لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-08-08, 01:07 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,192
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

في ذات أمسية أعتقد أنها الرابعـة منذ سكني معه, اقترح على أن نذهب الى "السوبر ماركت" ..

الليلة بالذات لم تكن لطيفة ولا ناعمة .. كانت باردة, شديدة الوطأة على شيخ مليء بالذكريات الحميمة, والقريبة جدا من قلبي في ذلك الفصل المتعب .. لذلك تحججت بالوقت المتأخر, وبموعد نومي, لكنه قال بعصبية:
- المحل مفتوح أربع وعشرون ساعة, وهو ليس ببعيد, بعدنا بكذا شارع فقط.
- أعرفه .. كنت أتسوق منه أحيانا مع المرحومة.
- في الليل؟
- نعم, وأحيانا قبل الفجر بساعتين.
- لوحدكما؟
وغمز بعينيه الاثنتين على التوالي, فأكملت دون أن أفهم:
- نعم. كل خميس يجتمع الأبناء في البيت, وتطول السهرة, شباب واخوه, وحالما يخلو البيت منهم, نجد أن صلاة الفجر قد أوشكت علينا نحن الذين لا نحب السهر, فننتظرها حتى لا ننام بالذهاب للتسوق.

كأنني شاهدت مسحة من الخيبة على وجهه طغت على الابتسام الخبيث, وبالفعل صدق حدسي حين أكدها:
- خيبك الله من رجل .. ولأجل هذا السبب فقط كنت تخرج معها الفجر؟
- نعم.
أجبت وأنا لا أريد أن أفهم, ولا أريد أن يذكرني بأيام حلوة مضت ..
- خيّبك الله. قمْ, قمْ لنذهب.
- قلت أريد أن أنام. هي رغبة شخصية بحتة وأنت رجل ذوق, تفهم ماذا تعني رغبة شخصية.
كانت الذكريات قد غزتني, ناعمة, شجية, حزينة, لكنه لم يتركني لها ..
- لا تركب رأسك , لن نتأخر.
وقبل أن أعترض مرة أخر , هدّد بإصبعه النحيل:
ارتدِ ثيابك الى أن أخرج من الحمام.
وخرج من الحمام في بذلـة رياضية من القطن – ليمونية – اللون, طُعّمت حواف أكمامها وجيوبها وياقتها باللون الأزرق.
تمعنت في اللون الأخير, كان الشيء الوحيد المحترم في الرجل .. لاحظ نظرتي بزهو, غامزاً باليسرى فقط:
- أعجبك؟
- اللون الأزرق لون وقور للرجل.
- والليموني؟ وأنا؟ يا محترم الزيّ بصاحبه.
وأمام استنكاره كررت عبارتي بثقة, مصرّاً على الاحتفاظ برأيي هذه المرة, رفعت يدي بثقة كمن يطالب بالكلام, واللون الليموني الصارخ يصبغ الرجل بلون المرض:
- أرى دائماً أن اللون الأزرق لون وقور للرجال.
- ترى!
مصمص بشفتيه, ماطاً السفلى قليلا الى الأمام قائلا بقرف:
يا سيّد. خذها نصيحة مجانية من سُنسّن أو محمد حسن .. .. لكي تغدو جميلا جرّب كل الألوان, وإذا أصبحت جميلا, حتما سترى الوجود كله جميل ..
تعرف بالطبع المقولة الرائعة " كن جميلا ترى الوجود جميلا " ..
الله, الله - قالها وهو يدور حول نفسه كممثلة ناشئة – مقولة رائعة أطبقها بالحرف على نفسي .. أشقائي .. على الحياة …
ثم أي الأزرق تقصد؟
سألها بخبث ببساطة عالم عظيم, وارتج علي القول أمام فصاحته:
- الأزرق. الأزرق الجميل المعروف.
- الأزرق الجميل المعروف! - قلّد بها لهجتي هازّاً رأسه هزّة العارف وهو يشير بكفّه الرقيقة تأكيداً الى السماء الواضحة خلف الزجاج - :
- الأزرق درجات .. أزرق داكن, أزرق فاتح, أزرق مُخضرّ, أزرق … داهمت الرجل نوبة سعال نفضته, ثم أكمل صارخاً ضارباً كفاً بكف:
مصيبة. مصيبة أن تعيش كل هذا العمر وأنت لا تعرف سوى درجة واحدة للون الأزرق!
ثم ضحك بسخرية مشروخة بعدما هدأ صدره مكرراً مقولتي التي ندمت عليها:
الأزرق الجميل المعروف,
ازدادت سخريته:
مؤكد هو لون جديد لم نفطن له نحن الستة, ومخترعه موجود معي في الحجرة, يا للشرف الكبير!

الأمر لله من قبل ومن بعد, حسبي الله ونعم الوكيل " .. سلمت بالأمر أمام اللون الصارخ والسحنة المحمرّة من كثرة السعال:
- اطلب سـيارة أجره الى أن أرتدي من ملابسي أنا الأخر ..

فـي بهـو الاسـتقبال ألقى بالمفتاح الممغنط الى موظف الاستقبال بحركة شبابية أغاظتني, ثم خرجنا الى التاكسي ..
- اسمع. لن تركب أية سيارة أجره .. المكان ليس ببعيد.

نظرت طويلا بغلّ الى البذلة "الليموني" دون أن أنظر الى وجه صاحبها ..
أفكار كثيرة هاجت في نفسي عن الظلم والمظلومين, وأفكار كثيرة أخمدت .. وكان هو يسبقني بأمتـار ..
تستطيع العودة – بهذا فكرت – أنت حُر, رجل حُرّ بمعنى الكلمة, الأمر بيدك كما ترى, فقط إحزِم أمرك.. استدر .. خطوات وتجد نفسك تتناول المفتاح من الموظف الأنيق .. اصعد بعدها الى الحجرة .. نَم, أو عش في ذكرياتك الخاصة .. صدقني لن يجرؤ مخلوق على منعك, حتى ولو كـان الفتى "رأفت" ذي البذلة الليموني ..
ايييه , دائمـا التفكير شيء, والعمل والإقدام عليه .. شيء آخر.
الحقيقة, وجدت نفسي تتبعه دون كثير ضيق.

في – السوبر ماركت – الكبير ذي الأنوار البيضاء الغـزيرة انتقى بعناية دقيقة أدوات القهوة التركي .. بن غامق, كوبين مزركشين, صينية وعـدة ملاعق, وأخيرا سُـكر قطع, خيّرني - الديمقراطي العجوز- بين شكله السداسي, وشكل المربعات الصغير, فاخترت من باب التنفيس الشكل السداسي, ربما لأن أضلاعه وتعقيداته أكبر, لكنه ألقى في العربة بالسكر المربع!
هاهو الإحباط يمشي على قدمين, يأمر وينهى ويرتدي عجائب الألوان ..

- تُجيد صنع القهوة.
نطقها اللئيم كمن يقـول: أنت ستصنع القهوة.
- لا. لا أعرف.
زمجرت بها بعد إهانة السكر, فزجرني بحزم وعنف:
- ولد. لم نطلب - كبْسه -, فنجان قهوة فقط .. سأعلمك صنعه حين نعود.
طقطق شفتيه بلذة:
تعرف. أعشق القهوة التركية, ولا بأس بالأمريكية, الفرنسية الطازجة دوماً ..
ثم ضحك باستخفاف شاب:
أعتقد لو عُصِر هذا الكيان – وكاد أن يقول الجميل أو الأنيق لولا شيء من حياءْ - لنزلت منه لترات من اللون الأسود .. .. أما القهوة العربية للأسف, حاولت تجرعها دون نجاح يُذكر .. تعرف أنها قهوة الشيوخ والشخصيات الكبرى - قالها بحسرة وغيظ - ما علينا, لكن القهوة السوداء أيضاً قهوة العلماء والمفكرين .. ألا ترى ذلك؟
قلت ببرود:
- وقهوة المدّعين.
أغمض عينيه بتفكير مُمسكاً بإناء القهوة الألمنيوم بيمناه في وضع تهديدي:
- مَنْ تقصد؟
- …
- عموماً قصدك لم يكن بريئاً, والمفروغ منه أنه أنت من سيصنع القهوة. قالها بحياد مُدخلا سبّابته في عيني اليسرى.


مهلا, للمرة الألف ..
أستطيع أن أقول (لا) بحزم, (لا) على أي شيء لا يرضيني, وأسـتطيع أن أقول (لن) أصنع القهوة .. اصنع قهوتك أنت أيهـا العجوز المتصابي الـ … لكنني مُجبر, ويجب أن تصدقوني على مسايرته لأمرين: الأول كل الشرقيين يقدرونه, ويفعلون به .. احترام السن. أنا مُجبر على احترام سنّه الذي يكبرني بعشرين سنة تقريبا … ولو عرف أن هذا هو السبب الـذي يمنعني عن مقارعته النـد بالنـد, لغضب, ولربما …
وثانيها: الفضول, وكفى بها من كلمة.

المهم, رضخت لأنني سـمعت نفسي تسأله بخمول عن إنـاء القهوة, والنار التي ستنضجها.
- ستجد ما تريد في دولاب ملابسي.
- لا.
نطقتها بعفوية متخيلا ألوانا أخرى أكثر ابتذالا مرصوصة بعناية.
لا, أرجوك.
- حسنا. سأخرجها لك.
العجيب أنه لأول مرة يُسـلّم بأمر ما, دون جدال.

بعد انتهاء الحسـاب, انحنى على عامل الصندوق الشـاب, الذي كان يأكل حبّات من اللوز يقذفها في فمه بين راحة وأخرى:
- دفعت ثمنها؟
- لا.
قالها الشاب سريعا ثم عضّ على شفتيه بحنق, فقال له صاحبي بعقل:
- أنت مُؤتمن على كل ما في المحل, حتى ولو كانت حبّات لوز بقرش واحد.
فغر الفتى فاه, وانسحب العجوز مُهرولا الى الخارج بمشـية رياضية يُحسـد عليها, تاركا لي بالطبع ما أحمله.
عجبت, وآمّـنت بصدق:
" إلى جانب اللون الأزرق, هناك شيء آخر وقور في هذا الرجل ".


***
( يتبع )

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 28-08-08, 01:08 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,192
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

أيقظني في الليل .. أعتقد في الحادية عشرة – لم تكن المرة الأولى التي يوقظني فيها, وأيضا لم تكن الأخيرة – وإحقاقا للحق, هو لم يوقظني بالمعنى الحرفي المتعارف عليه (هيه, أنت, قم, هزه, رشة ماء على الوجه في حالة المزاح الثقيل) .. لم يكن شيء من هذا, لكنه وقف أمامي زهاء الساعة, وأعتقد أنني – وطبيعي هذا الأمر – قد قضيت أغلب ذلك الوقت في التململ والقلق وهـزّ القدمين بدون وعي, بل وربما أحلام مفزعة الى أن فتحت عيناي.
رأيته أمامي كشبح, مدققا بصره في شخصي الضعيف المسالم, بشاربه العجيب ذاك, ووجهه اللامع من أثر الكريمات, وبيجاما جميلة بلون السماء الصافية المائلة الى البياض - أو هكذا خيّل إليّ - .. أخيرا هاهو لون معقول.
- الحمد لله انك صحوت.
- اووووووووف.
- أعـوذ بالله منك ومن أمثالك .. ديننا يوصينا حالما نفتح أعيننا من النوم بالحمد, والذكر, والدعاء بالمغفرة, وأنت تتأفف! من أي مِلّة أنت؟
- ! ! !.

لم أُعلّق, ولم أجب بشيء .. .. أعرف تماما ما أوصانا به الدين عندما نستيقظ من النوم, أو نفتح أعيننا .. لا عندما نُجبر من جرّاء تركيز النظرات القاتل على الغافلين, على فتح أعيننا, أعرف, أعرف …
أغمضت عيني, لا حابسـاً دمعة, فمثلي لا يبـكي حتى وان كان على الجروح جروح, لكنني تذكرت استعاذة شجيّـة كان يُرددها عليه أفضل الصلاة والسلام ضمن دعائه الثري ( وأعوذ بك من قهر الرجال ) .. هـذا هو يا سـادة قهر الرجال .. صدقوني, أعرف المعنى الصحيح, لكنه في حالتي تلك, هو بعينه قهر الرجال.

- تعرف.
- لا. لا أعرف.
- ولد. لا تسرع هكذا في الرد, عيب.
- أعوذ بالله من جميع الشياطين.
- زأرتُ بها في قوة, فانتفض بعصبية:
- تثيرني وتقززني بردودك غير المحترمة معي, ومع ذلك تجدني متباسطاً معك .. تواضع؟ نعم, تربية حسنة؟ أكيد, رحمة بأرمل بائس وحيد رغبة في الأجر والثواب من الله؟ مائة في المائة صحيح, ومع ذلك يا سيّد ماذا يكون الجزاء؟ تعنّت, صدّ وهجران, الأول منك والثاني من المدام ..

لم أجبه بشيء غير التثاؤب والاستغفار وإدامة النظر الى الشارع خافت الإضاءة من نافذة بعرض الجدار .. أما هو فقد تأمل بيجامته ( اللبني ) بكثير من رضا, والتي صحح لي لونها في مناسبة أخرى ( أيها القروي السماوي لون, واللبني لون .. أحمد ربك أن لا ثالث معنا في الحجرة, وإلاّ لكانت الفضيحة ):
تعرف. لا أنام في الليل إلا وقد استرجعت شريط حياتي كله أمامي, أحلامـ …
قاطعته بحزم وعيني على الوسادة الباردة:
- أمر طبيعي. والعاقل فقط من يفعل ذلك .. شريط حياتنا كله نسترجعه أمامنا في هدأة الليل .. ماذا قدمنا لآخرتنا .. ماذا ارتكبنا في دنيانا من معاص وذنوب , منتهزين صفاء الليل وساعة حساب الضمير في ركعتي توبة لله واستغفار وإنابة و...
- لاااااااإله إلا الله .. يا أخي عيب عليك مقاطعتي هذا أولا, ثانيا أنا لم أقصد هذا المعنى .. هذا الأمر بينك وبين ربك, ورياء منّي حين أخبرك به ..

لم أرد على أسلوبه المُستفز كاتماً همّي وغيظي ورغبة شديدة للنوم ..
الذي قصدت من استرجاع شريط حياتي أمامي كل ليل .. هي بقيّة أحلامي التي لم أحققها بعد .. قالها بحسرة ..

" وهل بعد هذا العمر .. حلم!؟ يا إلهنا الرحيم " بالطبع لم أصرّح بها , وإلا لكانت نهايتي على يديه بمعاونة أشقائه الخمسة .. فقط تثاءبت بقوة كليث قرّروا حبْسه في حديقة الحيوان للفرجة.
- لا تزأر هكذا عيب, ثم نحن في هدأة الليل…
- استغفر الله.
في الاستغفار يا سادة منافع جمّة, أولها ..
- تصدق - قالها لنفسه بحنان أو هكذا أحسست – خمسون في المائة فقط من أحلامي تحقق …
فركت عيني بشدة طارداً نوماً كان, عموما فرك العينين بشدة, والصحو المتقطع أغلب الليالي أصبحا عملي الوحيد هنا ..
والخمسون الأخرى للأسف لم تتحقق بعد, أملي في الله كبير بتحقيقها ولو بعد سنين..
- تفاؤل تحسد عليه!
نفض قميص بيجامته كمن يطرد عنه شرّا:
- " حتى على الموت لا أخلو من الحَسَدِ ", أعوذ بالله منك.
ثم أمال برأسه جهة المرآة, ناظراً الى وجهه بحسره:
بالطبع هناك أحلام لن تتحقق .. يا لأقدار الله.
في صغري كنت أفنّد أحلامي في وريقات صغيرة ملونة .. كل حلم أو أمنية أضعها في لونها الملائم..

• حلم جوّي في ورقة بلون السماء.
حك رأسه بغيظ:
كان حلمي وأنا في العشرين أن أصبح مضيف طيران, لكن…
آه من لكن,
الأهل, والعائلة المحافظة و… وكأنني … ما علينا..

• أحلام عِلمية, وقد كانت كثيرة .. دكتور في الذرّة, طبيب أعشاب, جرّاح في أمراض القلب … هذه أضعها في ورق أزرق داكن دليل الجديّة.

• أحلام أدبية .. وأولها أن أصبح أديبا شهيرا مثل " دستوفسكي, جوركي, بلزاك, شكسبير, نجيب محفوظ " لا تلهث هكذا لن تحزر بثقافتك الضحلة أياً منهم.
نظرت إليه بتؤدة:
- غريبة ظننتك ستذكر " إحسان عبدالقدوس!
ضحك بصخب:
- خبيث. فهمت قصدك. لا, أبداً, على العكس تماماً, أنا ضد الزميل إحسان في هذا الأمر .. أنا جداً أحترم المرأة وما كنت سأصورها كما فعل هو .. لقد صوّرها في أغلب أعماله كرغبة, دُمية, كيان مثير لكن بلا عقل .. يا سيّد, المرأة عندي هي أمي وأختي, جدتي وابنتي, مستحيل أن أفعل هذا بها .. يكفي أنّ الله قال عنها وفي مساواتها بنا ( ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف, وللرجال عليهن درجة ) مسألة القِوامَة والنفقة تعرف الآية بالطبع..
نفض رأسه طارداً الفكرة:
مستحيل بالطبع .. ماذا كنّا نقول؟ ها.
أو شاعرا رقيقا مثل "عمر أبو ريشة " لا تقل لم أسمع به .. شاعر عربي سوري شهير..
تعرف قصيدته الشهيرة، وبالطبع لم ينتظر الإجابة مني،
رفع رأسه قليلا الى الوراء متقمصاً أداء الشاعر الرقيق, ناطقاً بعدة أبيات:
( تتساءلين … على مَ يحيا
هؤلاء الأشقياء ..!
المُتعَبون ودربهمْ
قفر, ومرماهم هباءْ
الذاهلون الواجمون
أمام نعش الكبرياء!
الصابرون على الجراح
المُطرقونَ على الحياءْ
أنسـتهم الأيـام, مـا
ضحك الحياةِ وما البكاءْ
أزرتْ بدنياهمْ , ولم
تترك لهم فيها رجاءْ
تتساءلين .. وكيف أعلمُ
ما يَروْن على البقاء؟!
إمضي لشأنك ..
أسكتي ..
أنا واحد من هؤلاء! )

كان الإلقاء بديعاً, ولو لم أكن غاضبا منه ومن الوقت الذي أهدره منّي لهنأته على ذاكرته المدهشة وإلقائه الجيد.
تنهد هو:
- كلمات جميلة كما سمعت, وأداء دائماً أحسد عليه .. اييييه, هذه الأحلام الأدبية أضعها في ورق أخضر هادئ.

• أحلام فنيّة .. وهذه أصوغها في ورق بلون الزهر..
تنهد بحسرة حقيقية:
كنت أتمنى أن أكون " عبدالحليم حافظ " آخر .. صوتي لا باس به في الغناء, لكن …
صحيح باغتتني هذه الأمنية على كِبَرْ, تقريبا بعد وفاته عليه رحمة الله, وكادت أن تفتك بي بعد أن تملكتني كليّاً, لكني لم أجد التشجيع الكافي من الأهل, ولا من الزوجة, ولا من الأصدقاء .. ..
تنحنح وكاد أن يتحفني بمقطع من أغنية له, لولا رحمة الله التي أذِنت بالآذان الأول .. طقطق شفتيه حسرة وردد قليلا وراء المؤذن ثم أكمل:
أما في مجال التمثيل فقد تمنيت أن أكون " أنور وجدي " في رشاقة حركاته, وهيام البطلات به, بشعره اللامع الغزير المهتزّ يمنى ويسرى لأقل حركة .. رأيته بالطبع, كان شعره ذاك عقدتي في الصغر .. و"فريد شوقي" في قوته, شجاعته, وفتكه بالأشرار, و"رشدي أباظة" في عنفوانه ووسـامته, و"حسين رياض" في طِيبَته, و"أمينة رزق" في حرارة تمثيلها …
لكن كما أسلفت .. العائلة المحافظة, الدين, التقاليد…


تأملت الرجل .. هذه الحياة كلها التي عاشها وما زال يعيشها هذا الصاخب .. مؤكد أشعرته بلذتها بقيمتها, بأنها عزيزة وإلاّ لما تمسّك بها كل هذا التمسك .. عِشق وشعلقة غريبان بالدنيا, يُشعرك أنه شربها حتى العظم!
وأحلام يُقسم بأنها لم تتحقق بعد!!
ماذا أعطته حتى يُحبها كل هذا الحب؟
وماذا يريد أكثر مما أعطته؟
أيُعقل أنها جرّعته هذه الفانية كأس صفائها رشفة رشفة, دون فقد عزيز, أو خذلان رفيق, خيانة صاحب, مرض طويل, أو حتى صفقة خاسرة؟!


تثاءبت للمرة التاسعة عالماً أن النوم صيّاد لشخص مثلي, لكنه لم يبال, قال بتفكير:
- تصدق؟. لم أوقظك لهذا.
غرق في هنيهة صمت ثم اكتسح وجهه حنان عميق:
- تعرف.
بدأ بها بعد تلك الهُنيهة مُفسحاً لنفسه مكاناً عند وجهي, واضعا قدما زرقاء – عفواً لبنيّة - فوق قدم .. أكمل:
منذ أن قـدمت الى هـنا وأنت تُـذكرني بـ شكّوري.

لم أسأل من " شكّوري " .. كنت أتلو دعاء الكرب في صدري بعد كل ذلك الهذر عن الأحلام والأماني والأوراق الصغيرة الملونة : " لا اله إلا الله العظيم الحليم, لا اله إلا الله رب العرش العظيم, لا اله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم"
اختنق به الصدر مراراً وتكراراً .. يُريح الدعـاء صاحبه عندما يخرج بصوت عال .. جداً يـُريح.

- حتى في لا مبالاتك بالأمور العاطفية تشبهه, كلنا عاطفيون, أنا ومحمد حسين, ومحمد علي, ومحمد إسحاق, محمد نور ومحمد نوح, بينما شكّوري عالم آخر غيرنا .. كأنه قدّ من صخر ذلك القاسي, أحيانا أقول إن نشأته العسكرية في بيت جدي ثم التحاقه بنفس العمل هي السبب في هذا ..
تنحنح بشده جاليا صوته من أثر السعال والتدخين:
جدي كـان عقيدًا عتيدًا, رحمه الله .. كان رجلا صارما, شجاعا, لابد أن أحد أفراد العائلة الكريمة سمع عنه, رجل مشهور .. العقيد/ محمد عمر محمد إدريس .. لا تقل لم تسمع عنه ..
حتى أننا – اخوتي وأنا – كثيرا ما أشفقنا على ابنة الحلال التي سترضى به وبجموده ذاك..

لا اله إلا الله العظيم الحليم…
أوجعني الصدر من كبتها في الداخل, بودي لو جأرت بها ثم رفعت جهاز الهاتف القريب من يدي وهويـت به على رأسـه الفـارغ مـن العقل, يقلق منامي مُنتحلا تلك الطريقة الاستفزازية في الإيقاظ, ثم يفرط السـبحة في حديث مُطول عنه, ثم عن اخوته السـتة, وعن شكّوري .. ثم من شكوري هذا, لابد وأن يكون ببغاء, أو قط, أو أي شيء آخر سـخيف.

للأسف أكمل ما بدأه وابتسامة الذكريات الحانية على شفتيه:
كنا نسمع لدرويش والحامولـي وبـديعة, ثم لعبد الوهاب, وابتسام لطفي, وأم كلثوم, وفريد, ثم أصبحنا نسـمع لعبدالحليم .. آه من عبدالحليم ومن أغانيه الشجية .. .. هل ذكرت أنّ من أحلامي الوردية أن أصبح عبدالحليم حافظ آخر؟
طقطق بلسانه مُتلذذاً, لافاً في نفس الوقت سيجارة من سجائره العجيبة:
آه من عبدالحليم آه .. كنا نتأثر ونسح الدمع من كلمات أغانيه وطـريقة أدائـه لتلك الألحان الصعبة, حتى طريقة لِبسـه لم يسـلم العندليب الحزين من تقليدنا له, البنطلون الضيق والقميص الأبيض والصديري الأنيق بنفـس لون البنطلون, ثم المنديل المُحكم حول الرقبة في ربطة جانبية, والشـعر المُلمّع بالفـازلين في فرقة جانبية أنيقة .. بالفعل كانت أيام جميلة .. كنا نرتدي مثله في أسفارنا الكثيرة مع الوالد والوالدة رحمهما الله, وبالطبع لا نخـرج الى الشارع في ملابسـنا تلك إلا وقد فعلت أمي الأفاعيل بنا, تحصين وأدعية وبخور .. العين حق كما تعرف..
ايييـه أيام لا تنسى تلك أيام العندليب الأسـمر, لا كـأيام الآن .. الحزن المفتعل, والبكـاء المفتعل, وكل شيء مفتعل في الأغاني ..
أذكر أن أكبر أبنائي وقتها كان قد ألتحق بالجامعة حينما عرض له أول أفلامه.
- أظنه محمد توفيق.
الاسم الوحيد الذي نطقته بصوتي مصادفة أمام شلال الذكريات الهادر, وبسخرية واضحة أراحتني جدا, لكنها لدهشتي صدفت معه حينما نفى ما قلت:
- لا. هـذا ابني الأصغر, هـو الآن مدير في (…), الذي قصدته هو محمد سِرَاج, بِكْري وفلّة قلبي.
- لا اله إلا الله العظيم الحليم …
الحمد لله, أخيرا خرجت من الصدر.
- كلنا كنا نسمع تلك الأغاني الحسّاسة إلا "شكّوري" لم يكن يسمع, وإن سمع لا يحسّ مثلنا..
تذكر طبعا ( صافيني مره, خسـارة, بأمر الحب, أنا لك على طول, بتلوموني ليه), كان الحزن يعتصرنا لما يسلطن بها العندليب, لكن هو…
- لحظه .. لحظه – قلتها هائجاً وأنا أخبط الجدار براحة يدي - من هذا الشكوري الشديد الجاف الذي لا يتأثر مثلكم بالأغاني العاطفية؟ أعتقد من حقي أن أعرف.
كان السؤال الأخير الذي نطقته بغلّ قبل أن ألتزم الصمت التام, فقال وهو ينظر إلي بحنان بالغ وعينين ترقرقت بالدمع:
- محمد عبد الشكور .. أصغر أشقائي وأقربهم الى قلبي.



***

( يتبع )

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 28-08-08, 01:10 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,192
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 


كانت تلك المرة هي الأولى التي أوقظ فيها بالنظرات التي لابد وأن تصيب هدفها .. أما المرة الثانية فكانت بـ ـ بالنّهر ـ, ( هيه, أنت, يا سيد ), ومن أجل من؟ من أجل خاطر ابنه .. المرة الأولى "شكوري" شقيقه, والثانية ابنه..

الوقت ظهرا, وأنا أحب قيلولة الظهر, لكن "محمد حسن" لم يتركني ..

فتحت عينيّ بكسل, أضف الى الكسل شعور طبيعي آخر حاول هو أن يعودني عليه .. القهر..
- ابني الأكبر قادم الآن لزيارتي.
- …
- هيّا قمْ.
- ابنك أنت, وليس ابني أنا.
قلتها بغيظ فصرخ:
- لا ترفع صوتك علي.
- حسبنا الله ونعم الوكيل.
قصدت بها إنهاء هذه المهزلة والعودة الى القيلولة اللذيذة .. الدم لم يغلي بعد في الرأس من الغضب, لذلك سـأعود الى النوم, لكنه لم يمهلني سـوى مدة ارتداء ملابسه واصلاح زينته!
هـذه المرة لون خرافي لامع .. بيجاما نعم, ليست حمراء ولا في لون البرتقال .. لون عجيب سمّاه لي ( فوشيا ), وأنا رأيته لـونًا طيفيًا داكنًا بعض الشيء .. اللون الصارخ المبتذل يغطي الرجل بالكامل من عنقه الى أخمص قدميه, مما أعطى ظلالا على وجهه حملت نفس اللون.
- هيّا.
لم أرد, فقط فتحت عينَيَّ وأبقيتهما على وضعها المؤلم ذاك لكي يطمئن.
- قم، ارتد ملابسك، وارحمني, ارحمني يا أخي من هذا اللون الداكن الذي قتلتني به يومين كاملين.

من بين أشواك عينيَّ الملتهبتين من آثار النوم والرغبة فيه, اختلست النظر الى منامتي .. لون بني – رجالي – محترم, قارنتها بمنامته, الفـارق بشع وإن كان – عند الإناث – في صالحه.
- ذكرتني بمحمد توفيق أصغر أبنائي .. كان مثلك عندما أُوقظه للمدرسة, يظل فاتحا عينَيهِ كالقتيل حتى أدعه وشأنه ..
- اسـتغفر الله وأتوب إليه, اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني.
- أنـا لا أدري من أين تأتي بهذا الكلام الكبير؟ ولماذا؟ كـأن هناك من يُسلّط سكيناً على عنقك!!
- استغفر الله العلي العظيم.
نفضت عني كسل النوم وقهر الرجال, وقمت الى منامة أخرى جديدة ارتديها حتى يكف لسانه الطويل عني.
- أعوذ بالله، ما أسـوأ من البني إلا الكحلي .. ما هذه الألوان الجنائزية, الآن فقط عرفت سرّ وفاة المرحومة السريع.
وقبل أن أفتح فمي مُهدّدا، قال في حيرة:
- سأعطيك من عندي, وأمري الى الله.
- لا. لاااااا. لا.
- لكن أي الألوان يُناسـبك؟

بالطبع لم يعبأ لـ – لائي – العنيفة .. كانت الحيرة تأكله بالفعل حول أي الألوان يناسب لون بشرتي, متجاهلا الحجم, وكنت أنا قد تنمّرت حتى غدوت سبعا ضاريا .. لكل شيء حدّ .. سيدنا أيوب عليه السلام جأر بها مناديا ربه: "رب أني مسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين", فرحمه خالقه إذ قال الرحمن الرحيم: "فكشفنا ما به من ضر" .. .. ثم من هذا الذي يجبرني على هزّ صورتي أمام نفسي أكثر من هذا, وكيف يطيب لي العيش بعدها وأنا قد ارتديت الليموني أو الفيروزي أو البنفسجي الفاتح, ومن أجل من؟! عجوز خليع, أو ابنه الشاب الرقيع الذي لابد وأن يكون مثله, وما أظن بعد ( الفوشيا ) لون.

- اسمع.
أمراً حاراً زلزلت به الجدران, ونفضته هو واللون القرمزي الذي كان بين يديه:
أنا لن أسمح لك بـ
أُخفض صوتي قسـراً, وبعثر الثقة التي ركبتني طرقٌ مُؤدبٌ حازمٌ على الباب .. .. ألقى المنامة القرمزية بضيق في الدولاب, فاتجهت الى الحمام, واتجه هو الى الباب يفتحه, وقبل أن يفعل, رماني بنظرة حارة, وإصبعٍ نحيلٍ حركه في الهواء:
- حسابك بعدين.

أسمع تحيات ناعمة وأنا اقدّم رأسي التي ألهبها الغضب الى صنبور الماء البارد .. .. قبلة على هـذا الخد, وأخـرى على الخد الآخـر, مؤكد لا رأس, ولا يد, ولا يحزنون .. أين هم من أولادي - أولئك الضواري – حرارتهم ولهفتهم في السلام حتى لتكاد الروح تزهق بين يد الواحد منهم .. سـلام حار من القلب..

شلال الماء الكثيف أراحني وأنعشني .. جففت شعر رأسي بعده, مُسرّحا كالعادة بقليل عناية, على الهامش كما يقولون, ثم خرجت لأجد تلك المفاجأة!

منظر عجيب سمّرني في الأرض, وتضاربت في رأسي الرطبة أفكار وتأويلات: ( بوليس آداب, هيئه, شيخ, داعية؟ )
" غريبة ! لمْ أشكُ لأحد!! "
نعم, زائـرنا أحـد هـؤلاء .. رجـل محترم بكل معنى الكلمة .. وجه أبيض سمح متسامح، وعارض أسود جميل تخللته بعض الشعيرات البيض, وسالفان ناصعان في لون الفضة ..
كان الابن ربعة في الطول, يرتدي زيّنا العربي, والعجوز بجانبه واضعا سـاقًا على ساق, متفحصنا بغير رضا ..
التفت الرجل الجميل دهشا الي, ثم نظر الى صاحبي مستفسرا, فأجاب الآخر باقتضاب:
- زميل سكن.
ثم أكمل بهدوء:
أرمل, مسكين.
نطقها الظالم كمن يقول: فقير مسكين مقطوع من شـجرة, آويته عندي و…و… وهنيئا لك يا فاعل الخير والثواب..
لم يزعجني ردّه, وان أغاظني قليلا .. مددت يدي مصافحا الرجل:
- لابد وأنك "محمد مصباح" ؟ في الحقيقة حدثني الوالد عن قدومك و…
ضحك الرجل, ولم أفزع, كانت ضحكة معقولة.
- محمد سراج, وليس محمد مصباح.
احمر وجهي خجلا:
- آسف, اعتقدت أنك
- لا عليك, فكلها صالحة للإنارة.
وضحكنا للنكتة بتفاهم, ولـم يضحك العجوز .. مصمص بشفتيه علامة على عدم الرضا, ثم قال لي بحزم:
- أرى أن تتركنا قلـيلا, عندي ما أقـوله لـ سراج.

المُستبد .. حتما سيُصدق الرجـل أنني مقطـوع من شـجرة, وأن أبـاه آوانـي .. لا بأس .. لن أُحرج, ولن أغضب ..
شددت على يد الرجل الذي أحببته من أول مـوقف ونـزلت , وصوت صاحبي - الإلكتروني- يتبعني:
- لن تأكل شـيئا في المطعم, سنتغدى كلنا هنا .. مفهوم.

وفي الليل قبل أن أنـام كنت أسترجع أحداث اليوم .. .. كان الشـريط يقف دائما عند (سراج), آسف (محمد سراج) , ربما لأنه الجديـد الجميل طوال تـلك الأيـام الجافة, والغريب الشـاذ في دائـرة أبيه العجيبة..
فتى شجاع لم يرضخ لتعنت أبيه في نظام الأكل الذي حاول أن يفرضه علينا, بل طلب له ولي ما نشتهي .. أكلنا بمرح تحت نظرات العجوز اللاذعة لي, ثم شربنا الشاي بعد الغـداء مباشـرة, لا بعده بساعة كما يُريد "لؤي"..

لـم يتـحدث عـن ملابسـه الملونـة التي تأتيه – طلبية خاصة بالبريد الجوي – من إنجلترا وألمانيا, ولا عن عمليات زرع الشعر التي صدّع بها رأسي, والتي تمت بنجاح في نيويورك, ولا عن منعم الكعبين ذا المفعول السحري و… لاشيء من هذا .. فتى جدُّ طبيعي, بعدما كدت أنسى من هو الطبيعي وغير الطبيعي .. باختصار رجل بمعنى كلمة الرجولة التي افتقدتها هنا ستة عشر يوما.
تنهدت براحة أو عجب, لم أميّز مشاعري وقتها, لكني ميّزت صوته القلق:
- نمت؟
- على وشك.
وعلى وشك هذه لا تعني في مفهوم أي عاقل سوى معنى واحـد, وأعتقد أنه واضح جدًا, لكنه – سامحه الله - تحدث, وأنتم تعرفون ماذا يعني إذا تحدث "محمد حسن".

- تعرف.
- لا.
كانت اعتراضا سريعا مني.
- ولد!
نهرني بها صائحا.
" كل هذا العمر والشعيرات البيض, وسنينَ تعـدت الخمسين بـشهر .. وولد!! " بهذا فكرت ونغزات الشياطين تدفعني لأن أرد عليه .. ماذا قـال الله تعالى لي ولأمثالـي: " ادفع بالتي هي أحسن ", "واستعذ بالله" .. الله كم هو جميل كلام إلهنا.

- تعرف.
كانت (تعرف) الأولى بدايته في الكلام, والثانية دخوله فيه.
كل أبنائي كوم, ومحمد سراج كوم آخر.
الحمد لله, أفادتني الاستعاذة فهدأت, وطمأنني الحديث الإجباري أنه عن صديقي محمد سراج.
- ماذا تعني؟
سألته وأنا أقصي الوسادة نهائيا عن رأسي, غير مؤملٍ في أي شكل من أشكال النوم.
- منذ أن شب وهو لا يشبهنا في شيء .. لم يأخذ مني ولا من أعمامه أي شيء .. لا عادة, ولا هواية, ولا ميولا, ولا حتى الشبه!! سبحان الله .. حتى اخوته, صحيح أنه أكبرهم, لكن لم يأخـذوا منه, ولم يقتبس منهم .. فتى غريب.
- كلامك صحيح. ليـس في الفتى أي شيء منك ولا من أعمامه الذين حكيت لي عنهم .. أعتقد أنه يشبه عمه عبد الشكور, شكّوري؟
- فعلا – ضرب بيده على ركبتي - الفتى كله شكّوري.
وابعد الراديو عن صدره, واعتدل في الفراش مفكراً:
- هـو وحـش صغير .. لا توجد تسمية غيرها, نعم نعم هو كذلك.
نطقها بتأكيد كمن وجدها بعد تعب, رافعا في نفس الوقت يدا معترضة معروقة وان كانت في نعومة الحرير .. وأمام نظراتي الهلعة المتسائلة, وأفكاري التي ذهبت يمينا وشمال قال:
ألـم ترَ يديه المشعرتين حينما شمّر للأكل, صدره ووجهه الغارق في الشعر .. قرد بشري ابني هذا .. بصراحة منذ بلوغه وأنا وأعمامه لا نناديه إلا بهذا اللقب.
- قرد بشري؟!
- لا. الوحش الصغير.
اختلست النظر الى يدَيَّ المشعرتين, ووجهي الغارق في الشعر, لابـد أنني في نظره منذ أن تساكنـّا .. وحش كبير.
قلت مدافعا عنه وعني وعن أغلب الرجال:
- منذ فترة ما رأيت وجها ولا هيئة ولا مهابة تظلل رجلا, مثل التي رأيتها اليوم على ابنك.
قال بثقة:
- هذا لأنه في الأصل يشبهني.
وزفر بملل:
يا محترم أنا لا أتحدث عن الملامح, مقصدي هو – الديكور – الذي يسجن ابني نفسه وشبابه الغض فيه.

وأدركت أنه يقصد ملابسه الطبيعية, وشكله العادي الذي يشبه أغلب الرجال هنا في المملكة, واللون الفضي الذي غزا أمـاكن متفرقة من شعره, أدركت هذا سريعا, وبالطبع لم استفهم, ولن أستفهم عن أي شيء آخر .. .. إن لم أمت بحريق، أو غرقًا، أو بحادث سيارة مفاجئ, فلابد أن يكون السبب المؤكد هذا العجوز .. بعصبية وسـرعة أعدت وسادتي الى رأسي مُنهيا كل حديث.
لن أقول لكم أنه ناداني أكثر من مرة ليكمل حديثه عن (بِكْرهِ), الوحش الذي يشبهنا أنا وشكّوري, ورأيه الشخصي في ثلاثتنا ..
ولن أقول أنه حاول أن يخرجني في هذا البرد, وهـذا الليل الى السوبر ماركت المفتوح لأبتاع له أحد دهاناته التي نفدت.
ولـن أقول أنه أراد أن يستفزني لأكثر من مرة برفع صوت المذياع بأغانيه الشبابية التي تهدرها محطات سخيفة في رهبة الليل .. موتتنا الصغرى.
ولـن أقول أنني قاومته طويلا, وجاهدت بحزم ألا أستجيب لنداءاته, محكما الوسادة على رأسي, ويسراي كالقيد عليها, حتى نمت.
نعم. لن أتعبكم بهذا .. فقط سأقول: أعدت الوسادة على وجهي, ونمت.


***

( يتبع )

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 28-08-08, 01:12 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,192
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

كدت أن أؤرخ سرد آخر أيامي تلك, بزيارة ( سراج ) الجميلة لنا, وأقف ملتقطا أنفاس الشيخوخة التي سمّمها رجل واحد .. إلا أن ما حـدث بعد ذلك, أعتقد أنّه يستوجب السرد .. أقلّها لمجرد التنفيس ورؤية ما حدث لي, من قريب .. وهل ( أنا ) ظالم ومفترّ, كما يصرّ ( هو ), أم مظلوم ومفترى عليه؟!


في ظهر اليوم الحادي والعشرين قدِم الشباب لزيارة شقيقهم المريض!

صدقوني. صدقـوني لـم يحدث له أي شيء ضار .. حمّام ما قبل النوم المعتاد, ثم طقوس التجميل والتنعيم التي لم أفوتها منذ أن قدمت لأي عذر, أعقبها عطسة خفيفة, عطسة واحدة فقط بدت لي أرحم من عطساته الخاصة بالنشوق, قام بعدها الى النافذة, أغلقها بحزم .. طبعا لم يستأذنني, وأنا لم أعترض .. عوّدني الشقي ألا أعترض, لكنه صرّح بأنها عطسة مرض, بداية مرض .. وقام من فوره يتصل بـ"محمد إسحاق" أحد الأشقاء يخبره بمرضه, وجعل يعاتبه بصوت واهن مريض زهاء النصف ساعة, وقبل أن يغلق الخط أوصاه بالاتصال بزوجته في بيت أبيها وإخبارها بمرضه الشديد!
واعتقدت - ولا أدري لماذا- أنه سيصدق كـذبته بعدهـا وينام, ينام, ونوم الظالم … لكنه التفت مرة أخرى الى الهاتف الذي لم ينجُ من يده كل ليل, ولا يمل من تكرار رقمه المفضل, كأي شاب أرعن لن يثنيه شيء عن رعونته سوى قدر الله, والمحزن أنه لا يغضب أبدا من إغلاق الخط في وجهه, وان حالفه الحظ معها وغالبا ما يكون بعد منتصف الليل – مؤكد بعد نوم أبيها – يطول حديث كله عتب, وآهات, وذكريات, وأنتِ بدأتِ, وأنت الذي بدأتْ, واتهامات سخيفة لا يمكن أن تخطر إلا على بال مراهق .. وبعد هذا كله يضع السماعة في مكانها ويبتسم ذلك الابتسام الحالم, لي, أو للستارة, أو حتى لذرة غبار سارحة في فضاء الحجرة, وأكثر الأحيان يترك السماعة معلقة في يده وهو لا يزال يبتسم .. .. أما الليلة وبعد أن تأكد من شقيقه أنه أخبرها بمرضه, اتصل بها, وكان العتاب كله عن مرضه وحاجته لها, وقد قام قبلها بحركة سخيفة لا أدري من أين تعلمها هذا الشقي .. أخذ عدة طبقات من المناديل الورقية وغطى بها الثقوب الدقيقة المسؤولة عن إيصال الصوت, وبالطبع تغيّر الصوت وهلع القلب - الآخر- الصغير.

المهم أتى اليوم, وقدم الشباب الخمسة لزيارة شقيقهم الأكبر..

أحسست بإحباط شديد, وتأكدت من أنني سأكون كمّا مُهملا طوال وقت زيارتهم, مادام العاقل الوحيد لم يأتِ معهم, وبالفعل كنت كذلك طوال مدة زيارتهم له, كمّا مهملا, أو وحشا كبيـرا بشعر الرجـال وملابس الرجـال المحترمين .. .. وخمس علب من الهدايا اختفت تحت أغلفة صارخة الألوان .. كل فتى يحمل في يده علبة, والأحجام تختلف, والألوان - آه من الألوان - أيضا تختلف..
" ألا ليت الشباب يعود يوما, فأخبره بما فعله "محمد حسن" واخوته الخمسة فيه " .. فقط تخيّلوا يرحمكم الله, أن كل هؤلاء الخمسة هم أكبر سنّا مني.

نعم, هم فقط خمسة بثياب رقيقة ما بين صفراء وبيضاء, شفافة طبعا .. القامات متقاربة جدا, فكلهم أقل من ربعة .. "الفانـلات" ولله الحمد طبيعية, وأغلبها نصف كم – نجوا مـن تأثير شقيقهم ذي الفانلة الشبك – صرعة الثلاثينيات من هذا القرن..

كـنت أرقبهم بعين صقر ظنوه في قيلولة .. (الغتر)عجيبة بعض الشيء, لكن لا بأس من التغيير .. مـاذا يضرّ لو كانت الغترة البيضاء مطعمة حوافها بخط أخضر عريض, أو خط بني مثل (محمد حسين) أو ازرق مثل (محمد إسحاق), أو أصفر مثل … مهلا ماذا أرى؟ تـوأم! لم يخبرني (طلعت) بأن لهم توأم, حتى لتقول أنهما سيامي من شدة التصاقهما في الشبه .. توأم بغترتين: بيضاء وحواف صفراء فاقعة, مـاذا يضرّ؟ .. أظنهما واللـه العالِـم (محمد نور, ومحمد نوح) .. .. نعم أقول ماذا يضرّ لو ارتدوا هذه الألوان, ومشـوا عصبة في شارع عام, أو بهو فندق ضخم؟ الناس - وخاصة محمد حسن وأشقائه – لهم ما يحبون ويشتهون ويفضلون, لا ما يفضله وحش كبير مثلي ويراه لائقا..

الأحذية (ماركات عالمية), وأنا رجل يفهم كثيرا في نوع الحذاء .. الألوان لابأس بها, أربعة أقدام بحذاءين في لون الحليب, وأربعة أقدام أخرى بزوجين أسودين – أظنهما للتوأم- وقدمٌ أخيرة أعتقد أنها لمحمد إسحاق, في حذاء بلون البن العربي..

الشوارب الرفيعة فقط لم تنجُ من التأثير .. كلهم نفس الخط المستقيم القصير, والشعيرات صرعى على جانبيه كأنها نباتات هزيلة لـم تذق الماء مـن زمن.

سلّموا على كبيرهم في مرح .. قبلة هنا وقبلة هناك, طرقعة القبلة ترن في فضاء الحجرة كأنهن غادات صغيرات في زيارة صديقة لهن .. (سـلامات, ولماذا لـم تخبرنا بعنوانـك, أو حتى هاتفك لنحادثك يوميا, نطمئن على الأقل .. نحـن اخـوة وأنت كبيرنـا .. أخبارنا .. أخبارهم…).
مضى الشباب في سرد مذهل للأحوال, كأنـهن (أم أحمد وأم طارق وأم عصام), لا أبا أحمد وأبا طارق وأبا عصام .. وأخيرا التفتوا الى وجودي .. بعضهم سلّم بحماس, والبعض الآخر – وهم الأغلبية – بالكاد مد يده الناعمة المعطرة آلي … وتعليقات كثيرة ظنوها لاتصل الى مسامع الوحش الكبير:

- مَنْ هذا العجيب؟
- أعانك الله على وجودك معه.
- فظيع. من أي عصر؟!
- عشرون يوما وأنت معه!
صحح العجوز الخطأ الرهيب:
- واحد وعشرون.
وختمها توأم الرابع بقوله:
- أكيد هو الجحيم بعينه.
وهزّ صاحبي رأسه في تسليم معيدا المقولة التي أكرهها:
- أرمل مسـكين, حالما عرفت بقصته, آويته عندي.
علت همهمات خافتة من الشباب العاطفي:
- ( يالله .. مسكين .. منذ متى ماتت .. كيف .. أرمل, وحيد .. أجرك عند الله عظيم ). وهذه الأخيرة لم تكن لي, كانت لـ (حاتم الطائي) الذي عطف على الطريد الشريد وأواه عنده عشرين يوما - عفوا - واحد وعشرون يوما.

فُتحت الهدايا مع الشهقات المختلفة, والفتى سعيد ومنشرح, تطالع عيناه شاكرة هذه وتلك .. أقصد هذا وذاك.

" لاااااا لاااااا أرجوكم, لا مـزيدا من الألوان لا مزيدا من العذاب لااااا ". رغم ألمي الحقيقي من أيام وكوابيس جديدة قادمة لا محالة, إلا أن صوتي لم يدركهم .. شهقاتهم, وضحكاتهم, وتعليقاتهم على موديلات بعينها منعتهم من الشعور بأي إحساس آخر ..
ورغم إلحاح صاحبي في بقاءهم معنا لتناول الغداء, إلا أنهم تمنعوا متحججين بزوجاتهم, ومن بقى من أولادهم.
- (يا بختكم ). قالها المراهق بزفرة حرّة أذابت قلوب الخمسة .. ثم ذهبوا كما قدموا, بوداع القبلات الرنانة .. وبالطبع لم يلتفت لي أحد, رغم استعدادي النفسي لرد تحياتهم بأحسن منها والابتسام لهم, أو حتى الاكتفاء برفع اليد, إذا كانوا لا يريدون أن يسلموا, لكنهم لم يفعلوا.
لمّا خلا الجوّ, التفت الي بتشف, ناشرا بعض هداياهم الملونة على السرير:
- انظر. هذه هي الاخوّة .. خوف, وسؤال, حب واحتياج .. ما إن علموا بمرضي حتى كانت قلوبهم قبل أقدامهم هنا .. لا مثلك .. لا سؤال ولا اطمئنان عليك, كأنك سبع هرم, عزله أصحابه عنهم, تجهيزا لإعدامه.

حزّ في نفسي قوله الأخير, فقلت بخفوت بعد أن استطعت ابتلاع بعضا من ريقي:
- لم أخبرهم بمكاني.
- لن تقنعني بغير ما فهمت .. حتى أنا لم أخبر أحـد, لكنهم بحثوا, وسألوا, وأتوا مهرولين وأولهم (سراج) الحبيب.

قالها الظالم بعنفوان شـرس .. فكدت أن أخبره بالتقاطي لمكالمته مـع ابنه قبل أن يحضر بليلة, وبمكالمته لشقيقه تلك, وكدت أن أقول أيضا أنك معتاد على هجر (المدام) والالتجاء الى الفندق, لمزيد من الدلع والدلال والـ هدايا .. وهم بالطبع قد فهموا واعتادوا هذا الدلع المصابة به أغلب العائلة، غير أني سكتّ .. ودارت في رأسي صورٌ كثيرة تحمل وجوها أحبها .. وجوها غابت, وأخرى موجودة, لكني أبعدتها بيد من حديد.

- آااااااه من الوحدة, وآاااه آه من فقد الأحباب.
علا صوتي المختنق في الأخيرة, فلان القلب الشاب خابطاً براحته المرتجفة على صدره:
- سلامتك من الآه .. قلبي معك.
قام من مكانه تاركا مذياعه على الأرض, مفترشا معي السرير, آخذا راحتي الساخنة في يده:
- أنا أيضا فاقدٌ للأحباب.
قلت وأنا أكاد ابكي:
- أهلك معك, متعك الله بصحبتهم, أما أنا فقد رحلوا, رحلوا.
لكنه أنـكر بعنف لا يناسب لحظة الضعف تلك:
- أبـدا .. مـادام الخصام وشبح الفراق موجودان, فالحال واحد.
ثم أقبل علي وقد أشرق دمعه, وطفق يحدثني بحنان – ويدي في يده – أحاديث شتى, لم يدخلها لون ولا زيّ .. عجبت, ودهشت, لا من الكلام, فالكلام كثير, لكن من المحدّث العاقل اللطيف, وكدت أن أهيب به ألاّ يعود الى سـابق عهده, غير أني أحجمت .. خنقني الرجل بكرمه, فسكت.


***

( يتبع )

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 28-08-08, 01:13 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,192
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

كانت ليلة رائقة نسيت رقم يومها, حدثني فيها قبل أن أنام, بدأها بالطبع بكلمة (تعرف), وتعرف هذه بداية طبيعية لكلام غير طبيعي لم أعد أستسيغه.

كانت ساعة يدي تقارب على العاشرة والنصف مساء, وساعة يده الملونة ذات الحزام الأحمر تقارب على نفس الوقت ..
- القراءة فن جميل جداً.
كان واضعاً كعادته ساقاً على ساق, ولم يكن بيده كتاب ولا صحيفة .. فقلت بتهور مقصود:
- تقصد هواية جميلة؟
هزّ رجله بفتور متأملا منامتي البيضاء ذات الخطوط الرمادية بقرف:
- بعض الناس محسوبون على الفن والطرب, وبعضهم – وهنا تأملني بنفس القرف – محسوبون على الثقافة, وبعضهم وهم الأغلبية محسوبون على البلد نفسها..
لم أعلّق..
كان اشمئزازي من كلامه وأفعاله وأزيائه قد بلغ حدّه في نفسي .. .. ربما كان خافتاً مؤدباً تلك الأيام, لكنه اليوم أطل وارتسم على وجهي بوقاحة ووضوح .. .. ولما طال الصمت بدأ يتأوه:

- آه ..
آآآآآه ..
آآآآآآآه...
خرجت الأخيرة ممطوطة طوييييييلة, من صدره ضيّق الأكتاف .. .. كنت أتأمله بهدوء متابعاً ملامحه بعد الآهات الكاذبة وهي تتخذ شكل الحزن .. .. أسند ظهره على السرير ماداً ساقين كأعواد (البامبو) مكسوتين بسروال بيجاما حرير كثيرة الألوان تزيّنه نباتات فاقعة الصُفرة من زهور دوّار الشمس المعروفة ..
فجأة انتصب ظهره, تبدلت ملامح الحزن في وجهه الى عتاب حاد:
- أنت عديم الإحساس, خالي من الإنسانية.
باغتني التغيير السريع الذي طرأ عليه, وتذكرت اسم "أمينة رزق" في إحدى أمانيه ..
- لماذا تقول ذلك؟ سألت ببراءة
- أتأوه بصدق آهات موجعة تمزق نياط قلب أقسى الناس, ولا تفعل أو تقول شيئا!
- أقول ماذا؟
- أي كلمة مواساة .. يا أخي أنا إنسان .. إنسان .. "بلوعة صرخ بالكلمتين الأخيرتين ثم أكمل":
وحين أتأوه أو أتنهد أعتقد من حقي أن أسمع أي كلمة طيّبة تخفف عني.

"لا حول ولا قوة إلا بالله, أظن الرحيل قد آن .. نعم آن الرحيل من هذا المكان"..
بهذا سلّمت في صمت, لكنه هَدَر كآلة صدئة عنيدة قابلة للتشغيل, فاتحاً أزرار قميص بيجامته العلوي – مُوهمني بالاختناق – والذي كان هو الآخر على شكل زهرة دوّار الشمس:
- أين الأحبّة, أينهمُ؟
الكناريْن, الأنيق, الوسيم, والـ
آه, ما جدوى الكلام الآن؟
"حزرت من يقصد بالكنارين, لكن استعصى علي نفسي تحزير الآخريْن"..
حالما أنطق بها, الكل يسارع بأصدق العبارات وأشجاها: "سلامتك من الآه يا أخانا" ويسارع أشفهم واضعاً يدهُ على قلبي ليقول لي بأسى حقيقي: "عسى هذه الآهة في قلبي أنا"..
أين أنت منهم؟
ثم نظر الى النافذة التي أمامه, هادراً بشطر أظنه للمتنبي:
( أمّـا الأحبّة فالبيداء دونهمُ ) .. ظل يردده الى أن هدأ..
نظرت بدوري الى زجاج النافذة الشفاف لمدينة عمَارها ملايين البنايات, حتى أن بين كل بناية وبناية .. بناية.
حالة الاشمئزاز داخلي – مما يحدث أمامي - تحولت الى قرف كبير, وحالة القرف أضحت كابوسا لا يُطاق..
وممن؟
غصتني العبْرة وأنا لا أرى سوى مهرّج كبير في السن.

- تعرف.
دبّ في جسده الضئيل نشاط مفاجئ, وأنا أصبحت أعي ما وراء (تعرف).
- مـ ا ذ ا؟
بالكاد وجدت الصوت لينطق بها..
أجاب وهو يتأمل بيجامته الفاقعة الألوان بإعجاب:
- ما عرفنا زهور "عبّاد الشمس" إلاّ منه, عليه رحمة الله.
قلت مصححاً:
- زهور دوّار الشمس, فالله وحده هو الواحد المعبود في هذا الكون.
- اوكي. اوكي - اعترض بيده الناعمة يُسكتني - زهور دوّار الشمس, ما عرفناها إلاّ منه عندما خلّدها في لوحته الشهيرة .. .. تصدق, قدّرتْ الآن بالملايين وهو الذي توفى دون أن يجد ما يأكله .. عليه رحمة الله.
- مَنْ ذا الذي تترحم عليه؟
سألته بفتور, فشهق بهلع من جهلي:
- "جوخ, فان جوخ" يا أحمق .. ظننتك على عِلم بحديثي, خاصة وأنا ألبس ( مُصغّر كربوني طبق الأصل ) من لوحته الشهيرة.

تأملت المنامة الحريرية المفزعة الألوان والتي كنت متأكدا من أنها إحدى أسباب صداعي الليلة, سائلا في قلق:
- وهل لوحته الشهيرة التي تُقدّر بالملايين على هذه الشاكلة؟
انتفض كمن قرص:
- ما بها هذه. ها. ما بها؟
- لا شيء فقط ناعمة أكثر من اللازم.
هدأ أخيراً:
- يا أخي كادت الجيرة أن تُحال الى نار.
لم أعبأ بأسفه:
- تقول "جوخ" وتقول عليه رحمة الله .. أتترحم على مشرك بالله؟
ارتجف بعنف هذه المرة قاذفاً وجهي بسعلتين حارتين:
- يا سيّد. كلنا مرحومون بإذن الله .. كلنا علينا رحمة الله .. "ديانا" مثلا حينما قتلتْ هي و"دودي" كلنا ترحمنا على شبابهما الغضّ, رغم أن الأولى نصرانية, والثاني مسلم, لكن رحمة الله واسعة .. أتتأله على الله .. أتتأله عليه؟

أمام الوجه المحتقن, واللعاب المتطاير, ورجفة الصوت الرنانة, أجبت بجمود:
- أنا لا أتأله على الله, لكنها قناعة بما قاله الله في كتابه: ( إنّ الله لا يغفر أن يُشرك به, ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ), وقال عن الدين المقبول لأمّة محمد عليه الصلاة والسلام: ( ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يُقبل منه, وهو في الآخرة من الخاسرين ).
سكت قليلا أمام كلام الله، ثم قال بعناد, لافاً آخر سيجارة له في ذلك الليل:
- رحمة الله واسعة وأنت لاتدري شيئاً عنها.

أطفأت المصباح الصغير المجاور لي, مُعطياً الرجل ظهري كإشعار مُسلّمٍ به بالسكوووووت, بعد كل هذا الحديث الذي لا مناسبة له سوى ألوان بيجامة قبيحة يرتديها رجل جاوز الستين بكثير..

- تعرف.
قالها وهو يكح استعداداً لحديث آخر:
- استغفر الله العظيم.
- لقد قطع أذنه وأرسلها دامية الى حبيبته.
انقلبت كحوت على وشك الإغماء الى الجانب الآخر .. .. لن يمضي هذا الليل دون دعاء حار عليه .. .. طالعتني سحائب دخان أخفت عنّي سحنته:
- مَنْ؟ دُودي؟
- لا. جوخ .. تخيّل يستأصل جزءاً مُهماً منه فِداءاً لحبيبته! .. لا تقنعني بحكاية مشاجرته مع صديقه الحميم وتأنيب ضميره وكل ذلك الهراء الذي قيل, الحكاية التي تقنعني وتسعدني أنه قطعها فِداءاً لحبيبته.
بالطبع لم افهم منطق الاثنين, صاحبي وجوخ، ولا أدري لم هذا الإحساس بأن الليل لن يمضي على خير معه .. .. تساءلت في عناد هذه المرة:
- لماذا يقطع أذنه ويبعثها لها؟ هل كانت بأذن واحدة مثلا حتى يبعث بأخرى لها. مواساة؟ ترقيع؟
فتح فاه على آخره, ممسكا قلبه بيده على طريقة يوسف وهبي:
- آه. آه. آه .. قاتلك الله .. أتريد أن تقضي علي .. يا أخي إفهم, يا عديم الإحساس افهم .. أرسلها تعبيراً عن حُبه لها.
- ولِم هذا العذاب؟ - قلتها بصدق ووضوح - أعتقد لو طلب يدها .. تزوجها .. لكان خيراً له ولها..
ثـم مـاذا ترجي هي من أذن مقطوعة مُرسلة في كيس أو علبة غارقة في الدماء؟ وكيف ستنظر المسكينة بعدها بعين العشق التي تحب أن ترى كل شيء جميل, الى رجل بأذن واحدة؟!
- اسكت. آآآه. أسكـ
اختنق الرجل حقيقة بها, ممسكاً قلبه وحلقه, مرتعشاً ارتعاشات كثيرة غريبة..
- الهاتف .. الطبيب .. الطبيـ
وأمام ارتعاشاته التي ازدادت بشكل واضح اتصلت بإدارة الفندق التي بعثت لنا بطبيبها الخاص الذي ما إن رأى الفتى حتى حقنه بمهدىء خفيف, وقبل أن يغادر الحجرة التفت الي شارحاً, مطمئناً:
- انفعال زائد, شراهة في التدخين, أعصاب, وهذه ضعها جميعاً في خانة كبار السن, ثم أكمل بتظرّف:
وأعتقد أن لألوان البيجاما دور واضح في تعب أعصاب الوالد.


***


(يتبع)

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الرجاء التزام الوقار, الرجاء التزام الوقار بقلم: فاطمة بنت السراة, بقلم: فاطمة بنت السراة, فاطمة بنت السراة
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 02:13 PM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية