندما عادت من جديد لا حظت بانزعاج كيف كانت اصابع غاري تشد على خصرها وهو يراقصها وكيف كان نفسه حاراً على عنقها قال هامساً وهو يلهث:
- ماهذ العطر الساحر؟ تصورت اني اعرف كل الأنواع ، لكن هذا النوع لم أشم مثله في حياتي، ماهو؟
- لا أعرف، اظنه يناسب صنع خصيصاً لوالدة الدون رفاييل.
- لا اظنه يناسب سيدة كبيرة لكنه يناسبك، والآن كيف تشعرين ياحلوتي هل تستمتعين بالرقص؟
- كثيراً ..لم استمتع هكذا منذ اسابيع.
- ولا أنا ، ماذا يريد شاب أكثر من أن يحتضن بين ذراعيه حسناء بشعر احمر وعينين خضراوين وعطر ساحر.. مارأيك لو نخرج الى الشرفة.
- لا.
ضحك غاري نافثاً في وجهها نفساً حاراً انزعجت منه فانيسا.
- قولي انك خائفة، هيا بنا يافتاتي، لا تقولي ان الفتيات لا يشعرن بالهيام كالرجال...
- اظن ان علينا ان نعود الآن ياغاري.
- ياإلهي! مايزال في الوقت متسع، مابك مضطربة، أيكون السبب ذلك السيد الاسباني المتعجرف؟ تأكدي انك في اليوم الذي يلي زواجه ستجبرين على ترك العمل عنده، لذلك من الأفضل لك أن ترافقيني الى تشيلي.قمر الليل
تشيلي! حيث يعود جاك بعد كل رحلة من رحلاته في الأدغال! جاك..الصديق الوحيد.
- هيا..قولي انك سترافقينني الى تشيلي فأوصلك الى البيت هذه اللحظة.
- حسناً ، أوافق..لكن افهمني جيداً ، اصحبك الى هناك كصديقة لا اكثر ودون شروط ياغاري، لن اعدك بماقد لا استطيع الايفاء به.


- لاشروط، كما تريدين، ترى ماذا سيقول سيد القلعة؟ هل سيحاول منعك؟
- ربما، لكن القرار يعود لي، ولولا خوفي من أن أبقى مدينة له لتركت القلعة قبل الآن بكثير.
- مدينة له، ماهذا الهراء، انه أغنى رجل على الجزيرة.
- ليس هذا هو المهم، انه رجل كريم لكن عندما تحس ان الكرم ناتج عن شعور بالواجب..تكره أن تأخذ أي شيء.. ودائماً أحس بالتوتر بيني وبين هذا الرجل..
وسكتت فانيسا لتلتقط أنفاسها فقال غاري:
- مهما يكن ياعزيزتي فالرجل أنقذ حياتك، حتى لو كان الدافع هو الشعور بالواجب.
وزداد تقرب غاري اليها فانزعجت لا لشيء الا لأنها لم تجد في نفسها الشجاعة الكافية لاخباره بأن سبب موافقتها على الذهاب معه الى تشيلي رجل آخر، لماذا لا تذهب وحدها؟ ربما كان ذلك أفضل لكليهما.
في تلك اللحظة توقفت الموسيقى ولاحظت فانيسا اضطرابه ، ترى هل يمكنه اعادتها الى القلعة على هذه الحالة؟.
بينما كان يساعدها على الخروج كانت يداه ساخنتين و أنفاسه ثقيلة، اضطربت فانيسا و أسرعت في الخروج قبله لكنه لحق بها الى موقف السيارات و أمسك بها بشدة محاولاً عناقها، قاومت فانيسا دون فائدة فقد كانت ذراعاه القويتان تشدانها بكل مالديه من جموح.
- دعني ..دعني أرجوك.
- مابك بحق السماء؟ باردة أم خائفة؟
- انا فتاة تقليدية..هذا كل مافي الأمر و لا احب العناق في موقف السيارات، كانت الأمسية جميلة وها أنت تفسدها.
- ياإلهي! عناقي أفسد عليك السهرة؟ كل الفتيات يتمنين ذلك، لابد ان الأفكار و التقاليد الاسبانية، التي ملأت رأسك في تلك القلعة اللعينة، قد بدأت تعطي نتائجها.
لم تجب فانيسا بل اندفعت نحو السيارة كمن يهرب من غول وبعد لحظة كان غاري في المقعد بجانبها يدير محرك السيارة بعصبية وينطلق بها كالمجنون.
- هل أقود بسرعة ياعزيزتي؟ أليس ذلك ماتريدين، أن تصلي الى قصرك الحبيب بأسرع وقت ممكن؟منتديات ليلاس
حاولت فانيسا السيطرة على اعصابها و إبعاد نظرها عن عداد السيارة، بعض الوقت و تصل الى البيت.. البيت؟ كم غريب ان تفكر بالقلعة على انها بيتها بينما تعد العدة لمغادرتها، لن تغير رأيها بالذهاب الى تشيلي حيث جاك، لكنها ستذهب وحدها ..في تلك اللحظة شعرت فانيسا بالسيارة تنزلق وتدفع بها الى الأمام، صرخت قائلة:
- بحق السماء تمهل ياغاري! الطريق ضيقة و متعرجة.
- انا معتاد على أسوأ من هذه الطريق هيا..هيا يا صبي أسرع لنوصل سندريلا الى البيت قبل أن يتأخر الوقت...
رجته فانيسا ان يدعها تقود السيارة لكنه أصر على الرفض، واستمر في سرعته الجنونية، وللحظة كانت السيارة تفلت من سيطرته وتنزلق على الوحل بعيداً عن الطريق ثم تنقلب مرة و ثانية.


صرخت فانيسا برعب فقد كان الألم الذي هاجمها لا يحتمل ، وراحت في غيبوبة سوداء بينما هوى جسم غاري بكل ثقله على عجلة القيادة وانطلق منبه السيارة عالياً دون انقطاع وسط سكون تلك الليلة المقمرة.
بوم..بوم..بوم.
ياالله ، هذه الطبول اللعينة ألا تتوقف؟ العم لونارد لم يسىء الى أحد من هولاء الناس.. كان دائماً طيباً معهم..لا يمكن أن يسيئوا اليه و إليها!
لكن رائحة المكان غريبة.. رائحة أدوية ، وهذه اليد التي تمسك يدها بينما يستمر قرع الطبول يدوي في رأسها و يستمر الظلام حولها..آه لن ينقشع ! فجأة ظهر بصيص نور و تأوهت فانيسا فوجع رأسها لم يكن يحتمل.
- انها تتحرك، تستفيق ياسيدي.
كان الصوت قريباً و مألوفاً..صوت امرأة وعادت الصورة البشعة..صورة الرجل الواقف امام باب مكتبة عمها وبيده مسدس!
حاولت فانيسا جاهدة أن تفتح عينيها رغم انزعاجها من النور ومن القرع المزعج داخل جمجمتها، ثم الصوت! الصوت الهامس و الوجه المنحني فوق سريرها:
- فانيسا، أتعرفينني؟
طبعاً تعرفه..كان يأتي مثيراً لزيارة عمها..ترى هل حدث شيء لعمها هذه المرة؟
- هل أصابه مكروه. يجب أن أذهب لأراه.
وحاولت النهوض من سريرها.
- اظنها تتكلم عن الشاب الاميريكي، على اية حال شكراً لله فقد استيقظت من ذلك النوم المحموم.
كان هناك وجه آخر..وجه امرأة هذه المرة..وجه لطيف وباسم..ماذا، انها الممرضة.
- مارأيك بتناول بعض شوربة الدجاج ياطفلتي؟
كانت الممرضة تحمل صحناً من الشوربة محاولة اطعام فانيسا كما تطعم الأم طفلها، جرعت فانيسا السائل بنهم فابتسمت الممرضة واستدارت نحو الرجل قائلة:
- عظيم..عظيم هذه اشارة حسنة، ستستعيد عافيتها قريباً
لم تفهم فانيسا ماقاله الرجل فقد اجاب بالاسبانية لكنها حاولت النظر اليه، ولحسن حظها كانت نصف صاحية فلم تر التعبير الحزين على وجهه ولم تعرف ان السبب كان منظرها المؤلم، فقد كانت مصفرة ورأسها معصوباً بالشاش الأبيض، أدركت فانيسا انها مريضة ، لكن مابها؟ وحاولت ان تتذكر لكن المجهود كان كبيراً و أحست بالنعاس.
- هل يؤلمك رأسك ياصغيرتي ؟ لا تخافي ، سيكون كل شيء على مايرام، نامي الآن وستشعرين بتحسن كبير حين تستيقظين.
في الأيام التي تلت تحسنت حالة فانيسا واستعادت بعضاً من حيويتها ، طبعاً تذكرت ماحدث لها، و أخبرتها الممرضة الاخت ايزابيل ان اثنين من اضلاع غاري كسرا عندما انقلبا سيارته غير بعيد عن القلعة، هرع أهل القرية الى المكان عند سماع منبه السيارة المنطلق دون توقف تحت ثقل جسم غاري.


أخبر الدون بالحادث وهرع الى المكان فنقلهما الى المستشفى، لم تطل اقامة فانيسا في المستشفى وعندما عادت الى القلعة رافقتها الأخت ايزابيل لتقوم بالعناية بها لمدة اسبوع أو طالما تدعوا الحاجة.
لم تكن باربرا تفارق فانيسا الى أن لاحظت الممرضة أن ثرثرة الفتاة تتعبها، فطلبت منها أن تقلل من زياراتها و اضطرت الى اخراجها من الغرفة، تأففت من ذلك وقالت بغضب وهي تخرج:
- يالك من طاغية.
ضحكت فانيسا للمنظر وأضافت باربرا:
- هذا المكان مليء بالطغاة!
أدركت فانيسا من هذه الملاحظة ان دون رفاييل مازال يصر على إبعاد قريبه راي عن باربرا، قريباً سيأتي دورها هي بالابتعاد ، رباه كيف ستخبر باربرا ودون رفاييل عن قرارها بالذهاب الى تشيلي؟ في تلك اللحظة سمعت قرعاً خفيفاً على الباب ودخل دون رفاييل .
وقف قرب سريرها و أمسك يدها طابعاً عليها قبلة خفيفة وقال:
- تبدين بصحة أفضل ياصغيرتي ، أتسمحين لي بالجلوس هنا على طرف سريرك؟
أومأت فانيسا بالايجاب وهي تتساءل في نفسها عن الأمر الذي ينوي التحدث به.
جلس الدون الى جانبها و أحست هي ببعض الاضطراب تحت نظراته التي كانت تجول من وجهها الى عنقها الى ثوب نومها الأبيض.
- هل مايزعجك حضوري؟ أتفضلين أن ترتاحي؟.
- لا، كنت اتساءل فقط عن الأمر الذي جئت تحدثني به.
- أريد ان اطمئن عليك ، ام هل كنت تفضلين لو اسأل الممرضة بدل زيارتي هذه؟
التقت عيناها بعينيه، وابتسمت معترفة لنفسها انها تستمتع بصحبة شخص كله نشاط و حيوية كالدون، الأمر الذي يجعلها تظهر ضعفاً ورقة و أكثر هشاشة امام رجولته الطاغية، غضبت فانيسا لهذه الأفكار ، لكنها كانت أضعف من أن تقاوم في حالتها الراهنة، ولمرة واحدة تركت نفسها تستمتع بضعفها امامه، وتستمتع بمنظر كتفيه العريضتين ورأسه المنتصب بفخر اسباني وفمه القاسي، وتصورت لوسيا مونتيز غارقة في عناق هذا الرجل الوسيم بحنان كبير ، مد الدون يده ولمس الآثار التي تركها الحادث على وجه فانيسا وقال:
- بالطبع، استطيع سؤال الممرضة عن تحسن صحتك و ستجبينني لكنها لن تستطيع اخباري عن تأثير الحادث على حالتك النفسية، خاصة انك مجبرة على تأجيل تنفيذ مشاريعك الجديدة.
يالله ، كيف عرف بقرارها؟ هل تراها تكلمت بالأمر وهي غائبة عن الوعي؟
- تدركين بالطبع اني تحدثت مع السيد ألسنغ بعد الحادث؟ وهو أخبرني انك قررت الذهاب معه الى تشيلي، هل الأمر كذلك؟
- نعم.. قررت الذهاب الى هناك، أعرف انك ستحاول منعي من ذلك لكن ألا ترى ان علي ابني مستقبلاًَ لنفسي ، لا مستقبل لي في هذا المكان؟
ومرر الدون اصابعه في شعر فانيسا قائلاً بهدوء:
- والمستقبل أمامك في تشيلي؟ أتنوين الزواج من هذا الشاب المتهور الذي قاد سيارته بجنون وكاد يقتلك ؟ كنت مرمية بين حطام السيارة ووجهك أبيض كالحليب و الدم ينضب من ذلك الجرح الرهيب في رأسك ، لن أنسى ماحييت منظرك تلك اللحظة، أتريدين مني ان اصدق انك تحبين شخصاً متهوراً كهذا؟قمر الليل.


أنا لا أحبه...
- ياللغرابة! اذن لماذا ترافقينه الى تشيلي؟
- كنت قد قررت ذلك في البداية، لكنني غيرت رأيي و سأذهب وحدي.
- ماالذي جعلك تغيرين رأيك ..هل تمادى بالتصرف معك؟
وضغط بأصابعه القوية على كتف فانيسا.
- أجل عانقاً رغماً عني..سيدي أنت توجعني.
و أرخى الدون اصابعه عن كتفيها معتذراً.
- عفواً ياعزيزتي، في أعماقي غضب و حقد على هذا الشاب.، يدفع بي الى نسيان نفسي احياناً ، أذن عانقك ولم تستسيغي ذلك؟
- لا لم يعجبني..هل علي ان اخضع لهذا الاستجواب لا لشيء الا لأني أنوي الذهاب الى تشيلي؟ لست ذاهبة مع غاري...
- اذن أنت ذاهبة من اجل ذلك الشاب جاك؟
- وكيف عرفت بذلك؟
- هل نسيت انني كنت صديق عمك ومحط أسراره؟ هو الذي أخبرني بكل ذلك، أنت تتوقين الى ذراعي ذلك الشاب و ترتجفين خوفاً من وقوفي في وجه رغبتك هذه، ماذا ياآنسة، هل تظنين اني من حجر؟
وقام الدون واقفاً:
- لا..لا أظنك من حجر تماماً.
- اسمعي ياعزيزتي ، ان كنت ترغبين في الذهاب اليه، وان كانت رغبتك بهذه القوة فليكن ماتشائين، كنت أود لو نسيته، لكن مادمت لم تفعلي فهذا يعني أنك حقاً تحبينه ولاحق لي في ايقافك.
وهز الدون كتفيه بلا مبالاة باردة.
- أنت لا تفهمني ياسيدي، جاك و أنا صديقان لا أكثر!
- ياإلهي، كم أنت متحفظة، لا حاجة للمرواغة معي يا عزيزتي، تدخلت امورك الشخصية مافيه الكفاية اما الآن فيعزيني انك لست ذاهبة الى تشيلي بصحبة هذا الاميريكي الطائش غاري، اعترف لك أني كنت أفضل سجنك هنا على السماح لك بمرافقته و التعرض للخطر الذي يجره عليك تهوره.
كان يتكلم وهو يروح ويجيء كفهد حبيس وفجأة استدار نحوها وقال:
- لماذا تقولين ان لا مستقبل لك هنا؟
- ألن تتزوج قريباً؟ لا أظن زوجتك سترغب في مكوثي هنا، ثم انك أشرت ان لديك خطة بصدد زواج باربرا، بالمناسبة اتسمح لي يادون رفاييل ان اخبرك كم هي تعيسة؟ انها تعرف عن نيتك في التخلص من راي، وقد ذكرت شيئاً عن الهرب ان انت فعلت.
عاد الدون الى جانب سرير فانيسا، يداه في جيبيه ووجهه متجهم.
- اعرف شعورك بأني أقسو على باربرا لكنني لا افكر الا بسعادتها، انها فتاة عاطفية وكان علي منذ البداية ان احترس من الأمر، لكن انشغالي بأمر خاص جداً جعلني لا انتبه لمايحصل حولي الا بعد فوات الأوان.



- لكنها تعيسة جداً ياسيدي، انها تخاف ان تفرض عليها زواجاً لا ترغب فيه، ارجوك، تصور نفسك مكانها، أتقبل بشخص يفرض عليك فرضاً ليشاركك حياتك؟
بينما كانت فانيسا تقول ذلك ودون وعي منها كانت تمسك ذراعه البرونزوية بحركة رجاء، انتبهت لنفسها وضحكت، ضحك هو الآخر وقال:
- لست جبانة القلب ياآنستي الانكليزية، أليس كذلك؟ اذن تظنين اننا نختار امهات اولادنا كما نختار امهات الثيران؟ نقطة جيدة لكن قولي ياعزيزتي، هل من الخطأ ان نأخذ بعين الاعتبار شخصية الشريك الى جانب الجمال الخارجي؟
- بالنسبة لي ، الحب يأتي أولاً.
ضحك الدون وعاد الى الجلوس على حافة سرير فانيسا وقال:
- اسمعي عزيزتي، في معظم العوائل الاسبانية تجدين فرداً طفيلياً تماماً مثل راي، ولولا ذكرى امه العزيزة لماسمحت له بدخول بيتي، انه شخص غير مسؤول رغم وسامته وزواجه من باربرا سيكون مصيبة، لكن لا تخشى على باربرا فقريباً يأتي عيد الكرمة وسيكون الشخص المناسب حاضراً، وبين الموسيقى و الرقص ستقع باربرا في الحب الجديد، عيد الكرمة يأتي بالحب الى جزيرتنا.. دائماً.
اقترب الدون من فانيسا اكثر وأخذ يدها بين اصابعه وقال هامساً:
- قلبك يتخبط كعصفور ، هل اتعبتك؟
هزت فانيسا رأسها نفياً، لكن حواسها كلها كانت متوترة مشحونة ، كان حضوره الدافئ قريباً منها.. وأحست بالمتعة.
واتسعت عيناها الخضراوان المتسمرتان على وجهه الوسيم وبالكاد سمعته يقول:
- انت لم تشاهدي بعض رقص الفلامنغو ستسرين به كثيراً.
- لكني راحلة.
- ليس قبل أن تستعيدي كامل صحتك، والحفلة ستقام الاسبوع القادم هنا في القلعة، ستكونين هنا.
حفلة. حفلة خطوبته بالطبع!
- ستكون حفلة لن تنسينها ابداً، هيا لا يمكن ان تغادرينا قبل الاحتفال.
احتفال؟ وخفق قلب فانيسا بعنف ، ماأقسى هذا الرجل، سيكون سعيداً اذن لمغادرتها.
- حسناً ياسيدي، سأبقى.
واقتنعت فانيسا مستلقية على سريرها وعيناها تحدقان في سقف الغرفة، مجنونة..مجنونة..، كيف لم تعرف من قبل حقيقة مشاعرها تجاه هذا الرجل الذي انقذ حياتها؟ عندما ترتعش المرأة للمسة يد، عندما يخفق قلبها بحضوره بهذا العنف.. لا لم يكن هذا مجرد عرفان بالجميل.
واعترفت لنفسها انها تهرب..نعم تهرب قبل أن تراه زوجاً للوسيا مونتيز التي عادت من سفرها.منتديات ليلاس



- لكنها تعيسة جداً ياسيدي، انها تخاف ان تفرض عليها زواجاً لا ترغب فيه، ارجوك، تصور نفسك مكانها، أتقبل بشخص يفرض عليك فرضاً ليشاركك حياتك؟
بينما كانت فانيسا تقول ذلك ودون وعي منها كانت تمسك ذراعه البرونزوية بحركة رجاء، انتبهت لنفسها وضحكت، ضحك هو الآخر وقال:
- لست جبانة القلب ياآنستي الانكليزية، أليس كذلك؟ اذن تظنين اننا نختار امهات اولادنا كما نختار امهات الثيران؟ نقطة جيدة لكن قولي ياعزيزتي، هل من الخطأ ان نأخذ بعين الاعتبار شخصية الشريك الى جانب الجمال الخارجي؟
- بالنسبة لي ، الحب يأتي أولاً.
ضحك الدون وعاد الى الجلوس على حافة سرير فانيسا وقال:
- اسمعي عزيزتي، في معظم العوائل الاسبانية تجدين فرداً طفيلياً تماماً مثل راي، ولولا ذكرى امه العزيزة لماسمحت له بدخول بيتي، انه شخص غير مسؤول رغم وسامته وزواجه من باربرا سيكون مصيبة، لكن لا تخشى على باربرا فقريباً يأتي عيد الكرمة وسيكون الشخص المناسب حاضراً، وبين الموسيقى و الرقص ستقع باربرا في الحب الجديد، عيد الكرمة يأتي بالحب الى جزيرتنا.. دائماً.
اقترب الدون من فانيسا اكثر وأخذ يدها بين اصابعه وقال هامساً:
- قلبك يتخبط كعصفور ، هل اتعبتك؟
هزت فانيسا رأسها نفياً، لكن حواسها كلها كانت متوترة مشحونة ، كان حضوره الدافئ قريباً منها.. وأحست بالمتعة.
واتسعت عيناها الخضراوان المتسمرتان على وجهه الوسيم وبالكاد سمعته يقول:
- انت لم تشاهدي بعض رقص الفلامنغو ستسرين به كثيراً.
- لكني راحلة.
- ليس قبل أن تستعيدي كامل صحتك، والحفلة ستقام الاسبوع القادم هنا في القلعة، ستكونين هنا.
حفلة. حفلة خطوبته بالطبع!
- ستكون حفلة لن تنسينها ابداً، هيا لا يمكن ان تغادرينا قبل الاحتفال.
احتفال؟ وخفق قلب فانيسا بعنف ، ماأقسى هذا الرجل، سيكون سعيداً اذن لمغادرتها.
- حسناً ياسيدي، سأبقى.
واقتنعت فانيسا مستلقية على سريرها وعيناها تحدقان في سقف الغرفة، مجنونة..مجنونة..، كيف لم تعرف من قبل حقيقة مشاعرها تجاه هذا الرجل الذي انقذ حياتها؟ عندما ترتعش المرأة للمسة يد، عندما يخفق قلبها بحضوره بهذا العنف.. لا لم يكن هذا مجرد عرفان بالجميل.
واعترفت لنفسها انها تهرب..نعم تهرب قبل أن تراه زوجاً للوسيا مونتيز التي عادت من سفرها.منتديات ليلاس



الى الحديقة هاربة من الفرح الذي يغمر الكل عداها.

هناك في عتمة الحديقة وفي مكان منزوٍ جلست فانيسا تبكي، لم تكن تلك المرة الاولى التي تهرب فيها الى هذا المكان بحزنها... لكنها في السابق لم تكن تعرف سر حزنها، لم تكن تعرف مدى حبها للرجل ومدى لهفتها في ان يبادلها سيد القلعة هذا الحب، وتذكرت يومها الأول على الجزيرة..هناك على الشاطئ الهادئ عندما قال لها الدون أن الحب قاسٍ و جميل ، نعم قاسٍ، خاصة أن كان من طرف واحد، وان كان لا امل له بالنمو والحياة، ما أتعسها هذه اللحظة، غريبة في حديقة غرباء..غريبة تبكي.
- تبكين؟
كان الصوت حنوناً و دافئاً، والذراعان اللتان حضنتاها كانتا بدفء الصوت وحنانه، لم تكن تقوى على الرد وتركت الرجل يقربها من صدره القوي.
- قولي ياحلوتي ، ماالذي يبكيك؟ أيحزنك انك قريباً ستكونين بين ذراعي الرجل الذي تحبين؟
آه لو يعرف! هي الآن بين ذراعي الرجل الذي تحب، لكنها لن تستطيع ان تقول له ذلك، لا تستطيع الا ان تستسلم لعناقه وتبكي.
- هيا ياعزيزتي ، اخبريني ماالذي يحزنك ، هل تعلقت بنا لدرجة ان يحزنك فراقنا؟
همست فانيسا بانكسار:
- نعم.
مااجمل ان تكون بين ذراعيه، كم تصبو ان تمرر اصابعها على صدره العريض الحبيب، كم تصبو بكل كيانها اليه .. كم تحبه..كم...
وحاولت فانيسا الابتعاد عنه لحظة ان ظهر القمر في السماء ساكباً لون الفضي على وجه الرجل، كانت عيناه حائرتين عميقتين كالبحر وكان ممسكاً بيديها على صدره كأنه يخاف ان تهرب ، نظرا الى بعضهما لحظة طويلة ارتفع بعدها صدر الرجل بتنهيدة عميقة ثم همس:
- الى متى؟ الى متى تكرهينني ياحبيبة؟
وحضن وجهها بيديه وهو يحدج الأرض بعينيه الحزينتين.
- غاليتي، هل تكرهينني؟
حبيبة.. غالية! هل حقاً يكلمها هي ؟ هل حقاً يسألها هي ان كانت تكرهه؟
- لا.. لا يارفاييل...
- لا... لا تحبينني؟
-... أكرهك.
وتركها تكمل كلامها.
قالت بهمس:
- ياروحي...
وضمها اليه بذراعين كلهما شوق و عطش لكن لا .. لايجب أن تستسلم له، لوسيا هي المرأة التي ستصبح زوجته، كيف يقسو عليها بهذا الشكل ثم يذهب و يتزوج من لوسيا...وأخذت تدفعه عنها.
- لماذا..لماذا تبعدينني هكذا. أتخافين الحب؟ اتخافين من حبي لك؟
- لا يجب أن تقول هذه الأشياء .. لست أنا من تحب.
- ياإلهي! حبي لك كان كالوحش الرابض في صدري من زمان وتقولين اني لا احبك، من احب غيرك يامجنونة ؟ تلك الأرملة المصبوغة التي تحلم ان تصبح سيدة القلعة؟






حدقت فانيسا فيه غير مصدقة، كان قلبها يخفق بعنف كاد يقتلها، وهمست:
- تحبنيأنا؟
وفاض الحنان من عينيه:
- أنت حياتي، ألم تدركي ذلك؟ ألم تنتبهي له؟ ألمتخبرك قسوتي معك و عصبيتي اني كنت بذلك أقاوم الشوق الساكن أعماقي؟ حبي لك قاهر ولاأريده غير ذلك، أحببتك لحظة وقعت عيني عليك، عندما كنت مازلت فتاة المدرسة الصغيرةالبريئة.
ضحكت فانيسا بفرح وخبأت وجهها في صدره، كانت تقدر أن تقتله وهو يغمرلوسيا بكل تلك الابتسامات المشرقة، وعندما سألته عن ذلك ضحك و أجابها بسؤالآخر:
- وأنت وجاك كونروي هذا الذي كنت ذاهبة إليه..كيف تفسرين وجودك الآن معيوأنت كنت تدعين حبه؟ كنت تريدين الذهاب اليه و أراك الآن تفضلين البقاء معي، احذرياللعب بالنار يافتاة فأنا رجل لم يعد يحتمل.قمر الليل
- كنت هاربة منك يارفاييللأنني لم أكن اعرف انك تريدني.
والتمعت الدموع في عينيها عندما ضمها منجديد.
- أريدك حتى ينتهي الكون ياحبيبة، وان كنت شرساً معك احياناً فلأني لم اكناكيداً من نفسي، جعلتني ضعيفاً كما لم تجعلني اية امرأة أخرى، كان شوقي لا بل جوعياليك كبيراً، ولم أكن اعرف حقيقة شعورك فأخفيت مشاعري.
- وانا أخفيت مشاعري لأنيكنت اظنك ستتزوج لوسيا.
- لوسيا كانت دائماً تعرف انني لن اتزوج منها لكنها ظلتتحاول حتى النهاية، فهي من النوع الذي لا يتخلى عن أحلامه حتى يرى الرجل المعني وقدتزوج امرأة أخرى.
- حتى جدتك كانت تظن انك مقدم على الزواج من لوسيا.
- جدتيتظن اني سأتنزوج من كل امرأة اعرفها.
ثم ضحك و أكمل:
- في الاسبوع الماضياكتشفت جدتي حبي لك، وهي توافق وتبارك هذا الحب، وقد رأتني قبل لحظات وأنا أنسل منالصالة لألحق بك وابتسمت مشجعة، هل كنت تظنين نفسك غير مراقبة؟
ولمعت عيناالدون بمكر في ضوء القمر.
- ايها القرصان! اما متأكدة انك استعملت لوسيا هذهالليلة عن قصد لاثارة غيرتي.
- اصبح الأمر حرجاً ولا يحتمل ياعصفورتي، كنتتتكلمين وكأنك حقاً ستغادرينني، لكنني سأبرئ نفسي قليلاً و أخبرك ان الفكرة كانت منابتكار جدتي، نصحتني بأن أبدي اهتماماً أكبر بلوسيا هذه الليلة على أن تجلس هي الىجانبك وتراقب ردة فعلك، وكان الاتفاق ان تهز الجدة مروحتها كلما لا حظت انزعاجكوتوترك لحظة ابتسم للوسيا أو أتقرب منها باهتمام وكثيراً ما اهتزت مروحة الدوناخلال السهرة، ألم تلاحظي ذلك؟ ربماربما لا، فقد كنت مشغولة بمرافقتنا، أليس كذلك؟
وأخذ يمسد شعرها الجميل بيدهبينما كانت اليد الأخرى تلتف حول خصرها بكل حب و شوق.
- أيها العفريت بدون قلب ،حرام عليك ، جعلت المرأة تتوقع الكثير منك.
- لا أبداً، هاتي يدك.
أخذ يد فانيسا ووضعها على صدره حيث كان قلبه يخفق بعنف:
- انه يخفق في صدري لكنه ملك لك ياحبيبتي فانيسا، هل يمكن ان تخافي من رجل يحبك بهذه القوة؟
ما أغرب الانسان..كيف كانت تخافه؟ لكن لا يهم فقلبها الآن يفيض بالحب مغرقاً كل ماعداه، ستكون زوجته؟..زوجة رفاييل دوميريك التي اختارها هو، وتطلعت اليه بشغف لترى الحب في عينيه، غمرها حنانه الرائع الحلو وسمعته يهمس بحرارة:
- اريد ان اسجنك في قلعتي لتكوني لي ولي وحدي، أيكفيك حب مثل هذا؟ أيكفيك ياحبيبتي ان تكوني اسيرتي الجميلة على هذه الجزيرة الى أن تقع النجوم كلها؟
- كنت دائماً اسيرتك يارفاييل، الآن ادركت ذلك وكلما حاولت الهرب كان هناك ما يشدني الى البقاء.
- وكلما عرفت انك تنوين الهرب كنت أغامر و أترك الباب مفتوحاً لأرى ان كنت تفعلين، والآن لن تهربي مني أبداً، لن تتركيني يا حبيبتي فعندما آخذ آخذ، وأتمسك بما آخذه و لا أفلته ابداً. - اريد ذلك يارفاييل أريدهّ
كانت تهمس وازداد تعلقها بصدره وعرفت انها لم تعد تلك الفتاة المترددة التي كانت تحس انها تميل اليه لحظة لتعود فتهرب منه في اللحظة التالية، امرأة مولهة، نعم تماماً كالنمرة التي تنفر من مروضها و تحبه في نفس الوقت.
بعد قليل من الوقت عاد الحبيبان الى القلعة ليخبرا الجميع بأن احتفالاً العيد هذا العام ستشمل احتفالاً بالكرمة واحتفالاً بزواج سيدة الجزيرة، ماكان اسعد الدونا مانويلا وهي ترى حفيدها يضع حول اصبع فانيسا خاتم الماس، بينما تضع حول اصبعه خاتم الزواج الذهبي، اما لوسيا مونتيز قد كانت تنظر اليهما وعلى وجهها تعبير فلسفي، بينما كانت باربرا تتأبط ذراع صديقها البرتغالي الشاب، من يدري، ربما كانت تفكر بماقلته لها فانيسا ذات يوم.. ان الحب الحقيقي كالوقت، يبقى الى الأبد.








ThE End

 
 

 

عرض البوم صور housam   رد مع اقتباس

قديم 26-06-10, 05:18 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,192
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : housam المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الله يعطيكي العافية

تنقل لقسم الروايات المنقولة ،المكان المناسب لها

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 09-07-10, 10:30 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 171977
المشاركات: 2
الجنس ذكر
معدل التقييم: housam عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 10

االدولة
البلدSpain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
housam غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : housam المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

شكرا على فبول الرواية وأتمنى أن تساعدني على العثور على روايات لكتاب مشهورين أمثال نجيب محفوظ وأجاثا كريستي

 
 

 

عرض البوم صور housam   رد مع اقتباس
قديم 09-01-11, 10:46 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 161884
المشاركات: 725
الجنس أنثى
معدل التقييم: سماري كول عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 36

االدولة
البلدUnited Arab Emirates
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
سماري كول غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : housam المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

شكرن ع الروايه
تقبلي مروري

 
 

 

عرض البوم صور سماري كول   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:25 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية