للإعلان على ليلاس [email protected]

لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]

Liilas Online


العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > روايات عبير > روايات عبير المكتوبة
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية



روايات عبير المكتوبة روايات عبير المكتوبة


513 - كوني لي سيدتي - كاترين سبنسر ( قلوب عبير ) دار النحاس ( كاملة )

الملخص كانت ميلودي وورث لطيفة ومهذبة . وقد شاء قدرها أن تولد ثرية وهذا حتى الآن لم يكن يبدو لها مشكلة ،ثم ظهر جايمس لوغان في حياتها

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-03-09, 06:37 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 103835
المشاركات: 336
الجنس ذكر
معدل التقييم: زونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 499
شكراً: 10
تم شكره 836 مرة في 179 مشاركة

االدولة
البلدKuwait
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
زونار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي 513 - كوني لي سيدتي - كاترين سبنسر ( قلوب عبير ) دار النحاس ( كاملة )

 

الملخص


كانت ميلودي وورث لطيفة ومهذبة . وقد شاء قدرها أن تولد ثرية وهذا حتى الآن لم يكن يبدو لها مشكلة ،ثم ظهر جايمس لوغان في حياتها ليطلب منها أن تتوقف عن مساعدة الناس الذين لا يريدون إحسانها كيف يجرؤ على ذلك ؟حسناً ، عليها أن تتحمل رؤية الابن لأن أباه كان عجوزاً رائعاً ثم راعها أن وجدت نفسها تغرق في حب جايمس لوغان الصلب المتغطرس ، ولم تعرف ماذا يجب أن تفعل بهذا الشأن بعدما أخبرها أن المستقبل لا يمكن أن يجمعهما معاً.منتديات ليلاس


من أحداث الرواية


" لقد حـان الـوقت لأقول لك وداعاً "

في ما مضى ،كان من الممكن ميلودي أن تتقبل ذلك لأنها لم تتعود على التوسل والتذلل .ولكن ذلك كان قبل أن يشعل جايمس عواطفها ، مما جعلها ترفض أن تستجيب لأي من مشاعر الكبرياء والحشمة .ولم تتمالك نفسها من أن يجن جنونها وهي تفكر في احتمال فقدانه إلى الأبد .
صرخت باكية وهي ترمي نفسها بين ذراعيه : " أنك حياتي يا جايمس "

الفصل الأول


لابد أنها كانت غافية حين كان رأسها متدلياً كرأس دمية مكسورة ، إذ إن صوته الذي فاجأها من حيث لا تعلم ، جعلها تقفز مذعورة مما أصاب عنقها بالتواء مؤلم .

سألها بنبرة فيها من اللوم ما جعل قلبها يهبط " هل أنت من أحضر سيث لوغان "

أجابت محاولة النهوض من كرسيها " أجل جئت معه في سيارة الإسعاف .كيف حاله "

لم يجب إذ كان مشغولاً بتفحص شكلها .ولم تكن نظراته أقل من صوته سخرية من مظهرها .جذبت أطراف ثوبها الفضي حولها رغم علمها بأنه يرتفع حوالي الأربعة سنتمترات فوق ركبتها .وأنه لا يتناسب مع هذا الموقف الخطير .وكان جوربها الحريري ممزقاً ، وقد أدركت أن هذا قد حدث جلوسها على الأرض ووضع رأس سيث في حضنها بعد حادث الاصطدام وكانت عصابة رأسها قد انزلقت قليلاً بعد ساعات الليل الطويلة التي أمضتها حيث كان منظرها يبدو غير مألوف في غرفة الانتظار في المستشفى .

جاهدت للوقوف على قدميها وهي تنظر إليه متفحصة .كان يزيدها طولاً بقدم على الأقل مما يجعل طوله يتجاوز الستة أقدام .وكان لون بشرته يتوهج بسمرته التي اكتسبها من المناطق الاستوائية حيث كان هناك ، بعكس بشرتها البيضاء الناصعة .وكان شعره الأسود لامعاً، أما ذقنه التي لم تحلق منذ أمس ، فقد كانت تدل على شخصية عنيدة مسيطرة وكان الاستياء بادياً على فمه الجميل .
أشاحت ميلودي بوجهها بعيداً .ما الذي تفعله ؟ وكيف تسمح لنفسها بأن تسترسل في مثل هذه التصورات بينما ثمة رجل يموت في الغرفة الأخرى بسببها .
عادت تسأله " كيف حاله ؟ " وأخذت تعبث بعصبية ،بعقد الخرز الطويل المتدلي على مقدمة ثوبها الفضي.
رفع يده ليزيح خصلات شعره إلى الخلف محركاً كتفيه وكأنه يريحهما بعد انحناء على طاولة العمليات فوق ذلك الرجل الذي دهسته سيارة الليموزين .
لاحظت يديه الجميلتين بأصابعهما الطويلة ذات الأظفار البيضاء المقصوصة ومهما تكن أخبار الجريح فلا بد أنه قام بكل ما في وسعه ، فهو لم يكن برجل الذي يستسلم بسهولة ، وكذلك أولئك الذين كانوا يعملون معه دون شك .
أما سيث لوغان فقد كان ما يزال حياً .
قال ببرود " سينقلونه من غرفة الإنعاش في خلال ساعة . "
تنفست بارتياح قائلة " أذن سيشفى ؟ "
أجاب " إن ساقه مصابة بكسور مضاعفة وحالتها سيئة ،ولكنه إذا لقي العناية المناسبة فسيتمكن من السير عليها مرة أخرى ، هذا إذا لم يصب بالتهاب رئوي أو جلطة رئوية في الأيام القليلة القادمة . "
ارتجفت ميلودي لكلماته المتشائمة هذه وعادت تسأله " وإذا حدث له ذلك "
أجاب " قد يموت حين ذلك "
شهقت بألم قائلة " أوه لا .. "
شملها للمرة الثانية بنظرة باردة من عينيه الزرقاوين ثم قال " حسناً يا آنسه وورث إن الناظر إليك يكاد يقتنع انك تهتمين بذلك حقاً "
أجفلت من النبرة الجافة غير الودية في صوته قد يكون طبيباً ممتازاً وبالغ الوسامة ولكن إذ كان سلوكه نحوها يمثل ناحية أخرى من شخصيته فهذا يعني أن شخصيته مازالت في حاجة إلى الكثير لتكتمل .
قالت محتجة "إنني أهتم بذلك طبعاً .أهتم كثيراً . متى أستطيع رؤيته؟ "
قال وهو مازال يوجه إليها نظرته اللاذعة "ذلك ليس من رأيي أبداً " ثم مد إصبعه تحت خيط العقد المتدلي على صدرها وأخذ يلف العقد عليه ، ما جعلها تقترب منه إلى أن كادت تلتصق به وهو يقول : " إن آخر ما هو في حاجة إليه هو زيارةً من شخص مثلك "
دفعها التعب والقلق إلى أن ترد عليه بحدة " إن الرأي في هذا الأمر ، يعود إلى السيد لوغان"
أجاب مبتسماً ببرود " تماماً . ولكن السيد لوغان قد قرر طردك ."
" سأنتظر إلى أن أسمع هذا منه ، إن لم يكن لديك مانع ."
قال تاركاً العقد المتدلي واستدار لينصرف : " أنك في الانتظار على كل حال . " سمعت وقع خطوات خارج الغرفة ،توقفت عند الباب وما لبث أن سمعت صوت الطبيب المقيم الذي كان في استقبال عربة الإسعاف ساعة دخولها المستشفى ، يقول " أرى إنكما تعارفتما ." ثم أبتسم مشيراً إلى جراح يقف بجانبه : " أقدم إليك الدكتور فيلويس الذي أجرى العملية للسيد لوغان يا آنسة وورث وأظنك تريدين التحدث إليه مادمت كنت بمثل ذلك الحزن عندما أحضر الجريح إلى هنا ."
نظرت ميلودي إلى الجراح الذي كان يرتدي ثوب العمل الأخضر الذي يغطي جسمه كله ، وهو يبتسم لها مطمئناً وقد بان الإرهاق في عينيه .أذن من كان الرجل الآخر ذو النظرات العدائية الذي كان يوجه إليها الإدانة قبل دقائق ؟ واستدارت إليه تواجهه قائلة : " لم جعلتني أعتقد انك الطبيب المناوب ."
" أنا لم أفعل .أنت التي استنتجت ذلك ."
"أذن من أنت ، وبأي حق تخبرني أن أبقى بعيدةً عن السيد لوغان ."
أجاب " إنني جايمس لوغان أقرب الناس إليه ، مما يعطيني كل الحق في ذلك ، يا آنسة وورث ."
وتابع موجهاً حديثه إلى الطبيبين الواقفين " حيث أنني أعلمتها بحالة أبي أيها السيادة ،لا أظنكما بحاجة إلى إضاعة الوقت في تكرار ما سبق وأخبرتها به حيث أنها غريبة لا علاقة لها بالأمر سوى أنها شهدت الحادث ."
قال الجراح بلطف " لكنها بالرغم أنها غريبة، تشعر بالقلق العميق لحالته وربما تريد أن تسأل عن ذلك أليس كذلك يا آنسة وورث "
ترددت وهي ترى وجه جايمس لوغان العابس ، وتمنت لو كانت أكثر سيطرة على الموقف بدلاً من أن تشعر وكأنها مذنب أمام قاضي لا يرحم وقالت متلعثمة : " هل ..هل أستطيع رؤيته ؟ "
أجاب الجراح :" ليس هذه الليلة يا آنسة وورث ،إذ هو الآن شبه غائب عن الوعي فلا يستطيع تمييزك تعالي غداً بعد الظهر حيث يمكنه حينذاك أن يشعر بالسرور بمنظر شابة جميلة ."
دفعت ابتسامة الجراح العطوف، الدموع إلى عينيها وازدردت ريقها قائلة : " شكراً ، يا دكتور إنك في منتهى اللطف ."
ما أن خرج الطبيبان ، حتى قال لها جايمس لوغان :" لقد طلبت منك عدم البقاء هنا .عودي لحفلتك التنكرية تلك ، وكفى ادعاءً باهتمامك بحياة أبي أو موته."
تحولت ميلودي وقد شعرت بالإرهاق إلى أقرب كرسي فتهالكت عليه وهي تقول : " لقد انتهت الحفلة منذ أربع ساعات ." ونزعت العصابة من حول رأسها وهي تتابع : "حتى ولو لم تكن قد انتهت فليس في استطاعتي العودة إليها ."
وقف أمامها وأطفأ النور فوق رأسيهما ولكنها ما زالت تراه من خلال زجاج النافذة المبلل بالمطر بجانبها .وكان يبدو مثالاً للسخط والتذمر لم تتصور له مثيلاً .
تمتمت تحدث نفسها : " لم يكن من المفترض أن تنتهي بهذا الشكل . "
ابتسم لها بكره وقال : " هذا واضح .كيف حدث وارتكب أبي هذا الخطأ ، إذ تسبب في بعث الكآبة في تلك الحفلة طيلة المساء إنك ، دون شك خططت لتكوني نجمة الحفلة وذلك بأن تنشري ذكاءك وسحرك على جموع المعجبين بك ."
قالت معترضة : " كلا ليس الأمر كذلك ."
في الواقع كانت توقعت أن ترقص " الشارلستون " كما سبق وأخبرت روجر صاحب المتجر القريب منها ، ويستمر الضحك والموسيقى حتى ساعة متأخرة .ولكن رغبتها في أن ترى نجاح الحفلة الراقصة ، تحول إلى شيء أكثر عمقاً من ذلك العبث ، حسب قول جايمس لوغان ، وكانت نهاية كل تلك البهجة والإشراق ، في منتهى الخطورة وكان المهم في ذلك حقاً ، هو جمع مبلغ كاف من المال في سبيل تحويل الحلم إلى حقيقة .
كانت ميلودي تعشق الحياة ولم لا ؟ فهي لم تذق طعم الحاجة والفقر ،ولا فراق المحبين .كان يؤلمها أن ترى مظاهر اليأس في أعين المحيطين بها ممن كانوا أقل حظا منها في هذه الحياة وكانت تشعر بالذنب إذ ترى نفسها ثرية بينما هم فقراء .وهكذا أصبحت فكرة إنشاء مركز للعاطلين عن العمل يحوي مطعماً يقدم الحساء والقليل من المعونة لأولئك المتشردين دون هدف، هاجساً هو أقوى بكثير من أن يكون مجرد طموح .
ما الذي حققته بالنسبة لهذا الحلم ؟ لقد انتهى واحد من أولئك الذين كانت تأمل في أن تساعدهم ، انتهى في المستشفى في حالة أسوأ بكثير مما كان عليه .
عادت تقول بصوت متهدج " كلا ..إن كوني نجمة الحفلة ليس بذي أهمية على الإطلاق ."
قال محذراً : " قبل أن تنفجري بالبكاء ، يجب أن تعلمي أن عندي مناعة ضد دموع النساء لأي سبب كان ."

بعث إحساسها بالظلم لكلامه هذا في نفسها من النشاط أكثر مما لو أنه أبدى نحوها شيئاً من

العطف أو الاعتذار .
وقالت بحدة :" يبدو لي أن شخصاً ما ينبغي أن يظهر شيئاً من الحزن أو الأسى لحالة أبيك ، وبما أنه لا يبدو عليك أنك ذلك الشخص ، إذن لا بد أن أكون أنا هو ."
قال : " أنني لست مسئولا عن الحادث الذي تعرض أبي له ."
قالت : " وأنا كذلك لم أتعمد التسبب في الحادث حتى أنني لم أكن أقود الليموزين ولا راكبة فيها ! فكيف لي أن أعلم أن أباك كان متورطاً في شجار ليسقط أمام السيارة القادمة ؟ ثم لماذا في رأيك ، قد أحيط مجمع السكن ذاك بحاجز إذا لم يكن هذا لحفظ سلامة المشاة ؟ "
قال : " لا أدري . ولكن كوني واثقةً بأنني سأعرف الحقيقة .وحتى ذلك الحين ، إعتبري الموضوع مقفلاً .إذ ليس ثمة مجال في هذا المستشفى للصياح ، خاصة في منتصف الليل ."
تنفست نفساً عميقاً وهي تقول " معك حق ."
قال :" هكذا أنا عادة ." وخرج من الغرفة قبل أن تستطيع التفكير في رد مناسب .
لأنها لم يكن لديها خيار آخر ، فقد لحقت به. وقف في آخر القاعة ، منتظراً المصعد .وتمنت لو يصل إليه ليبتلعه قبل وصولها ، ولكنها اضطرت لأن تنزل معه محتملةً صمته مسافة الطوابق الستة إلى ردهة المستشفى .
كانت الأحياء والشوارع خالية في ذلك الوقت من الليل ، وسرعان ما أدركت ميلودي أنها في خلال الفوضى التي نشأت عن حادث الاصطدام وإحضار سيث لوغان إلى المستشفى ،جاءت هي دون معطفها أو حقيبة يدها لدفع أجرة السيارة .
لم يكن أمام جايمس لوغان أية عقبة من هذا النوع ، فسار دون اكتراث تحت المطر إلى حافة الرصيف ، ثم وضع إصبعين في فمه مطلقاً صفيراً عالياً ، وسرعان ما توقفت سيارة أجرة أمامه . مشى إلى الباب الخلفي ، وكان على وشك فتحه للصعود ، عندما التفت إلى ميلودي التي كانت تقف في مدخل المستشفى وهي ترتعش من البرد .وقال لها بلهجة ساخرة : " أظنك تتوقعين مني أن أكون ذلك السيد المهذب الذي يدعوك إلى الصعود قبله ؟ "
لو كان سبق وأراها أقل إشارة تدل على الشهامة فيه ، لاستجابت له دون اكتراث ، ولكنها أجابته ، وقد أنفت أن تتحمل جميلاً منه : " من المستحيل أن أتوقع المعجزات يا سيد لوغان من مصدر مثلك ، ولهذا يمكنك أن تستقل السيارة وحدك وتذهب في طريقك ."
في الواقع فقد تردد لدقيقة وكأنه يفكر ثم ما لبث أن قال : " ولكن من حسن حظك يا آنسة وورث ، أن ثمة عرقاً من الشهامة في نفسي يمنعني من ترك امرأة تائهة في الشوارع المظلمة تحت المطر . "
وأشار إلى باب السيارة المفتوحة وهو يتابع : " هيا تفضلي إلى السيارة ، وسأنتظر أنا أخرى ."
عندما لم تستجب له ، رفع حاجبيه بنفاذ صبر وهو يقول : " حسناً ، أتريدينها أم لا ."
لم يكن ثمة خيار أمامها وإلا توجب عليها أن تمضي بقية الليل فوق مقعد خشبي في قاعة الانتظار ، فقالت : " لا احمل أجرة سيارة ."
قال : " لا بأس ، دعي ذلك لي ."
قالت :" يمكننا المشاركة بركوبها .إذا لم يكن لديك مانع من توصيلي أنا أولاً ، فإن ذلك سيوفر لك وقتك ونقودك ."
قال : " أن هذا أول رأي ذكي أسمعه منك هذه الليلة .والآن ، أدخلي قبل أن يغرقنا المطر نحن الاثنين ."
سأل السائق : " إلى أين ؟ "
أجابت ميلودي : " القصر الحجري القديم في تله القلعة ."
ردد جايمس بدهشة مبطنة بالتهكم : " قصر ؟ إن السيدة تعيش في قصر ، ومع ذلك لا تملك أجرة سيارة توصلها إلى منزلها ."
قالت : " لقد تركت حقيبة يدي في الحفلة .ولكنني سأسدد لك هذا القرض في أول فرصة ."


قال : " لا تظني أنني غير عازم على استرداد ذلك ."
قالت : " ولمعلوماتك الخاصة ، فقد استحال ذلك القصر مجمعاً يحوي شققاً سكنية منذ أكثر من عشرين عاماً ."
همهم بعدم اكتراث وهو يستقر في مقعده الخلفي محاولا ً أن يتمطى باسطاً أطرافه لمزيد من الراحة جعلها تنكمش في مقعدها قدر استطاعتها ، مستمتعة بفيض الدفء الذي ينبعث منه ، وكان الهواء يحمل رائحة البحر والضباب ممزوجاً برائحة عطرها .
رأته يراقبها أثناء مرورها تحت أنوار الشارع .قال وهو يلمس طرف ثوبها بأصبعه فيرسل إلى ركبتيها فيضاً من الدفء : " لماذا ترتدين هذا الثوب السخيف ؟ إنه يبدو من طراز الثياب التي نرها في أفلام آل كابوني في أفلام العشرينات من هذا القرن ."
أجابت : " أظنك تعلم أننا كنا نقيم حفلة تنكرية في آلي ."
قال : " أتعنين ذلك الزقاق الخلفي حيث تلقى في أرجائه العلب الفارغة ؟ "
أجابت :" أعني حي كاتس آلي ولابد أنك سمعت به ، إن أي شخص يريد شيئاً معيناً ، يأتي إلى متاجر آلي ."
قال ساخراً :" متاجر ؟! وماذا كان أبي يفعل بين المتاجر ؟ إن هذه الكلمة نفسها غريبة عن استعمالاته ."
شعرت ميلودي بعدم الارتياح لكلامه ، فقد كانت تفترض أن جايمس كان يعلم القصة الكاملة لما حدث هذا المساء ،إن لم يكن من الشرطة ، فمن موظفي المستشفى .وتمنت لو كانوا قد أخبروه .وإزاء ما أظهره نحوها من عداء ، لم تجد في نفسها ما يدفعها إلى تبرير الأسباب التي أدت إلى القيام بهذه الحفلة المرحة الباهظة التكاليف . وقالت : " ...شاء حظه أن يكون في المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب ." ولكن شيئاً في صوتها نم عن خيبة أملها .
استقام في جلسته وهو يحدق فيها قائلاً :" لماذا اشعر بأن ثمة شيئاً بيننا أكثر من مجرد تبادل النظرات ؟ ما الذي لم تخبريني به ، يا آنسة ميلودي عن القصر ؟ "
قالت متجاهلة تهكمه :" حسناً ، لم أظن أن ثمة شيئاً هناك ينبغي قوله .إن كل المدينة تعرف بخبر الحفلة الراقصة التي رجونا أن نجمع من ورائها مالاً كافياً لإنشاء..."
لاذت بالصمت وهي لا تعرف كيف تتابع حديثها ، واختلست نظرة إلى جايمس لوغان .كان معطفه الواقي من المطر مبطناً بصوف الغنم . وحذاؤه من الجلد الإيطالي .أي نوع من الأبناء هذا الذي يسمح بأن يطوف والده الشوارع دون معطف شتوي مناسب ؟
قال جايمس لوغان بلطف :" ما الذي كنتم ترجونه من وراء المال هذا ؟ "
أجابت : " الإحسان ." وعجبت لماذا شعرت إزاء النظرة التي ألقاها عليها وكأنها نطقت بكلمة قذرة .
عاد وسألها : " أي نوع من الإحسان ؟ "
أدت إشارة بيدها قائلة : " أوه بالنسبة للناس . "
قال متسائلاً : " الناس ؟ "
قالت : " لا أظنك تعيش في مدينة بورت ارمسترونغ هذه يا سيد لوغان ؟ "
قالت ذلك وقد عزمت على أن تقابل تهجمه بمثله .إنها لم تقم بعمل تخجل منه على كل حال .واستطردت تقول : " وإلا لعرفت أن هناك بعض الناس في المدينة هم ...."
قاطعها :" من الفقراء . "
قالت بحذر : " ليس تماماً .إذ أن وصفنا لهم بأنهم دون أمل أو طموح ، هو الأصح .ووالدك هو واحد منهم ."
قال : " وهكذا أخذتم على عاتقكم أن تجعلوا حياتهم أفضل . أليس كذلك ؟ "
لم تعجبها لهجته كما كرهت نظرته الجافة التي رمقها بها ، والازدراء الذي بدا عليه ، وقالت متحدية : " نعم ، لقد فعلنا ذلك ."
لاحت على شفتيه ابتسامة سخرية وتهكم وهو يقول : " حسن جداً أن تسمح لك ظروفك بالتدخل في شؤون الآخرين "
أبطأت السيارة لدى صعود تله القلعة ، وما لبثت أن استدارت لتقف أمام المدخل .

قالت ميلودي بفزع : " ليس تماماً كما تقول ، وعلي أن أصف لك طبيعة أعمـالي الآن ."
قال : " ولمَ هذا ، يا آنسة وورث ؟ "
نظرت إلـى البناء الحجري الذي يواجهها ، بنوافذه المعتمة وبابه الأمامي المصنوع من خشب السنديان بسماكة خمسة سنتمترات . وكان الضوء الوحيد هناك ينبعث من مصباح موضوع في صندوق زجاجي يتدلـى من العتبة العليا للباب .
وقالت بصوت ضعيف : " إن المفتاح ليس معي لكي أدخل . "
حدق جايمس فيها قائلاً : " أليـس لديك جيران ؟ "
هزت رأسها قائلة :" المرأة العجوز التي تسكن فوقي تمضي عطلة الأسبوع مع أبنتها المتزوجة . والزوجان في الطابق الثالث يمضيان عطلة في تاهيتي . "
قال : " ألم يخطر لك قط أن تحتفظي بمفتاح إضافي في مكان سري في حالة حدوث شيء لك ؟ " قالت : " لقد خطر ذلك في بالي ، في الواقع . فهناك مفتاح تحت إناء الزهور على شرفتي ."
قال دون أن يبدو على وجهه أي تعبير : " وطبعاً ، شرفتك تعلو ستة أقدام عن الأرض . "
قالت معترفة : " في الحقيقة عشرة أقدام . "
قال : " وهذا يعني أن أرفعك إلى حافة الشرفة . "
قالت : " ليس أمامنا خيار إذا لم يكن عندك حل آخر . "
قال ببطء : " مثل ماذا ؟ أن أعرض عليك مشاركتي غرفتي كما شاركتني السيارة ؟ "
تضرج وجهها وهي تقول : " إنني لست إلى هذه الدرجة من اليأس . "
قال: " ولا أنا. " ولكن كذبه ظهر إذ انه مد يده بوقاحة إلى ساقيها ثم رفع قدمها ووضعها في حضنه.
أول ما تبادر إلى ذهنها ، بالغريزة ، هو أن تعبر عن غضبها لهذا العمل المشين .
قال متمتماً : " أظنني سأخلع هذين . "
قالت وهي تتنفس بصعوبة : " أتعني جوربي ؟ "
قال : " اهدئي يا آنسة وورث ، فأنا اعني حذاءك . " وأخذ يفك شريط الحذاء واستطرد : " لا تجزعي ، إن عفتك مصانة تماماً إذ أنك لست من النوع الذي يستهويني . "
ردت عليه بحدة : " شكراً لذلك . "
قال : " ثم أنا لا أثق بك . تباً ! إنك قد تغرسين كعب حذاءك في رأسي. "
في الواقع ، أعجبتها هذه الفكرة تماماً ، ولكن قرأ أفكارها ، نظر إليها محذراً وهو يتابع قوله " : لم يفت الوقت بعد ، أستطيع أن أتركك أمام البيت وأمضي . أتريدين إيذائي يا سيدتي ؟ "
قالت : " سأمشي حافية ولكن ليس بعيداً ."
قال : " إذن دعينا نقوم بهذا الاستعراض في الطريق . إنني مستيقظ مع الفجر وأريد أن أنال عدة ساعات نوم. "
فتح باب السيارة خارجاً منها ، ثم عاد يساعدها على النزول وهو يقول آمراً : " هيا أريني الطريق . "
غاص كعبا ميلودي في الأرض المبتلة تحت شرفتها .
كما شعر جايمس بالاستياء وهو يرى الوحل يلطخ جلد حذاءه الفاخر . وتمتم وهو يحاول أن يتحاشى أغصان الشجيرات المتدلية حوله: " كان عليّ أن أستجيب لغريزتي فأترك المداولة معك إلى الغد. "
لم يكن هو وحده المتعب، فقد كان هذا اليوم طويلاً حافلاً بالنسبة إليها هي أيضاً. وقالت بحدة :" كفى تذمراً . لو كان الذي في المستشفى هو أبي ، لكان تركيزي واهتمامي بذلك أكثر مما يبدو عليك نحو أبيك ، بدلاً من أن أشعر بالأسف نحو نفسي . وتلك هي شرفتي فوق رأسك تماماً . " قالت ذلك في الوقت الذي انهالت دفقت من مياه مزراب الشرفة على ظهره لتنساب داخل ياقته من الخلف إلى ظهره .

زمجر وهو يحني قامته ليجلس القرفصاء قائلاً: " هذا فظيـع. والآن هيا، اصعدي علـى ركبتي إلى كتفي، ولا تنسي أن تخلعي حذاءك اللعين. "
أطاعت بشبه ابتسامة شاعرة بالسرور إذ تضع قدميها الموحلتين تماماً على معطفه الثمين المبطن بفرو الغنم.
إنها لن تستغرب إذا هو أرسل إليها قائمة بأجرة تنظيف المعطف بالإضافة إلى أجرة السيارة.
ولكنه يستحق ذلك لما سببه من مضايقات . وسرعان ما انتصب واقفاً دون مجهود وكأنها لم تتسلق كتفيه ، ممسكاً بيده القويتين اللتين سبق وأعجبت بهما ، لكي يساعدها على الصعود لتتمسك بحافة شرفتها ثم تعلو فوقه لتقفز وسط كومة من أوراق الشجر التي حملتها الرياح إلى الشرفة متبوعة مباشرة بحذائها الذي رماه خلفها .
ناداها قائلاً:" أرجو أن يكون المفتاح الموجود عندك هو نفس مفتاح الشرفة إلى الداخل لأنني لن أقدم لك خدمة أخرى في إنزالك من الشرفة، هناك دالية متسلقة على الجدار يمكن أن تشكل لك سلماً رائعاً تنزلين عليه إذا لزم الأمر. "
بينما كانت تفتش بين أصص الأزهار بسرعة، كان ذلك الفارس الشهم بالإكراه يصعد إلى المقعد الخلفي من السيارة ثم يصفق الباب خلفه .
انتظر إلى أن استدار السائق بالسيارة حول أول منعطف ، فنقر على الزجاج الفاصل بينه وبين السائق يطلب إليه التوقف برهة ، ثم استدار في مقعده ناظراً ناحية المنزل إلى أن رأى ضوءاً يلوح من أحدى النوافذ خلف الأشجار .
وتنفس عندئذ الصعداء على أنها وصلت أخيراً دون مشكلات أخرى. وتمتم قائلاً :" تباً لها من امرأة مزعجة ."
نظر إليه السائق من مرآة السيارة وهو يقول باسماً :" لقد التصقت بجلدك هذه السيدة ."
أجاب: " تماماً كالقراد تحت سرج الفرس. "
قال السائق: " لا أظنك ستراها بعد الآن. " وتمنى جايمس لو كان الأمر صحيحاً . ذلك أن عنده أماكن أخرى ليذهب إليها وكذلك مشكلات أخرى عليه مجابهتها بدلاً مما يواجهه الآن . وعنده عدد من الأشخاص عليه أن يتعامل معهم بدلاً من سيث ، الرجل العنيد السيئ الطبع ولا أحد يعلم كيف سيكون وضعه إذ سيستلقي شهوراً في السرير . ولكنهما ما زالا أباً وأبنه ، سواء شاءا ذلك أم لا . وكان من الواجب على جايمس أن يعود إلى المستشفى ليتأكد من أن أباه في غاية الراحة والعناية به تامة .
لكن هذا يعني اتصاله مرة أخرى بميلودي وورث المتورطة في ذلك الحادث ، ومعاودة شهر السلاح بينهما .
سأله السائق: " إلى أين المسير الآن يا سيدي ؟ "
كان جايمس يعتزم الذهاب إلى الكوخ ، ولكنه هز كتفيه...كلا ، ليس هذه الليلة ...لم يحن الوقت بعد. فهو ليس منزله ولم يكن كذلك قط . وسأل السائق: " ماهو أفضل فندق في المدينة؟ "
أجاب السائق: " البعض يقول إنه فندق " الأمبا سادور " ولكن في رأيي أن فندق " بلا روز " الأفضل أنه أكثر هدوءاً "
قال جايمس: " خذني إليه إذن . ولا أظنني سألاقي صعوبة في الحصول على غرفة في هذا الوقت من السنة. "
إنه في حاجة لهذه الليلة ، أو لما بقي منها ، في حاجة إلى " دوش " حار ، وشراب ساخن ، ثم فراش مريح ، وغداً يزور والده ثم يجول في المدينة يعيد التعرف عليها بعد أن تغيرت في السنوات الأخيرة ، التي كان غائباً فيها بحيث صعب عليه تمييز بعض معالمها القديمة . ويوم الاثنين كان عليه أن يبحث في شأن والده وكيف وقع ذلك الحادث بالضبط ، كما عليه أن يتعامل مع تلك السيدة مرة أخرى .

الفصـل الثـانـي
________________________________________

كان سيث لوغان نائماً عندما دخلت ميلودي على أطراف أصابعها ، في عصر اليوم التالي . كان رجلاً وسيماً ، وكانت الكبرياء ما تزال تكسو ملامحه رغم الرضوض التي كانت تلون صدغيه . كان فمه صارماً وذقنه يوحي بالعناد وشعر حاجبيه متناثراً ، ومع أنها كانت تعلم أنه مازال في أوائل الستينات من عمره، فقد بدا عليه الكبر والتعب وكأنه عاش حياة شاقة مجهدة .
وضعت إناء يحوي زهوراً، وسلة فاكهة على المنضدة إلى جانب سريره بحذر. وكانت خائفة من أن يصرّ جايمس لوغان على رأيه في منعها من زيارة والده ، ولكن ما كان لها أن تقلق لذلك ، إذ لم يكن ثمة زهور أو بطاقات عدا ما أحضرته هي ، كما أنه لم يكن ثمة زائرون. لا شيء مطلقاً يدل على أن سيث له ولد أو أصدقاء .
سحبت كرسياً وجلست عليه إلى جانب السرير بهدوء. وبقيت لحظة تراقب قطرات المحلول المنسابة خلال أنبوب في وريد سيث، والقفص الذي يحمي ساقه المصابة التي كانت مضمدة ومشدودة إلى حافة السرير .
ضايقها الصمت ، وتمنت لو أنه يصحو لكي تطمئن بنفسها إلى استطاعته تمييز ما حوله ، ولكنها في نفس الوقت كانت متوجسة إذ لم تكن تتوقع ترحيباً وبشاشة منه عندما يعرف من هي وماذا تمثل .
فاجأها صوت متعب من خلفها يقول: "ألا تكفين عن حركاتك المزعجة يا فتاة ؟ اتركيها كما هي. "
استدارت فزعة لتجد عيني سيث الكليلتين تحدقان بها وقالت: " لقد ظننتك نائماً يا سيد لوغان. "
قال: " وكذلك ظننت أنا أيضاً ، إلى أن جئت أنت تعكرين عليّ راحتي .ما الذي تفعلينه هنا على كل حال ؟ إنك لست ممرضة. "
عادت إلى قرب سريره قائلة: " إنك لا تعرفني يا سيد لوغان ولكنني جئت معك إلى المستشفى الليلة الماضية. كنت هناك حيث حصل لك ذلك الحادث . كيف حالك الآن. "
أجاب باختصار: " ماذا تتوقعين أن يشعر رجل مرت على جسده سيارة؟ "
قالت: " هل أستدعي لك ممرضة. "
قال: "كلا ، إلا إذا رأيتني أموت . أنني لا أثق بالمرأة التـي يسرها أن تغرس إبرة في جسدي. "
قالت: " ولكن إذا كنت تشعر بالألم يا سيد لوغان. "
قال: "أنني أشعر بالألم يا فتاة خصوصاً لرقادي هكذا على ظهري مما يسبب لي الصداع، وإحدى قدمي معلقة في الجو بعكس ما يجب أن تكون، وأنت لماذا لا تكفين عن مناداتي بالسيد لوغان؟ "
أوه لا بد أنه سيشفى هذا الرجل إذ هو يملك هذه الإرادة التي تماثل بقوتها إرادة ابنه وسألته: " بأي أسم تريدني أن أناديك إذن؟ "
قال يلمس الكدمة على صدغه: " عن أسمي سيث ، والوحيدون الذين ينادون شخصاً من العامة مثلي بلقب (سيد ) هم رجال الشرطة، والسياسيون والأطباء ، وأنا لا أثق بأي منهم. فإذا كنت أنت واحدة من هؤلاء فاخرجي من هذا الباب واتركيني أتعفن وأموت بسلام. "
قالت: " إنني ميلودي وورث ، وعندي متجر في جوارك، وأنا هنا لأنني أشعر بنفسي مسئولة جزئياً عما حدث لك الليلة الماضية ، وأنا لا أريد منك أن تطردني ، فلا تحاول ذلك.
"
قال وهو ينظر إليها بحدة: " هل أنت واحدة من أولئك الذين أقاموا تلك الحفلة التنكرية ؟ لقد خيبت أملي يا فتاة إذ لا يبدو عليك أنك من ذلك النوع. "
تجاوزت ملاحظته الأخيرة وهي تقول: " إن الجميع قد شعروا بالأسى لما أصابك يا سيث . " وانحنت عليه تضيف وسادة أخرى تحت رأسه ، وهي تستطرد " إن آخر ما أراده أحد منا أو توقعه هو أن يحدث شيء كالذي حدث لك . ولكن لا تقلق إذ أن أحد أسباب وجودي هنا لأطمئنك إلى أنني سأهتم بكل شيء بالنسبة إليك. "

سألها صوت: " كيف؟ أبتسوية الوسادة تحت رأسه حتى لا يدينك بمسؤولية ما حدث له؟ "
قال سيث بأسى: " الرحمة. أنظري من أتى صدفة. تريدين شخصاً تنادينه بسيد لوغان يا فتاتي ميلودي هاهو ذا أمامك . "
كان جايمس مستندا إلى الباب ومعطف المطر على كتفه . كان حديث الحلاقة منظم الشعر، وبدا في ضوء النهار أكثر وسامة مما ظهر لها الليلة الماضية "
قال لأبيه دون أن يبدو عليه التأثر للاستقبال الذي بادره هذا به: " كيف حالك يا سيث "
" أنني ملقى كما تراني بساق مهشمة ورأس مصدوع. "
قال جايمس وهو يتجه إلى مؤخرة السرير وقد لاحت على جانبي فمه شبه ابتسامة: " أنك على الدوام مصدوع الرأس. "
سأله سيث بصرامة: " نعم ... ولماذا جئت؟ "
أجابه جايمس: " لأنني ما زلت ابنك بصرف النظر عن مدى أسف كل منا لهذا الواقع . ذلك أنني عندما أتلقى خبراً هاتفياً بأن والدي وقع له حادث فأنني مضطر إلى الحضور.
قال سيث بغضب: " أتعرف ما الذي تفعله باضطرارك هذا يا ولدي يمكنك أن ...."
قاطعه جايمس بضجر: " سيث ، اصمت قبل أن تصيبك أزمة قلبيه تسبب لنا نحن الاثنين إزعاجاً بالغاً . "
لم تستطع ميلودي التي أفزعها تبادل مثل هذا الكلام بين الرجلين ، الاحتمال أكثر من ذلك. فقالت موجهة حديثها إلى جايمس: " يجب أن تخجل من نفسك . فقد عانى والدك بما فيه الكفاية في هذا السرير في الأربعة وعشرين ساعة الأخيرة حتى تأتي الآن وتتحدث إليه بهذه اللهجة. وبالنسبة إليك أنت..." وهزت أصبعها نحو سيث. " الحق معه . إن استمرارك في التذمر يزيد من مرضك. "
تمتم سيث وهو يرمق ابنه بنظرة غاضبة: " هذا مستحيل. "
قالت لجايمس بصوت منخفض: " أظن أنه من الأفضل أن تترك المكان. "
نظر إليها يتأملها في ثوبها الجلدي الأخضر الذي ترتديه وفي حقيبة يدها وحذائها الثمين. وقال ببطء وبلهجة ساخرة: " وأنت؟"
قالت: " إن وجودك يغضبه . أنظر إلى وجهه المتوهج انفعالاً . لا أظن أن في استطاعته احتمال وجود الزائرين."
قال بسخرية:" وكـيف حصلت على درجتك في الطب؟ هل ذلك بجمعك كوبونات من مجلات الأزياء؟ "
قالت :" إنني أتوخى مصلحة أبيك. "
" ليس عندك فكرة عن مصلحة والدي. وأنا لم أجتز نصف القارة الأوربية لكي أتلقى الأوامر من امرأة غريبة غير مؤهلة لذلك. "
قالت بحدة: " وأنت بالتأكيد لم يحضرك إلى هنا اهتمامك الزائد كذلك ، ومن الواضح أن حضورك إلى هنا كان رغماً عنك كما أنه من الواضح أن سرور سيث برؤيتك ليس بأكثر من سرورك برؤيته. "
قال: " شكراً لكلماتك اللطيفة هذه. "
بدت في عيني جايمس نظرة قد تكون تعبيراً عن الألم رغم صوته الهادئ . ولاحظت ميلودي بعد فوات الأوان أنها قد تكون مست شعوره، وفتحت فمها لتعتذر ولكنه منعها قائلاُ وقد أنتابه غضب مفاجئ طغى على أي شعور آخر فيه: " لا أريد اعتذاراً إذ لا مكان لك أو لعواطفك هنا. والأفضل أن تخرجي قبل أن أفقد أعصابي وألقي بك خارجاً. "
كانت تدرك أنه لا يطلق تهديه عبثاً . فكتبت رقم هاتفها في العمل على بطاقتها ووضعته في سلة الفاكهة التي أحضرتها لأبيه وهي تقول: " إذا كان ثمة شيء يمكنني أن أقوم به لتيسير إقامتك في المستشفى يا سيث فخابرني وسأعود إليك. "
أمسك جايمس بمعصمها يدفعها نحو الباب قائلاً: " يمكنك أن تتركي بكل اطمئنان أمر العناية بأبي بين يدي ، يا آنسة وورث."

تمتمت: " هل فكرت في تكاليف العلاج؟ "وأخذت تجاهد في تخليص معصمها من قبضته دون جدوى وهي تتابع قائلة:" ربما شركة التأمين ترفض أن..."
بدا على وجهه شبه ابتسامة خففت من مظاهر الغضب وهو يدفعها عبر الباب المفتوح إلى الخارج قائلاً: " أنني أكبر منك بسنوات. "
كادا يصطدمان بممرضة تحمل صينية عليها أدوات الحقن قالت الممرضة آمرةً: " ليبق الزائرون خارج غرف المرضى لبرهة قصيرة من فضلكم. " ثم دخلت غرفة سيث قائلة بمرح: " كيف حالك اليوم يا سيد لوغان؟ "
سمعته ميلودي يجيب الممرضة قائلاً: " بأفضل حال. شكراً .ويمكنك أن تغرزي تلك الإبرة في جانبك أنت لأنني لن اسمح لك بالاقتراب مني مطلقاً. "
غطى شعور المرح على انزعاج ميلودي لتنفجر منها ضحكة لم تستطع كتمها .
قال جايمس عابساً: " أنني مسرور لروحك المرحة هذه ، وآمل أن لا تفقديها في الأيام القليلة القادمة. "
أجابت : " ولماذا أفقدها؟ إن والدك في طريق الشفاء والشمس ستعود إلى الإشراق...ماذا أيضاً؟ آه حسناً لقد وجدت معطفي وحقيبة يدي حيث كنت وضعتها الليلة الماضية، وهذا ما جدد إيماني بنزاهة الناس وأيضاً ذكرني... ثم فتحت حقيبة يدها وأخرجت ورقة مالية ووضعتها في الجيب العلوي لسترته وهي تستطرد قائلة:" وهذه هي أجرة السيارة التي أدين بها لك. "
نظر جايمس إلى يدها وقد ظهر على ملامحه نفس التعبير كما لو كانت حشرة مقيتة تدب فوق صدره . بينما لم تحاول هي أن تكبح قهقهة عالية.
لكن نظرته الباردة عادت إلى عينيه وهو ينظر إلى وجهها متوعداً: " سنرى لمن ستكون الضحكة الأخيرة."
لم تشأ أن تظهر له مبلغ شعورها بالإحباط لكلمته تلك، بل نظرت إليه مبتسمة بكل عذوبة وهي تقول:" حاول أن تشعر بالسرور أحياناً يا سيد لوغان ستدهش عند ذاك من مقدار التحسن الذي ستشعر به ، وكيف سيتجاوب العالم معك. ( أضحك تضحك لك الدنيا ) كما يقول المثل. "
لم تكن هذه كلمات فارغة . لقد كانت ميلودي قوية العقيدة بها. وصلت إلى حي كاتس آلي صباح الاثنين لتجد إن هذه الكلمات تبدو فارغة تافهة .
كان أصحاب المتاجر الأخرى في انتظارها في الساحة . أريادن ، كلو ، إميل ، جستين وروجر تشانكوسكي. وكان واضحاً من ملامحهم أن ثمة مشكلات كثيرة .
قالت كلو التي تملك متجراً لملابس النساء: " إنك وصلت في الوقت المناسب ، ذلك إننا في مشكلة كبرى . "
" إن الصحافيين على أعتاب المتاجر منذ الساعة الثامنة . أنهم يبالغون في ما حدث ليلة السبت ، يا ميلودي. " كانت لهجة إميل وهو يقول ذلك أكثر وضوحاً من العادة .
قال روجر: " إنهم يريدون بياناً بما حدث . إنهم يطرحون أسئلة غريبة جداً . ولكننا قررنا ألاّ ندلي بأي جواب قبل حضورك. كيف حال الرجل العجوز؟ هل سيموت. "
قالت كلو: " إن آخر ما نرغب فيه هو أن نرى أسماءنا تملأ الصفيحة الأولى من صحيفة (مواطن بورت آرمسترونغ) ويمكنني تصور ما قد يكتبون: (موت تحت عجلات الليموزين احتفال للاحسان) . إن هذا يسيء إلى أعمالنا أليس كذلك؟ "
قالت ميلودي: " قد يسرك أن تعلمي أن سيث لوغان يسير في طريق الشفاء يا كلو وبالنسبة للصحافيين ادعيهم إلى الدخول وأعطيهم البيان بما حدث ، إ ذ ليس لدينا ما نخفيه. "
قال إميل بلطف: " ربما من الأفضل أن تتحدثي إليهم بنفسك يا عزيزتي فقد كانت حفلة الرقص التنكرية هي فكرتك على كل حال. "ومر بيده على شعره الفضي مبتسماً وهو يستطرد: " كما أنك مخلصة إلى درجة رائعة. "
قال روجر يحذره: " حسناً لا تفسد الأمور . إننا لا نريد أن ننتهي من هذا الأمر بفضيحة ، وإنما بروائح الورد. "
تثاءبت أريادن وهي تدير عينيها اليونانيتين الخلابتين قائلة: " كل هذه الضوضاء لمسألة تافهة . وابتسمت لتشانكوسكي بإغراء وهي تتابع قائلة: " بماذا يمكنهم إن يضروني؟ إنني أسألك؟ لقد بعت قبل عيد الميلاد ، فراءً كافياً للأغنياء، ذلك أن الأزواج الجاحدين أرادوا أن يخففوا من شعورهم بالذنب، ولم يعد مهماً إن لم أبع شيئاً حتى الشتاء القادم. "
لما رأت ميلودي نظرة الشك في عيني أنّا زوجة تشانكوسكي، ودت لو تخنق أريادن وكان تشانكوسكي وزوجته قد جاءاً إلى شمال أمريكا كلاجئين من بولونيا منذ اثنتي عشرة سنة ، وكافحا في سبيل نجاح تجارتهما في الشوكولا وكانت ميلودي واثقة من أن أياً منهما لا يرغب في علاقة خارج نطاق الزوجية.
قالت ميلودي تذكر أريادن :"لسنا جميعاً محظوظين مثلك. ذلك أن البعض منا في حاجة إلى زبائن لكي يدفع إيجار منزله.
قال روجر بحدة: " جدال عقيم فلنقرر أفضل طريقة للتخلص من المشكلة التي تنتظرنا هناك لكي نعود إلى أعمالنا . "
تركت معطفها الصغير وحقيبة يدها في المخزن الصغير الملحق بمتجرها ثم سوت من مظهرها أمام المرآة لتستدير بعد ذلك متجهة نحو زملائها الذين كانوا يقفون كالحراس امام بوابة القصر على استعداد لمجابهة الغزاة .
منتديات ليلاس
سألتهم: " مما تخافون ؟ أن أولئك الصحفيين الذين ينتظرون مقابلتنا هم أنفسهم الذين أسهبوا في مدحنا لمشروع الحفلة الخيرية مما جعل كل التذاكر تباع خلال شهر واحد فكونهم هنا الآن في انتظار أية أخبار جديدة هو شيء طبيعي جداً."
تنهدت كلو قائلة : " أنهم صيادون يتشممون الأثر ، ونحن الفريسة."
لسوء الحظ كانت محقة في قولها كما اكتشفت ميلودي في ما بعد فقد أنضم إلى الصحفيين عدد لا بأس به من الناس وكان الجو عموماً غير ودي وما كان معدوداً في الأسبوع الماضي عملاً مشكوراً لمساعدة الناس تحول الآن إلى حرب عصابات ضد المساكين والمتفجرين بكل براءة . وتغيرت النظرة إلى أصحاب المتاجر الآن الذين سعوا لإقامة تلك الحفلة الخيرية فأصبحوا الذين يمثلون الطمع والكراهية نحو المعوزين سيئي الحظ الذين ذنبهم الوحيد الفقر الذي لحق تبعاً لظروف ليست بيدهم.
بدأ أحد الصحفيين: " لقد ساءت سمعة سيث لوغان بين جيرانه كما أنه قد لا يستطيع السير على قدميه مرة أخرى ، هل هذه هي فكرتك في السعي لمساعدة المحتاجين الذين يعيش أكثرهم في هذا الحي قبل أن تقرري فتح سوق تجاري فيه؟ "
قالت ميلودي: " كلا طبعاً والحادث الذي تعرض له السيد سيث لوغان كان صدفة وجميعنا شعر بالأسف لذلك. "
قال صحفي آخر: " هل صحيح أنك وصفت سيث لوغان وأمثاله بأنهم غير مرغوب فيهم. "
نظرت ميلودي بفزع إلى زملائها أصحاب المتاجر . كانت تعلم أن روجر هو الذي ألقى بهذه الجملة المبتذلة وقالت بحزم: " أنني لم أستعمل قط هذه الجملة."
بلغت مسامعها تمتمة من عدم التصديق وجاءها صوت يقول متحدياً: " مع أنك لا ترغبين في رؤيتنا في هذا المكان بل أنك تريديننا أن نبتعد قدر الإمكان عن متاجرك الصغيرة."
ترددت وهي تنظر إلى زملائها مستنجدة فقد كانت تريد إنكار ذلك من كل قلبها ولكن لم يتقدم أحد من زملائها لنجدتها برز رأس رجل يتجاوز طوله المجتمعين حتى كاد يصطدم بالمصباح المتدلي في مدخل السوق الصغير إنه جايمس لوغان.
كما لو كان يملك سلطة ما، أفسح له الجمع الطريق ليتقدم إلى الأمام ثم عادوا فتجمعوا حوله بنية مساندته في ما قد يقول ولم يطل انتظارهم .
قال مستفزاً: " حسناً إننا في انتظار جوابك يا آنسة وورث ما هو شعورك نحو الناس غير المرغوب فيهم في منطقتك؟"

قالت: " إنني لم أطرد أحداً قط من متجري. "

عاد يسأل: " ولكن هل أولئك غير المرغوب فيهم يلقون نفس الترحيب الذي يلقاه زبائنك الأثرياء. "
أجابت: " لقد أوضحت منذ لحظات أن تعبير غير مرغوب فيهم ، لم أستعمله قط يا سيد لوغان كما أ.".......
قاطعها: " ولكنك لم تديني الذي أستعمل هذا التعبير. "
رمقها روجر و كلو و أريادن بنظراتهم من ناحية بينما رمقها جايمس لوغان من الناحية الأخرى.
تلعثمت وهي تقول: " نعم...كلا! "
قال بلهجة هادئة تنذر بالشر: " ما معنى هذا يا آنسة وورث؟ استقري على جواب. "
قالت: " إنني لم أستسيغ هذه الصفة لأنها غير لائقة وبعيدة عن مشاعر الخير والإحسان. "
اعتدلت في وقفتها وهي تقول ذلك إذ لم يكن ثمة فائدة من خداع الناس. لكن ملامحه بقيت على صفاقتها وقد أدركت أنه أوقعها في شركه الشيطاني. "
يا له من ماكر بساقيه الطويلتين المكسوتين بالصوف الناعم وكتفيه الرائعتين في الجاكتة الثقيلة وقد وضع يديه في جيبي سرواله وبدا عليه وكأنه يملك الأرض وما عليها. وبدا على أدريادن وكأنما أخذت به .
حاولت ميلودي جهدها أن لا تدع مظهره هذا يخيفها وذلك بأن تأتي بخاتمة طيبة لهذه المواجهة التعسة بقولها: " بالرغم من كراهيتي الشخصية لهذا التعبير فإنني لا أجد نفسي ملزمة بالتصرف كما يتصرف الآخرون ضميرياً، كما أنني أرفض اعتباري مسئولة عن الملاحظات الحمقاء التي يدلون بها . أن اهتمامي الوحيد توخي العدالة نحو أولئك الذين يفتقدون الاحترام والمعاملة الإنسانية من الآخرين كما يستقون. " نظرت إلى جايمس وتابعت : " وأظن أن الجميع يعلمون من أعني بكلامي هذا دون أن يضطروا إلى اللجوء إلى ذكر الأسماء بما لا يليق."
لكنها لم تستطع أن تنجو بنفسها بهذه السهولة. إذ أن جايمس لوغان أصر على القول: " هل يمكننا أن نستنتج إذن من كلامك هذا أن النساء والرجال الذين عاشوا وعملوا في هذه المنطقة طيلة حياتهم يمكنهم أن يلاقوا الترحيب كلما جاءوا إلى هذا السوق للتبضع؟ "
سمعت ميلودي صوت كلو وهي تتنفس بصعوبة وسمعت زمجرة روجر المستنكرة وشعرت بتحذير أريادن وعندما نظرت إلى اميل رأته متسمراً في مكانه وقد بدا عليه الفزع .
سألها جايمس لوغان مظهراً الاهتمام البالغ: " ما الذي جرى؟ هل أنت خائفة من أن لا يوافق زملاؤك على هذا ؟"
ما الذي في استطاعتها قوله؟ ذلك أنهم قد يصابون بنوبة جماعية تؤدي إلى خطر المواجهة مع هذا الرجل الصعب.
نظرت في عينيه مباشرة وهي تتمنى لو استطاعت أن تكذب بشكل مقنع ولو مرة في حياتها وقالت: " هذا ليس صحيحاً أبداً لأن زملائي يشعرون مثلي تماماً إن أي شخص في استطاعته أن يتردد على متاجرنا في أي وقت أثناء ساعات العمل. "
سألها: " دون أرغامه على الشراء؟ "
أجابت مغتنمة النصر الذي لاح لها: " إننا لا نرغم زبائننا أبدا على الشراء . ذلك أن البضائع والخدمة التي نقدمها تسد حاجة المشتري. "
سألها أحد الصحافيين: " هل يمكننا أن ننقل هذا الكلام عنك. "
أجابت: " كل كلمة منه. "
عندما أنفض التجمع قالت كلو لميلودي: " يا للفوضى التي قمت بها . إنني لن أسمح لأي من أولئك الأجلاف القذرين بأن يضع قدماً في متجري أبداً. "
قال روجر عابساً: " ولا أريدهم أن يدخلوا متجري كذلك."
قالت ميلودي وقد أصابها الضيق من قولهم هذا: " حسناً أنني آسفة لاستيائكم هذا. إذا كان ما قلته لهم لم يعجبكم لماذا لم تتقدموا وتدلوا بآرائكم؟ "

أنهى قولهم هذا هجومهم عليها، وتركوها تتفحص بريد الصباح دون مقاطعة لها. ولكن انفرادها بنفسها كان قصير الأمد. إذ جاءها صوت مألوف من ناحية الباب يقول: " كنت قد بدأت أشعر بالأسف لأجلك إذ ظننت ستنهارين عندما انهالت عليك أسئلة أولئك الصحفيين مرة واحدة. "
كان آخر ما تفكر فيه في تلك اللحظة هو مظاهر الشفقة من جايمس لوغان.
ردت عليه بحدة : " بعد تقديم اتهاماتك تجاوب حضرات الصحفيين معك، فاحتفظ بشفقتك لمن هو في حاجة إليها ، وبما أنك في متجري هذا أرجو أن تخرج حالاً، إذ أن المتجر لا يحتوي على أي شيء يناسب غرورك. "
قال وهو يدخل إصبعه بفضول في إناء يحوي وروداً اصطناعية: " أنني لست زبوناً هنا إذ أن هذا المتجر ليس من النوع الذي أرتاده عادة وكذلك المدينة. "
قالت: " وما العيب في هذه المدينة باستثناء وجودك المؤذي فيها؟ "
قال: " إنها أعتق من أن أطيقها."
قالت: " أحقاً ؟ حسناً ربما يهمك أن تعلم أنها تحتوي على أروع فنون البناء من العهد الفيكتوري في شمال أمريكا، وتعتبر مكاناً سياحياً معتبراً يعطي فكرة عن نوعية الحياة حتى نهاية القرن التاسع عشر."
قال وهو يشير إلى ما حوله: " هل يتضمن ذلك، هذا التنظيم السخيف ؟ هل تريدين أن تخبريني أن مصباح الغاز هذا المحول إلى كهرباء هو شيء أصيل؟ أم أن شجيرات الورود الاستوائية التي تستنبت في فصل الشتاء بمساعدة الكمبيوتر هي من أيام جدة جدتك؟ أو آلة المحاسبة تلك المزخرفة بشكل فني ؟ هل تعبرين هذا مزاراً للسياح الذين يريدون أن يعرفوا كيف كانت تصنع الأشياء عندما كان جدي حلاقاً يدور في الحارات بسروال قصير؟ "
أجابت ميلودي بصبر كاد أن ينفد: " كلا يا سيد لوغان لقد حاول التجار هنا صيانة مخازن قديمة وفي نفس الوقت تحويلها إلى أبنية عملية وجميلة دون أن يخرجوها عن طراز العصر الذي بنيت فيه. وما تراه في هذه المنطقة هو صورة حقيقية لساحة قرية من العصر الفيكتوري."
قال بلهجة لاذعة: " ما أراه هنا هو مجرد عرض زائف يشبه العرض الذي قدمته أنت للصحافة منذ برهة وجيزة."
قالت: " أؤكد لك أنني كنت في غاية النزاهة."
قال: " لقد كنت تتخبطين كسمكة وقعت في شرك، تدلين بحججك وقد ملأك الرعب بحيث بدت تصرفاتك غير حيادية. "
قالت: " أظنك كنت تريدني أن أحقق رأيك في ضعف شخصيتي؟ "
نظر لها متأملاً وهو يقول: " لقد احترمتك إذ وجدتك تتوخين النزاهة. اخبريني هل إقامة هذه الحفلة الراقصة الخيرية هي فكرتك؟ أم شاركك فيها بقية أصحاب المتاجر؟ "
" نوعا ما . لقد قدمت اقتراحي هذا وهم ساعدوني. "
قال: " إنني متأكد من أنهم أرغموا على ذلك. "
قالت: " ما الذي يدعوك إلى هذا الافتراض؟ هل عندك عقدة نفسية؟ "
أبتسم ساخراً: " ليس عليّ أن أكون معقداً يا سيدتي، عندما تصرحين بترحيبك بأي إنسان يدخل متاجركم، بينما نظرة واحدة إلى وجوه زملائك تكشف عن أن آخر شيء يريدونه هو أن يروا مجموعة من الناس القذرين يصطدمون بزبائنهم الأغنياء."
كان يقول الحقيقة إلى درجة ضايقتها فقد كانت هناك شكاوي عديدة من أن حضور أولئك غير مرغوب فيهم ، يفسد منظر المنطقة ولا يشجع الزبائن المحترمين على زيارة متاجرهم.
قال: " تبدين كفتاة صغيرة ضبطت وأصابعها في وعاء الحلوى يا آنسة وورث . هل من الممكن أنك تعانين من وخز الضمير؟ "
لم يكن الازدراء يغلف لهجة جايمس لوغان ليقلل من السحر الكامن في صوته العميق الكسول. ولأمر لم تدرك كنهه، وجدت اهتمامها ينصرف إلى خدش صغير أحدثته شفرة الحلاقة تحت ذقنه. وكان هذا هو العيب الوحيد في وجهه الكامل الوسامة.

قالت ببساطة: " هل ثمة سبب خاص جعلك تحضر إلى هنا دون دعوة ؟ أم جئت لكي تضيف المزيد من الإزعاج لي؟ "
كان في الطريقة التي تردد فيها ، وفي ابتسامته الماكرة المفاجئة ذات الغمازات الساحرتين، وأهدابه التي لو كانت لامرأة لاعتقدت أهنا اصطناعية ، كان في كل هذا ما دق ناقوس الخطر في رأسها . كان الرجل في سبيل غاية مهما كانت، لا تبشر بالخير .
فتح فمه ليجيب ، عندما رن جرس الهاتف ومدت يدها إليه مسرورة لهذه المهلة رغم قصرها.
أخذ هو يراقب بغيظ رشاقة حركاتها العفوية وجمال انثناء يدها حول سماعة الهاتف ، وانحناء رأسها وهي تستمع إلى الصوت الآتي من الطرف الآخر للخط ، وكان لانسدال أهدابها السوداء على بشرتها الشاحبة تأثير جعله يفضل لو يتمكن من تجاهله .
الأسوأ من ذلك أنها كانت ثرية، وهذا ما كان يكرهه، إذ أن الثراء كان دوماً مصحوباً بالعجرفة . ولكنه لم يستطع التخلص من شعور يراوده بأنها مختلفة . كان ثمة هالة حولها لم يستطع أن يسبر غورها. إنها ليست بالبراءة تماماً، ولا السذاجة، وطبعاً ليس الزيف أو التصنع...إنه شيء يتعلق بنبل أصيل، مما ترك لديه شعوراً بالذنب لما كان مصمماً على أن يفعله بها.
لم يكن يريد أن يتأثر بنواياها الطيبة، بل الأفضل أن يظهر استياءه لتدخلها المتعجرف في أموره، إذ أنه بسببها دُفع إلى تمثيل دور الابن المخلص لوالد لم يحاول قط أن يلتزم بواجبات الأبوة نحوه. وكان جايمس يحتقر النفاق في الوضع بأجمعه. فما الذي يفعله الآن إذ يسمح لنفسه بأن ينجذب نحو المذنب الأساسي في الأمر.
لكنه لم يكن خطا خطوتين نحو الباب حين سمعها تشهق بذعر، واستدار ليرها تتمسك بالسماعة بيديها الاثنين ، بينما تكاد تسقط على مكتبها . ولم يكن عليه أن يكون عالماً نفسانياً ليعلم أن المخابرة الهاتفية قد أزعجتها.
رفعت ناظريها لتقابل نظراته بعينيها المضطربتين وهي تقول في الهاتف: " إن السيد جايمس لوغان هو معي هنا الآن."
قال وقلبه يخفق بعنف: " من هذا؟ "
أجابت وهي تناوله السماعة: " إنه طبيب والدك. إذ كان يحاول أن يعثر عليك منذ ساعة. "


الـفـصل الـثـالـث.


كانت يد جايمس ثابتة وهو يأخذ سماعة الهاتف . استمع برهة ثم قال: " فهمت . سأحضر حالاً."
سألته بعد أن وضع السماعة: " هل ساءت حالة سيث؟ "
هز كتفيه قائلاً: " لا تسأليني . أنك تعرفين هؤلاء الأطباء، فهم لا يخبرونك صراحة عن رأيهم. إنهم يريدون استشارتي بالنسبة لمدة علاج أبي إذ يبدو انه غير متعاون معهم في ذلك وهذا لا يدهشني البتة. واظنني سأعرف المزيد عندما أصل إلى المستشفى ."
نهضت متجهة نحو الغرفة الخلفية لتحضر معطفها وحقيبة يدها وهي تقول: " انتظر . إنني قادمة معك. "
قال: " كلا...لا تأتي.فالسبب الوحيد الذي جعل المستشفى يتصل بك هو أنهم لم يجدوني في فندقي فظنوا, وكان ظنهم صائباً أنك ربما تعلمين مكاني. على كل حال فإن لديك عملك ويبدو أن أوائل زبائنك قد وصلوا على كل حال. "
كان على حق إذ دخل العملاء الذين كانوا استأجروا منها أزياء الحفلة التنكرية لإعادتها فسألته: " هل لك أن تتصل بي لتخبرني عن حالته من فضلك؟ "
هز كتفيه قائلاً: " نعم، إذا شئت"
كانت تعلم أنه قد ينسى وجودها بأكمله وأن السبب الوحيد لقبوله ذاك هو أن عنده ما يشغله أكثر من النقاش معها. ودون أن يكلف نفسه عناء كلمة الوداع، عبر الساحة بساقيه الطويلتين إلى الطرف الآخر من السوق.
بقي الزبائن يتوافدون إلى المتجر طيلة الصباح يعيدون البضاعة التي سبق واستأجروها ويتبادلون الأحاديث وعموما لم يكن شهر كانون الثاني _يناير في مدينة بورت ارمسترونغ يحتوي أي نشاط ولو أن قضية سيث لوغان وعلاقتها بالصحافة حدثت إبان فترة عطلة الميلاد ، لما اهتم بها أحد .
لم يكن في ظهور جايمس لوغان قبل الساعة الواحدة تماماً ما يطمئنها ، ولم تتوقع لحظة واحدة ،أي خبر منه قد يجلب الراحة إلى نفسها .
جلس إلى جانب المكتب بينما تنهي العمل مع آخر الزبائن .وسألها بعد أن أصبحا وحدهما: " هل كان صباحاً حافلاً بالعمل؟"
أجابت: "نعم ، كيف حال سيث؟ "
أجاب: "لا بأس. يبدو عليه الخجل والاستغراق في التفكير...انه تقريباً....." وسكت ثم سألها مغيراً الموضوع: " ما هو نوع العمل في متجرك هذا؟ " وألقى نظرة إلى مجموعة من الملابس الجاهزة لترسل إلى التنظيف وهو يتابع : " هل تتاجرين بالملابس المستعملة؟ "
قالت: " يمكنك أن تسميها كذلك."
قال لآوياً شفتيه: " وتسمحين لنفسك بالادعاء انك تديرين مؤسسة محترمة؟ إنها تبدو لي نفاية رخيصة."
لم ترى ميلودي حاجة إلى تكلف التهذيب إزاء شخص مقيت مثله.فقالت: " إنني أختزن الملابس الكلاسيكية الأثرية الطراز يا سيد لوغان ، ولكنني لا أتوقع منك تقدير قيمتها أو نوعها .ولمعلوماتك الخاصة هي ثمينة جداً."
هز كتفيه دون اهتمام ، بينما تنهدت هي قائلة: " دعنا نختصر المضايقات في هذه الجلسة واخبرني بالضبط لماذا عدت إلى هنا بينما يفضل أحدنا أن يكون الثاني في مكان آخر؟ "
قال: " إنني أتساءل إذا كنت لا تمانعين في تناول الغداء معي."
" ماذا؟! ولم هذا؟ "
رفع حاجبيه وهو يجيب: " لأنه من المعتاد أن يأكل الناس شيئاً بين الإفطار والعشاء، هل ثمة سبب آخر؟ "
أجابت دون أن يؤثر لمعان عينيه الزرقاوين: " لعلك تنوي أن تدس لي السم في الطعام خفية عني."
قال ساخراً: " أعدك بألا أقوم بأي عمل مأساوي كهذا .على كل حال ، فإننا سنتشارك في أكل ساندويتش بينما أطلعك على ما أخبرني به الطبيب هذا الصباح .وبعد ذلك إذا شئت ..."
نظرت إليه سائلة: " إذا شئت ماذا يا سيد لوغان؟ "
قال: " ناديني باسم جايمس."
ليس جيمي أو جيم، بل جايمس ...كان هذا شيئاً تافهاً ولكنه زاد من عدم ثقتها به. إذ أنها في لحظة تراه عدواً وفي اللحظة التالية رجلاً ساحراً...فهو أكثر الرجال الذين عرفتهم تقلباً. ولكن ثمة شيئين ثابتين فهو ليس صديقاً لها، وثانياً أنه لم يكن هنا لمحاكمتها. وعادت تسأله: " إذا أنا شئت ماذا يا سيد لوغان ؟ "
أجاب: " حسناً، يمكننا بعد ذلك أن نزور أبي معاً. إنه صعب جداً . وفي الواقع أن الشخص الوحيد الذي أبدى نحوه منتهى الصبر هو..." وبهتت ابتسامته وهو يزدرد ريقه، ثم استطرد: " حسناً ...إنه أنت ."
أدركت أنه في أعماقه كان شديد الاهتمام بأبيه رغم ادعائه عكس ذلك. أوشكت على أن تخبره بذلك، وبأنها أيضاً على استعداد لعمل أي شيء لأجل سيث ، وأن في استطاعتها الذهاب بنفسها إلى المستشفى دون الحاجة إلى مرافقته لها ، ما أن همت بذلك حتى دخلت أدريادن .

قال تنظر إلى جايمس بإعجاب: " حسناً، حسناً، حسناً."

غمرت الدهشة ميلودي وهي ترى تألق عينيها ، وفي هذه اللحظة ، نسيت قلقها على سيث وحل محله شعور غريب أدركته لأول وهلة .أنها لم تتعود الاستسلام إلى الغيرة، ولكنها تشعر الآن برغبة فائقة في آن تقتلع شعر أدريادن الأسود الكثيف بقبضتها من جذوره .
مع أنها صدمت وشعرت بالخجل من نفسها لهذا الشعور إلا أنها لم تستطع مقاومة الرغبة في إغاظتها بشيء أقل عنفاً. منحت جايمس لوغان ابتسامة تقطر حناناً قائلة:" طبعاً سآتي لزيارة أبيك.أنما أسمح لي بدقيقة واحدة لأحضر معطفي. "
أما ما حدث في اللحظة التالية فلم يكن أقل مما تستحق ، إذ أنه حالما اطمأن إلى أنه نال ما يريد حتى تبخر سحره مما
ذكرها بأن أسنانه البيضاء النضيدة ، وأهدابه المقوسة الكثيفة ، ليست سوى مميزات اكتسبها بالوراثة ولا تستحق أن ينال إعجابها بسببها .
قال: " لا تضيعي الوقت إذ أن عندي سيارة مستأجرة هي الآن في مكان ممنوع الوقوف فيه، وأنا لا أريد أن أرى عدد الغرامات التي ستتجمع لدي في هذه المدينة."
عندما استقرا في السيارة ، أخذ يركز على قيادة السيارة خلال شارع تقوم الأشجار على جانبيه ويؤدي إلى الطرف الآخر من المدينة حيث يقوم المستشفى على هضبة عالية تشرف على الميناء.
سألت: " لماذا كان علينا أن نذهب معاً لزيارة أبيك؟ هل ذلك لأنك تخاف من البقاء بجانبه بمفردك؟ "
كانا في هذه الإثناء قد وصلا إلى تقاطع طرق وحتى هذه اللحظة ، كان يقود السيارة بشكل عدواني متوقع منه بالنسبة إلى مزاجه الحاد ، دونما تردد بالنسبة لأفضلية السير ودون الالتزام بالتباطؤ مسافة الخمسة أميال تبعاً للسرعة المحدودة ولكن جملتها الأخيرة جعلته يكاد يسحق المحرك وهو يشتم بعنف.
قالت له بعد أن توقفت السيارة فجأة في منتصف منعطف إلى اليمين: " لقد أتلفت المحرك."
قال وهو يحاول إعادة إدارة المحرك: " أعلم ذلك."
عادت تقول: " إنك تعرقل حركة السير."
أجاب: " ما أشد فطنتك إذ لاحظت ذلك."
قالت: " هذا عدا عن انك قد تسبب في اختناق السائق الذي خلفك من جراء إفراغك للعادم.هل من الضروري أن تزيد من سرعة المحرك هكذا؟ "
اهتزت السيارة بعنف لتعود فتتوقف فجأة بعد أن ضغط على الكابح بعنف وسألها: " هل تريدين أن تقودي بنفسك؟"
ابتسمت ميلودي بعذوبة وهي تقول: " كلا بالطبع يا جايمس فأنا متأكدة من أنك ستصلح الأمر تماماً إنما فقط عندما تهدئ من طبعك."
"طبعي هادئ تماماً إلا إذا اصطدمت بالكلام مع امرأة مثلك تجعل أكثر الناس هدوءاً يشتمون ويلعنون."
أطلق السائق الذي خلفه صوت بوق سيارته فقالت: " إنك تعرقل حركة السير يا جايمس."
قال ساخطاً: " أوه أذهبي إلى الجحيم وخذي معك نظرياتك الفجة عن علاقتي بأبي.طبعاً أنا لست خائفاً من البقاء وحدي معه.إن هذا لا يهمني إطلاقاً."
لكن الأمر لم يكن بهذا الشكل كما أدركت حالما وضعت قدمها في غرفة سيث في المستشفى .فقد كان ثمة محاولة يائسة من قبل جايمس ليعيد الحيوية إلى وجه سيث ، دفعته إلى أن يبتلع كبرياءه ويطلب إليها أن تأتي وتجلس إلى جانب أبيه.
لم يكن ثمة أثر من النار التي كانت تشتعل أمس في عيني سيث. لا أثر من تلك الثورة على ظلم القدر الذي جعله عاجزاً وتحت رحمة غرباء لا يثق بهم . حتى أن رؤيته لجايمس لم تؤثر فيه سوى همهمة متعبة.
قالت له ميلودي وهي تأخذ يده المغضنة في يدها: " لقد جئنا لنطمئن عليك، فربما تشعر برغبة في رؤية الناس."
أجاب وهو يجاهد قليلاً ليلتقط أنفاسه: " ليس اليوم يا فتاتي ميلودي . الشيء الوحيد الذي أشعر بالرغبة فيه اليوم الذي يؤخذ فيه مقاس التابوت."
قالت: " لا تتحدث بهذا الشكل ، تعال هنا يا جايمس وقل لأبيك أن لا يتفوه بمثل هذا الكلام."
قال جايمس: " دع عنك هذا التفكير يا سيث ، الناس الطيبون وحدهم يموتون باكراً ، وأنت لست منهم ."
قال سيث: " ولا أنت .لن تموت باكراً أبداً .لماذا لا تعود من حيث جئت ، وتتركني أموت بسلام؟ "
أجاب جايمس: " ليس لك حظ في ذلك .أنني باق هنا إلى أن تخرج من هذا المستشفى.فضع أذن هذه الفكرة في رأسك."
ساد العبوس ملامح سيث وهو يتمتم: " لقد كنت دوماً ولداً مشاكساً ." ثم ألقى على ميلودي نظرة متعبة وهو يقول: " منذ زمن طويل لم تمسك يدي فتاة جميلة بهذا الطريقة. أتظنين أن في استطاعتك الجلوس معي فترة؟ "
وضعت متأثرة وجنتها على أصابعه الملتوية وهي تقول: " يمكنني ذلك طيلة بعد الظهر والمساء أيضاً إذا شئت."
تمتم وهو يغمض عينيه: " فترة قصيرة فقط، فترة قصيرة." وبعد ذلك بلحظات ، أستحوذ عليه النعاس وبقيت بجانبه ما يقارب الربع ساعة ، وعندما بدا أنه يستغرق في نوم عميق ، وضعت يده تحت أغطية الفراش وهي تهمس مستديرة إلى جايمس متوقعة أن يكون مسروراً في أن يتبعها خارجاً من الغرفة، قالت:" دعنا نتركه ليرتاح."
لدهشتها بقي متسمراً في مكانه وقد بدت على وجهه علامات الوحشة .وكان ذلك مستغرباً تماماً بالنسبة إلى ثقته بنفسه ، ما أشعرها بالخوف فهمست: " ما هذا؟ إنك لا تظن إنه سيموت، أليس كذلك؟ "
أجاب: " أوه كلا." وسحبها بسرعة إلى الخارج.
قالت: " لماذا تبدو إذن بهذا الشكل جايمس ؟ إنك تخيفني .هل تعلم شيئاً عنه لم تخبرني به؟ "
قادها عبر القاعة نحو المصعد وهو يقول بكآبة: " إننا أب وابنه، ولكننا مع ذلك غريبين، الواحد منا غريب عن الآخر . ومنذ وصولي لم نستطع أن..." ونظر إليها بحيرة وهو يتابع " إنك دخلت حياته في أتعس الظروف ولكنه أنجذب إليك وكأنك أبنته المفضلة بينما معي..."
أنتبه إلى أنه باح بما لا ينبغي ، وضغط على زر المصعد يستعجله، وهو يستطرد: " إن هذه التناقضات هي في سيث فقط." وتابع بمرارة : " إن معظم الآباء يفضلون ولداً ، ولكن يظهر أن أبي كان يفضل أن يكون له بنت."
لمست شعوره بالغيرة والألم .وشعرت بالشفقة عليه، وعلى أبيه كذلك، لأنهما كانا عنيدين متكبرين لم يعرف الواحد منهما كيف يصل إلى قلب الآخر.
قالت: " لو أنك تخبره بحبك له لتغير تصرفه نحوك."
وسرعان ما أدركت أنه كان يجب أن تحتفظ بفمها مقفلاً ، إذ قال: " إنك تسخرين مني ، إنه عند ذلك يواجهني بإطلاق النار."
قالت: " ولكنه والدك ."
أجاب: " وما دخل ذلك بالأمر ؟ "
قالت: " كل شيء ." كانت تتكلم انطلاقاً من خبرتها الخاصة ، إذ كانت ابنة وحيدة عاشت محاطة بأبوين محبين ، وعمات وأعمام وجمع من أولاد الأعمام مما لم يسمح لها بالشعور بالوحدة والوحشة ، وربما لا يستطيع جايمس لوغان أن يدرك ما الذي يعنيه هذا للإنسان ، ولكنها لن تدع هذا يمنعها من إظهار ذلك. وقالت : " لا بد لأفراد الأسرة من مساندة بعضهم البعض مهما كانت الظروف ."
كان تجاوبه معها كما توقعت بالضبط .إذ قال :" إن ذلك ليس من طبعي ، ولا أريد تصنع مشاعر نحو علاقة وراثية حدثت بشكل عرضي."

قالت: " إنني إذن ، أشعر بالشفقة عليك. "
قال ببرود ينذر بالشر : " تشعرين بماذا ؟ "
كان الوقت قد فات لتتراجع عن كلامها بعد أن غاصت في مستنقع هذه المشكلة. واندفعت تعيد قولها: " أشفق عليك.ذلك أن كل كبرياء الرجولة هنا في غير موضعها، أنه محزن. ولا ينفعك بشيء سوى أنه يزيدك بعداً عن أبيك ، إنني لا أدري ما الذي أحدث هذا الشرخ بينكما، ولكن من الواضح أنه ليس في إمكانك أن تشعر نحوه سوى بالاستياء ."
أمسك بمعصمها بقسوة وهو يقول: "إنك تضيعين مواهبك في بيع الملابس المستعملة .إذ أنك تجدين متعة أكبر في أن تدسي أنفك في شؤون الآخرين لتعلميهم كيف ينبغي أن يعيشوا حياتهم."
لقد خف الآن غضبه.ولكن وجهه ، كما لاحظت كان جامداً . ربما كان كلامها ذاك سابقاً لأوانه فأغضبه ، ولكنها لم تكن تريد أن تذعن له بالنسبة إلى سيث. لقد كانا هما الاثنان في منتهى العناد ما جعلهما يرفضان الاعتراف بالرباط الذي يجمع بينهما. صممت في تلك اللحظة ، حتى ولو فشلت أحلامها في أنشاء المجمّع ، فهناك ما يمكنها أن تقوم به بنجاح وهو أن تقرب بين جايمس وأبيه.
قالت بصوت ضعيف مؤثر: " انك تؤلمني."
نظر إليها وترك معصمها وكأنه جمرة وهو يقول: " إنني آسف .لم أكن أقصد ذلك."
إذن فهو لم يكن خالياً من الكياسة، ودون تردد، بدأت بتنفيذ خطتها. وقالت وهي تدعك معصمها : " أظنني في حاجة إلى شيء آكله .هل تمانع في أن توقفني أمام بائع سندوتشات قبل أن توصلني إلى المتجر؟ "
" بالتأكيد .ما رأيك بكافيتريا المستشفى؟ "
لكن الطعام هناك ليس جيداً كما أن الجو لا يساعد في تأدية الدور الذي تتوخاه في بناء الثقة بينهما ، ولكن كان عليها أن تبدأ في مكان ما .وكان عليها أن تحاول رؤية جايمس لوغان قدر استطاعتها لتخترق حدود دفاعه وتتمكن من إقناعه بإقامة السلام مع أبيه .ولا بأس إذا هي وجدته شخصياً لا يطاق .ذلك أن احتمالها لمعاشرته هو ثمن تافه للجمع بين أب وابنه .
أجابت: " الكافيتريا فكرة حسنة ." وتجاهلت صوتاً داخلياً يخبرها بأنها متطفلة فهي إنما تفعل ذلك لهدف نبيل.

في اليوم التالي حدث ما جعل خطتها تتقدم ذلك أن سيث أصيب لسوء حظه بالتهاب في رئتيه الاثنتين مما أستدعى ضرورة السهر بجانبه لمدة أسبوع كامل .
همست ميلودي بفزع: " أليس ثمة دواء ضد هذا المرض؟ "
هز جايمس رأسه وهو يقول : " لا أظنه يهتم بحياته .وليس ثمة دواء في العالم يشفي من الشعور باليأس ."
ردت عليه ثائرة: " إذن، اجعله يهتم بها، امسك بيده واخبره أنك في حاجة إليه.أخبره بأنك لن تدعه يستسلم للموت."
لكنها كانت تعلم أنها تطلب الكثير من جايمس الذي قال : " إذا أنا فعلت ذلك .فسيتأكد من موته السريع، ذلك أننا لم نكن قط ذلك النوع من الأسر الذين يظهر أفرادها تعاطفهم."
تلألأت الدموع في عيني ميلودي وهي تقول مرتجفة: " ربما ينبغي عليك الآن أن تبدأ قبل فوات الأوان . إنه رجل عجوز وحيد يا جايمس ، فإذا كان عاجزاً عن الكفاح أكثر من ذلك فلا تدعه يموت وهو يظنك غير مهتم به."
قال بغضب: " ولكنني طبعاً مهتم به، لماذا وجدتني عدت إلى المدينة إذن؟ هل لأنني لا أستطيع العيش دون شتائمه؟ "
وجدت هي أنها تضغط عليه لأنه كان فعلاً يمر بأزمة عاطفية لا يحتاج معها إلى مزيداً من الضغط.ووضعت يدها تحت ذراعه قائلة: " ما أراه هو أننا نحن الاثنين في حاجة إلى شيء من الراحة، وهذا دوري في شراء القهوة.تعال معي إلى الكافيتريا."

هكذا بشعور متبادل أعتادا على الاجتماع في المستشفى.كانت ميلودي تذهب إلى هناك في فرصة الغداء ، ثم بعد إقفالها المتجر آخر النهار .وكان يبدو لهما أن من الطبيعي أن يتناولا الطعام معاً بعد انتهاء فترة زيارة المرضى .
بعد عدة وجبات سريعة تناولاها معاً في الكافيتريا ، نصحتهما الممرضة الليلية بأن يذهبا إلى مطعم تديره أسرة ايطالية لا يبعد أكثر من عدة أمتار في الشارع .إذ قالت لهما: " إن هذا المطعم يقدم الطعام للزوار في المستشفى . والطعام الجيد رغم ارتفاع ثمنه.وهم يدركون أنكما في حالة قلقة ، ولهذا سيوفرون لكما الهدوء."
قالت ميلودي: " ولكن ماذا لو ساءت حالة سيث؟ "
قالت الممرضة تطمئنها : " إننا نعرف رقم هاتف المطعم ، وسنتصل بكما حينذاك."
كان ما قالته الممرضة عن مطعم فرانشسكو صحيحاً كانت الموسيقى هادئة وكل مائدة منعزلة في ركن خاص ومضاءة بشمعة واحدة.
في البداية ، كانت ميلودي هي التي تقوم بأكثر الحديث ...فكانت تأتي أحياناً على سيرة طفولتها .ولكن ما أن تتابعت الأيام وبدا عليه الارتياح والألفة حتى أخذ هو الآخر يدلي بمعلومات عن نفسه.
قال يحدثها ذات مساء" لقد تطلق والداي عندما كنت في الثالثة عشر من عمري ."
عندئذ تعمدت ميلودي عدم أظهار تشوقها إلى معرفة المزيد وحصرت انتباهها في صحن المعكرونه أمامها .كانت تعرف أنه لا يشارك الآخرين ما في نفسه بسهولة ، وأنه سرعان ما يرتد إلى طبيعته المتحفظة إن لمس أي تطفل منها .
سألته بشكل عرضي: " وهل فهمت السبب في طلاقهما؟ "
أبتسم متهكماً وهو يقول: " طبعاً، ذلك أن أمي كانت تردد الأسباب يومياً لمدة ست سنوات." وأخذ يعد الأسباب على أصابعه واحداً, واحداً : " أولاً ، كلما كانت أمي بحاجة إلى أبي لم تكن تجده لقد كان صياد سمك.أتعرفين هذا؟ ثانياً لم يكن سيداً مهذباً ، كان يشتم ، ويدخن ، ويشرب مع أصدقائه الحميمين ، ثالثاً لم يكن ثمة نقود للإنفاق أحياناً .كان مركب الصيد أول اهتماماته وكان يقول إن الرجل يحتاج إلى مركب يمكنه أن يركن إليه عندما تثور العاصفة في البحر."
سألته: " ولكن ألم تكن أمك تدرك ذلك منذ البداية؟"
أجاب: " ربما.إنما يجب أن أقول شيئاً في جانب سيث، وهو أنه لم يتعمد يوماً أن يتظاهر بغير حقيقته."
قالت: " لماذا تزوجته أذن؟ "
أجاب:" شعرت بأن ليس أمامها خيار."
نظرت ميلودي إليه بحيرة وهي تسأله: " ما الذي تعنيه بقولك ، ليس أمامها خيار ؟ لقد انتهى عهد الزواج المفروض على الأبناء مع القرن الماضي ."
ظهر التهكم في عيني جايمس وهو يجيب: " ألم تسمعي قط بالزواج السريع يا ميلودي؟ "
تضرج وجهها وهي تقول: " أوه ..، هل تعني ..."

ضحك عند ذلك وهو يجيب: " هذا ما أعنيه .إنها كانت حاملاً ...بي أنا . كانت في التاسعة عشر من عمرها فقط في ذلك الحين.ولم تكن تدرك أبداً حقيقة الزواج من صياد سمك، وكان الانفصال صعباً عليها، إذ كانت تعيسة بدونه.لكنهما كانا يتشاجران طيلة حياتهما معاً، خاصة بسبب النقود."
قالت ميلودي : " يا للعار ، إذ ليس للمال هذه الأهمية التي تجعل الناس يتشاجرون لأجله."
قال: " هل تساءلت قط في حياتك، من أين ستأتين بأجرة بيتك الشهر القادم؟ "
اعترفت قائلة: " كلا."
قال: " انك إذن لست في وضع يسمح لك بمعرفة المهم وغير المهم.والمال دوماً مهم عندما لا يوجد منه الكفاية."

شعرت بأنه محق في قوله وأنها قد آذت مشاعره وأن عليها تغيير الموضوع.وسألته : " هل كنت ترى أباك أغلب الأحيان في حداثتك؟ "
هز رأسه قائلاً : " نادراً جداً ..لقد عشت مع أمي حيث انتقلنا إلى مدينة تبعد ستين ميلاً عن الشاطئ حيث حصلت على عمل مصففة شعر.وكان سيث يأتي إلينا مرة كل فترة أثناء السنوات الأولى .ولكن كانت الزيارات دوماً تنتهي بمصيبة إلى أن توقف في النهاية عن المجيء ."
قالت: " لا بد أنه كان يفتقد رؤية ابنه الوحيد يكبر في حضوره."
قال بجمود: " لو أنه كان كذلك، لما كان سمح لمشاجرات تافهة بأن تبعده عني."
قالت: " لقد أقترف خطأ أنا متأكدة من أنه ندم عليه في ما بعد .وربما ستفعل أنت نفس الشيء لو صار عندك أولاد."
قال جايمس بحزم: " كلا لن يحدث هذا.لقد قررت منذ مطلع شبابي أن أبقى بعيداً عن الزواج ومشاكله ، وخصوصاً مشاكل الأولاد ، إذ يكونون كالدمى في أيدي الآباء عندما يبدأ الشقاق .والآن هل تريدين حلوى ؟"
أجابت ميلودي وهي تشعر باكتئاب هائل: " كلا."
في مرة أخرى ذهبا يتمشيان في حديقة عامة قريبة ، لكي يخفف جايمس من توتره وكان النهار في نهايته حيث كانت رياح أواخر شهر كانون الثاني _ يناير تدفع الدخان من مداخن تلك البيوت الجميلة الفيكتورية الطراز.
كانت الحديقة خالية .وكانت ميلودي تتوقع جولة سريعة في أرجاء الحديقة يعودان بعدها إلى دفء المستشفى .ولكن عندما اقتربا من مكان لعب الأولاد أمسك جايمس بيدها المكسوة بقفاز وهو يقول : " هيا بنا نلهو." وجرها معه ، فقالت محتجة : " ولكن البرد شديد."
لكنه لم يستمع إلى رفضها .ووضعها على الأرجوحة المعدنية ومضى يدفعها في الهواء إلى أن كاد نفسها ينقطع وأخيراً سمح لها بالنزول بعد أن زال توتره.كان وجهها أزرق اللون من البرد.
انجرت ضاحكة وهما يتابعان سيرهما .وقالت : " إنك تدهشني .لم أكن أظن أن في إمكانك أن تكون بعفوية الأطفال..."
كان هو يضحك كذلك، ولكنه سكت عندما سمع قولها هذا وقال ساخراً: " أظنك معتادة على معاشرة أشخاص متزمتين يجدون التسلية في أمور أكثر رقياً."
قالت وقد بهت سرورها : " حسناً إنك على خطأ يا جايمس .إنني لا أريد شجاراً فلا تحاول استفزازي. ولكن ما دمت قد فتحت الموضوع فإنني أرجو أن لا تتابع افتراضاتك عني وسؤالي عما أحب وعما لا أحب."
قال: " لا بأس، ولكن ما هي الأشياء التي اعتدتها للتسلية؟ "
فكرت لحظة ثم قالت:"الرقص والأكل، كما أنني أعشق الأطعمة الفرنسية."
قال:" ولكن الطعام الفرنسي مصحوب بالشراب عادة.فكيف تتدبرين أمرك بالنسبة لهذا؟ "
قالت: " كما أتدبر أمري معك ، إذ أتقبل الصفات الحسنة مع الصفات السيئة."
كان هذا الحديث دليلاً على صداقتهما المتنامية ، إذ أصبح في استطاعتها أن تدلي بمثل تلك الملاحظات دون أن يشعر بالاستياء فأجابها:" إنك تبدين أحياناً طفلة ثرثارة أتدرين هذا."
قالت:"إن ما يجعلني أتصرف بهذا الشكل ، هو قلقي على سيث، تماماً كما يجعلك هذا سيء الطباع."
ثم هربت عندما هددها بأن يلقي بها على كومة من أوراق الشجر الجافة.
قال يذكرها:" إن هذا الكلام يذكرنا بأن نعود إلى أبي لنطمئن على حاله .إنني دوماً أرجو أن يكون في طريق التحسن ، ولكنه يبدو غارقاً في نوع من السبات وفقدان الوعي."
ارتجفت ميلودي وإن لم يكن بسبب البرد فقط وهي تقول :" أعلم ذلك .إن كل تلك الأجهزة حوله تخيفني .ومجرد مراقبة محاولاته للتنفس ، تسبب لي الألم."
قال: " إن الانتظار هو الأصعب.ولكنني أحياناً أتمنى لو ينتهي الأمر بأحد الأمرين."
قالت ميلودي وهي تلقي برأسها على كتفه: " لندع له بالشفاء العاجل."
منتديات ليلاس

 
 

 

عرض البوم صور زونار   رد مع اقتباس

قديم 01-03-09, 06:43 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 103835
المشاركات: 336
الجنس ذكر
معدل التقييم: زونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 499
شكراً: 10
تم شكره 836 مرة في 179 مشاركة

االدولة
البلدKuwait
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
زونار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

الفصــل الرابـــع.
________________________________________

لكن المعجزة حدثت في اليوم التالي . وكان ذلك قبيل المساء ودون مقدمات .إذ أن سيث فتح عينيه فجأة ، لتستقر على جايمس وميلودي.
قال بصوت متحشرج: " حسناً .....ها قد دنا الأجل ."
قال جايمس بصوت متحشرج هو أيضاً ، كما بدا لميلودي : " هذا بعيد عن الواقع. إنك لن تموت."
رد سيث بحدة: " آسف إذن، لخيبة أملك ." وعاد إلى ملامحه خيال من طبعه الناري السابق وهو يتابع بغضب : " من ذا الذي وضع هذا الأنبوب اللعين في أنفي ؟ "
رد عليه صوت الممرضة : " أنا التي فعلت ذلك ، كما أن فترة الزيارة قد انتهت ."
كانت الممرضة تدخل من الباب في الوقت المناسب قبل أن ينزع الأنبوب من أنفه وهي تتابع: " إنه يعطيك الأوكسجين لكي يسهل عليك التنفس."
قال بصوت متهدج : " حسناً أبعديه عني .وكذلك انزعي هذا الأنبوب من ذراعي ، لقد سبق وقلت أن تغرزي إبرتك في شخص آخر لأنني لا أريدها ."
قالت الممرضة : " ما أسوأ هذا .ولكن من الواضح أن التحسن يبدو عليك اليوم ، إنما كل شيء يجب أن يبقى كما هو إلى أن يأمر طبيبك بتغييره .والآن أبق مستلقياً لكي أغسل جسدك."
قالت الممرضة لجايمس وميلودي وهما خارجان : " كونا مطمئنين .لقد رأيت ألوف الحالات المشابهة ."
قال جايمس لميلودي بعد أن أصبحا خارج الغرفة وقد لاحت على شفتيه ابتسامة : " أنه يسير في طريق الشفاء ."
أجابته موافقة: " بالتأكيد."
اجتازا القاعة ليقفا قرب نافذة يسيل مياه المطر على زجاجها .قال جايمس وهو يخط بإصبعه على الزجاج : " أنت الآن حرة في أن تعودي إلى ما سبق أن أعتدت عليه في الأمسيات بدلاً من أن تهرولي إلى هنا لحظة إقفالك المتجر آخر النهار ."
قالت وهي تتمنى لو شعرت بالبهجة لهذا : " نعم ."
عاد يقول بصوت بدا عليه الارتياح: " انتهينا من طعام المعكرونة في ذلك المطعم الايطالي ."وكانت ابتسامته كافية لتظهر غمازتيه. وكان شعره في حاجة إلى قص.
أجابت بوجوم : " هذا صحيح ."
سألها : " أظنك ستعودين إلى طعامك الفرنسي المعتاد؟ "
وعقد حاجبيه الأسودين الرائعين وهو يضع يديه في جيبي سرواله.
قالت : " بالتأكيد." وحاولت أن تحتفظ بابتسامتها على شفتيها.
قال جايمس وهو ينظر عبر النافذة : " إن المطر ينهمر بغزارة . هل سيارتك بعيدة من هنا ؟ "
قالت: " إنها لسوء الحظ في نهاية موقف السيارات ."
قال : " ما رأيك في أن نتناول القهوة للمرة الأخيرة في الكافيتريا احتفالاً بتحسن حالة سيث؟ ربما أثناء ذلك يكون المطر قد توقف؟ "
شملتها البهجة، ولم تهتم حتى لو بقي المطر ينهمر طيلة الليل. ولكنها قالت: " ربما أمكنني احتمال تناول القهوة للمرة الأخيرة."
وجدا مائدة في زاوية هادئة جلسا إليها متواجهين، وقال جايمس حاملاً فنجانه يقرع به فنجانها : " نخب شفاء سيث ."
أضافت : " فليعش إلى التسعين." ونظرت بعيداً خوفاً من أن يرى جايمس ما تعبر عنه عيناها.

لكنه أدهشها إذا أخذ يدها في يده .كانت هي المرة الأولى التي يلمسها بمثل هذه الرقة ، مما جعل رجفة سارة تشملها إلى أصابع قدميها .وقال وهو يشبك أصابعها بأصابعه : " أتعلمين أنك رائعة ؟ إنك لم تتخلفي يوماً عن الحضور منذ أن بدأت حالته تسوء ."
أجابت : " وكذلك أنت."
قال: " ذلك أنني أبنه."
قالت: " إنني أحب أن أشعر بأنني صديقته."
قال : " أظنه يشعر بنفس الشيء." وابتسم وهو يمسك بمعصميها ليحيطا فنجاني القهوة معاً ، كما يفعل المحبون وقال: " ما زال ثمة حيوية في الرجل العجوز ما دام منظر الوجه الجميل يستطيع أن يثيره ."
شعرت ميلودي بالاحمرار يصبغ وجنتيها وهي تقول : " أتريد القول إنك تظنني جميلة؟ "
كان هذا السؤال يسبب له الضيق منذ أسبوع.وكان أفضل ما يمكن أن يجيبها به حينذاك هو، لقد رأيت أبشع منك.
لكنه اليوم، أنفجر ضاحكاً وهو يقول: " انك تعرفين جيداً أنك جميلة يا سيدتي، فكفي عن طلب المديح، إذ لا أظنك تهتمين بمعرفة رأيي على كل حال."
قالت : " معك حق." لكنها شعرت بأنها تهتم حقاً بمعرفة رأيه، وأن كذبتها هذه جعلتها تشعر بالألم في أعماقها .وعندما وضعت خطتها التي تقربه وأبيه من بعضهما البعض، لم يخطر لها قط أنها ستقع فريسة لسحر جايمس.
قال مشيراً إلى النافذة: " لا يبدو أن انهمار المطر هذا سيتوقف قريباً وعلينا إذن أن نهرول مندفعين تحته."
قالت: " هذه فكرة جيدة بالنسبة إليّ لعدة أسباب ."
وما لبثت أن تمنت لو فكرت قليلاً قبل أن تقول ذلك، لأنه نظر إليها وكأنه قد فوجئ وقال: " أية أسباب؟ "
تمتمت قائلة : " إن لديّ عملاً ينبغي أن أقوم به."
قال: " هذا سبب واحد وماذا عن البقية؟ "
كان في استطاعتها أن تقول له إن حياتها الخاصة ليست من شأنه. لم تكن ماهرة في التستر إذ لم يكن ثمة ما يدفعها عادة إلى ذلك. وقالت: " يبدو أننا نسمح لعلاقتنا هذه بأن تصبح شخصية أكثر مما يجب. والأفضل أن نبتعد قليلاً عن بعضنا البعض."
حدق فيها برهة ثم سألها: " نحن؟ "
قالت بصوت منخفض: " إنني أشعر الآن بأنه من الصعب أن لا أميل إليك يا جايمس."
أنفجر ضاحكاً وهو يقول: " هل أعتبر هذا مديحاً منك لي؟ "
قالت بامتعاض:" يمكنك أن ترد هذا المديح.أنك لست من النوع الذي يستهويني بين الرجال، كما أنك سبق وقلت لي أنني كذلك لست من النوع الذي يستهويك."
قال: " حتى الآن نحن متفقان .تابعي كلامك."
تمنت من كل قلبها لو لم تكن بدأت هذا الحديث ولكنها تابعت تقول: " سيكون من السهل تبعاً للظروف أن نظن..."
ضاقت عيناه وهو يسألها : " أية ظروف؟ ما الذي تتحدثين عنه؟ "
قالت: " لقد كنا منهمكين في الاهتمام بسيث والقلق يجمع بين القلوب ، كما يفعل الألم ، ولكن الواقع أن ما يجمع بيننا هو أقل من القليل."
قال: " هذا لا يعني أن علينا أن نكره بعضنا البعض."
فكرت بأن هذا صحيح ولكن إن هي سمحت لمشاعرها بالاسترسال ، فلن تجد بعد ذلك سوى التعاسة .ذلك أنها تحلم بزوج وأسرة تضم العديد من الأولاد .وقد سبق وأوضح لها من القليل الذي حدثها عن نفسه، أن هذا لا يناسبه بأي شكل في نظرته إلى المستقبل.إنها لا تريد أن تقع في غرام رجل لا يحقق أحلامها.

أجابته بضعف: " طبعاً لا. كل ما أردت قوله هو أنني لا أعرف الكثير عنك... مما يجعل من السخافة أن...."

قال وهو يهز كتفيه مبتسماً:" إنك تعلمين أنني كنت صبياً جميلاً حزيناً لا يفهمه أحد."
أجابت محاولة أن تكتم مشاعرها: " ولكنني لا أعلم شيئاً عن الفتى الناشئ." وأمسكت بحقيبتها وقفازيها وانتصبت واقفة دافعة الكرسي إلى الخلف وهي تتابع قائلة: " على كل حال ليس هذا مهماً.والآن، هاهو سيث في طريقه إلى الشفاء."
فكرت وهي تسبق جايمس إلى خارج الكافيتريا في أنها إذا كانت ستتصرف بحماقة مع رجل ، لا لشيء إلا لأنه يملك غمازتين جذابتين في وجهه وكتفين رائعتين، فإن من الأفضل لها أن تقلل من رؤيته قدر استطاعتها.
لكن عندما اندفعا من تحت مظلة المدخل، انفتحت السماء عن دفعة هائلة من المطر.وهتف جايمس: " تباً أنك لن تستطيعي السير إلى أي مكان في هذه الحالة.والأفضل أن نندفع نحو سيارتي القريبة من هنا ، ثم أوصلك بها إلى سيارتك."
عندئذ توقف العقل ولم يعد لديها قوة على الرفض ولا المقاومة حين أمسك بيدها.شعرت بالدفء والأمان وهو يجرها معه راكضين عبر موقف السيارات محاولاً أن يجنبها الماء الموحلة.
قال عندما استقرا أخيراً في سيارته: " أنك تبدين كهريرة صغيرة مبللة بالماء." وأضاء مصباح السيارة الداخلي ليخرج علبة المناديل الورقية من الصندوق الصغير وهو يتابع قائلاً : " والآن دعيني أجففك."
لكن الورق الرقيق التصق بغرتها دون أن يستطيع امتصاص المياه المشبع به شعرها.وقال:" حسناً، أن لك من الشعر ما لثلاث نساء."
قالت وهو ينتزع قبضة ثانية من المناديل الورقية ويضغطهما على رأسها كالخوذة: " إنها طريقة الطبيعة في التعويض حيث أنه ليس مجعداً. "
سألها: " لماذا لا تجعدينه بشكل دائم كبقية النساء؟"
فأجابت وهي تتنفس بضعف : " لأنني لست كبقية النساء."
لم يجب للحظة وهو لا يزال مستمراً في الضغط بالورق على رأسها بيديه الاثنتين، بينما كان يحرك إبهامه على صدغها بذهن شارد. ثم قال في النهاية: " إنني أتفق معك في هذا.إن لك بالتأكيد طابعاً خاصاً."
كان هذا هو كل ما قاله .ولكنها عرفت أن كلامه هذا مقدمة لقبلة. عرفت ذلك من تغير زرقة عينيه كما تغير صوته، كما أسدل أهدابه ليخفي هذه الحقيقة.
علمت ذلك من تنهده بخفة كأنما يدعو الحظ أن يساعده على تمالك مشاعره حيث أن استسلامه لمشاعره تلك، سيوقعه في مشكلات هو في غنى عنها.
هنا تصاعدت من الراديو أغنية(عينا ملاك) لتتصاعد خفقات قلبها وتشعر أنها على وشك الاختناق.
لكن كل الذي عرفته بعد ذلك هو أنها وجدت نفسها في أحضانه وصورتها في عينيه.
همس:" ليس هذا في الحقيقة من العقل في شيء."
ردت عليه قائلة بضعف:" كلا إذ قد يرانا أحد."
لكن كلامها لم يكن صحيحاً إذ كانت النوافذ مغطاة بالبخار وكانت هي وجايمس في عالم خاص وحدهما.
تحرك بالسيارة وهو يدير الراديو على نشرة الأخبار وكان المذيع يعلن: " أمطار... أمطار متزايدة...والطوفانات متوقعة في المناطق المنخفضة وقد تكون هناك عواصف."
شعرت ميلودي باكتئاب يماثل الجو متى كانت تنقاد إلى مشاعرها بهذا الشكل فجعلها تستسلم إلى عناقه؟
عندما وصلت إلى قرب سيارتها تمتمت بسرعة: " تصبح على خير وشكراً لإيصالي." ثم فتحت الباب، كان واضحاً من فترة الصمت القصيرة التي سادت بينهما أن ليس لدى جايمس ما يقوله لها وأنه ندم على ما أبداه نحوها من عاطفة .ولم تكن تريد أن تتلكأ كي لا تعطيه الفرصة ليقول لها ذلك .
قال:"إلى اللقاء ." وأنطلق بسيارته حتى أنه لم يكلف نفسه عناء انتظار أن تنطلق هي أولاً بعد إذ ضخت المياه على الزجاج الأمامي لكي تبدأ عمل المساحات.
شعرت برغبة في البكاء .لا بد أنها معتوهة .
لا بد أنه معتوه .ما الذي تملكه؟ هل منظرها وهي تقطر ماء من شعرها الأسود الناعم ؟ أم أهدابها التي تنسدل على عينيها الكبيرتين الرائعتين اللتين تذكرانه بزهرتي بنفسج ملصقتين بمخمل اسود ناعم ؟ أم عطرها الذي أدار رأسه وجعله كالمنوم مغناطيسياً ؟
ما الذي أصابه؟ إنه ينظم قصائد في القمر وهو الذي يمضي حياته المهنية في تصميم السفن وما يتضمنه ذلك من حيوية وحركة دائمة؟ حتى وهو صغير ،كان عملياً فتعلم باكراً أن نهاية ذوي الأحلام هي الخيبة والفشل . فما الذي يفعله الآن إذ يتصرف في سن الرابعة والثلاثين كمراهق أحمق مع امرأة لا يكاد يعرفها...وفي مكان عام أيضاً؟
لم يكن ثمة منطق أبداً يجعله ينجذب إليها.لا شيء ولكن...لقد سبق وقابل كثيرات مثلها ويعرف ما الذي يسعين إليه،أنهن يركضن وراء أزواج أغنياء يلبون مطالبهن الباهظة التكاليف.ولو أنه أحياناً تساءل عما أذا كان لها طموحات مختلفة، ولكن كل شيء جديد يكتشفه فيها كان يخبره أن هذه السيدة لم تكن معتادة إلا على أحسن الأشياء.
عندما أصبح في غرفته في فندق بلام روز،سأل عما وصله من رسائل ، ثم تمدد بملابسه على السرير ومضى يتأمل السقف المزخرف ليتصورها بقربه،وقد تناثر شعرها الذي يماثل سواد الليل على جبينها ،بينما عيناها تدعوانه وكذلك فمها الجميل الوردي .ولفترة قصيرة أخذ يلهو بالتفكير في أن يغريها لموافاته إلى غرفته .ولكن كان يعلم تماماً أن هذا سيكون خطأ كبيراً.
لم يكن يحب ارتكاب الأخطاء،إذ كان من الصعب عليه بعد ذلك الاعتراف بالخطأ.
في الصباح التالي فكرت ميلودي في تغيير معروضات واجهة متجرها.وكانت أشكال القلوب المصنوعة من الدانتيلا من طراز العصر الفيكتوري يتناسب مع اقتراب عيد الحب ، الذي يحين بعد أسبوعين فقط.وكونها لا تشعر بالرغبة في الاحتفال بهذا اليوم ،فهذا لا يعني عدم احتفال العالم به.
دقت كلو على الباب الزجاجي قبل أن تطل وهي تقول بتهكم:" لقد جاءك زائرون .ولا أظنك في حاجة إلى أن تخمني من هم."
أطل روجر برأسه إلى جانب رأس كلو قائلاً :" تخلصي منهم إذ أنهم لا يشكلون واجهة حسنة."
كان ثمة أربعة أو خمسة رجال يجرون أقدامهم بصعوبة على بعد أمتار قليلة وكانت أيديهم في جيوب معاطفهم الرثة وقد بدا عليهم وكأنهم يترددون في الدخول.
بدأت ميلودي تقول :" أنهم..."
أكمل روجر عنها:"من غير المرغوب فيهم ، لو كنت مكانك لما مكنتهم من الدخول إلى المتجر.إن لهم مظهر النشالين."
قالت وهي تخرج لملاقاتهم:"بل أنهم جائعون مكتئبون."
قال واحد منهم عند اقترابها منهم:"إننا لسنا هنا لنثير أية مشاكل .نريد فقط أن نستفهم عن حالة سيث لوغان ، ذلك أننا نعرف أنك تذهبين لرؤيته بانتظام ."
أجابتهم هي بسرور:" لقد تحسن كثيراً."
قال آخر:"لم نكن نظنه سيخرج من ذلك المستشفى حياً ، ذلك أن سيث ليس من النوع الذي يستلقي في الفراش ساكناً بإرادته."
ابتسمت ميلودي قائلة :" لم يكن أمامه خيار في هذا .ولكنني لا أظن أن ذلك سيستمر طويلاً."
قال المتكلم الأول وهو يعقد حاجبيه:"حسناً إننا نتساءل عما إذا كان في استطاعتنا القيام بشيء لأجله.إننا لا نملك الكثير ،ولكننا أصدقاء من مدة طويلة،ونحب أن نساعده عندما يخرج إذا كان في استطاعتنا ذلك."
قالت:" أظنه سيسر برؤية الزائرون فهذا يساعده على تمضية الوقت.وأنا متأكدة من أن سيسر لرؤيتكم."

في هذا اللحظة اقترب رجل وامرأة، وكان الرجل في حوالي الأربعين من عمره وبدا مألوفاً نوعاً ما لها.وقالت المرأة :"إننا التلفزيون المحلي يا آنسة وورث." وأبرزت بطاقتها وهي تتابع:" نريد أن نعرف إذا كنت توافقين على مقابلة تلفزيونية في برنامج(شوارع المدينة) يُعرض مساء الثلاثاء القادم ولعلك تعلمين إنه برنامج أسبوعي يعالج اهتمام الناس وملاحظاتهم عن مدينة بورت ارمسترونغ كما أن أسمك ورد في الأخبار مؤخرا."
قال مرافقها الذي عرفت ميلودي فيه مقدم البرامج التلفزيونية:"نريد أن نعرف المزيد من تصوراتك عن تلك المؤسسة في منطقة الميناء لنجعل الناس أكثر تفهماً لهذه المشكلة إذا كنت تدركين ما أقصد بالمناسبة أسمي دون هيلرمان."
لاحظت ميلودي أن أصدقاء سيث قد تبخروا حالما بدأ الحديث مع هؤلاء ، وجاء بدلاً منهم كلو و روجر و أدريادن وإميل .جستن وتشانكوسكي ، مع أن اهتمامهما لم يكن قليلاً، إلا أنهما وقفا بعيداً .فقالت تخاطب دون هيلرمان:" إنني أعرف من أنت ولكنني غير متأكدة من أنني أعرف ماذا تعني بكلمة مشكلة .هل أنت تتحدث عن الفكرة نفسها،أم عن الناس الذين تصدهم الفكرة هذه؟"
أجاب دون هيلرمان بلطف:"إن في استطاعتك يا آنسة وورث ، أن تستخدمي المقابلة التلفزيونية هذه لعرض هذا الموضوع بأي شكل ترينه يساعد على جذب اهتمام الناس .أنني لا أحاول أبداً أن أقوم بالمقابلة لضيوف البرنامج في وقت مسبق."
وإذ تذكرت ميلودي ردة الفعل عند زملائها في المرة الماضية عندما تحدثت باسمهم استدارت نحو زملائها أولئك قائلة:"أظن أننا جميعاً يجب أن يكون لنا رأي في الموضوع.ما رأيكم في هذا؟"
قال روجر وهو يبتعد:"إنه موضوعك أنت منذ البداية ،فتصرفي به بالشكل الذي يروق لك."
قالت كلو غير مسلّمة تماماً بالأمر:" فليكن في حدود المعقول ، وتذكري أننا سنعيش جميعاً بالشكل الذي تتحدثين عنه."
تألقت عينا دون هيلرمان الصغيرتان وهو يقول:" إذا كان ثمة اختلاف في الآراء...فيمكنني استقبال أكثر من شخص في البرنامج."
قالت أدريادن:" أنني حاضرة."
تدخل إميل قائلاً :"الأمر لا يحتاج إلى ذلك،إذ أننا جميعاً متفقون،والآنسة وورث هي ممثلتنا."
تقدم جستن وتشانكوسكي يضيفان صوتيهما كما أومأت أنّا موافقة وقالت ميلودي عندما ذهب وفد التلفزيون :"أشكر لكم جميعاً هذه الثقة .ولو أنني كنت أتمنى لو كان ذلك بالإجماع."
قال إميل:"إننا جميعاً نساندك يا عزيزتي وإذا كان ثمة شخص غير موافق فليتقدم ويأخذ مكانك."
قال روجر محذراً لا تنظر إليّ فأنا لا أريد أن أبدو أحمق أمام سكان بورت ارمسترونغ وإذا كانت ميلودي تريد هذا العمل فقد حصلت عليه كما أعلم."
قالت ميلودي:"إنني غير متأكدة من أنني أريد هذا العمل .ذلك أن ثمة شيئاً بالنسبة إلى المدعو دون هيلرمان يجعلني لا أثق به تماماً.إنه في الحقيقة جعلني متخوفة ولكنني لا أريده أن يظن أننا تراجعنا عن أهمية مساندتنا لذلك المجمع."
في البداية شعرت المساعدة الحديثة العهد في العمل بالفزع عندما طلبت منها ميلودي الاجتماع بدون هيلرمان قبل أن يبدأ العرض على الهواء .وقالت بإصرار:"لا يمكنني إزعاج السيد دون هيلرمان أثناء وضع الماكياج إنه سيتضايق جداً."
قالت لها ميلودي:"إنني متضايقة جداً ذلك أن السيد هيلرمان لم يكلف نفسه عناء الرد على عدة مكالمات مني، منذ أقنعني بالظهور في برنامجه.وأريد فرصة أتناقش فيها معه مسبقاً حول بعض الأسئلة التي قد يوجهها إليّ."
قالت المساعدة:"سأرى ما أستطيع عمله في هذا الشأن."
ثم غادرت المساعدة بعد أيام قالت :" كوني مستعدة بعد ثلاث دقائق يا آنسة وورث وتعالي معي لأريك أين تقفين قبل أن تبدأ المقابلة."
كان واضحاً أن ليس لدى دون هيلرمان نية في أن يسمح لضيفته بعدة دقائق من وقته الثمين.وعمق في نفسها ذلك الشعور بالخوف الذي ابتدأ في اليوم الذي أعطته موافقتها على الظهور في برنامجه .

كان الاستديو خليطاً من الأسلاك الكهربائية وآلات التصوير.وكانت الأضواء الساطعة مثبتة في الزاوية ، حيث رأت مقدم البرامج واقفاً يشكو من شيء ما، بينما شخص في غرفة الماكياج كان يتخلل شعره الخفيف بأصابعه قلقاً وخلف الأضواء أمكن لميلودي أن تميز بشكل غير واضح همهمة النظارة وحركاتهم .
وعلا صوت يقول:"ثلاثين ثانية."لتنسى ميلودي فجأة كل شيء حتى جايمس وفي الواقع أصبح ذهنها ضفحة بيضاء عندما تملكتها حالة من التوتر لم تعرفها من قبل.
الموسيقى المصحوبة بتصفيق جماعي جعلت خفقات قلبها تتسارع عندما برز دون هيلرمان بكياسته المألوفة يتكلم إلى الكاميرا وكأنما هي صديق قديم عزيز وابتدأ مقدمته المعتادة:" سيداتي سادتي نقدم إليكم برنامج شوارع المدينة."
ربتت المساعدة على كتفيها برقة وهي تهمس أستعدي يا آنسة وورث ...سيحل دورك في أية دقيقة ." وارتفع صوت على الشاشة يعلن:" تحويل مركز مهجور لتعليب السمك .نقل ثلاث مجمعات سكنية من سوق تجاري .السبب ظاهراً هو جدير بالاحترام.ولكن ما الذي حقاً دعا إلى نقل هؤلاء المستأجرين من سوق كاتس آلي؟ أهي الإنسانية وحب الخير ...أم الجشع؟سنعلم ذلك الآن .أهلاً وسهلاً بأول ضيوف البرنامج الآنسة ميلودي وورث."
تصاعد تصفيق فاتر عندما تقدمت ميلودي نحو آلات التصوير مدفوعة بيد من خلفها ،وقد بهرت عينيها الأضواء القوية ، وكان أول ما خطر لها هو أن تتقدم إلى مقدم البرنامج لتوجه إليه صفعة مدوية لتقديمه السيئ ذاك ، ولكنها كانت تدرك أنها باستسلامها إلى هذه النزوة ستكون الخاسرة وإن لم تتمالك مشاعرها فسيكون من السهل على دون هيلرمان حينذاك أن يجعلها تبدو حمقاء فارغة العقل.
ابتدأ البرنامج قائلاً :"اخبرينا يا آنسة وورث عن سبب التزامك بفكرة فتح مركز تجمع لسكان المنطقة التي تعملين فيها؟"
أجابت ببرود:"ذلك لأنني وجدت حاجة لذلك."
كانت قد صممت على أن الاختصار في الجواب هو أسلم طريقة من الإفاضة والفصاحة.
عاد يسأل:"ما الذي تريدين أن يكون في هذا المركز بالضبط؟"
أجابت:" أريد مطبخاً يقدم وجبات طعام رخيصة ومغذية لأولئك الذين لا يستطيعون توفير الطعام لأنفسهم ،وغرفة للمطالعة تحوي مدفأة ومقاعد مريحة يستطيع فيها الشخص أن يطالع الصحف،غرفة للعب تحوي طاولة للبليارد، بتعبير آخر يجب أن يكون ثمة مكان يتمكن فيه الشخص من أن يستمتع بالاجتماع إلى غيره من الناس ."
وتوقفت تلتقط أنفاسها ثم استطردت:"ثم المنامة، حيث يستطيع الشخص أن يجد سريراً يبيت فيه عند الحاجة."
رفع هيلرمان حاجبيه وهو يمرر يده على شعره ثم سأل بريبة:"هل تراك تتحدثين عن مأوى ومطبخ يقدم الحساء يا آنسة وورث؟"
أجابت:"سمه ما شئت المهم هو أن ثمة حاجة ماسة إلى مثل هذه التسهيلات لمن هو في حاجة إليها .ذاك أن ثمة كثيرون يعيشون في الشوارع."
سأل:"تعنين بذلك الناس الفقراء المعدمين؟"
أجابت:"هذا صحيح من بعض النواحي."
مرر هيلرمان يده على ذقنه وهو يقول:"وكيف وصلت إلى ذاك القرار يا سيدتي العزيزة؟"
أجابت بجفاء تعتب عليه لهجته المتعالية:"وماذا غير هذه النهاية إذا كان الرجل المثقف لا يقوم بأية بادرة عندما ينظر إلى الخارج ،في يوم ممطر ليرى الناس الفقراء يحتمون من قساوة الجو في مدخل المتاجر؟"

كان يمكن للتصفيق الحاد الذي تصاعد من المكان أن يرسل الدفء إلى نفسها لو لم تر التوتر المفاجئ حول فمه الذي فهمت منه أنها اقترفت غلطة شنيعة ،إذ افترضت أنه سيحتمل تفوق أحد ضيوفه عليه ألقى عليها نظرة باردة جمدتها في مكانها ثم غير الموضوع بصورة مفاجئة قائلاً:"لقد ولدت في منزل ما يزال أبواك يعيشان فيه، وهو مبنى في أملاك تبلغ مساحتها ثمانية آلاف متر في مرتفعات الباسيفيكي في مدينة بورت آرمسترونغ وقد نشأت تحت عناية مربية،ثم تعلمت في مدارس خاصة،أولاً في هذا البلاد ثم في سويسرا بعد ذلك حيث تابعت تعليمك..."
قالت تصحح معلوماته ولا تريد أن تغفل فرصة سنحت مهما كانت لإفهامه:"إنني دخلت الجامعة في الولايات المتحدة قبل أن أذهب إلى سويسرا."وكان من الواضح أنه سبق وعرف كل شيء عنها حتى أنه ربما يعلم أن في فمها ضرسين محشوين.
لوح دون هبلرمان بيده قائلاً:"هذا لا يهم.وعندما عدت إلى كندا ، وأسست عملاً خاصاً بك،وذلك بفتح متجر في ماين ستريت ،جاعلة مركزك في كاتس آلي الذي تحول إلى سوق محدودة للتبضع.حدثينا عن متجرك ، يا آنسة وورث."
قالت ميلودي :"إنه يدعى يستريير ، وأنا أختزن فيه الملابس من عصور مختلفة لتأجيرها إلى الحفلات الخاصة،والمتاحف وممثلي المسارح."
قال دون هيلرمان متكلفاً الابتسامة:" لإنه بالتأكيد عمل نافع.وهو يمنحك وقتاً يمكنك من أن تقومي بأعمال إضافية تزيد من دخلك كتلك الحفلة التنكرية في شهر كانون الثاني_يناير ،التي لابد أنك شخصياً ،استفدت جيداً من ورائها .كم جمعت من النقود من وراء تأجيرك للملابس ،تلك الليلة ، يا آنسة وورث؟"
منتديات ليلاس
حدقت ميلودي فيه لحظة ،وقد صعقت مما يلمح إليه بهذا السؤال .ثم تمالكت شوارد ذهنها لتقول بكل وضوح:"إنني متأكدة من أنك ستعذرني إذا أنا لم أجب عن هذا السؤال يا سيد هيلرمان. كما إنني سأعذرك لإلقائك عليّ هذا السؤال الذي لا يغتفر."
هذه غلطة أخرى شنيعة اقترفتها .قال هو برقة:" يبدو أنك حساسة بعض الشيء بالنسبة إلى التدخل في الخصوصيات،على الأقل بالنسبة إلى خصوصياتك بالذات.ألا ترين أن هذا غريب ويدعو إلى التهكم حيث أنك تفتقدين ألإحساس بالنسبة إلى حقوق الآخرين في الحصول على نفس امتيازاتك ؟ أعني الحساسية بالنسبة إلى خصوصياتهم؟"
قالت بحدة:" لا أدري بالضبط ما هو هدفك من وراء كلامك هذا."
قال:"إذن، من الأفضل أن أقدم الضيف الثاني." ثم وجه حديثه إلى الكاميرا قائلاً:"أنني متأكد من أننا عندما نستمع إلى ما سيقوله سنعرف جميعاً ما هو هدفي من وراء كلامي هذا."
حتى ولو لم تكن تتصور ما سيحدث، فإن حدسها كامرأة جعلها تدرك ذلك على الفور، ذلك أن ما رأته أصابها بالهلع وقف منه شعر رأسها. ولم تكن في حاجة إلى أن تدير رأسها لترى ذلك الذي تقدم بكل تصميم من الناحية المقابلة.
أعلن دون هيلرمان قائلاً :"سيداتي سادتي نرحب بالسيد جايمس لوغان ،أحد أبناء مدينة بورت آرمسترونغ."
جلس جايمس لوغان على كرسي إلى جانب دون هيلرمان ، ومد ساقيه الطويلتين واضعاً الواحدة فوق الأخرى ، متكئاً على مرفقه ثم أومأ محيياً مقدم البرامج باختصار .ومع أن تحديق ميلودي الحاد لا بد وأحدث ثقبين مشتعلين في جمجمته ،إلا أنه لم يلق عليها نظرة واحدة .
عرفت بما لا يحتمل الشك ،أنه جاء ليقوم بمعركة ، وأن الاختيار وقع عليها لتكون غريمته ، وأن ليس في نيته أن ينسحب مهزومــاً
الفصـل الخـامس________________________________________


سرعان ما تدهور الأمور بعد ذلك.
سأله السيد دون هيلرمان بهدوء الأفعى التي تتهيأ للدغ:" هل نشأت أنت أيضاً في المرتفعات الباسيفيك يا سيد لوغان ."
ارتسمت على شفتي جايمس ابتسامة قصيرة جافة وهو يقول:"كلا لقد ولدت في الطرف الآخر من المدينة .في حي البحارة ، وقد تغير اسمه ،منذ أصبح مكاناً عاماً للجموع المتأنقة."
قال السيد هيلرمان:"يمكننا ،أذن القول دون خطأ ،انك ولدت في الجانب الصعب من الحياة ."
أجاب جايمس:"لا أدري إذا كان من المناسب تسمية ذلك بالصعب ،فالمنطقة كان فيها من الملاهي والغطاسين أكثر مما يجب .ويمكنك أن تتوقع ذلك في أي ميناء عادة،مهما صغر حجمه.ولكنني لم أذهب إلى فراشي قط وأنا جائع."
قال هيلرمان:"لكنني أراهن على أنه لم يكن لك مربية."
ارتسمت على شفتي جايمس ،مرة أخرى ،تلك الابتسامة الصغيرة الهازئة وهو يقول:" كلا ،لا أحد يعلم كيف كانت حياتنا."
انفجرت عاصفة من الضحك والتعاطف،ولم يفوت هيلرمان هذه الفرصة فتابع قائلاً :"وأتصور الشيء نفسه بالنسبة إلى المدارس الخاصة."
أجاب جايمس:" أوه ،أنني أعرف بعض الأولاد الذين انتهوا إلى مؤسسات خاصة ،أنما من نوع خاص..."
قال هيلرمان:"أنما ليس من النوع الذي ألفته الآنسة وورث بالطبع."

للمرة الأولى تنازل جايمس بإلقاء نظرة على ميلودي ثم قال:" كلا .فهي تبدو لي مسالمة وملتزمة تماماً بالقوانين."
عاد هيلرمان يقول وهو يشير إلى ورقة على منضدة أمامه:" إنك مهندس بحري كما أعتقد،ومتخرج من جامعة ممتازة .وقد تدربت في مصنع محترم للهندسة البحرية .وابتدأت شركتك الخاصة منذ خمس سنوات .يشار إليك في مجلة أخبار الوطن بأنك واحد من رجال الأعمال المستقلين الذين يركن إليهم ،وحائز على جائزة تصميم أحسن يخت سباق لهذه السنة ،وهذا شيء غير قليل بالنسبة إلى شاب نشأ في أفقر أحياء المدينة."
مال جايمس برأسه وهو يقول برقة:"شكراً."
خفض دون هيلرمان صوته قائلاً:"وبالتأكيد بالنسبة إلى رجل يعرف كيف يعيش سكان نصف المدينة .أخبرني يا سيد جايمس بالنسبة إلى ميلودي .ما هو رأيك في فكرة هذه السيدة الصغيرة عن تحويل مصنع تعليب سمك قديم إلى مطبخ يقدم الحساء وملجأ للفقراء من جيرانك القدماء يلمهم من الشوارع."
أجاب جايمس:"أشتم في هذا العمل رائحة لشيء غير السمك."
أنفجرت عاصفة من الضحك لتلك اللمحة الذكية منه وقررت ميلودي أنها كانت مخطئة .أنها لم تكن تريد أن تستفزه .بل أرادت أن تصعقه،ولكن في الوقت المناسب.
نظر هيلرمان إلى الكاميرا محاولاً أن يظهر بمظهر الصراحة وسأل جايمس :"لماذا تقول ذلك ؟"
أجاب جايمس:"لأن الناس الذين تظن أنها ستستفيد من ورائهم ،لن يشكروها على ذلك."
قالت ميلودي بحدة وقد تعبت من اعتبارها أمراً مهملاً:"وما أدراك ،هل سألتهم ؟"
أجاب جايمس :"لست في حاجة لذلك،أنني أدرك شعورهم .أنهم لا يريدون إحسانك وهم يأنفون منه، عدا عن أنه لا يحل مشكلاتهم الأساسية."
سأله هيلرمان:"أية مشكلات؟" وكان يبدو عليه الاستمتاع التام بالمحاورة التي تجري بين ضيفيه .
قال جايمس:"أنه شعورهم بعدم فائدتهم لشيء.أنهم ليسوا من الأشخاص الذين يطيقون الجمود.لقد أصبحوا فائضين عن الحاجة في هذا المجتمع الجديد في المدينة .والملاجئ ومطابخ الحساء هي إسعافات أولية.وليست حلاً جذرياً . أنهم رجال ونساء أيضاً ،وهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الحياة في ذلك القسم من المدينة الذي كان دوماً موطناً لهم.أنهم يريدون المساهمة ."
قال هيرمان:"يبدو أن كل ما تريده الآنسة وورث ، هو إخفاؤهم عن الأنظار.وذلك يعيدني إلى سؤالي هذا المساء ،ما هو الغرض الحقيقي من وراء هذه الحركة ،أهي الإنسانية أم الجشع والاستعلاء؟"
قالت ميلودي:"إذا كان هذا السبب الوحيد لطلبك مني الظهور في برنامجك هذا المساء،فإنك تعرض نفسك لدعوى قضائية،إذ أن كل ما فعلته حتى الآن هو تكرار ما سبق وكتبته الصحف المحلية منذ أسابيع قليلة.حتى ولو لم يقاضوك هم،فربما أنا سأفعل."
قال:"اهدئي لحظة يا آنسة وورث."
أجابت:"كلا ،أنه أنت الذي يجب أن تهدأ لأنني لم أكمل حديثي بعد.قبل كل شيء أقل ما يجب عليك هو أن تمنحني وقتاً مماثلاً للحديث على الهواء.ولكن بما أن اهتمامك مركز على التشهير دون حق ودون أن تعطيني الحق في الكلام، فأنا إذن لا أجد مبرراً لبقائي هنا،ولو كنت مكانك ،ما كنت لأقبل راتباً لكي أسلي الجمهور بأي ثمن كان،كما تفعل يا سيد هيلرمان .وهكذا لا يهمني مقدار ذرة أن يبقى برنامجك خالياً .ويمكنك أن تملأه بكلامك الفارغ المليء بالفضائح والشائعات ."ورمت جايمس الذي بقي جالساً وقد علت وجهه ابتسامة رضى نظرة ازدراء ثم تابعت تقول:"ولعلمك فإن ضيفك الثاني مستعد لأن يساعدك إذا أصابك الجفاف ."
قال دون هيلرمان موجهاً حديثه إلى الكاميرا:"إن السيدة الصغيرة تتكلم عن الدعاوي القضائية بينما هي نفسها إذا صدق مصدر معلوماتي ،تستحق إقامة الدعوى عليها..."وتوقف لحظة ليزيد من التأثير على المستمعين، ثم تابع إقامة الدعوى عليها من الضيف الآخر في هذا البرنامج وما هو السبب ؟لأن والد جايمس لوغان يرقد عاجزاً في المستشفى بسبب تصميم المستأجرين في كاتس آلي على تنظيف الشوارع حول مكان أعمالهم ممن يدعونهم غير المرغوب فيهم .إن سيث لوغان الذي كان منذ أسابيع قليلة فقط ،مليئاً بالحركة والحيوية كأي واحد منا ،سيث لوغان هذا قد أصبح عاجزاً عن الاعتناء بنفسه .والآن إذا كان هذا لا يعطينا صورة واقعية عما يجري هنا،فما الذي يعطينا الصورة أذن؟"
ونظرت إلى جايمس وقد صعقت لما أعلنه ذلك الرجل عن نية جايمس تجاهها وقالت له بذهول :"كيف سمحت لك أعصابك بأن تقبّلني بذلك الشكل ،في الوقت الذي كنت تعتزم فيه رفع دعوى قضائيةً عليّ."وجهت إليه هذا السؤال دون اهتمام بما يمكن أن يحدثه تصريحها هذا أمام الناس من صدمة لهم وازدراء إذ تكشف أمامهم عن تفاصيل حياتها الخاصة، وهي الحريصة عادة على أن لا تشارك أحداً بذلك.
أجاب جايمس وقد قدحت عيناه شراً:"كنت كذلك ،ولكن."…….
عادت تقول:"ولماذا أستغرق منك أخباري بذلك كل هذا الوقت والمداورة؟أم أن حقدك يتوقف عند هذا النوع من الاستقامة والتهذيب؟"

قال:"كان في إمكانك أن تعرفي ذلك مني لو أن في الحقيقة ..."
قالت بصوت متهدج:"وفر كلامك!" ....وتملكها الرعب إذ أحست بأنها على وشك الانفجار بالبكاء أمام كل سكان مدينة بورت آرمسترونغ. إذ أن كل إنسان يعلم أن أفضل تسلية لسكان المدينة هي مراقبة التلفزيون المحلي للمدينة.
أخذ دون هيلرمان يفرك يديه ابتهاجاً وهو يقول:"إن السيدة الصغيرة مستاءة."
اندفعت ميلودي من كرسيها بسرعة أدهشتها هي نفسها وهي تقول متوعدة:"ادعني بذلك مرة أخرى فتراني أجعل لذلك اللقب ،السيدة، معنى جديداً يمحو من وجهك هذه الابتسامة المغرورة بسرعة لا يمكنك تصورها."
وأرتبك هو قائلاً :"أوه ها نحن الآن نشاهد الجانب الآخر من هذا الوجه الوديع الذي كنا جميعاً نظنه كذلك."

هنا وقف جايمس هو أيضاً ،وهو يصرخ في وجه مقدم البرنامج المذهول قائلاً:"أخرس ." والتفت إليها قائلاً :"ميلودي."
قاطعته بحدة:"اخرس أنت أيضاً يا جايمس لوغان وإياك أن تتكلم معي مرة أخرى."
تمنت أن تركض هاربة من الأستوديو ،ولكن كرامتها أرغمتها على السير شامخة بترفع ملوكي.كانوا جميعاً ينظرون إليها فاغري الأفواه دهشة،ولم تظهر هي أية إشارة تدل على مشاعرها .فهي تفضل الموت على أن يعلم أحد منهم أنها كانت تبكي في أعماقها .ولم يكن بكائها من الغضب أو الألم أو الحرج...كلا،فقد خبرت كل تلك المشاعر من قبل،وعاشت لكي تتحدث عنها...ولكن لأن وراء كل هذا كله ،كان ثمة شيء خطير يتفاعل في نفسها .
بين اليوم الذي وقع فيه ذلك الحادث لسيث وبين اليوم الذي ابتدأ يتماثل فيه للشفاء ،كانت على وشك أن تقع في غرام ابنه المتعجرف الفظيع.
لكنها الآن وبعد أن كشف جايمس عن وجهه الحقيقي أصيبت بصدمة هائلة بعد أن أدركت ماذا حدث .كانت تبكي في أعماقها لأنها سبق وشاهدت دلائل الخطر،فتجاهلتها رغم ذكائها وسنها الناضج.
بقيت في حوض الحمام حوالي الساعة، ثم أوقدت المدفأة وجهزت لنفسها كوباً من الكاكاو ،وكانت هذه عادتها كلما وقعت في أزمة نفسية ،ومن ثم جلست تستمع إلى الموسيقى الحالمة التي يرتجلها ريتشارد كليدرمان.
استغرقت في جو الموسيقى العذب ،ووهج النار في المدفأة دون أن تشعل نوراً أو شموعاً وكان الجو في الخارج رائعاً بصفائه وبالبدر الذي يضيء الكون ،وهو ينساب فوق الأشجار والمروج الخضراء ،مخترقاً الضباب الذي يتصاعد من الجداول الصغيرة التي تجري خلال الحديقة. ولو كانت الأمور معها على غير ما هي عليه الآن لكانت ليلة رائعة لا تنسى.
اخترق الهدوء الذي كانت تحاول أن تشعر به، رنين متواصل لجرس الباب الأمامي نبه الساكنين في المبنى. ولما لم تكن تتوقع زائرين.فقد تجاهلت الأمر. وسكت الرنين، وفعل الكاكاو فعله المهدئ في أعصابها ، واستكانت مسترخية يغمرها الدفء عندما تزعزع هدوءها مرة أخرى ،لتسمع صوتاً يناديها من أمام باب شقتها مباشرة: "أفتحي الباب ميلودي ،إنني أعلم أنك موجودة ،ولن أذهب حتى تفتحي لي الباب."كان هذا صوت جايمس.
فكرت قائلة وهي ترفع من صوت المذياع ،أذهب إلى الجحيم ،يا جايمس لوغان.
صرخ بصوت طغى على صوت ريتشارد كليدرمان في المذياع: " مي..لو..دي.."
خبطت السيدة المسنة التي تسكن فوقها مباشرة،برجلها الأرض باحتجاج .وصرت ميلودي بأسنانها وهي تخفض صوت الموسيقى في المذياع ،وذهبت إلى الباب وأخذت تقول وهي ترفع غطاء الفتحة الصغيرة التي يطل منها صاحب المنزل على زائريه : " أبتعد من هنا ،أنك تسيء إلى جيراني."
زمجر جايمس : " أفتحي الباب قبل أن تسيئي أنت إليّ."
أجابت بحدة :"لن أفتح .وإذا أستمريت على هذا فسأستدعي الشرطة ليعيدوك بالقوة ."
"أذا كنت تهددينني، فليكن بشيء أكثر ابتكاراً من هذا."
قالت:" لا تغريني بأن أفعل ذلك. إذ أنني تعلمت هذا المساء كيف أتصرف بوقاحة إذا لزم الأمر." ثم أغلقت الفتحة بقوة في وجهه.
لكن الرضى الذي شعرت به وهي تشفي غليلها بهذا التصرف ،لم يدم طويلاً إذ أن جايمس دفع الباب ،دون إنذار دفعة قوية هزت أرجاءه وهو يقول رافعاً صوته:"أما أن تفتحي الباب يا ميلودي ،أو أقول هنا أمام الباب،ما جئت لأقوله لك،فيسمعني جيرانك ، وسأبدأ بذكر الطريقة التي هاجمتني بها في السيارة والتي..."
صرخت:"سأستدعي الشرطة حالاً."
ضحك قائلاً: "إنهم لن يأتوا راكضين لأجل شيء تافه مثل هذا.إن تقبيل رجل لامرأة في المقعد الأمامي من سيارته ،ليس جريمة ." وأمسك بمقبض الباب يلويه بعنف بالغ جعله يحدث صريراً عالياً ثم قال: "والآن أفتحي الباب لكي أدخل."

سمعت ميلودي صوت جارتها يصرخ من أعلى السلم :"أسمع أيها الشاب إنني امرأة عجوز في حاجة إلى الراحة ،فتوقف عن هذه الضجة ،وإلا استدعيت الشرطة .وأؤكد لك أنهم لن يترددوا في تصديق كلامي عن تصرفك الوقح ."
قال جايمس: "أنني التمس المعذرة منك يا سيدتي ويؤسفني أن أكون تصرفت بمثل هذه الوقاحة."
شعرت ميلودي بارتياح ممزوج بالندم وهي تسمع خطاه تبتعد عن بابها ،لتسمع بعد ذلك صوت هدير سيارة ،ثم انوارها تتألق لحظة ، على زجاج نافذتها ،ليسود الصمت بعد ذلك ، لا يعكر هدوء الليل سوى صوت ريتشارد كليدرمان يغني في المذياع أغنية( صوت القمر).
كان اليوم التالي جحيماً حقيقياً.
استقبلها روجر عند أول خطوة لها في السوق قائلاً: "لقد كنت كارثة أمس،إذ أن دون هيلرمان مسح بك الأرض."
قالت كلو: "ما الذي كنت تتوقعين غير هذا عندما تظنين أن التظاهر والأناقة الزائدة هي كل شيء ،وأنت المرأة الناضجة ؟ إنك تستحقين ما حدث لك إذ ذهبت إلى هناك أشبه بطفلة تؤدي عمل امرأة."
تمتم إميل: "يا صغيرتي المسكينة."
لكن أدريادن نظرت إليها باحترام وهي تقول: "هل قبلك حقاً ذلك الرجل الوسيم؟لو كنت أنا..."وجمعت أصابعها تقبل رؤوسها وهي تتابع: "لا أعرف ماذا كنت أقول."
قالت كلو بحدة:"حسناً ،أنا أعرف .أظنك تعلمين يا ميلودي وورث ،أن جايمس لوغان يهدد برفع دعوى عليك وحدك .لقد قلت أنا منذ البداية أن مسألة عمل الخير هذا لن يسبب لنا سوى الإزعاج وكنت على حق،دعي الناس يتولون أمر أنفسهم ،كما كان عليّ أنا أن أفعل ."
قال جستين:" أتظنين يا ميلودي ،أنه ينوي حقاً أن يقاضيك ؟كنت أظن أن أباه في طريق الشفاء."
قال روجر: "كان عليك أن تعلم أكثر من أي شخص آخر يا جستين أن الشفاء الظاهر وحده لا يكفي .ذلك أن الرجل العجوز حتى ولو خرج من المستشفى سليماً معافى ،فهو يمكنه الإدعاء بألم مبرح دائم في رأسه مثلاً إلى غير ذلك...والمسألة هي إذا رفع جايمس لوغان الدعوى باسم والده ،فإننا جميعاً سننتهي إلى الفقر المدقع .إذ ليس ثمة قاضٍ في مساحة خمسين ميلاً سيحكم في صالحنا بعدما حدث أمس في ذلك البرنامج التلفزيوني.لا تغضبي يا ميلودي إذا قلت لك أن ما قمت به أمس كان أسوأ شيء يمكن تصوره.لماذا لم تدحضي اتهام هيلرمان بدلاً من أن تنشري تفاصيل حبك على الناس؟ "
أجابت ميلودي: "إن رجلاً مثله لا يستحق الحب في نظري."
قالت كلو بازدراء: "ما كان لك أن تستغفلينا بالطريقة التي تصرفت بها. لقد ظننت أن كل ممثلي دور العشاق في هوليوود قد تقمصوا في ذلك الرجل ،وأنه على الأقل ،عرض عليك الزواج."
قال جستين:"إذا لم يكن فعل ذلك فهو أحمق."
أجابت كلو بحدة: " وستكون هي حمقاء أيضاً ،إذا هي قبلت عرضه.على كل حال ، لا أظنه ينوي الزواج منها ما دام يريد أن يقيم دعوى قضائية .فدعينا إذن نعود إلى المهم .من هو الذي سيتضرر منا إذا أصر جايمس لوغان على رفع الدعوى؟"
قالت ميلودي بضعف: "لقد سبق وأخبرتك بأنه إذا حدث هذا الأمر ،فسأتحمل كامل المسؤولية." لقد شعرت بعدم الاهتمام في ما لو أعلنت إفلاسها عند ذلك ، ولا شك أن لدى كلو أسبابها الخاصة التي تجعلها تشكك في الرجال عموماً ،ولكن جايمس قد هدم المثل العليا لميلودي، في أسبوع واحد .ولم تعد تشعر بالرغبة في تلك الأوهام مرة أخرى .

كانت ميلودي محظوظة عموماً مع الرجال الذين سبق وشعرت نحوهم بالعاطفة في حياتها ،مع أنه لم يسبق أن أجتذبها أحد ،كما أجتذبها جايمس لوغان .كانوا دون استثناء رجالاً مقبولين عاملوها بكل احترام .أما أن يسرق قلبها رجل مثل جايمس بعجرفته...فهذا ما كان يسبب القلق والضيق.
قال لها روجر :" لو كنت مكانك ،لاستشرت محامياً .فكلنا نعلم أن كلو امرأة تخطى أحياناً ،ولكنها في رأيها ذاك ،كانت محقة . ذلك أن جايمس لوغان قد يجعلك تخسرين كل شيء إذا هو رفع عليك دعوى قضائية."
كانت ميلودي تعلم أن روجر على حق في كلامه هذا، وأنها يجب أن تستعد لحماية نفسها على الأقل حتى لا تدع جايمس ينعم بانتصاره عليها .وهكذا زارت محامياً صديقاً يدعى ويل ماك اليستر، مما جعلها تصل إلى منزلها في السابعة بدلاً من السادسة كالعادة.
عندما أصبحت في ردهة شقتها الخاصة وضعت معطفها وحذاءها الطويل وحقيبتها جانباً، ثم دخلت مباشرة إلى غرفة النوم.وهي تفك أزرار قميصها، لكي تبدأ ليلة أخرى في معطفها المنزلي الصوفي الناعم وخفها المصنوع من الفراء، وفي يدها كوب الكاكاو تتناوله أمام المدفأة ليجلب الهدوء إلى نفسها بقدر ما يجلبه إلى معدتها.
كان المصباح النحاسي الموضوع على المكتب قرب باب غرفة الجلوس، هو الوحيد الذي ينير طريقها في أرجاء البيت.وكانت تحتفظ دوماً بشموع في متناول يدها.
أرتفع صوتاً وكأنه آتٍ من أعماق كرسي ذي ذراعين خلفها يقول: "هذا رائع."
لم تتمالك ميلودي نفسها من إطلاق صرخة ذعر. ولكن خوفها سرعان ما تلاشى لتقول باستسلام: "لا أدري لماذا لم يغم عليّ لسماعي صوتك غير المرغوب هذا."
أجاب جايمس: "ربما كنت على وشك ذلك." وكان في الأثناء ينهض من على الكرسي ثم يقف مشرفاً عليها بقامته الفارعة وهو يتابع قوله: " وربما كان السبب يناسب غروري."
قالت ميلودي وهي تشد من حزام معطفها المنزلي حول جسدها وكأنها تطرد بذلك الأفكار السيئة من ذهنه: "إنني آسفة إذ أخيب أملك في هذه الحالة ،ذلك لأنني أكثر حزماًً وهدوء أعصاب مما تظن."
قال: "وربما لأن السبب هو أنك أعتدت أن تجدي رجالاً في غرفتك عندما تعودين من العمل ،هل هذا صحيح يا ميلودي ؟ "
أجابت: "هذا ليس من شأنك."
أقترب منها خطوة وهو يقول: "إن الجواب هو عادي تماماً كقولك ذاك سأستدعي الشرطة إن لم تبتعد."
أجابت: " أنك تتكلم بلهجة سوقية."
قال مبتسماً وقد تألقت عينيه في وهج نار المدفأة: "صدقيني يا سيدتي أنني يمكن أن أكون أحياناً سوقياً تماماً."
قالت تتصنع المرح: "أنني أصدقك تماماً ."وفكرت بأسى، أليس في انتظام أسنانه عندما يبتسم ما يكفي حتى يضاف إلى ذلك تلك الغمازتان؟وعادت تقول: "أصدق ذلك بسهولة ."
قال: "أنني لم أحضر إلى هنا للشجار معك يا ميلودي."
أجابت: " أن سبب حضورك لا يهمني.ولكن الذي يهمني هو أن تخرج بأسرع وقت ممكن."
هز رأسه قائلاً: "ليس قبل أن نتحدث معاً يا عزيزتي."
قالت: "ثمة هاتف على تلك المنضدة ولا يستغرق الوقت لكي..."
قاطعها قائلاً: "لكي تتصلي بالشرطة..."وتنهد متصنعاً الصبر، ثم رفع صوته بشكل مضحك مستنجداً: "النجدة أيها الضابط. ثمة رجل غريب في غرفتي."
حاولت إخفاء ابتسامتها وهي تقول: "هل تعترف بأنك رجل غريب يا جايمس؟ "
عاد يقول محذراً بصوته الطبيعي: "دعي عنك هذا يا ميلودي، ولا تفكري في إجراء تلك المخابرة."
استاءت قليلاً لإدراكها أن منعه لها من المخابرة ،بعث في جسدها ارتعاشاً.
قالت: "يمكنني أن أصرخ مستنجدة فتسمعني جارتي فتستنجد هي عند ذلك بالشرطة."
قال ببساطة: "أنها ليست في المنزل،لقد شاهدتها تذهب بسيارة أجرة حالما تسلقت شرفتك.ما كان ينبغي لك أن تتركي مفتاحك الإضافي في ذلك المكان المكشوف يا عزيزتي.إنك لا تعرفين من الذي قد يعثر عليه."
أخيراً قالت له بجفاء بعد إذ رأته يسد عليها السبل: "ما الذي تريده بالضبط يا جايمس؟ "
قال: "أن أتحدث إليك."
قالت: "حسناً، تحدث بسرعة فأنا جائعة، وأرغب في تناول الطعام قبل حلول الصباح."
قال:"يمكننا أن نأكل ونتكلم في نفس الوقت."
قالت: "إنك أسأت فهمي فأنا لم أدعك إلى العشاء .ولم أكن أتوقع قدومك .وليس عندي ما أقدمه إليك."
قال: "لا بأس، يمكننا أن نطلب شيئاً لنأكله. ما رأيك بالبيتزا؟"
أجابت: "أنا لا أحب البيتزا."
قال: "هذا شيء تافه لذوقك المرفّه .ما الذي تريدينه إذن؟ "
قالت: "كنت أنوي تناول البازلاء."
قال مندهشاً:"البازلاء؟أتعنين...؟"
قاطعته ميلودي بصوت مرتفع: " ما هو المثل الذي يقول معناه ،إذا لم تستطع أن تضربه فتحمله؟" وهزت كتفيها مستسلمة وهي تتابع قائلة: "أفتح علبة البازلاء،وسأجهز أنا الخبز المحمص."ثم اتجهت نحو المطبخ،وهي تلحظ بسرور خفي،أن نظراته تركزت على الهاتف بقلق حين مرت هي به في طريقها.
كانت قد أنهت تقطيع الخبز وتجهيز الكاكاو،حين لاحظت أن جايمس لم يفلح في فتح علبة البازلاء.ولما أفلتت منه فتاحة العلب للمرة الثالثة لتتدحرج على الأرض،سألته: "هل هكذا جميع العسر يرتبكون مثلك عندما يقومون بعمل يدوي؟"
تمتم قائلاً وهو يحرك أصابع يده اليمنى برقة: "إنني لست أعسر."
هتفت ميلودي وهي ترى الكدمات على يده والورم حول عظام أصابعه: "جايمس،ما الذي حدث لك؟ "
قال: "هل تصدقين أن هذا بتأثير قرعي على بابك الليلة الماضية؟ "
أجابت وهي تخرج وعاء الثلج من الثلاجة: " كلا، أنك لم تقرع الباب بهذه القوة البارحة .ما الذي حدث لك ولا تريد أن تخبرني به؟ "
نظر إليها من تحت أهدابه قائلاً: " لقد فقدت أعصابي فلكمت أحد الأشخاص."
قالت: "تباً .أنظر ماذا فعلت بنفسك."
ارتسمت على ملامحه مزيج من الابتسامة المتكلفة، والألم وهو يقول: "كان ينبغي أن تري ما حدث للرجل الآخر."
قالت وهي تمسك بيده تدعكها بالثلج: "ومن هو؟ "
قال: "إن برودة الثلج مؤلمة." وكان قد أقترب منها كثيراً. وكان هذا لا مناص منه،ولكنها مع هذا شعرت بالرجفة تتملكها .
قالت: "كف عن الشكوى وأجب عن سؤالي."
قال: "إنه دون هيلرمان."
فغرت ميلودي فمها وهي تسأله : "مقدم البرامج؟ "
أجاب: "أنه هو نفسه. لقد فغر فمه كما تفعلين أنت أنما بتصلب أشد. وكنت أريد الاستمرار في ضربه لو لم يتدخل العمال ويخلصوه من بين يدي."
قالت: "إن العنف نادراً ما يأتي بنتيجة جيدة."
قال: "ربما هذا صحيح في بيئتك أنت يا سيدتي .ولكن حيث نشأت أنا ،العنف ينهي خلافات كثيرة.وأنا ،وإن كنت لا أؤيد ذلك كثيراً، أرى أن لكمة على الفك تحل مشكلات كثيرة أكثر مما تفعل طرقك المتمدنة التي تستعملينها."
قالت وهي تدفع يده في وعاء الثلج بشدة : "ربما ستتهم بمهاجمته."
أجاب: "كنت هائجاً."

قالت: "إنك بهذه الحالة ،قد تمضي أمام المحكمة وقتاً أطول من الذي قد تمضيه بجانب سرير والدك في المستشفى."
أخرج يده مرة أخرى من وعاء الثلج ،وهذه المرة حمل الوعاء ثم أفرغه في حوض الغسيل وهو يجيبها قائلاً: "هذه المسألة هي أحد الأشياء التي أريد أن أتحدث معك في شأنها ."
ودت لو تتفوه بكلمة. لم تريد أن يذكرها بالأسباب التي أغضبتها منه والتي جعلتها تحتقره وتريد طرده من بيتها. وأجابته باختصار وهي تستدير محولة انتباهها إلى الخبز المحمص الذي كان قد بدأ يبرد: "تحدث بهذه الأشياء إلى محامي الخاص."
استدار متقدماً ليقف خلفها قائلاً: "ميلودي؟ "
أجابته: "ماذا؟ "
أمسك بكتفيها يديرها نحوه قائلاً: "أنظري إليّ." ولما رفضت مقابلة نظراته، أمسك بذقنها يرفع وجهها إليه قائلاً: "إنني آسف إذ سببت لك الألم."
حاولت أن ترسم على شفتيها ابتسامة صغيرة، ابتسامة أرادت بها أن تخبره أن أي شيء ما كان ليسبب لها ألماً أكثر من هذا.وحيث أنه كان ما يزال يمسك بذقنها، فقد شعرت بها ترتجف وهي تهم بالبكاء. وكان العقل يفرض عليها أن توقف أي شيء يسبب لها الإحراج كلما استطاعت.ولكنها فقدت كل عقل ومنطق منذ اليوم الذي دخل فيه جايمس حياتها.
قالت بصوت حزين: " لا أدري عما تتحدث."
أظهر جايمس آهة مشابهة لتلك التي أطلقها قبل أن يقبلها أول مرة في ذلك اليوم في السيارة .آهة ارتباك وإحباط ،وكأنه لا يعرف كيف حدث وتحولت تلك الشفقة البسيطة نحو أبيه المريض، إلى مثل هذه العلاقة المعقدة الخطرة، وزاد من اقترابه منها بحيث حشرها فلم تجد مفراً حتى ولو شاءت.

الفصل السادس

قال جايمس مستغلاً ،دون خجل كونها أصبحت أسيرته: "إنني اسلم بأنك مضللة في افتراضك، انك تعرفين ماهو الأفضل بالنسبة إلى أناس لم تحاولي فهمهم .كما أعترف بأن أول ما خطر لي حين سمعت عن الحادث الذي وقع لسيث، هو أن أرفع دعوى قضائية ضدك وضد كل من له علاقة بقضية جمع المال لذلك المشروع الأحمق . ولكن ذلك قبل أن...." وتوقف عن الكلام وهو يبلل شفتيه، ثم هزها بخفة قائلاً: "كفي عن النظر إليّ بهذا الشكل يا ميلودي ،وإلا دفعتني إلى اقتراف شيء سأمضي العمر في الندم عليه."
لكنها إزاء صوته العميق الأجش ،لم تستطع تمالك مشاعرها وبدلاً من أن تستمع إلى كلامه ،أخذت تحدق في فمه مأخوذة بحركات شفتيه وهو يتحدث وفي الحقيقة كانت هناك كلمة واحدة يمكن تصف جايمس لوغان وهي ليست كلمة (بغيض )ولا (متعجرف)ولا ::::::::كما كانت تحاول أن تقنع نفسها بذلك مؤخراً ،بل هي كلمة (عاطفي ( .
كان كل ما قاله أو فعله نابعاً من هذه الصفة، والعجيب في هذا الأمر، أو الخطر على الأصح، هو أنه إما أن يكون لا يعرف ذلك، وإما أنه لا يهتم به. كما أن اهتمامه بعدم التورط معها جعله يغفل عن التأثير الذي أحدثه فيها.
اعترفت مرغمة بأن ذلك كان أكثر ما لاحظته، وكلما طال أمد معرفتها به، أزداد سحره عليها، ولم يكن هو ذلك الرجل الذي يمكن أن تتخيل نفسها واقعة في حبه، كما أنه لم يكن الرجل الذي كانت تتصوره زوجاً لها يوماً. ومع ذلك بالإضافة إلى إغضابه لها إلى هذه الدرجة، كان الرجل الوحيد الذي تآمر ضدها وتحداها إلى درجة خافت معها أن يستغرق ذلك كل حياتها هنا على هذه الأرض قبل أن تشعر بالملل منه، وسألته بنعومة: " ما هو الشيء الذي قد تفعله يا جايمس فتمضي بقية عمرك نادماً عليه؟ "

أمسك بكتفيها يدنيها نحوه حتى لم يبق لديها شك في العمل الذي يريد أن يقوم به والذي سيمضي العمر نادماً عليه كما قال، وشعرت برغبة نحوه أفزعتها، فأغمضت عينيها بسرعة قبل أن تفضحاها.
قال مهدداً بغضب: "قد أقبلك."
فتحت عينيها مذهولة وهي تقول: " ماذا؟ "
قال: "إذن كفي عن ألاعيبك هذه وافتحي هذه العلبة اللعينة."
ألاعيبها ؟ إنها لم تكن يوماً في حياتها بمثل الجد الذي هي عليه الآن فقالت معترضة: "إنني لم أقم بألاعيب."
لكنه كان قد أبتعد عنها، تاركاً صقيعاً بارداً بدل الدفء الذي كان ينبعث من جسده.
أجاب: "بل كنت تفعلين.كنت تمثلين دور سيدة محترمة تلهو بعواطف أولئك الأجلاف القرويين . حسناً ،إنك لست في حاجة إلى القلق ،ذلك سبق وأخبرتك أنني لن أقاضيك ،ولو كنت بقيت أثناء ذلك البرنامج ،وسمعت كلامي ،بدلاً من أن تهربي خارجاً، لكنت أخبرتك بذلك، ونصف سكان هذه المدينة شهود عليّ، وكان ذلك الرجل الأحمق قد أبقى فمه مقفلاً إلى أن أخرج من ذلك الأستوديو دون أن أشعر بالحاجة إلى ضربه."
قالت: " الذنب ذنبي إذن في عدم استطاعتك ضبط نفسك؟"
تنهد بعمق قائلاً: " يا سيدتي العزيزة لو كانت هذه هي الشكوى الوحيدة لي منك، لكنت دعوتك إلى العشاء هذه الليلة، لذلك فإن أفضل شيء بالنسبة إليّ، هو أن أخرج بسرعة من مطبخك هذا وأتركك تستمتعين وحدك بالبازلاء والخبز المحمص."
لم يكن ثمة شيء بالعالم يجعلها تكشف أمامه عن مقدار شوقها لبقائه، وهكذا قالت بغطرسة: "لا بأس على كل حال، فالطعام هذا لا يكفي أثنين."
قال بحدة: " وكذلك لا أظنك معتادة على إشراك الآخرين معك."
تركها خارجاً من الباب الأمامي مجتازاً المسافة إلى سيارته في ثوان، وأدار محرك سيارته بسرعة قبل أن يفقد عقله.
لم يصدق أنه كان على وشك أن يفعلها مرة أخرى. إذ لو بقي دقيقة واحدة لكان قبلها حتماً وربما أكثر.لا بأس، إن كل هذا يذكره بأنهما من بيئتين مختلفتين.ولا بأس ، كذلك إذ حصلت له فرصة يختلط فيها بالطبقة الراقية .وهذا لا يغير من حقيقة نسبها الأصيل، كان يعلم منذ زمن طويل،أن الدم الأحمر لا يمكن أن يمتزج بالدم الأزرق الأرستقراطي. وبدأت معرفته تلك عندما كان في الحادية عشرة من عمره مبتدئاً بأول عمل له كصبي بقال يأخذ البضائع للزبائن، إذ قالت له سيدة المنزل وقد بان الألم في ملامحها: "لماذا تأتي من الباب الأمامي؟ أستعمل الباب الخلفي في المرة القادمة."
أدار راديو السيارة لكنه سرعان ما أقفله إذ تعالت أغنية (عينا ملاك) التي لابد أنها الفت خصيصاً لميلودي وورث. وفي الواقع جعلته عيناها على أتم استعداد للغرق في أعماق نعومتهما المخملية وهما اللتان جعلتا عقله وجسده يكادان يحيدان عن الطريق المستقيم.
ما لبث أن حول اتجاه أفكاره إلى مجرى أكثر نفعاً.مثلاً، ما الذي سيفعله بالنسبة لسيث في الأسابيع القليلة المقبلة؟ وكان الخبر السار هو أن والده سيسمح بالخروج من المستشفى. أما الخبر السيء فكان أن والده سيكون في حاجة إلى عناية كاملة بعد ذلك، لمدة شهر على الأقل. أو حتى الوقت الذي يستطيع هو رعاية نفسه بنفسه. وهذا لن يكون قبل أن يتعود على المشي على العكازين.
كانت هناك نظريتان الأولى هي أن سيث في إمكانه استعمال كرسي بعجلات.والثانية هي أن يسمح لامرأة تمتهن المساعدة في المنازل، بأن تتردد على أبيه يومياً لمدة بضعة أسابيع. ولكن بالنسبة إلى طبيعة والده، فهو سيرفض النظرية الأولى وقد لا يقبل بالأخرى، مما يجعل جايمس مرغماً على تمديد أقامته في المدينة. والأسوأ من ذلك أنه كان عليه أن يمضيا خمس دقائق في نفس الغرفة، دون أن يتشاجرا.ولا يعلم كيف ستكون الحال حين يعيشان تحت سقف واحد.

أن ميلودي تعرف تماماً كيف تتحايل على سيث بالهدوء والصبر في معاملته، إن كل ما عليها عمله هو أن تحدق فيه بعينيها الواسعتين البريئتين، وبعد لا ذلك...
تجهم وجه جايمس، وأنعطف بسيارته دون أن يرى الثلج المتراكم،وراعه أن يرى السيارة تدور على نفسها لتصبح مقدمتها إلى الناحية التي جاءت منها.
كانت السيارة أكثر تعقلاً منه إذ تحاول الرجوع إلى ميلودي. لماذا أتهمها بأنها تقوم بالألاعيب، بينما أي أحمق، في استطاعته أن يلاحظ براءتها؟هل يشعر بالسرور في إيلامها...أو إيلام نفسه؟
أخذ يشتم وهو يضرب بقبضته عجلة القيادة. ولكنه أجفل إذ تفجر الألم في أصابعه المصابة صعوداً إلى مرفقه. وأخذ يشتم ثائراً مرة أخرى.
لم يكن من نوع الرجال الذين يرفسون الأطفال والجراء . ولم يكن من عادته أن يستمتع بإيذاء الآخرين حتى لو ظن نفسه كذلك. كانت في أعماقه شهامة تدفعه إلى إنقاذ السيدات العجائز من البيوت المحترقة، ومعاملة أية سيدة تطلب العون بكل لطف وكياسة. فمتى تراه تغير إلى هذا الحد؟
منتديات ليلاس
أنه يعرف متى حدث ذلك. حدث عندما عاد إلى مدينته بورت آرمسترونغ ليجد نفسه بين فئتين مختلفتين من المجتمع. تباً لهذه المدينة الصغيرة البائسة وكل من فيها.
عادت ميلودي فصنعت خبزاً محمصاً جديداً، وفتحت علبة البازلاء، ثم وضعت محتوياتها في الفرن لتسخن. وملأت الإبريق بالكاكاو. وعندما انتهى تجهيز كل شيء،وضعته على صينية نقلتها إلى غرفة الجلوس،ثم جلست على الأرض أمام المدفأة.
قررت الاستماع إلى الموسيقى هذه الليلة فقد كان مزاجها سيئاً...كلا أنها حزينة ... و طرفت بعينيها تمنع دموعها من أن تسيل إذ لم يكن ثمة سبب يدعوها للبكاء.لم تكن المسألة كما لو أنها فقدت شيئاً...فقد سبق وظنت أنها وجدت شيئاً ولكن جايمس أزال الغشاوة عن عينيها قبل أن تتأصل هذه الفكرة في نفسها.
سمعت صوتاً مكتوماً خارج باب الشرفة جعلها ترفع ناظريها.كانت ثمة دقات على باب الزجاج ووجه جايمس يبدو من خلاله. وقال يبتسم: "مرحباً." ثم مال برأسه جانباً وكأنه خاف أن تلقي عليه البازلاء التي كانت على وشك تناولها.
لكن لم تكن لديها الطاقة الكافية التي تجعلها تتصرف كالليلة الماضية، فقد كان أسهل عليها أن تسمح له بالدخول، وتسمع كلامه مفترضة أن عنده ما يقوله. فلربما نسي عندها معطفه مثلاً أو شيئاً ما... إذ كان كل ما يرتديه للحماية من البرد، هو كنزة سميكة فوق قميص قطني.
فتحت الباب تومئ له بالدخول. ثم وقفت جانباً، عاقدة ذراعيها فوق صدرها، ثم انتظرت، قال وهو يسير ببطء نحو المدفأة: "أنني آسف. فأنا لست سوى ريفي جلف عديم الإحساس، ولكن هذا معك فقط."
قالت: "هل أنت تسرني بكلامك هذا يا جايمس؟ "
أجاب: "كلا، إنه يسرني أنا، إذ أنني أكره أن لا أجد عذراً لتصرفي بذلك الشكل."
نظر إليها في انتظار أن تقول شيئاً. وفكرت هي في جواب مناسب، جواب يفهم منه أنها سيدة حقاً، أو شيء يسكته كما يستحق. وأشارت إلى الصينية قائلة: "هل تريد شيئاً من البازلاء؟"
قال بابتسامة على جانب فمه: "بالتأكيد."
قالت: "سأحضر صحناً آخر ثم..."
أوقفها عن السير إذ مرت بجانبه،وذلك بإمساك طرف حزام معطفها وهو يقول: "دعيني أقوم أنا بذلك."
بينما كان يفتح الأدراج والخزانة، كانت تصلح النار في المدفأة.عاد وقد خلع كنزته ثم جلس إلى جانبها على السجادة. وليشعر براحة أكثر، جذب قميصه من تحت البنطلون ثم جلس مسترخياً.
قال وهو يفرغ نصف البازلاء في صحنه ويتناول قطعة من الخبز: " أتعلمين أنك جعلتني مجنوناً؟ لقد كنت أحيا حياة هادئة جميلة إلى أن جئت لتشيعي الفوضى في تلك الحياة."

قالت دون اقتناع كبير إذ كانت تعرف بالضبط ما الذي يعنيه: "إن هذا الاتهام غير عادل."
لقد كان مجرد وجوده كافياً لقلب حياتها هي أيضاً رأساً على عقب.


قال: "إنني أدرك أن الإنسان قد يستطيع أن يعيش حياته كما يريد. ولكن الأحداث غير المتوقعة هي التي تجلب الإثارة لتلك الحياة، لكي لا تكون الحياة مملة."
رددت كلامه، وأخذت تراقب حركات شفتيه الجذابة وهو يأكل، شاعرة بالاستمتاع لذلك. وعاد يقول: "إن الأحمق وحده يصر على تشكيل حياته بشكل لا يناسبها."
أومأت برأسها موافقة، وعاد يقول: "أنا وأنت، مثلاً...أنا مهندس بحري وهذا ما يجعلني واقعياً رياضي العقل أكثر من الفنان، مع أنني أهتم بالنواحي الجمالية...فأنا أصمم السفن متوخياً فيها السرعة والأمان. وأنت..." وتوقف عن الكلام.
أكملت هي كلامه قائلة: "أجمع الملابس القديمة... ما الذي تريد قوله يا جايمس؟ "
وضع صحنه على الصينية بشيء من العنف، وكان وجهه الذي حددت تقاسيمه نار المدفأة، بالغ الوسامة، وأجابها قائلاً: " البيئة والنشأة مختلفتان. إننا غير متلائمين."
التفت ينظر إليها...حدق في فمها، في وجنتيها، في شعرها، في عينيها، ثم أغمض عينيه وهو يأخذ أصابعها بأصابعه... وللحظة، ظنت أنه سيدفع بيدها بعيداً... ولكنها ،في اللحظة التالية ، وجدت نفسها بين ذراعيه. أرادت أن تقول له أن يسحب كلامه الذي قاله عن عدم تلائمهما.ولكن أكثر من كل شيء كانت تريد أن تخبره كم تحبه .
قالت بسرعة: "لقد أصبح الوقت متأخراً." فأعتدل جالساً وهو يقول: "هذا صحيح."
قالت تسأله: "كيف حال سيث؟ إنه كان أحسن كثيراً في آخر مرة زرته فيها."
أجاب: "إنه فعلاً كذلك.وهو سيخرج من المستشفى في خلال أيام."
اعتصرت قلبها يد باردة وهي تقول: "هل يعني هذا أنك ستترك المدينة يا جايمس؟ "
نظر إليها قائلاً: "نعم عاجلاً أم آجلاً."
سألته متقطعة الأنفاس: " متى ؟"
قال: "لِِِمَ هذا السؤال؟ انك تعلمين منذ البداية أنني لن أبقى هنا،أم ثمة شيئاً حدث فجعلك تظنين العكس؟"
كان تحدياً مباشراً لها ، وأية امرأة أخرى أكثر منها شجاعة ستقبل هذا التحدي، ولكن ميلودي لم تشعر بنفس الشجاعة التي كانت تشعر بها قبل ساعة . وقالت: "لا شيء أبدا. إن لك حياتك الخاصة التي ستعود إليها ، وأظنك على وشك السفر الآن؟ "
أجاب وهو يتخلل شعره بأصابعه: "إن مساعدة سيث على الاستقرار قد تستغرق أسبوعا أو أكثر ،فهو صعب الطباع كالعادة،ويرفض تقبل أية مساعدة تقدم إليه،لهذا فهو يلتصق بي وكأنني ممرضته الخاصة."
كانت تحب سيث كما تحب ابنه وقالت وهي تسير معه نحو الباب : "حسناً أعلمني بأي شيء يمكنني المساعدة فيه."
"حاولي أن تقنعيه بالتعاون."
"بالطبع.سأذهب لرؤيته قبل أن يخرج من المستشفى."
قال: "شكراً ."وتوقف قليلاً ثم أسرع يقول: "تصبحين على خير ." ثم ألقى نظرة وهو يقول: "بالنسبة إلى هذه الليلة يا ميلودي..."
أحست بالتشاؤم ،لعله يذلها بالاعتذار عن هذه الغلطة ...لم تستطع أن تفكر بأسوأ من ذلك.وقالت بكبرياء: " لا تبدأ باستنتاج أشياء من لاشيء .لقد أنسقنا إلى ذلك معاً .إنني أعلم ذلك ربما ما كان يجب أن نفعل. ولكن يجب أن لا نفسد متعتنا هذه بالعتاب أو التحذير. إن ما حدث بيننا هذه الليلة لا أهمية له... وأنت غير ملتزم تجاهي، كما أنني غير ملتزمة تجاهك فلنترك الأمر إذن عند هذا الحد ."
سألها وهو يمد إليها يده: "هل مازلنا أصدقاء؟ "
لقد أخطأت في حسابها إذ ظنت أن الاعتذار هو أسوأ ما قد يبدر منه . فما قاله الآن هو الأسوأ كثيراً، ولكنها أجابت: "طبعاً." ولم تمد يدها إلى يده الممدودة بل رفعت يدها تلوح له بها ،ثم أغلقت الباب وسمعت وقع خطواته تبتعد ثم صوت الباب الثقيل يفتح ويغلق،ثم صوت محرك سيارته يبتعد. لتجلس بعد ذلك على الأرض، حيث تركها تماماً وتنفجر بالبكاء.
يا لحماقتها إذ ظنت أن اللحظة الحاضرة هي فقط ما يهمها لتكتشف بعد فوات الأوان، أن لحظة واحدة قد تغير كل شيء،ذلك أنها عرفت الآن أن حياتها لن تعود كالسابق أبداً. لا شيء سيبدو جميلاً وحقيقياً إذا لم يكن جايمس معها يشاركها به.
نظر سيث من على كرسيه ذي العجلات قرب النافذة وهو يقول: "أنهم يريدون قتلي."
كان يحدث ميلودي التي دخلت إلى غرفته حسب وعدها بأن تزوره قبل خروجه من المستشفى. واستطرد قائلاً: "إنهم لم يستطيعوا القضاء عليّ هنا فتركوا هذا الأمر لشخص خارج المستشفى."
قالت ميلودي وهي تضع أمتعة سيث القليلة في حقيبة كان جايمس قد أحضرها ذاك الصباح قالت: "إنك طبعاً لا تعني ابنك بكلامك هذا."
كانت تتكلم وهي تقاوم رغبة عنيفة في ضم الحقيبة التي أحضرها جايمس بيده إلى قلبها. لقد توجهت بالحديث نحو ما لا ينبغي قوله ولكن فقط لكي تلفظ أسم جايمس .
كانت متأكدة من أنه لا يريد أن يرها أو يسمع لها صوتاً. وكان جلياً أنه وجد أفضل طريقة هي أن يأتي لزيارة أبيه عندما تكون هي مرتبطة بعملها في المتجر. وتفحصت الأدراج والخزانة لآخر مرة.
عادت تقول: "إنه ليس من النذالة بحيث يقتلك يا سيث."
قال وهو يهز قبضته :" إنني لا أعني جايمس ، بل تلك المتطفلة نوزي باركر. إنها تأتي في أي وقت يعجبها لتقوم بمتطلباتي."
قالت: "آه أتعني المرأة التي ستخدمك؟ "
قال: "إنها يجب أن توضع في كيس مبطن بالرصاص ثم يلقى بها من حاجز الميناء."
ابتسمت ميلودي رغم شعورها بالتعاسة وهي تقول: "هل سبق وأن قابلتها؟ "أوما برأسه وهو يتمتم عابساً : "نعم .إنها تبتسم طيلة الوقت ،وجدائل شعرها تتحرك كلما حركت رأسها،وتذكرني بطائر يحوم باحثاً عن دودة يقتنصها...ربما كانت..."
قالت:"يبدو لي أنها لطيفة،فلا تكن قاسياً عليها."
قال وهو يمسد ركبته:"نعم إنها مسدس حقيقي."
قالت: "أنها تقوم بعملها."
قال:"فلتقم به لشخص آخر، فأنا لست بحاجة إليها."
سار بكرسيه في أنحاء الغرفة ليصطدم بحافة السرير مما جعله يطلق آهة ألم وهو يقول:"هل تقفين هناك لتراقبي شخصاً يتألم يا فتاة؟ ساعديني على تسوية هذه الآلة اللعينة."
قالت ميلودي وهي تعود إلى حزام الحقيبة: "إذا كنت مصمماً على أن تكون مستقلاً بذاتك يا سيث، فمن الأفضل أن تبدأ الآن."
قال وهو يئن : "لا شيء أشد قسوة من قلب المرأة. كان من الأرحم أن تجهز عليّ تلك السيارة ما دام هذا هو الحنان الذي أحظى به."
عضت ميلودي على شفتها وهي تقاوم مشاعرها التي تحثها على أن تهرع إليه وتساعده:ذلك أنها تذكرت نصيحة جيستين لها حين علم أن سيث سيستعمل كرسياً بعجلات بعد خروجه من المستشفى ،إذ قال لها: " حاولي أن تجعليه يكره الكرسي لكي يحاول الاستغناء عنه. أما إذا حاولت أن تدفعي به الكرسي ، هنا وهناك ،فسيأتي دوره هو في السنة التالية لكي يدفع بك أنت هذا الكرسي.إن عليه أن يكافح لكي يستغني عن الآخرين بجهده الخاص."
"ربما من الأفضل أن تتعود الاستغناء عني يا سيث فإنني لن أكون بجانبك لأساعدك عندما تصبح في بيتك."
ألقى عليها نظرة فيها شعور بالاضطهاد وهو يقول: "إنك تتمنعين عن مساعدتي الآن باعتبار إنني استطيع خدمة نفسي، كما أنك باعتبار أنهم سيخصصون ممرضة في منزلي ، لن تزورينني في المنزل كذلك ،لقد أحببتك أكثر عندما كنت تظنين أنني سأموت."

دفعتها الشفقة إلى أن تبوح بالحقيقة، فقالت: "لو كان الأمر بيدي، لجئت لزيارتك كلما سنحت لي الفرصة. ولكنني لا أظن أن جايمس يسمح لي بذلك يا سيث."
قال بصوت حزين: "إنني لا أريد أن تجبري نفسك على زيارتي، ولا أريد أن يشعر أحد بالشفقة عليّ."
في الماضي ، كان شعور ميلودي نحو اتهام كهذا مختلفاً عما هو الآن بعد أن عرفت ماهي الوحدة. أنها تعرف الآن أن الوحدة ليس لها علاقة بعدد الأشخاص الذين يحيطون بالشخص. أنها تتعلق بشعور داخلي بالفراغ لا يملؤه سوى شخص معين. وهكذا بدلاً من أن تهزأ بسيث لحزنه على نفسه، اقتربت منه تحتضنه، وهي تقول : " إنني لا أشعر بالشفقة عليك لأنني مشغولة بالشفقة على نفسي."
ألقى عليها نظرة صارمة وهو يقول: " هل يسبب لك أبني اللعين الحزن يا فتاة؟ "
هزت كتفيها قائلة: " أظن أن كلاً منا يسبب الحزن للآخر."
قال: "حسناً ،قد يكون هذا كما تقولين،ولكن بالنسبة إلى من يزورني في منزلي أو يبقى بعيداً، فهذا شأني أنا ولا دخل لجايمس به. وأنا أريدك أن تأتي أليّ كلما شئت، وسأعلم جايمس بهذا."
تصورت ردة فعل جايمس حين يعلم أنها شكته إلى أبيه، فقالت: "كلا يا سيث لا تفعل هذا. إنه لم يقل لي مباشرة أن لا آتي لزيارتك. لقد شعرت بأنني أقحم نفسي في حياتكما العائلية، وهذا كل شيء."
قال سيث: "سأسوي الأمر من هذه الناحية."
في اليوم التالي ،أتصل جايمس بها هاتفياً إلى المتجر ليقول: "إنني اتفقت الآن مع سيث على أن يسمح للممرضة المنزلية بالدخول إلى منزله،بشرط أن اسمح أنا لك بزيارته أيضاً. إن ما يحيرني هو لماذا يظن أنني لا أرضى بزيارتك له؟ هل سبق وقلت أنا شيئاً كهذا؟"
احمر وجه ميلودي قائلة: "ليس بالضبط."
"أظننا اتفقنا على أن نبقى أصدقاء يا ميلودي؟ "
"ولكننا أصدقاء."
"ماهي المشكلة إذن؟ "
فكرت في نفسها إن المشكلة هي في أنها تحبه، وهذا هو ما يعقد الأمور. ولكنها قالت له: "لا أظن أن ثمة مشكلة."
قال بحيوية: "هذا حسن. ما رأيك إذن في القدوم إلينا عندما تقفلين المتجر، لتزاولي بعض سحرك الملطف عليه؟ لقد جاء إلى البيت هذا الصباح ويبدو أن كل محاولاتي في سبيل أن اجعله يشعر بالراحة، لم تنفع في شيء.فأنا كما يقول مزعج كالذبابة."
لا شك في أن المرأة الذكية ترفض أن يحاول أحد استغلالها. كما أن المرأة القوية الإرادة ترفض رنة الإغراء في صوت جايمس.
لكن ميلودي أجابت: "سأكون عندكما الساعة السادسة."
ثم أمضت فترة غدائها في شراء أطعمة تثير شهية المريض.
الفصل السابع

وصلت ميلودي إلى منزل سيث في الوقت الذي كان فيه جايمس ينزل مشترياته من البقالة. أطل من السيارة وقال: "دعيني أساعدك في هذا."وأخذ من يدها شجيرات زهور الأضاليا الكبيرة الحجم وتابع يقول: "وسأنقل بقية الأشياء قي ما بعد."
دفع جايمس بوابة أحدثت صريراً عالياً،ثم تابع السير في ممر يشطر قطعة أرض معشوشبة.
دفع بكتفيه الباب الأمامي الذي يقود إلى غرفة الجلوس مباشرة وهو ينادي "سيث."
كان سيث جالساً على كرسيه ذي العجلات قرب المدفأة .وقال وهو ينظر إلى الشجيرات عابساً: "لماذا أحضرت هذه الشجيرات الجافة؟"

قال جايمس وهو يتقدم ميلودي: "أن ميلودي هي التي أحضرتها وليس أنا."
امتلأت عينا الرجل العجوز بسرور خفي وهو يعلن قائلاً: "إنها أجمل أزهار رأيتها في حياتي، سأضعها هناك بحيث أتمكن من رؤيتها على الدوام."
نظر إليها جايمس وقد بدت في وجهه خيبة أمل وهو يقول: "هل رأيت ؟مهما فعلت لأجله يبقى غير راضي عني."
قال له سيث آمراً: "هيا أدخل وأغلق الباب قبل أن يقودني البرد إلى الموت. وأجلسي أنت هنا يا ميلودي بجانب النار وادفئي نفسك."
قالت دون أن تنظر حولها: "ما زال هناك أشياء في السيارة عليّ أن أحضرها." كان البيت من الداخل مكتمل النظافة والترتيب .ولكنه يبدو كئيباً كالسجن ،وكان الأثاث قليلاً بدائياً مؤلفاً من أريكة قديمة قدمها سيث إلى ميلودي،ومنضدة خشبية عليها غطاء مشجر،وكرسيين ومصبح أرضي .وفي فجوة في الجدار حوض للغسيل وثلاجة أثرية . وفي زاوية من الغرفة تلفزيون وفي زاوية أخرى كان هناك سلم يقود إلى الطابق العلوي الذي لابد أنه ليس أفضل من بقية هذا الكوخ.وكان ثمة باب يواجه المدخل،يبدو منه طرف سرير فردي .
لم يكن يزين الجدران أية صورة أو رسم .وكانت الزينة الوحيدة هي إكليل من الشرائط الرخيصة المتسخة قائمة فوق رف المدفأة وكان كل ذلك يترك في النفس معنى للوحشية والفقر مما لم تستطع ميلودي معه أن تحتمل النظر إليه .ولم تشأ أن تفكر كيف يمضي سيث عيد الميلاد ،وهو العيد الذي يمضيه المرء عادة مع أسرته .
قال جايمس: "أعطني مفتاح سيارتك لأحضر بقية الحاجيات."
هزت رأسها قائلة : "يمكنني إحضارها بنفسي."
قال جايمس: "لا حاجة بك لذلك لأنني أنا أيضاً عليّ أن أحضر بقية الحاجيات التي أحضرتها .ولعل سيث يريد أن تبقي بجانبه طوال وقت زيارتك له. إلا إذا كنت لا تريدينني أن أفتح سيارتك."
كان هذا ما تريده حقاً.فقد تصورت نظرة الازدراء في عينيه إما من ناحية معاملتها لأبيه أو من ناحية ما أحضرته من أطعمة مثل لحوم الطير مع المايونيز والحلويات وغيرها.
"لماذا يبدو الذعر على وجهك؟ هل تراك تخفين جثة في المقعد الخلفي في سيارتك ؟أو شيئاً سرياً؟ "
أطلقت ضحكة باهتة وهي تقول: "لا تكن سخيفاً."
وناولته المفتاح.لقد فات الأوان الآن على الادعاء بأن كل ما أحضرته هو نبات أضاليا فقط. وبعد دقائق قليلة ،دخل جايمس حاملاً ملء ذراعيه الأكياس والسلال المعلقة بمرفقيه.
قال سيث مستطلعاً: "ما الذي أحضرته؟ " أفرغ جايمس محتويات الأكياس على المنضدة وهو يقول باختصار: "تموين.علب حساء ولحم مطبوخ ،ومعكرونه واجبان وبسكويت وخبز وحليب قهوة . ثم هذا." وأشار إلى السلال الملونة وأخذ يقرأ البطاقات المرفقة بها (أشهى المختارات من "غورميت اليت""بورت ارمسترونغ".) وقال لها: "إنك في حاجة إلى شهادة في اللغات لتستطيعي لفظ أسماء كل هذه الأشياء التي أحضرتها."
قالت: "افتح هذه السلال لأرى ما تحويه."
قال هازئاً: "هذا ما توقعته .مواد من أرقى محلات البقالة وهذا هو مستواك بالضبط،مخللات،بيض،فاكهة ،حيوانات بحرية..."
أقترب سيث بكرسيه قائلاً: "أي نوع من الحيوانات البحرية؟"
قال جايمس ضاحكاً : "حلزون."
فقالت: "ليس ثمة حيوانات بحرية بينها."
ابتعد سيث بسرعة وهو يقول: "هذا أفضل ،قد لا أكون مليونيراً،ولكنني لست من الفقر بحيث آكل الحلزون.ما الذي تفكرين فيه يا فتاتي ميلودي؟ "

قال جايمس متهكماً: "إنها لا تفكر .إنها فقط تتصرف تبعاً للعادة والغريزة."
اقتربت ميلودي من الطاولة وانتزعت من يده السلة بعنف وهي تقول لسيث: "لا تستمع إلى ابنك يا سيث ،لقد اخترت هذه الأشياء بكل عناية لأنني فكرت في انك تستحق أشياء حسنة لكي تحتفل برجوعك إلى البيت. إنني سأذكر لك كل ما هو موجود هنا،وإذا كان ثمة ما تريده أن تجربه ،فاخبرني فآخذه معي."
تمتم سيث مرتاباً: "لا أدري . إنني لا أريد أن أكون جاحداً ،ولكن..."
قالت: "إنك لن تجرح مشاعري." والتقطت واحدة من المعلبات قائلة : "هذا معجون اللحم.تستطيع أن تمسحه على الخبز .وهذا مربي فواكه،إنه لذيذ جداً و..."
قال جايمس هازئاً: "كرواسان مستورد،يبدو أن المخزن لا يحوي أي شيء طازج."
حدقت فيه بينما استطرد هو: " أنهم عديمو التفكير.ولكن الخبز المحمص يسدً هذا النقص."
قال سيث : "لا بأس بهذه الأشياء كما أرى."ورمق سلة كبيرة وهو يقول : "أرني ما في هذه."
قالت: " إنه لحم طير التدرج وهو يشبه لحم الدجاج وسرطان بحري مطبوخ .والاثنان جاهزان للأكل .فليس عليك ،أن تزعج نفسك بتحضيره .ثم هناك...فطائر المشمش .والسلمون المدخن لا شيء غير عادي في الواقع."
قال جايمس ساخراً وهو يضم شفتيه متبرماً: "أليس بينها ألسن العنادل(جمع عندليب)؟
نهره سيث وهو يقلب في محتويات السلة كالطفل بين ألعاب عيد الميلاد : "أسكت يا فتى قبل أن تفسد شهيتي ."
همهم جايمس وهو يدخل إلى المطبخ حيث الثلاجة حاملاً الأشياء التي أحضرها هو محدثاً قرقعة عالية .
وجلست ميلودي تتحدث إلى سيث فترة وقد بان عليها الضيق،ثم ما لبثت أن نهضت واقفة تستأذن بالخروج وهي تقول : "إنني لا أريد أن أتعبك في اليوم الأول لمجيئك إلى البيت .ولكنني سأمكث في المرة القادمة ،فترة أطول . في الحقيقة أنني لا أريد أن أتكلم معك عن الخطة في تحويل المعمل القديم لتعليب السمك إلى مجمع مركزي. إنني أعلم انك لم تكن راضياً عن اشتراكي شخصياً في هذا الموضوع. ولكنني ما زلت لا أفهم لماذا تعارض هذا المشروع؟ "
أطل جايمس برأسه قائلاً: "لأنني أنا أخبرته بما تريدين عمله كما فهمته أنا."
قالت بجفاء: "لا عجب إذن في تشككه هذا." وأدارت له ظهرها وهي تخاطب سيث قائلة : "قد تلاحظ يا سيث ، أن أكثر ما يبعث السرور في نفس ابنك هو الانتقاد."
قال جايمس :" ثمة خطأ في أي مشروع لا يثير شيئاً من الانتقاد."
قالت ميلودي لسيث :"وثمة خطأ في أي شخص لا يمكنه التجاوب بسهولة ." وكتم سيث ابتسامة ماكرة وهو يشهد المعركة بينهما ،بينما تابعت هي تقول: "هذا نوع من الأشخاص الذين يتدخلون سلباً ولا نريدهم."
وضع جايمس المقلاة على الموقد بعنف أحدث ضجة لا موجب لها وهو يقول : "ربما ليس ثمة حاجة لهذا المشروع بأجمعه . وربما أولئك الذين تستميتين في سبيل تغيير حياتهم، ربما يريدون أن يبقوا كما هم."
قال لها سيث وهو يرمقها من تحت حاجبيه الأشعثين : " أمن الممكن أن يكون جايمس على صواب هذه المرة؟ "
نظرت ميلودي حولها في ذلك المنزل الذي يفتقر إلى الضروريات وأرادت أن تسأله ، كيف تقول ذلك بينما ما نقوم به يحسّن من مستوى حياتك؟ ولكن كلمات جايمس عادت تتردد في ذاكرتها إنهم لا يريدون الإحسان منك،إنهم يرفضونها .وفوق ذلك فهذا لا يحل مشكلاتهم من جذورها.
عادت تنظر إلى سيث وإلى فكه العنيد .إنه نفس الرجل ذي الكبرياء الذي هزم الموت وثار إذ أرادوا إرغامه على تقبل من الآخرين ،مع حاجته الشديدة إلى ذلك .
وعرفت أن جايمس كان معه حق في هذه الناحية .كان ثمة شيء لم تحسب هي حسابه عندما وضعت فكرتها عن مركز التجمع.فقد استشارت كل إنسان ما عدا أولئك المعنيين بالأمر الذين وضع المشروع لأجلهم ،وشعورهم نحو هذا الأمر لم يدخل في الصورة ، ومن خلال اتصالها بسيث وابنه ،عرفت أن هذا لم يكن سهواً بسيطاً وإنما غلطة لا تغتفر .
مضى سيث يتابع استنتاجها المتأخر : " إننا لا نريد أن يتدخل الغرباء في حياتنا الخاصة."
قالت: "هل هذا كل ما أعنيه لك؟ واحدة من الغرباء؟ "
قال: " كلا يا فتاة .إنني لا أعنيك أكثر مما أعني زملاءك الخياليين.أنهم لا يهتمون بكيفية الحياة التي يعيشها أمثالي يا ميلودي إن الذي يهمهم أن نموت على عتباتهم لأن ذلك يعيق أشغالهم."
كان كلامه قريباً من الحقيقة، وقالت تناقشه: "انك تعلم بالتأكيد الآن أنني أهتم بك وبطريقة حياتك إلى درجة تجعلني لا أتخلى عن هذه الفكرة ."وأخذت تقفل معطفها وهي تتابع: " هل نتابع حديثنا في المرة القادمة لنحاول أن نتفق على خطة متبادلة ؟ "
تمتم سيث قائلاً: " لا تؤثري عليّ إلى درجة تجعلني أحيد عن معتقدي .ولكن لا بأس من المحاولة."
برز جايمس من المطبخ وهو يحمل ملعقة خشبية في يده بينما يربط وسطه بمنشفة الصحون.وقال: " هل تتركينا بهذه السرعة؟ يا للعار فقد كنت على وشك أن أدعوك إلى مشاركتنا عشاءنا البسيط قديم الطراز من همبرغر شمال أمريكا."
ابتسمت ميلودي برقة قائلة: "ربما في المرة القادمة آخر."
تنهد بارتياح وهو يقول: "إذن دعيني أرافقك إلى الخارج."
"لا تزعج نفسك فإنني لا أريد أن أجرك من جانب الموقد."
أصر قائلاً: ليس ثمة إزعاج." وأخذ بذراعها خارجاً بها من الباب إلى منتصف الممر الخارجي .
كانت قد صممت على أن تخرج بكل تعقل ولطف، ولكن اشتداد أصابعه على مرفقها غير رأيها فقالت بحدة وهي تحاول أن تخلص نفسها من قبضته بكل قوتها : " أريدك أن تعلم أنه لو كان عند أبيك الفقير فرن لدسستك في داخله مبتدئة برأسك."
تصاعد صرير البوابة القديمة وهو يرفسها بقدمه قائلاً : "وأريدك أن تعلمي أنك إذا عدت إلى هنا مرة أخرى بشكل السيدات الإقطاعيات اللواتي يوزعن الحسنات على المحتاجين ، فسأدسك في الفرن مع أطعمتك الشهية تلك..."
واجهته متحدية وهي تقول: "نعم؟ "
قال متقززاً: "لقد كرهت حتى نفسي .اذهبي الآن إلى بيتك يا ميلودي وإذا عدت إلى هنا ثانية فاصنعي ما شئت علي أن لا يكون ذلك حين أكون هنا . أنني لا أحب الطريقة التي أتصرف بها حين أكون معك."
قالت بضعف: " أتمنى لو استطعت تصديق ذلك. ولكنني لا أستطيع . والحقيقة هي أنك تجد متعة في العثور على أخطاء في كل شيء أفعله. "
قال: "هذا ليس صحيحاً ."
قالت: "بل هو صحيح، انك تغفل كل صفاتي التي لا تناسب قناعتك على أنني فتاة غنية فارغة الرأس تعيش على التفاهات السطحية، وبدلاً من ذلك تركز على الأشياء التي قد تدل على نقص معين في قدرتي على الحكم في قضايا معينة ولكنها لا تنتقص في أي حال من احترامي لك ولأبيك."
قال بحدة : " مثل ماذا ؟ أعطني مثلاً ."
قالت: "إنك أهنتني لأجل الأشياء التي أحضرتها لسيث فقط لأنها مستوردة من الخارج وأنت غير معتاد عليها ،متجاهلاً ذلك العشاء الذي دعوت نفسك إليه في منزلي ، وكان بسيطاً كطعام أي إنسان عادي .وفي الحقيقة نحن قد تشاركنا في وجبات عديدة من الطعام ،وليس منها واحدة مميزة ،ولم تسمعني أشكو من ذلك مرة واحدة ."
قال: "تباً لك يا ميلودي ، أنني أتحدث عن أشياء أكثر أهمية من الطعام .أنني أتحدث عن الأشياء الأساسية .عن الكلام بلغة مختلفة والمجيء من بيئات مختلفة."
قالت: "أنك تتحدث عن عدم النزاهة وخاصة عدم نزاهتك إذ أنك تفضل الكذب على نفسك على أن تواجه حقيقتي."

تراجع خطوة إلى الخلف قائلاً: " وماذا يعني ذلك أذن ؟ "
أجابت: "يعني أنه أسهل عليك أن تصر على اعتباري فتاة غنية تافهة مملة مثيرة للازدراء ،من أن تعترف بخطئك وبأنني لست تلك الصورة التقليدية التي سبق وكوّن عنها ذهنك المحدد فكرة غير عادلة ."
قال: " إنك نسيت شيئاً وهو ما حدث في منزلك وهذا ليس كل ما نسيته."
جاء دورها لتسأله : "لا أدري ماذا تعني بهذا ؟ "
أجاب : "أعني أن من الصعب عليّ التورط عاطفياً مع فتاة هي بهذه الصفات التي ذكرتها الآن."
" تلك هي المشكلة بمجملها .ألا ترى ذلك؟ ألا يمكنك أن ترى نفسك واقفاً على الحياد ثم تحكم على الآخرين بدلاً من أن تراجع نفسك وتتفحص نظرياتك؟ "
أقترب منها خطوة ثم أخرى وهمس بصوت أجش: "أنني تفحصت نظرياتي فعلاً، تلك الليلة التي امتلكتك فيها، وإذا كان عليّ أن أتساءل عن النتائج التي لم تضيعي الوقت في تعريفي بها." وألقى عليها نظرة حادة وهو يتابع :"أنني لست الشخص الوحيد الذي لم يتورط . أتذكرين ما قلته لي يا ميلودي ؟ قلت لا تستنتج شيئاً من لاشيء يا جايمس إن هذا الليلة لم تكن بذات أهمية . أو ربما كلمات بهذا المعنى."
قالت بضيق: "أذكر ذلك."
أقترب منها تماماً ثم أخذ وجهها بين يديه قائلاً: "وطبعاً، كنت تعنين كل كلمة من ذلك ؟ "
أومأت برأسها بصمت وأغمضت عينيها وقد شعرت بالرعب حين غضبها تحول إلى ندم ، لقد فات أوان الاعتراف بشيء غير ذلك. فقد أوضح تماماً أنه مع رغبته فيها، لا يفكر في الزواج، وهي تعرف أنها ليست من ذلك النوع الذي يقبل بالفتات التي يلهيها بها لتعيش عليها بقية حياتها ، فقد كانت من النوع الذي يؤمن بكل شيء ، أو لا شيء.
كان الليل حافلاً بضجيج العيد، إذ كانت العبارة تقلع من مرساها نحو الشاطئ الآخر، كما كان تلاطم الأمواج يضرب الجدار المحاذي للبحر... هذا إلى الأصوات المنبعثة من راديو السيارات العابرة ... ولكن خفقات قلبها كان يطغى على كل هذا.
كانت على وشك أن تتملص منه عندما قال لها : "انظري إليّ يا ميلودي .إن الأمور لن تتقدم بيننا إلا إذا شئت أنت ذلك."
أطاعته وقد أدهشتها كلماته . قال وهو يأخذها بين ذراعيه ويضمها بشده : " هذا أفضل."
تعلقت به بقوه لا تريد أن يفارقها دفؤه وحنانه.ولكنها لم تستطع أن تبقى في أحضانه إلى ما لا نهاية.
مع أنه لم يكن ثمة قمر في السماء، فقد استطاعت أن ترى وجهه في الضوء الذي انساب إليهما من نافذة الكوخ.
قال لها ساخراً يعيد كلماتها البعيدة في تلك الليلة: "ليس لهذه الليلة أهمية ...أليس كذلك؟ "

لم تجرؤ على الإجابة خوفاً من أن يفضح صوتها مشاعرها. وأغرورقت عيناها بالدموع وارتجفت شفتاها .
ابتعدت عنه نحو سيارتها خوفاً من أن تسبب دموعها الحمقاء الإحراج لهما معاً ولم يكن ابتعادها بالسرعة الكافية لتغطية دموعها. فامتدت يداه تمسكان بها وهو يقول بصوت متهدج
: " انك أكثر واقعية من أن تدعي هذا التجاذب السطحي بيننا ،يتحول إلى ما هو أكثر عمقاً."
انحدرت على وجنتيها دمعة كبيرة .
تمتم بسرعة: " ميلودي أنني لا أفهم كيف تخدعين نفسك بإيهامها أننا يمكن أن نكون زوجين متلائمين."
صرخت به: "إنك طبعاً لست كذلك. إذ أنك أعمى لا ترى الأمور الواضحة، فكيف يمكن أن ترى ما يعتمل في أعماق الشخص ؟ في عقله وقلبه؟ "
قال: "إنني لست أعمى . أنني رجل واقعي."

قالت: "واقعي ؟ " واستحال ارتعاش صوتها ضحكة ساخرة سرعان ما استحال غضباً وهي تقول: "دع عنك نظرياتك ،أو بالأحرى عنا نحن الاثنين والق نظرة فاحصة صادقة حولك يا جايمس . فكر جيداً في ما تراه حين تعود إلى الكوخ التعيس."
قال: "ربما ترينه مكاناً تعيساً ،ولكن سيث يسميه منزلاً ."
تابعت مستمدة القوة من غضبها: " وحين تكون في داخله، الق نظرة على ذلك الرجل الذي تناديه (يا أبي)، فكر في نوع الحياة التي يعيشها، ولكن لا، إنني نسيت فأنت لا تناديه (يا أبي)
أليس كذلك؟ فهذا الكلمة خاصة جداً وقريبة جداً من المشاعر.هذا غير مهم...إنه اسم فقط ومهما يكن الاسم الذي تناديه به فهو لن يجعل حياته أقل فراغاً مما هي . فكر كيف أمضى أبوك عيد الميلاد يا جايمس .اسأل نفسك لماذا كان يتسكع ثملاً تحت المطر متحفزاً للعراك في الليلة التي اجتاحته سيارة."
قال جايمس بحدة: "ليس الذنب ذنبي في ذلك."
قال : "حسناً ، أهرب إذن ، عد إلى جزر البحر الكاريبي طاهر الضمير من مسؤولياتك نحو والدك ، أو ربما إلى تمبكتو في أفريقيا ، فهي أبعد وأكثر أماناً من أن يزورك أبوك فجأة ، وكذلك يمكنك أن تتأكد من ذلك بالنسبة إليّ أنا أيضاً ، وبهذا ستكون بعيداً من أن نواجهك بأعبائنا الكريهة من حاجات أو مشاعر ."
قال: "إن أبي ليس في حاجة إلى مشاعري."
قالت: "إن أباك يتنازل عن ذراعه في سبيل أن يبقى بقربك. ولكن لا تدع ذلك يثبط من عزيمتك. فقد تدبر أمره طويلاً طيلة ذلك الزمن، من دون ابن يعتمد عليه. فما تهم ثلاثون سنة أخرى فارغة ؟ "
توترت عضلة في فكه وهو يسألها : "هل انتهيت ؟ "
نظرت إليه، وتساءلت عما إذا كان عليها أن تمضي ثلاثين سنة قبل أن تنسى حبه.
استحال الغضب يأساً وهي تقول: "أوه ، نعم .لقد انتهيت ،الوداع يا جايمس."
مضى في مراقبتها حتى اختفى الضوء الأحمر في مؤخرة سيارتها خلف الجدار البحري العتيق، وكان طيلة الوقت يحدث نفسه بأن أول ما شعر به، هو الارتياح. لقد ضايقته في البداية ولكنه تخلص منها أخيراً رغم ما استغرقه ليصل إلى هذا من وقت وجهد.
لم يشك في ذلك لحظة واحدة، فقد كان في كلمتها ( الوداع ) معنى النهاية، لتصعد بعد ذلك إلى سيارتها تقودها مبتعدة دون أن تلقي نظرة واحدة إلى الخلف.
لو لم يكن في غاية الضيق ، لابتسم وهو يفكر في ما ظهر له الآن . كانت المنطقة عبارة عن شارع خلفيلا يساوي ثمنه عشر ثمن السيارة تلك .ثم هي ميلودي ، ملتفة في معطفها ذي اللونين الأخضر والذهبي . وقدماها في حذاء مبطن بالفرو مستورد من ايطاليا ، وقد تعطرت بأثمن عطور باريس .
كان المشهد بأكمله يدعو إلى السخرية .ولكن لم لا؟ إن علاقته بميلودي كانت كلها غير منطقية . وكان مما لا يقبله عقل أن يقف هنا ، في هذا الجو القارص ، متسائلاً عما إذا كان في كلامها أية ذرة من الحقيقة .
ما لبث أن سار عائداً إلى الكوخ وقد أدركه الضجر من العالم أجمع. وأجفل لصرير البوابة أولاً ، ثم الباب الخارجي بعد ذلك .
قال له أبوه وهو ينظر إليه بحدة من تحت أهدابه: " إنني أشعر بالأسف لأجلك، لأن منظرك أسوأ عشر مرات مما تشعر به."
قال جايمس بحدة: "إنني جائع فلنأكل."
كان للهمبرغر في فمه طعم نشارة الخشب ، كما كان الشراب مثل الماء مع إن سيث كان يأكل بشراهة . وتنحنح جايمس قائلاً: " ما...ماذا كان عشاؤك ليلة عيد الميلاد يا سيث ؟ "
أجاب سيث وهو يأتي على آخر لقمة من طعامه: " لا أتذكر ، في الحقيقة لم يكن شيئاً خاصاً."
أستقر الهمبرغر كقطعة الرصاص في معدة جايمس وهو يسأل أباه : " أتحب أن آخذك لتناول وجبة فاخرة أثناء وجودي هنا معك ؟ "

أجاب سيث محتجاً : " ما هذا يا فتى ؟ لست في حاجة إلى ذلك . يكفيني تماماً أن يكون معي هنا من يطبخ لي طعامي. سأقول شيئاً لم أكن أظن أنني سأقوله يوماً وهو أنني أحياناً أفتقد وجود أمك. هنالك شيء ما في وجود امرأة في المنزل ..."

عبس ودفع بكرسيه بعيداً عن المائدة ليستدير بها مواجهاً المدفأة ، وهو يتابع قائلاً: " لا أدري كيف ... إن حياة الرجل تستقيم بوجودها ، إنها تسبغ جو البيت على أي مكان تحل فيه...تملأ برائحة طبخها الشهي الذي يجعل الشخص ينتظر وجبة الطعام بفارغ الصبر ."
لم يكن جايمس يريد أن يسمع كلاماً كهذا . فقال: " إنك لست في حاجة إلى امرأة لهذا الغرض يا سيث . إن كتاباً يحوي وصفات للطبخ وهو شيء سهل وجوده."
أجاب سيث: "ربما لا ، ولكن مكان المرأة في البيت لا يسده شيء." وابتسم بمكر وهو يتابع: " إنني أفكر أحياناً في انه لو لم تهرب أمك مني إلى حيث لم أعد أسمع عنها خبراً، يوم تركت أنت المدرسة، ربما كنت وجدت نفسي أقرع بابها مرة أخرى."
قال جايمس: " أرجو أن لا يكون ذلك لأنك افتقدت طعامها فقط . إذ إنكما كنتما دوماً تتشاجران."
مد سيث ساقه وأخذ يُمسدها مفكراً وهو يقول : "آه ...حسناً...نعم .إنها كانت أصغر سناً من أن تدرك كيف تعاملني .وأنا كنت أغبى من أن أفهم ذلك . أحياناً يكون الشجار هو وجه آخر لحبك للشخص . وأحسب أنه لو حانت لي فرصة أخرى لتصرفت بشكل مختلف تماماً ، وفي الحقيقة لم أكن أعرف كيف أفصح عن حبي للمرأة ." وحدق في النار برهة ، ثم استدار نحو جايمس متابعاً كلامه: " وأظنك تعاني من نفس المشكلة."
قال جايمس: "ليس لدي أية مشكلة."
أخذ سيث يضحك ضحكاً متقطعاً وهو يقول : "إذا كنت تظن ذلك ، فأنت إذن أسوأ من غبي ...إنك أحمق .أن لدينا جميعاً مشاكل يا ولدي ، إنما المهم آخر الأمر أن نعرف كيف نعالجها ، ثم نحاول أن نجد الشجاعة لذلك."
حدق جايمس في اللهب المتراقص نحو المدخنة ، ليس لأنه من ذلك النوع الذي يخدع نفسه في الاعتقاد بأنه أكتشف شيئاً من غموض الحياة وعمقها ، بل لأنه أراد أن يرد على نظرة أبيه النافذة في الحياة ، وهذا كل شيء.
أجال عينيه في أنحاء الغرفة ، واتهام ميلودي له لا يبرح ذهنه وهي تراه مذنباً . كان معها حق فقد كان المكان بالغ القذارة . ولم يعرف كيف في إمكان أبيه احتماله.
أما بالنسبة إلى الحديث الذي دار بينه وبين أبيه الآن، فهو لم يكن أطول حديث دار بينهما فقط، على ما يذكر ، بل كان أكثر إزعاجا أيضاً .
وقف على قدميه وقد شعر فجأة وكأن الجدران تكاد تطبق عليه، وقال: " إنني في حاجة إلى السير في الهواء الطلق.هل يمكنك البقاء وحدك؟ "
طرف سيث بأهدابه وكأنما كان قد نسي وجود ابنه، وقال: "طبعاً يا بني ، فقد اعتدت العيش وحيداً."
فكر جايمس باستياء وهو يسير في الطريق ناحية جدار البحر ، في أن الجدار ليس وحده هو الذي يكاد يطبق عليه بل أن حياته اللعينة تتشتت إلى أجزاء...
كفاءاته ، أهدافه ، كل ذلك قد استحال فوضى من التعقيدات تتضاعف كل يوم يقضيه هنا . إنه يعرف من هو الملام على ذلك ويجب أن يتذكر كي يشكرها ، هذا إذا رآها مرة أخرى ، وهذا غير محتمل .منتديات ليلاس

الفصل الثامن
________________________________________

لم تكن ميلودي تتوقع رؤية جايمس مرة أخرى ، خاصة ظهوره في متجرها في الأسبوع التالي بصحبة عضو مجلس التشريع في المدينة تشارلز رينز الذي كان أحد أصدقاء جدها . ومن الطريقة التي وقف فيها جايمس وهو ينظر فوق رأسها ، استنتجت أنه كان مجبراً على الحضور رغماً عنه . وحاولت مرغمة أن تتجاهله ما أمكنها محولة نظراتها المتسائلة إلى تشارلز .
ابتسم لها الرجل العجوز وهو يهز رأسه مجيباً عن سؤالها الذي لم تنطق به: "كلا. إنني لست هنا اليوم لأستأجر أي شيء من متجرك يا ميلودي ، ولكنني جئت لأتحدث عن عمل من نوع آخر.ذلك أنك قد جئتنا بالخطوط الأولى ،أيتها السيدة الشابة لمشروعك ذاك بإنشاء مركز تجمع للجيران ،وقد أصبح مدار اهتمام العمداء في المدينة وكان مثار اهتمام مجلس التشريع أثناء جلسة يوم الاثنين التي كرست لدراسة تفاصيله ومساندته .
رمقت ميلودي جايمس بنظرة عدائية وهي تسوي من أشرطة قبعة قش وتشبكها إلى وسادة مخملية سوداء .وقالت: "من خلال من ترافقهم هذه الأيام يا تشارلز فإنني أظنك ضد هذه الفكرة ."
أجاب وهو يجلس على كرسي عالٍ: " في الحقيقة، عن كل إنسان في هذا المدينة أصبح يساندك."
قالت بقنوط: "ولكنني اسمع كلمة(ولكن)."
لقد أصبحت الحياة بالنسبة إليها ،مليئة بكلمات (ولكن) خصوصاً في وجود جايمس .
قال تشارلز: "ليس تماماً .ولكن انتخابات البلدية تجري هذه السنة وأكثرنا يعمل لتجميع الأصوات .وبطبيعة الحال ،فإننا لن نساند أي مشروع يسيء إلى الناس."
نفضت شالاً عاجي اللون ثم علقته بجانب القبعة وهي تقول : "ما هي المشكلة أذن يا تشارلز؟ "
قال: " إن المجلس يقدم عرضاً باستئجار المكان لمدة تسع وتسعين سنة وذلك بأجر رمزي ،فلو استطعت أن ترفعي من المبلغ الذي جمعته لضمان انتهاء المشروع لغدت مساعدتك لنا أكثر فعالية."
قالت : "هذه هي نيتنا في الواقع."
تنحنح بينما بقيت أسارير جايمس حيادية . وقال تشارلز: "ثمة شيء أخر ."
تأكدت ميلودي من أن ثمة شيئاً في الأفق ولكنها قالت : "إنني أعرف أنه لابد أن يكون ثمة شيء."
قال: " المسألة هي أن سنة الانتخابات قد بدأت. وعلينا أن نقنع الناخبين بأننا لا نساند المشروعات عديمة الفائدة وندفع فيها أموال دافعي الضرائب. وتعرفين طبعاً أن موقع المشروع المختار هو بناية موروثة وأن هناك شروطاً صارمة بالنسبة إلى استعماله."
قالت: "لقد توقعنا ذلك."
أختار جايمس تلك اللحظة ليقول: "لا شك في أنها تتوقع أن تشق طريقها بالرشوة." كان يعاملها بنفس الطريقة التي عاملها بها أثناء المقابلة التلفزيونية، أي كأنها غير موجودة.
حسناً ...أي شخصان هما كافيان للقيام بهذه اللعبة. وقالت تسأل تشارلز: "لماذا هو هنا؟ "
أجاب: "لكي نحصل على الأخضر لهذا المشروع، عليك أن توافقي على العمل مع شخص يملك عدة خبرات منها الهندسة. شخص من إدارة التخطيط في المدينة ومهندس بناء ويكون طبعاً ممثلاً عن تلك الطبقة."
قالت: "أنه مهندس بحري فما الذي يعرفه عن هندسة البناء ؟ "
قال تشارلز بارتباك: "إن اللجنة تصر على ذلك ،إذ أن والده سيث لوغان ،لما أصبح له شعبية بسبب الحادث الذي تعرض له ،فقد اختير من قبل اللجنة ليكون المتحدث باسم المستفيدين من المشروع ،وكذلك ..."وتنحنح مرة أخرى وهو يتابع : "حسناً يا عزيزتي ."
تنهدت ميلودي وهي تقول : " هاهي كلمة (ولكن ) تفرض نفسها مرة أخرى يا تشارلز ؟ "
شد عقدة ربطة عنقه، مع أنها تكاد تخنقه وهو يقول: " ربما. إنني أخشى أن ثمة كثيرون قد رأوا برنامج التلفزيون ذاك يا عزيزتي . ولسوء الحظ ظن البعض أن الغرض الحقيقي من جمع المساعدة المطلوبة بشكل ملح، قد انتفى بعد الشجار الذي حدث بين الشخصين اللذين ظهرت علاقتهما الشخصية بشكل سيئ. ولكي نحصل على المساندة من المجلس، على المجلس ذاك أن يتمكن من إثبات أن التعاون بين الطرفين... قد علا فوق الخلافات التافهة . إننا نريد أن نراك و جايمس تعملان معاً في هذا المشروع للخير العام."

قال جايمس: "وقد وافقت أنا على ذلك."
قالت ميلودي مدركة أن لهجتها تعبر عن الرعب الذي ظهر في وجهها : " ولماذا ؟ "
أجاب: " لأن جذوري هي هنا، ولأن لي حقاً في النتيجة .وأنا أيضاً واضح ولا أخاف من التعبير عن رأيي ."
قالت بحدة: "إياك أن تذكر التواضع الذي يثير الاشمئزاز."
قال تشارلز متوسلاً وهو يمسح جبينه بمنديله: " حاولا أن تتفقا يا أولاد ، إن تعاونكما ضروري لنجاح هذا المشروع ."
لم تكن ميلودي تريد شيئاً في هذه اللحظة أكثر من أن يترك لها العنان لإنهاء معركتها مع جايمس إلى الحد الذي يشفي غليلها ولو باقتلاع عينيه .ولكن كان عليها أن تذكر نفسها بأن تربيتها لا تسمح لها بمثل هذه التصرفات .فقالت : "إنني مستعدة للقيام بما يتوجب عليّ عمله يا تشارلز ، من دون أن تكلف نفسك عناء إحضاره معك ."
قال تشارلز بارتياح واضح : " أردت أن أتأكد بأنكما تتفهمان في ما عليكما القيام به . فلا مجال هنا لمصالح شخصية .ومهما تكن مشاعر الواحد منكما تجاه الآخر ، فلا بد من تجاوزها في سبيل تقدم المشروع .هل توافقان على هذا؟ "
قال جايمس: "نعم ."
أرادت ميلودي أن تصرخ كلا إنها لا تستطيع احتمال الجلوس أمام جايمس على طاولة الاجتماع والتناقش في أمور عقلانية مهما كان السبب الذي يستحق ذلك، لأن شعورها نحوه منذ البداية لم يكن عقلانياً قط كان شعورها مختلفاً تماماً .وما يقوم على المشاعر والغريزة ليس من السهل أن يتحول إلى المنطق.
تنهدت باستسلام فهي إن لم توافق ، تحقيقاً لطلب تشارلز على الأقل فهذا معناه أنها ستسقط في الفخ ، وهذا السقوط يقود حتماً إلى وضع حدٍ لهذا المشروع الذي كلفها غالياً .وأخيرا اضطرت إلى القول لجايمس : "إنني أوافق على اشتراك والدك معنا ، ولكنني كنت أفضل كثيراً لو لم تكن أنت معنا ."
لم يحاول جايمس إخفاء ابتسامة وقال: " هذا لأنك تعتقدين أنك يمكنك التأثير على أبي بكلامك العذب بسهولة أكثر من تأثيرك عليّ."
قالت: " كلا، وإنما لأنك تعاملنا بمنتهى الازدراء .إنك على كل حال انسلخت من هذه المدينة وكل ما لك فيها وذلك منذ سنوات ." وما لبثت أن غيرت من لهجتها بعد ما رأت على وجه تشارلز ما يشير إلى عدم موافقته على كلامها فعادت تقول لجايمس : " إذا كنت تحتمل فكرة العمل معي ،فيمكنني التعاون معك حتماً أثناء الوقت القصير الذي ستمكثه في المدينة."
ابتسم تشارلز قائلاً : "سيكون جدك فخوراً بك يا عزيزتي فقد ورثت عنه قلبه الكبير ." ومد يده عبر الطاولة يربت على يدها : " إن الاجتماع الأول سيكون مساء الثلاثاء القادم إلى اللقاء إذن في الساعة السابعة تماماً في القاعة المدينة ."
مضى الوقت بسرعة .كانت ميلودي تتوقع أن يكون جو الاجتماع متوتراً كما كان فعلاً .وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يلتقيان فيها ، هي وجايمس بعد فراقهما العاصف ذاك في كوخ أبيه . ولكنها ظنت إنها استعدت لذلك تماماً .فقد وصلت في نفس اللحظة التي بدأ فيها الاجتماع وبهذا جنبت نفسها أحاديث غير ضرورية مع هذا وذاك .وابتسمت لسيث كما أومأت لجايمس بتحية وذلك قطعاً للشائعات ، ولكنها تجاهلت الجلوس في صف واحد معه ومع أبيه ،غير مهتمة بمظاهر الخيبة التي ظهرت على وجه سيث .واختارت مقعداً في الطرف الأبعد من الطاولة .
عندما ارتفعت حرارة المناقشة واجتازت اللحظات الأولى الحرجة وكرست بقية المساء للعمل تنفست الصعداء وصممت ميلودي على أن تخرج من المكان قبل أن يلحظ أحد خروجها.
كيف حدث إذن أن فشلت خطتها هذه في غضون ثوان من نهاية الاجتماع لتجد نفسها مدفوعة بقوة إلى المشاركة في عشاء متأخر مع سيث و جايمس؟ ولم يكن ذلك لأن جايمس عرض هذه الدعوة .فقد كان واقفاً ككتلة من الحجر وقد تجمدت ملامح وجهه الوسيم ، عندما أندفع سيث بكرسيه معترضاً طريقها وأوقفها قبل أن تجتاز مسافة الخمس ياردات نحو الباب.
قال: " قفي يا فتاة...إلى أين تذهبين؟ "
"إنني جائعة يا سيث إذ لم أتناول طعاماً قبل حضوري."
"هذا حسن ، إذ يمكنك تناول الطعام معنا .فإن جايمس سيأخذني إلى أحد تلك الأمكنة حيث أمثالك وأمثاله يحبون أن يأكلوا دوماً."
قالت: "هذا رائع يا سيث . ولكنني لا أحب عادة أن أقحم نفسي في مثل هذه المناسبات."
قال بتملق: "أظن أن هذه المناسبة ستكون أفضل إذا حضرتها فتاة جميلة مثلك، وسيتطلع إليّ الناس إذ أكون على هذا الكرسي ذي العجلات مع أحب سيدة أليّ في العالم أليس كذلك؟ أم أنك تخجلين أن تظهري معي أمام الناس ؟ "
قالت: " طبعاً أنا لا أخجل من ذلك."اتفقنا إذن .وأنت يا جايمس ، ماذا تفعل هناك كمن بلع لسانه ؟ يمكنها أن تأتي معنا أليس كذلك؟ "
كان جايمس يرتدي بذلة عمل داكنة اللون .وكان قميصه أبيض كالثلج وربطة عنقه من الحرير الخالص .وكان شعره لامعاً وبشرته متألقة ، مما جعله يبدو بوسامته كنجم سينمائي وبمظاهر الكبرياء والجفاء كرئيس دولة أجنبية غير صديقة.
قال ببرود وهو ينظر نحو الباب : "بكل تأكيد .هل نذهب؟ "
نظر إليها قائلاً : " لا تكوني سخيفة فليس ثمة ضرورة لسيارتين ، إذا كانت سيارة واحدة تفي بالغرض دعي سيارتك هنا ." ودون أن يمنحها فرصة للمناقشة ، قاد سيث في كرسيه إلى الخارج حيث برودة الليل .تبعتهما ميلودي مذعنة .
قال جايمس آمراً: " اجلسي في المقعد الأمامي يا ميلودي."
" كلا . أفضل أن أجلس في المقعد الخلفي."
قال سيث: " ليس لك خيار في هذا .فأنا أستطيع مد ساقي اللعينة هذه أفضل في المقعد الخلفي."
كان المطعم كراب آيلندإن ، أحسن مطاعم المنطقة وأجملها ، إذ كان يشرف على المياه من نوافذه البارزة التي تمتد على ستة جدران من غرفة الطعام الثمانية الزوايا ، وذلك بشكل أخاذ بالغ الروعة .كان في الجدار الثامن مدفأة تمتد من الأرض حتى السقف .بينما في الجدار المقابل كان ثمة أحواض السمك والنباتات التي بعثت الحياة في المكان ، وباحة للرقص في منتصف المكان .وهناك ثمة عازف على البيانو يملأ الأجواء بالأنغام .
لم يبد على جايمس أي اهتمام أو استحسان للمكان ، بل كان يبدو وكأنه يرغب في الإسراع بالانتهاء من هذه الأمسية قدر الإمكان .
سألهما ببطء قبل أن تستقر ميلودي في مكانها : " أترغبان في الكوكتيل ؟"
هزت هي رأسها قائلة: "كلا.شكراً."
عاد يسأل : "أي شراب ؟ " فهزت رأسها نفياً .ولاحظت ميلودي أن سيث يراقب ما حوله غير مصدق ما يرى مما يخلب اللب.
أقبل النادل وهو يرقب سيث وكأنه نوع غير عادي من المخلوقات ،ثم تنحنح سائلاً جايمس: " أتريد أن تأمرني بشيء يا سيدي؟ "
قال جايمس: " نعم ."
تمتم سيث بسرعة : " قائمة الطعام هذه مكتوبة بلغة أجنبية يا ميلودي . فكيف يعرف الشخص ماذا يضع في معدته؟ "
همست تجيبه: "اقرأ الحروف الصغيرة فيها الترجمة الإنجليزية."
قال: " وهذا أيضاً لا أفهم منه شيئاً ، الكلمة الوحيدة التي فهمتها هي ، أصداف بحرية وكذلك سمك ." وألقى نظرة ضاحكة على وجه النادل الجامد وقال: " أظن هذا سهلاً .سأطلب سمكاً أو صدفاً بحرياً."

وضع النادل إشارة بقلمه على قائمة الطعام وهو يقول : " توجد أصداف طازجة وأصداف مدخنة يا سيدي .أما بالنسبة إلى السمك فهو إما بالزبدة والليمون أو صينية في الفرن بالقشدة."
قال سيث : "حسناً انك تتحدث إلى صياد سمك عجوز يا بني ، وليس إلى من لا يعرف أجناس السمك .لهذا لا تحاول أن تغشني بتزيين الأشياء .أريد سمكاً بسيطاً مع البطاطا المقلية ."
أثناء هذه المناقشة كان يجلس مسترخياً في كرسيه دون أي تعبير على وجهه، وهو يراقب ميلودي التي كانت تحاول جاهدة إخفاء ابتسامتها ، وأشار إليها النادل سائلاً : " وماذا عن السيدة ؟ "
أجابت : " أريد سمكاً أنا أيضاً ، وبالضبط كما طلبه صديقي .سمكاً بسيطاً مع البطاطا المقلية."
قال جايمس : " وأنا أيضاً أريد الشيء نفسه بالإضافة إلى السلطة ." ونظر إلى ميلودي وخيل إليها أن شبح ابتسامة لاحت في عينيه وهو يتابع : " لماذا لا نطلب سلطة لنا نحن الثلاثة ؟ "
قالت بأدب : " هذا حسن."
سأل سيث مستطلعاً : "كم سننتظر قبل أن يأتي الطعام ؟ "
قال النادل : " حوالي الثلث ساعة يا سيدي . وأنا متأكد من أنك تعرف أن الطعام الجيد يستغرق تجهيزه بعض الوقت .أما السلطة فيمكن إحضارها حالاً ."
قال سيث: " إذن إلى ذلك الوقت ، سأذهب لمشاهدة أحواض السمك تلك، ويمكنكما أن تتسليا معاً حين عودتي."
تمنت ميلودي لو كانت عند حسن ظنه ، ذلك أن الصمت بقي متوتراً بينها وبين جايمس .ألقت عليه نظرة سريعة لتجده يراقبها ، وبسرعة حول نظره إلى النافذة حيث الأمواج تلطم الرمال دون كلل ، تاركاً إياها تتأمل جانب وجهه الوسيم .
هل من الممكن أن تغطي صورة رجل آخر ، يوماً ما صورة جايمس بقوامه الرجولي الرائع القوي؟ وشعرت بقلبها الذي برح به الألم يقول ، كلا.
أخذ يرشف شرابه متابعاً النظر من النافذة ثم تمتم قائلاً: " إننا لا نقوم بتسلية أنفسنا كما يجب.أليس كذلك ؟ "
فكرت هي ، أتراه يظن أن ذلك ما ينبغي أن يقوما به؟ أم تراه يظن أن ذلك يرجو أن تذل نفسها مستجدية كلاماً يخفف من معاناتها ؟ وقالت : " أظن هذا هو الواقع."
سألها: " هل أحرجك تصرف أبي؟ "
أجابت وكأنه وجه إليها إهانة: " كلا يا جايمس إنني أحب أباك جداً .وأشعر بالانشراح لتصرفاته لماذا تسأل ؟ هل لأنك محرج؟ "
قال: "كلا أبداً .حيث أنني لم آت من..." فأكملت كلامه قائلة: " من بيئتي أنا .إنني أعرف يا جايمس أنك لا تريدني أن أنسى ذلك."
قال: " ما رأيك في الرقص؟ "
لم تتلق ميلودي دعوة للرقص من قبل بمثل هذه البساطة .وردت عليه قائلة : " كلا . إن والدك هو ضيفك هذه الليلة ، وما أنا إلا واحدة التصقت أنت بها .فمن فضلك لا أريدك أن تشعر بأن عليك واجب تسليتي ."
ابتسم جايمس متهكماً برقة ، وقال : " إنني نادراً ما أشعر بأن عليّ أن أقوم بشيء لا أريده ، يا ميلودي .كما أنني لا أدفع أي شخص إلى القيام بعمل لا يريده. هل يمكنك أن تقولي نفس الشيء ؟ أم أنك تظنين أن أصدقاءك في اللجنة سيلقون باعتراضاتي عرض الحائط ويسمحون لك بتنفيذ خططك في فرض إحسانك الجدير بالشكر دون شك ، على أبي وأصدقاءه."
وضعت ميلودي كأس الشراب من يدها دون أن تلمسه وهي تقول : " لقد كانت غلطة مني أن أوافق على العشاء معك ."
قال بأسف ساخر: " تباً ! هل ستتركيننا بهذه السرعة يا سيدتي؟ "
قالت بشيء من التهكم: " كلا ، ولكنني أظن أن الرقص هو أفضل من الحديث معك ، وأظن دعوتك لي لذلك ما تزال قائمة ."

انتصب واقفاً وعلى شفتيه ابتسامة وهو يقول : " كما تريدين ، هل من الضروري أن أحصل على بوليصة تأمين على حياتي أولاً ؟ "

قالت بحدة: " أبداً." وجرته إلى الحلبة بعنف يفوق ما يصدر عن سيدة مهذبة وهي تقول: " إنني مصممة على قتلك يوما ما عندما لا يكون حولنا من يشهد هذه المناسبة السعيدة."
قال: " إذا كنت ترينني صعباً لهذا الحد، فلماذا وافقت على العمل معي في اللجنة؟ "
كان رقصه رائعاً ،تماماً ككل شيء يقوم به.
أجابته: " لأنه لم يكن لدي خيار ولا أريد أن أتابع النقاش في القضية."
أصر قائلاً : " إذا كنت مولعة بأبي إلى هذا الحد الذي تريدين من الجميع أن يصدقوه ، فلماذا تصرين على المتابعة مع اللجنة وهذا المشروع اللعين؟ فلا هو ولا أصدقاؤه يهتمون بهذا المشروع أكثر مما أهتم به أنا ."
قالت: " إنني متأكدة من أن سيث سيساند المشروع عندما يدرك أبعاده .أما بالنسبة إلى أصدقاؤه فلا يمكنني طبعاً ، التكلم باسمهم."
دار جايمس بها بمرح في الحلبة وهو يقول: " وما الذي جعلك تعتقدين ذلك يا سيدتي العزيزة؟ "
كيف أمكن لصوته الجذاب هذا أن يحمل هذه السخرية والهزأ؟ أجابت : " إن عقله منفتح للأفكار الجديدة ويجب أن يستمع إلى وجهات النظر الأخرى .بينما أنت عاجز عن النظر إلى الأمور بعقلانية وحياد، وأنت من التطرف بحيث لا يمكنك رؤية ما وراء أفقك الضيق، وأكثر من ذلك..."
قال وهو يزيد من شدها إليه: " ميلودي إنني أرى أكثر مما تتصورين. وأنا أرى حياتي المنتظمة تتهاوى إلى الجحيم لأنني جئت إلى هنا للعناية برجل لا أكاد أعرفه."
وضع يدها على قلبه بينما شدت يدها الأخرى خصرها ليعود إلى الحياة شعورها نحوه الذي كانت تجاهد لتكبحه.
تابع قائلاً: " ووجدت نفسي أدخل في نزاع حول حياة أناس آخرين ، وأقوم باتصالات لم أكن أتوقعها ولا أريدها."
لم يكن ثمة شك أنها كانت و جايمس غريمين وكانت المشكلة الوحيدة أن جسديهما لم يكونا يشعران بذلك وكانا يتجاهلان أسباب الشتائم التي يتبادلانها ويتعانقان بلذة واضحة في باحة الرقص."
قالت متلعثمة : " إذا كنت تحاول أن تقنعني بالتخلي عن المشروع يا جايمس فإنني أخشى أنك تستخف بعزيمتي."
قال: " أخشى أنني استخففت بك على الدوام فمهما كانت أخطاؤك وهي قليلة ، فأنت شخصية مبدعة يا ميلودي ."
حاولت دون جدوى أن تعيد إظهار امتعاضها: " أوه من فضلك لا ضرورة لإعادة الحديث في هذا الموضوع."
قال: " أنني لا أتحدث عن المال أو النشأة هذه المرة بل أتحدث عن اللطف الإنساني الأصيل . وبصراحة إن أية امرأة ممن أعرفهن كانت ستهرب إزاء مناقشة سيث مع النادل."
حدثتها نفسها أن تسأله وكم امرأة تعرف ؟ ولكنها قالت بدلاً من ذلك: " إنه على الفطرة وهذا شيء أفهمه أنا تماماً. وهذا لا يستدعي أي اعتذار يا جايمس مهما كان مقدار ما يملكه أو لا يملكه من نقود."
ابتعد عنها ليتمكن من النظر في عينيها ليرى مبلغ الجد في كلامها أو الكذب. فبادلته النظرات .وتركها بحركة مفاجئة جعلتها تترنح وهو يقول : "إن السلطة في انتظارنا وكذلك سيث. كما أن الرقص لم يكن فكرة جيدة على كل حال ."
هل هي ماكرة ؟ أم لعلها شخص مراوغ يقول الأشياء الصحيحة ويعرف أي زر يضغط...؟ وتلك العينان...إنهما تفيضان بالعاطفة، والحنان، والصدق...تباً! ما كان له أن يدع عينيه تغوصان في أعماقهما الغادرة.
قال وهو يقاوم وخز ضميره لرؤية خيبة الأمل في عيني سيث: " فلنأكل وننته من كل هذا ."

لكن الثلاثة أسابيع التالية استنفدت كل إرادته في سبيل أن يتمكن من البقاء بعيداً عنها، ولم يكن الأمر سيئاً أثناء النهار.إذ كان يشغل نفسه بتحسن حالة المنزل، والاجتماعات البغيضة لتلك اللجنة، كانت شيئاً آخر على كل حال.إنه لم يعرف كيف تداخل معهم .أما كيف كان يذهب لرؤيتهم ، فكان هذا أكثر غموضاً ،خصوصاً عندما هددوا بالمتابعة بشكل غير محدد دون أن يكون ثمة نتيجة بادية .
قال مرة حين أوشك المجتمعون على الغوص في مستنقع المهاترات السياسية : "هل من الممكن من فضلكم أن نتخلص من التعثر هنا وهناك وننتهي من هذه القضية ؟ لقد تعبت من الاستماع إليكم."
قالت ميلودي: " يمكنك أن تستقيل متى شئت ." وابتسمت ببراءة زادت من غيظه.
قال: "صدقيني أنه سيسرني أن أتركك تشنقين نفسك لو كنت أضمن أن ذلك يسرع في خروجي من هنا."
قالت: "التمنيات لا تساعد على إنهاء الأمور يا جايمس ولكن إذا لم يكن في استطاعتك التعامل مع الأمور ، يمكنك أن تستقيل."
ذكرته همهمة إنذار من أحد المجتمعين ، بأن ثمة من ينظر إليهما .وجاهد في أن يرسم ابتسامة على فمه وهو يقول : " كلا، شكراً .ليس من عادتي أن أتخلى عن شيء قبل أن ينتهي . إنه يشابه الهرب تماماً .وربما ، يمكننا أن نجد حلاً إذا ركزنا جهودنا في هذا السبيل بدلاً من المشكلات."
لقد ضغط أخيراً على الزر الصحيح .إذ في الاجتماع التالي بالذات، عرضت ميلودي على اللجنة طريقة مثلى لتخطي العقبات التي كانت تبقيه لوقت غير محدد.
كان ذلك في منتصف شهر آذار_مارس، بعد نهار ربيعي مشمس وكانت أزهار النرجس تنتشر في أنحاء المدينة وفي نفس عصر ذلك اليوم ، أدرك جايمس بما يشبه الصدمة ، انه مضى عليه أكثر من شهرين في مدينة بورت آرمسترونغ .فليس من المستغرب إذن ، أن يشعر أحياناً بأنه في منزله في هذا المكان.
قالت ميلودي من مكانها في الطرف الآخر من طاولة الاجتماع وهي تطلب منه ، بعينيها الكبيرتين الرائعتين ، أن يحاول إيجاد خطأ في اقتراحها هذا: " إن بيننا هنا من يعترض بشدة على محاولات فرض ما يسمونه إحساناً على أولئك الذين لم يفصحوا عن حاجتهم إلى المساعدات . وهناك آخرون يشعرون مثلي أنا أن بلوغ هؤلاء ذلك الحد من اليأس هو عمل مذل وبعيد عن الإحساس .والجهتان تركزان على النفقات التي تلزم لمشروع كهذا. حسناً ، أظنني جئت بطريقة تبدد شكوك الجميع."
فكر جايمس في مقدار ما تبدو عليه ميلودي من نعومة ،وتمرس في الأعمال .أنها في الحقيقة عملية جداً ، ليس ثمة من يمكنه التكهن بأنها تملك حرارة وقوة عواطف ثلاث نساء مجتمعات.كما أنه لن يستطيع التكهن بأن تحت طقمها الأسود البسيط ذاك وقميصها الأبيض الحريري ، يكمن جسد برقة ونعومة ورائحة زهرة الغاردينيا.
أخذ جبينه ينضح عرقاً ... وشتم في سره وهو يغرز طرف قلمه في الورق الذي أمامه في مقدمة المركب الذي كان يخططه.تباً ! لماذا لم يتزوجها رجل ما، قبل أن يعرفها هو، ويبتعد بها عن طريقه فلا تغويه؟
قال له فجأة الرجل الذي يجلس إلى جانبه : "في الحقيقة ،هذا هو الرأي الصواب."
جفل جايمس ، هل تراه قد قرأ أفكاره ؟
وعقبت امرأة : " هذا رأي مكتمل لا يعترض عليه سوى الأحمق."
أبدى سيث موافقته وهو يضرب بيده على مائدة الاجتماع: "يمكنني أن أتفق معك في هذا ،يا فتاة .أنني أعرف رجلين يمكنهما إدارة المطبخ،احدهما بقي سنوات طباخاً في السفينة إلى أن ظهر طفح في جسده جعله لا يستطيع القيام بشيء .وكثيرا منا يمكنه استعمال الفأس والمنشار.لقد اشتغلنا في الأخشاب معظم حياتنا .لم يعد في استطاعتنا تسلق السلالم بعد الآن ،ولكن يمكننا العناية بأشياء كثيرة وإنهاءها بأنفسنا."
منتديات ليلاس
قالت له ميلودي بابتسامة حلوة جعلت جايمس يشعر بالغيرة: " لقد رجوت أن يكون هذا شعورك ،في الواقع حتى إنني تساءلت عما إذا كان يمكن أن يهتم بعضكم،في حال انتهاء البناء ،بإقامة دكان لإصلاح ما قد يحضره البعض من تحف وغير ذلك.وسيكون في ذلك مورد لدخل يساعد على توفير نفقات الصيانة ."
قال سيث: " إن وجبة مجانية أحياناً ، تستقر في معدتي بشكل أفضل إذا كنت أعلم أنني أقوم بعمل ما يجعلني أستحقها .وأنا أعرف أن سائر الرجال يشعرون بنفس الشيء .إننا لا نكره أن يكون ثمة مكان نذهب إليه عندما نواجه نهايتنا ولكنه الشعور بأننا نعامل كالأطفال الذين يقدم لهم الطعام والعناية مجاناً، هذا ما لا نريده.ولكن هذه الطريقة..." ابتسم هازاً رأسه مستطرداً: " إنني لست من الكبرياء بحيث أرفض أن أقايض عملاً بآخر."
ابتسمت له ميلودي مرة أخرى قائلة : "إننا بطبيعة الحال ، سنتابع جمع المال وبهذا نكون قد غطينا النفقات الأولية."
قال: "ما الذي تشعرين به عندما تريننا جالسين في الشارع يا فتاتي ميلودي ؟ "
أجابت : " ليس ثمة عند ذاك جيران أحبهم أكثر منكم يا سيث ." واتبعت ذلك بابتسامة ساحرة أخرى لم تتأثر بالنظرة العابسة التي أرسلها جايمس نحوها .
أعلن تشارلز رينر وهو يخرج مجموعة من المغلفات من حقيبته : " ثمة شيء أخير قبل أن ننهي جلستنا هذه.إن محافظ المدينة سيحيي الحفلة الراقصة السنوية ابتهاجاً بقدوم الربيع بعد أسبوع .واعترافاً بجهود الجميع التي كرسوها لهذه الاجتماعات فإنكم جميعاً مدعوون لهذه الحفلة.أما بالنسبة للتقدم الذي وصلنا إليه هذه الليلة، فقد خطر ببالي أن توقيت هذه المناسبة جاء بمثابة احتفال بتقدمنا الباهر أيضاً."
أنحنى إلى الأمام موجهاً كلامه إلى سيث قائلاً : " إن المحافظ يا سيد لوغان عبر عن رجائه الخاص في أن تتمكن أنت من الحضور."
فكر جايمس في مبلغ دهاء المحافظ الذي لا بد أن تصرفه هذا سيضمن له عدداً من أصوات الناخبين.
قال سيث: " أنا ؟ " وغمره شعور بالكبرياء سرعان ما تلاشى أمام الحقيقة التي ظهرت في عينيه. وبدا لجايمس متردداً غير واثق من نفسه وقد أرتجف صوته وهو يقول: "لا أدري إن كنت أستطيع الذهاب إلى هناك بحالتي هذه."
قال جايمس بابتسامة خفيفة : " ولكننا سنكون نحن الاثنين هناك." وما لبث أن بدا يشتم في سره. لقد خالجه شعور بالحماية لهذا الرجل المسن وكذلك التأثر. وماذا بعد ذلك؟ وما هي نهـاية كـل هـذا ؟ .
الفصـل التاسع

________________________________________


لم تكن قليلة تلك المناسبات الاحتفالية التي حضرها جايمس أثناء تسلقه سلم الارتقاء في مهنته ولكنه لم يشهد من قبل قط تجمعاً تجلى فيه ذلك العرض الباهر للثراء والإسراف ، كالذي تجلى في الاحتفال السنوي بالربيع في بورت ارمسترونغ .وهمس لسيث وهما يدخلان قاعة الرقص الكبرى في فندق امباسادور: " أن أي نشال مجوهرات يمكنه أن يتقاعد إن وفـّق هذه الليلة."
هتف سيث متقطع الأنفاس: " أنظر إلى ملابسهم ." ملوحاً بعصاه ذات المقبض الفضي.
قال جايمس : " لا تلوّح بالعصا هكذا فقد تصيب رأس أحدهم .دعنا نجد مكاناً بعيداً عن الزحام."
قال سيث : "أبحث أولاً عن ميلودي."

قال جايمس: "ابحث أولاً عن ميلودي."
قال جايمس : " ان الجموع تملأ قاعتين يا سيث. وقد لا نتمكن من العثور عليها."
قال سيث : " لماذا لم تتصل بها هاتفياً أذن لكي تأتي معنا منذ البداية؟ أريد أن أجلس معها وأرى ماذا ترتدي." ولوّح بعصاه مرة أخرى مشيراً إلى من حوله وهو يتابع قوله: " انها ستغطي على كل هؤلاء."
خوفاً من أن يكون قول سيث صحيحاً ، تمنى جايمس أن يتمكن من تجنب لقائها .إنه يريد أن يكون هذا المساء خاصاً به،يستطيع معه أبوه أن يستمتع بذكراه .فليستمتعا ، إذن بالموسيقى والشراب والتفرج على المجوهرات والثياب الأنيقة والوجوه المعروفة والمشهورة ،ولكن على أن تبقى ميلودي وتأثيرها المزعج صورة منسية فقط في زاوية من ذهنه .ذلك أن ثمة حدوداً لما يمكن أن يتحمله ، وهو الآن يتألم مسبقاً لدى التفكير في ما قد يكون ردة الفعل لهذه الليلة لدى والده ،صبح الغد.
من سخرية القدر أنه في هذا الوقت المتأخر أخذت الروابط العائلية تلتئم بين الرجلين اللذين كانت أهدافهما أكثر اختلافاً مما هي عليه الآن ، ومنازعاتهما أكثر حدة رغم أن جايمس أخذ يعاني أحياناً من وخز في ضميره بعد أن وضع تصميماً نهائياً لحياته الخاصة.كان يشعر في أعماقه بالندم وبنوع من الحزن لذكرى الأيام التي كان يعيشها مع والده . كما أن سماحه لنفسه بتطوير علاقته مع ميلودي، حمّله عبئاً فوق طاقته في المشاعر وهدّد عزلته الرائعة تلك التي شكلت حدود حياته التي وضعها.
كان فندق امباسادور قديم البناء ، وكانت قاعات الرقص والجلوس وغرفة الاستقبال مبطنة الجدران بألواح الزجاج والثريات من البلور الصافي ،وكان الأثاث أثرياً ،كما كانت الأرضية من الخشب المتين اللامع ،وبدا كل شيء رائعاً لجلسة مسائية شاعرية .
تساءلت ميلودي وهي في غرفة السيدات في الفندق ،تصلح زينتها ، عما يدعوها إلى الشعور بالحزن وبأنها غريبة اللباس .كان ثوبها أنيقاً من الساتان العاجي اللون موشحاً باللون الوردي، وكان يشد خصرها ،ثم ينحدر بشلال من الأزهار إلى كاحليها .كانت الألوان تناسب شعرها الأسود وبشرتها العاجية .فما هو الخطأ الذي حدث الآن ليثير فيها هذا الشعور؟
مهما يكن الأمر ، فقد أنتقل هذا الشعور إلى مرافقها هو أيضاً .وهو رجل كانت تخرج معه أحياناً لأكثر من سنة. كان روبرت رجلاً رقيقاً مثقفاً أنيقاً اجتماعياً، ومتفهماً.
يا للعزيز روبرت ،لقد تعب والداه في تنشئته وتثقيفه ،فلماذا لم تعرف قدره ولماذا لا تفتأ تقارنه بينها وبين نفسها ، بجايمس لوغان؟ ربما لو ظهر جايمس وجدت سبباً للتفكير بشكل مختلف .وربما جلوسها إلى جانب رجل ممتاز مثل روبرت، يجعل عيوب جايمس أكثر بروزاً ، وتأثيره عليها أقل .وربما عدم لمحها له هذه الليلة ، هو السبب في شعورها الحالي بالإحباط.
أخيراً رسمت ابتسامة على شفتيها .ستكون هذه الليلة طويلة مجهدة .ولكنها تعتمد على روبرت في عدم إظهارها لشعورها هذا ،فهناك عشرات من النساء يتمنين أن يكنّ مكانها إلى جانبه إذا وجدن الفرصة ، كما أنه يستحق أن تجعله يتساءل عما قد يكون أقترفه ليكون حظه مع هذه الفتاة التي تتمنى لو كانت مع رجل آخر في مكان آخر.
قالت لروبرت الذي كان ينتظرها، بصبر في الردهة: " آسفة لجعلك تنتظرني."
ابتسم وهو يمسك يدها: " لا بأس ،فأنت تستحقين أن ينتظرك المرء .بالمناسبة آل فريزر هنا قد حجزوا لنا مقعدين على مائدتهم."
قالت: "هذا حسن." وانتفضت فجأة ...هذه الكلمة ،حسن،تتبادر إلى ذهنها على الدوام حين لا تكون مع جايمس .لا شك في أنها إن نظرت في أمره بواقعية، ستكون حياتها، أحسن كثيراً بدونه.
قال روبرت: "ثمة وجوه كثيرة جديدة ،هذه السنة."
وأشار إلى الحشد حولهما ينبهها إلى احتمال أن يدوس أحد على أطراف ثوبها.
مدت عنقها آملة أن ترى وجهاً معيناً بين هذه الجموع ولكنها لم تستطع رغم كعب حذائها العالي.

بعد العشاء ،ألقى المحافظ كلمته السنوية ثم بدأ الرقص.وبعد ذلك بحوالي ساعة ،كانت هي وروبرت يجتازان الحضور في طريقهما إلى الردهة لتنشق الهواء الطلق،عندما أعترض طريقهما جسم دس نفسه بينها وبين مرافقها وهو يقول: " كنت أعلم أننا سنقابلك عاجلاً أم آجلاً .لماذا كنت تتجنبيننا يا فتاتي ميلودي؟ "
قالت بإصرار: " أبداً ، أنا لم أفعل ذلك." ولكن الواقع أنها مرت به لحظة ، ولكنها تجاهلت رؤيته دون قصد. إذ أنها لم تتأكد منه تماماً وهو حليق الذقن ملمع الشعر وفي بذلة السهرة الأنيقة، فهو لم يكن سيث لوغان الذي عرفته .وقالت له : " رائع يا سيث ، لم أكد أعرفك."
ضحك وهو يلوّح بعصاه كالفرسان قائلاً: " إن شكلي تغير تماماً، أليس كذلك؟ لا أحسبك توقعت أن أبدو بهذه الأناقة، أليس كذلك؟ "
قالت: "كلا،لم أتوقع ذلك.عليك أن تكون بهذا الشكل أغلب الأحيان يا سيث ، أنك تبدو..." ولوّحت بذراعيها ضاحكة وهي تتابع : "تبدو غاية في الوسامة والوقار."
قال سيث: " وأنت تبدين كلوحة رائعة." وأخذ يدها يقبل أطراف أصابعها بأدب وكياسة أحرجت ميلودي حتى كادت الدموع تطفر من عينيها .ذلك أنه طيلة تعارفهما ،لم يلمسها قط باستثناء التربيت الخفيف على وجنتها أحياناً .
طرفت بأهدابها توقف سيلان دموعها وهي تزدرد غصة في حلقها ، وقالت: " شكراً لك يا سيث." وتنحنح روبرت بأدب يذكرها برقة أنها نسيت واجبها.فاستدارت إليه قائلة: " هذا هو صديقي سيث لوغان يا روبرت .وقد تعارفنا عندما دخل المستشفى في شهر كانون الثاني_يناير، الماضي."
قال روبرت وهو يصافح سيث بأدب: " إنني أذكر ذلك .كيف حالك يا سيدي؟ "
قال سيث: " ها قد عدت إلى السير وفي طريقي لأعود طبيعياً . لماذا لم تزوريني مؤخراً يا ميلودي ؟ "
قالت كاذبة: " كنت مشغولة ، ولا أدري كيف أمضيت أوقاتي هذه الأسابيع الأخيرة.ولكننا نتكلم هاتفياً يا سيث."
قال سيث: " إن هذا مختلف."
قالت: " معك حق وهذا سبب سروري برؤيتك الآن.كنت آمل في رؤيتك الليلة ...هل...هل جايمس هنا أيضاً؟ "
قال سيث: " إنه هنا، فهو في الواقع مستند إلى الحائط منذ خمس دقائق متظاهراً بعدم الاستماع إلينا." وأشار بعصاه إلى روبرت قائلاً : "أظن أن في إمكاننا تناول كأس معاً، أيها الشاب ولندعهما يقومان بجولة في الحلبة."
زمجر جايمس وهو يتقدم نحوهم:" انتبه إلى تلك العصا اللعينة يا سيث، وكف عن محاولة تنظيم حياتي فأنا في إمكاني القيام بواجبي الاجتماعي دون وساطة منك."
قال سيث: "حسناً ،إنك تعرف أين تجدنا بعد ذلك إذن." وابتسم قائلاً: " إنه شرس قليلاً في الحقيقة ." والتفت إلى ميلودي متابعاً: "لقد أرسلته ليفتش عنك حال وصولنا، ولكن آكلة الرجال التي تبيع الفراء في سوقك أعاقته عن ذلك."
قالت ميلودي باستغراب: " من؟ أدريادن؟ " كانت ميلودي تعلم أن المستأجرين الآخرين قد تلقوا دعوات لحضور الاحتفال تقديراً لجهودهم في جمع المال للمشروع.ولكنها لم ترى سوى روجر.
قال سيث: " نعم، إنها هي، لقد أخذت تتبعه في كل مكان .وفكرت أن أحضر لأخلصه منها طبعاً، كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك لو كانت المرأة الأخرى هي التي أنشبت مخالبها به...تلك المرأة التي تبدو وكأنها ابتلعت مخللاً شديد الحموضة."
قال له جايمس: " كان يجب أن أحضر لك كمامة مع العصا لكي تمتنع عن الكلام يا سيث."
أغرق سيث في الضحك وهو يربت على مرفق روبرت بطرف عصاه بخفة قائلاً: " حسناً أيها الفتى .هل ستشتري لي كأس الشراب ذاك أم لا ؟ "
ابتسم روبرت فقال: "بمنتهى السرور يا سيدي."

سألها جايمس وهو يقودها إلى حلبة الرقص: " أين وجدت (دمية الخياط ) هذا، الذي ترافقينه؟ " أجابت بحدة: " طبعاً لم أجده في المكان الذي وجدت أنت فيه سلوكك. وأنني آسفة لعدم رغبتك في أن ترغم على الرقص معي، ولكن هذا لا يعطيك عذراً لهذه الفظاظة."
لم يجب بل أخذ يدها وقادها برقة فائقة إلى جانب الحلبة،ثم قال: " ليس ثمة عذر أبداً .وأنا آسف .فلنبدأ هذه المحادثة إذن، أنك تبدين جميلة هذه الليلة ، يا ميلودي ، ويشرفني جداً لو ترقصين معي ، من فضلك."

كان هناك الكثير من الرجال الأنيقين الوسيمين وكان روبرت دون شك واحداً منهم .أما جايمس فلم توجد بعد الكلمة التي يوصف بها كان طبعاً طويلاً ، يفيض رجولة وحيوية له غمازتان وأهداب رائعة ،وابتسامة جذابة ، دون شك ، رغم أنه يمكن أن يحولها إلى ابتسامة ماكرة منفرة...وأحياناً يطلق العنان لطباعه السيئة."
تاهت نظرات ميلودي وهي تقول: " عندما رقصنا معاً أول مرة ،لم نستمتع بذلك كثيراً."
قال وهو يفتح لها ذراعيه: " سيكون الأمر مختلفاً، هذه المرة."
وقفت مغنية أمام المايكروفون وأخذت تغني أغنية"أنني قد اصطدمت بك يا حلوتي." وبهت نور الثريات حتى بدت كالنجوم ،وكان هذا أكثر مما استطاعت ميلودي تحمله. فاندست بين ذراعيه ، ليقودها أينما شاء وحيثما يختار.
لا يهم كون نصف سكان مدينة بورت آرمسترونغ شهوداً على ابنة أكثر العائلات احتراماً وهي تجعل من نفسها أضحوكة في حلبة الرقص، ولا يهم إذا كانت حركات جسمه الرائع أقل تهذيباً مما ينبغي .أنها ببساطة تحبه،وقد تعبت من التظاهر بغير ذلك.
تعرف جيداً أن المرأة العاقلة لا تقع في غرام غمازتين فاتنتين أو كتفين عريضتين، وبحثت عن صفات أخرى تكون بديلاً عن الغمازات إذا ما أخفتهما التجاعيد، أو الكتفين العريضتين إذا ما أحنتهما السنين.ذلك أن المرأة العاقلة إنما تتطلع إلى التلاؤم والانسجام.أنها تدرك أن الزوجين إن لم يضحكا معاً،فإن المرأة تقضي أكثر أوقاتها في البكاء...البكاء على الأشياء التي تجاوزتها لكي تلحق برجل دخل حياتها في الشتاء لينساها في الصيف.
تعلم أيضاً أنه مهما تكن رغبة جايمس فيها لا يبادلها حباً بحب .وعاجلاً أم آجلاً ،عليها أن تواجه الألم الذي تسببها لها هذه المعرفة وعند ذاك ستبكي طويلاً.ولكن ليـس الآن. ليـس في هذه اللـحظة حيـث تأمرها غريزتها أن تأخذ أي شيء يعـطيـها مهـما كـان قليلاً، لتختزنه للأيام القاحلة، إذ أن الفـرصة السانحة الآن، قد لا تعود مرة أخرى.
كان هو أسوأ من أن يتصور المرء ، كما أعترف جايمس لنفسه وهو يحـتضنها بـشيء من الشدة أثناء الرقص. فقد كان وحشاً خالياً من الإنسـانية حين وضع نفسه ووضعها هي في مثل هذا المأزق العاطفي.
كان هو على ما يرام إلى أن مرت به وهي تتأبط ذراع مرافقها ذاك، وإذا بالهياج يعميه. وشعر برغبة طاغية في أن يهجم على ذلك المسكين ليجره من عنقه وهو يزمجر، أرفـع يـديـك القـذرتـين عنها فهذه المرأة لـي أنـا...
هـل هـذه المـرأة تخـصه ؟ ومنـذ متـى؟
إذا كان عنده أي شك في أن عزمه على الرحيل في الغد أفضل سبيل ،فإن هذه اللـحظة التي كـاد أن يفقد فيـها تمالكه لأعصابه كانت كافية لكـي يدرك ، أنه تأخر جداً في هذا التصميم الذي جاء بعد فوات الأوان،ومن الواضح أنه يعيش هنا بشكل مؤقت،وبالنسبة لرجل كان يريد أن يسافر خفيفاً مرتاحاً،فقد حمل حملاً ثقيلاً من الذكريات التي يبدو أنه محكوم عليه بأن يحملها إلى آخر حياته .
لقد حـان الوقت لكي يخبرها ، فهو يدين لها بكثير من الصدق ،فقد كانت بينهما أشياء كثيرة مشتركة لا يمكنه معها أن يتركها دون أن تعلم بذلك إلا من سيث أو غيره كتلك المرأة كلو .ولكن ، لم يحـن الوقت بعد وليمكث عدة دقائق أخرى مـحتضناً إياها بهذا الشكل.
تنهد ، وسـمح لذراعيـه بأن تشتـد حول خصرهـا . يا للروعـة كم هي جمـيلة كيفمـا نظر إليها أو أحس بـها ، وإلـى جانـب أناقتها المفرطـة وجوّ الأنوثة الذي يغمرهـا ،فقد وقفـت كالزهرة الفواحـة .إنه لن يشم زهرة بعد الآن ، دون أن يتـذكرها ،إنه بعد عشر سنوات من الآن ،فـي إمكانه أن يغمض عينيه ويتذكر لمعان شعرها ، وعمق عينـيها القاتمتين ودقة كاحليها....
"ميلودي ، يا عزيزتي." جـاء هذا الصوت من سيدة فضية الشعر ،مالت نحوهما ثم استطردت: "هل هذا هو فتاك؟ "

 
 

 

عرض البوم صور زونار   رد مع اقتباس
2 أعضاء قالوا شكراً لـ زونار على المشاركة المفيدة:
قديم 01-03-09, 06:46 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 103835
المشاركات: 336
الجنس ذكر
معدل التقييم: زونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداعزونار عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 499
شكراً: 10
تم شكره 836 مرة في 179 مشاركة

االدولة
البلدKuwait
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
زونار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

خففت ميلودي من التحامها بجايمس قليلاً وهي تقول: "كلا."
قالت المرأة بارتياح ملحوظ: " هذا ما فكرت فيه،إذ أكاد أقسم أنني رأيتك قبل فترة ، مع ذلك المحامي الشاب روبرت كامبرلي." وابتسمت لجايمس ابتسامة عابرة ثم تابعت تقول لميلودي: " تعلمين أن ذلك الشاب سليل عائلة من أقدم عائلاتنا."
حسناً ،ها قد حان الوقت لكي يتخلص من حيرته.
سكتت المـوسيقى ولكن بدلاً من أن يتركـها جايمس ، سحبها من يـدها وسـار بـها نحـو المصعد فـي آخـر الردهـة .
وسألته : " إلى أيـن نحن ذاهبان ؟ "
أجـاب بوجه متجهم: " إلـى السـطح ."
قـالت: "جايمس .لا يمكنني الاختفاء هكذا دون كلمة أقولـها لروبرت."
قـال: "فليذهب روبرت إلى الجحيم."
همّت بالاعتـراض، ولكنـها بـدلاً من ذلك، مشت إلى جانبـه صامته، لقد حل مكـان الدفء الذي استمتعت به بين ذراعـيه، نذير السوء ذاك الذي أستقر في أعماقها منذ أيـام.
كانت حديقة السطح تشرف على معظم مناظر المدينة وضواحيها .وأثناء الصيف ، كانت شرفة الحديقة من الأماكن المفضلة لدى ميلودي .وكانت تعشق الجـلوس إلـى إحدى الموائد المغطاة بالزجاج تحت المظلة ،محاطة بالنباتات الاستوائية والسلال المعلقة تتدلـى منها الزهور.
في هذا الوقت من السنة ، كانت الشرفة تقفل في وجه الجمهور .ولكنها و جايمس ، وقفا أمام أحدى النوافذ فـي الناحية الغربية من السطح وأخذا ينظران إلى مياه الميناء التي تتلألأ في عتمة الليل .
سألته: "لـماذا أحضرتني إلى هنا ، يا جايمس ؟"
تساءلت بينها وبين نفسها عما إذا كان في استطاعته أن يلمس رنة الخوف في صوتـها.
قال: " أردت أن أنفرد بك فترة."
تمنت لو أمكنها أن تأخذ كلماته بمعناها الظاهر.وعادت تسـأله: "لمـاذا؟ "
تنهد ،ثم استدار ينظر إليها .لامس وجنتيها بأصابعه ، ثم فمها ، ومر بيده على شعرها ثم أحتوى وجهها بين راحتيه برفق وكأنه مصنوع من مادة ثمينة هشة . أخذ يتلمسها وكأنه أعمى، أو كأنه يريد أن يصنع لها تمثالاً في ذاكرته.
شعر بها ترتجف فأخذها بين ذراعيه. وسمعت صوت خفقان قلبه السريعة، وتنفسه السريع المنخفض، ومع أن يديه كانتا دافئتين فقد استمرت الرجفة في جسدها وقد أصابها الصقيع حتى العظام.
ابتدأ يقول بصوت أجش: " ميلودي ، أنني ......" هل سيقول أحبك؟ أرغب فيك؟ وأغمضت عينيها تخفي دمـوعـها ...كلا...ليست هـذه هي الكلمـات التي ستسمعها.
حاول مرة أخرى الكلام قائلاً: " إنني..." وتدحرجت دمعة على خدها ثم أخرى .
قالت في محاولة لمنعه من الاستمرار في الكلام: " لقد استمتعنا بالرقص هذه المرة.أليس كذلك؟ "
قال: "نعم." ثم ضغط وجهها علـى صدره وامتص قميصه القطني دموعها، ولكن، لا شيء أمكنه أن يمتص الألم من قلبها والذي جعلها تتمنى الموت.
تابع هو قوله : " ولكنه كان مختلفاً هذه المرة ."
همست: " لا أريد أن أعرف السبب."
قال: " ولكن عليّ أن أخبرك."

قالت متوسلة : " كلا .إننا أمضينا معاً وقتاً طيباً، فدعنا نتذكره دوماً بهذا الشكل."
قال بصوت صارم : " كان آخر وقت نقضيه معاً، إنني راحل يا ميلودي .إنني عائد إلى حيث أنتمي ."
قالت وهي تجهش بالبكاء : " نعم .إنني أتفهم هذا.إنك تريد الذهاب لتتفقد شؤونك التي تركتها وراءك."
قال: "إنني لن أراك مرة أخرى ."
"إلى حين عودتك..." وغصت بالكلمات.
"لن تكون لي عودة ."
وهجرها كبرياؤها كما فقدت ضبطها لأعصابها وهي تقول باكية: " لا تقل ذلك. أرجوك يا جايمس قل أنك لا تعني ذلك ."
"عليّ أن أذهب، إن حياتي ليست هنا."
"ولكن حياتي هنا. ولـي علاقات ...وأستطيع أن أتوسط لك..." وتوقفت فجأة عن الكلام وقد أدركت خطورة ما كانت على وشك أن تقول.
أجاب هو بازدراء: " إنك تحبين هذا، أليس كذلك؟ هل هوايتك تنحصر فـي النبش عن مواطن الضعف فـي الرجال، لعرضها على الملأ ؟ "
توهج وجهها حرجاً وقالت: " إنني آسفة يا جايمس . إنني لم أقصد أهانتك."
تابع كلامه مقابلاً اعتذارها بما يستحق من الاحتقار: " ربما يهمك أن تعلمي أنك قدمت إليّ هذه الليلة وظيفة ،لولا الظروف ،لكان من الصعب عليّ أن أرفضها .إنها وظيفة هامة ذات نفوذ يا ميلودي .إنها إعادة تصميم و إنتاج المراكب القديمة الخشبية التـي كانت تستعمل للإيجار من هذا الميناء والرجوع إليه على مدار القرن،حيث أن الطلب عليها يزداد الآن للاحتفالات البحرية وغير ذلك.وميناء بورت آرمسترونغ العزيز يقبض الضرائب عن البضائع والسفن بالحماس والجشع المعتادين .في الواقع ، إن الكبار في المدينة يتلهفون للاتفاق معي على أن أضع شروطـي لكيفية القيام بالعمل."
من ترفعه هذا ، أدركت أنه وقع تحت تأثير إغراء هذا العرض وقالت: " ولكن هذا عرض مشرف جداً يا جايمس ." وداخلها أمل ضعيف في أن يجعله حماسها يعيد النظر فـي هذا العرض.
قال بابتسامة هازئة : " في الواقع ، أنني متأكد من أن صديقتك التي أعترضتنا في حلبة الرقص، كانت ستراني لائقاً برفقتك لو كانت تعلم بالاحترام والاعتبار اللذين يشرفني بهما مجتمعك الموروث."
قالت باكية وهـي ترى آمالها تدفن في التراب: " أنا لا يهمني ماذا يظن أصدقائي، ما يهمني هو أنت ، لم لا تقبل تلك الوظيفة؟ "
قال: " لأن ذلك يعني تأصل جذوري هنا، بينما أنا لا أنتمي إلى هذا المكان كما أننا نحن الاثنين، لا ننتمي لبعضنا البعض."
قالت: " يمكننا ذلك إن حاولت."
قال بخشونة: " ليس عليك أن تحاولي. لقد شاهدت كثيراً من النتائج البائسة لأشخاص حاولوا التمسك بأشياء لا يمكن أن تستقيم أصلاً."
نظـرت إليـه من خلال دمـوعها قـائلة في صمت:أحبـك.
قال وكأنها نطقت بكلمتها جهراً: " كلا، فأنا لا أستحق ذلك."
قالت : " ليس الأمر بيدي في ذلك."
قال: "كلا، يجب أن تبحثي عن شخص من بيئتك."
قالت: " هناك أشياء أهميتها عندي أكثر من بيئتي .ماذا بالنسبة إلينا يا جايمس ؟"
تنفست عميقاً، واستطردت: "ماذا عن الوقت الذي جمعنا فيه الحب؟ ألا يعني هذا لك شيئاً؟ "
هاهي ذي قد فعلتها.فعلت ما كانت قد عزمت على عدم القيام به... لقد اتخذت دور امرأة غرّر بها، لتبدأ بالابتزاز. ولكن ماذا بعد؟

مال إليها يحتضنها لآخر مرة ، لم تشعر قط من قبل بمثل هذه الرقة والحلاوة اللتين تركتا في نفسها أثراً عميقاً ،وعندما أنفصل عنها ، أخذ قسماً من قلبها معه . وكان الألم مبرحاً.
تراجع مبتعداً عنها فلم تعد تحس بدفئه ... هكذا ستمضي بها الحياة بعد الآن، باردة وفارغة.

وقال: " سأقول لك الآن وداعـاً يا سيدتـي، عـودي إلى حيث تنتمين، وسأعود أنا إلى حيث أنتمي."
الفصل العاشر


في الأيام السالفة ،كان من الممكن لميلودي أن تتقبل ذلك لأنها لم تتعود التوسل والتذلل ،ولكن ذلك كان قبل أن يشعل جايمس عواطفها ،مما جعلها ترفض أن تستجيب لأي من مشاعر الكبرياء والترفع .ولم تتمالك نفسها من أن يجن جنونها وهي تفكر في احتمال فقدانه إلى الأبد.
صرخت وهي تقذف بنفسها بين ذراعيه: " إنك حياتي يا جايمس."
أخذت تستنشق رائحته بلهفة وشوق . ودست فمها أسفل عنقه وهي تفكر في أنها لن تنسى رائحته أبداً.
لم تفهم كيف أمكنها أن تكون بهذه الصفاقة. ولم تعرف من أين أتتها هذه الجرأة المفرطة وكيف ستتمكن غداً من أن تنظر إلى نفسها دون أن تشعر بالمذلة. كل ما كانت تعرفه هو أنه مهما كان الذي قادها إلى مثل هذا التصرف، فقد كان سريع العدوى ،ذلك أن المعجزة حدثت ، فقد ضمها جايمس بين ذراعيه يشدها إلى صدره بنفس اليأس البالغ الذي يتملكها هي.
تمتم : " تباً لذلك .ليست هذه تصرفات سيدة ، يا عزيزتي."
قالت تشهق باكية: " أريـدك يا جايمس ." ما أن سمع كلماتها، حتى أنتبه إلى المكان الذي هو فيه. وسرعان ما أبعدها عنه وهو يقول بحزم : " كلا." وبدا لها من نبرة صوته، ومن نظرته، أنهما فعلاً، قد وصلا إلى النهاية. وتابع قائلاً: " تباً لك، يا ميلودي. كيف تتوقعين أن أواجه نفسي بعد هذا؟ "
رفعت يديها بعجز ثم تركتهما يسقطان إلى جانبيها، لقد جربت كل شيء، الوسائل، الإقناع، المنطق...وعندما فشل كل هذا ، عادت إلى أقدم السبل في محاولة لإيقاعه.
لقد شجعته وحاولت إغراءه بشتى السبل.لقد غامرت بكل شيء.ولكنها خسرت في النهاية ،والسبب، سواء صدق ذلك أم لا، هو أن جايمس كان في أعماقه سيداً مهذباً.
لم يكن من غير المتوقع أن يكون الحديث عن احتفال الربيع الراقص، هو الموضوع الذي دار حوله النقاش، عندما وصلت ميلودي إلى السوق صباح الاثنين التالي.
حياها إميل قائلاً: "إنك تبدين شاحبة، ألم ترتاحي بعد من رقصك حتى الفجر يا صغيرتي؟ "
نظرت إليها كلو قائلة: " إن كلمة (شاحبة) لا تكفي .ما الذي حدث؟ هل هجرك حبيبك؟ "
فتحت ميلودي باب متجرها وقالت: " نعم."
بدا على كلو الحرج وقالت: "أوه...في مثل هذه الحالة..."
قال روجر: " إنها لن تتفوه بأية كلمة."
قالت ميلودي: "هذا لا يهم ." وكانت هذه هي الحقيقة، فقد مرت بها تعاسة الحياة كلها منذ ليلة السبت. وسكبت بحراً من الدموع، ومازال قلبها يشتعل.
قالت: "سرعان ما سأنتهي من كل هذا، ويمكنكم أن تقولوا ، الآن، كم أنتم آسفون، وأي نذل هو، وكم أنا محظوظة، إذ اكتشفت حقيقته قبل فوات الأوان...مهما كان معنى هذا، تتوقف تساؤلات تسعة أسابيع مرت لتعود الحياة كما كانت."
أسرعت أنّا تشانكوسكي بإبريق القهوة الطازجة تقدمه إليها بابتسامة عطف قائلة: "هذا لأجلك ."
قالت كلو: "أرجو أن تكوني أريته الجحيم ."
قالت أدريادن تعارضها: " ليس بالنسبة لهذه الطفلة، فإن قلبها بالغ الرقة .لو كنت مكانها لجعلته يتألم ،ويندم على حماقته قبل أن أصفح عنه ."

قال روجر: " أظنكما كنتما ، مرتاحين جداً مساء السبت. ربما سيغير رأيه."
أومأ إميل برأسه موافقاً وهو يقول: "إن روجر على حق سترين يا عزيزتي أنه سيكون هنا قبل انتهاء النهار مع الزهور والاعتذار."
قالت ميلودي بجمود: "لقد ترك المدينة ولن يعود."
وهنا قال جستين: " وكيف تلقى والده الخبر؟ "
قالت: "لا أدري.سأذهب إلى هناك بعد الظهر لأراه."
سأل روجر: "هل ذكر لوغان السبب الذي جعله يرحل في هذا الوقت؟"
افترضت ميلودي أنه فعل ،ولكن ذاكرتها خانتها .كل الذي تذكرته هو أنها تصرفت بحماقة، فقد توسلت وتضرعت بيأس،لا أحد يعلم إلى أين كان سيؤدي بها ،لولا رفض جايمس النهائي الذي أنقذ ما بقي من كبريائها الملطخة.
لقد هربت بعيداً باكية كالمجنونة،ولم تنتظر المصعد،وصعدت السلالم ،وتوقفت أعلاها ، متكئة إلى الحاجز الحديدي البارد، وهي تجاهد في تمالك نفسها وضبط دموعها .
توسلت إلى روبرت قائلة: "خذني إلى البيت من فضلك،فأنا أشعر بالصداع." وكان هو من التهذيب بحيث لم يستخف بطلبها المفاجئ بحيث لم يعلق على مظهر عينيها المنتفختين الحمراوين.
أعتذر لأصدقائه،ثم قادها إلى غرفة المعاطف حيث أحضرت معطفها ،ثم إلى سيارته في الكاراج ،فأنطلق بها إلى منزلها دون أية كلمة أو سؤال،أو تعليق على الدموع التي تنساب على وجنتيها كجدول دون نهاية.
عندما ترجلت من السيارة أمام بيتها، شكرته قائلة: "أنني آسفة، إذ لا يمكنني أن أدعوك إلى فنجان قهوة."
قال بلطف: "لا يمكن أن ألبي هذا حتى لو أمكنك ذلك."
صباح اليوم التالي وجدت باقة من الورود الحمراء على عتبة بابها من روبرت .ولكنّها انفجرت بالبكاء عندما اكتشفت أنها ليست من جايمس.
أجابت روجر عن سؤاله كاذبة: " كلا،إنه لم يذكر سبب رحيله في هذا الوقت بالذات."
ربت إميل على كتفها قائلاً: "أتظنين أن هذا كان قراراً مفاجئاً؟ ربما لظروف خاصة به؟"
أجابت كلو : "إنك إذن حمقاء. لو كنت مكانك لجعلته يعترف بذلك السبب اللعين الذي جعله يهرب بعيداً بهذا الشكل الخاطف.أراهن على أنه متزوج وله ثلاثة أولاد ينتظرونه في مكان ما.أين يعيش بالمناسبة؟ "
قال روجر: "في كل مكان .لقد تحدثت مع أبيه مساء السبت في تلك الحفلة فاخبرني بذلك .يظهر أن للشاب عنواناً في مكان ما من الساحل الشرقي ، ولكنه يمضي نصف أوقاته أينما يقوده آخر يخت سباق صممه وأنزله للبحر للتجربة .وفي السنة الأخيرة كان في جنوب الباسيفيك لمدة أربعة أشهر ،وكان قادماً لتوه بعد أن أمضى ستة أسابيع في البحر الكاريبي،عندما علم بالحادث الذي وقع لأبيه.فليس من المحتمل أذن يا ميلودي أنه مع هذه الحياة الهائمة التي يحياها ،أن تكون ثمة زوجة في انتظاره، إذا كان في هذا ما يبعث التعزية في نفسك."
قالت كلو: "أن رجلاً حياته على هذا النحو .لابد أن لديه عدة زوجات هنا وهناك ،إذا أردت رأيي يا ميلودي فأنت محظوظة إذ خرج من حياتك."
قالت أدريادن : "إنها لا تريد الوسيم، تريد أن يعود إليها رجلها الوسيم ،يمكنني بالتأكيد ،أن أعرف السبب.فقد...كان ... آه ... أنه لذيذ... بكل معنى الكلمة ... "
كانت ميلودي تعلم أن نواياهم طيبة ، ولكنها في هذه اللحظة تمنت لو تلقي بهم جميعاً في البحر .أما بالنسبة إلى جايمس ، فكلما أسرعت في إخراجه من حياتها وصممت على أن تقع في حب رجل مناسب مثل روبرت ، كان ذلك أفضل لها.
لقد صدم ميلودي ما رأته من تأثير فراق جايمس على أبيه .
وجدت سيث جالساً بمفرده في الكوخ إلى جانب الرماد البارد في المدفأة .وعلى وجنتيه آثار دموع جافة. وشعرت بالخجل البالغ من نفسها لأنانيتها التي جعلتها تهمل رجلاً فقد ولده الوحيد بعد التقارب بينهما ، وليس له أسرة ،شأنها هي، يلجأ إليها يستمد منها السلوى والعزاء.

تمتم سيث وقد تجعد وجهه الذي غضنته الأجواء والسنون: " أظنني علمت ها قد رحل الفتى ولا أحد يعلم متى يعود ، ولا أظنني سأعيش إلى ذلك اليوم،أظنني سأكون في القبر قبل أن يضع قدمه في هذه المدينة مرة أخرى ."
جلست ميلودي إلى جانبه حزينة وأخذت يديه الباردتين بين يديها ، وقالت : "إنه لن يغيب إلى هذا الحد يا سيث."
حاول أن يستجمع شتات نفسه قائلاً: " أتعرفين متى جاء لزيارتي ،قبل هذه الزيارة الأخيرة؟ كان ذلك منذ أربع سنوات ،لم أرى منه خلالها سوى بطاقات بريدية وبطاقة معايدة في عيد الميلاد تحوي ورقة مصرفية ...وكأنما النقود تغني عن وجوده هنا."
قالت: "أنك أبوه ياسيث ،هو لن ينسى ذلك."
تمتم وهو يفتش عن منديل في جيبه: "إنني أفتقده. والشيء السخيف هو أنني لم أكن أظن أن هذا سيحدث معي إلى هذا الحد."
حاولت الترويح عنه بقولها: "ما زال لك أصدقاؤك."
نظر إليها وقد لاح في عينيه أثر من لمعانهما القديم،وهو يقول: " وأنت ما زال لك أصدقاؤك ، ولكن هذا لا يمنعك من افتقاده، أليس كذلك؟ لديك عملك وحياتك الاجتماعية أيضاً ولكنك ما زلت تشعرين بالنار تحرقك."
"قريباً جداً يا سيث، ستشترك في مركز التجمع ذاك وستمر بك الأيام دون أن تجد وقتاً لافتقاد أي شخص."
قال وهو يمد ساقه ليريحها: " ليست الأيام هي المشكلة ،يا فتاتي ميلودي .كلا ،بل هي الليالي ،حين يصيب الإنسان الأرق ويسترسل عقله في التفكير في أخطائه الماضية التي لم تسنح له الفرصة لإصلاحها .إن الليالي هي الأسوأ."
أومأت ميلودي برأسها ، وقالت: " إنني أعلم أنها أثقل الأوقات بمشاعر الوحدة."
قال: "إنني لا أشعر فقط بالوحدة، يا ميلودي ولكنني وحيد ،هل تريدين أن تعلمي شيئاً؟ "
حاول سيث أن يضحك ، ولكن الضحكة ما لبثت أن تلاشت قبل أن تصدر عنه وأستطرد يقول: "لم أدرك ذلك قبل أن يعود الفتى ويعيش معي كأنه في منزله .والآن أصبح هذا البيت فارغاً.ربما كان يجب أن أقبل حين عرض أن يشتري لي شقة جديدة.ربما عند ذاك،ما كان انتظاري رؤية وجهه وسماع صوته يسبب لي كل هذا الحزن لشعوري إنني لا أعيش حياتي كما يريدني هو أن أعيشها." قالت برقة : "ولكن هذا البيت لم يكن منزله، يا سيث ،وهذه هي المشكلة .ومنذ البداية ،لم يكن في هذه المدينة ما يعني له موطناً ."
تنهد سيث وقال ببطء: "لقد ظننت أنه ربما أرادك إلى درجة يغير فيها ما في عقله.فقد رأيت كيف كان ينظر إليك أحياناً .كان يبدو كرجل لا يحتاج سوى إلى لفتة بسيطة لكي ينتبه. وعفواً لهذا التعبير غير اللائق في حضور سيدة مثلك.ولكن تباً لهذا يا فتاتي ميلودي ، فقد فعلت كل ما يمكنني للتقريب بينكما ، وبعد مساء السبت كنت أظنني نجحت في ذلك."
لقد كانت ترجو الشيء نفسه،في أكثر من مناسبة .بعد أول مرة قبلها فيها جايمس ، وفي الليلة التي أمتلكها فيها، في كل مرة كانت تظن أنها بداية لشيء دائم لتكتشف ،بعد ذلك ،أنها كانت نذيراً بالنهاية .
قالت له: "كانت الأمور قد انتهت قبل ليلة السبت بمدة طويلة ، يا سيث."
"ولكنك توافقين أنه كانت بينكما أشياء قبل ذلك ؟ "
قالت: "كان ثمة حب من طرف واحد.وهذا النوع من الحب لا فائدة من ورائه."
نظر إليها متأملاً ثم قال : "لا أظن الأمور كانت كما تقولين ،وكان يجب أن أعلم ،ولكن ...هل أخبرته بأنك تحبينه،يا ميلودي؟"
أجابت: "كلا ."
قال: " ربما كان يجب عليك أن تفعلي.لكي تعرفي إن كان يكن لك نفس الشعور."

"إنه لا يكن لي من الثقة ما يجعله يحبني يا سيث .كما أنه رفض إن يثق بنفسه .والحب لا يمكن أن ينمو في جو كهذا."
" وهكذا أظنك لن تعودي إلى زيارتي لكي لا تتذكرينه."

قالت: "بل سأواظب على زيارتك ،فإن شعوري نحو جايمس شيء مختلف عن علاقتي بك ."
كانت تعني كل كلمة تقولها ،ولكنها كانت تعلم أن ما ستعطيه لن يكون كافياً .ذلك أن سيث يريد شخصاً بجانبه طيلة الوقت .يريد أن يعيش في جو أسرته،وكذلك كان عليها أن تقبل فكرة أن جايمس لا يريدها في حياته ،طالما أستطاع أن يدير ظهره إلى أبيه.
بدأت ميلودي أخيراً في الخروج مرة أخرى فقط لتتخلص من الشعور بالوحدة الذي يلازمها .
ولكنها قررت أن تزور سيث مرة في الأسبوع مهما كثرت عليها الأعمال والالتزامات .
كانت تلاحظ بحزن حالته النفسية التي تتأخر يوماً بعد يوم .وكان أول سؤال يبادرها به حين يراها هو:"هل جاءك خبر منه ؟" وكانت كلمة (كلا) التي تجيبه بها تكاد تسبب لها الموت ،وربما لو كانت تعرف مكان جايمس لاتصلت به تخبره بالضبط عن فكرتها عن الرجل الذي يقيم العلاقات ثم يسارع ببترها حالما يتبين أنها ستكلفه أكثر من اللازم. وربما سيسمي هذا، متابعة لحياته ،ولكنها تعتبر ذلك تهرباً،وهكذا ببساطة .أما الرجل الذي يدفع الثمن الباهظ فهو والده . وكانت تتمنى لو تعرف كيف تخفف عن آلامه.
ثم وجدت كلباً. وكان ذلك عصر يوم جمعة. وكانت تقود سيارتها نحو بيتها قادمة من المدينة القريبة عندما لاحظت شيئاً يسير مترنحاً ليتهاوى بين عجلات سيارة أمامها .
ولم يخطر لها أن تتجاوزه تاركة إياه يلفظ أنفاسه على الطريق. هذا إذا لم يكن قد نفق فعلاً.
كان كلباً هرماً متعباً لا يحيط برقبته طوق عليه دلالة ما، تعرف به. وكان وبره قذراً ملطخاً بالوحل وكأنه أمضى وقتاً طويلاً هائماً في الطرق علـى الشواطئ. ولكنها ، كما أنها لم تستطع تجاهل سيث عندما وقع له ذلك الحادث ، فإنها الآن لا تستطيع ، أن تتجاهل هذا الحيوان البائس.
وضعت ذراعها تحت أضلع الكلب لتحمله إلى سيارتها وتضعه على المقعد بجانبها وهي تقول تخاطبه : " لمـاذا لا يبحث عنك أحد؟ يجب أن تكون الآن في منزلك قرب النار ، وليس هائماً على وجهك هكذا في الليالـي؟"
قال سيث مرة: "إن الليالي هي الأسوأ." وقال أيضاً: " إننـي لا أشعر بالوحدة فقط يا ميلودي، بل إنني وحدي."
يبدو أن هذه الكلمات التصقت فـي ذهنها ،لتخبرها بوضوح كاف بما يجب أن تفعله ، ولو هناك ثمة كائنان متلائمين تماماً ،فهما سيث وهذا الكلب ... الاثنان فـي حاجة إلـى من يحبهما ويحبانه.
بعد نصف ساعـة ، كانت تدفع باب الكوخ الأمامي وهي تصرخ: " هل ثمة أحد فـي الداخل ؟"
فتح سيث الباب وهو يعرج وقد بانت على وجهه ابتسامته القديمة المألوفة، ولكن عندما رأى ما تحمله بيديها، ارتسمت على أساريره الحيرة والتهكم وهو يسأل: " ما الذي أحضرته يا ميلودي؟ "
قالت: " وجدت هذه الكلبة على جانب الطريق وكانت علـى وشك أن تنقلب تحت عجلات السيارة ."
قال سيث: " أظن أن فـي أمكانـي أن أرى ذلك."
قالت: " إنها متشردة يا سيث وفـي حاجة إلى منزل و أنا لا أستطيع أن أربي حيواناً في شقتي .ولكنك أنت ..." ولم تكمل كلامها، كما لم تخجل من أن تستعين بالإغراء لكي تحمله على القبول وهي تفتح عينيها الواسعتين المتوسلتين.
قال هو: " اسمعيني يا فتاة ... سأقول لك شيئاً ..."
سارعت تقول: " لا يمكننـي تركها علـى طريق السيارات، يا سيث ، وإلا أكون قد حكمت عليها بالموت ."
قال: "أنني لا أجادلك في ذلك، وإنما فقط أريد أن أقول لك كلمة قد يهمك أن تعرفيها..."
لكنها قاطعته بقولها: " لقد توقفت لشراء بعض الطعام وحوض غسيل، وسأحضر لها غداً طوقاً وسلة. وسآخذها إلى مكان العناية بالحيوانات ." وتابعت محاولة إقناعه وهي تدفع بالكلبة نحوه: "إنني متأكدة من أنها ذكية أيضاً ."

وزحفت الكلبة المسكينة لتستلقي عند قدمـي سيث مولـية إياه ثقتها . وقال هو: " يا لرائحتها الكريهة ." ولكنه أنحنى وأخذ يعبث بأذنها متحبباً وهو يتابع قائلاً: "سأسميها مـاتي."
"أنني أعرف أنها فـي حاجة إلى غسل، ولكنها الآن فـي حاجة مـاسة إلى مكان ترقد فيـه. أنظر إليها كم هي مرهقة."
قال وهو يعرج إلى الداخل: " يا للحيوان المسكين .ربما ألقيت من سيارة بعد إذ ظن أصحابها أنها لا تستحق أية عناية بعدما كبرت في السن ،و أظنني أعرف نوع شعورها .أحضريها معك إلى الداخل لكي يمكنني أن أفحص وبرها جيداً ، فإذا كان فيه برغوث ، يا ميلودي ، فأنها لن تنام فـي فراشي هذه الليلة."
قالت: "إنك إذن ستقبلها في بيتك؟"
حدق فيها قائلاً: " إنك تقولين هذا للشخص غير المناسب، يا فتاة ، كما أن رائحتك كريهة كرائحة تلك الكلبة .أنظري إلى ثوبك الجميل الأبيض بأي حال أصبح . إن الأقذار تغطيك، وأنا لا أتذكر أنـي رأيتك مرة بهذا الحالة."
قالت وهي تتخلل شعرها بأصابعها : "معك حق. أسمع ،إنني لا أحب أن أذهب وأتركك هكذا ، ولكن الأفضل أن أذهب فقد تأخرت عن موعد العشاء."
قال: " أذهبي إلى بيتك إذن و اتركيني مع ماتـي لكي نتعرف إلى بعضنا البعض . " وابتسم لها ابتسامة رقيقة "عودي غداً فإنني أتوقع زواراً."
قبل أن تغلق الباب خلفها ، كان هو أستغرق في الحديث مع الكلبة . وعادت هي إلى البيت وقد انتابها شعور بالرضا، وأدركت أنها تتطلع متشوقة إلى اليوم التالي .كان شعوراً افتقدته فـي حياتها منذ مدة طويلة.
كانت دار العناية بالكلاب في بورت آرمسترونغ مزدحمة جداً فـي عطلة نهاية الأسبوع ،عادة . واكتشفت ميلودي أن ليست ثمة فرصة لذلك يوم السبت دون موعداً يؤخذ مقدماً.
قالت لسيث وهي تدخل كوخه مثقلة بحملها: " وهكذا أحضرت اللوازم لأقوم بغسلها بنفسي."
قال سيث : "قبل أن تبدئي ، هناك شيء لا بد أن تعلميه ولا يمكن أن ينتظر .كنت أود أن أخبرك الليلة المـاضية ولكن ..."
قاطعته قائلة: "أظن عندي فكرة صحيحة عما تريد أن تقوله."
نظر إليها بحدة قائلاً: "أحقاً؟"
قالت: "نعم. إن عليّ أن أقر بخطأي في أن أحضر إليك كلبة دون أن أسألك رأيك بذلك مسبقاً .وأعدك بألا أتصرف بهذا الشكل بعد الآن .ولكنني لم أعرف ماذا يمكنني عمله، أنها أكبر من أن يقبلها مأوى الحيوانات ،كما أنه ليس ثمة أحد يرضى بتربيتها فـي بيته ،لنفس السبب. ولكنني سأساعدك يا سيث.سأتولى أنا مصاريفها إذا أنت منحتها المأوى ."
قال سيث: "ليس هذا هو الموضوع الذي أريد أن أحدثك به.إنه ..."
انزعجت فجأة وهي ترى في عينيه نظرة غير عادية ،
وقالت : " لا أظنك غيرت رأيك بالنسبة إلى الاحتفاظ بها،أليس كذلك يا سيث؟"
قال: "كلا.كلا . لا شيء من هذا القبيل ، أنها كلبة لطيفة وستكون رفيقة لي."
قالت وهي تضع يدها في كيس يحتوي علب التموين : " هذا ما توقعته منك .أنظر ، لقد أحضرت شامبو وفرشاة ومشطاً، وحوض أطفال بلاستيكي ، وسلة، وسأحضرها جميعاً فـي دقيقة .أوه ، وهذا هو الطوق ، أظنه ملائماً لها."
هنا ، انتبهت إلى أنها لا ترى الكلبة، فسألته : "أين هـي الكلبة، يا سيث؟"
قال: "هذا ما كنت أريد أن أحدثك به."
قالت: "يا الهي .لا تقل أنها هربت."
ضحك قائلاً: "كلا ، حتى برجلي العرجاء هذه ، أستطيع أن الحق بها وأمسكها."
تنفست ميلودي براحة وهي تسأله: "أين هـي إذن؟"
قال: "فـي الطابق العلوي."
قالت:"الطابق العلوي؟ وكيف استطاعت الصعود علـى السلم وهي لم تكد تتحرك أمس فـي السيارة .ثم أن سريرك أنت هنا ، فماذا تفعل هي هناك ..."
قال: "لقد عـاد ."
تجمدت يدها داخل الكيس وهـي تسأله: "مـاذا؟ "
أشار برأسه نحو السلم وهو يقول: " لقد عـاد."
قالت: " من هو؟ " كان سؤالاً سخيفاً، لأن جوابه واضح ولكن لا بد أن تسأله.
ابتسم سيث وهو يجيب: "جايمس." وتجمدت أحاسيسها وهي تسأله : "متى؟"
أجاب: "هذا الصباح .لقد أتتني منه مخابرة هاتفية أمس ، وكان هذا ما كنت أريد أن أخبرك به ليلة أمس." وأشار بإبهامه إلى السقف : " إنه فوق يرتب أمتعته ، وقد ذهبت الكلبة معه."
قالـت: " ولمـاذا؟"
هز سيث كتفيه قائلاً: " أظنها أحبت رفقته."
هزت ميلودي رأسها وهي تحاول أن تكبح ضحكة هستيرية عالية ، وقالت: "لمـاذا عـاد ، يا سيث؟"
أجاب: " يقول إنه لا يستطيع الاستقرار ما دام هناك عمل لم يتم، تركه هنا. ويقول إنه لا يريد منـي اعتراضاً علـى جعلي مستقراً في حياتي في كبر سني هذا. ويدعي إنه يريد أن ينظم لي حياتي قبل أن يبدأ هو حياته." وابتسم مسروراً وهو يتابع: " وكأنني، بعد كل هذا العمر، لا أعرف كيف أنظم حياتي."
دقت أجراس الإنذار في رأس ميلودي ، محذرة إياها من أن تقفز إلى استنتاجات متسرعة. ذلك أن سيث لم يقل لها شيئاً يبعث فيها الأمل في أن لعودة جايمس علاقة بها هي.
تملكها شعور بالخيبة أذاب الجليد في نفسها ليحيلها إلى خليط مضطرب من الانفعالات لتطرأ عليها فكرة واحدة منطقية واضحة .وقالت بصوت مختنق: "عليّ أن أخرج من هنا."
فلتخرج بسرعة قبل أن تجعل من نفسها أضحوكة مرة أخرى.

الفصل الحادي عشر

جـاءهـا صوت من خلفها: " أوه ، كلا ، لا تفعلـي .علـى الأقل ليس قبل أن تغسلي هذه الكلبة القذرة."
استدارت لترى جايمس واقفاً أسفل السلم ، وهو يحمل الكلبة تحت إبطه ، متابعاً قوله: " قيل لي أنك أحضرتها إلى هنا .فعليك إذن أن تنظفيها .كيف حالك يا ميلودي؟"
ازدردت ريقها محاولة أن تبعد نظرها عنه ، ولكن عبثاً. كان هناك بلحمه ودمه ، طويلاً أسمر وسيماً كعادته. وشعرت برغبة هائلة في أن تلتهمه بأنظارها. ولكنها سبق وأذلت نفسها أمامه بما فيه الكفاية، ولا تريده أن يعلم أنها من الممكن أن تكرر هذا العمل مرة أخرى.
أجابته: "فـي أحسن حـال ."
ابتسم ابتسامـة شلـت تـفكيـرها .وسـألها: " ما الذي تخفينه فـي ذلك الكيس؟ بندقيـة ؟ "
قـالت : "كلا." وأضافت دون تفكير ، " لم أكن أعلـم أنك هنا."
قهقه سيث ضاحكاً بشكل لم يعرفه منذ أسـابيع ، كذلك ضحك جايمس وهو يـقول: "هذا بينما أوهم نفسي بأن رؤيتي قد تسرك." ثم وضع الكلبة عـلى الأرض . ولم تشأ ميلودي أن تصف مشاعر الفرح التـي انتابتها والتي جعلتها تعجب لقدرتها على الوقوف هادئة بهذا الشكل. وقالت: " إن ما عنيته هو أنني لم أرى سيارتك خارج المنزل."
قال: "ليس عندي سيارة ، فقد استأجرت سيارة من المطار."
كان عليها أن تدرك أن هذه زيارة سريعة. ولكنها فكرت فـي أنه يستحق شيئاً من الإطراء لاهتمامه بوالده، فقالت : " ما هي المدة التـي تنوي بقاءها هنا ؟ "
ألقـى نظرة علـى سيث قائلاً : " لم أقرر بعد . إن ذلك يعتمد علـى عدة أشياء، الأولى هو كم سيستغرق من الوقت جعل أبـي يفكر بالمنطق."
قالت : " وإذا أنت نجحت ، ماذا بعد ذلك؟ " فحدق فيها طويلاً إلـى درجة جعلت قلبـها يخفق بين ضلوعها بعنف شديد. وانتظرت أن تسمع منه شيئاً رائعـاً ، كأن يقول: ثم يأتي دورنا بعد ذلك يا ميلودي .دورك ودوري .ولكن بدلاً من ذلك ، أخذ يصفر بشفتيه وهو ينظر من النافذة ثم قال : " أوه ... هذا وذاك."
نظرت إلى ظهره وقالت بحدة : " يبدو أن هذا الأمر فـي منتهى الخطورة . فلماذا إذن لا آخذ الكلبة لغسلها فـي الخارج ، وأتركك تتابع مع هذا وذاك ؟ "
كـان النهار مشمساً ، والنسيم يحمل رائحة الصيف . وكانت شجرة الصفصاف بجانب كوخ سيث مكتملة الأوراق ، بينما أزهار متسلقة تحت نافذة غرفة الجلوس كانت ترسل شذاً عطراً .
جلست الكلبة ماتي على الحشائش الدافئة وقد بان السرور عليها ، وهي تستسلم إلى المشط الذي يفك عقد وبرها . وتمتمت ميلودي وهي تعمل بنشاط: " أتمنى لو نتبادل أمكنتنا ، أنت وأنا . فقد انتهت متاعبك ، يا حلوتي ، ولكنني أشعر بأن متاعبي قد بدأت من جديد ."
جاءها من خلفها صوت يقول : " إن مخاطبتك لنفسك ذات دلالة غير حسنة ." وأدركت هـي أن جايمس تبعها حاملاً دلواً مليئاً بالماء .
أجابته: " كنت أتحدث إلى الكلبة ."
قال: " وهل هذا أفضل من الحديث معي؟ "
تجرأت علـى النظر إليه وهـي تقول: " ربما . إنك تبدو بصحة جيدة يا جايمس."
قال: " هذا ما لا استطيع قوله بالنسبة إليك ."
تقدم يفرغ دلو الماء في حوض الغسيل الذي كانت قد أحضرته من السيارة قبل أن تشرع في تنظيف ماتي ، وتابع قوله : " إنك أنحف مما يجب يا ميلودي ." وجلس بالقرب منها وهو يطوي كمي قميصه ، متابعاً قوله : " لم هذا ؟ "
شعرت برغبة فـي أن تخبره أنها ، منذ رحيله ، فقدت شهيتها للطعام ولم تعد تجد لذة للحياة .ولكن رائحته أثارت فيها ذكريات لم تشأ أن تقرنها بمقل هذا الجواب . فقالت بدلاً من ذلك، بصوت أجش: " إن النحافة هـي الموضة."
قال: " والموضة هذه مهمة جداً لك." وأخذ الكلبة ، غير آبه باعتراضها ، وغطسها بعنف في الحوض وبدأ يصب عليها الماء وهو يتابع قائلاً: " إنني أعجب من أن تكلفي نفسك عناء التقاط حيوان قذر مثل هذا دون اهتمام بمعرفة سلالته وحسبه ونسبه، لماذا أحضرتها إلى أبي ؟ هل روبرت يرفض قطعاً أن يبدو بجانبها ؟ "
شعرت ميلودي بأنها حمقاء حقاً حين صدقت ولو للحظة واحدة، أن جايمس قد تغلب علـى مشاكله وأدرك أن عليه أن يبقى إلى جانبها هي وأبيه.
اعتراها الغضب لرجائها العبثي في حدوث معجزة ممن أوضح منذ البداية أنه لا يعتقد بالمعجزات.
قالت: " قد تكون صدمة لك يا جايمس ، ولكن عدم وجود نسب لهذه الكلبة ليس له علاقة بالسبب الذي أحضرتها إلى سيث، وإنما لتسلي قلبه العجوز المستوحش، وتملأ وحدته الطويلة ، وليكن في علمك ، ولو أن هذا ليس من شؤونك ، أنني لم أرى روبرت منذ أسابيع ."
مـع دهشة جايمس الواضحة لجوابها الحماسي، بقي فـي منتهـى الهدوء وهو يقول : " هل معنى هذا أنه خارج حياتك؟"
أجابت : " كلا ، فهو باقٍ ، على الدوام ، جزءاً من حياتي .إنما شاءت الصدف أن يكون في إجازة الآن."
قال: "فهمت.أظن فـي هذا جواباً عن سؤالـي التـالي ."
قالت: " وما هو سؤالك ذاك؟"
لم تظهر ابتسامة جايمس أية غمازة وهو يقول: " السؤال هو أنك أدركت أنه الرجل المناسب لك . وهكذا قررت أن تحتفظي به."
قالت بضجر: " أسمع يا جايمس .إنني أجمع الملابس القديمة الطراز وليس الرجال. إن روبرت صديق لـي . وسيبقى هكذا علـى الدوام . ولكنني سأقول الآن ، ولآخر مرة ، عندما أريد علاقة ما ، سواء مع إنسان أم حيوان ، فإنني أبحث عن الشعور والإخلاص وليس التناسب والتلاؤم ، ولا يهمني نسب الرجل أكثر مما يهمني نسب الكلبة .فالمهم عندي أن تتوفر مقدرة علـى الحب وتلقي الحب ." وتوقفت برهة وهي تهز رأسها ثم استطردت: " ولكنك شخص متعجرف يا جايمس إلى حد يجعلك لا تفهم شيئاً من هذا."
قال وهو يجلس القرفصاء غير مصدق : " أنا متعجرف؟"
قالت وهي تفك وبر الكلبة بالشامبو : " نعم .إنك منذ اللحظة الأولى التي تقابلنا فيها ، رفضت أن ترى ما هو واضح . وبدلاً من ذلك ، احتقرتني و انتقدتني و حاولت أن تولد فـي ضميري شعوراً بالذنب لأشياء ليس لي يد فيها ، مثل أنني ولدت من أسرة غنية ، وما زلت تفعل ذلك، وقد أدركت فجأة أنني تعبت من كل هذا . أصبح مملاً جداً يا جايمس."
قال: " لقد عدت إلى هنا لأعقد معك صلحاً، فهل يمكن أن يصدر هذا التصرف عن شخص يفتش عن الأخطاء فـي المرأة؟"
قالت : " إذا كان هذا هو هدفك ، فمن الأفضل أن تعود من حيث أتيت،ذلك أنني أريد شيئاً أكثر من هذا."
قال: " ماذا تريدين أيضاً؟"
هزت رأسها قائلة : " إذا كنت تريدني أن أعلمك الأشياء حرفياً ، فما جدوى النقاش؟ "
قال: " حسناً تباً لذلك يا ميلودي ، إنني أحاول جهدي معك فمدي أليّ يد العون."
قالت متمنية أن لا تندم بعد ذلك علـى شجاعتها هذه : " كلا .لقد سبق ومنحتك من نفسي أكثر مما أعطيت أي رجل آخر، وسأستمر في العطاء طول حياتي . ولكن الحق كان معك ، يا جايمس. إذ لا يجب أن يقوم شخص واحد بكل المحاولات ، ولهذا عليك أن تفتش في نفسك جيداً عن الأسباب التـي جعلتك تعود إلى هنا."
انتزع زجاجة الشامبو من يدها وألقاها بعيداً وهو يقول: " لقد جئت لأجلك .تباً لك .لقد عدت بعدما لم استطع صرفك عن ذهني ، ولأنني ظننت أنك ربما كنت حزينة من دوني."
قالت ببرود : " أعفني من إحسانك هذا .فإنني لا أرحب به أكثر مما فعل أبوك عندما حاولت أن أقدم له إحساني."
أخذ يشتم بألفاظ لا يمكن أن تسمع في بيئة راقية، وسمعتها هي دون أن تتحرك.
أخيراً قال: " حسناً ، وماذا علـيّ أن أفعل؟"
قالت: " حاول أن تكتشف ذلك بنفسك."
تنهد قائلاً وهو يرفع ناظريه إلى الشجرة : " حسناً ، فلنتزوج."
كاد قلبها يتوقف عن الخفقان .ولكنها حاولت أن تتمالك هدوءها وهي تجيب بأدب: " كلا. شكراً."
سألها : " لِمَ لا؟"
أجابت: " حاول أن تكتشف هذا أيضاً ، بنفسك."
قال: " إنك تختبرين قدرتي على الصبر ، يا امرأة."
كان كلامه يؤثر في نفسها ولكنها قالت: " وماذا عن عدم اهتمامك بمشاعري؟"
نفض عن قميصه رغوة الشامبو ، وهو يقول: "انك تعرفين تماماً ما أريد أن أقول ، يا ميلودي، فلماذا تصرين علـى أن أتلفظ بالكلمات المناسبة تماماً؟"
أجابت: "لأنني لن أصدق ما تعنيه حتى تقوله باقتناع."
أخذ يشتم مرة أخرى ثم قال: "ولكنني أنا هنا بنفسي، أليس كذلك؟"
أجابت:"هذا لا يكفي يا جايمس." ثم ابتدأت ترفع الحوض
سألها : " ماذا ستفعلين بهذا الحوض؟"
أجابت: " كان من الأفضل أن أتوجك به ، ولكنني سأعيد تعبئته بمياه نظيفة لكي أغسل الكلبة ، ثم أعود إلى بيتي."
قال: " أعطني ذلك الحوض .ماذا تريدين أن تثبتي ؟ أنني جلف فظ ، أدع امرأة تحمل ما يفوق وزنها؟"
قالت: "كلا. أنني معتادة علـى الأعمال المنزلية ."
نظر إليها طويلاً ثم قال : " لا أخاف على يديك فقط، بل وجهك أيضاً، وهذه الثياب التي ترتدينها لن تعود كما كانت أبداً."
لاحت على وجهه ابتسامة وهو يتابع قائلاً: " ألست أكبر قليلاً من أن تعبثي بالأقذار هكذا، يا سيدتي؟"
قالت: "لا يهمني هذا."
قال: "ولكن هذا يهمنـي." ومد يـده إليـها ليلمسها ولكنها ابتعدت عنه قائلة: "لا تفعل هذا، من فضلك."
قال: " لِمَ لا، يا ميلـودي ؟"
أجابت وهي ترتعش: "لأنني لا أثق بك."


قال وعيناه تنظران بعيداً : " كنت أخشى ذلك .أخبريني كيف أغير هذا الواقع ، يا ميلودي؟"
لم يتصور مبلغ انجذابها نحوه ، ولكنها لم تستطع التراجع عن موقفها .ولم تتمكن من إعطائه أي جواب آخر. إذا كان مضطراً إلى هذه الأجوبة ، فليحاول أن يجدها بنفسه.
اختارت الكلبة ماتي هذا الوقت بالذات لتذكرهما بأنها لم تنته من حمامها بعد ، فنفضت نفسها لترشهما بالماء.
هتف جايمس ساخراً : " تباً ! لقد أصبحنا مبللين بالماء أكثر منها." وعبس وهو يمسح وجهه بيديه ثم أستطرد : " اذهبي إلى بيتك ، يا ميلودي ، وغيري ثيابك و اتركيني أنا أنهي العمل هنا."
لم يقل : سأتصل بك في ما بعد.أو هل سنلتقي مرة أخرى وننهي هذا الحديث وقت آخر ؟" وفي الواقع ، كانت الطريقة التي أستغل فيها هذا العذر لينهي الموضوع ،كانت كافية لتجعلها تتساءل عن مقدار صدقه في رغبته في رأب الصدع الذي حدث بالنسبة لعلاقتهما.
تضاعفت شكوكها ، عندما مرت بقية نهاية الأسبوع ثم نصف الأسبوع التالي دون أن تتلقى كلمة منه. وفي صباح الخميس ، وقبل أن تفتح متاجر سوق كاتس آلي وصلت إلى متجر ميلودي دزينتان من الأزهـار الـوردية اللون، وكانت هذه المرة من جايمس.
أحدث وصول الأزهار، ضجة .وفي خلال ثوان ،ترك جيرانها متاجرهما ليتجمعوا في متجرها.
سألت أدريادن مستطلعة: " ممن الأزهـار؟ "
أجاب روجر وهو يقرأ البطاقة من فوق كتف ميلودي : "أنها من السيد جايمس لوغان وهو يدعوها إلى العشاء معه ليلة السبت."
هزت كلو رأسها باشمئزاز وهـي تسألها : " أظنك ستقبلين الدعوة ؟"
قالت لها أدريادن : " طبعاً ستقبل، أيتها المرأة الحمقاء ."
قالت كلو تخاطب ميلودي : "في هذه الحالة ، الأفضل لك أن تحضري إلى متجري أثناء فرصة الغداء وتلقي نظرة على آخر شحنة وصلتني من الأزياء الفرنسية .ذلك أنه إذا كنت ستتصرفين بنفس الحماقة ، مرة أخرى ، فمن الأفضل أن تفعلي ذلك وأنت في أجمل ملابس."
قال إميل: " وأنا عندي قرطان أثريان يمكنك استعارتهما لهذه المناسبة."
قالت أدريادن بغيرة: "في استطاعتي أن أقدم أنا أيضاً معطف فراء ،ولكن الجو أصبح حاراً مع الأسف." ثم لمعت عيناها بفكرة طارئة فعادت تقول: " ولكن يمكنك ذلك طبعاً إذا أنت ارتديت تحت المعطف ، ملابس رقيقة تعطيك إياها كلو."
نهرها إميل قائلاً: "انتبهي أن لا تدعيه ينتصر عليك."
قالت أدريادن : "تذكري أن تجعليه يتألم قليلاً."
تمتمت أنـّا تشانكوسكي شيئاً غير مفهوم فسره زوجها بقوله : " إنه قول بولندي مأثور يتمنى السعادة في الحب .إننا نتمنى لك السعادة التامة هذه المرة ، يا ميلودي."
قالت ميلودي معترضة : " ولكنها مجرد دعوة للعشاء."
قال إميل : " أظنه أكثر من ذلك .إن الرجل لا يجتاز البلاد البعيدة لكي يدعو امرأة إلى عشاء فقط."
شعرت ، بالرغم منها، بالدفء لعواطفهم واهتمامهم ذاك ورغم كل الخلافات التي حدثت بينهم فقد بدا واضحاً اهتمامهم بما حدث لها.
كانت متوترة الأعصاب إلى درجة غيرت ثيابها ثلاث مرات قبل أن يدق جايمس جرس الباب مساء السبت، ولو كان قد تأخر عشر دقائق فقط لغيرت ملابسها أيضاً للمرة الرابعة .ثم ، ماذا ترتدي المرأة ، عادة ، عندما يكون مستقبلها على وشك أن يتقرر نهائياً ؟ ذلك أنه ما زال ثمة شيء من الشك في نفسها .وهذه الليلة سيتضح كل شيء. فإما الاستمرار ،هي و جايمس معاً في هذه الحياة ، وإما الانفصال إلى الأبد.
منتديات ليلاس
بطبيعة الحال، بدا جايمس رائع الرجولة والوسامة ببذلته السوداء وقميصه الأبيض وربطة عنقه الفضية ، وكان كل هذا يعكس جمال بشرته التي لوحتها الشمس ، وزرقة عينيه .وكان يبدو وسيماً تماماً .سرت هي إذ استقر رأيها ، أخيراً على ثوب سهرة من الكريب ، مشمشي اللون تزين حواشيه تخاريم ذهبية.وكان الاثنان يبدوان بالغي الأناقة والجمال .
كان هو قد حجز مـائدة في الأوبرج رويال، وهو مطعم بالغ الفخامة كان قديماً منزلاً لكونت فرنسي. وكانت قاعة الطعام تطل على الحدائق التي كانت تموج بمختلف أنواع الزهور التي كان عطرها يملأ الأجواء .وكانت أزهار ألليلك في زهريات بلورية موضوعة على الموائد .كما أن الشموع كانت تتلألأ في عتمة الغسق .وكأنما الشاعرية التي أسبغتها هذه الأشياء ، على المكان ، لم تكن كافية ، فأضيف إليها عازف كمان يطوف في أنحاء القاعة ، مغرياً الزبائن بأنغامه الموحية بالحب.
قال جايمس وهما يتناولان المقبلات قبل الطعام: " ربما تتساءلين عما دعاني إلى الانتظار أسبوعاً تقريباً قبل أن أتصل بك بعد محادثتنا تلك."
قالت: "لقد توقفت عن التكهنات في شأنك ، منذ وقت طويل، يا جايمس."
قال: "كانت لدي أعمال كثيرة أردت أن أنتهي منها جميعاً قبل أن أراك مرة أخرى."
سألته: "هل هذا يعني أنك أنجزت كل أمورك التي عدت لأجلها؟"
أومـأ برأسه قائلاً: " تقريباً. لقد استطعت أن أقنع أبي بالانتقال إلى منزل أكثر راحة . لقد اشتريت له منزلاً آخر."
تلاشى القبس الضئيل من التفاؤل الذي كان قد انبثق فـي نفسها . إذن ، فقد كان يتلاعب بمشاعرها مرة أخرى ، ذلك أن الواجب البنوي هو الذي أعاد جايمس وليس شيء آخر.
وقالت: "ما ألطف هذا منك."
قال: "هذا أقل ما يجب وقد جاء متأخراً جداً." ونظر إليها من تحت حاجبيه وتابع قائلاً: "ربما تظنينني أسوأ نوع من الأبناء .وربما كنت على حق.ذلك أن العلاقات الأسرية لم تكن تعني لـي شيئاً كثيراً إلى مدة قريبة، ولكنها كانت دوماً شيئاً مهمـاً بالنسبة إليك، أليس كذلك؟ "
قالت وهي تنظر إلى النادل الذي كان يضع أمامها طبق لحم الخروف: " نعم ."
تابع جايمس حديثه : "هل تساءلت قط عن ردة الفعل عندك إذا تبرأت منك أسرتك ،إن لم يوافقوا علـى الرجل الذي تزوجته؟"
قالت: "هذا لن يحدث أبداً."
قال: "ربما يحدث هذا. لقد رأيته يحدث مرات كثيرة .خصوصاً عندما يدخل المال في الموضوع. فالآباء لا يحبون أن يروا بناتهم يسقطون ضحايا لصيادي الثروات .ماذا ستفعلين إذن ، إذا لم توافق أسرتك على اختيارك يا ميلودي؟"
قالت: "إنني سأتبع قلبي. وإنني واثقة من أن أسرتي ستقبل اختياري.لأنني أعرف أن سعادتي هي ما يهم والديّ."
قال: "حتى ولو ظنوا أن الرجل الذي اخترته لا يصلح تماماً لك؟"
قالت : "المهم هو أن أراه صالحاً تماماً لـي، وأنه يظن أنني صالحة تماماً له . وأنا أعتقد أن بعض الناس يسمون ذلك حباً يا جايمس."
قال وهو يبتسم بخجل: "عندي شيء أريد أن أعترف لك به. كان عندي إلى وقت قريب ، مفهوم أحمق ، وهو أن الوقوع في الحب هو أشبه بالزكام ، يمكنني تجنبه إذا أنا اتخذت الاحتياطات الكافية ."
قالت: "ما أشد شاعريـة هـذا."
قال: "إن طبعي يميل إلى العناد والصلابة ، و أميل إلى الوصول بسرعة، وأحياناً استنتج أشياء غير صائبة بالنسبة لأشياء لا أعرف الكثير عنها."
قالت: "لقد لاحظت هذا."
قال: "مالي أراك شديدة الهدوء لا تهتمين بطعامك ؟"
كانت تتساءل كيف ستنتهي به هذه المحادثة التي ذهبت بشهيتها . وقالت : "أنه لذيذ."
قال: "أسرعي إذن لننتهي ، إنني أريد أن أريك شيئاً في الحديقة."

كانت مئات المصابيح تتلألأ بين الأشجار ، حولت الليل نهاراً .وأمسك جايمس بمرفقها يقودها إلى طرف الحديقة ، إلى شجرة أرز بعيدة.
وقفا أمام فجوة بين الأغصان ثم قال لها : "أنظري هنا وأخبريني ما ترين."
أطاعته وهي تحس به واقفاً خلفها .وما لبث أن نسيت كل شيء عنه عند المنظر الذي تجلى لناظريها . وهمست وقد توقفت أنفاسها : " إنه منزل."
وضع يده على ظهرها يسندها ثم اتكأ بذقنه على رأسها وهو يقول : " حسناً جداً يا ميلودي .والآن ، أخبريني رأيك فيه."
كان المنزل الفخم القديم محاطاً بالحدائق التي تبلغ مساحتها حوالي الأربعة آلاف متر. وكانت نوافذه تتألق برونزية اللون، بينما تعالت مدخنة شامخة في عتمة الغسق. وكان القرميد يعلو الغرف والشرفات. وقالت ميلودي : " أظنه أجمل مكان رأيته فـي حياتي ."
قال جايمس : "إنه المنزل الذي اشتريته لسيث."
استدارت نحوه ليغوص كعبا حذائها الذهبي بالعشب، وهي تهتف: " لسيث ؟ إن المنزل كبير جداً يا جايمس . ما الذي حدث لك ؟"
قال: " أوه، أنا لا أعني هذا المنزل، بل منزل البوابة. الذي هناك وراء الأجمة من الشجيرات المزهرة."
قالت: "إنني لا أستطيع أن أرى ما وراء الأجمة تلك يا جايمس .ما هو منزل البوابة هذا ؟"
انزلقت يده إلى خصرها قائلاً: "نسيت أنك لست طويلة تماماً .دعيني أحملك."
قالت له: "في آخر مرة فعلت ذلك ..." ووجدت نفسها مرغمة على أن تذكره عندما وجدته يرفعها أربعة أقدام فـي الهواء قائلة: "عندما فعلت ذلك، حينذاك، أوشكت أن أقع على وجهي."
تمتم وهو يضعها على كتفيه : " آه ، ولكنني هذه المرة ، ممسك بك جيداً .والآن ، ما رأيك فـي منزل سيث ؟ "
قالت وهي تميل قليلاً لتتمكن من رؤية حاجز خشبي مزخرف أحمر اللون يحيط بإفريز مبني أصغر حجماً قد اختفى تقريباً خلف الشجيرات.
أجابت : "إنه في منتهى الجمـال ، ولكن ، ما الذي ستفعله بذلك المنزل الكبير ...؟ هل ستجعله داراً للأيتام ؟ "
قال: "شيء كهذا." وقبل أن تجد وقتاً تظهر فيه خيبة أمل، أو رعباً أو شيئاً كهذا من المشاعر التي بدأت تتفاعل في نفسها بالنسبة إلى جايمس أنزلها هو ببطء شديد.
عندما لامست قدماها الأرض أخيراً تمتم هو قائلاً: "يدفعني هذا، الآن ، إلى أن أخرج عن تقاليد السيد المهذب وأقبلك . ولكنني أحاول جاهداً ، هذه الليلة أن أبدو بمظهر السيد المهذب كأفضل ما يكون."
قالت وهي تميل نحوه: " توقف عن محاولاتك تلك ، فقد تعبت من الانتظار."
هزها قليلاً وهو يقول: "يجب أن لا نكرر الغلطة الماضية." ثم قادها بحزم ، عائداً بها إلى غرفة الطعام .أثناء غيابهما ، كان النادل قد نظف المائدة ووضع قائمة الحلوى عليها . وكان ثمة شمعة مشتعلة في إناء من البلور .
سألها جايمس: " ما الذي يعجبك من الحلوى . "
أجابت: " لا شيء." لقد أخذت تشعر بالغثيان من تصارع عواطفها أثناء الساعتين الماضيتين، كما شعرت بالمذلة قليلاً بعد أن حاولت استجداء حرارة عواطفه.
قال جايمس: "هذا يدعو للأسف ،ساعديني إذن فـي الاختيار،فإنني أشعر بالرغبة في شيء من الحلوى انهي به الأمسية."
قالت: "إنك لست في حاجة إليّ لكي أقرر عنك ."
وضع القائمة جانباً ، ونظر إليها برزانة قائلاً: "في هذه الحالة فقط ؟ ساعديني عل الاختيار يا ميلودي."
أخذت القائمة بفتور ، وهي تتظاهر بإمعان النظر في الصفحة ، ثم قالت: " فريز طازج." ولم تكلف نفسها قراءة ما يقدمونه فعلاً.

قال: " ولكنني لا أرى هذا مذكوراً في القائمة."
أجابت : "إن المطاعم الفرنسية تقدم دوماً فاكهة الفريز الطازجة يا جايمس."
قال بإصرار: "ليس هنا حيث يبدو أنهم يقدمون شيئاً مختلفاً تماماً .ألقي نظرة أخرى على القائمة."
أذعنت ، وكان عليها أن تقرأ القائمة مرتين ، فوجدت نوعاً من الحلوى اسمه ( ميلودي ) وشهقت وقد استوعبت ، أخيراً ، الكلمات التي كانت محشورة في وسط الصفحة بين بقية الأسطر المخطوطة باليد . وكانت هذه الكلمات هي :
)أتـقبلـين أن تكونـي زوجتـي يا ميلودي ؟ (
هتفت : "أوهيا جايمس." كانت تريد أن تصدق ما رأته عيناها، ولكنها خائفة. وتابعت قولها : " إن هذه ليست حلوى بالضبط ...إنها ..."
قال يكمل كلامها : "عرض زواج ."
اعتراها الذهول ، وتوقفت أنفاسها وهي تسأله : "ولكن ، كيف دخلت هذه الجملة في القائمة ؟"
أجاب : "لقد رشوت النادل."
قالت : "يا لها من شاعرية يا جايمس ."
قال: "لقد رجوت أن يكون شعورك بهذا الشكل ." وطرفت بأهدابها وهي ما تزال غير مصدقة ما تراه عيناها ، وهمست : "لم يفعل شخص مثل هذا لأجلي من قبل."
قال: "هذا ما أتمناه."
ابتسمت له وقد تألق ضوء الشمعة في عينيها ،وهي تقول : "لا أدري ماذا أقول."
قال: "يكفي أن تبدئي بكلمة (نعم( ".
رأت أنه ليس متقلباً كما أرادها أن تعتقد .لقد حلت الثقة بالنفس مكان تردده المريع ذاك .ولكنها كان عليها أن تطمئن أكثر وقالت : "ثمة شيء مفقود يا جايمس ."
أجاب : " نعم .لقد أدركت منذ وقت طويل .أن حياتي غير مكتملة .و أنني أريد شيئاً أكثر مما عندي .أريد شخصاً ما ، وكانت غلطتي أنني كنت أعتقد بأنني أنا من يختار ، إن كان ذلك الشخص أنت أم لا ." ومد يده يمسك بيدها وهو يتابع : " إنني آسف إذا استغرق مني إدراك خطأي هذا ، كل ذلك الوقت الطويل ."
هزتها كلماته الرائعة تلك .ولكنها لم تكن الكلمات التي أرادت سماعها .وقالت : "ليس هذا بالضبط ما كنت أتحدث عنه."
قال: "أعرف ذلك .أنا لم أقل لك أنني أحبك .لقد بدا لي ، بعد كل ما سببته لك ، أنني لم أعد أجرؤ على قول هذه الكلمة ولو بيني وبين نفسي ." وأخذ يقبل أطراف أصابعها واحداً بعد الآخر بشوق متابعاً : " إنني لم أختر الحب يا ميلودي، بل هو الذي أختارك. وإنكاري لهذا هو كإنكاري أن سيث هو أبي وأني ابنه ."
وضع يده في جيبه ليخرج علبة مجوهرات مخملية ، فتح غطاءها ثم أخرج خاتماً أثرياً رائعاً .
قال: "ليست هذه أكبر ماسات في العالم ، يا سيدتي ولكنها أفضل ما يمكنني تقديمه الآن ."
امتلأت عينيها دموعاً وهي تقول : " أوه ، يا جايمس .ألا تعلم أن أفضل ما عندك يكفيني تماماً ؟ "
وضع الخاتم في أصبعها فجاء مطابقاً تماماً .ثم قال: " هل عندك مانع في عيش حموك قريباً من منزلك ؟ "
قالت : " كلا." تفرست فيه لحظة ، ثم تابعت تقول : " لقد قمت بتغييرات حازمة ، يا جايمس ، ووصلت إلى نتائج بعيدة ."
قال: " نعم .وأريدك أن تعلمي أنني قمت بذلك بكامل إرادتي .إنني أحبـك ، ياميلودي ، ولست متأكداً من أنني أستحقك ، ولكنني أحبك وأريد أن أتزوجك ."
سألته : " هل أنت واثق من هذا ؟ "
أجاب : " واثق جداً ."
ثبت عينيه الزرقاوين المتألقتين في عينيها ، لكي ترى الحقيقة بنفسها ، وتابع قائلاً: " إن من الأسباب التي جعلتني أعشق البحر والمراكب هو أن ذلك كان يمثل لي معنى الهرب والبحث عن الآفاق عن شيء لم أجده في منزلي ، ولكنني لست في حاجة إلى الهرب بعد الآن ، لأنني وجدت ما كنت ابحث عنه هنا ، من حيث انطلقت إلى الحياة."
سألته: "وماذا بالنسبة إلى عملك ؟ "
أجاب: " يمكنني أن أصمم يخوت السباق في أي مكان .إنما من باب التغيير ، قبلت بالعرض الذي قدمه إليّ عمداء المدينة في أن أعيد تصميم المراكب القديمة .إنني أعمق جذوري في هذا المكان حيث تنتمي أسرتانا نحن الاثنين ."
"أية أسئلة أخرى ؟"
قالت وهي تميل يدها بيده لتمسكها بقوة : " كلا، فأنت قد أجبت عن كل الأسئلة المهمة .وأنا يشرفني ويملؤني فخراً أن أتزوجك ."
قال ببطء: "الشرف والفخر ، هما كلمتان رائعتان يا سيدتي ." ووقف بشكل مفاجئ جعل كرسيه يقع ، وهو يتابع قائلاً : " ولكنك التصقت برجل لا يمكنه أن يتصرف ، علـى الدوام ، كسيد مهذب .لهذا ، أرجو أن لا تمانعي كثيراً في أن أقبلك أمام كل هؤلاء الناس الطيبين المشغولين بالاستماع إلى حديثنا ومراقبة كل حركة تصدر عنّا ."
قالت:" وهذا أيضاً يشرفني ويملؤني فخراً ..."
منتديات ليلاس
تمت اتمنى تعجبكم

 
 

 

عرض البوم صور زونار   رد مع اقتباس
4 أعضاء قالوا شكراً لـ زونار على المشاركة المفيدة:
قديم 11-03-09, 10:05 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2007
العضوية: 44675
المشاركات: 8,391
الجنس أنثى
معدل التقييم: majedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسي
نقاط التقييم: 4767
شكراً: 277
تم شكره 6,569 مرة في 2,250 مشاركة

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
majedana غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

تسلم ايدك

رواية حلوووووووووووووة كتير

 
 

 

عرض البوم صور majedana   رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ majedana على المشاركة المفيدة:
قديم 18-03-09, 03:52 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Dec 2008
العضوية: 110968
المشاركات: 2
الجنس أنثى
معدل التقييم: sogod عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 17
شكراً: 0
تم شكره 3 مرة في مشاركة واحدة

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
sogod غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

 
 

 

عرض البوم صور sogod   رد مع اقتباس
3 أعضاء قالوا شكراً لـ sogod على المشاركة المفيدة:
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
دار النحاس, روايات, روايات مكتوبة. روايات عبير المكتوبة, روايات رومانسية, روايات عبير, عبير, قلوب عبير, كاثرين سبنسر, كوني لي سيدتي
facebook



جديد مواضيع قسم روايات عبير المكتوبة
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 02:02 AM.


مجلة الاميرات  | انستقرام  | منتدى بريدة 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية