لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-05-08, 04:18 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ماسي


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 53753
المشاركات: 10,534
الجنس أنثى
معدل التقييم: ارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 740

االدولة
البلدIraq
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
ارادة الحياة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ارادة الحياة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

- طبعا لا ..
نظر له الآخر بدهشة ..
- كيف يعني ..؟ .. انته هنيه بارادتك .. هب هلك لي طلبوا منك تظهر من البيت ..
استرخى سعيد في مقعد الحديقة الخشبي و نسائم الصباح الباردة تحرك شعره الخفيف و تلامس وجهه الناحل .. و نظر لوجه منصور الذي يقابله على كرسيه المتحرك ..
- انته ما تحدنيه قلتلك ان هليه وقفوا ويايه ..؟
أومأ منصور برأسه ..
- بلى ....
هز سعيد كتفه ..
- أوكيه عقب ما اكتشفت المرض تعبت نفسيتيه بس هليه تمو واقفين ويايه .. و يشجعونيه .. يلست وياهم في البيت أربع شهور خلاف طلبت انهم يعطونيه حجرة هنيه في المستشفى ..
- ليش و انته تعرف ان هلك ما عندهم خلاف ..
سحب سعيد نفسا عميقا و هو يقول ..
- و اذا ما كان عندهم خلاف .. أنا كنت خايف عليهم .. كل حركة أسويها تروعنيه .. أخاف المرض يي خوانيه و الا أمايا و أبوية .. عنديه خوات بيعرسن و خوان وراهم مستقبل و اذا أنا روحت فيها نفاديه .. بس الا خوانيه يروحون بسبتيه .. انا كنت أخاف أحب راس أمي و الا خشم ابوية ..
نظر له منصور بعناية .. قبل أن يتابع سعيد ..
- كل عطسة يعني جراثيم في المكان و احتمال انتقال الفيروس وارد .. أي خاشوقة آكل بها تنعق .. أي لحاف يغطينيه محد يلمسه عقبي .. حمامي و حجرتيه ممنوع دخولهم .. يعني عزل صحي كامل بس في البيت .. و مع كذيه ما حسيت بشي غريب داخل البيت .. لي كان يعور قلبيه هو يوم أظهر منه ..
نظر له منصور مستفهما ..فقال سعيد بمرارة ..
- يعني بعدنيه مخلص الثنوية و ما عندي ربع غير لي وياية في المدرسة و عيال الفريق لي يلعبون وياية كورة .. من يوم ما عرفت بالمرض ما شفت عين حد منهم يقرب منيه .. كل ربعي .. يمكن تقول هالصداقات هب حقيقية .. بس أنا في هذاك السن ما كنت أشوف الا هم ربع .. يعني شباب دارسين و رابين وياية .. بعضهم كان يبات عدناا في البيت .. بس من انتشر الخبر عنيه .. محد منهم رفع سماعة التيلفوون .. يا شاردين مني .. يا كاسر خاطرهم ..
قال منصور مواسيا ..
- يمكن ما .... آآ .. يعني الواحد يلتمس لخووه الأعذار ..
هز سعيد رأسه بمرارة و ذكرى تلك الأيام البائسة تعاوده ..
- أكثر من مرة أشوفهم في المسيد .. أقولك انته الحين ما جربت هالشي و ما تعرف كيف كانوا يعاملونيه الناس .. تعرف انيه ما كنت أروم أوضي في حمام المسيد ..؟ !! امام المسيد يا بنفسه و قال انيه لازم ما ايي الا و انا متوضي .. لو ممنوع أحدر حمام المسيد عسب محد يتأذى و الا يكون عرضة للعدوى .. و أنــ ..
بتر عبارته فجأة و رفع رأسه للسماء و دمعه لم تخفى عن عين منصور تغالبه .. كان منصور دوما يتسائل عن سر الهدوء الذي يغشى نفس هذا الشاب و كيف لم يحطمه وضعه القاسي .. كم هو غبي .. أغفل أن الكثير منا قد يحوي جراحا لا ترى بأعيننا .. تخفى تحت طيات الإحساس ..!!
تلك دمعة ضعيفة ترتعد في زاوية عينه البعيدة .. و هو يقول بألم ..
- أنا كنت أصلي وياهم في المسيد جماعة .. بس في صف بروحيه .. محد يبا يصلي عداليه .. يعني الناس كلها ما تبانيه .. العدوى ما تنتقل لو مريت عدالك بس منوه بيفهم حتى المتعلمين محد منهم يبا يخاطر .. لنه محد يظمن لهم انيه ما بعطس أو بكح و أنا أصلي .. تعرف يا منصور .. عقب المرض وااايد أشياء شفتها بعيني ما كنت أشوفها قبل .. كنت شاب شرات كل الشباب لعب و ملاحق دراسة و خرابيط الصبيان ..
نظر لمنصور بشيء من الألم ..
- كل عصريه ألعب كورة في الفريق ..مع الشباب .. ما أهتم بشي .. بس عقب الفحص حسيت انيه كبرت سنين .. كرهت كل شي كانت أحبه قبل لا أدري بالمرض .. عسب كذيه ظهرت من البيت و ييت هنيه ..
رفع عينه ينظر للمبنى خلفه ..
- في الحجر الصحي لمستشفى الجيمي عطونيه حجرة .. لي أربع سنين هنيه .. أعيش حياتيه بدون قيود أو شي يربطنيه حتى الأهداف معدووومة .. ما أحط راسي ع المخدة في الليل الا و أنا أدري انيه تحت رحمة رب العالمين .. لو تيينيه انفلونزاا بتذبحنيه .. مابا من الدنيا شي الحمد الله .. ابا بس اعييش باقي أيامي دون محد يحتقرنيه و الا يشفق عليه تسدنيه زيارات هليه .. أنا انفصلت عن كل شي حوليه لنيه ما حسيت انه حد يبانيه من الناس .. العرب كلها تنفر منيه ..
.
.
في تلك اللحظة عاد صوتها يهمس مع الريح ..
الرفض .. الرفض ..!!
.
.
كان ينصت لصوت سعيد المثقل بأحزان دفينة لم يستطع أن يستشفها حين التقاه لأول مرة .. لقد تبخر كل شيء من حياته فور ظهور نتيجة الفحص .. كل شيء كان سراب يوهمه بالدوام ..
نظر لوجه سعيد الساهم .. و كأنما أعاده منصور بقوة لتلك الأيام المفجعة ..
- المجتمع رفضك ..!!
التفت سعيد نحوه بعدم فهم .. ليعود منصور فيقول ..
- انته تقول ان العرب تنفر منك يعني المجتمع رفضك .. الرفض شي قاسي .. صعب ان تشوف المجتمع لي خدمته سنين من عمرك .. يكون ببساطة قادر انه يتخلى عنك ..!!
كانت نظرة سعيد باردة بعض الشيء .. لحظتها تأكد منصور من أنه يظن أن كلماته تلك مجرد مجاراة أو محاولة مواساة .. لذلك ربت على قدمه اليمنى بهدوء ..
- انا أدري بشوه لي فخاطرك .. يعني لي مريت به فحياتي يمكن يشبه شي من لي انت شفته ..
في البداية لم يجد بادرة اهتمام على وجه سعيد .. و لكنه تابع ..
- أنا كنت ملازم أول في الجيش و مرشح لترقية استثنائية خاصة بالمتميزين .. يعني عقب كم شهر بستوي نقيب .. العسكرية كانت كل حياتي من كبرت و أنا من مدرسة عسكرية لغيرها .. اعدادية و ثنوية .. خلاف الكلية .. تقريبا أكثر عن 13 سنة و أنا أخدمها .. أبوي تاجر بس ما دخلت الادارة و الا غيرها.. حبيت العسكرية ..
ثم صمت قليلا .. يستنشق الهواء البارد الذي تخلخل رئته يبرد حر تلك الأيام المضنية و ذكراها ..
- عقب صار الحادث ..
ثم نظر لسعيد .. و كأن هذه فقط نهاية القصة .. الاهتمام كان واضحا على وجه الأخير .. ينتظر أن ينثر منصور ما تبقى في جعبته .. و لكن ذلك استمر في خنق الكلمات على شفير لسانه و لم ينطق ..
- و بعدها ...؟
يراقب منصور شجرة تراقصت وريقاتها على أنغام الهبوب المنعشة .. و حفيف احتكاكها الخافت يصل لأنيه فيطربها ..
- بعدها ماشي .. زقرونيه بكل بساطة .. منصور .. مشكور على خدماتك .. و آسفين ع لي صارلك .. و ......
ابتلع كلمة شائكة علقت في حلقه قبل أن يلتفت لسعيد بألم غابر تجدد في تلك اللحظة و كأنما تلقى وجعه للتو ..
- أحالوني تقاعد مبكر ..!!
تنهد .. و أطلق أنفاسه الساخنة حبيسة صدره ..
- هاي كل السالفة .. عقب ما كنت مرشح للترقية الاستثنائية .. أحالونيه تقاعد لنهم هب محتايينيه .. أنا ريال عمريه 25 يحيلونيه تقاعد .. شسوي .. وين السنين لي راحت من عمريه في الدراسة و غيرها ..؟ .. خلاص الحين أيلس في البيت و الا أرابط في القهاوي .. ليش .. ؟؟ أنا بعدنيه في عز شبابيه و أريد أخدم بلاديه لا شيبت هاذيك الحزة يعطونيه تقاعد .. بس خلاص ربطوا اعاقتي بعدم منفعة و خلونيه متقاعد .. أو قاعد على كرسي بلا شغله ..
.
.
ابتسم بحسره و ضرب ذراع كرسيّه.. و هو ينظر لسعيد الذي عض على شفته السفلى و التعاطف جلي على وجهه ..
- من ثلاث سنين و أنا يالس ع الكرسي هذا .. مرت عليه أيام حسيت انيه وصلت لنهاية حياتي العملية .. و انيه عقب العسكرية ما بحصل شي اسويه .. بس ربك فرجها .. لقيت الكتابة مخرج .. أو مهرب من عجزي ..
و توقف منصور هنا عن الحديث .. لم يعد في جعبته شيء من الكلمات .. و تلك الراحة الغريبة تسري في روحه .. هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها عن الموضوع ..
لم يتكلم أحد من أهله قط عن الحادث أو ما تلاه .. حتى زوجته .. و كأنما عقد بينهم قانون صامت ينص على أن لا يتم إعادة تلك الذكريات الموجعة ..!!
طال الصمت بينهما منصور غارق حتى أذنيه في أفكاره .. و سعيد الساهم لا علم إلى أين رمى به الفكر.. أصبحت ألحان وريقات الشجر أخف صوتا و كأنما لا تريد أن تقطع هذا السكون ..
تنفس منصور الصعداء و هو يقطعه ..
- قلتلي انك كنت تلعب ويا ربعك كورة .. تحب الكورة ..؟
ابتسم سعيد بخفة .. و لا تزال ومضة التعاطف تلمع في عينيه .. و قبض قلب منصور بقوة .. أ يجد هذا الشاب في نفسه القوة على الشفقة على الغير في حين أنه هو من أحوج لها ..!!
- هيه هوايتي ..كنـ ....
قطع كلماته .. و هو ينظر لشيء خلف منصور .. و يبتسم .. تبع منصور عينيه ليرى ذاك المسن الذي كان يتقدم منهم ..
و لمس حبا كبير ينضح من صوت سعيد و هو يقول بخفوت ..
- هــــــــذا أبـــــــــــوية ..

* * * * *


انحدرت تلك الدمعة عن عين ام حميد لتجري مع الأخاديد التي حفرت على وجنتها بمعول الزمن .. و صوتها المبحوح يتردد بخفوت ..
- يعلهم العوووووووق .. يرووها الكلاب شرات البهيمة .. ما تبااهم .. ما تبااهم .. لا بركتن فيهم .. حشى ما في قلوبهم رحمه ..
كانت أحلام تشعر بالحزن هي الأخرى و لكن هذه النبرة المنكسرة تسمعها للمرة الأولى من أم حميد .. فلم تشا أن تزيدها حزنا .. أمسكت بيدها مواسية و هي تناولها كوبا من الماء ..
- ما عليه يا أم حميد .. هدي شوي هب زين عسب صحتج .. ارتاحي انتي و هي سبوعين و تلقينها عندج ..
ارتشفت أم حميد جرعة من الماء قبل أن تقول ...
- و أنا شوه بيصبرني سبوعين .. سهيلة شرات بنتيه .. من اربع سنين و هي وياية .. هاي أغلى ما عنديه و الله ..
ابتسمت أحلام مازحة بحنان ..
- أغلـــى من حمـــيد حتى ..؟
.
.
و انتفض الكوب في يد العجوز .. و انتفض قلب أحلام حين لاح الوجع على وجهها .. ماذا فعلت ..؟!! كم هي حمقاء ..!!
كرهت أحلام تسرعها .. و تلك النظرة المكسور تغشى عينيها .. فهمست أحلام و هي تشد على قبضتها ..
- أم حمـــيد .. سمحيليه و الله .. أنا آسفة .. ما كان قصديه ...
الضياع على وجه العجوز مزق قلب أحلام .. و تلك الدمعة عادت لتطل من مقلتها بألم ..
هذا ألم شخص فاقد .. أم حميد تفتقد ابنها .. ابنها الذي لم تره أحلام قط هنا .. هل هو ......؟!!
يا إلهي ..!! ماذا فعلت .. بالتأكيد هذا هو التفسير الوحيد .. لا بد أن ابنها قد شد الرحال عن وجه الوجود ..!!
- أم حميد .. بلاج ....
ابتسمت أم حميد بلوعة .. و تهاوت دمعتها بتعب السنين الماضية تلك ..
- أغلى حتى من حميد .. لي ما كتب له ربيه عيشه ..
الذنب يتعاظم في قلب أحلام .. و لكنها هنا لتنبش أوجاعهم .. و تداويها .. همست بخفوت ..
- الله يرحمه ..
نظرت لها أم حميد بغرابة .. و عادت أحلام تسألها بتعاطف ..
- توفى قريب ..؟
- منوه ..؟
- حميد ..؟
كانت أم حميد حزينة جدا .. و ألم قوي يدوي في صوتها و هي تهمس بصوتها المهتز ..
- حميد ما توفى .. أصلا محد حميد ..
شعرت أحلام بتشتت ..
- ما فهمت ..
اليد المرتجفة تضع الكوب على الأرض بهدوء ..
- أنا ما عنديه عيال ..
.
.
للحظات كانت كلماتها الأخيرة ترن في الغرفة الخالية ..
.
.
لم تنجب ..!! لم تنجب ..!!
قالت أم حميد ..
- يقالي أم حميد ببوية .. و الا أنا ما عنديه عيال .. ما عرست عسب اييب عيال ..
شعرت أحلام الآن بالضياع .. و كأنها تتعرف المرأة لأول مرة .. لم تتزوج .. هذه العجوز تناهز السبعين و لم تتزوج بعد .. لم تعرف بما يمكنها أن تواسيها .. لكن يبدو أن هذه ليست النهاية ..
دوما هناك أوجاع في قلوب البعض لا ترجو الا من ينبشها .. يبدو أنها مست وجعا منسيا في روح هذه المرأة ..
- أنا ما عرست .. و لا يبت عيال .. و لارمت أعين عمريه ..
صوتها المتهدج الآن .. و كلماتها المتقطعة لم تعد واضحة .. و هي تتمتم ..
- و الله ما بغيت في الدنيا الا انيه اعتمر و الا أحج .. أشوف بيت الله .. بس حتى العبادة ما كتبت ليه .. انا ان مت ما بتتسجل وفاتي ..
وجدت أحلام صوتها ..
- ليش ..؟
.
.
و ارتعشت الكلمات و هي تتجاوز فمها المحاط بالتجاعيد ..
- أنا ما عنديه الجواز ..
انتفت يد أحلام الممسكة بيدها .. كانت تتوقع مفاجأة خلف هذه العجوز .. و ها هي فاجعة لم تخطر ببالها .. فهمست بصدمة ..
- بدون ...؟؟؟؟؟
أومأت أم حميد رأسها ..
- هيه .. ما عنديه الجواز ..
عضت تلك على شفتيها بشفقة ..
- تحريتج اماراتيه ..
قالت أم حميد بحدة ..
- أنا اماراتيه .. و حتى لو ما عنديه جواز .. أنا بنت البلاد ..
كرهت أحلام نفسها ..
- أنا آسفة ..
سحبت أم حميد يدها من قبضة أحلام ..
- من سنين و أنا مقدمة على الجواز و لاظهر .. راح العمر و أنا أرقب الجواز .. مابا شي .. كنت ابا اسافر أشوف الكعبة .. أحج و الا أعتمر .. بس وين أظهر من البلاد و انا ما عنديه ثبوتات .. اصلا أنا هب موجودة في الاحصائيات .. حاليه حال هالزولية .. لو هندي بيموت .. قامت السفارات تتخابص .. و أنا لو أموت ما بحصل من يدفنيه .. أنا ما ييت هنيه الا بواسطة من بو عبدالرحمن .. دخلنيه هنيه و ما خلى عليه قاصر ..
كانت أم حميد تتكلم بحزن و ضيق .. الآن تفهم أحلام سر احترام هذه العجوز لبو عبدالرحمن ..
شعرت بذهول شديد .. هذه أول مرة تلتقي بمثل هذه الفئة .. بدون ..!!
.
.
هؤلاء الناس لا وجود لهم بنظر الدولة .. لا جوازات و لا أوراق هوية .. اذا هم غير موجودون ..!!
شعرت برؤية صافية غريبة تتضح لها و هي تطالع أم حميد ..
كيف يمكن لوريقات تنقصهم أن تعدم وجودهم عن الحياة .. بلا حقوق و لا عيشة .. و لا مساعدة ..!!
هم بلا هوية .. الكل ينظر لهم على أنهم ليسو هنا .. و لكن لحظة ..!!
ماذا عن مشاعرهم .. أحلامهم .. ماذا عن أيامهم .. عن كل ما قضوه على وجه الأرض .. أكل هذا يخضع أيضا لحكم الأوراق .. كيف ..؟!!
هذه العجوز .. حرمت الزواج .. الانجاب .. حرمت حتى الذهاب لأداء الفريضة .. لأنها بلا جواز .. لا جواز يسمع بمرور تلك الأحلام لعالم الواقع .. أو تحقيقها ..!!
.
.
هي بدون ..
ليست بدون هوية فقط ..!!
بل بدون احساس بالوجود .. بدون انتماء .. تساءلت أحلام لبرهة ..
ماذا عن مشاعرها .. و كل ما تحويه روحها من أحاسبس ..؟!!
هل يُنكر حقيقة ذلك أيضا .. كيف اذا نعيش أغرابا على أرضنا .. بلا هوية ..
.
.
سيحطمنا احساسنا هذا ..
و يترك أحلامنا منسية ..!!

* * * * *

حقا لم يكن لديها أدنى رغبة في الحديث مع موزة عن موضوعها في تلك اللحظة .. و لكنها مضطرة فلطيفة تعتمد عليها ..
لذلك أسندت كوعها على سطح مكتبها الذي اعتزلته ثوان كي تستعيد توازنها .. بعد الحقائق التي فجرتها أم حميد و أمسكت رأسها الذي ينبض ألما و هي تقول بتعب ..
- موزة .. لو انتي مترددة ليش متصلة ..؟
صوت أختها الرقيق لم يأت بمفعوله هذه المرة .. فقد زعزعتها معرفة أن أم حميد ضعيفة بهذا الشكل .. و لسانها الشائك ليس سوى طوق دفاع معتمد ..
- أبااج تشورين عليه ..
قالت أحلام بضيق ..
- انتي تبين تسيرين ..
- مادري ..
- شوه ما تدرين .. تبينيه اخبرج كيف تعيشين حياتج .. حبيبتي .. خلاص يسد انعزال في حجرتج .. كم وقت بعدج تبين أكثر عن ست شهور هااا ..؟! لازم تظهرين .. انتي تشجعي أول مرة بس .. المرة الأولى هي الصعبة .. خلاف بترد أمورج شرات قبل ..
همست موزة بضعف ..
- أخااف الصراحة أحصل حد يعرفنيه و يعرف السالفة .. لو سألنيه شوه أقوله ..؟
سحبت أحلام نفسا عميقا .. يكفي تردد .. يكفي ..
لتقول بحزم و صوتها القوي تحمله الأسلاك لأختها .. فيشد من أزرها ..
- قوليله .. { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ..
.
.
و تبعثرت الكلمات ..
لم يعد في داخلها ما قد تجده ليفوق هذه الحكمة الالهية ..!!

* * * * *

●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الخامســــــــــــــــــــــة▌○●


.
.
المكان غارق في الظلام الدامس ..
أنفاسها المذعورة تتردد في سكون هذه الحجرة المغلقة ..
تعلم أنه هنا .. تشعر بحركته ..
.
.
إنه يقترب ..
كيف ستستطيع الخلاص ..؟!!
.
.
و يتفصد العرق من جبينها و هي تضع يدها على فمها .. تريد كتم النفس ..
كي تبقى بلا صوت ..
لا تريده أن يصل إليها ..
.
.
و لكن كيف .. ؟
ها هي يد أثقل تكتم نفسها الآن ..
تشعر به يجرها بقوة .. و هي تختنق ..
تحاول مستميتة التشبث بغطاء سريرها ..
.
.
و تئن بصوت مكتوم .. لا يتجاوز شفتيها ..
و لا يده الثقيلة المطبقة ..
ليرتد في صدرها .. و يتيه في نواحيه ..
فلا سامع ..!!
.
.
النجـــدة .. لينقذني أحد ..!!
و ها هو الظلام الرحيم يحيط بها مجددا ..
لتغوص فيه بلا قرار ..
و أصابع يدها لا تزال تقبض على أطراف الفراش بخذلان ..
.
.
.
.
.
.
اللعنــــــــــــــــــة ..
ألم يسمع أحدكم صراخ هذه الطفلة ..!!

* * * * *

همست ميثا بخفوت ..
- ما صدق .. الحين موزان بتيي الجامعة يوم افتتاح المعرض ..
أومأت أحلام برأسها ببطء .. و هي تطالع وجه أم زوجها المتجهم عبر المائدة .. ثم تشير لميثا بعينيها أن تكف عن حديثها الهامس ..
أعادت نظرها للصحن الذي بالكاد لمسته .. لم تكن لها أي رغبة في الطعام .. هناك الكثير مما يشغل بالها و يثقل قلبها ..
نهضت من مكانها .. و عينا زوجة عمها تتابعان حركتها و صوت الجاف يوقفها ..
- ما تغديتي ..
ابتسمت أحلام بهدوء ..
- الحمد الله شبعت عمووه ..
و تركت الصالة متوجهة نحو الحمام لتغسل يديها .. اليوم هو الجمعة .. و أتت هي و زوجها كعادتهم لتناول الغداء في بيت عمها ..
حين انتهت ذهبت للمطبخ تبغي شرب الماء فتطفئ ذلك اللهب الذي تشعر به يستعر في جوفها و يتصاعد لفمها ..
تملأ الكوب بالماء و هي تتأمل قطراته النقية تتدفق في إناء الزجاج هذا ..
الأيام السابقة شعرت أحلام بتشوش بالغ و هي تكاد لا تدرك الأمور ..
يصعب حقا عليها أن تعتاد على شيء ما ثم تجد نفسها في وسط مختلف تماما .. و إذا أتينا للحقيقة فهي تجد نفسها مشتاقة جدا لوجه أم حميد القاسي الصعب المراس ..
لوجود سهيلة في أرجاء المكان .. لتملأه شيئا من بريق الطفولة الخامد هنا ..لحيوية حصة الذاوية ..
كانت تعتقد أنه ليس لوجود سهيلة الأثر القوي .. و لكن يبدو أنها مخطئة .. فقد أصبح سكان الدار في حالة أشبه بالسبات بعد رحيلها .. و يفتقر المكان هناك للمسة من الحياة .. رحلت معها ..!!
حسنا .. لن تعجز صبرا .. ستعود سهيلة بعد يومين .. و ستعود الأمور لطبيعتها ..
تنهدت براحة و هي تشعر ببرودة الماء تسري في حلقها .. وضعت الكوب جانبا حين سمعت صوت أحدهم قادما نحو المطبخ .. فأصلحت حال حجابها تحسبا .. سرعان ما طل رأس مبارك من الباب دون أن ينتبه لوجودها .. فيوجه حديثه للخادمة ..
- وين الجاهي ..؟
ابتسمت أحلام و هي تنبهه لوجودها ..
- مبارك شحالك ..
التفت نوحها متفاجئا .. ليقول بابتسامة أخوية ..
- هلاااااااا أحلااااام .. سمحيليه ما شفتج .. يسرج الحال .. شحالج انتي ..
- بخير الحمد الله .. وينك ما تنشاف ..
- موجود و الله .. كل يومين و أنا عندكم في البيت .. مشتغل دريول لريلج ..
ابتسمت أحلام ..
- انفع خوك .. مالك عليه يماله ..
- ههههههههههه .. بتدافعين .. ريلج ..
و قفزت فكرة بغتة أمام عيني أحلام .. لتندفع قائلة ..
- انته لي توديه عسب يسوي أبحاثه للرواية ..
صمت مبارك لبرهة قبل أن تطمئنه أحلام ..
- خبرنيه منصور ..
أومأ برأسه مجيبا .. فقالت بشيء من الضيق ..
- الله يهديك يا مبارك .. تسعابه الين العوق .. ليش ما تحاول ترده و تخليه يودر هالمريض ..
هز مبارك كتفيه ..
- حاولت و ما طاعنيه .. منصور ريال و أكبر عنيه .. ما بيي أعلمه شوه الصح و الغلط .. و بعدين أنا ملاحظ شي ..
ثم نظر لها بامعان ..
- منصور متغير من يوم اتعرف على هالريال .. - ثم يمد يده ليأخذ ابريق الشاي من يد الخادمة - مشكورة ..
عقدت أحلام جبينها و هي تخفض صوتها ..
- حتى لو ريال و الا عود .. بيسير يعق عمره في خرابيط مالها أول و لا تالي .. هذا ايدز يا مبارك .. يعني المووت ..!!
وصل للباب ينوي الذهاب و هو يقول ..
- قلتلج رمسته و ما طاعنيه .. أحلام .. منصور ما ينخاف عليه ..
و ألقى نظرة مؤكدة قبل أن يخرج تاركا اياها تعتصر الكوب الزجاجي بقوة ..
لا يعجبها هذا .. هي تخشى عليه كثيرا .. و الاندفاع فيما يفعل مخاطرة كبيرة ..

* * * * *


- مالك يا مدام أحلام ..؟
رفعت أحلام عينها بارهاق ..
- ماشي فديتج .. تعبانة شوي
وضعت زكية يدهل على صدرها و هي تقول بحنان
- يا حبة عيني .. و جاية اليوم ليه .. ما خدتيش اليوم أجازة ..؟
هزت أحلام رأسها رفضا ..
- لا .. إلا الإجازة .. أنا أصلا ما بتم الا خمس شهور .. و تبينيه أطوف يوم واحد .. مستحيل ..
- يختي .. دنتي لاحئة ع الغلبة دي .. أعملك كوباية شاي ..
ابتسمت بلطف ..
- لا مشكورة .. أنا بسير أشوف بو ثاني ..
نهضت من مكانها تحت نظرات زكية القلقة و خرجت متوجهة نحو بو ثاني .. لا تعلم لما يراودها احساس بالتقصير .. غياب سهيلة أشعرها بشيء من الإهمال ..
سحبت نفسا عميقا و هي تقف أمام بو ثاني .. تدين له بحلسة طويلة .. تنتشلها من حاضرها هذا لترميها في الماضي البعيد .. عندها سترى كيف تبدو أبعاد الأمور واضحة ..
احمر وجهها و احساس خفيف بالذنب يلفها حين داهمها صوت بو ثاني مرحبا فور دخولها غرفته ..
- مرحباااا .. مرحبااا السااع .. حيا الله من ياا ..
مع انها كانت قد رأته يوم الخميس .. الا أنها شعرت بأن أيام تفصل بينهما .. فقد انشغلت بارضاء ام حميد و لم تعد تقضي الكثير من الوقت معه ..
- لمرحب باااقي .. الله يحييك و يبقيك ..
و جلست على زوليته الأثيرة .. لتمد يدها و تسحب الصينية التي أمامه و قد وضعت عليها - دلة - قهوة .. فتصب له فنجانا منها .. و يعلو صوتها تردده الجدران لهفة ..
- اشحالك يا بو ثااني ..
التقط الفنجان و قد بدا الحبور على وجهه .. هل شعر بما شعرت يا ترى ..؟!
- بخييير و سهالة .. شحالج انتي و شحال عربانج و تواليج .. رب ما تشكون من باس ..
- يسرك الحال .. فنعمة .. علووومك ..
- لعلوم طيبة .. ما به علم .. و من صوبج ..
- أبد و الله .. ما به يديد ..
ابتسم بو ثاني بعتب و قد بدا محرجا من السؤال ..
- هييييه .. من زمان ما يلستي و قهويتيناا .. الحين ما نشوفج الا خاطفة و الا حادرة تسلمين و تروحين ..
أخفضت رأسها ..
- سمحليه يا بو ثاني .. و الله الشغل .. خبرنيه عنك .. رب ما شي يعورك .. ما تانس شي ..
هز رأسه و مكان ضرسه المفقود يبرز خلف شق ثغره السعيد ..
- نحمد الله ع كل نعمه ..
.
.
كانت الراحة مرسومة بوضوح على محياه و هو يسترسل في أحاديثه معها ليغرقها مجددا في عبق أيامه المدبره ..
لم تمانع هي أبدا .. كانت قد اشتاقت بشدة لجلساته و حكاياته الممتعة .. فتركت نفسها تغوص معه ببطء في صوته العتيق المنبثق من غياهب الزمن الرمادي ..
- و ذيب من أشجع الشباب في ذاك الزمان لولي .. و بااار .. يحب ابووه لي هو شيخ قبيلته و يقاله شالح بن هدلان .. و ما يفارقه .. تعلم الفروسية و عاده صغير .. و ما يخاف لا حدته شده .. و ذاع صيته بين القبايل .. محد ما سمع بذيب بن شالح .. و الريال محد شرواه في الفزعة و الا نخوة .. مخاوي شماا ما ترده معاذير .. ما يرقد و جفن أبوه صاحي .. و من كثر ما هو شجاع .. و ما يهاب الموت .. رثاه أبوه و هو حي .. و يقول فيه ..
.
.
ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب .. واليوم انا بابكيك لو كنت حيا
ويا ذيب يبكونك هل الفطر الشيب .. و ان لايعتهم مثل خيل المحيّا
و تبكيك قطعان عليها الكواليب .. و شيال حمل اللي يبون الكفيا
وتبكيك وضح علقوها دباديب .. ان ردّدت من يمه الخوف عيا
ويبكيك من صكت عليه المغاليب .. ان صاح باعلى الصوت ياهل الحميا
تنزل بك الحزم المطرّف لياهيب .. ان رددوهن نا قلين العصيّا
انا اشهد انك بيننا منقع الطيب .. و الطيب عسر مطلبه ما تهيا
.
.
و شرات ما قلتلج .. ذيب كان شيخ ولد شيخ .. و عزوة أهله و قبيلته ..الين صارت السالفة لي راح فيها ..
.
.
كانت أحلام ترى احساسا ما هنا يتكرر .. أهو حقيقة و انعكاس للقصة .. أم أن وجعا دفينا في صوت بو ثاني أبرزه ..؟!!
ضيق عينيه و صوت الصدئ يواصل بحماس قائلا ..
- يات ليلة و تسامر هو و أبوه .. و بين سوالف و مزوح .. ياب ابوه طاري خيل قد سمع ابها .. و يقول فيها ..

يا ذيب انا يا بوك حالي تردى .. وانا عليك من المواجيب يا ذيب
تكسب لي اللي لاقح عقب عدا .. طويله النسنوس حرشا عراقيب
تجر ذيل مثل حبل المعدّا .. وتبرى لحيران صغار حبا حيب
واشري لك اللي ركضها ما تقدا .. ماحدن لقى فيها عيوب وعذاريب
قبّا على خيل المعادي تحدى .. مثل الفهد توثب عليه م تواثيب
انا اشهد انك بللوازم تسدّا .. وعز الله انك خيرة الربع بالطيب
ياللي على ذيب السرايا تعدا .. لو حال من دونه عيال معاطيب
ليث على دروب المراجل مقدّا .. ما فيك يا ذيب السبايا عذاريب

و يسمع ذيب لي أبوه يقوله و هو يضحك .. و حس ان خاطر ابوه في الفرس لي مدحهاا ..و يوم بات أبووه .. ظهر من خيمته ذيب و سرا لخويااه .. يطلب مخوتهم .. قاصد الفرس لي طراها أبووه .. يباها هدية له .. و نفس الليلة راح ذيب و لي وياه قدا المكان لي فيها الفرس .. و يوم أصبح الثالث من الأيام و هم قرب أرض قبيلة .. طلعوو راس يبل .. لي يطل على بير يقال لها بير ( مليه ) .. و شافوو عندها رعيان .. و بوشهم .. و بغوو يردون عسب محد يشوفهم .. بس شافهم صياد كان ويا الرعيان و صوب عليهم و أطلق رصاصة وحدة .. لي ما صادت من 15 ريال الا ذيب ..
صاحت أحلام محتجة ..
- لاااااا .. حرااام ..
أومأ بو ثاني برأسه ..
- الموت ما شي يرده يا بنيتي .. الرصاصة ذبحت ذيب و أخوياه لي وياه شردوا .. و خلوه وراهم .. لنهم خافوا على عمارهم و هم يتحرون ان لي أطلق الرصاصة يمكن يكون في المكان غيره .. و تناقلوا العرب لخبار .. و ردوا فرسان شالح بن هدلان .. و يابوله خبر ولده ذيب ..
عضت أحلام على شفتيها .. و بو ثاني يتنهد بحسرة .. و كأنما يتمزق قلبه هو الآخر على فقدان ذيب ..
- يوم درا ان ولده ذيب توفى .. ما صدق .. بس يوم سمع العرب كلها تردد الخبر .. تأكد من موته .. و يقول فيه ..
يا ربعنا ياللي على الفطّر الشيب .. عز الله انه ضاع منكم وداعه
رحتوا على الطوعات مثل العياسيب .. و جيتوا وخليتوا لقبي بضاعه
خليتوا النادر بدار الاجانيب .. وضاقت بي الآفاق عقب اتساعه
تكدرون لي صافيات المشاريب .. وبالعون شفت الذل عقب الشجاعه
يا ذيب أنا بوصيك لا تاكل الذيب .. كم ليلة عشاك عقب المجاعه
كم ليلة عشاك حرش العراقيب .. وكم شيخ قوم كزته لك ذراعه
كفه بعدوانه شنيع المضاريب .. ويسقي عدوه بالوغى سم ساعه
ويضحك ليا صكت عليه المغاليب .. ويلكد على جمع العدو باندفاعه
وبيته لجيرانه يشيد على الطيب .. وللضيف يبني في طويل الرقاعه
جرحي عطيب ولا بقى لي مقاظيب .. وكني غريب الدار مالي جماعه
من عقب ذيب الخيل عرج مهاليب .. يا هل الرمك ما عاد فيهن طماعه
قالو تطيب وقلت وشلون ابا طيب .. وطلبت من عند الكريم الشفاعه

و معاد عقب ذيب يا بنيتي .. ذيب خيرت القوم .. لي تهابه قبايل .. سناد ابوه .. و عضيده ..الله يرحمه .. ما بتلقين حد شراته من عيال هالايام .. الواحد ما يذكر اسم ابوه ..
.
.
و هنا أدركت أحلام ما هو خيط الاحساس الذي حبكه صوت بو ثاني مع القصة ..
بر الابن لأبيه .. هذا ما رسم اللوعة في صوته على موت ذيب .. نظرت أحلام له و شفقة هائلة تتدفق في عروقها نحوه ..
بو ثاني .. الرجل الذي رمي خلف حدود الذاكرة .. يفتقد أبناءه .. و حنانهم ..
هل كان يحلم في قرارة نفسه لو أن ذيب كان أحد أبناءه .. أو أن أحدهم كان مثله ..
و حفنة متبلدي المشاعر .. ألا يجر الحنين أحدهم يوما ليعودوا فيذكروا هذا الرجل ..
كان يحرك القهوة في فنجانه و هو يترنم بأحد تلك الأبيات التي سردها من لحظات ..
- ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب .. واليوم انا بابكيك لو كنت حيا
ويا ذيب يبكونك هل الفطر الشيب .. و ان لايعتهم مثل خيل المحيّا
و تبكيك قطعان عليها الكواليب .. و شيال حمل اللي يبون الكفيا
.
.
في تلك اللحظة أرادت أحلام أن تمد يدها و تعتصر يده المغضنة .. أن تنحني لتطبع قبله حنونه عليها .. قلب هذا الرجل كبئر لا قرار له .. كم من احساس حوى يا ترى ..؟!!
رغم كل شي ما زالت حدود هنا مرسومة .. صمت بو ثاني للحظة ثم رفع عينه لها .. و كأنما شعر بهدوئها ..
ابتسمت بحزن ..
- أفاا يا بو ثاني و أنا بنتك .. أنا ما أذكر اسمك ..
ثواني تمر و عيناه معلقتان بوجهها .. ثم يخفض البصر ليقول بصوت طفل خائف ..
- يا بنيتي انتي بتيلسين كم شهر و بتروحين .. و بتلتهين .. و ......
و ارتجف صوته و هو يقول بخفوت ..
- و بتنسينااا ..
أغمضت أحلام عينيها حين شعرت بدمعتها و قد أقبلت من بعيد .. لتدفع الكلمات بهدوء من بين شفتيها .. تأمرها أن تحمل الاحساس و تلثم جبينه المغضن ..
- لا يا بو ثاني .. انت هنيه ..
و أشارت لقلبها .. و هي تقول بقوة ..
- ما بنساك ..
.
.
و تألقت دمعة لم تقرأ أحلام احساسها في عينه ..
كانت تعني ما قالت .. لن تنساهم ما دامت أنفاس تتردد في صدرها ..
فقد علموها الكثير ..!!

* * * * *

مد منصور يده يصافحه باحترام .. و قد بدا الضيق على وجه الرجل .. و هو يسأل بشك ..
- كاتب ..؟!! .. في جريده و الا ..؟
التفت منصور لسعيد بابتسامة قبل أن يعود ليقول للرجل ..
- لا كاتب أصدر روايات ..
ما زال عدم الرضا يلوح على محياه و هو يسأل ..
- و شوه يخصه سعيد خوية في الروايات ..؟
القى سعيد بكرته الزرقاء على الحائط لترتد برتابه كعادتها و هو يجيب ..
- سالم .. منصور يسوي بحث لروايته لي يكتبها .. عن مرضى الايدز .. و يباني أساعده فيها ..
كان سالم الذي يكبر سعيد بثلاث سنوات يقف مواجها منصور في غرفة سعيد .. و رغم ما قال الأخير الا أن وجهه لم يلين .. استمر ينظر لمنصور بامعان و القلق يلمع في أفق عينيه .. قبل أن يعلن رحيله ..
- ع راحتكم .. أنا بسير الحين الدوام ..
ثم التفت لسعيد .. و قد انقلبت تماما ليقول بصوت خافت مهتم ..
- تبا شي ..؟
هز سعيد رأسه بابتسامة و هو يقول ..
- سلم ع الأهل و العيال ..
رد سالم الابتسامة التي بدت غريبة على وجهه الخشن .. و جعلته أكثر انسانية و هو يقول ..
- يبلغ ..
و خرج تاركا الاثنين خلفه يراقبان مكانه الخالي .. قبل أن يرفع منصور بصره لسعيد الذي واجهه بابتسامة ..
- شرايك ..؟
ضحك منصور بخفة ..
- أنا قلت بيخطبلي ....
ضحك سعيد ..
- من يوم كنا صغار و هو شاد شوي .. و يوم مرضت استوا يخاف عليه أكثر عن قبل خص من الناس لي ما يعرفهم .. أنا أقولك انه ما ارتاح لك .. و بيحاول يرمسك مرة ثانيه ..
- ما ظن ..
ابتسم سعيد مؤكدا ..
- بنشوف .. الحين خبرنيه .. شوه ها ..؟!
و أشار للكيس الذي كان ساجد قد وضعه في زاوية الغرفة قبل أن يقتحم سالم المكان .. بدا الغموض على وجه منصور ..
- هاته و بتعرف ..
نهض سعيد على قدميه النحيلتين ليلتقط الكيس عن الأرض و يحضره لمنصور الذي وضعه على طاولة القهوة العتيقة و هو يشير بيده لها ..
- افتحها ..
تردد سعيد للحظة و منصور يحثه بعينه مشجعا .. ثم تقدم ليخرج علبة من الورق المقوى من الكيس ..
حين وضعها على الطاولة أمامه بدت الدهشة جلية على وجهه ..
- شوه ها ..؟
- هذا سوني ..
نظر مستفهما ..
- سوني ..؟
- لعبة اسمها بلاي ستيشن .. توصلها بالتلفزيون و تلعب ..
ضحك سعيد بهدوء ..
- شوه ياهل أنا ..؟ .. و بعدين امنوه قالك انيه أعرف العب بهالألعاب ..؟ أنا ما أعرف زر التشغيل من غيره ..
- أولا هب بس اليهال لي يلعبون بها .. أما عن اللعب .. أنا بعلمك تلعب ..
هز سعيد رأسه رفضا ..
- تعلمني ليش ..؟
ابتسم منصور ..
- انته ما تقول انك تحب تلعب كورة ..؟
هو حائر الآن ..!!
- هيه بس شوه يخصها الكورة في البلاي ستيشن ..
- انا بخليك تلعب و انته يالس فمكانك .. مع أقوى فرق العالم ..
نقل سعيد نظره بشك ما بين منصور و علبة الجهاز ..
.
.
- حتى مانشستر يونايتد ..؟؟
اتسعت ابتسامة منصور ..
- حتى الإنتـــــــــــــــــر ..!!

 
 

 

عرض البوم صور ارادة الحياة   رد مع اقتباس
قديم 08-05-08, 04:20 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ماسي


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 53753
المشاركات: 10,534
الجنس أنثى
معدل التقييم: ارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 740

االدولة
البلدIraq
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
ارادة الحياة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ارادة الحياة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

تقف بالباب المفتوح على الحديقة .. و راحة جميلة تغمر كيانها و هي تراها جالسة هناك على العشب ..
ناحلة .. شاحبة .. و مريضة .. لكنها هنا.. بعيد عن أحضان ملاءة بيضاء لا تعيد لذاكرتها إلا الكفن ..!!
تلك النسائم تسري بهدوء .. لتلامسها بلطف .. و هدوء .. و كأنما تراعي وهنها و المرض ..
تمسح على وجهها الطيب برقة .. و تهمس بشي خفي لا يسمعه إلا هي .. فترتسم ابتسامتها المسالمة لتوقد دفء شمعة في قلب أحلام .. التي ما زالت على قدميها .. و قلبها ينظر لوجه تلك المرأة .. و يخفق بخفوت ..
و كأنما يحاذر أن يكسر نقاء هذه الصورة ..
ألم خفي تنازع روحها و هي ترى حصة تجلس وحيدة في وسط الحديقة .. و تناهت لقلبها ذكرى قريبة .. حين أقبلت لأول مرة إلى هنا .. و صادفتها هي و تلك البعيدة تجلسان في نفس المكان .. و ضحكات بلا قيود .. حلوة .. حرة .. تسابق النسيم .. لتسري بعيدا عن مكمن أدنى ألم هنا ..!!
.
.
و لكنها وحيدة اليوم .. و رغم ابتسامها لتلك النسائم .. إلا أن حزنا يقطر من تلك العينين الهادئتين ..
وجع يسكن روحها .. تستشفه أحلام من بريق دمعة يتيمة .. أمسكتها تلك بقوة .. تمنعها من الانفلات ..
.
.
كلنا يدفن ألمه ..
كلنا يحب أن تتنازعه أوجاعه خفية عن أعين الغير ..!!
هذا يبث في أرواحنا رثاءً غريبا .. و إدراكا مميزا .. بأننا نتألم لوحدنا .. و مع ذلك .. لا زلنا صابرين ..
.
.
دفعت أحلام قدميها تتوجه نحو حصة .. تطوي المسافة برفق.. تخشى أن تثني رؤوس الأعشاب تحت قدميها ..
لتصل بهدوء لها و تجلس بجانبها على الأرض .. تداعب يدها العشب المبتل .. و ابتسامة لا تخبو على شفتيها ..
تعلمت هنا .. كيف أن الابتسامة لن تكلفك شيئا .. لن تكلفك سوى احساس جميلا تزرعه ببساطة بشاشتك في قلوب الآخرين .. لتهمس بهدوء همسة لم تحملها النسائم قيد خطوات ..
- صباح الخير ..
و ها هو السلام مرة أخرى ينبثق من عيني تلك المرأة ليسكن روح أحلام ..
لحظات .. و تتمنى لو أنها هذا السلام يسود عالمها للأبد ..
- صباح النور ..
- ما شا الله طلعتي اليوم .. شكلج واايد أحسن عن أمس .. شوه تانسين الحين ..؟
تومئ بهدوء..
- الحمد الله ع كل حال .. انتي شحالج ..
و وضعت يدها على يد أحلام .. التي ارتجفت تحت ملمس يدها النحيلة .. هذه العزيزة ..!!
كم هي مريضة..!!
- بخير فدييييتج .. يا الله عااد شدي حيلج .. سهيلة بتيي باكر و الا عقبه .. و تبااج تعابلينها .. الا فلم تشوفينه .. و الا قصة تقرأينها ..
ابتسمت حصة بحب ..
- فديتاا .. لو تبانيه ألعب قيس ما عنديه خلاف .. بس ترد ..
- قيس أونه .. وين ترومين انتي ترفعين وحدة من ريولج .. بترد ان شا الله و بتحشرج ..
ضحكت بهدوء ..
- ما عليه .. حتى حشرتاا تولهت عليها .. خبرينيه يا بنيتي .. شوه أخبارها أم حميد وياج ..
أخفضت أحلام عينيها و هي توصل مداعبة العشب ..
- ما بتصدقينيه لو أقولج ليتها ما رضت عليه ..
اتسعت عينا حصة بدهشة .. في حين تابعت أحلام ..
- أم حميد واايد مستوية هادية هالأيام حتى ما قامت تسب شرات قبل .. من راحت سهيلة و هي على غير عادتاا و الله خالووه .. خاطريه أحدر الحجرة و ألقاها فويهي و تلعن خيري شرا قبل .. ما تعيبنيه حالتاا ..
ابتسمت مجددا ..و هي تستطرد ..
- متولهة على صريخها ..
ربتت حصة على كتفها مطمئنة ..
- أم حميد متولهة على سهيلة و متضايقة لنها راحت .. هاي وياها من أربع سنين .. عسب كذيه تشوفينها هادية و زعلانة شوي .. و أول ما ترد سهيلة .. بتسمعين صريخها قبل لا تحدرين بوابة المستشفى ..
ثم ابتسمت مشجعة ..
- و بتقولين .. أوووه ليت سهيلة يلست يومين بعد ..
ضحكت أحلام و هي تهز رأسها ..
- لا ما بقول .. و الله انه حتى صريخ أم حميد استوى يعيبنيه .. أحسها تنفع تشجع العين بدال العمدة ..
ضربتها حصة بخفة على كتفها ..
- لا تسمعج بس .. بتصارخ قبل لا تيي سهيلة ..
واصلت أحلام ملامسة الأرض بهدوء .. و هي تسحب نفسا عميقا .. باردا ..
شعرت به يتغلغل في خفايا الروح .. فينعشها .. يصلها صوت حصة الهادئ ..
- شفيج يا أحلام ..؟
نظرت أحلام بعدم فهم .. فقالت حصة ..
- شكلج هب عايبنيه .. و ويهج أصفر .. تعبانة ..؟
هزت أحلام رأسها ..
- شوي ..
ما زالت النظرة القلقة تعلو وجه حصة .. فشد أحلام على يدها و هي تطمئنها ..
- لا تخافين خالووه .. قل النوم بس ..
- و شوه لي ما يخليج تنامين ..؟
همست أحلام ...
- التفكير ..

* * * * *



>>
تتمة


كانت الضحكات و تختلط بصيحات الحماس التي انطلقت من حناجرهم .. و منصور يضحك بقوة على منظر سعيد الذي كان يتحرك دون أن يعي مع تحرك جهاز التحكم .. و كأنما يلعب على أرض حقيقية .. يجلس على الأرض و هو يصيح ..
- تشيفشينكوو .. تشيفشينكووو .. لااا .. لااا ..
و خبط بيده على جبينه حين استطاع منصور ادخال هدف ثالث في مرماه ..
- يااا ريااال .. أنا قلتلك ماريد العب بتشيلسي .. لعيبتهم معثرين ..
- ههههههههههههههههههههههههه .. معثرين اونه .. قول انك ما عرفت تلعب و بس ..
- لو ما عرفت ألعب ما هزمتني 2/3 .. بس اللعيبة خريط .. خلنيه أبدلهم .. و أبدل التشكيلة .. و بهزمك ..
ابتسم منصور و هو ينظر لساعته .. مر الوقت سريعا ..!!
- العب و يا الكمبيوتر و زهب عمرك باكر للهزيمة .. هههههه .. أنا بسير الحين ..
وضع سعيد الجهاز جانبا و هب واقفا عن الأرض .. يلح ..
- بدري يا ريال .. خلك شوي بعد ..
ضحك منصور و يقول ..
- بدري من عمرك من ثلاث ساعات نلعب .. الساعة ثنعش الحين .. ابا أوصل البيت قبل الصلاة ..
هز سعيد رأسه متفهما ..
- ع راحتك ..
ثم قال بأمل ..
- بتيي باكر ..؟
مست نبرته شيئا في داخل منصور .. سعيد وحيد لم يعد له رفاق منذ دهر مضى ..
- هيه .. تدرب .. برشلونه محد يهزمه ..
ضحك سعيد ..
- بنشووف ..
و دفع منصور كرسيّه نحو الباب يبغي الخروج .. فتح سعيد له الباب .. و حين تجاوز عتبته .. أوقفه النداء ..
- منصـــــــور ...
التفت نحوه بتساءل ..
- همم ..؟
ابتسم سعيد باخلاص ..
- مشكــــــــور ..
.
.
شعر منصور بالعبرة تخنقه و هو يهز رأسه بصمت ..
الصدق الذي انعكس في عيني سعيد و هو يشكره آلمه ..
.
.
كيف للمرء أن يعيش بلا أصدقاء ..!!

* * * * *

كان يقف أمام الباب يستجمع شجاعته .. يأخذ نفسا عميقا .. ثم يرفع يده ليقرع الباب ..
لحظات قبل أن يأتي صوته الغليظ من خلف الباب ..
- ادخـــــل ..
دفع الباب ليدلف الغرفة فتقع عيناه على أخيه الذي قان واقفا مقابل المرآة يعدل من شأن لباسه .. سأله بهدوء ..
- بتسير مكان ..؟
ألقى نظرة عليه قبل أن يعود فينشغل بصورته المنعكسة أمامه ..
- هيه .. تبا شي ..؟
- حمدان أبا أرمسك فسالفة ..
- سالفة شوه ..
تنهد راشد قبل أن يقول ..
- يمكن أول شي تيلس ..
توقف حمدان عن النظر في المرآة و التفت نحو راشد ليقول بصرامة ..
- ارمس شعندك ..
تردد الأخير .. يخشى حقا من ردة فعله اذا تدخل .. و لكنه يكره أن يقف مكتوف اليدين و تلك العزيزة تتأذى رغم سكوتها .. لذلك قال و هو يفرك يديه بعصبيه ..
- أبا رمسك عن أحلام ..
و على الفور ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه ..
- خير .. بلاها أختك ..
عقد راشد جبينه ..
- و أختك .. ابا أعرف الين متى بتم مقاطعنها ..؟!!
عاد راشد ينظر للمرآة بلا مبالاة ..
- شوه مطرشتنك هي ..
- لا .. أصلا ما تعرف انيه برمسك في السالفة .. حمدان .. بلاك عليها .. ؟
يقطر الصقيع من صوته و هي يجيب ..
- لا تتدخل ..
أصر راشد ..
- بتدخل .. انته خوية .. و هي ختيه .. شفيك عليها .. عسب سالفة الشغل .. ريلها لي مخليها تشتغل .. ليش ما قاطعت منصور هاا ..؟
زمجر من بين أسنانه ..
- ما يخصنيه في منصور أنا ختيه ماباها تشتغل .. يوم تركب راسهاا عناد عليه و ما تطيع الشور .. لا أنا خوها و لا خشميه بيدق خشمها ..
- كل هذا لنها اشتغلت .. أحلام لها ثلاث سنين و ظروفها صعبة .. كلنا نعرف كيف منصور غدا نكد عقب الحادث .. ليش ما تباها تغير شوي .. و تظهر شوي برا الحبس لي هي فيه ..
ارتفع صوت حمدان بغضب .. و الشرار يتطاير من عينيه ..
- ريلها تتحمله ..هب ترتغد في كل مكان .. أنا ما عنديه خوات يشتغل .. و وصللها هالرمسة .. ما دامت تشتغل .. النفس هب طيبة عليها ..
و التقط مفتاح سيارته ليخرج و يصفق الباب خلفه بقوة ..
تاركا راشد يقف مكانه .. و قد أسقط يده ..!!

* * * * *

شعرت بأطرافها ترتعش قليلا و هي تشعر بالوهن .. حسناً .. ها هو نقص الجلوكوز قد بدأ يلعب لعبته .. فهي لم تتناول شيئا منذ الأمس ..
التقطت حقيبتها و مفتاح سيارتها و أغلقت مكتبها متوجهة للخارج ..
الفترة الصباحية قضتها برفقة حصة و بو ثاني .. و حين أرادت رؤية أم حميد وجدتها راقدة في فراشها بهدوء ..
تعلم أنها ستلقى عتبا منها على تقصيرها .. مرت من أمام أمينة التي جلست خلف نافذة الاستقبال بملل لترفع يدها مودعة ..
تدفع الباب الخارجي للباب .. لتعانقها أشعة الشمس بدفء .. أذاب برودة التكييف التي أثلجت جسدها منذ دقائق ..
حكيم يجلس عند الباب .. هذا الوجه الكالح النحيل .. الذي تنضح ابتسامته بانسانية صادقة لم يسبق لأحلام أن رأتها قط ..!!
و تستقل سيارتها لتنطلق متوجهه للبيت .. تشعر بالتعب و الوهن يغزوها الآن ..
كم تود لو أن لهذه السيارة محرك ذاتيا كي تستلقي هي قليلا لتغفو حتى تصل للبيت ..!!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان المساء قد أزف بسرعة.. و المحبرة العملاقة قد انكسرت على حدود الفضاء .. لتغرق الدنيا حبرا أسودا .. فلا تتبين حروف الضوء على صفحة السماء ..!!
.
.
- أحلام وين ..؟
هزت تلك رأسها ..
- مدام أحلام قول مايريد عشا ..
عقد جبينه .. لا .. انها ليست على ما يرام متأكد من ذلك .. لم تشاركه الغداء .. و الآن لا تريد العشاء .. ما الأمر ..؟!! هل تتجنبه ..؟
أشار برأسه للخادمة آذنا لها بالذهاب .. ثم حرك كرسيه متوجها نحو غرفة النوم .. حين وصل قبل ساعة من الصالة الرياضية .. كانت تستلقي على السرير .. لم يكلمها .. و لم تحدثه هي ..
دفع باب غرفة النوم بهدوء .. ليدلف بكرسيه .. فتقع عينيه عليها و هي تستلقي على الفراش ..
كانت مغمضة العينين ..
.
.
.
.
.
.
.
و لكنها لم تكن نائمة .. شعرت بدخوله .. و لم تقوى على فتح جفنيها .. الإرهاق يغزو جسدها بقوة .. لا تدري ما الذي دهاها .. حتى أنه لم تجد في نفسها الرغبة بتناول الطعام .. رغم جوعها المنهك ..
كل ما تريده هو الاستلقاء .. أن تسدل جفنيها المثقلين و تغرق في الظلام المريح .. إلى مالانهاية ..
تسلل لأذنها صوت صرير إطارات كرسيّه على الأرضية الرخامية .. و شعرت به يقترب و لم تفتح عينيها .. و لدقائق ساد الصمت الغرفة .. هل رحل ..؟!!
سرعان ما انتفض قلبها بلهفة .. حين شعرت بأنامله تلامس وجنتها الشاحبة برقة .. و لفحها دفء أنفاسه و هو يهمس برفق ..
- أحــــــــــلام .. انتي راقدة ..؟
قاومت رغبة حمقاء تدفعها للتظاهر بالنوم .. لا تريد لهذا الحنان أن يخبو حالما تفتح عيناها .. و لكنها تنهدت و هي لا تزال مغمضة العينين .. لتقول بخفوت ..
- لا ..
يداعب خصلات شعرها المتناثرة على المخدة حالكة السواد .. شيء آخر ورثته من أمها غير مسمى بنت الهندية ..!!
- انزين طالعيني ..
تفتح عينيها بتعب .. لتصطدم بوجهه .. كان قريبا للغاية .. و نظرة القلق في عينيه .. أربكتها ..
- شفيج أحلام ..؟ شي يعورج ..؟
اندفعت دموعها الغبية لزاوية العين فتنشقت الهواء بسرعة تمنع تدفقها .. تشعر بنفسها ضعيفة .. ضعيفة جدا .. و لاتقوى على مقاومة نبرته الحانية ..
هذه من اللحظات التي يصبح فيها هذا الرجل لها .. الوريد .. أو أدنى ..!!
خشيت أن تجيبه فيتضح الألم الغريب الذي يجتاحها .. فعضت على شفتيها و هي تهز رأسها بـلا ..
و لكن صوته الرقيق لازال يحرك إحساسها الذاوي ..
- شي مزعلنج ..؟!
هزت رأسها نهيا مرة أخرى .. و قربه ينبش أحاسيسها الدفينة .. يستفز دموعا تقف على أعتاب الجفن بلا مأوى .. تنشد الرحيل لتسقي خدها الظامئ ..
لتلامس أنامله المستريحة على وجهها ..!!
- ليش ما تبين تاكلين ..؟
شعرت بأنها طفلة .. و هو ينظر لها بعتاب .. لترد بصوتها المبحوح ..
- ما أشتهي ..
ركز عينيه في وجهها للحظة .. و ضربات قلبها تتعالى .. قبل أن يقول بحزم ..
- خلاص يا الله نشي تزهبي ..
عقدت جبينها ..
- ليش ..؟
- بوديج العيادة ..
- ليش تودينيه ..
قال بصراحة ..
- لنج تعبانة .. و ميهودة .. و ويهج أصفر .. و أعرف انج مريظة حتى لو ما قلتي ..
قالت بوهن ..
- خيبة كل هذا لنيه ما تعشيت .. خلاص ياخي .. بنش الحين أتعشى ..
قال بقوة ..
-أحــــــــــــــــلام ..
و لكنها ابتسمت مطمئنة ..
- منصور ماشي و الله بس تعبانة لنيه ما قيلت .. بتعشى و برقد و باكر بيخوز التعب ..
و لكن ابتسامتها المرتجفة تؤكد مدى إرهاقها ..
رفعت غطاء السرير عنها .. لتنزل بحركة بطيئة .. و هي تشعر برأسها يكاد ينفجر ..
سيعميها هذا الصداع ..!!
تشعر بقدميها الواهنتين ضعيفتين .. و باب الحمام الذي لا يبعد خطوات يفصل بينها و بينه أميال ..
منصور يقول شيئا لم يعد ذهنها يتبينه .. و الصورة أمام عينها تهتز بشكل ما ..
و يكسو البصر ضباب لا تكاد تخترقه ..
و للحظات لم يعد لها وزن ..
أصبحت أخف من الهواء الذي تخترقه و هي تهوي في قعر الظلام ..!!

* * * * *

يقف الاثنان و الثالث على كرسي خشبي أًحضر له .. يسند بجانبه عكازيه .. و ينتظرون أمام غرفة الفحص .. و يتأملهما هو بحذر ..
الصمت يخيم على المكان .. و لا صوت يخترقه سوى صوت خطوات أخيه الذي تقطع الممر ذهابا و ايابا ..
لو كان في موقف غير هذا .. لسخر منه في وجهه على الكلمات التي ألقاها ظهر هذا اليوم ..
ليست لديه أخت تعمل ها ..؟!! اذا لماذا كل هذا القلق عليها .. و هذا الخوف و الحرص .. انه يقاطعها منذ ما يقارب الشهرين .. و لكنه نسي كل شيء في اللحظة التي اتصل فيهما منصور ..
و استعاد في داخله تلك اللحظة العصيبة التي وصلا فيها بيت أختهما ليجداها ملقاة على الأرض و زوجها يجثو بجانبا محاولا إيقاظها ..
للحظة فظيعة هناك ظن أنه رأى شبح الموت على وجهها الشاحب .. و هي تستلقي بلا حراك .. و منصور يصرخ بها محولا إعادتها لعالمهم ..
التفت لزوج أخته الذي لم ينبس ببنت شفة منذ وصولهم ..كان يحني رأسه متأملا الأرض .. شيء ما في وجهه حرك فرحة في غير وقتها داخله .. و هو يرى خوفه على أحلام .. الذعر في صوته حين اتصل بهم .. و هذا القلق البالغ .. جعل راشد يدرك في قرارة نفسه .. أن أخته تعني الكثير لهذا الرجل ..
دائما كان يشفق على أحلام .. لم يعترض مثل حمدان على موضوع عملها .. لأنه يعلم في أي قوقعة تعيش مع منصور منذ ثلاث سنوات ..
يحزنه ذاك الشعور بأن أحلام مُتَجاهله من قبلهم .. و مُهملة ..
.
.
يؤلمه إحساس خفي يؤكد بأن أحلام منسية ..!!
كان يرثي حالها حين يدرك أن خلف ابتسامتها التي تقابلهم بها .. حزن دفين يجعله متأكدا أن سببه هو الجفاء الذي اعتكفه منصور نحو الجميع منذ الحادث .. و لطالما تمنى أن تنصلح الأمور .. أن يعود منصور بمعجزة لسابق عهده ..
فيلمس الفرحة و الأمان مجددا في عينيها .. لا ينكر أنه قد مرت عليه لحظات شعر بأنه ليس من العدل أن تبقى مع هذا الرجل الذي لم يرى بادرة واحدة منه قد تدل على أنه يكن لها شيء يجعلها تتمسك به رغم بروده اتجاهها ..
و لكن الآن .. يشعر براحة حقيقية و هو يرى الألم يرتسم على محيا منصور بقوة .. هذا يعني أن أحلام تسكن في داخل هذا الرجل .. و أنه يكره أن يفقدها ..
لقد رفض بقوة عرضهم أن يحضروا كرسيا متحركا له .. رغم أنه سيسهل عليه التحرك به أكثر من هذه العكازين و القدم المريضة التي تعيقه ..!!
الآن و هم ينتظرون أن يخرج أحدهم من غرفة الفحص .. ليطمئنهم عليها .. كلٌ منهم لم يستطع إخفاء حقيقة ما يجول في خاطره ..
.
.
سحب نفسا عميقا .. و هو يرجو شيئا واحدا .. أن تكون تلك الحبيبة بخير ..
فهناك الكثيرون الذي يهمهم أمرها ..
انتفض بغتة حين فتح باب حجرة الفحص .. رأى حمدان يحث الخطى نحو الطبيبة التي خرجت للتو من غرفة الفحص ..
و منصور يحاول بقوة التوازن على عكازيه و قدمه الضعيفة و هو يقترب جاهدا منهم .. تقدم هو الآخر منهم .. و حين وصل كان حمدان يسأل بلهفة ..
- ها دكتوورة بشري ..؟؟
نظرت له الطبيبة متسائلة ..
- انتا جوزا لمدام أحلام ..؟!!
أشار حمدان بقلة صبر لمنصور ..
- أنا خوها .. و هذا ريلها ..
ابتسمت تطمئنهم ..
- أي ما في داعي للخوف .. ما بها شي المدام بس عم تدلع عليكوو ..
رأى راشد رغبة حمدان في لكم الطبيبة جلية على وجهه الغاضب .. فسألها بسرعة ..
- شوه تدلع الله يهديج .. الحرمة طايحة من طولها .. اكيد شي فيها ..
اتسعت ابتسامتها مرة أخرى .. الآن هو من يرغب في ضربها ..!!
- أي لأاا .. ما بهاا شي .. بس شوي إلة تغزية .. أسرت علياا .. بس شي طبيعي عند كل الحوامل .. كتير منون بيحصلون هيك في فترة الوحام ..
.
.
للحظات لم يعد هناك صوت سوى صدى أنفاسهم المرتفعة .. ارتجفت يد منصور الممسكة بالعكازة .. و كاد يتهاوى ..
بدا التعبير الذي على وجهه غير مفهوم أبدا .. و تعالت أنفاسه و هو يهمس بتقطع ..
- حــــــــوامل ..
ثم رفع عينه للطبيبة يسألها بشيء من التوسل ..
- أحلام حامل ....؟!!
هزت رأسها بحبور ..
- آآي حامل .. و بالشهر التاني كمان ..
تراجع منصور ببطء ليسند جسده على الجدار .. و يده ترتعش .. رفع راشد بصره نحوها حين وجد صوته ..
- و الحين شوه الحال عليها ..؟
- ما فيه إشي .. بدنا نعطيّا مغزي لساعا .. و نئطب الجرح لي براسا بعد الطيحا .. و بعدا تئدر تروح البيت .. بس ياليت تكون تحت رعاية أكتر من هيك .. المدام حامل هلأ .. و بدا عناية خاصة .. لنوو الحامل تغزيتاا بتختلف و محتاجة مداراة أكتر ..
ثم نقلت بصرهم ما بينهم معاتبة ..
- ديروو بالكوون علياا .. هي كتير نحفانة و نائصة مواد غزائية .. بليز يا إخوان .. ما بدي أشوفا هوون مرة تانية بسبب نئص تغزية ..
ابتسم راشد مطمئنا ..
- ما عليه دكتوورة .. ازهليها .. و يعطيج العافية ما قصرتي ..
ردت ابتسامته ..
- الله يعافيك ..
و استدارت خارجة قبل أن يوقفها صوت منصور الأجش ..
- دكتــــــــــورة ..
التفتت نحوه ليسألها ..
- أبا أشوفها ....
لم يسمع راشد ما الذي أجابت به الطبيبة .. لأن ذهنه تركز على حمدان الذي توجه نحو الباب الخارجي لمبنى الطوارئ ..
اندفع خلفه بسرعة ..
- حمـــــــــــــــدان ...
توقف حمدان لينظر إليه ببرود ..
- نعم ..
- وين ساير ..؟
- برد البيت ..
- و أحلام ..؟
لم يهتز طرف جفنه و هو يقول ..
- بلاها ..
- ما تبا تطمن عليها ..
هز كتفيه بلامبالاة يعرف راشد جيدا أنها كاذبة ..
- خلاص .. اطمنا عليها .. و انته خلك هنيه ..
و مد يده بمفتاح سيارته ..
- يوم يخلصون و يظهرونها وصلهم البيت ..
- و انت ..؟
- بتصل بواحد من الربع يمرنيه ..
ألح راشد ..
- حمدان دخـ ..
و لكن حمدان رفع يده بصرامة مقاطعا ..
- بس خلاص .. لي صار ما بيغير شي من الوضع .. أنا ما نسيت شي ..
ثم أدار ظهره لراشد .. و ترك المكان بسرعة ..
.
.
حقا أخي ..
إلى متى ستظل ترتدي قناع القسوة الكاذب هذا ..؟!!

* * * * *

عينيها التين أرختا أسدالها بوهن .. و وجهها المتعب .. و إبرة اخترقت ظاهر يدها اليسرى لتمدها بالعلاج و هي بلا وعي .. فيما جلس هو على كرسي بجانبها ..و يمر بناظره عليها ..
ملقاة بلا حيله على الملاءة البيضاء .. فيمد يده ليمسك بيده اليمنى .. يحني رأسه ببطء و يلثمها برقة .. ثم يريح جبينه عليها ..
.
.
لا شيء يبرد حرة هذا الوجع الذي يعتصر قلبه ..رغم برودة يدها الذي يستشعرها على جبينه .. إلا أن قلبه ما زال يعيش رعب تلك اللحظات .. منظرها و هي تتهاوى على الأرض مزق فؤاده ..
أغمض عينيه بقوة يطرد ذكرى تلك الصورة العصيبة .. و ضرب قدمه بالأرض حتى شعر بأنها تكاد تقتله ألما ..
لم يشعر قط منذ قيد مصيره بكرسي متحرك بالعجز كما شعر و هو يجثو عليها محاولا إعادة وعيها .. عاجزا عن حملها بين ذراعيه ليهرع بها نحو أقرب طبيب ..
كان عاجزا .. عاجزا ..
لم يقدر على تحريكها و تحريك نفسه .. و هو يرى ألوان الحياة تخبو عن وجهها الأثير ..
لم يقوى إلا على الاتصال بإخوتها .. دقائق الانتظار تلك التي فصلت مجيئهم .. كانت كابوسا حقيقيا ..
ضغط على يدها بشدة .. و فكرة فقدانها لا تزال تدور في مخيلته .. هل سيقوى ذات يوم على رحيل الأحلام من حياته ..!!
حياته التي لا يكاد ترويه بوجودها .. ماذا لو شدت الرحيل ..؟!! ستتركه وحيدا .. و قد انقلب العالم بعدها لصحراء قاحلة ..
فكرة فقدانها مزقت فؤاده ببطء .. لتنثره أشلاء لم يستطع لملمتها .. الآن ..؟!! الآن أصبح يشعر بقيمتها و هو يستمتع بممارسة شتى أنواع و ألوان التعذيب عليها ..؟
حين شعر بأن لحظة ما قد تدنو ليجد نفسه بلا وجود أو أثر منها في حياته .. بعثر إحساسه هذا الشعور ..
رفع بصره مجددا ينظر إليها ..
.
.
عليه أن يجدها .. أن يبحث عنها .. أن يعود إليها ليعيدها له ..
ليس عليه أن يدفعها مجددا للهروب من حياته ..
تشبث بكفها النحيل بقوة .. و رفع رأسه يناظر وجهها الباهت .. ما زالت غافلة عن كل ما حولها ..
غارقة خلف غياهب ظلمة عالم بلا أحـــــــــلام .. مهلا .. هي تسكنه الآن ..!!
شيء واحد أوقد شمعة أدفأت قلبه و هو يضع راحة يده الأخرى على بطنها ..
لم تعد أحلام لوحدها الآن .. هناك حلم آخر لطالما أرادا نيله ..
يسكن بين حناياها .. ينمو ببطء ليبث الحياة فيهما من جديد ..

* * * * *


●○▐بقايـــــــــــــــــــــــا الرؤيــــــــــــــــــــــا الخامســـــــــــــــــــــة▌○●




شمس كعادتها كل صباح .. تأتي بهون .. لتملأ الدنيا نورا يبث الأمل في كل قلب أظلمه اليأس ..
و هو يوم آخر ..!!
.
.
و تقف هي في زاوية وحيدة بعيدة .. تدير ظهرها لكل من حولها في تلك القاعة العملاقة .. و عينيها الشاردتين لا تميزان ألوان اللوحة أمامها ..
تهرب من الحضور .. طوال الوقت و هي واقفة هكذا و تدير ظهرها للعالم .. تبتهل من قلبها أن يمضي الوقت بسرعة لتتمكن من الهروب لملجئها الآمن .. حيث لا خوف .. و لن تصلها أذية ..
أجفلت بقوة و كأنما أطلق أحدهم رصاصة على ظهرها حين تناهى لأذنها صوت ناعم يتسائل ..
- موزة ....؟!!
أغمضت عينيها بقوة .. و ضربات قلبها تتسارع بشدة .. لا تلتفتي موزة .. قد تكون مخطئة ..!!
و لكن الصوت الناعم بدا أكثر وضوحا و هو يكرر ..
- انتي موزة صح ..؟!!
لا لست هي ارحلي .. !!
ولكن تلك لم تستجب لتوسلها الصامت .. أجفلت موزة حين شعرت بيد تلك المجهولة توضع على كتفها ..
التفتت موزة ببطء نحو تلك المصرة على التقائها .. و هي تنظم أحرفها المشتتة لتلقي بها في وجه أي سؤال قد يستفز صمتها ..
و لكن ما إن وقعت عيناها على وجه صاحبت الصوت الناعم حتى اتسعت عينيها بصدمة ..
هذه آخر من تتوقع رؤيته هنا .. و في هذه اللحظة ..!!
اندفعت تلك تلفها بين ذراعيها بلهفة دون أن تبالي بالجموع التي تملأ المكان ..!!
- موووزووووه يا سباااااااالة .. تولهت عليييييييييج ..
تحشرجت الكلمات في حلق موزة و هي تحبس أنفاسها .. و قبضة تلك تضمها بقوة .. إذا هذا ليس حلما ..!!
همست بعدم تصديق ..
- غزيل ...؟؟!!!!!
ابتعدت غزيل عنها و الابتسامة لا تخفي نظرة العتب ..
- لا خيالها .. زين و الله بعدج تحيديني ..
ما زالت موزة مشدوهة رغم الإحراج من حركة غزيل العفوية ..
- متى رديتي البلاد ..؟
- آآممم .. من خمس شهور ..
اتسعت عينا موزة ..
- خمس شهور ..
وضعت غزيل يدها على صدرها و هي تنظر اليها شزرا ..
- شوي لا تاكلينيه بعيونج ..
ثم ضربت موزة بخفة على كتفها ..
- شوه بنطول واقفين ع الباب .. قربينا و ضيفينا ..
عقدت موزة جبينها ..
- أي باب ..
ضحكت غزيل من قلبها .. حتى المزاح لا تستشفه هذه الفتاة ..
- أمزح .. مشي خلينا نسير الكوفي بقهويج ..
الرفض كان فوريا ..
- لا ..
- ليش ..؟
لكن موزة لم تتحرك قيد أنملة ..
- آآآ .. أنا ماريد أبعد تعرفين لطوف .. بـتم تدور علـ ...
نظرت لها غزيل بصرامة و لم تكن تتوقع ردا أفضل ..!!
- جب زييين .. تعالي ..

* * * * *

أصاخت السمع في سماعة الهاتف و هي تحاول جاهدة اخفاض ضربات قلبها .. و تتظاهر بأنها لم تنتبه لنظراته المتأملة ..
تبتلع ريقها و كلمات زكية المتدفقة لا تلهيها ..
- معليش يا مدام ما فيش أي مشاكل .. حتوحشينا النهاردة .. بس صحتك أهم ..
ثم ارتجت السماعة لضحكتها الحلوة ..
- هههههههههههه .. دي الست حصة طايرة من الفرحة .. أنا لسا ما ئولتش لأم حميد .. دي ما بتديش حد فرصة يتكلم معاها النهاردة .. انتي عارفة سوهيلة راجعة المركز ..
ابتسمت أحلام بارتباك .. لما لا يوجه نظره لمكان آخر ..
- سلميلي عليهاا .. انا بشوفاا باكر ان شا الله ..
- يوصل يا ستي .. ما تغلبيش نفسك خالص .. لو عاوزة الاسبوع دا كوله أجازة ما فيش مشاكل .. أهم حاقة ترجعي لينا زي البومب ..
ابتسمت بخفة ..
- ان شا الله .. يا الله زكية .. ما بطول عليج .. فدااعة الله ..
- مع السلامة ..
.
.
أخفضت الهاتف .. لحضنها .. تعتصره بتوتر .. و هي تقاوم رغبة شديدة بأن تختفي تحت غطاء السرير ..
لا تدري لما تشعر بحرج بالغ .. سعيدة .. و تكاد الفرحة داخلها تحملها لتلامس باناملها عنان السحاب .. احساس غريب يراودها .. لم يعرفه قلبها قط في أيام عمرها الماضية ..!!
أشهر فقط تفصلها عن الأمومة .. مهلا .. أي أشهر .. الحنان و الحب لحلمها يسكن فؤادها منذ هذه اللحظات .. و مشاعر حلوة تعيشها كلما فكرت بأنها تحمل بين في أحشائها ذاك الحلم القديم .. الذي لطالما ظنت أنه بعيد المنال .. و لكن الله كان أكرم من يأسها .. فمنحها هذه الهبة ..
رابط أبدي بينها و بينه .. الشيء الوحيد الذي حققاه سوية .. طفل قد يقلب موازين الأمور هنا ..
إلهي أتمم علينا هذه الفرحة ..

 
 

 

عرض البوم صور ارادة الحياة   رد مع اقتباس
قديم 08-05-08, 04:21 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ماسي


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 53753
المشاركات: 10,534
الجنس أنثى
معدل التقييم: ارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 740

االدولة
البلدIraq
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
ارادة الحياة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ارادة الحياة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

- أحلام ..
صوته الدافئ يداعب أحاسيسها المرهفة .. لا تدري لما أصبحت الدنيا ملونة في عينها تلك اللحظة ..
هي تنتظر طفلا .. و منصور سعيد بذلك ..
و لكن ذلك الإحساس الخبيث يسخر منها بقوة .. حمقاء أنتِ ..!!
نفضته عنها بسرعة .. لن تسمح لأي شيء أن يفسد لحظاتها المميزة هذه ..
- همممم ..
- ما تبين تتريقين ..؟!
هزت رأسها بعدم رغبتها في الطعام .. يعتني بها ..!!
أبعد هو غطاء الفراش و نقل جسده للكرسي المتحرك بشيء من الجهد ..
استوى جالسا و هو ينظر لها بإمعان ..
- لازم تاكلين .. ع الأقل شي خفيف ..
ثم أدار كرسيه متوجها للحمام .. و نظرت هي في أثره .. حريص جدا عليها الآن ..
مطت شفتيها و هي تتنهد .. شعرت بسعادتها الآن تتسرب ببطء .. و ابتسمت بسخرية .. حريص جدا .. في السابق لا يكاد يشعر بوجودها ..
رفعت الغطاء بضيق وتوجهت نحو غرفة تبديل الملابس .. عجبا كيف تبخرت فرحتها بهذه السرعة ..!!
حين خرجت لغرفة النوم .. كانت خالية ..إذا فقد سبقها لتناول الإفطار .. توجهت للشرفة الخلفية .. لتجده في مكانه المعتاد يقابل جهازه .. و بمجرد أن دلفت الشرفة رفع عينيه ينظر إليها .. ليكتسيها ذاك الخجل من جديد ..!!
.
.
كان يتأملها و هي تقف في مكانها بارتباك .. قبل أن تتقدم لتجلس على الكرسي الأقرب .. بدت هادئة جدا و هي تنظر للطبق الفارغ أمامها .. لماذا تتجنب النظر إليه ؟..
- تبينهم ييبون لج خبز رقاق و إلا شي ناشف ..
هزت رأسها و هي تجيبه بخفوت ..
- لا .. بشرب عصير برتقال الحين ..
و سكبت بعضا من العصير في كأسها لتلتهي به .. لحظات و يسود الصمت بينهما .. و رغم مواصلته الكتابة التي بدا أنها تأخذ مسارا مختلفا غير ما يريد ذهنه المشغول .. إلا أنه شعر ببعض الضيق من هذا السكون ..
للحظات فكر بأن يفاتحها بما يريد .. هذا هو الوقت الأمثل .. لكن عليه أن يسبق ذلك بأي شيء قد يريحها من توترها الذي بدا وضحا و هي تشد بأناملها على الكأس حتى ابيضت .. نظر إليها ليجدها تتأمل الكأس الذي لم تمسه ساهمة.. ما الذي تفكر به و يجعلها تركز هكذا ..!! .. اخترق عالمها البعيد بصوته الهادئ ..
- عمتيه مريم اتصلت أمس و انتي راقدة ..
نظرت إليه بغتة و كأنما انتشلها مما هي غارقة فيه .. تابع يقول ..
- بغت تييج اليوم الصبح بس أنا قلتلها لا تتعبل .. نحن بنييها الليلة ..
هزت رأسها موافقة ..
- زين سويت ..
- و أمايا اتصلت بعد ..
لمعت السخرية في عينيها و هي تقول ..
- و بغت تيي هي بعد ..؟!
لم تعجبه نبرتها هذه فنهرها بصرامة ..
- كانت تتخبر عنج .. و طمنتها ..
هزت رأسها بهدوء و احمرار خفيف يغزو خديها ..
- ما قصرت ..
سحب نفسا مهدئا ..
- مرتاحة لنج خذتي اليوم اجازة ..؟!
بدا جليا على وجهها أنها ترى سؤاله غريبا ..!! رغم ذلك أجابته و هي تومئ برأسها ..
- هيه .. ما فيّه شدة اليوم أظرب خط ..
سحب نفسا عميقا ..
- حلوو .. انزين ابا منج شي ..
علم أنها متوجسة .. نظرة الحذر تلك في عينيها أنبأته بذلك و هي تجيبه ..
- شوه ..؟!
ركز نظره عليها لا يريد أن يفلت أي انفعال قد يغشى عينيها هاتين و هو يقول بحزم ..
- اباج تودرين الشغل ..

* * * * *

استرخت في جلستها و ترتسم على وجهها الابتسامة فيما انشغلت الأخرى في محاولة مستميتة لخلق زاوية لا يمكن لأحدهم رؤيتها منها .. قالت غزيل بأريحية ..
- خيبة تقريبا سنة من آخر مرة شفتج .. متى .. متى ..؟!! هيه .. في عرس العنود بنت عمج .. الله يغربلج .. انا قلت هاي ماتت .. امررة معاد ذكرتينا .. و لا اتصلتيبنا .. عنبوووه ربيعتج من الروضة أنا ما قد فارقت شيفتج الا يوم عرست ..
اجابتها موزة بخفوت ..
- يختي انتي سافرتي عب عرس العنود باسبوعين .. وين أشوفج .. حتى رقمج ماعرفه ..!!
- لا اتعذرين .. رقميه ويا العنود و الا كان اتصلتي بخواتيه و عطنج اياه .. بس انتي التهيتي و عرستي ..
أجفلت موزة كم أطلق عليها رصاصة .. فهمست بألم و هي تخفض بصرها ..
- خلاص.. انا هب معرسة .. أنا .. آآآ .. تطلقت ..
ابتسمت غزيل بتعاطف ..
- ادري ..افتكيتي يختي من الشر .. أنا أحيد علي خوية كان مستغرب من حمدان كيف قرب بـهالعبدالله .. مع ان الشبيبة كلهم يدرون بسواد ويهه .. و انه ماخذ المغربية ..
لما تنكئين جروحي صديقتي ..؟!!
- يقول انه ما كان يعرف ..
لوحت غزيل باستهجان ..
- و اذا ما يعرف .. ما بيتنشد .. و الا خلاص ولد مطر خطب عندكم بيوافق .. بعدين أنا متأكدة ان هله يدرون .. معقولة ولدهم من شهور مايدروبه وين يبات ليلته ..
هزت موزة رأسها رفضا ..
- أنا ما كنت واايد وياهم .. يعني .. آآ .. ظنتيه ما كانو يبونه ياخذنيه ..
- يعلهم فدوه عن راسج .. ما يستاهلون طرف ظفرج .. وحدة من بناتهم في الجامعة هنيه صح ..؟!
أخفت وجهها أكثر و كأنما تذكرت من قد يصادفها هنا ..
- هيه .. سلامة ..
- حلوو .. نشي ندورها و نصفعها ..
كانت تتكلم بحماسها العفوي الذي لطالما عرفته موزة .. فهمست بسرعة ..
- قصري حسج يا الخبلة ..
ابتسمت غزيل بحنان ..
- شوي زين لا تنخشين تحت الطاولة ..
بدا اليأس في صوتها ..
- غزول ماريد حد يعرفنيه ..
- و ليش ان شا الله .. ذابحة حد و شاردة ..
- سخيفة .. بس كيفي .. أنا من كورسين مودرة الجامعة .. يعني بعدنيه أعرف كل البنات لي هنيه .. ما فيّه ألقا حد منهن و تناشبنيه .. دخيلج ..
- في شوه ..؟!
أغمضت عينيها لبرهة ..
- بس مابا حد يعرف انيه تطلقت ..
- ليش ان شا الله .. مرتكبة الفاحشة ..
فتحت موزة عيناها بصدمة و همست مستنكرة ..
- غزيــــل ..
زمجرت غزيل في ضيق ..
- جب زييييين غزيل أونه .. ما تعيبينيه انتي .. غادية غير عن موزان لي أعرفها ..
انكمشت موزة ..
- ظروفيه ..
نفخت الأخرى بصبر ..
- شوه من ظروف بتخليج تعيشين رمسة الناس بدال حياتج .. ها ..
توسلت موزة ..
- غزيل .. انتي ما تعرفين شي .. دخيلج غيري الموضوع الحين .. لا المكان و لا الوقت مناسب عسب نرمس ..
تنهدت غزيل ..
- ع راحتج فديتج .. شوه تبين ترمسين عنه ..
- شوه تسوين هنيه ..؟
ارتبكت غزيل ..
- آآ أشتغل ..
- بشهادة ثنوية ..؟!
- لا .. تطوع بس في المكتبة .. تعرفين عقب ما خلص ناصر دراسة و ردينا البلاد حسيت بالملل ..
نظرت لها موزة بحسد ..
- يا حظج ..
- ليش انتي شوه قاصر عليج .. كملي دراسة و اشتغلي ..
ابتسمت موزة ساخرة ..
- هه .. أونه اشتغلي .. تبين حمدان يذبحنيه ..
- ليش ..؟ العنود قالت إن أحلام تشتغل ..
- أحلام في ذمة ريلها .. و أنا فذمة حمدان كان ما بيرحمنيه ..
- ع طاري أحلام .. ما حملت ..؟!!
ابتسمت موزة بفرحة ..
- بلى حملت ..

* * * * *

اتسعت عيناها بذهول بعدما ألقى بكلماته تلك .. فتحت فمها تريد قول شيء ما .. ثم أغلقته .. يبدو أنها لم تجد الكلمات .. قفزت من مكانها .. و هي تنظر حولها .. كالتائهة تبحث عن شيء أضاعته .. لم تصدق الكلمات التي تفوه بها للتو ..!!
- منصور .. شوه يالس تقول ..؟
لم يتراجع .. أعاد بهدوء ..
- أباج تودرين الشغل ..
يعيد هذه الكلمات التي تخترق سمعها .. ارتجفت شفتاها ..
- انزين ليش ..؟
عقد جبينه .. و منظرها يضعفه ..
- لنج الحين حامل .. و لازم تراعين عمرج ..
- و اذا حامل .. أنا هب مريظة و الا بموت ..
- محد قال انج مريظة و الا بتموتين .. بس أنا خلاص ماباج تشتغلين .. ريحي عمرج و يلسي في البيت .. الحين الوضع تغير ..
كانت على وشك البكاء .. يرى دمعتها ترتعش على شفير المقلة .. صمتت للحظات طويلة قبل أن تقول بانكسار ..
- لا تخاااف .. ماشي بيستوي بالياهل .. أدري ان همك كله لي فبطنيه و الا أنا نفاديه ..
تدلى فكه في صدمة و سحبت هي نفسا عميقا و شفتاها ترتجفان و كأنما تمسك زمام نفسها عن البكاء .. قبل أن يقول بحدة ..
- شوه تقولين انتي ..
هوت دمعتها تبلل خدها و صوتها المتهدج يسري مع الشرفة المفتوحه .. ليلامس الهواء ..
- لي سمعته .. انته هب خايف الا ع الياهل عسب كذيه تبانيه أودر الشغل .. من زمان و انته ما تعطينيه ويه و تتجاهلنيه .. الحين بس تراعينيه يوم حملت يعني .. أنا ما بـ ......
و قطعت كلماتها لتعض على شفتيها بقوة و تضع كفيها على وجهها .. و هي تتنشق الهواء .. قبل أن تبعد يدها عن عينيها و أهدابها المبتلة .. تقترب منه .. لتجثو على ركبتيها عند كرسيّه و هي تتوسل ..
- منصور دخيلك .. الا الشغل .. دخيلك .. مابقى الا خمس شهور .. ما بربي الا و أنا مخلصة ..
ثم همست بصوت متقطع ..
- انته .. وعدتني ..
.
.
لكن منصور في تلك اللحظات كان مذهولا .. سمع مسبقا عن حساسية الحوامل .. لكن ما هذا ..!!!
نظر الى وجهها المنخفض و هي تبتلع عبرتها و تتطلع اليه برجاء .. نخر قلبه الأسى .. حقا يستحق كلماتها الشائكة هذه ألديها أي دليل على أنه يهتم بها .. لم يحسن معاملتها الا بالأمس .. يتجاهلها منذ دهر ..
كيف له أن يوصل لها حقيقة ما يشعر به .. رفع يده ليريح راحته على رأسها ..
- أحــلام ..
قاطعته و هي تنشج ..
- و الله بحاسب على عمريه .. و لو ما تبانيه أسوق بخلي ساجد يوصلنيه .. بس دخيلك .. عطنيه هالخمس شهور ..
.
.
و أوجعته همستها و هي تتشبث بذراع كرسيه يائسة ..
- منصــور ..
أمسك جانب وجهها بيده و أغمض عينيه لوهلة .. قبل أن يقول بصوته العميق ..
- أحلام .. صخي شوي و صلي على رسول الله ..
أثر البكاء لا زال في صوتها ..
- اللهم صلي و سلم على رسول الله ..
ابتسم لها مهدئا ..
- عيني خير و هدي شوي .. العصبيه هب زينه لج ..
بدا الغيظ فورا على وجهها .. لكنه لم يكترث لذلك .. ركز في عينيها المحمرتين ..
- أولا الرمسة السخيفة لي قلتيها قبل شوي ماريدج تعيدينها .. - و أشار بيده مهددا - و الا يا ويلج .. شوه هالخرابيط هاي .. أنا ما يهمنيه الا الياهل و انتي لا ..؟؟؟
ضغط على جانب وجهها و هو يقول بهدوء و كأنما يشرح لطفلة ..
- أدري انا وياج متباعدين واايد .. و انيه مهملنج .. و مقصر في حقج .. و أنا ما قول هالرمسة عسب أسترضيج الحين و الا لنج حامل ع قولتج ..
أشار بيده الأخرى الى صدره ..
- أنا أقوله لنيه أحس بهالشي .. أنا ظروفيه صعبة .. و حالتيه هب هينه .. انتي ما تعرفين شوه يعني يكون الانسان عاجز .. الحين يوم قلتلج ودري الشغل احتشرتي .. فكري فينيه .. كيف أنا لي كانت كل حياتيه حركة .. أحصل عمريه فجأة طايح و ما تقوى ريوليه ..
.
.
في حفنة الثواني تلك .. ابتهلت أحلام الله بصمت أن لا يكون هذا حلم سيطويه الصباح مع ظلمة الليل .. منصور أمامها .. لا يفصلها عن احساسه الا كلمات تسمعه يتفوه بها لأول مرة ..
شعرت بغرابة شديدة و هي تركع بجانب كرسيه .. و يده تستريح على وجنتها .. لم تكن أكثر دنوا لروحه .. أبدا ..!!
يمسح على رأسها بلطف .. و صوته يتوغل في روحها و هو يعترف ..
- أنا ما في نفسي الشجاعة عسب أرمس عن وضعيه أو احساسي .. و الصراحة أنا ماريد أرمس عن شي منهن .. بس أباج تفهمينيه .. مرت سنين و انتي وياية .. يمكن ما قد حسستج بالأهمية و الا حتى تقربت منج يمكن أحيانا كانت تمر علي لحظات و أنسى وجودج في حياتيه ..
و تطعنها هذه الكلمة في الصميم .. و ما زال الاحساس ينزف ببطء .. و الألم الأثير يكسو صوته ..
- بس أمس يوم شفتج طايحة ع القاع .. و لا منج حركة .. مادريت اذا انتي ميته و الا حية .. و ستين هاجس يودينيه و ييبنيه .. حسيت انج رحتي .. و ما بتردين ..
شد على شعرها بقوة دون أن يشعر ..
- ياني الموت و أنا أحاول أوعيج و انتي هب حاسة .. أحلام .. أنا كنت عاجز انيه حتى أشلج و أوديج الدختر .. هاييك اللحظة ما كنت أعرف انج حامل .. و ما كان همي الياهل و الا غيره .. كل لي كنت أباه هو انج تكونين بخير و تنشين ..
ثم نظر بقوة لها ليقول بصوت أجش ..
- أنا و انتي كل واحد منا بعيد عن الثاني .. و في فجوة امبيناا .. و تمر أيام ما نرمس بعض .. أحيانا أحس انيه ما أعرفج .. و أنا متأكد انج رغم هالسنين لي مرت علينا ما تفهمينيه ..
شعرت بأنها كالشمعة الآن .. ريح تخمدها .. و أخرى تزيدها إشتعالا ..
- بس .. هب خلاص .. ما يسد .. ؟! .. أدري ان القصور هب من صوبج .. و انيه أنا أكثر واحد عليه الملامة .. بس أحلام .. ساعدينيه .. خلينيه أوصل وياج لحياة طبيعية .. أقرب منج .. أعرفج ..
و هنا نفدت الكلمات .. لم يعد في جعبته الشحيحة غير تلك التي ألقاها للتو ..
لحظات و هدوء يسود المكان كذاك الذي يعقب القاء الحصي في البحيرة .. لم تعلم ما الذي عليها أن تجيبه به .. رفعت عينيها تنظر لعينيه .. كان واثقا .. مؤكدا .. و صادقا ..!!
أجبت بخفوت و هي تشعر بالإعياء يجتاح جسدها بعد هذه المواجهة ..
- منصور كيف تبا تتقرب منيه و انت باديها من أولها غلط ..
نظر لها بعدم فهم فأمسكت كفه لتعتصرها برجاء ..
- لا تحرمنيه من الشغل .. أنا مرتاحة و أنا أشتغل .. أغير جوو و أشغل عمريه ..
جر نفسا عميقا و صمت للحظة .. قبل أن يهز رأسه على مضض ..
- خلاص برايج كان تبين تشتغلين .. أهم شي تكونين مرتاحة ..

* * * * *

شعرت أحلام بالراحة الشديدة حين أقبلت لطيفة و ميثا بالقهوة .. أشارت للطيفة بعصبية أن تأتي لتجلس بجانبها .. فجلست لطيفة بأريحية فيما انهمكت ميثا في صب القهوة و تمريرها للجميع .. فنهرت أمها لطيفة ..
- لطفين .. نشي صبي بدال بنت عمج ..
قالت لطيفة بلامبالاة ..
- عادي أمايا بنت عمي هب غريبة ..خليها تنفعنا .. باكر بتكد البيت كديد يوم بتعرس
و نظرت لميثا المحمرة بخبث .. ليعلو صوت شريفة و هي تقول بهدوء ..
- الميث لا تصبين لأحلام قهوة .. يقولون انها هب زينة للحوامل .. صبيلها جاهي حليب ..
نفخت أحلام في ضيق و هي تلتقط نظرة ميثا و لطيفة الضاحكة فيما اكتفت أمها بالابتسام .. لقد تحقق شيء ما لشريفة الآن .. ألم تكن تدفعها للذهاب للمشعوذة ..؟! تذكرت أحلام قولها ( بس انتي حرمة ولديه و ماشي في الكون أهم عن مصلحته ) ..
هل تحققت مصلحته الآن بحملها ..؟ لا تعلم .. كل ما تعرفه هو أن الوجه الناعم الذي تقابلها به في وجود منصور تقابله الآن في غيابه .. ما يعني أنها راضية .. شخرت ساخرة حين قالت لطيفة بخفوت و كأنما تقرأ أفكارها ..
- ما شا الله .. عموه شريفة راضيه عليج اليوم ..
همست أحلام ..
- أكيد بترضى .. لي تباه صار ..
- و منصور يا عشق الامارات .. فرحان ..؟!
- شوه هالسؤال الغبي .. أكيد .. المهم خبرينيه .. موزان وينها ..؟!
- في المطبخ الحين بتيي ..
- شوه سوت في المعرض اليوم ..؟ غزيل يت ..؟!
أومأت لطيفة ..
- هيه يت و رمستاا و يلست عندها و طااف لمعرضيه .. ما قول غير مالت عليكن انتن هب ويه ابداعات ..
- ههههههههه ما عليه معوضة ان شا الله .. شرايج أييب لي عنديه في المركز رحلة يتفرجون ع لوحاتج ..
- لا و الله شوه أبابهن العيايز .. ما بيفهمن شي من اللوحة بيقولن شخابيط .. و بيحطم معنوياتيه ..
ضحكت أختها ..
- مالت عليج انتي و لوحاتج .. هب منج .. من لي يبا يزيد معجبينج ..
- معجبين عيايز .. مشكورة يختي ... هاتي لي واحد سنافي .. كشيخ .. يبدي إعجابه بوردة .. بخطبة ..
- أونه خطبة .. شوه يتفرج عليج و الا على لوحاتج ..
همست لطيفة ..
- موزان يت .. لا تنسين .. نحن ما نعرف شي ..
- لا تخافين ..
و نهضت لطيفة من مكانها لتجلس بجانب ميثا في استقرت موزة على أريكة أحلام .. لتقول بتلك النبرة الرقيقة ..
- هاا أحلام .. علومج ..
ابتسمت أحلام لها .. حقا فرق شاسع بينها و بين كتلة الازعاج لطيفة ..
- طيبة .. انتي أخبارج .. سرتي و يا لطوف اليوم ..؟
بدا الحماس على وجهها الأثير ..
- هيه .. بقولج .. بس و الله ما بتصدقين ..
تظاهرت أحلام باللهفة ..
- شوووووووه ..؟
- قولي منوه لقيت هناك ..؟
- امنوه ..؟
قالت بنبرة من يفاجئ أحدا ما ..
- غزيل ..
صرخت أحلام بردة فعل مبالغ فيها و هي تشعر بالذنب لكذبها على هذه الطفلة الشفافة ..
- أووونه ..!!!!
التفتت أعين الحاضرات نحوها بتعجب .. لتحمر خجلا .. حسنا لا يعجبها أن تتلاعب بموزة .. هناك صدق في تعامل هذا الفتاة يحرج الكاذب ..!!
ابتسمت موزة لتقول بخفوت ..
- حتى أنا ما صدقت عمريه يوم شفتاا .. ردت البلاد و ريلها خلص دراسه .. الحين تشتغل تطوع في الجامعة ..
- وين لقيتيها في المعرض ..؟
- هيه خلاف سرنا الكوفي و يلست وياها الين خلصت لطووف ..
ثم التفتت للطيفة ..
- فديتاا لطفين .. أوني ياية المعرض عسب أشوف ابداعاتاا ..
نظرت لطوف لتقول ..
- ليش تطالعنيه .. أكيد تسبنيه ..
هزت موزة رأسها بسرعة ..
- لا والله .. بس كنت أمدح لوحاتج ..
ابتسمت أحلام .. جيد .. تكذب هي الأخرى اذا .. تصنعت لطيفة عدم الرضا و هي تنظر شزرا ..
- أي لوحات .. انتي ما شفتي شي من المعروضات غير لوحة كحيانة معلقة في آخر الصالة .. و ياليتهااا كانت ليوحتيه .. لوحة زينة حاطينها هناك بالغلط .. مادري شوه كنتي تتأملين فيها ..
أمسكت أحلام بيد موزة ..
- قلتيليه يلستن في الكوفي .. ما شفتي حد من ربيعااتج .. ؟؟
- لا .. بس بنات كنت أعرف لقيتهن هنااك ..
- حلووو .. شرايج في الجامعة الحين ..
- عاادية ماشي تغير ..
بدا الأمل في صوت أحلام ..
- انزين ليش ما تردين تدرسين ..
هزت موزة كتفيها و هي تخفض صوتها ..
- مادري .. بس أفكر ..

* * * * *

الممر غارقا في الظلام الدامس .. و تتلمس هي طريقها بلا هداية ..
الظمأ أيقضها لتقصد المطبخ ..
الهدوء يعم المكان .. و صمت الجدران يردد خطواتها المكتومة ..
.
.
و تقترب من غايتها ببطء ..
قبل أن يجمدها الخوف في مكانها ..
و توقف شعر رأسها رعبا و هي تصيخ السمع جيدا ..
.
.
الصوت يسري عبر الممر ليصل أذنيها ..
هي لا تتوهم ..!!
هذا صوت نشيج متوجع .. لا يشبه البكاء العادي إطلاقا ..
شيء ما يحمله صوت البكاء كأنين حيوان جريح .. أفزعها ..
لتلتصق بالجدار خوفا و هي تحاول إخماد طبول قلبها ..
و الصوت مستمر في العلو ..
.
.
من هذا الذي يختفي تحت ستار الليل ليسكب أحزانه ..!!


* * * * *

غادرت للتو متوجهة نحو عملها .. لا ينكر هذا الضيق الذي يجتاح صدره .. لم يعد راغبا بأن تعمل .. و لكنه مضطر لمجاراتها ..
لا يريد إفساد هذه الهدنة .. ما زال أمامهم الكثير ليبذلوه كي يصلوا لحدود شواطئ لم يعرفوها من قبل ..
تنهد و هو يغلق جهازه بعد أن وجد أنه لا رغبة له في الكتابة الآن ..
فكر في سعيد و تذكر وعده له بأنه سيحضر بالأمس و لكنه أخلف ذلك من أجلها .. لا بأس سيعوض الزيارة بهذا اليوم ..
و أدار كرسيه متوجها للباب قبل أن يعلو رنين هاتفه المتحرك ..
رفعه ينظر لذاك الرقم الغريب الذي ارتسم على شاشته .. لم يتردد في الرد .. أجاب بسرعة و هو يضع السماعة على أذنه ..
- آلوووه .. مرحباا ..
أصاخ السمع قليلا .. قبل أن يعود فيقول ..
- هيه نعم وياك منصور حمدان .. منوه الريال ..؟!!
و مع تدفق الكلمات في أذنه .. عقد جبينه بحيره ..
- هيه عرفتك ..
.
.
ماذا يريد يا ترى .. ؟!! هل توقع ذاك في محله ..؟!!

* * * * *

اعتصرت سماعة الهاتف و هي تبتسم ..
- ياخي ما وراك محاظرات .. اذييييتنااا ..
صوته الغليظ يمازحها ..
- أنا قلت أحلام هب ويه سوالف .. المفروض أتصل بلطفين .. بس هاي بعد حشرة ما تنعطى ويه .. المهم بسير قدا ربعيه الحين ورايه محاظرة ..
- الله يحفظك ..
بدت السخرية في صوته ..
- شووه الله يحفظك .. لحظة شوي ..
- رشووووووووود أخرتني ..
- رشود فعينج .. أصغر عيالج .. اسمعي أباج توصلين رسالة لريلج ..
ضحكت ..
- رساله أونه شوه من رسالة هااي ..
قال بخبث ..
- سلمي عليه و قوليله يقولك راشد ..
و فجأة انقلب صوته لغناء طفولي ساخر ..
- عمي منصور النجاااااار يضحك و في يده المنشااااااار .. قلت لعمي يصنع لي بيتا من لعبة .. هز رأسه و قااااااااال .. أنا أهوى الأطفاااااااال .. بعد قليييل رحت اليه .. شيء حلووو بين يديه .. سوااااه عمي منصووووور .. أجمل من بيت العصفووووور ..
- و الله انك خبل .. وين انته من الشباب عسب تغني كذيه بيفضحونك ..
- بينيه و بينهم كيلووو .. يا الله حلووم ..
- ما داااااني هالاسم ..
- جب .. تباني أدلعها بعد .. شوه ريلج .. يلا هنااك ..
أغمضت عينيها بتوسل ..
- رشوووود أبطيت ع العرب ..
- صدق ما عندج سالفة .. مأخرتنيه ع محاظراتيه عسب سوالفج البايخة .. قلبي ويهج يا الله و لا تتصلين مرة ثانية الا و أنا راقد .. بتحصلينه مغلق ..
- هههههههههههههه إن شا الله ..
فجأة انقلب صوته للجدية ..
- يا الله حبيبتي شي فخاطرج ..
ابتسمت أحلام بحنان .. مجنـــــــون..!!
- سلامة راسك فديتك ..
- الله يسلمني و يسمنج .. سلمي سلمي ع الغراشيب لي عندج ..
- مالك إلا سوما .. يبلغ ..
- شوه سوما .. اسمها سيلاني ..
- لا يا الخبل .. لبنانية بتطير فوادك من تشوفهاا ..
- يا ويل حاليه .. عيل بتغدا عندج في الدواام اليوم ..
- لاااااااااااا دخيلك .. رشووود ما كنت بتصكر من شوي ..؟؟
و .....
طوط .. طوط .. طوط .. طوط ..
أغلق الهاتف في وجهها .. تنهدت أحلام بصبر .. رغم ثقل ظل راشد .. إلا أن نكاته السخيفة تلك تسليها .. خرجت من مكتبها و الشوق يدفعها دفعا .. سهيلة عادت بالأمس لا بد أنها في غرفتها الآن ..
تجاوزت باب بو ثاني الموارب .. و خليفة المغلق .. متوجهة نحو غرفتها .. و لكن قبل أن تصل إلى الغرفة المجاورة صم أذنيها صراخ مألوف .. لم تعد تسمعه منذ فترة ..
- شوه هاااي هاااا ؟؟.. تبينيه آكلهاا نية .. تكذبين عليه زكيوووه .. أكيد السمسومة يعلها السم هي لي مسويتنيه هالخبز .. و الا حكيم ما ييبه نيّ .. ظكي هناك .. أقووووولج خوزي عنيه و الا سنعتج .. قليلات خير .. يا ويلكن من ربكن .. نحن ذنوووب عليكن .. بيحاسبكن رب العالمين .. لي تغربلنااا و نحن في ذمتكن .. آآه منكن .. بموووت أنا .. بمووت ع ايديكن .. ترفعن ليه السكري و الضغط .. تبن لي الموووت .. الواااحد يوم يجود ييبين خيره في نفعته .. و الا انتن خيركن من عدمه .. حسبي الله عليكن .. كان ما بتنفدنيه قبل يوميه ..
.
.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها و هي تصيخ السمع بوله .. و صوت أم حميد يتردد في غل أطرب قلب أحلام ..
يمكنها الرقص على أنغام صيحات هذه العجوز ..
.
.
كم افتقدتها ..!!

* * * * *

●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا السادســــــــــــــــــــــة▌○●






العصبية بادية بوضوح على وجهه و هو يفرك راحتي يده بتوتر دون أن يرتشف قطرة من فنجان القهوة الموضوع أمامه .. فيما استمر هو في تأمله بحيرة ..!!
لم يكن هذا ما توقعه .. فشخصية سالم الجافة الذي التقاها المرة الأولى لا تشابه هذا التردد على سحنته .. ألح منصور عليه ..
- بو غنيم اتقهوا ..
التقط فنجانه ليرتشفه دفعة واحدة .. قبل أن يقول ..
- السموحة منك يا بوحمدان .. ييت الصبح يمكن وراك أشغال و الا شي ..
و نظر لكرسي منصور بشك .. و كأنما لا يرى شيئا في العالم قد يفعله المقعد سوى جلوسه مرتاحا على كرسي يقيده ..
أجاب منصور ببرود ..
- بالحل يا بو غنيم .. ما ورايه غير زيارة خوك اليوم ..
لمس منصور القوة الآن في صوته و هو يقول ..
- زين عيل يوم ييتك .. أبا أرمس وياك عن سعيد ..
- بلاه ..؟!
- من وين عرفته .. و ليش اخترته بالذات عسب تسوي أبحاث كتابك عنده ..؟!
عقد منصور جبينه ..
- أنا طلبت حالات الايدز لي في نطاق المنطقة خارج السجن أو الحجر الطبي .. و عرضت عليه ثلاث حالات .. اخترت منهن سعيد خوك ..
- ليش ..؟
- من دون ليش .. حسيت انيه أول مرة بقابل شرات هاي الحالة ..
- و شوه الحالة ؟؟
- سعيد خوك غير عمّا تعودنا و شفنا من مرضى يصابون بالعدوى عن طرق منحرفة ..
وضع فنجانه و هو يلقي ما في جعبته دفعة واحدة ..
- انزين اسمعنيه.. أنا أقدر انك محتاي المساعدة و المقابلات .. بس أنا ما أباك تستغل خوية .. و يا ليت لو سمحت تقطع علاقتك به ..
لم يفاجئ طلبه هذا منصور..!! لا يدري لما كان مدركا في قرارة نفسه أن سالم سيحاول جاهدا ابعاده عن سعيد ..!!
تشدق قائلا ..
- و ليش إن شا الله ..؟! سعيد مطرشنك ترمسنيه ..؟!
- سعيد مايدري انيه هنيه ..
- عيل ما ظن ان سعيد ياهل .. هو أدرى بعمره .. و بعدين شوه الاستغلال لي تشوفنيه أسويه ويا خوك .. ؟؟
- انت ما تشوف بحوثك لي أونك تسويها استغلال لحالة سعيد .. يعني ترابعه بس عسب يساعدك في لي انته تبا .. و يوم تخلص ما بيشوف رقعة ويهك .. يمكن هالشي عادي عندك .. بس سعيد حساس من ناحية الربع ..
ثم صر على أسنانه و هو يقول ..
- ما ريد أشوفه يعاني يوم تقضي حايتك و تخليه بروحه ..
شعر منصور بالغيظ يجتاحه ..
- اسمع يا سالم .. أنا ريال لو كنت أبا البحوث بس كان خلصت من زمان .. بس أنا خاويت سعيد خوك و حبيت اليلسة و ياه ..
شخر سالم بسخرية دليلا على عدم تصديقه .. فاشتاط منصور أكثر ..
- ما يهمنيه اذا بتصدق و الا لا .. أنا و سعيد ربع الحين .. و رمستك ما بتخلينيه أقاطعه .. مادري شوه غايتك .. و ليش تبانيه أبعد عنه ..
ثم ضيق عينيه و هو يقول بصرامة ..
- و لاتقول اني أستغل خوك .. اذا عندك غير هالرمسة هاتها ..

* * * * *

تشيح بوجهها للجانب الآخر .. و رغبتها بعدم رؤيتها جلية .. فيما تكبح هي ابتسامة متمردة تأبى إلا أن ترتسم على شفتيها ..
- أفاا .. بلاج يا أم حميد .. عطينا ويه .. ربج هب زعلانة ..؟
أصدرت العجوز صوتا متذمرا .. و هي تتمتم بشيء لم يصل مسمع أحلام ..
- قلتي شي ..؟!
نظرت لها شزرا ..
- لا ما قلت .. بلاج يالسة هنيه .. سيري قابلي شغلج أخيرلج .. بنأخرج نحن ..
ثم أشاحت وجهها مجددا .. و أحلام تبتسم ..
- تراج انتي شغليه .. ما تبينيه أقابلج ..؟!
انفجرت أم حميد ..
- و يوم انج تعرفين انيه شغلج .. شعنه يومين ما شوف رقعة ويهج .. ؟ ما تخطفين و لا تنشدين عنيه .. تعالي شوفينيه .. ميته .. و الا بعدنيه ..
- بسم الله عليج ..
تجاهلتها بتلويحة لامبالية ..
- أنا شغلج .. وايقي عليه .. ترا حاليه حال العرب هاييل .. و ما عليه قصور .. مادري بلاج قلبتي مرة وحدة .. قبل تخطفين و رايحة و غادية من عنديه .. و الحين ما نشوف غير غبرة ريولج ..
ثم نظرت لأحلام و هي تحرك يدها مؤكدة و صوتها الحاد يعلو قليلا ..
- لا تتحرينيه مستلغثة و الا محتاية .. الحمد الله .. أنا هب في حاية حد .. بقضي عمريه .. الله يسدنيه و يغنينيه عن معونتكن .. الوحدة منكن يوم بتقوم بمواجبيها كنها تتصدق .. لا تشوفينيه عيوز و تيلسين تتعطفين .. أنا مابا المنة من حد .. حد يبا ييلس عنديه مرحبا به .. و لي ما يبا .. فدااعة الله ..
.
.
لا .. يبدو أنها غاضبة جدا هذه المرة .. فكلماتها تخز كالشوك ..!!
اقتربت أحلام منها و هي تقول باستعطاف ..
- عيييني خييير يام حميد .. شهالرمسة الله يهديج بس ..!! أول أمس ما لحقت عليج .. قيلتي ..و أمس انا كانت عنديه ظروف لو سمعتينيه شوي كان خبرتج عنها .. غير انتي اليوم غاادية عصبية .. امرررة ما تتناغين ..!!
عينيها الضيقتين تزدحم على مشارفها خطوط الزمن تعكس عتبا ..
- دنــيـــاك دواريــــــة اتــــــدور .. شـــروات مـالــك قـــل عـلـيـه
ان جان صابك م الثرى اذرور .. أنــــا الـيـبــل طــايــح عـلــيــه
ثم هزت كتفيها مجددا و تلتزم الصمت .. ابتسمت أحلام بعطف .. لا تريد من أم حميد أن تشعر بأنها ثقل عليها .. اقتربت من تلك العجوز التي لطالما حيرها أمرها .. فهي تتلاعب بها كما يتلاعب ذاك الموج بذرات الرمال البعيدة ..!!
أمسكت كفها المغضنة .. و انحنت تطبع قبلة على رأسها و هي تقول ..
- افاا و الله زعلانة ع بنتج .. ما يطيع زينج يا أم حميد .. هذا و يايتنج و ويايه بشارة .. - ثم شدت على يدها و هي تقول بسعادة جمة - زهبي عمرج .. سبع شهور و الا ثمان .. و بتغدين يدّه ..
للحظة ظنت أحلام أنها لم تسمع شيئا اذ عم الهدوء و لم يعد للأنفاس صوت .. ثم تدريجيا بدا شيء غريب يعلو وجه أم حميد و أحلام تبتسم بصدق .. شيء يشبه الحنين ارتسم على ملامحها بإنسانية لا يمكنها إلا أن تخالط تجاعيد هذا الوجه الغابر ..!!
كانت متأثرة جدا .. لم تعلم أحلام هل هذا الإحساس انعكاسا لتقبيلها رأس العجوز أو ما قالت .. ؟!
كل ما كانت متأكدة منه في تلك اللحظة أن هذه الثواني ثمينة جدا .. و ستعني لها الكثير دوما ..!!
.
.
- أم حميد .. أهوه المحلى .. حكيم عملهولك تاني ..
و انفضت تلك النظرة ليحل مكانها عدم الرضا ..
- هاتي أشوفه ..
أقبلت زكية بالصحن تضعه بين يديها .. لتلتقط أم حميد خبزة منها .. تقضم طرقها فتلوكها للحظة قبل أن تطلق صرخاتها مجددا ..
- هذا حكيم شيّب .. و اخترب .. ما ييب العيشة الا نية .. أنا ماباها هااي .. لولية أخير سيري هاتيها ..
تنهدت زكية بصبر ..
- أولية اييييه .. منتي أولتيلي أرميها ..
أنكرت أم حميد ..
- أنا قلتلج تفرينها .. حشى عليه .. الرمسة هااي ما يبتاا .. لكن انتن ما تحاسب ع نعمة ربكن .. يوم أرد العيشة بتفرينها .. خليها كاد ربج آكلها خلاف .. حسبي الله ع بطرتكن .. بتدخلناا النار ..
كبحت أحلام ابتسامة و هي تسمع زكية تهمس ..
- يا نهار منيّل .....!!


* * * * *

حين ساعده ساجد في الاستواء على كرسيه المتحرك أشار له بالانتظار ككل مرة .. ثم دفع كرسيه قاصدا دخول المبنى القابع أمامه ..
لن يردعه طلب سالم بالابتعاد عن سعيد .. و لا يهمه رأيه فيه البتة ..!! هو لا يستغل سعيد أبدا .. بل يرغب في مساعدته بقوة .. ربما كان هذا الشعور نابعا عن الشفقة التي قد يرفضها سعيد بقوة .. و لكنه حقا يحب رفقة هذا الفتى ..
شيء ما في حماسه و لامبالاته بمأساته يولد إحساسا غريبا بالقوة يجتاحه هو ..!! ثم أنه متأكد من أن سعيد مرتاح لهذه الصداقة الحديثة بينهما .. و دليل على ذلك لهفته الشديدة للقائه دوما ..
كيف لسالم أن يقرر بتبجح أنه يستغل أخيه .. لا يمكن أن يفعل منصور أو أن يقصد فعل مثل هذا العمل الشائن .. لا ينكر بأن تعرفه عليه كان بقصد المنفعة البحتة .. و لكن هذا تغير .. !!
سعيد لم يحظى قط بأصدقاء بخلاف الذين عرفهم في مراهقته .. و هو متلهف لأن يجد شخصا ما يجالسه .. و سيكون منصور مسرورا كونه هذا الشخص ..!!
.
.
أمام باب غرفته يقرع الخشب بقوة .. و تتعاقب أصابعه في خدش الخشب ..
و لا مجيب ..!!
أين هو ..؟!
استمر للحظات يقرع باب الغرفة الموصد بأمل .. لربما كان في الحمام أو شيئا ما .. و حين أدركه الوقت و اليأس .. أدار كرسيه و توجه نحو مكتب الاستعلامات في هذا القسم ..
المرأة خلف مكتب الاستقبال تستقبله عيناها باستفسار ..
- نعم خوية ..؟! أي خدمة ..؟
أشار منصور لنهاية الممر ..
- لو سمحتي الشيخة المريض سعيد محمد حجرة رقم 17 .. موجود ..؟!
أشارت بإصبعها لتطالع بعض الأوراق أمامها ..
- دقيقة بس .. سعيد .. سعيد .. هيه سعيد محمد .. يطولي بعمرك الريال عنده فحوصات اليوم ..
هز منصور رأسه محبطا .. سعيه إلى هنا كان بلا قيمة ..
- أهااا .. مشكورة عيل .. ما قصرتي ..
- العفو خوية .. حاظرين ..
و أدار كرسيه عائدا نحو المصاعد .. لم يُكتب له رؤية سعيد لهذا اليوم رغم لهفته الشديدة لذلك .. لا يدري لما ؟؟ و لكنه أراد أن يراه بعد مواجهته مع أخيه ..
لا نصيب ..!!
حسنا يمكنه على الأقل التوجه لبيت أهله .. ليرى أمه و أبيه هناك ..

* * * * *
تنهدت براحة حين تجاوزت عتبة باب أم حميد للخارج .. تتغلغل في روحها هذه العجوز ..!!
توجهت نحو غرفة سهيلة مقصدها الأول قبل أن تعترض صرخات أم حميد طريقها .. شعرت بنشوة تغمرها و هي تتوجه مباشرة نحو غرفتها .. كم اشتاقت لبراءة الطفولة ترتسم على وجه تلك العذراء التي تجاوزت السابعة عشر .. شيء قد لا يصادفه غيرها من البشر .. إلا من يقطنون هنا .. نقاء تلك الكائنات الصغيرة ينعكس في ضحكتها الصافية التي لطالما انطلقت بلا أسباب .. و لا قيود ..!!
لتملأ الجو حولهم حبورا .. تريد أحلام أن تلمسه .. أن تعيشه بصدق لتشاركه فرحتها الصغيرة ..
دفعت باب غرفتها بلهفة .. ليقابلها الخلو بسخرية .. حسنا .. في الاستراحة إذا ..!!
.
.
لحظات و تحملها قدماها إلى هناك .. الأصوات المميزة ترتفع خارج الغرفة ..
أطلت برأسها بمرح ..
- السلاااام عليـــكم ..
التفت الرؤس الثلاث بصيحات الترحيب فدلفت أحلام بحبور شديد .. كان أول من تلقاها سهيلة .. التي مدت أحلام ذراعيها لها بشوق لتلفها في حضنها .. و صوت تلك العالي يطن في أذنيها ..
- آآآحـــــــــــــام ..
- حبيبتي و الله .. شحالج سهيلة .. تولهنا عليج ..
- أبــ .. آآ .. أبخييــي ..
ابتسمت أحلام لتمسك بيدها و تقتادها نحو زكية و حصة اللتان استقبلتاها بالابتسام .. بادرت حصة تقول بشيء من الحماس الواهن ..
- مرحبا الساع ..
صاحت زكية بفرحة ..
- مبروووك يامدام .. الله يئومك بالسلامة ..
جلست أحلام بجانب حصة ..
- الله يبارك فيج زكية .. ههههههههه .. شردتي عيل من أم حميد ..
نفخت زكية براحة ..
- الله يهديها ..
مدت حصة يدها الناحلة المعروقة تضعها على ظهر أحلام ..
- هاا .. تحملي و داري ع عمرج .. الحين غير عن قبل ..
شعرت هي بشيء من الخجل ..
- آحم .. لا توصين خالوه .. - ثم التفتت لسهيلة - هاا علوومها الحلوة .. استانستي في بيت هلج ..
لم تجب سهيلة .. يبدو أنها لم تفهم السؤال جيدا .. لذلك سألتها مجددا ..
- سرتي البيت هناك .. حلووو ..؟!
اختفت ابتسامتها فورا .. لتلوح بيدها بطريقة غير مفهومة .. أدركت أحلام أن سهيلة لم يعجبها المكان هناك .. لذلك سألتها مجددا ..
- شوه كنتي تسوين ..؟!
أشارت للتلفاز ..
- آشوفين آكوون متاتا ..
- أنا شكلي بسوي خير في المسلمين و بييب لج غير هالفلم ..
هزت زكية رأسها ..
- لأ يا مدام .. دي بتحب الشريط دا بالزات .. و الا أبو عبد الرحمن كان جاب غيرو ..
ضحكت أحلام ..
- الشريط يطلب الرحمه .. يوميا و هو يتشغل .. ما عليه عشانج سهيلة .. شغليه زكية ..
نهضت زكية و أدارت الشريط ثم عادت لتجلس بجانب سهيلة على الأرض فيما استقرت أحلام و حصة على الأريكة المقابلة للتلفاز ..
و مع الوقت .. انخرطت الاثنتين في حديث عميق .. فيما واصلت سهيلة إطلاق صرخات متحمسة و متفاعلة مع اللقطات التي تشاهدها للمرة المليون ..!!

 
 

 

عرض البوم صور ارادة الحياة   رد مع اقتباس
قديم 08-05-08, 04:23 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ماسي


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 53753
المشاركات: 10,534
الجنس أنثى
معدل التقييم: ارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عاليارادة الحياة عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 740

االدولة
البلدIraq
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
ارادة الحياة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ارادة الحياة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

- لا .. أمه غير عنهن .. تقولين عايشة فعالم بروحها .. ما لها خص فحد .. بس كانت تتخبرنيه .. انتي بخير .. مرتاحة ..
تدفق صوت غزيل عبر السماعة ..
- كيف يعني تهييت ..؟!
- لاااااا .. تعرفين شوه .. أبوهم شخصيته قاسية شوي .. قابضهم كلهم في ايده .. و تحسينه مستقوي ع هالمسكينة .. و الله مراات كانت تغمضنيه .. وااايد ضعيفة شخصيتاا .. و عيالها طالعين على أبوهم . الواحد راكز خشمه مادري ع شوه ..
سألت غزيل باهتمام ..
- يعني محد منهن قد غلطت عليج و الا شي ..؟!
تنهدت موزة ..
- لا شوه يغلطون الله يهديج .. تراه آآ عبد الله ..
و قطعتها غزيل بسرعة ..
- السبال ..
ابتسمت بألم ..
- هيه .. كانن يخافن منه .. محد منهن تروم تقوليه شي .. كنت أدري إنهن يبنه لبنت خالتهن .. و ما كانن يعطنيه ويه .. تخيلي غزووول .. ايلس في قسميه بروحي طوول اليوم محد يخطف عليه و الا يتنشد ..
مس صوتها المتألم قلب صديقتها ..
- هو كان يعاملج زين ..؟!
شعرت موزة بذكرى تلك الأيام تجثو على أنفاسها ..
- كان زين وياية .. واايد يراعينيه .. أول شهرين بس .. و يوم دريت إنه معرس بالمغربية .. انقلب حاله امية و ثمانين درجة .. غدى عصبي ..و دوووم يهد عليه .. حاولت أصبر عليه ما رمت .. شليت عمريه و رديت البيت و خبرت حمدان خوية بكل شي .. قلتله أبا أطلق .. اسبوع بس و ورقتي كانت عنديه ..
ثم تنهدت لتقول غزيل مواسية ..
- افتكيتي من الشر .. ما عليه حسوفة الهرم .. بس موزان خبرينيه .. منوه لي قالج عنها .. أطري المغربية ..؟!
- أخته العودة ..
- خيبة .. تفاتن على أخوها ..
- تبا المشاكل تبدا منيه ..
- أهاا .. و من هذاك اليوم و انتي يالسة في البيت .. تضيعين مستقبلج عسب هالحثالة ..
تنهدت موزة ..
- لااا بس .. آآآ .. اسمعي غزيل .. أناا كنت أبا اجازة ..
- خطفن ست شهور على هالاجازة .. باقس اسبوعين و يبدا الكورس الياي ليش ما تسجلين ..؟!
- مادري .. أبا أفكر ..
ألحت غزيل بقوة ..
- هاااي لي بتقهرني .. تفكرين فشوووه ..؟؟ يختي يسد لي راااح .. كم بتضيعين من الوقت .. هذاك السبال يرتغد من مكان لمكان .. و العرب عايشين حيااتهم .. الا انتي .. مادري ليش شخصيتج غاادية ضعيفة و يمشونج الناس على هواهم ..؟!
نفخت موزة بضيق ..
- غزيل دخيلج .. لا تضغطين عليه .. أبا أكون مرتاحة في شي لي بسويه .. و بعدين هاي خطوة جريئة بالنسبة لي و يبالها تقدير و شجاعة .. خلينيه على راحتيه .. و أن بردلج خبر هاليومين ..
لم ترد غزيل أن تزيد شيئا مما قالت ..
- خلاص فديتج .. على راحتج .. بس فكري بشي وااحد .. عبدالله خذج و غربلج وياه و طلقج .. ضيع من حياتج وااايد أشياء .. الحين بس أباج تفكرين .. يستاهل عقب لي سوااه يضيع أكثر من لي راح ..؟!

* * * * *

في اللحظة التي دلف فيها الصالة اجتاحه تيار من الترحيب .. كانت أمه التي انتبهت لدخوله تجلس وحيدة في الصالة لتهب واقفة و تقترب منه ..
- مرحبا .. مرحبا ... حيا الله من ياا .. اقرب .. اقرب فديتك ..
و انحنت لتسلم عليه .. ثم أمالت رأسها ليطبع قبلة عليه ..
- قريب ..
و تقدم بكرسيه إلى حيث كانت تجلس منذ وهلة .. تتبعه هي ثم تستقر على الأريكة التي بجانب كرسيه ..
- شحالك فديتك ..
- بخير يا أميه .. شحالج انتي .. ربج بخير ..
- بخير يعلك الخير .. و الله يا مرحبا .. هيه .. خلنا نشوفك .. حاكر عمرك في البيت .. يوم بتحصل عمرك فاضي خطف عليه .. أنا دوم أيلس بروحيه الصبح مبارك في دوامه .. و ميثا في الجامعة ..
- ابوية وين ..؟!
- راح يقظي له أشغال و بيرد ..
- يا حيّه .. و انتي علومج ..
- علوم الخير يعلنيه فداك .. أحلام وينها ما يت وياك ..
نظر منصور لها مباشرة .. متأكد بأنها تعلم الإجابة ..!!
- أحلام في الدوام ..
أطلقت نفسا عميقا في ضيق ..
- و شوه مودنها الدوام الله يهديها .. أحلام الحين غير عن لول .. الحين حامل .. و الحامل هب زينة الحركة لها في أول شهورها ..
لم ينبس منصور بحرف .. و انعكاس الهدوء على سحنته لا يبين فيما يفكر .. تابعت أمه تتذمر ..
- نحن من لول ما نباها تشتغل .. محد من بناتناا قد سوتاا .. بس انته الله يهديك ما تشاور حد .. و محد بييلس يحاسبك ع حرمتك .. انته أدرابها ..
ثم أمسكت بيده و تخفض صوتها ..
- لكن الحين غيير .. الحين أحلام لازم تقر في البيت .. وين بتروم للعبالة و هي حامل .. الدوام ما منه فايدة .. الخير واايد و سادنها عن الحاية .. و الشغل منقود عدنا .. لكن يوم انت ابتدعت هالشي لها محد خالفك .. بس الحين كلنا بنخالفك .. ما نبا بنتنا تهيت و تتعبل بالغير و هي حامل .. هب رايمة تشل عمرها .. و طايحة علينا من التعب ..
كان وجهه القاسي لا يعكس إطلاقا ما يعتمر داخله من أفكار .. أمه تحثه على جعل أحلام تترك العمل .. هذا ما كان يسعى إليه في قرارة نفسه .. و لكنه تراجع ..
لم يكن يريد أن يخلف وعده لها .. يريد أن يشعرها بالأمان .. يريد أن يقدم لها دليلا قويا على أنه يهتم لأمرها حقا .. هل سيرضخ لكلمات أمه هذه ..؟!
عادت أمه تقول ..
- رمسها فديتك .. لازم تودر عنها هالشغل ..
ثم اعتصرت يده ..
- الريال يراعي حرمته ما قلنا شي .. لكن لو الحرمة ما تعرف مصلحتاا .. لا يطاوعها ..
ثم ألحت عليه بقوة ..
- هاي رمستيه و شوريه .. و كانك ما بتطيعنيه برايك ..
ثم نظرت إليه تنتظر اجابة على كلماتها هذه .. يبتسم لها بحب ..
- افاا يام منصور .. رمستج و شورج ع العين و الراس ..
يدوم الصمت للحظات قبل أن يمسك كف أمه الممسكة بيده ..يرفعها لشفتيه و يطبع قبلة عليها .. و يخالف ما تريد نفسه بقوة و هو يقول بحزم ..
.
.
.
.
- بس أحلام بتم تداوم ..

* * * * *

انتشرت تلك العباءة السوداء تغطي السماء .. تنام تحتها عيون المتعبين ..
و هبوب الرياح الخفيفة .. تتوقف لثوان على عتبات تلك الشرفة .. لتسامر روحا استقرت هناك تتجرع هذا الهدوء بشفافية و استقرار لم تذقه منذ زمن ..
كم مر عليها من الوقت لم تشعر بهذا السكون يعم حياتها .. أغمضت عينيها و بسمة حالمة تناوش ثغرها ..
مر عليها الكثير .. الكثير جدا .. ألم دائم احتضن فؤادها لمدة طويلة .. أزهق أحلامها .. و أسقط يدها يأسا كانت فريسة سهلة له ..
أي قدر ساقها إلى هنا .. بعد كل حزن سكن روحها .. ها هي تجلس هنا .. سعيدة .. تكاد تطال تلك النجوم المتناثرة كالجواهر بيدها .. تلامسها بأناملها .. لتداعبها بشقاوة ..
لقد رُسم لها طريقا .. حفر في طيات الأيام .. تعلم دوما أنه سيحمل لها الكثير .. و لكن ..!!
للحظات لم تعد آبهه بما قد يحدث في الدهر القادم .. لم يعد يهمها إلا هذه الثواني الصامتة ..
لا يخرق شيء سكون الليل سوى دقات قلبها المنتظمة تبث في أوردتها أحلاما جديدة .. لم يسلبها ما مر بها ..
تغمض عينيها متلذذة ..
.
.
بأي ثمن قد تُقدر راحة البال يا ترى ..؟!

* * * * *

متوترة جدا .. رغم أن جلوسها الهادئ و كفين تعقدهما في حجرها .. و نظرة صامتة تسكن تلك العينين .. لم تعكس ارتباكها ..!!
تنتظره و هي ترتب كلماتها .. تضع الأحرف في مواضعها .. و تجس نبض الحماس المحتضر ..
كيف ستنعش قوة قديمة الآن .. كيف ستعيد ذاك العزم القديم إلى الحياة ..؟!!
.
.
أَ واثقة ..؟!
أَ واثقــــــــــــــة ..؟!!!!
.
.
- سمحيليه فديتج أبطيت عليج ..
رفعت رأسها متفاجئة .. و قلبها يخفق بعنف ..
- لا عادي ..
استقر بجانبها ليضع يده خلف ظهرها يسألها بحنان ..
- هاا موااز .. قلتي تبينيه فسالفة .. شوه لي فخاطرج ..؟!
ابتلعت ريقها بهدوء ..
- حمدان أنا من كورسين معطلة و يالسة في البيت ..
- انزين ..؟!
- و .. آآ .. أشوف يلستيه في البيت مالها داعي .. يعني أضيع وقتي بس ..
ابتسم لها مطمئنا ..
- و شوه تبين ..؟!
ارتجفت موزة فرغم طبيعته الحنون إلا أنهم يهابونه ..
إفعليها الآن ..!!
- أباا أرد الجامعة و أكمل دراسة ..
ثم أخفضت أهدابها في ترقب .. صمت لثوانٍ .. قبل أن يقول بحبور ..
- بس ......؟! .. فالج طيب .. باكر بنسير أنا و انتي نسجلج للكورس الياي .. غيره ..؟!
تنهدت بارتياح .. و هي ترفع رأسها في امتنان ..
- سلامتك .. ما قصرت حمدان ..
- حاظرين فديتج .. يا الله نشي خلينا نتعشى ..
و نهض متوجها نحو الباب قبل أن تستوقفه بصوت رقيق ..
- حمدان ..!!
التفت لها مجددا .. و يد تمسك بالباب ..
- لبيه ..
لم تعلم في أي زاوية من قلبها وجدت تلك الشجاعة ..؟! و لكن هذا الحنان يستحيل أن يكون لها وحدها .. لذلك كان صوتها خافتا و هي تخفض عينيها ..
- أحلام تسلم عليك ..
.
.
و انقبض فكه في صرامة ..
.
.
و لكنه لم يروض حنينا تمرد على الإحساس ليتألق في عينيه ..!!


* * * * *

طرقات تترد على سطح بابه تخترق عالمه هذا .. فيبحث عن نفسه للحظات قبل أن يتراجع في مكانه ..
- ادخل ..
ليفتح الباب فتطل برأسها مترددة ..
.
.
زوايا هذه البقعة من المكان و الزمان تخفي ما لم تعرفه هي قط .. أ تصيبها الحيرة مما قد تلمسه من برودة بين صمت هذه الجدران ..!!
اقتربي ..
بل اقتحمي ..
هذا عالم يفتقر إليك .. هنا المشاعر مستوحشة .. ظمآنة ..
للسراب البعيد في عينيك .. لا يرويها ..!!
.
.
صوتها يتغلغل الهواء الجامد ليبثه الحياة ..
- مســــــاء الخــــــير ..
و ابتسامة صعبة تكابر الظهور .. لم يعتد بعد على قرب روحها هذا ..!!
- مســــــاء الورد ..
- مشغول ..؟!
الآن ابتسامة حقيقية تتوسط وجهه .. تبدو كطفلة تستأذن أبيها ..
- لا ..
اندفعت للداخل بابتسامة محرجة ..
- زين عيل .. مليت من اليلسة بروحيه .. قلت .. آآ .. أيي أسولف وياك ..
و احمر وجهها بشدة .. لا يدري لما يغشى الخجل عينيها .. أ لأن الوضع غريب و هما يجلسان معا لتبادل الأحاديث // الأحاسيس ..
لم يفعلا ذلك مسبقا ..!!
لحظات بطيئة .. ثقيلة .. تمر و كلاهما يلتزم الهدوء.. ألم تأتي لتسامره ..!! إذا لما يحجب السكون كلماتها ..؟!
يراقب أناملها التي تحفر سطح المكتب بتوتر .. قبل أن يقرر تمزيق وشائج الصمت ..
- هاا علومج اليوم .. شوه سويتي ..؟!
هزت كتفيها ..
- ماشي مهم .. سرت الدوام .. و شيكت ع الحالات لي عنديه .. و كان وحدة منهن رادة اليوم من عند هلها ..
- كم حالة عندج ..؟!
- آآ .. خمسة بس ..
موضوع آمن للحديث .. و سيجيب عن الكثير من علامات الإستفهام ..
- و كيف تعالجينهم بالضبط ..
ابتسمت بهدوء ..
- - أنا ما أعالجهم .. يعني .. آآآ ..
ثم أوضحت ..
- اسمع هاي أول مرة أسوي شي ميداني غير التدريب لي خذته .. يعني أول مرة أجرب أستخدم لي درسته .. يمكن لو كنت في عيادة و الا ما شابه .. كان طلبت جلسات خاصة مع المرضى نناقش فيها مشاكلهم .. بس الحالات هناك وااايد غير .. و صعب أتخذ وياهم هالاسلوب و الا اسلوب الاسئلة لنهم يشوفونه استجواب .. لازم أتعامل وياهم بطريقة عادية و أشوف مشاكلهم بالطريقة لي هم يشوفونها و يراووني اياها ..!!
بدا الاهتمام يتعاظم .. ها هي تكشف زوايا من حياتها لم يقع ناظره عليها مسبقا ..!!
- أهم شي في الموضوع انيه استشف أي شي يمكن يعانون منه من أي نوع و أساعدهم .. أنا هب دكتورة نفسية .. أقصاي مستشارة .. بس الحمد الله ما ألقى صعوبة .. الحالات لي وياية عرب طيبة .. و التعامل وياهم سهل .. تيلس وياهم .. تسمعهم .. تسولف لهم .. و .. آآآآ .. ليش تضحك ..؟!
نظرت إليه متسائلة .. حين رأت تلك الابتسامة الغريبة ترتسم على وجهه .. ابتسامة حقيقية ..!! واحدة من شحيحات الظهور ..
هز رأسه و شيء غريب يعتمر في صدره .. يحاول إخفاء تلك الابتسامة ..
- ما أضحك .. - ثم استطرد كاذبا - بس عيبتنيه السالفة ..
ابتسمت هي الأخرى بحماس .. و كأنما أفرحها إعجابه .. لم يخبرها أن ابتسامته سببها الإحساس العميق الذي لمسه في صوتها و هي تتحدث عن العمل .. أكان وليد العمل .. أم وليد تلك الأرواح التي سعت إلى هناك لمداواتها ..
تمنى بصدق .. أن يلمس هذا الإحساس يوما و هي تتحدث عنه ..
فقد بدا شيئا مميزا للغاية .. و هي تسكب تلك المشاعر من روحها .. لأشخاص لم يتجاوز عمر معرفتهم الثلاثة أشهر ..!!

* * * * *
تتمة


عندما يقبل الصباح كل يوم .. ترسل الشمس خيوط الضوء .. إلى كل مكان .. الأفنية .. الطرقات .. عتبات الأبواب ..
و مصاريع النوافذ المغلقة .. لتتوقد الأرض بأضواء يحملها اليوم الجديد في كل مكان ..
.
.
و أحيانا .. حين تطرق تلك الأشعة أبوابنا .. تتسلل إلى مخادعنا عبر النوافذ ..
لا نعلم حقا بأن في هذا اليوم قد تمر علينا لحظة .. نتمنى أن فيها الشمس ظلت غافية حتى الغد ..
ربما كان هذا اليوم لن يأتي ..!!
رغم هذا .. لا زالت الشمس تخرج .. كل فجر بعنفوانها .. تضيء عتمة الليل متحدية ..
علينا أن نتقبل بامتنان كل ما تحمله في طيات صبحها الجديد ..
.
.
.
.
.
.
.
- مدام أحلااام ..؟!
استقبل أحلام هذا النداء في اللحظة التي دفعت فيها باب المركز .. لتلتفت للمنادي ..
زكية تقف عند نافذة الاستقبال .. ابتسمت أحلام بحبور ..
- هلا زكية .. صباح الخير ..
هزت زكية رأسها بسرعة ..
- صباح النور يا مدام .. دنا من الصبح بستناكي ..
عقدت أحلام جبينها و ذكرى قريبة لخبر بو ثاني تراود مخيلتها ..
- رب ما شر ..؟!
- عاوزة أكلمك في موضوع أبل ما تشوفي حد .. ممكن ..؟!
رغم القلق الذي اجتاح فؤادها إلا أنها جاهدت بابتسامة و هي تمازح زكية ..
- أوي يا ستي ..
أشارت لها زكية ..
- بقى انتي اسبئيني لمكتبك و أنا حقيب البت سوما و جيالك حالا ..
- سوماا ..؟؟؟ بلاها ..!!
- ما فيش يا ستي ما تتخضيش .. روحي انتي دلوئتي و أنا جيالك ..
و التفتت لتقطع الممر مسرعة بحركتها النشيطة التي دوما تذهل أحلام ..
أحلام التي ظلت تنظر في أعقابها للحظات ..
ما الأمر ..؟!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قالت زكية حين استقرت على المقعد المقابل لأحلام و تجلس بجوارها سوما ..
- مدام أحلام انتي مسؤولة عن كل حالة هنا مش كده ..؟!
سؤال غريب ..!!
- أكيد ..
- طب لو كان عندينا أي ملاحظات على حالة معينة .. نبئى نجيلك و نحكيلك .. صح ..؟!
- أكيد .. شوه زكية .. روعتينيه تراج .. عندج شي قولي ..!!
ابتلعت زكية بعض الهواء قبل أن تخفض صوتها و كأن هناك من يتنصت عليهم ..
- مدام نحن ملاحظين حاجات غريبة ع البت سوهيلة .. يعني حاجة ممكن تهمك ..
اتسعت عيناها باهتمام ..
- زكية لا تمين تلعبين باعصابي نحن هب في فلم مخابرات .. عقي الرمسة مرة وحدة .. قطعتي فواديه الله يهديج ..!!
تنهدت زكية بصبر ..
- معليش يا مدام صبرك عليا .. أنا عوزاكي تاخدي الموضوع حبة حبة ..
أشارت أحلام بيدها تحثها ..
- خلاص كملي ..
مالت زكية بخفوت مجددا ..
- يا ستي النهاردة الصبح و أنا بوعي سوهيلة لاحظت حاجة .. دي .. آآآ .. يعني .. يا ستي دا السرير كان متوسخ ..!!
- تبول ليلي لا ارادي ..؟!
هزت زكية رأسها بسرعة موافقة .. فقالت أحلام بحذر ..
- بس يا زكية .. هاي حالة واايد ناس يعانون منها .. أي اضطراب نفسي يمكن يسببها .. يمكن انتقال سهيلة المفاجئ لبيت هلها و ردتها هنيه وترها شوي .. عاادي مراات تستوي حتى عند نااس تجاوزوا سن الرشد ..
ثم ابتسمت بامتنان ..
- بس زين انج خبرتينيه .. عسب أحط هالشي في الاعتبار ..
قالت زكية بضيق ..
- ما تستعجليش يا مدام .. دي مش بس المشكلة .. خلينيه أكمل كلامي ..
شعرت أحلام باحراج ..
- السموحة منج زكية .. تفضلي .. خذي راحتج ..
سحبت نفسا عميقا ..
- معليش يا حبيبتي ..صبرك عليا .. المهم سوما آلت إنها كانت خارجة في الليلة اللي رجعت فيها سوهيلة هينا .. عشان تشرب شوية ميّه .. و لما كانت رايحة للمطبخ سمعت سهيلة تبكي ..
أمسكت أحلام أنفاسها ..
- تبكي ..؟!
- آآه يا مدام .. آلت إنها سمعت سهيلة تبكي أوي .. آلت .. واجد واجد .. – ثم التفتت لسوما – مش كدا يا سوما ..
هزت أحلام رأسها ..
- سومـــا ..؟؟
أومأت سوما برأسها ..
- هاا مدام .. أنا فيه إسمع ساهيلا إيبكي .. وااجد إيبكي .. ما بيه معلوم ليش إيبكي .. أنا أول شي يهس خوف .. صوت نفر ايبكي وااجد آآلي ..
عقدت أحلام جبينها بشدة .. و هي تقبض على يديها .. هذا يثير قلقها ..!!
واصلت زكية حديثها ..
- دي مش كل حاجة مدام ..
أما زال هناك المزيد ..!! تمنت بصمت أن لا تزيد زكية شيئا على هذا ..
و لكنها قالت ما استطاع حقا أن يثير شيئا في نفسها .. كانت حازمة و هي تقول بهدوء ..
- مومكن تيجي معايا يا مدام ..
الآن حقا يدب الذعر في قلبها ..!!
ماذا هناك أيضا ؟!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانت زكية صبورة للغاية و هادئة و هي تمسح على رأسها و تحثها ..
- يالله يا حببتي .. ما حدش حيشوف غير أحلام .. – التفتت لأحلام – مش كدا ..؟!
أومأت أحلام مشجعة ..
- هيه حبيبتي .. خلينيه أشوف ..
كان الخوف جليا على وجهها و هي تهز رأسها رفضا ..
- مااااباااا .. مااابااا ..
أغمضت أحلام عينيها قبل أن تتقدم ..
- ليش فديتج .. سهيله .. ما بخبر حد .. بس أنا بشوف ..
و تلح عليها برفق .. فيما تجر زكية ببطء كتف الثوب و هي تطمئنها بعينيها .. سرعان ما نقشع طرف الثوب عن كتفها كاشفا ما وقع عينا أحلام عليه لتتسعا بصدمة .. نظرت زكية و قالت بصوت منفطر ..
- أنا ما شفتهاش غير لما كنت عاوزة أبدل ليها .. دي تيجي خمس ست كدمات في جسمها كامل ..
و ضعت أحلام يدها على جبيها و شيء ما يتعاظم في داخلها .. و عبرة تسد حلقها .. تمنع الكلمات من العبور ..
و عينيها تناظر تلك الكدمة التي رغم أنها بدت قديمة .. إلا أن شكلها الشنيع ما زال مخضبا باللون البنفسجي ..
همست بحقد و يدها ترتجف ..
- الحيوانات ..
و استدارت متوجهة نحو الباب .. لتسألها زكية بقلق ..
- على فين يا مدام ..
كانت صارمة و هي تدفع خطواتها بأقدام ضعيفة ..
- مكتب بو عبد الرحمن ..

* * * * *

فتح بابه ليجده جالسا على كرسيه .. ابتسم بوهن ..
- مرحبااا بو حمدان ..
تنحى جانبا و هو يفتح الباب كله ليدفع منصور كرسيه متقدما للداخل ..
- لمرحب بااقي .. شحالك سعيد ..
جلس على الأريكة المتهاوية ..
- بخير يعلك الخير .. شحالك انته ..
- يسرك الحال .. علوم ..
- أبد و الله .. مابه يديد .. هاا يومين مقاطعنا .. و انت واعدنيه تيي أول أمس ..
ثم ابتسم بتعب ..
- شوه خايف من المباراة ..
رغم بريق غريب في عينيه .. نغز قلب منصور .. إلا أنه أجاب ..
- وااايد وااثق يا الحبيب .. أقول اسكت أخيرلك .. لاطرك شرات كل مرة ..
- هه .. يا الله .. خلنا نشوف ..
ثم هب يوصل أسلاك اللعبة و يديرها .. قبل أن يسأل منصور ..
- أمس ييتك .. و قالوليه عندك فحوصات ..
- آآآ .. هيه .. شوه الفريق لي بتلعب به ..؟!
- الأرجنتين و أنا بحط التشكيلة .. ربها طيبة الفحوصات ..؟!
- الحمد الله .. أنا بلعب بالبرازيل .. ليش أول أمس ما ييت.. ؟؟
تنهد منصور ..
- و الله شوي ظروف في البيت ..
لحظات و تبدأ المباراة .. و رغم صيحات الحماس و الاحباطات المختلفة و اشتعال اللعب بينهما .. إلا أن منصور شعر بشيء مختلف هنا ..!!
لا يدري لما .. و لكن هناك اصطناع يلمسه منصور في حماسة سعيد الواهية ..
رغم ذلك استمر باللعب حتى انتهت المباراة بخسارة سعيد ..فابتسم منصور ..
- هاا خايف من المباراة ..؟!
- ياخي لعيبتهم البرازيل ..........
ضحك منصور .. بشدة .. في حين ابتسم سعيد لضحكته ..
- أوه أوه .. خل بعضها لباكر ..
ثم اقترب من النافذة ينظر للسماء ..
- الجووو مغيم .. خلنا ننزل الحديقة نغير جو ..
هز منصور رأسه موافقا ..
- أوكيه ..


* * * * *

أول مرة التقت فيها أحلام بهذا الرجل .. ترك فيها انطباعا قويا بالصلابة .. هدوءه لا ينم إلا عن تحكم و سيطرة .. شيء أسمته في داخلها .. سطوة الأسد العجوز ..
عينيه الصارمتين القاسيتين تتألق ببريق رقة في مزيج غريب .. يتركها دوما في حيرة من أمرها .. كان ينظر إليها مباشرة .. جالسا خلف طاولته على مقعده الجلدي الضخم .. رغم كل شيء .. عينيه المسلطتين عليها لم تشعرها بالارتباك .. إن ما قالته هو ما تراه مناسبا ..
يعقد أصابعه بهدوء .. لا يمكنها أن تتأكد مما يفكر في هذا العجوز ..!!
حين تكلم أرسل قشعريرة على طول ظهرها فصوته كان يحمل في طياته وعيدا أفزعها رغم أنه لم يوجه إليها ..
- دكتورة أحلام .. الموضوع هب هين شرات ما تتصورين .. انتي متأكدة من إنج تبين تتدخلين ....؟! تذكري ان هلها واصلين .. و يمكن يفرونج برا المركز اليوم ..!!
كان هذا استفزازا حقيقيا .. يريد أن يرى لأي مدى قد تتمسك بما تعتقد .. قالت بهدوء ..
- بو عبد الرحمن .. اذا انته ما همك هالشي .. تباه يهمني .. أنا ما عنديه خلاف .. بس انت خبرنيه شوه لي تبانا نسويه و أنا حاظرة ..
تأملها لبرهة قبل أن يقول آمرا ..
- تنشين الحين و تشلينها و تاخذين زكية وياج .. تروحين توام .. و تسوين لها فحص و تطلبين تقارير عن الضرب لي فجسمها .. سوي لها فحص شامل .. قبل نهاية الدوام تكونين انتي وياها و زكية و التقارير هنيه ..
ثم قال بقوة و هو يشير بسبابته ..
- و خلي الباقي عليه ..
.
.
و في تلك اللحظة انعكس غضب مخيف على وجهه .. شيء انفلت و لم يستطع مسك زمامه ..
و عاد للذاكرة صوته البعيد ..
.
.
.
.
.
.
.
.
[ - لي أبا أقوله إن الحالات لي تحت إشرافي أنا مسئول عنها و عن راحتها فيا ليت تحاولين توفرين لهم الجو المناسب قدر الإمكان ما ريد حد منهم يتعرض لأي مضايقات أو ما شابه .. ]
.
.
كان يحذرها من أن تسبب الأذى لأحد أولئك الذين يقعون تحت رعايته .. شيء ما في حماسته لحمايتهم .. جعلها تشعر و كأن هؤلاء المرضى كأطفاله الصغار ..
.
.
لقد آذى شخص ما أحدهم .. و لم يعجبه هذا ..
ففجر ذلك غضب الأسد العجوز ..
ألهبــــــه !!

* * * * * *

كانت الشمس تختبئ خلف الغيوم المتراكمة .. و الجو منعش .. و نسائم تائهه تبحث لها عن سبيل ضيعته .. فتصطدم بوجوههم .. تتحدا أنفاسهم .. تجبرهم على استنشاق برودتها اللطيفة ..
و يسترخي هو في مقعده بارتياح لم يصل إلى عينيه الضيقتين .. و هو يقول ..
- البرد يا ..
هز منصور رأسه موافقا قبل أن يقول ..
- ما خبرتك .. سالم خوك ياني البيت ..
التفت سعيد باهتمام ..
- قلتلك بييك .. و شوه كان يبا ..
نظر منصور أمامه مباشرة .. ينصت لحفيف الأشجار التي يحركها الهواء ..
- يبانيه أقطع علاقتي بك ..
صمت سعيد و لم يجب للحظات .. و حين ألقى بكلماته التالية صدم منصور لما قال ..!! توقع أن يغضبه طلب سالم .. و لكن ....!!
- يمكن سالم صادق ..
ثم التفت لوجه منصور المصدوم ..
- دامك ويايه .. انت عرضة للعدوى ..
ثم قال بهدوء ..
- انته ما خلصت أبحاث الرواية ..؟! اذا ما خلصتاا أنا مستعد أساعدك عسب تخلص بسرعة .. بس تخلص عمرك .. ترا زياراتك هب لصالحك ما تدري إذا صار بالـ .....
قاطعه منصور بهدوء ..
- سعيد ..
نظر له سعيد .. في حين قال منصور بحزم ..
- شوه السالفة ..؟!
- سالفة شوه ..؟!
- أحسك هب طبيعي اليوم .. و بعدين من متى و انته تفكر في العدوى .. إذا ما تبانيه أيي مرة ثانية قلها و بس ..
عقد سعيد جبينه بشدة ..
- هب قصدي .. بس صدق أنا ...
- سعيـــــــــــد ..
ثم سأل بصرامة ..
- الصراحة لو سمحت ..
تنهد سعيد و نظر للأرض قبل أن يقول بخفوت ..
- أمس استعدونيه لفحوصات .. عقب ما كنت مسوي مزرعة لخلايا الكبد ..
لم يستطع منصور إطلاق أنفاسه .. فيما تابع سعيد بأسى ..
- يقولون التهاب الكبد الوبائي C ..!!
.
.
ثم سكت ..
و التزم منصور الصمت هو الآخر .. لم يرد أن يخدش هذه اللحظة الساكنة .. بكلمات لا يملكها حقيقةً ..!!
حفيف الشجر هو الصوت الوحيد .. و بدا في تلك اللحظة لحنا بائسا .. تتراقص على أنغامه أحزانهم و المخاوف ..
لحظات ..
تمر مرور الكرام بلا أثر ..
سوى أحاسيس دفينة في روح كلٍ منهما ..
قبل أن ينفض سعيد ذاك الهم الجاثم على أنفاسهم بعد وقع ما قال بهدوء ..
- عسب كذيه .. الوضع صار أخطر .. و أنا ملزوم أنبهك ..
نظر له منصور و هو يقول بقوة ..
- لا تخاف .. أنا أحرص منك على عمريه ..
سكتا مجددا ..!!
قبل أن يقول سعيد ..
- تدري شوه ..؟!
- شوه ..؟!
- تشوف هذيك البوابة ..؟
- هيه ..
- بسابقك الين عندها ..
.
.
أي قلب تحويه ضلوع هذا الفتى ..؟
شيء لا يمكن لليأس قهره ....!!
.
.
شخر ساخرا ..
- أكيد بتفوز ..
ابتسم سعيد ..
- امنوه قال ..؟! أنا بدز الكرسي .. يا الله ..
تردد منصور و هو يعقد جبينه ..
- لا مـا ريـ...
استدار سعيد بسرعة لخلف الكرسي ..
- يا الله .. لا تكون خواف ..
ثم راح يدفع كرسي منصور حتى توقف على الرصيف المصفوف .. ثم توقف .. رفع منصور عينه له متسائلا .. فابتسم سعيد ..
- مستعد ..؟!
- هيه ..
صرخ بحماس ..
- تمسك ..
تشبث منصور بالكرسي بقوة .. و سعيد يدفع جاريا بقوة .. و العجلات تسابق الرياح المعاكسة .. فتصطدم بوجهيهما .. و تحرك خصلات شعر سعيد و تكاد تنتزع - غترة - منصور ..
كان هذا ضربا من الجنون .. جريهم هكذا كالمجانين ..!! و الحركات المخبولة التي يقوم بها سعيد و كأنه يستعرض بسيارة سباق ..
في لحظة تنشق منصور الهواء بنهم .. الهواء الذي يتكسر عليه .. و شعور غريب يغزو روحه و هو يكاد يستعيد إحساسه بالركض ..
اندفاعه بهذه القوة .. شعر بفرحة غريبة ..!! تناقض الخبر الذي سمعه للتو .. و ضحكات سعيد الرنانة تداعب أذنيه ..
سعيد مرتاح ..!!
هو مريض .. و على وشك أن يموت .. !!
و لكنه لا يهتم .. كل ما يهمه أن لا تضيع تلك الثواني المتبقية من حياته في شقاء ..
احساس بلامبالاةٍ عجيبة سيطرت عليهما و هما يندفعان بقوة نحو البوابة ..
و ضحكاتهم الخرقاء .. تخترق الجو .. تصل للبعيد ..
فتلامس حدود السماء .. و تقبع عند تلك الغيوم ..
.
.
بلا يأس ..!!

* * * * *

عقدت أحلام جبينها بشدة و تراجعت خطوتين إلى الخلف .. و هي تنظر بقلق لوجهي الطبيب و الإدارية .. ثم تتبادل النظرات هي و زكية ..
- الأمن ..!! ليش ..؟!
كانت كلمات المرأة حازمة ..
- دكتورة .. لازم توصل نسخة من التقارير للأمن في المستشفى لنه تابع للشرطة .. يوم تيينا حالات شرات هاي ..
- بس أظن العنف المنزلي تختص به دائرة الشؤون الإجتماعية و الا أنا غلطانه ..
عادت المرأة تقول ببرود ..
- و منوه قال إن الموضوع عنف منزلي و بس .. هاي قضية إغتصاب و إعتداء على قاصر ..
.
.
تصلب ظهرها و ارتجفت قدماها ..
تسربت الكلمات .. فلم تعد تنطق و هي تسند نفسها بالجدار كي لا تقع .. أغمضت عينيها و صوت زكية المصدوم يصيح بلوعة ..
- يا لهوي ...!! إغتصاااب ....!!!!
.
.
أحلام تسألها بصوت مرتجف ..
- الحين شوه ..؟!
المرأة تجيب بهدوء .. لا تعلم أن تلك الأحلام تتهاوى ببطء ..
- الحين بناخذ نسخ من التقارير تتسلم للأمن و توقيع على إنج انتي لي يبتيها للفحص ..
ثم حملت ملفاتها من على مكتب الطبيب الذي التزم الصمت طوال المحادثة ليقف هو الآخر و يخرج معها ..
تاركا أحلام .. و دموع زكية ..
تعظ الأولى على شفتها بقوة حتى تكاد تجرحها .. و شيء يشابه ثورة البركان يتصاعد داخلها .. تشعر بنار تستعر في أحشائها ..
لتستدير خارجة ..
تترك زكية متخبطة في حسرتها .. و تتوجه نحو الغرفة التي تركت فيها سهيلة بعد الفحص ..
لتتوقف عند بابها تنظر عبر نافذة زجاجية تتوسط الباب .. تراقب وجه تلك الطفلة التي كانت تطالع التلفاز و كأن لا هم لها في العالم سوى ما يعرض ..
و ابتسامة نقية ترتسم على ثغرها ..
لا تدرك هي ..!!
لا تدرك .. أين رمت بها الأيام و في أي شق إستقرت حياتها ..
و اجتاح الحزن روح أحلام على هذه الطفلة ..
.
.
تلصق جبينها بالجدار البارد .. تبتلع الجفون دموعا متمردة تنشد الخروج ..
و شريط أمام عينيها المغمضتين يمر بقسوة .. ليعيرها هي ..!!
كانوا يجرونها .. و هي تصيح .. ترفض الذهاب .. تستنجد بهم ..!!
و لم يسمع أحد منهم صرخاتها .. و لم يجب أحدهم استغاثتها ..
و لم يعلموا جميعا .. أنها تتأذى .. لذلك هي خائفة حتى الموت من العودة إلى هناك ..
كادت أحلام أن تضرب جبينها في الجدار و اليأس يتغلغل روحها ..
لقد تجاهلوها ..
و ضاعت صيحاتها بين تلك الجدران ..
لم يصغي لها أحد ..!!

 
 

 

عرض البوم صور ارادة الحياة   رد مع اقتباس
قديم 09-05-08, 10:53 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
dew
اللقب:
قطر الندى



البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 32556
المشاركات: 8,353
الجنس أنثى
معدل التقييم: dew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسي
نقاط التقييم: 5602

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dew غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ارادة الحياة المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



يا هلا ومرحبا بإرادة ,,, أجزاء أو رؤى رائعة جدا ,,خطتها هذه الكاتبة التي أحترمها أشد الاحترام على كتاباتها المبدعة


أحــــــلام : يالها من مخلوقة تلك التي تتفانى في سبيل إسعاد تلك الوجوه التي نسيها الزمن في ذلك المكان المنبوذ من قبل المجتمع ,,محبة ودافئة المشاعر ,,كم أتمنى لها السعادة في حياتها وأن يحبها الجميع وينسوا أنها *بنت الهندية * أريد أن أعلم لماذا أو مالذي جعل علاقتها فاترة مع زوجها ؟


منصـــــور : على الرغم من البرود الذي ألمسه في تصرفاته إلا أنه رجل بحاجة إلى الحنان والمحبة كالطفل الصغير الذي كُسر قلبه ,,وعلاقته مع سعيد تثبت حاجته إلى أن يفهمه أحد

سعيد : قصته مؤثرة وطريقة انتقال المرض الشنيع إليه جعلتني أتعاطف معه جدا

حمدان :: ياله من أخ ! لماذا هذا التزمت والجفاء الذي يظهره لأخته ؟ هل هو فقط بسبب العمل الذي اتخذته؟


أم حميد:: يالها من عجوز عزيزة على الرغم من إزعاجها وتذمرها المستمر . وكم تقطع قلبي عليها عندما قالت أنه لايوجد حميد لأنها لم تتزوج ..قطعت قلبي !

حصة : قصتها لازالت غامضة قليلا .

سهيلة :: هذه الطفلة المسكينة التي استغلت بكل وحشية ,,**جعله يحترق في نار جهنم آمين *<<منقهرة


موزة : أتمنى أن تكون أكثر قوة مما هي عليه فليست نهاية العام إن كانت مطلقة .

راشد :: ما أحلى شخصيته ,,,هذا ما أستطيع قوله



شكرا لك ليتني غريبة على التحفة الرائعة وشكرا لك إرادة على النقل

 
 

 


التعديل الأخير تم بواسطة dew ; 09-05-08 الساعة 11:13 PM
عرض البوم صور dew   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أحلام منسية, أحلام منسية الكاتبة ليتني غريبة ‏, ليتني غريبة ‏, الكاتبة ليتني غريبة ‏, قصة أحلام منسية الكاتبة ليتني غريبة ‏
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t78044.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
ط¯ظ…ط¹ظ‡ ظ…ظ†ط³ظٹظ‡ Facebook This thread Refback 08-08-14 03:45 AM


الساعة الآن 11:20 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية