لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-03-07, 03:58 PM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 12480
المشاركات: 3,036
الجنس أنثى
معدل التقييم: roudy عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 44

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
roudy غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : roudy المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

(14)
عادت "ليلى" في الثامنة مساءاً، وقت انتهاء دوام عملها في الشركة!!! دخلت بإنكسار، تحسُّ بنفسها ليست هي، شئٌُ بداخلها انكسر، رأت والدها مستلقياً في الصالة يشاهد التلفاز وبجانبه "أحمد"، التفت إليها وناداها:
- ليلى..

توقفت، لا بد أنهم عرفوا، علموا بأمري، وجهي يفضحني، كلا كلا، تزوجتُ تواً من أخبرهم؟؟! تزوجت!!! أرجوكِ اصمتي..

أشار لها بأن تقترب، مشت بتردد، حين تفعل شيئاً خاطئاً تشعر بأن الكل يعرفه، كلهم ينظرون لك لكي يرجموك!!!

- خذي.
أعطاها علبة بيضاء مُغلفة بعناية.

- ما هذا؟!
- اليوم عيد ميلادك أنسيتي؟!

اليوم عيد ميلادي أم يوم زواجي؟! لقد نسيت....نظرت لوالدها بحب وألم، لم تنسني يوماً وها أنا ذا أخدعك، سامحني يا أبي سامحني..
قلبت العلبة بيديها وهي تشعر بالغثيان، لا تستطيع أن تقف أمام والدها الآن بعد كل ما حدث، تشعر بالقذارة!!

غمغمت له شاكرةً وألمٌ جديد يعتصرُ قلبها، ركبت الدرج تنظر للعلبة بشرود، بحرقة، بدمعة، لم تسمع توسلات "أحمد" الحارة لكي تفتح العلبة أمامه ويرى ما بها، كل ما تراهُ الآن سراب، مجرد سراب، كل ما في الحياة سراب، أنا حقيقة و "أبو محمد" سراب!!! ماذا أقول..

دخلت غرفتها، وضعت العلبة في درج الطاولة المجاورة لسريرها، لم تفتحها، لم تشأ ذلك، نظرت لأختها الصغيرة، كانت ضامة رجليها إلى صدرها، مطرقة رأسها، يبدو كما لو كانت مستغرقة في التفكير بشئٍ ما، إنها حتى لم تنتبه لدخولها!!!
لم تكن بها طاقة لشئ، لا للحديث مع أحد ولا لأي شئ...دلفت إلى الحمام..

"أأحبه فعلاً، هل سمعت نفسها تهمس بأنها تحبه!!! كلا كلا مستحيل، كيف تحب شخصاً مثله، إنهُ جلف والنساء يحببن الأجلاف..أين قرأت هذه العبارة؟!"

مستحيل، مستحيل أبعد كل ما قاله وفعله أحبه، أجننتِ يا مريم!! لا يوجد شئ اسمه حب، هذه كلمة نقرأها، نسمعها ونشاهدها في الأفلام والقصص...الحب ترهات، ترهات جميلة لكنها تبقى كذبة، ألم أقل لكم أنها ترهات؟!!

لكن ماذا أفسر ما أشعر به الآن، لم أتحرّق لرؤيته، لم أشعر بالسعادة حين يكلمني حتى ولو كان معظم كلامنا شجار؟!!

لم أنجذبت له بالذات دون غيره من الرجال، لم هو بالذات، لم؟!!

يكفي يا "مريم" لقد استرسلتِ كثيراً، توقفي هنا وعودي إلى الوراء قليلاً، من أنتِ ومن هو!!

ما هذا الكلام، إنه ليس بأفضل مني بشئ، أتعنين ماله، المال ليس كل شئ والفقرُ ليس عيباً..لو كان الفقرُ رجلاً لقتلته..ثم نحنُ أفضل من غيرنا..نأكل ونشرب، صحيح أن الكماليات قد لا تتوفر لدينا لكن الحمد لله كل ما نحتاجه من ضروريات مُتاح..

"كفي عن التفكير به، كوني عاقلة، بنات آخر زمن!!!!".

=============

دارت "أمل" حول نفسها بحبور، تكادُ تطيرُ فرحاً بل تتلاشى كالأثير، اليوم فقط كلمها، خاطبها وجهاً لوجه!!!

استندت بعمود السرير، وقلبها يكادُ يقفز من صدرها، تخشى أن تسقط أو تتهاوى، إنها لا تصدق، لا تصدق إطلاقاً أنّ شفتيه لا مست حروف اسمها، صحيح أنه ناداها "أخت أمل" لكن لا يهم، فأن تنتظر كلمة ممن تحب هو أقصى ما يتمناهُ القلب..

أغمضت عينيها ببطء، ببطءٍ شديد، تريد أن تسترجع صورته على مهل، تطلب من خلايا دماغها الرمادية أن تسترجع كل حركة، كل همسة، كل خلجة من خلجاته، لا تريد لطيفه أن يختفي، عامان..عامان عمرُ هذا الحب الأخرس وقد آن له أن يتكلم، لقد مللت وملّ صبري مني..

- أخت "أمل"؟

التفتت إليه، كان خلفها مباشرة، ينظر إليها بتلك النظرة التي طالما أحالت عظامها إلى ماء، ازدردت ريقها وهي تشتم نفسها لأنها لم تنظر إلى وجهها في مرآتها قبل خروجها من المحاضرة "أأبدو جميلة؟!".

- ن..عم. (ردت بهمس ذاهل.(

ابتسم..."أرجوك يكفي!!!".

- أبإمكانك أن تزوديني بقائمة المراجع التي استعنتم بها في بحث "الطفل التوحدي"، سأستعين بها لمشروع التخرج، إذا سمحتِ طبع..

ردت بسرعة دون أن تتيح له الفرصة لأن يكمل:
- بالطبع، ليس لديّ مانع.

"لو طلبت عيني لما تأخرتُ بالإجابة أبداً" فتحت حقيبتها ويدها ترتجف، وفي كل ثانية تنظر له وهي تبتسم بإرتباك، والمشكلة أنها كلما حاولت أن تمسك ال "Disk " كان ينزلق من بين أصابعها، نظرت له بحيرة وهي تكادُ تبكي:
- أعطني كتبك..

سلمتهم إياه بحياء، وأخيراً وبجهد لا يُطاق أخرجت "الديسك"، ستغضب منها "مريم" و"سلمى" بلا شك، ولمَ أخبرهم أصلاً، لديّ نسخة منه في حاسوبي!!

تناولهُ منها بيده الأخرى، اتسعت ابتسامته وأردف:
- على فكرة كان عرضكم رائعاً.

"أسمعتموه ماذا يقول؟! قال عني رائعة.. رائعة!!!!" كادت أت تذوب في وقفتها، قرّب منها الكتب لكنها لم تنتبه، ناداها بلطف، فرفعت رأسها:
- أخت "أمل" تفضلي كتبك أم..لا تريدينها.

أخذتهم منه وهي تتحاشى أن تصطدم بيده، ودعها مكرراً شكره، أخذت تراقب طيفه وهو يبتعد شيئاً فشيئاً، ليت الزمان يجود عليّ بمثل تلك اللحظات...

تناهى إلى مسمعها أصوات شجار قطعت خواطراها، بدأت تعلو شيئاً وشيئاً وهي تقترب من باب غرفتها، هرعت للباب تفتحه، كان "خالد" ممسكاً بزمام قميص "راشد"، أبعدها ذلك الأخير وهو يصرخ:
- أنت لا شأن لك بي، أتفهم.
- تُريد أن تنفصل عن شركة والدي وأسكت.
- والدي لم يمانع.
- ماذا تريد أن يقول لإبنه العاق وهو يتركه بعد أن كبّره وأعطاه من سنين خبرته الشئ الكثير.
- عاق!! لو سمحت تحدث عن نفسك أولاً قبل أن تتحدث عن غيرك.
- ماذا تقصد ها؟ (سأله وقد تمكن الغضب منه.(

سار عنه دون أن يجيب. زفر "خالد" وهو يحاول أن يتمالك نفسه:
"- راشد" ستعود إلى الشركة، أتسمع.
توقف "راشد" وردّ بثبات:
- لن أعود.
- لا تضطرني إلى أن أفعل أشياء ستضرُّك كثيراً.

هوى قلبه إلى الأعماق، تفتت كقطع الزجاج، لا تضعف يا "راشد" لا تضعف أبداً:
- افعل ما بدا لك.
- فرح يا "راشد" فرح...
…………….-.
"رحماك يا ربي، الهمني الصبر..الصبر فقط".

- لقد كبرت وأصبحت أكثر جمالاً.
…………………-
" لا تنطق اسمها بلسانك القذر".

التفت لأخته وهو يسألها بسخرية:
- كم أصبح عمرها الآن؟!

لم تجب "أمل" تنظر لأخيها الذي امتقع وجهه فجأة.

أكمل ببرود:
- ربما نسكن في هذا البيت ، أفكر أن نأخذ الطابق الثاني بأكمله، سأعطيك غرفتي بالأسفل.

"يكفييييييييييييي".
همّ بالصراخ، بالاعتذار، بتقبيل يده ربما!! لايهم.

- مبروك، سأكون سعيد جداً لأجلك، ففرح تستحق الأفضل دائماً!!!

نظر له بتعجب، أجادٌ هو في ما يقوله، لا بد أنّ شيئاً جرى له، هذا ليس "راشد" الذي أعرفه أبداً.

- أنا لا أمزح كما المرات السابقة.
- وأنا جاد في تهنئتي.
- سيكون زواجي نهاية الشهر القادم.
- أكرر مباركتي يا أخي ال..عزيز.

وانصرف بطعنةٍ وداعية!!!!

وقفت "أمل" مبهتة بينهم، تسمع حوارهما وهي لا تكادُ تصدق، ترثي أخاها، لقد قتله، قتلهُ ذلك المجرم، أيُّ أخٍ هذا، أما يسري في شرايينه دمٌ أم ثلج؟!

- أنتَ لا ضمير لك.

نظر لها بشرود دون أن ينتبه لما تقوله، لا زال مصدوماً من ردة فعل أخيه.
- نعم..ماذا قلتِ.
- أقول أنت لا ضمير لك.

ابتسم بتهكم، أخذ يبحث في جيبه عن علبة سجائر دون أن يرد عليها، شعرت بالغيظ أكثر:
- لا أحد يطيقك هنا، أنا أكرهك، الكل يكرهك، وستموت هكذا دون أن يحبك أحد.

فلتت السجارة من يده، نظر لها بغضب أخافها لكنها لم تتحرك، لازالت واقفة:
- اذهبي إلى غرفتك وإلا خسرتي وجهكِ هذا.

نفذت ما قال صاغرة، من هي لتجادله؟! أما هو فقد نظر إلى حيثما ذهب "راشد"، تأمل الممر للحظات، هزّ رأسه ثم تحرك..

وفي الجانب الآخر، في المزرعة، استند "راشد" على السور، وضع يديه على جبهته، يشعر بحرقة تعصف بكيانه، أحس بنفسه ضعيفاً مسلوب القوى كهذه النملة التي تمشي بصعوبة على كم قميصه الآن:
" سامحيني يا "فرح" سامحيني، لكل إنسان قدرة على التحمل، لكنني لم أعد أقدر, سامحيني أيتها الغالية..."

 
 

 

عرض البوم صور roudy   رد مع اقتباس
قديم 11-03-07, 04:00 PM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 12480
المشاركات: 3,036
الجنس أنثى
معدل التقييم: roudy عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 44

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
roudy غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : roudy المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

(15)
استلقت على الكرسي بفتور وهي تشعل اللفافة الرابعة ربما!!! لو أخبرها أحد قبل 10 سنوات بأنها ستدخن لصفعته وهي تضحك في سرها.. ربتت سجارتها بحافة "المنفضة" بخفة فتطاير رذاذه، سعلت قليلاً فهي لم تعتد بعد..

عادت لتنظر إلى النائم على السرير، ابتسمت بتهكم، أصبحت معه كالخفاش، تنام نهاراً ثم تعود في المساء إلى البيت، شهران...شهران كاملان وهي على هذه الحال..

مجت السجارة بعمق هذه المرة فاتحدت زفرتها مع سحابات الدخان، هو من علمها كيف تدخن أول سجارة، قال أنّ التدخين الآن صفة ضرورية للمرأة "الستايل"!!!

قامت من الكرسي ، اقتربت من الفراش، هزته بقوة:
- "بو محمد".
……….-
- انهض، الساعة الآن السابعة والنصف.
- أف، ماذا تريدين؟!
- لقد تأخرت، ألن توصلني؟!
- وما نفع سيارتي الأخرى التي أعطيتك إياها إذن...غداً سأسافر وعليّ أن أرتاح؟!

وعاد ليغطي نفسه بالملاءة من جديد، أين ذهبت الغيرة، أين ذهبت تلك اللهفة القديمة، لم يدّعي الرجال أشياء ليست فيهم، كم هم كذابون، عندهم فقط كلمات، مجرد كلمات ينثرونها على من يريدون، وفيما بينهم يعرفون حقيقتها جيداً!!!

أين تلك العبارات التي طالما أصمّ أذنيها بها:"مستحيل أن أدعكِ تعودين للبيت لوحدك في هذا الليل، تعرفين كم أحبك...كم أخافُ عليكِ و....!!!"

والتقطت مفاتيح السيارة من على المنضدة، سحبت عباءتها بعد أن رشت نفسها بكمية كبيرة من العطر، لعلها تبعد رائحة الدخان الكريهة!!!

أين السعادة الأبدية التي وعدني بها، أهذا هو الزواج؟؟! أهذا ما كانت ترنو إليه طوال حياتها، إنهُ ليس سيئاً بالطبع، لكنه ليس جميلاً كذلك!!! كانت تتوقع شيئاً آخر، لكنّ الواقع شئ وأحلامنا شئ آخر تماماً..

توقفت أمام الإشارة الحمراء، اعترتها رغبة جامحة للتدخين لكنها تكاد تقترب من البيت..أيّ عطرٍ سيغطي عليها؟!

صدت للسيارة المجاورة لها لا إرادياً وهي تنتظر لحظة الإنطلاق، كان صاحب السيارة فاتحاً نافذته يراقبها بالمقابل، ابتسم في وجهها، فعادت لتنظر إلى المقود، مرت دقيقة أو دقيقتان ربما وهي تتأفف من الإزدحام، التفتت إلى السيارة مرة أخرى، أو بالأصح لصاحبها، يبدو أصغر منها، ربما في بداية العشرين...انتبه لنظراتها لكنها هذه المرة لم تُدر وجهها، وما أن ردت إليه الإبتسامة حتى أضاءت الإشارة بلونها الأخضر وانطلقت وهي تشعر بالندم قليلاً!!!

===============

- ماذا بك تبدين واجمة؟! سألتها سلمى.

هزت "أمل" رأسها بضيق وهي تقضم شطيرتها بآلية:
- إنها المشاكل العائلية المعتادة.

رفعت "مريم" رأسها بإهتمام وهي تعبث بالعود في مشروبها الغازي.

- آسفة، لم أقصد أن أتدخل في شؤونك الخاصة. ردت "سلمى".

عادت لتهز رأسها من جديد، تركت شطيرتها دون أن تكمل رُبعها!!! تنهدت وهي تقول:
- أخي سيتزوج قريباً.

شعرت "مريم" بالإنقباض، ارتجف العود بيدها وهي تصيغ السمع..

- سيتزوج؟! وهل هذه مشكلة؟! سألت "سلمى" بمرح.

لكن "مريم" لم تمهلها في الإجابة، عاجلتها بسؤالٍ آخر:
- من منهم سيت..زوج؟!
- خالد..

حينها هوى قلبها، كلا كلا لم يهوي بل تقطعت نياطه، نزفت من الداخل نزفاً عميقاً أماتها، قتل آمالها..اغتال حلمها، أجنحة السعادة تتكسر أمام عينيها، كل ما تراه الآن لا شئ..لا شئ....

حاولت أن توقف اهتزاز يدها حتى لا يلاحظن، وضعتها في حجرها وهي تقاوم نفسها الملتاعة، ترجوها أن تصبر، تصبر قليلاً إلى أن تعود للبيت، وتبكي ما شاء الله لها أن تبكي، امسكي نفسك قليلاً يا مريم..لا تفضحي نفسك!!!

- الأمر أعقد مما تتصورين...لا أدري ماذا أقول!!! (ردت "أمل" ببؤس وهي ترفع يديها في الفراغ.(

صمتت "سلمى" احتراماً لحزن صديقتها، وإن لم تدر لم كل هذا الحزن؟! لم تحب أن تثقل عليها بالأسئلة، فأخذت تعبث بجوالها، أما "مريم" فكانت تغلي من الداخل، تراكمت فيها كل الآلام تلك اللحظة، تدوي من الداخل ولكن بصمت حتى تتقرح...

"ما كان عليكِ أن تتمادي في أحلامك، كل شئ له حدود حتى الأحلام..."

استأذت منهم وهي تتعلل بالدخول إلى الحمام، سارت دون اتزان، دون هدى، لم تعد تتحمل أكثر، وضعت دفتر محاضرتها كيفما كان ودخلت الحمام..أغلقت الباب خلفها، تهاوت على الأرض...دفنت رأسها في حجرها وصوت أنينها المتقطع يرتفع شيئاً فشيئاً..

===============

كان واضعاً ذراعيه أسفل يافوخه، يتأمل المروحة وهي تدور في منتصف السقف، لم يذهب إلى العمل اليوم بل لم يعد يخرج من غرفته كثيراً هذه الأيام، يتحاشى الاصطدام بأخيه، يخشى أن يثيره وينفذ ما قاله..هو ليس نذلاً، يعلم بأنَّ أخاه يحبها منذُ أن كانا صغاراً، وهو لا يكنُّ لها أية مشاعر، مجرد أخوة لا أكثر أو أقل، لكنهُ الغضب لعنة الله عليه هو من يفقده أعصابه، الغضب أم لأنهُ تعود دوماً أن يأمر فيطاع ويأمر ثمّ يُطاع أيضاً!!!

هم عودوه هكذا..أليس ابنهم البكر؟!! قام من مكانه، وتوجه إلى المكتب المفتوح على غرفته، كانت الأوراق مبعثرة بفوضى، أخذ يعيد ترتيبها بملل، ماذا أفعل الآن، يغيظني بعناده الأرعن..يريد أن يكسر كلمتي، لقد التحق بشركة أخرى ليعمل بها وترك شركة والده..ترك حلاله وذهب لينّمي حلال غيره!! ولم لأنهُ لا يرغب أن يعمل تحت إمرتي كما يقول؟!!!

"شبابُ اليوم مجانين، يرددون شعار العصامية وابن نفسك من الصفر..والدنيا كفاح ومشوار المليون يبدأ بخطوة، يا لهذه الترهات، عبارات زائفة كأحلامهم البلهاء!!!" هكذا خاطب "خالد" نفسه وهو يبتسم بتهكم وضيق..

"لم أنت غاضب هاا؟! أكلُّ هذا من أجل "راشد"؟! لم يكن يوماً نداً لك يستحق أن تفكر فيه.. اعترف وقل أنها هي السبب، نبذها لك تلك الليلة، لم تكن تعبأ بك كما تظن، وكيف تعبأ بك وأنت لم تقصر فيها لحظة؟!! والأسوأ أنك لم تعد تراها وليس لديك سبيلٌ إلى ذلك..

أهذه هي النهاية فعلاً، نهاية هذا الح...ماذا تقول؟! باتت زلات لسانك كثيرة هذه الأيام!!!
أين أنت وأين الحب؟!! أنت لا تحب إلا نفسك، وفي صدرك هذا قلبٌ واحد لا تقدر أن تجزأه إلى نصفين..

إذن ماذا أسمي هذا كله، ماذا أسمي هذا الشعور الذي يجتاح جوانحي، شوق، وله، إعجاب، إنجذاب، ماذا أختار؟!!

لا يهم..لا يهم..المهم أنني لن أقف هكذا مكتوف اليدين..ليست هي من تديرُ عقلي هكذا وتذهب..كل ما أحتاجه هو الصبر، الصبرُ فقط، ولكل باب مفتاح..أليس هذا ما قاله "فيصل"!!! لن أدعكِ تفلتين من يدي هكذا، إنها مسألة وقت فقط!!!

و اتصل ل"فيصل" واتفق على أن يلتقيه بعد قليل في شقته، لعلهُ جو الكآبة المحيطة به....

================

صداع رهيب يعصفُ برأسها، دثرت نفسها وهي تتقلب على فراشها يمنةً ويسرى، دفنت وجهها في وسادتها المبللة، ضغطت عليها بقوة لعلها توقف ذلك العرق المجنون الذي ينبضُ في جبهتها ، سيتزوج.. سيتزوج...قالت أنهُ سيتزوج، ممن يا ترى ؟!
لماذا الآن وبعد أن تعلقتُ به، لم يطلب مني ذلك أعرف، ولم يوهمني بشئ ولكن كل ما حدث كان رغماً عني...

انتشلت نفسها بصعوبة وحرارة تلفحها، توجهت لدرج خزانتها وهي تستعين بذلك الضوء الخافت الذي تبعثه "الأباجورة".
- ماذا تفعلين؟!

جفلت في مكانها، كانت "ليلى" ويبدو أنها لم تنم أيضاً في هذه الليلة الليلاء!!!
- أبحث عن مسكّن للألم، رأسي سينفجر.

عدلت "ليلى" من جلستها، مدت يدها لحقيبتها وناولتها حبتان، ازدرتهما هذه الأخيرة دون أن تستعين حتى بكوبِ ماء.
- والآن اخبريني ماذا بك.

جلست "مريم" على حافة الفراش وهي تمررُ باطن كفها على جبينها.
- قلتُ لكِ رأسي يؤلمني.
- أتخالينني لم أسمع شهقاتكِ التي لم تتوقف دقيقة...أكل هذا بسبب صداع؟!

رفعت رأسها بتوتر وردت:
- نعم.
- أنا لا أصدقك...
- لا يهمني إن صدقتِ أم لا. (ردت بعصبية وهي تعود لتستلقي على فراشها من جديد.(
- أنتِ تخبئين عني شيئاً، أعرفكِ تماماً..

توقفت وهي تثني وسادتها، وردت ببرود:
- أأنا من لديها شئ تخبئه أم أنتِ؟!
- ماذا ت..تعنين؟! (سألت بخوف وحمدت ربها أن الضوء كان خافتاً ولا يكاد يبين ملامح وجهها.(
- تغيرتي كثيراً..طريقة كلامك، شرودك الذي لا ينتهي، لم تعودي تهتمين بنفسك كالسابق، أيام تذهبين للعمل وأيام لا وكأن العمل لم يعد من أولوياتك..أيمكن أن تفسري لي كل هذا البرود والاستهتار؟!
- لا شئ...لم يتغير فيّ شئ..هذه أنا ليلى القديمة بشحمها ولحمها. "أي كذبةٍ عمياء أُلقيها".
- أنا لا أصدقك.
أعادت عليها جملتها السابقة:
- لا يهمني إن صدقتِ أم لا.

لم تعلق، عاد إليها الصداع بقوة من جديد..لم تأتِ الحبوب بمفعولها بعد، ضغطت رأسها بالوسادة.
- لا تذهبي غداً للجامعة ما دمتِ متعبة. (أردفت وهي تطالع أختها بحنان في هذه الظلمة.(
- غداً الخميس..أصبحتِ تنسين كثيراً أيضاً.

عضت "ليلى" على نواجذها، صمتت و هي تحاول أن تنام هي الأخرى....

============

أشرق الصباح حزيناً، هناك عيون جافاها النوم وأرقها السهاد..قرّح جفونها وأحال أحلامها إلى كوابيس..

استيقظت "مريم" بتعب، لقت أختها نائمة، خرجت بهدوء وهي تدلف إلى المطبخ، أعدت لنفسها كوب شاي بالحليب، كان طعمهُ مراً، أضافت له مزيداً من السكر لكن دون فائدة!!

رأت أخاها الصغير جالساً في الصالة، يشاهد رسومها المفضلة "Tom & Jerry"، جلست بجانبه، حياها بإبتسامة، ردتها له بأجمل منها رغم كل ما يعتمل بداخلها..

كل المشاهد كانت مضحكة، بل تُجبرك على أن تقهقه، لكن هنا..في هذا الجوف غصّة، تمنعها من الضحك، اكتفت بالإبتسام فقط..

"-مريوووم".
- نعم.
- سنذهب إلى المهرجان اليوم صح؟!
- أيُّ مهرجان؟
- المهرجان الذي سيقام بالقرب من مدينة الملاهي الجديدة.

تذكرت أنها رأت إعلاناً حول مهرجان أو شئ من هذا القبيل في الشارع.
- أنا لن أذهب، قل لوالدي أن يأخذك"…….ومن له خاطر كي يستمتع بشئ".
- كلا، كلا إذا لم تذهبي معي لن يأخذني والدي، سيتعلل بالعمل.
- سأطلب من "ليلى" أن تذهب معك.
- لا أريدها، دائماً تصرخ عليّ وتضربني.
- أنا مشغولة، عليّ بحوث لا بد أن أنجزها، ليس لديّ وقت للتفاهات.
……………….-
- ماذا..ستعود للبكاء كالفتيات!!
صاحت فيه بغضب، لم يعد بها قدرة على أن تساير أحد.
ها قد هطلت دموعه دون إنذار، لم تعبأ به، قامت من جلستها، إلى متى سيظل هكذا..ما أن نرفض لهُ طلباً حتى يبكي لنستسلم له!!

ارتفع صوت ذلك البكّاء، صعدت السلم سّلمة سلمة، توقفت عند باب غرفتها، أمسكت الإكرة لكنها لم تلبث أن أفلتتها، نزلت من جديد، ليس معنى أن تكون غاضبة منه أن تُسقط غضبها على هذا المسكين..لا يجدر أن ننشر تعاستنا على الآخرين، يكفي ما نحنُ فيه، لعلنا حين نرى فرحتهم نفرح وننسى أحزاننا..

رآها عائدة من حيثُ أتت، توقف عن البكاء وابتسم لكأنهُ علم أنها ستعود، حاول أن يخفي ابتسامته ويتظاهر بالعبوس لكنهُ أمسك ما أن رآها تبتسم بحنان في وجهه.
- سأخبر والدي بأن يأخذنا عصر هذا اليوم.
………………-
- هيا كف عن البكاء.
……………….-
- كفّ عن البكاء وإلا غيرتُ رأيي.
- كلا كلا، أنا أصلاً لم أكن أبكي. (قالها بأنفة وشموخ!!(
- اممم، هذا واضح فأنت بطل.. "ولكن من ورق!!".

=================

كان الجو بديعاً، ربما ليتيح للزائرين يوماً صافياً جميلاً، أمسكت "مريم" بيد "أحمد" و"ليلى" بجانبهم.
- انتبهن لأنفسكن، وأنتِ يا "مريم" انتبهي لأخيكِ جيداً. خاطبهم الأب.
- لا تقلق يا أبي. ردت "مريم".
- وأنت يا "أحمد" لا تزعج أختاك، أسمعت؟
هزّ "أحمد" رأسه بأدب إيجاباً.
- طيب، سأذهب حيث تقف سيارات الأجرة، إذا انتهيتم اتصلوا بي، سأعود بين كل حين.
ودعهم الأب وما أن ابتعد عنهم بسيارته حتى أفلت "أحمد" يد أخته وأخذ يركض كالملهوف وقد أسرته الألعاب الضخمة و الغريبة الشكل، ضحكت الفتاتان بخفة وهنّ يتابعنه بأعينهن.

أقتلعت "ليلى" عذق مشموم في طريقها وأخذت تشمه بأريحية، جلستا على كرسي بصمت وشرود، تتأملان المارة وهم كأفواج نمل من كثرة عددهم، عاد "أحمد" الصغير وهو يصيح بإنفعال:
"- مريووم" تعالي..تعالي سنلعب في الأخطبوط.
- أيُّ أخطبوط؟
- ذاك.

وأشار إلى لعبة كبيرة خضراء على هيئة أخطبوط يحلق في السماء بأذرعه التي تنتهي بأكواب يركبها الجميع.
- أتلعبين معنا يا "ليلى"؟ سألتها.
ابتسمت هذه الأخيرة بتهكم:
- في هذا السن وألعب، أتريدين أن يضحك عليّ الناس!!
- ما هذا الكلام، لم أسمع أنهم وضعوا سناً محدداً للعب؟!
- اذهبي والعبي، سأبقى هنا، أعجبني المكان.

لم تلّح عليها أكثر، كان "أحمد" يجرها وقد غلبهُ الحماس، انتقلت لها عدوى الحماس لكن ما أن وقفوا أمام اللعبة، وبان شكلها وحجمها الحقيقي حتى شعرت "مريم" بالخوف..الأشياء من بعيد تبدو أفضل مما لو كانت قريبة!!!

- تبدو خطرة، سنلعب لعبةً أخرى.
- ماذا؟!! أريدُ أن ألعب فيها.
- انظر لتلك المناطيد، تبدو أحلى.
- كلا كلا، إنها للأطفال.

"وأنت من أي جنسٍ إذاً!!!"

أخذ يلحُّ عليها إلى أن رضخت، جلست بجانبه والخوف يشلُّ حواسها، أمسكت بحاجز الأمان.... امتلأت اللعبة سريعاً، تحركت ببطء في البداية وما لبثت أن انطلق الأخطبوط بجموح وهو يمدُّ أذرعه المجنونة مثله في كل مكان!!! أغمضت "مريم" عينيها بقوة وهي مطبقة فمها، مانعة نفسها من أن تصرخ، كل شئ مظلم..لا تشعر إلا بنفسها وهي تطير في السماء وتهوي في الأرض بقوة في دوائر لا نهاية لها، وأحمد بجانبها يصرخ ولكن من شدة الإثارة..تلت في سرها كل السور التي حفظتها منذُ أن كانت طفلة...ألن تتوقف هذه اللعبة أبداً!!!

وكأن الله استجاب لدعواتها فتوقفت، لكنّ رأسها لم يتوقف عن الدوران!!!
- "مريووم" قومي، لقد ذهب الجميع..

ابتسمت له ببله دون أن تعي ما يقول، كانت الرغبة بالتقيؤ هي التي تسيطر عليها تلك اللحظة..
- هيا، قومي سنلعب لعبةً أخرى.
…………-
- ما رأيك أن نلعب في السفينة تلك؟!

التفتت إلى هناك، وكان يكفي أن تسمع أصوات الصراخ المنبعثة منها لتدرك أنها تفوق 10 أخطبوطات من تلك التي ركبتها منذُ قليل!!

أنهضت نفسها بثاقل، تحاول ألا يختل توازنها، أمسكت نفسها كي لا تصفعه.
- تريد أن تلعب لعبة أخرى؟؟ هيهات..أنا لن ألعب معك.
- سألعب في السفينة..سألعب.
- إذن اذهب وألعب فيها لوحدك.

وسارت عنه دون أن تترك له مجال، أما هو فلم ييأس وتوجه إلى حيثُ يريد، التفتت "مريم" خلفها لكنه كان قد ذهب، أكملت سيرها إلى حيثُ تجلس أختها بهدوء تراقب الأطفال وهم يلعبون، تدحرجت كرة أسفل حذاءها، تقدم منها طفل بخجل وتردد وهي يشير إلى كرته، ابتسمت له بلطف، احنت جذعها وناولتهُ كرته..أخذها منها شاكراً وسار إلى البعيد..تلاشت ابتسامتها..أسيكون لي طفل يوماً ما..يناديني "ماما "، أسأحوز هذا اللقب قبل أن أختم سير حياتي أم أنهُ سراب آخر من سرابات "أبو محمد"!!! لا أدري إن كان وصل إلى قطر أم لا، سأتصل به في المساء..
انتبهت لحركة "مريم" بجانبها، حركت عذق المشموم بخفة أمام أنفها الأقن:
- أين "أحمد"؟
- لقد تركته يلعب.
- لوحده؟!!
- وماذا تريدين مني يا آنسة؟! أن أركب معه في كل لعبة..

"آنسة..يا ليتني أعودُ آنسة، أدفعُ عمري كله لأسترجع هذا اللقب ".

- الدنيا ليست أمان كالسابق، كل يوم نسمع عن اختطاف طفل والعياذ بالله.
- إنهُ يلعب في الجوار، كما أنه يعرف مقرنا وأرقام هواتفنا.
عللت دون اقتناع وقد بدا الخوف يغزو قلبها لكنها حاولت أن تطرده.

في الجانب الآخر، كان "فيصل" مع "خالد" يتمشيان، لمحهُ هذا الأخير واقفاً ينتظر دوره ليقطع تذكرة ركوب، ناداه وهو يشكر "فيصل" في داخله لأنه سحبه إلى هنا بالرغم من اعتراضه في البداية.

"- أحمددددد".
التفت الصغير وقد اتضحت لهُ هوية المنادي، فاقترب منه مطمئناً:
- كيف حالك يا صغير؟
- بخير. (ردّ بخجل.(
ودّ أن يسأله أسئلةً كثيرة لكن وجود "فيصل" منعه.
- أتلعب هنا وحدك؟!
- أجل. (ردّ بخجلٍ أكبر).
شعر "خالد" بالإحباط لكنهُ أردف:
- أتريد أن تأتي معنا، سنلعبك في ألعاب كثيرة.

وبدون تردد سار معهما، مرحوا كثيراً واستمتع "خالد" بصحبته بالرغم من شعوره بالإحباط، ربما لن تُتاح له أن يراها هذه المرة..


مرت ساعة وهم هكذا وقد بدأ الغروب بالبزوغ وتوارت الشمس خلف الأفق..
في البعيد...اشرأبت عنقهما لكل طفل يلوح أمامهما..بدأ خوفها يتصاعد:
- لا بد أنه في يلعب في لعبةٍ ما..إنهُ لا يسأم. (أخذت تبرر).
………..-
- سأذهب لأبحث عنه.

ونهضت بقلق، عادت إلى آخر موضع تركتهُ فيه لكنها لم تجده، ذهبت بالقرب من السفينة لكن أفواج الناس تمنعها من الرؤية، كل ما تراه رؤوس كثيرة..أين تجده في هذه الزحمة؟!

عادت لليلى، سألتها بلهفة:
- هل وجدته؟

هزت كتفيها بيأس وهي تكادُ تبكي هلعاً:
- لم أره..لم أره.


 
 

 

عرض البوم صور roudy   رد مع اقتباس
قديم 11-03-07, 04:02 PM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 12480
المشاركات: 3,036
الجنس أنثى
معدل التقييم: roudy عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 44

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
roudy غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : roudy المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء [5] من قصة ضلالات الحب




أمسكتها من يدها، وهما تسيران دون هدى لتبحثان عنه، كانت "مريم" ترتجف..قدماها لا تقويان على حملها..ماذا لو حدث لهُ شئ..هي السبب..هي من تركته...لن تسامح نفسها أبداً.

فتشتا في كل مكان، أو بالأحرى "ليلى" هي من كانت تفتش، كانت "مريم" تتهالك على أي شئ فلقد أخذ منها الخوف كلَّ مأخذ وشلّ أطرافها الممزقة من التعب.

أما تراه الآن حقيقة أم خيال رسمه لها عقلها الباطن؟!! لمست كتف أختها دون أن تحول عينيها، كان ماسكاً يد أخيها هو وشخص آخر..يأرجحانه في الهواء وهو يضحك بحبور، بدا شفافاً تلك اللحظة وقد خلع رداء القسوة الذي يغلف نفسه به دائماً..يتغير الإنسان كثيراً حين يتصرف بعفوية..

- ليلى..وجدته "وجدتُ قلبي"، وجدتُ أحمد..

لكن الأخيرة كان ذهنها منصرفاً إلى شئٍ آخر، إلى شخص تعرفه تماماً، تعرفه ولم تتوقع في يوم من الأيام أن تراه..وأين؟! هنا؟؟

ردت عليها بصوتٍ غائب:
- اذهبي واحضريه إذن، سأتصل لوالدي لنعود.

وابتعدت عنها دون أن تسمع ردها، تتابع طيف ذلك الشخص الذي يجول بمفرده، أتُراه لازال يذكرها؟؟!

سارت "مريم" ببطء، توارت خلف عمود إنارة فبان نصفها الأيسر فقط..منذُ متى لم تره..مضى وقتٌ طويل أليس كذلك؟! ألا ترون أنهُ نحل قليلاً..

كانوا قد اقتربوا، أرادت أن تنادي أخاها، لكنها تعرف أنّ حنجرتها ستخونها حتماً، تريدُ أن تملأ عينيها من صورته..فربما غداً لن تراه..سيصبح لأخرى..سيتزوج وستُعلن الحداد على قلبها للأبد!!

لمحها "أحمد"، حاول أن يسحب يديه منهما لكن هيهات:
"- خالد".."فيصل" دعوني، أختي تنتظرني.
- أين؟؟ (سأل "خالد" بلهفة وقد ترك يدهُ الصغيرة).

لم يُجب وسار إلى حيثُ تقف، رفع رأسه، كانت مختبئة خلف العمود، تلاقت عيناهما، أطيافُ الحزن قد تجمعت فيها وبدا لونها الأبيض شاحباً، طأطأت رأسها تتحاشى عينيه، يكفيها كل العذاب الذي لاقتهُ منه..

شدّ أحمد طرف عباءتها بمرح فاهتزّت خواطرها:
"- مريووم" يا ليتكِ كنتِ معنا..لقد استمعتُ كثيراً.
………..-
"- خلّوود" ركب معي في كل الألعاب، إنهُ أفضل منك!! ليس مثلكِ خوّاف..
…………………-

رفعت رأسها إليه من جديد، لازال واقفاً ينظرُ لها بتردد، حوّلت وجهها إلى أخيها، لم تعاتبه، لم تصرخ عليه كالعادة لأنها ببساطة كانت تشعر بالضياع..تشعر بالحزن..بالألم..بالجرح الذي سببهُ لها ذلك البعيد القريب، أمسكت يد أخيها لتعود إلى حيثُ أتت، لكن الأخير أفلتها وهو يصيح بإنفعال:
- سأودعهم، سأقولُ لهم "مع السلامة" على الأقل..

"آآآه، لحظة الوداع حانت، ليس بي قدرة على التحمل أكثر، رحماك يا رب..يا قلب ابعث لهُ سلامي".

تركها "أحمد"، ذهب عندهم، أما هي فلفت وجهها بعيداً بعيداً كي لا يلاحظ تلك الدموع التي بدأت تحرقُ مقلتيها وهي تصارع للخروج بعناد..

- كيف حالك؟!

لفت وجهها سريعاً لمصدر الصوت، كان قريباً، قريباً جداً وبعيد في نفس الوقت، جفلت وابتعدت لا إرادياً قليلاً إلى الوراء.

- كيف حالك؟ (كرر سؤاله وهو يحتوي وجهها بعينيه بحنان).

"أتسألني عن حالي؟! ماذا تتوقع وأنت تقتلني بدل المرة مليون!! أرجوك ابتعد، اخرج من حياتي، فهذا أفضل لي و....لك!!"

لم ترد، بل أطرقت وهي تنظر للأرض بعينين لا تريان.
- مريم....
نطق اسمها ولأول مرة أمامها، رنّ اسمها في أذنيها بوقعٍ غريب لم تسمع مثله من قبل!!
……………-
- مريم، أنا أكلمك ، لم لا ترفعين رأسك؟
……………-
لم تستجب، لا تريد لوجهها أن يفضح مشاعرها تجاهه، أن تذل نفسها لإنسان لا يستحق هو آخر ما تريدُ فعله.
- لقد اشتقت لرؤيتك ورؤية وجهك!! (قالها بحرارة.(
!!!!!!!!!!!!!!!-
تجرأت ورفعت رأسها وقد عمّ الاحمرار جميع قسمات وجهها، رمشت عينيها بخجل، لكنها لم تقوى على النظر إليه هكذا..مباشرةً، غضت طرفها وأطرقت رأسها من جديد، رفعت رأسها فجأة وكأنها انتبهت لنفسها، كيف تسمح له بأن يكلمها هكذا دون حدود؟! ثم أليس سيتزوج قريبا!! لم هذه التمثيلية إذن؟!

دائماً تخونه مشاعره أمامها، كلما حاول أن يتمالك نفسه، كان شيئاً أقوى منه يشده، يجعلهُ ضعيفاً أمامها..يدفعه لأن يعترف بأشياء لا يريدُ الاعتراف بها حتى لنفسه!!!
- مريم أنا..
- أنت ماذا؟! (صاحت فيه بإنفعال.(
- أنا...أنتِ أريد أن أقول..أقصد لاشئ..لاشئ!!
هزّ رأسه نافياً وكأنهُ غير رأيه في اللحظة الأخيرة.

"تريد أن تقول أنك ستتزوج، اطمأن فأنا أعرف، أصبح خبراً قديماً..". كانت الغصة أقوى منها، أقوى من أن تتمالك أعصابها المرهفة..أتعرفون إلى أي مدى يقودنا اليأس؟!

- لماذا تفعل بي هكذا؟! (سألته بتباكٍ).
……………..-
- حرام عليك حرام..
- مريم أنا...
- يكفي، أنا لا أريد أن أسمع شيئاً منك، أرجوك فقط ابتعد عن وجهي لا أريدُ أن أراك.

وأردفت وهي تريد أن تؤلمه، أن تؤذيه كما آذاها في قلبها..في الصميم:
- أنت شخص كريه، غشاش لا تُطاق..أنت لا شئ بالنسبة لي، لا شئ أتفهم، لذا أرجوك لا تتعب نفسك وتحادثني للأنني لن أهتم لشخصك أبداً.

دارت بغضب، الكلام معه لن يُجدي أبداً، كيف لمثله أن يشعر، وكيف لها أن تُحب شخصاً مثله!! أما هو فقد جرحتهُ كلماتها، الكلمات أقسى من الفعل أحياناً، اسمعت أيها الأحمق ماذا قالت وأنت كنت وبكل غباء ستعترفُ لها بحبك الأرعن مثلك!!!

أعماهُ الغضب، لا بل كلماتها هي من أعمته، أمسك ذراعها من الخلف بعنف وأدارها أمامه:

- ماذا تفعل، أترك يدي...هل أنت مجنون؟!

لازال قابضاً عليها بقوة وآلاف الشياطين تتراقص أمام عينيه...

- لا تمسكني هكذا أمام الناس، إنهم ينظرون إلينا. (صاحت فيه وهي تحاول جاهدة أن تسحب يدها من قبضته.(

صرخ فيها بوحشية:
- أتريدين أن أمسك بكِ في مكان آخر، بعيداً عنهم؟!!!!
===============
و لا زالت الضلالات مستمرة....
يا تُرى من الشخص الذي رأته ليلى؟!!
وماذا عن مريم وخالد..أين سينتهي بهما المطاف...
أحداث كثيرة تنتظر أبطالنا في المهرجان..
أسينتهي ذلك اليوم حقاً على خير؟!


 
 

 

عرض البوم صور roudy   رد مع اقتباس
قديم 11-03-07, 04:03 PM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 12480
المشاركات: 3,036
الجنس أنثى
معدل التقييم: roudy عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 44

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
roudy غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : roudy المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

(16)
اقتربت منه، كان مُديراً ظهره لها، ينظر دون هدف، أجاء هنا لوحده...أم؟!!

- س..سلمان.
لم يسمع، رفعت من طبقة صوتها قليلاً بتردد.
- سلمااان.

والتف إلى صاحبة الصوت، فتح عينيه بدهشة ممزوجة بالفرح:
- من؟! ليلى..معقول!!

وابتسمت، بل ضحكت بحبور في وجهه، تقدم منها أكثر حتى بات يواجهها تماماً:
- كيف حالكم، وكيف حال الوالد ومحمد؟!
- بخير، كلنا بخير والحمد لله!!!!
- وأنتِ ما هي أخبارك؟
- ب..بخير، لا زلنا أحياء في هذه الدنيا..

وحل الصمت، كلاهما يفكر بجملة..بسؤال..بأي شئ!!!

- أأتيت هنا للسياحة؟!
- كلا، أنا أعمل هنا منذُ مدة، عقدي سينتهي بعد شهر وسأعود حينها للبلاد.
…………….-
- أين تقطنون،أ..ربما أزور "محمد"، اشتقت له كثيراً.
قالها وهو ينظر لها بحنو، بحسرة من أضاع شيئاً..شيئاً كان يوماً نفيساً بالنسبة إليه.

"لا تنظر إليّ هكذا، لم أعد أنفعُ بشئ، لم أعد ليلى، لم أعد أعرف حتى نفسي!!!".

- نسكنُ في "......."، سأعطيك رقم هاتف المنزل إذا أضعت يوماً..

سجل رقم الهاتف، أخذت ترمقه، كم تغير كثيراً، بات أكثر صحة، حتى أن جسده اكتسب بضعة أرطال..كانت أيام!!!

- طيب، عليّ أن أعود الآن، استودعك الله.
- مع السلامة.

لوح لها مبتعداً وهو يبتسم، عادت لها كآبتها من جديد...سلمان..لماذا الآن..لماذا!!!

كان جارهم، وصديق أخيها "محمد" منذُ الطفولة، يتردد كثيراً لمنزلهم، جعلت منهُ فارسها وهو أيضاً كان يبادلها نفس الشعور وربما أكثر، لكنّ ملازمته لمحمد جعلتهُ مدمناً مثله، وكأنه طبق المثل القائل: الصاحب ساحب!!!!

ولكلٌُّ إرادة متباينة، ولصاحبنا هذا إرادة من حديد، لكنها لم تشفع له!!! فقد تعالج في إحدى عيادات الإدمان وحين تقدم للزواج منها والدها رفضه!! رفضه لأنه لا يرتضي لإبنته أن تأخذ مدمن مخدرات حتى ولو كان يحمل لقب (سابقاً)، ما أدراها ربما يعود مرةً أخرى للإدمان، دمهُ ليس نظيفاً مائة بالمائة، له قابلية للإنجذاب لأقل شئ، لمجرد الإسم فقط، رفتيل..لبتيل..تبتيزل..ال.اس.دي، هيروين..كوكايين والبقية تأتي !!!
"لم لم تعطه فرصة يا والدي، لو تراه كم تغير، بات شخصاً أفضل، كل إنسان يخطأ، فإذا كان ربُّ السماء يرحم ويسامح، فلم لا نسامح ونحن عبيده..مجرد عبيد..

سامحك الله، ظننت أنك أخرجتني من ورطة، فوقعتُ في "أبو محمد" !!!!
هزت رأسها بتهكم ساخر، ودلفت لتبحث عن أختها وأخيها...

=======

"-خالد" دع أختي، لا تضربها، أنا لا أحبك، لن أكلمك بعد الآن.

تطلع إلى الصغير، ثم تطلع لأخته، تلك التي تثير جنونه، يود أن يضربها أحياناً فعلاً!!!

ترك يدها بإزدراء وكأنها لا شئ، كانت طوال الوقت صامتة تتطلع له بعجب وكأنّ لوثةً أصابتها!! تحاول أن تحلل جملته الأخيرة في ذهنها لكنها لا تجدُ لها معنى أو تفسير!!

وحين تركها، أفاقت من شرودها الذاهل، وابتعدت عنه بخطوات بعيدة إلى الوراء، إلى حيثُ ينتصب عمود الإنارة، لكنها لم تصطدم به بل أصطدمت بجسد أختها العائدة للتو.

- ماذا جرى لكِ، كيف تمشين للخلف هكذا كالحمقى!!

لم تجب، لازلت تنظرُ إليه، على وجهها تساؤلات كثيرة وفي عينيه إجابات مغلقة لا تقدر أن تفك شفرتها.

تطلعت "ليلى" إلى حيث يقف أخاها وبجانبه ذلك الشخص، نقلت بصرها بين الاثنين تريدُ أن تفهم..لكن لا حياة لمن تنادي..

- لقد اتصلتُ بوالدي عدة مرات لكنهُ لا يرد.
………………….-
- سنذهب لنبحث عنه في الموقف.

وأشارت ل"أحمد" فهرع إليها وهو متضايق من الموقف برمته، لا يريد أن يخسر صديقه الجديد ولا أن يُغضب أخته التي ستضبُّ جام غضبها عليه بعد قليل وكأنهُ السبب في ما حصل!!

لكنها لم تكن غاضبة، كانت حزينة أو بالأحرى لا تستطيع أن تحلل مشاعرها إلى حقيقتها تلك اللحظة..

ساروا ثلاثتهم بصمت، كلٌُّ سارح بخواطره، ليلى وسلمان، ومريم وذلك المتعجرف، وأحمد والألعاب التي لم يشبع منها بعد!!

شدتهم الفوضى، رفعوا رؤوسهم دفعةً واحدة، حيثُ يتجمهر الناس في موقف سيارات الأجرة، توقفت "مريم" وهي تشدُ على يد "أحمد"، وتبادلت وأختها النظرات، هزت تلك الأخيرة رأسها بنفي وأنطلقت إلى هناك..

وتسارعت النبضات بين خافقيها دون أن تدري سبباً لذلك، كانت تشعرُ بالجزع، بشعورٍ سئ، لا تريد أن تذهب إلى هناك وترى ما يحدث، لا تريد وكفى!!!

وتهالكت على الرصيف، تسمع توسلات "أحمد" ليلحق بأخته، تطلعت إليه لثوانٍ ثم نظرت إلى السماء، بدت النجومُ فيها قلوباً واهنة تنبضُ من بعيد، عادت تنظر بزيغ إلى "أحمد"، وتعاودُ الدعاء..

======

- هل انتهى الفيلم الهندي!!
………………….-
- وددتُ أن أصوركما بكاميرة جوالي، لكني خفتُ أن تذوب العدسة!!!
- تذوبُ من ماذا؟ (سألهُ بحنق.(
- من حرارة المشاعر!! منذُ زمن لم أشاهد أفلاماً هندية، ذكرتني بأيام "أميتاب بشان وسرديفي" الله يذكرك بالخير!!! (وضحك مقهقهاً.(
- لو تعرف كم أنت سخيف..(قالها وقد علقت ابتسامة خفيفة على شفتيه).
- وما دمت يا أخي تحبها لهذه الدرجة، أخطبها وارح نفسك.
- وهل قلتُ لك أني أحبها يااااا "أبو العريف"، إنها لا تعني لي شيئاً، تلك المغرورة بلا شئ.
- لستَ بحاجة لأن تقول ذلك، تصرفاتك البلهاء تفضحك.
- أنت الأبله بشاربك هذا.
- ابتدأ موّال الغيرة.
- وبالإضافة إلى كوني لا أحبها، فهي لا تصلح لي كزوجة أبداً.
- لماذا؟
- كم مرّة أعدتُّ عليك قائمة مزاياها.
- هذا ليس سبباً كافياً، أنت ستأخذُ الفتاة لشخصها وليس لحسبها ونسبها وما شابه. (قال بحدة استغرب منها خالد.(
- حين تأخذ فتاة ما لن تأخذها وحدها فقط، بل ستحمل معها اسمها واسم عائلتها، فإذا كانت عالية رفعتك إلى فوق، وإن شابتها شائبة مرّغت رأسك في الطين!!
- وما أدراك أنّ صاحبة الرصيد الكامل من النسب والحسب والمقام كما تزعم، لن تمرغ رأسك في الوحل، أتحسب كل من تعيش في بيت أهلها معززة مكرمة هي فتاة شريفة؟!! اسألني أنا، كل من أعرفهن بنات عائلات والله لا يساوون ظفر أنملة من هذه الفتاة.
- ما دامت تعجبك هكذا لم لا تتزوجها أنت إذن؟) صاح فيه بغضب.(
- لا فائدة منك، لن تتغير أبداً، هذا الأنف المتكبر لا يعرف الإنحناء.
- صه، انظر لهذه الجمهرة من الناس، يبدو أنّ حادثاً حصل.

نظر "فيصل" إلى حيث يشير "خالد" وسارا معاً ليرا ما هناك....

========

ألم تتأخر "ليلى"؟!
يكفي، ما عاد بي قدرة على التحمل، لم يعد بي قدرة على النهوض، لا بد أنّ ما أتخيله حقيقه، وساوسي حقيقة وأحلامي سراب..سراب...

سار عنها "أحمد"، لم تستطع أن توقفه، بل لم تنتبه لفراره، تخاطبُ نفسها وتدعو في سرها أنّ ما يدور في ذهنها هو من وحي تهيؤاتها فقط، فليتحقق هذا الأمل فقط وبعده لا يهم، لا يهم....

انتشلت نفسها، لقد تأخروا كثيراً، تسحبُ نفسها ببطء، تمشي بعينين نصف مغمضتين، لا تُريد أن تُصدم فجأة، ها هي تفتحها، وتغلقها حيناً حين تقترب، يالله يا لأعداد الناس الغفيرة، لكأنهم في حفل!!

اشرأبت عنقها وهي تحاول أن تقف على رؤوس أصابعها، لعلها ترى شيئاً من بين تلك الظلال البشرية، ولمحتها..

كانت جاثية على ذلك الجسد، تلمهُ بما استطاعت به أن تلمه وثلةٌ من النساء يحاولن أن يبعدنها لكنها لازالت متشبثة بذلك الجسد الذاوي.

ردت بصرها إلى الخلف بسرعة، ثم عادت لتنظر إلى الطريح على الأرض، كررت هذه الحركة عدة مرات، كانت تسمع أصوات...همسات تناديها "م..ر..ي..م" ثم تليها ضحكات مجنونة، لتعود تناديها مرةً أخرى بذلك الصوت الهامس "م..ر..ي..م".

ابتعدت عن الأشجار وهي ترتجف، لا بد أنّ حفيفها هو من يصورُ لها تلك الأصوات، اقتربت أكثر، همهمات كثيرة طغت حول المكان:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
"ليرحمه الله كان رجلاً طيباً"
"مسكين، مات في الغربة، ليساعد الله عياله".

لم تصغ السمع أكثر، أذناها ترفضان استقبال هذه الكلمات، أرادت أن تدخل بينهم، أن تشارك في المعمعة، أن تغوص مع تلك الأمواج البشرية، لكنهم لم يسمحوا لها، الكل يتسابق لتصوير الحدث بالعين مباشرةً.

" ابتعدوا أرجوكم، هذا الجسد أعرفه، وتلك الفتاة التي تبكي أختي و.....أين أحمد؟!!"

رددت في نفسها بذهول السكران، عادت لتجلس على أي شئ، تديرُ رأسها حول المكان ببله، تناهى إلى مسمعها صوت سيارة إسعاف، أصوات كثيرة مزعجة، لكنها لا زالت تبحث عنه بعينيها، عيناها هما الوحيدتان اللتان تتحركا، أطرافها خدُرت، ترفض أن تُطيع وتتحرك..

شعرت بالصداع يعودُ إليها من جديد، أراحت رأسها في حجرها وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة..

اقتربا، الصور تتضح والموقف المتماهي يتضح شيئاً فشيئاً، في زاويةٍ ما كان مختبئاً، يعضُّ على يده بقوه وجسد الصغير ينشج بصمت كنشيج الميازيب في مواسم المطر، ميّزهُ "خالد" فأسرع إليه...كيف لا؟! أليست أخته!!

"- أحمد".
وخرجت من فمه الصغير شهقة مكتومة، عاد ليكمم فمه بيده من جديد وجسده يرسل اهتزازات عنيفة...
- ماذا بك، لم تبكي؟!
…………..-
- ماذا حصل؟ سأله بخوف.

لا زال يبكي دون أن يحر أي إجابة، أبعد "خالد" يده و هو ينزل بمحاذاته:
- أبي..................... م..ا...ت.

وارتمى في حضنه، بهت "خالد" في مكانه، صمت لبضع لحظات، كان يضغط رأسه على صدرة بقوة لكأنهُ يودُّ اختراقه. ربت عليه وهو يفكر بالأخرى..تُرى كيف حالها الآن؟! نهض من على الأرض بعد أن هدأت شهقاته، لمّهُ بجانبه وهو يسير معه إلى هناك و"فيصل" يتبعهما، كان يزدادُ إنكماشاً كلما اقتربوا، أحسّ به "خالد" فغير رأيه، نادى "فيصل" وطلب منه أن يبتعد به قليلاً ويشتري له أي شئ ليهدئه...

أخذ يجول بين عينيه بين الحضور، أتت سيارة الإسعاف، لقد تلاشى الرمق من ذلك الجسد...

لا زالت دافنةً رأسها، تحاول أن تتجاهل كل ما يجري، أن تعزل أذنيها عن كل الأصوات النشاز، لا تريد أن تصدق ما يجري.. "أريدُ أن أعود للبيت لأرى كل شئ كما كان، كما في السابق" أخذت تخاطب نفسها، رفعت رأسها ببطء وكأنها انتبهت لشئٍ ما، شئ نسته، شئ غاب عن ذهنها للحظات..

"أحمد..."

تطلعت إلى حيثُ الناس، إلى تلك البقعة، لقد نقلوه!!! أحست بلوعة، بغثيان، برغبة في التقيؤ، دمعتها لم تحدر بعد، لم تجد لها مرسى، لازالت تائهة، ضائعة مثلها هي....

أخذت شهيقاً بطيئاً وهي مغمضة عينيها، زفرت الهواء المحبوس في رئتيها بقوة، بقوة وهي تتقرح...أمسكت معدتها وهي تشعر بشئ حارق، يغلي بداخلها، يخنقها ويحيلها إلى هشيم...

كل هذا يحدث أمامه وهو يقف ساكناً لا يجرؤ على التقدُّم، منظرها يقطعه، يفتته إلى لاشئ..

ارتكزت بباطن كفيها على الأرض، دفعت نفسها لتنهض، وبصعوبة وقفت..

تلفتت حولها، تفرقت الجموع قليلاً واتضحت الرؤية، النساء لازلن يحطن بليلى، يحاولن أن يسكتنها وصوت عويلها يخترقُ السماء، تبكي روحاً عرجت إلى الملكوت منذُ قليل...

تريدُ أن تبكي، أن تصرخ مثلها، لكن هدوءاً عجيباً يهدرُ بداخلها، يرخي أحبالها الصوتية، يمنع حنجرتها من التعبير، الحزنُ هو من يغلفها، يطوقها بتلابيبه، يعصرها عصراً ويعطل طاقتها، لا يترك لها المجال للتفكير حتى..

نادت بهمس- هذا ما استطاعته- ليلى..أنا لا أرى أحمد، أين ذهب؟!

لكنَّ الأخيرة في خبر كان!!! لم تكن تسمعها أو تراها حتى، كانت في عالم آخر، عالم بعيد، هناك حيثُ انتُشل الجسد..

رآها تحرك شفتيها في الهواء، تخاطبُ نفسها كما لو كانت مجنونة، اقترب، لم يصبر..شئٌ أقوى منه يشده، انتبهت لخطواته فاستدارت ناحيته وهي تحملق فيه دون استيعاب، عاد فكها ليتحرك من جديد وبنفس الهمس سألت:
- أرأيت أحمد أخي؟!

منظرها الذاهل ألجمه، قطع نياط قلبه، تكلمه وكأنها من عالم آخر:
- بحثتُ عنه لكنني لم أره، ضاع مرةً أخرى.

ثم وضعت أصبعها بسرعة على فمها وكأنها تنفي:
- هو من تركني هذه المرة، لم أتركه أقسم بالله..أسأل حتى ليلى!!

حركت يديها في الهواء وهي تشير إلى "ليلى" بيأس، أردفت بإختناق:
- أكلمها منذُ مدة لكنها لا تسمعني...
…………….-
- أ..أ..أب..أبي ينتظرنا ونحنُ لم نصلي بعد!! أبي...رددتها بشرود وهي تنظر إلى البقعة من جديد.
……………..-
- لكنهُ ذهب صح؟! ذهب؟! ها أجبني؟! ذهب أم لم يذهب؟!
…………….-
- أتعتقد أنهُ سيلتقي بأمي هناك؟!
……………..-
- كلهم يذهبون أنا أعرف، كل من أحبهم يذهبون.... ردت بصوتٍ مبحوح.

وضعت يديها على رأسها وهي تهزه، لكأنها تريد أن تبعد خواطرها، تقذفها إلى حيثُ النجوم, إلى البعيد...

عادت من هذيانها، يتأملها بعجز، تبدو كورقة خريفية تقصفت عروقها للتو، فقدت ما تستندُ إليه، فتخلل فُتاتها بين الأصابع، ارتحل مع هبّات الرياح، إلى مكان آخر..أين..لا أدري!!

أردفت بلوعة وهي تأن:
- وأحمد..أين هو..ذهب أيضاً؟!
- أحمد معي، لا تخافي. أجاب بصوت أجش.
- أين؟!
- مع صديقٍ لي الآن، اهدأي قليلاً.
- لن أرتاح قبل أن أراه. "ألا تعرف أنهُ وصية من أمي، و...أبي قبل أن يرتحل".

أراد أن يعود ليرجع بأخيها، لكنّ قلبه لم يطعه أن يتركها في هذه الحالية المزرية، وقف متردداً في اتخاذ القرار ربما لأول مرة في حياته..

أخيراً أمسك بهاتفه، واتصل بفيصل طالباً منهُ أن يحضر مع الصغير..

عاد ليختلس النظر إليها، كانت واقفة بحيرة، بعودها النحيل، ورغم شحوبها إلا أنها بدت جميلة، جميلة رغم كل شئ..

حضروا، أحمد يزدادُ انكماشاً، يمشي بتردد، مدت لهُ يدها بإرتجاف وتقطعت تلك الخيوط الواهنة التي كانت تلمُّ بها نفسها المبعثرة..

الليل يزدادُ حلكة، كل شئ ساكن، ماعدا تلك النهنهات المنبعثة من تلك القلوب المفجوعة....

" وكل من عليها فان (26)ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27)"

تلاشوا جميعهم، ودّ "خالد" أن يلحق بها لكن "فيصل" أمسكهُ محذراً، تابع خيالها وهو يتوارى لآخرِ لحظة، قفل عائداً إلى سيارته، طلب من "فيصل" أن يتولى القيادة وهو يفكر بصمت وألم..



 
 

 

عرض البوم صور roudy   رد مع اقتباس
قديم 11-03-07, 04:03 PM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 12480
المشاركات: 3,036
الجنس أنثى
معدل التقييم: roudy عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 44

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
roudy غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : roudy المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

(17)
كان عزاءاً بسيطاً، لا يتجاوز عدد المعزين الأصابع، معظمهم من الجيران..أليسوا بدار غُربة!!!

لم تخرج "مريم" لأحد، اعتكفت في دارها، حتى "أمل" و "سلمى" امتنعت عن الظهور أمامهما..

تولّت "ليلى" إكمال المراسيم، لم يعد أحد هنا، لا أحد، لقد اختفى مصدر الأمان، بمن سيتظللون الآن؟!!

أرسلت لزوجها رسالة تخبره بوفاة والدها، ردّ لها رسالة تعزية ذكر فيها أنهُ سيعود بعد يومين لأنه لا يقدر أن يترك عمله الآن!!!

سمعت دق الباب، نهضت بتهالك وهي تُعيد ترتيب حجابها، ورغم أنها جعلت فرجة الباب ضيقة، إلا أنّ نور الشمس بهر عينيها فابتعدت قليلاً عن مصدر الضوء وهي تشرع في فتحه على مصراعيه.

- السلام عليكم.

رفعت رأسها بتعب وقد أثارها الصوت، ذكرها بشئٍ قديم:
- وعليكم السلام والرحمة.
- عظّم الله أجركم.
- أجرنا وأجركم.
- كيف حالك؟
- بخير.
- محمد موجود؟

هزت رأسها نفياً...ماذا تقول له؟! أتقول أنًّ "محمد" لم يحضر العزاء حتى، وكأنّ الراحل لم يكن أباه!!!!!

وقف "سلمان" بتردد، يريدُ أن يدخل وفي نفس الوقت لا يقدر، هكذا تُحتم عليه الأصول.
- أتحتاجون لشئ..أي مساعدة أنا بالخدمة..

هزت رأسها مرةً أخرى وهي تتمتم له شاكرةً، تأملها وكأنها كبرت 5 سنوات..كم عمرها الآن، آه نسيت هي تصغرني بعامين!!

- خذي رقمي، ومتى أحتجتم لشئ، أي شئ، اتصلي بي ولن أتأخر.

وقفت بتردد، أن تأخذ رقمه يعني أن تبقى على اتصال به، أن تسمع صوته من جديد، أن تراه، أن تتذكر تلك الأيام الخوالي، هي الآن متزوجة، على ذمة آخر، المفروض هو من يبقى بجانبها وليس الغريب، ولكن أين هو؟!! فضّل عمله على البقاء بجانبي..

- لحظة.

دخلت البيت لتحضر ورقة وقلم دون أن تغلق الباب خلفها، تقدم قليلاً وأطلّ برأسه حول المكان يُعاينه، عادت بسرعة وتراجع قليلاً إلى الخلف، دونت الرقم وقبل أن ينصرف قال:
- انتبهي لنفسك يا "ليلى".
- وأنت كذلك. (ردت بهمس.(

أراد أن يضيف شيئاً، لكنهُ أحجم، كرر عزائه وابتعد..تابعت خياله إلى أن ركب سيارته، سيارته (بي أم) أيضاً..يا للصدف!!

أغلقت الباب خلفها وهي تتنهد بأسى، بروح الغريق، لقت "أحمد" جالساً في الصالة، بات هذا الولد عدائياً، يثور بسرعة كعود كبريت، لا تعرف كيف تتعامل معه، وحدها "مريم" من تستطيع السيطرة عليه، يحبها كثيراً أكثر منها تعلم ذلك تماماً، هذا الشئ يضايقها أحياناً، و لكن أين هي "مريم" الآن، لا زالت حابسةً نفسها في غرفتها..

- "أحمد" ماذا تفعل، أقفل قناة الأغاني، لا يجوز..

نظر لها بإستهتار، أمسك بجهاز التحكم وهو يزيد من موجة الصوت، تطلعت إليه بدهشة، وعندما فاقت من دهشتها، سحبت منه الجهاز وهي تصيح فيه بعصبية.

- أجننت؟! لا بد أنك جُننت.
- لماذا؟
- لا يجوز.
- لماذا؟ (رفع من صوته.(
- لا يجوز وكفى.
- لمااااااااااااااااااذا؟ (صرخ بقوة وهو ينتفض في جلسته).
- لأن...لأن أبوك ميت ولم يمر عليه إلا بضعة أيام.

هدأ في مكانه وهو ينظر لها بغضب، بحقد، لا تدري لم تعرف أن تميز نظرته، ماذا حلّ به؟؟!! "تعالي يا مريم وانظري..".

وقف بقامته الصغيرة ودلف عنها إلى غرفة والده، لم يرضى أن يتركها وينام معهما، حاولت معه بشتى الطرق، حاولت أن تخيفه حتى ومع هذا أصرّ على رأيه ذلك الطفل!!!!

أرادت أن تلحق به، ولكن ما الفائدة، لن يسمع لها، هزت كتفيها بيأس وسارت لأختها، هي الأخرى انقلبت 180 درجة، ولكن من منا لا يتغير؟!!

==============

- الجامعة كريهة بدونها، مملة لا طعم لها.
- لا تحس بقيمة الشئ إلا بعد أن يغيب عنك.
- صدقتِ. ردت "أمل" بشرود.
- فاتتها العديد من المحاضرات، بالإضافة إلى الإختبارين الذين قدمناهما.
- امممم، بالنسبة للإختبارين فلديها عذر رسمي، أما بالنسبة للدروس فسأحاول تزويدها بالشرح والملاحظات.
- ألا تعلمين متى ستعود للجامعة؟
- لقد اتصلتُ بها البارحة وأخبرتني بأنها ستلتحق بنا هذا الأسبوع، تنتظر أن تنظم أختها أوقات عملها حتى تبقى إحداهن مع "أحمد" إذا غابت الأخرى.
- آآه..مسكينة، حياتهم تبدو صعبة هكذا.
- الحمدُ لله على كل حال، هذا ما كُتب لهم.
- ونعم بالله.

دخل "الدكتور" فصمت الجميع، توقفت "أمل" هي الأخرى عن الكلام ولكن ليس بسبب دخوله هو، ولكن للسائر خلفه وهو يرمقها بإبتسامة ود وأكثر....

أطرقت بخجل، وقلبها يكاد يقفز بين جوانحها، تابعته بعينيها إلى أن سار إلى مقعده بالخلف، انتبهت لها "سلمى"، لكزتها بذراعها وهي تهمس:
- إلى ما تنظرين؟! لقد بدأت المحاضرة.

اعتدلت في جلستها، لكنها لم تفهم شيئاً من المحاضرة، كان عقلها شارداً، يحلق في أجواء الصف، مع ذلك الجالس بالخلف، متى سينطق متى؟!!!

===========

دارت حول الصالة بتوتر، أخذت تقرأ عقارب الساعة كل حين، بات يتأخر كثيراً عن السابق، بل أصبح يحدد لها موعداً كما لو كانت تعمل لديه والمصيبة أنه لا يحضر أيضاً!!!!

لم تعد تراه إلا بالمكتب صباحاً ويكون حينها مشغولاً بإجتماعاته التي لا تنتهي، وحين تدق الواحدة ظهراً تعود للمنزل حتى تتكفل بأحمد أثناء عودته من المدرسة..

الحياة باتت صعبة، صعبة وقاسية جداً بعد أن ذهب والدهم، كل شئ تغير، جدول حياتها بأكمله تغير!!!

فتح الباب وأطلّ بوجهه العابس، لم يعد حتى يصطنع الابتسامة في وجهها!!! شبكت ذراعيها وهي تخاطبه بسخرية:
- كم أنت دقيق في مواعيدك!!
لم يُجب، ألقى بشماغه وتهالك على أقرب كرسي....

تقدمت منه بغيظ، تخاطبه وكأنهُ لا يسمع، لا يختلف عن الجدار في شئ...
- إلى متى سيستمر الأمر بيننا هكذا؟
- أيُّ أمرٍ تعنين؟ (سألها ببرود وهو يفتح نصف عينيه.(
- زواجنا إلى متى سيظلُّ بالسر.
- قلتُ لكِ اصبري إلى أن تتحسن ظروفي.
- وإلى متى سأنتظر هذه الظروف لتتحسن..ماذا تنتظر؟! أتخشى أن تُصارح زوجتك بأنك تزوجت سكرتيرتك، إذا كنت خائفاً أعطني رقمها وسأخبرها بذلك.

فزّ من مكانه وكأنّ أفعى لسعته، صاح فيها بغضب:
- لا دخل لكِ بزوجتي وأطفالي، أتفهمين..
- أنا أيضاً زوجتك، أم نسيت أيها المدير المحترم؟

ضرب كفاً بكف وهو يتعوذ من الشيطان الرجيم، من قال أنَّ النساء بلوى؟!!

- أنا لم أنسى ذلك قط، ولكن قدّري ظروفي فقط، امهليني وقتاً إضافياً.

عادت لتتحرك في القاعة بعصبية تخاطبُ الكل وتلتفت إلى اللا أحد!!! صاحت فيه:
- أنا لم أعد أتحمل، لا أقدر أن آتي هنا كالسابق أو أتأخر على البيت، هم بحاجة ماسة لي ونحنُ فتيات لوحدنا، وإذا رجعت إحدانا متأخرة بدأت الألسنة تلوكُ في سيرتنا، تعبتُ من هذه الحياة..تعبت.

"أتزوجت كي أتعذب!!"

وانخرطت في بكاءٍ مرير وهي تصفع على وجهها، حاول تهدأتها ولكن دون جدوى، أخذ يخاطب نفسه بضيق "أيُّ مصيبةٍ أوقعت نفسك بها يا أبو محمد؟؟!!"

=====================

" ماذا تفعل الآن يا تُرى؟!"

ليت بإمكاني أن أراها، أن أرى ما تفعله، ألا زالت تبكي أم نسيت؟! يا لي من أحمق، كيف تنسى؟؟هذا أبوها..

خرج من غرفته وهو يشعر بالإختناق، بالحيرة، مرّ أمام غرفة أخته، توقف برهة، مدّ يده ليخدش بابه لكنهُ أحجم..ماذا تريد منها؟! ماذا ستقول لها: كيف حال صديقتك!!! وما شأنك أنت!! هكذا ستردُّ عليك..

يكفي يا "خالد" تماسك، أتُريد أن تكون أضحوكة أمام أختك الصغرى، تلمزك وتفقد هيبتك..كلا كلا، لا ينقصني إلا الأطفال لأفشي لهم بسري..

أيُّ سرّ، ماذا تقول؟!

ها بتّ تهذي من جديد، جعلتك تهذي، كل ما أنا فيه بسببها، كيف يقلب شخص ما حياتك برمتها، يغير جزيئاتها ويكسر روتينها، تنتظر لمسته السحرية لتعيدك إلى صوابك، إلى اتزانك، إلى "خالد" الحقيقي..

عُدت لأهذي من جديد..

دع ذكرهنّ فما لهنّ وفاءُ..
روح الصبا وعهودنّ سواءُ..
يكسرن قلبك ولا يجبرنه...
وقلوبهنّ من الدواءِ خلاءُ!!!

اسمع يا "خالد" جيداً، مفاتيح "فيصل" اللعينة باتت قريبة من متناول يدك الآن، قاب قوسين أو أدنى، انتظر اللحظة المناسبة وسينتهي الأمر!! ستنساها هذا مؤكد، من هي أصلاً كي تفكر فيها، ولكن.........

والتفت إلى المار بجانبه وكأنهُ يمر على شبح، لا تحية..لا سلام..ولا تعبير حتى!!!

قال بإستهزاء مشوب بالغيظ:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته!!!

توقف "راشد" برهة، لم يجب ثمّ شرع بالتحرك من جديد:
- أحادثك، فلا تُدر لي ظهرك.
- نعم، ماذا تُريد؟ سأل ببرود.
- حالك هذه الأيام لا يعجبني..
- أعملت محللاً نفسياً أيضاً.
- أكلُّ هذا من أجلها؟! لأنني سآخذها؟!

وهزّ رأسه وهو يتظاهر بالأسف، كان يريد أن يغيظه، يحرق قلبه، لماذا؟! لأنهُ يحترق أيضاً، نارٌ مشبوبة تتراقص بإستهتار في جوفه، تحيله إلى رماد!!! يا لساديتك يا "خالد" يا لساديتك!!!

نظر لهُ "راشد" بثبات هذه المرة، وعضلة صغيرة تنبض بوضوح أسفل فمه، لو كانت العيون تُحرِق لاحترق "خالد" في مكانه منذ زمن!!

- لقد تأخرتُ عن عملي، مع السلامة.

وابتعد، انفكّ رباط حذائه، فعاد ليربطه من جديد بيدٍ مرتعشة، يدٍ ضعيفة لا تقوى على دفع الأذى لا عن نفسها ولا عن من تحب..

تابعهُ "خالد" وهو مستغرب من نفسه، لم هو هكذا...لم يعاملهم بهذه الطريقة؟! كثيراً ما سأل نفسه هذا السؤال ولكن دون أن يحصل على إجابة شافية، عاد لينظر لباب غرفة أخته وهو يغمغم بشرود:
"لتعرف سبب المصائب كلها..فتش عن المرأة وستعرف!!!!"

 
 

 

عرض البوم صور roudy   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الكاتبة لا انام, ظلالات الحب, قصة مكتملة للكاتبة لا انام
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 12:11 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية