لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





|[ فعاليات منتديات ليلاس]|

.:: الفعالية 1 ::.

.:: الفعالية 2 ::.

.:: الفعالية 3 ::.

.:: الفعالية 4 ::.

.:: الفعالية 5 ::.

.:: الفعالية 6 ::.



العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

قصص من وحي قلم الاعضاء قصص من وحي قلم الاعضاء


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-07-19, 08:35 AM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مغامر ليلاس الأول



البيانات
التسجيل: Dec 2011
العضوية: 233726
المشاركات: 502
الجنس ذكر
معدل التقييم: عمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 266

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عمرو مصطفى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عمرو مصطفى المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: قردة وخنازير (رواية)

 

(2)

عفاف كانت زوجة وأم..
زوجة لرجل يعمل ضابطاً في الجيش الأممي.. يدعى حسن..
وأم لطفل جميل في السادسة أصر والده على تسميته عماد الدين لسبب غير مفهوم..
زوجها كان طبيعياً حتى قرر أن ينغمس في قراءة كتب الماضي.. فغاب عن حاضره.. وكانت عفاف تخبره أنها تنتظر اليوم الذي سيعرضونه في متحف للحفريات بفارغ الصبر..
كانت تدرك أنه قد بدأ يبغض النظام العالمي وكل ما يمت إليه بصلة منذ انغمس في القراءة.. زوجها هو الوحيد الذي ما زال يملك كتباً حقيقية في عالم الإلكترونات السابحة والعوالم الافتراضية.. وكان بحكم كونه في الجيش الأممي يخضع لنظام شرائح مستقل غير شرائح المدنيين .. وتعرف أنهم قريباً جداً سوف يستدعونه ويحاسبونه على أفكاره المعادية التي لا يمكن كبحها.. سيحاكم بتهمة الخيانة ويضرب بالرصاص .. ربما سيجعله هذا سعيداً فعلى الأقل سيموت بوسيلة قديمة.. لن يقضي بسكتة قلبية كما هو الحال مع المدنيين المتمردين..
هكذا كانت عفاف تعد نفسها لحمل لقب أرملة من قديم.. لكن زوجها قرر أن يرحل بدون صخب.. لا تهم خيانة ولا رمي بالرصاص..
واستيقظ عماد الصغير يوماً ليجد فراش أبيه خاوياً.. واستغرب لماذا لم تبك أمه وهي تعلمه بالخبر.. ولماذا اختفت كتب أبيه مع رحيله عن العالم..
هل كانت تنتظر وفاته بفارغ الصبر لتتخلص من كل ما يمت له بصلة ؟
حينما كانت تنظر في عيني ولدها كانت ترى نظرة انكسار تثير أعصابها.. كانت تردد في نفسها بغيظ : أفهم أنه قد صار ظهرك مكشوفاً للعراء.. مهما دثرتك بالأغطية الثقيلة.. فغطاء الوالد لا يعوض.. أفهم هذا ولا أجد لك حلاً إلا أن تسكت عينيك التي ترمقني بها بهذه الطريقة..
ـ لماذا مات والدي؟
قالت له وهي تقلب بصرها في إعلانات المرئي :
ـ كل الناس يموتون..
ـ ويذهبون إلى الجنة..
تركت النظر في الشاشة بعد أن اكتشفت أن ولدها بدأ يستعمل عقل الطفل الجهنمي في جلب المتاعب عن طريق الأسئلة المستفزة.. قالت: :
ـ الطيبون منهم فقط، و المزعجين يذهبون لهيدز..
ـ وأبي كان طيباً؟
قالت من بين أسنانها :
ـ أكيد..
ـ متى أراه ثانية؟
ـ اطلب له الرحمة.. وغداً حينما نموت جميعاً سنلتقي جميعاً في الجنة..
ـ ولماذا نؤجل عمل اليوم للغد؟
أغلقت المرئي بعصبية..
لعلها الآن تدرك فائدة الأب في حياة الأسرة.. فهو الشخص الذي كان سيريحها من كم الأسئلة والاستفسارات التي تنهال على رأسها الآن.. هذا يذكرها باختبار لمادة لم تذاكر منها سوى صفحة واحدة من أول الكتاب وصفحة من أخره.. وعليها أن تستنج ما بينهما..
لكن عذابها هذا لم يطل.. لأن عذاب أكبر كان بانتظارها.. كان طفلها الوحيد على موعد مع المرض الذي سيعجل به..
سيكون لديها متسع من الوقت لتجن.. لتظل تنهش مرتبة الفراش التي ترقد عليها جثته.. جثة تركها السلالي اللعين هيكلاً عظمياً مدهون بالشمع..
في الأيام التالية سيكون لديها متسع من الوقت لتكره نفسها وتكره النظام العالمي الذي تحيا فيه، وستتمنى لو شاركت في هدمه على رؤوس من فيه..
لم تكد تفكر في هذا حتى فوجئت بأن كل شرائحها الذكية معطلة.. وحينما غادرت وحدتها متجهة إلى أقرب مركز معتمد للصيانة فوجئت بذلك الزائر الودود على باب دارها..
ـ الشرائح الذكية لا تعمل في وجودنا..
ـ من أنتم؟
ـ نحن العدو رقم واحد للنخبة الأممية..
قالت وهي تبتسم ابتسامة غامضة :
ـ لقد وقعتم على منافس جيد لكم في كراهية النخبة..
كانت جملتها تلك بمثابة توقيع على عقد انضمامها للرفاق..
نزعوا عنها شرائحها وأخبروها أنها سترحل إلى مقاطعة أخرى
لتبدأ فيها من جديد..
قال لها الودود :
ـ في تارتاروس حيث ستذهبين.. توجد أسرة من أعرق أسر الرفاق.. ستكونين واحدة منهم.. عسى أن يعوضك هذا عن حياتك الأسرية التي دمرت في إلوسيوم..

***

في تارتاروس نسب التلوث مرتفعة جداً.. لذا لن يمكنك السير خطوتين في الهواء الطلق بدون قناع واقي على وجهك..
والبعض كذلك كان يحمل على ظهره أنابيب أكسجين للطوارئ.. والجو أصفر مكفهر كوجه الزمنى، والزحام شديد ودرجات الحرارة مرتفعة بفعل التلوث والعوادم..
هذا هو المكان الذي اختير لباسم ليبدأ فيه من جديد..
إنه انحدار في مستوى المعيشة بلا شك، لكنه انحدار من أجل القضية.. هكذا قالوا له هناك.. وهكذا مضى في طريقه بحذر كي لا يصطدم بأحد بسبب قناعه الذي يرى منه بالكاد.. الجو العام هنا يذكره بجو الحروب الكيماوية القديمة..
المقاطعات الأسوأ هي الملاذ الآمن للرفاق دائماً، فمع ارتفاع نسب التلوث والعوادم تخف قبضة النظام العالمي، ويدب العطب في أجهزته الذكية.. وهذا هو كل ما يريده الرفاق..
يخيل إليه أنهم توصلوا لاتفاق ضمني بينهم وبين النخبة ههنا.. لكم الاسم ولنا نحن الإدارة الحقيقية.. فمن يعبأ بمشاكل تلك المقاطعات التي هي على شفا البركان..
كان على وشك فقدان الوعي حينما قابل عارف لأول مرة..
كان طويل القامة ضخم الجثة وعضلاته تعلن عن نفسها من تحت الثياب.. تبادل معه كلمة السر بالإشارة، لأنهم لن يستطيعوا الكلام من وراء الأقنعة.. لذا يلتزم جميع المواطنين هنا بتعلم لغة الصم والبكم للتفاهم في الطرق العامة..
سيتولى عارف تدريبه وأقلمته على حياته الجديدة.. سيكون رفيقه الأكبر، أي أستاذه ومعلمه..
بعد التعارف اصطحبه إلى فندق لوتس حيث سيقيمان سوياً.. حينما دخلا إلى اللوبي سلموا أقنعتهم لأحد العاملين ووقفوا يتنفسون هواءً نقياً نوعاً ما.. هناك فلاتر تقوم بتنقية الهواء بالداخل حتى يتمكن البشر من التحرر من الأقنعة المرهقة والتخفف من حمل أنابيب الأكسجين..
صاحبة الفندق ***** قديمة وجاسوسة نشطة لصالح شرطة النظام العالمي .. اسمها ليليان.. يمكنك أن ترى في عينيها وتجاعيد وجهها تاريخها الأسود المليء بالمآسي والويلات..
قال له عارف فيما بعد أنه فخور لكونه يعمل تحت سمع وبصر تلك البومة العجوز.. ليس من السهل خداع العقارب كما هو معلوم..
لكن لماذا نسكن في فندق صاحبته عميلة للشرطة؟
الجواب أن هذا ليس من شأنك أنت، لكل مقام مقال..
المكان بالداخل لا يشجع على الإقامة فهو قاتم وغير نظيف.. كاد يصارح عارف برأيه لكنه فوجئ به يقول وهو يغمز بعينه كأنه سمع أفكاره:
ـ هذا أرقى فندق في تارتاروس كلها..
طبعاً ابتلع باسم ريقه ولم يعقب..
بعد أن أكلا طعاماً لا يقل شناعة عن المكان طلب منه عارف أن ينام قليلاً قبل أن يبدأ التدريب.. نام باسم قليلاً جداً حتى اضطر عارف في النهاية إلى هزه في عنف كي يهب من فراشه مفزوعاً وهو يصيح:
ـ من أنت؟
تجاهل عارف سؤاله وهو يقول ببرود :
ـ لم أطلب منك أن تموت هنا.. قم فلدينا عمل طويل..
علمه الرفيق عارف كيف ينظف المكان الذي يسكن فيه من أجهزة التنصت التقليدية.. كان يتمنى لو علمه كيف ينظف المكان من الحشرات والأتربة والبقع الصفراء كذلك ، لكن هذا لم يكن يوماً من اختصاصهم .. الرفاق يريدون تنظيف العالم من النخبة التي تحكمه بالحديد والنار.. أما القذارة فستزول بالتدريج مع زوال الطغاة..
بعد درس التنظيف بدأ عارف يلقنه أساليب الرفاق في التخفي.. كيفية المراقبة والهروب من المراقبة..
ولما تحول عقل باسم إلى خلية نحل طنان قال له عارف :
ـ لنواصل غداً..
ـ هل تستعدون للحرب ههنا؟
قالها باسم مداعباً، لكن عارف لم يبتسم كعادته.. قال :
ـ أنت لم تنضم لفريق الكشافة المدرسية..
هز باسم رأسه محبطاً بمعنى بلى.. الحقيقة أنه لم يتصور التمرد بهذه المشقة..
كان يسمع عن عملياتهم من خلال النشرات فيمتلئ بالإثارة كأنه يتابع مباراة كرة قدم لفريقه الأثير.. ولما صار جزء من الفريق نفسه تبين له أن صناعة الإثارة ليست مثيرة دائماً..
إنه يتلقى تدريبات غاية في الغرابة والخطورة.. كيف تصنع متفجرات من الطعام الذي تطهوه لك الأخت ليليان؟.. كيف يمكنك تحويل مسكنك لجحيم لو تمت مداهمتك في أي لحظة؟.. هؤلاء محترفون للغاية في التدمير.. تخيل باسم أنهم ربما يفكرون في تدمير نصف الكرة الأرضية حتى يتمكنوا من حكم النصف الأخر ببال رائق..
بعد عدة أيام من التدريبات القاسية والمتواصلة قال له عارف أن عليهما زيارة الأسرة الكبيرة في تارتاروس .. هذا يعني أن باسم قد اجتاز تدريبات القبول الأولية داخل الأسرة بنجاح .. وأنه قد حان الوقت لمقابلة ربها..

***

 
 

 

عرض البوم صور عمرو مصطفى   رد مع اقتباس
قديم 02-07-19, 08:56 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مغامر ليلاس الأول



البيانات
التسجيل: Dec 2011
العضوية: 233726
المشاركات: 502
الجنس ذكر
معدل التقييم: عمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 266

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عمرو مصطفى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عمرو مصطفى المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: قردة وخنازير (رواية)

 

(3)

عشرون نفراً كانوا مجتمعين في ذلك اليوم..
وهناك نفر واحد يعتبر وجهاً جديداً؛ لذا فقد شعر أن كل الأنظار مسلطة عليه.. حتى تمنى لو انخسفت به الأرض من شدة الخجل والارتباك.. هناك مائدة مستديرة تشبه مائدة الإدارة التي تجتمع حولها النخبة الأممية، الفارق هنا هو أن المجتمعون حول تلك المائدة يريدون إزالة الهواء الذي تتنفسه النخبة.. فوقهم كشاف قوي مسلط من السقف يعطي ظلالاً مريعة تليق فعلاً باجتماع سري لحفنة من المتمردين..
ثم وصل رب الأسرة فقاموا جميعاً لتحيته باحترام مثير..
كان ضخماً مهيباً ذا صوت رنان.. تجاعيد وجهه والشيب الذي وخط فوديه ونظرات عينيه الثاقبة كلها تقول: أنه الأكثر خبرة وحنكة وقسوة في هذه الأسرة..
كان عارف قد أوصى باسم بألا يشارك في الحديث إلا إذا وجهت له الأسئلة؛ لذا فقد جلس أكثر من ساعة يستمع لإنجازات أفراد الأسرة خلال الشهر الماضي..
هؤلاء دقيقون جداً مثل بندول الساعة.. باسم الذي يحب المرح ويميل للفكاهة وجد نفسه بين هؤلاء الجادين الصارمين غير قادر على التنفس، بالرغم من كون الفلاتر تعمل بصورة ممتازة في الغرفة..
أخيراً جاء دور عارف في الكلام، وكان أخر المتكلمين، فبدأ يسرد ما حدث له منذ التقى بباسم وحتى وصولهما إلى الاجتماع بدقة عجيبة.. هناك تفاصيل نسيها باسم نفسه لكن عارف ذكرها بالساعة والثانية.. انتهى عارف من الكلام فسادت فترة صمت مطبق.. ثم أعن رب الأسرة أنه قد حان وقت توزيع مهام الشهر القادم..
قال له عارف قبل الاجتماع :
ـ لا تنصت إلا لمهمتك وفقط.. ولا تنس حرف مما قيل لك.. لا تسأل عن أي شيء يخص مهام بقية أفراد الأسرة.. لا تنظر في عيني رب الأسرة أبداً لمصلحتك..
لذا أرهف سمعه بشدة انتظاراً لمهمته الأولى .. قلبه يدق بعنف والعرق يتفصد منه لكنه لن ينسى حرفاً مما سيقال له مهما حدث ..
فهم باسم من طريقة توزيع المهام أن الأسرة مقسمة لفرق صغيرة.. فرق ثنائية وأخرى ثلاثية ورباعية.. وهناك من يعمل بمفرده كذلك .. طبعاً هو وعارف سيشكلان فريقاً ثنائيا..
المهم أن رب الأسرة قال أخيراً بصوته المميز :
ـ الرفيق عارف والمبتدئ..
ضايقه أنه لم يذكر اسمه لكن حاول صرف تركيزه لما هو آت..
ـ نريد منكما تجنيد فتاة ليل في حانة النجوم الساهرة..
هكذا فقط.. بدت له المهمة تافهة وأقرب لعملية تدريب ليس إلا..
تجنيد فتاة ليل ثم ماذا؟..
قال له عارف بعد انتهاء الاجتماع وانصراف رب الأسرة :
ـ لا تشغل بالك إلا بما طلب منك فقط.. أنا وأنت ترس في ألة أضخم من أن تستوعب في جلسة.. أسرتنا ما هي إلا حلقة في سلسلة ضاربة في السماء..
شعر باسم بالحنق، ويبدو أنه قد ظهر شيئاً منه على وجهه، لأن عارف قال له في صرامة :
ـ لا تبدو مسروراً.. مجرد أن تظهر تبرماً أو غير رضا لطريقتنا في العمل يعرضك للعقوبة..
طبعاً لم يزده هذا إلا حنقاً..
لكنه فوجئ بانقلاب الجلسة تماماً بعد انصراف كبيرها..
جاء أفراد الأسرة للتعرف على باسم وتهنئته بالانضمام إليهم.. بدأ يسمع عبارات مزاح وصوت ضحكات من القلب.. هناك جبل من الشطائر وأطنان من المشروبات ظهرت من مكان ما.. أشعره هذا بجو أسري لطيف أذاب الجو القاتم للاجتماع السابق..
حتى عارف بدا أكثر ليونة وتجاوب مع المازحين بطريقة أدهشته.. وهكذا تناول باسم شطيرة من الجبن وبدأ في تفرس ملامح الموجودين رجالاً ونساء.. وجوه لا يمكنك أبداً أن تشك فيها لو قابلتها في الطرقات .. ليست لهم ذيول ولا يمشون على أربع .. لقد تخيل يوماً وهو صغير أن المتمردين كائنات أخرى غير البشر ..
كان هذا حينما ارتطمت عيناه فجأة بعيني تلك السيدة هناك..
كانت ترمقه بعين لا تطرف وهي ممسكة بشطيرتها بلا شهية.. إنه نوع من المشاركة الظاهرية فقط.. لكنه بعكسها كان جائعاً..
شعر بالحرج فصرف بصره وبدأ يلوك شطيرة الجبن.. هنا سمعها تقول له:
ـ أنت من إلوسيوم؟
نظر لها فوجدها لم تغير جلستها ولا الطريقة الثابتة التي ترمقه بها.. هز رأسه إيجاباً وهو يزدرد الطعام..
ـ إذن نحن بلديات..
هز لها رأسه مجاملاً دون أن ينطق بحرف.. أشعره هذا بسخافة موقفه، كأنه مراهق يحدث فتاة لأول مرة في حياته.. يبدو أنه نسي كونه مطلق وأن هذه سيدة بالغة ويبدو من نظراتها الجامدة أنها ليست على ما يرام كذلك .. كأنها مصدومة وعلى وشك الانفجار في البكاء.. امتقع وجه باسم وبدأ ينظر لعارف مستنجداً كي ينقذه من تلك المصيبة..
هنا اقتربت منه السيدة بوجهها فتراجع للخلف متحسساً حنجرته.. لكنه فوجئ بها تقول له هامسة :
ـ اسمي عفاف..
تنفس الصعداء وقال لها مغتاظاً :
ـ وأنا باسم..
لم يكد يقول لها اسمه حتى تراجعت للخلف وشردت ببصرها بعيداً عنه كأنها لم تره ولم تحدثه.. مجنونة.. هكذا فكر.. وهكذا سحب نفسه واتجه لعارف الذي كان مشغولاً بحوار جانبي مع أحد أفراد الأسرة..
سحبه من كمه فنظر له الأخير في ضيق.. همس وهو يميل عليه :
ـ ما حكاية هذه السيدة بالضبط؟
نظر عارف إلى حيث يشير بطرفه فظهر على وجهه الفهم..
ـ تقصد عفاف.. هل وقعت معها؟
ـ تبدو غير طبيعية..
ـ لقد فقدت زوجها وطفلها الوحيد قبل أن تنضم للأسرة..
ظهر التأثر وتأنيب الضمير على وجه باسم.. فقال له عارف وهو يربت على كتفه :
ـ لا تتصعب هكذا يا رفيق.. إنها من أشرس أفراد أسرتنا.. يمكنها خنق طفل رضيع لو كان هذا فقط عمل يغيظ النخبة الأممية..
كالملسوع أدار بصره إليها حيث جلست، فوجدها على نفس حالة الشرود إياها.. لكن هذه المرة أضفى عليها حديث عارف هالة من الرهبة.. هذه النظرة الميتة لا يمكن أن تكون لأم ثكلى أبداً.. بل هي أقرب لليليث قاتلة الأطفال..
هكذا قرر باسم ألا يقترب من عفاف هذه أبداً وألا يتورط معها في أي حديث أخر..

***

لم يبق من عفاف القديمة إلا اسمها فقط..
منذ انضمت للرفاق صارت مخلوق أخر غير تلك الزوجة التعسة التي فقدت زوجها وابنها الوحيد في ضربتين متتابعتين.. لقد أخرج الرفاق ذلك الوحش الكامن في أعماقها.. من الجيد أن تجد من يروض وحشيتك ويجعلها ذات هدف سامي يرضي ضميرك الذي لم تتخلص منه نهائياً بعد.. أن تصير وحش مناضل.. تقتل فترفع لك القبعات.. تفجر منشئات فتحصل على ترقية.. اليوم صارت عفاف إحدى عجائب الأسرة السبعة.. امرأة المهام الصعبة.. المهام التي تحتاج إلى أعصاب من حديد وقلب من صوان.. لقد سمعت كثيراً عن أسطورة ليليث التي فقدت أطفالها فصارت مسخ يمتص الدماء ويقتل الأطفال الرضع..
بدت لها الأسطورة أكثر شاعرية مما توحيه للبعض من بشاعة..
بل هذه هي العدالة الشعرية في أروع أمثلتها..
أنا ليليث في ذروة المجد البشري.. تقولها لنفسها في المرآة وتبدأ في نوبة ضحك هستيري..
مازالت رائحة الدماء التي سفكتها تفعم أنفها وتشعرها بانتشاء لا يوصف..
في أول اجتماع لها في تارتاروس كلفها رب الأسرة بقتل أحد رجال الشرطة لكنها لم تكتف بهذا.. تسللت لمنزل الشرطي بلا سلاح.. أحضرت سكين طويل من المطبخ وبدأت تمارس طقوسها الخاصة..
ذبحت الشرطي أولاً، ثم طعنت الزوجة عدة طعنات في أماكن بعينها كي تبقيها حية لأطول وقت ممكن.. بعد ذلك سحبتها من شعرها للخارج.. إلى غرفة الأطفال طبعاً.. سمعت نداء رفاقها عبر جهاز الاتصال المزروع خلف أذنها..
ـ عفاف انسحبي.. لقد انتهت العملية بنجاح..
الزوجة كفت عن المقاومة وبدأت تحشرج.. أجلستها عفاف لتتمكن من متابعة المشهد المروع الذي أعدته لها خصيصاً.. يشبه كثيراً مشهد ذبح الأرانب..
الأطفال في تلك المواقف يشبهون الأرانب كثيراً.. لكنها لم تقرر سلخهم أمام عينيها كما يفعل بالأرانب ..
للأسف لم تتمكن الزوجة من الصراخ.. لكن عينيها قالت الكثير.. كيف كان مقدار الألم الذي عانته وهي ترى أطفالها يستنزفون أمام عينيها؟..
ـ عفاف.. ينبغي أن تنسحبي قبل فوات الأوان..
حينما انتهت عفاف من طقس شرب الدماء الذي أدمنته مؤخراً، التفتت للزوجة فرأتها تحرك شفتيها الجافتين كأنها تقول شيئاً لكن لا بلا صوت..
انحنت عليها لتسمع ما تقول، فبدت كلبؤة قد مرغت وجهها في أحشاء حمار وحشي..
ـ ماذا تقولين يا حلوتي؟
بعد جهد جهيد قرأت ما تقوله بحركات الشفاه..
ـ اقتليني!

***

 
 

 

عرض البوم صور عمرو مصطفى   رد مع اقتباس
قديم 03-07-19, 01:10 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مغامر ليلاس الأول



البيانات
التسجيل: Dec 2011
العضوية: 233726
المشاركات: 502
الجنس ذكر
معدل التقييم: عمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 266

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عمرو مصطفى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عمرو مصطفى المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: قردة وخنازير (رواية)

 

(4)

مساء اليوم التالي اتجه عارف وباسم إلى حانة النجوم الساهرة..
نزعوا أقنعتهم على الباب وسلموها للعاملين بالأمانات، ثم انغمسوا وسط الضجيج وسحائب الدخان ورائحة الخمور الرديئة والأنفاس الكريهة..
قال باسم وهو يسد أنفه:
ـ لماذا تخلينا عن الأقنعة الواقية؟
قال له عارف وهو يجوب ببصره في الحاضرين :
ـ ألم تدخل حانة في حياتك؟
ـ لقد دخلت واحدة في لعبة ثلاثية الأبعاد.. فأنا من مقاطعة محافظة..
أختار عارف أحد الموائد في أبعد مكان عن الصخب وسحب الدخان حتى لا يفقد باسم وعيه من أول عملية.. إنه لديه خبرة واسعة في التعامل مع هؤلاء المبتدئين المائعين..
سيكون أمام باسم وقت طويل كي يكف عن الشعور بأشياء عديدة كالخوف و الاشمئزاز والتقزز وسائر مشاعر الرفاهية الفارغة!..
قال عارف:
ـ جرب أن تختار واحدة..
ابتلع باسم ريقه وبدأ في الفرز.. الفتيات هنا كالذباب.. عليه أن يختار ذبابة تصلح للتجنيد .. ذبابة واحدة وسط كومة القمامة التي يجلسون فيها..
هنا وقعت عينا باسم عليها.. احتاج إلى عدة ثوان كي يتأكد.. إنها هي بلا شك.. تمتم في مقت :
ـ أين عينك يا صديقي؟
التفت إليه عارف متسائلاً فأشار بطرفه للمائدة التي تجلس عليها فتاة بارعة الحسن بجوار أشيب وقور :
ـ أنا أعرف تلك الفتاة..
صفر عارف بصوت خافت وقال :
ـ إنها هايدي فتاة سراج..
هايدي !.. لقد غيرت اسمها بما يناسب وضعها الجديد كذلك.. طبعاً سراج هذا هو الوغد الذي أضاء لها طريق الرذيلة.. واصل عارف:
ـ إنها غالية جداً على أمثالنا يا عزيزي لو كنت تفكر.. كما أنها حالة ميؤوس منها..
نظر له باسم مستفهما؛ فقرر أن يوضح أكثر :
ـ لقد وضعتها تحت الاختبار في فترة سابقة.. هذه الفتاة مادة خام للرذيلة.. لا تحاول البحث عن لحم ودم أسفل جلدها.. لا يوجد إلا عفن..
ظهر الضيق على وجه باسم وكأن الكلام جرح مشاعره هو؛ فسأله عارف:
ـ هل كانت بينكما علاقة سابقة؟..
هز رأسه في بطء نافياً وقال :
ـ بل مع صديق سابق .. كان شرطياً سابقاً في إلوسيوم.. تركته جثة فاقدة للأهلية وجاءت إلى هنا فيما يبدو لتحقق ذاتها..
ـ إن صاحبك لمحظوظ..
بالرغم منه وجدت بسمه شاحبة سبيلها إلى شفتي باسم وهو يغمغم:
ـ ليته يعرف ذلك..
هنا نصحه عارف بأن يكون على حذر في التعامل مع النساء في تارتاروس عموماً، وفي الحانات خصوصاً، فنصفهن جواسيس وعملاء للإدارة.. إنهم يتبعون هنا وسائل التجسس البدائية ..
النخبة تريد أن توصل رسالتها للنزلاء، أنها موجودة وبقوة حتى في ذلك الجحيم.. وبأقدم أساليب التجسس والوشاية.
هنا قام أحد الشباب المتأنقين ليصطحب هايدي إلى خارج الحانة، على حين شاع البشر والسرور على وجه مؤجرها الأشيب.. لقد دفع له الزبون مبلغاً وقدره..
تمتم باسم :
ـ خنزير!
ثم سأل عارف عن كنه الرجل الذي اصطحبها.. مال عليه عارف وغمز بعينه قائلاً :
ـ إنه أحد رجال الشرطة..
ـ تركت رجل شرطة كان يريدها زوجة لتذهب مع أخر يريدها دمية.
ثم إنه تساءل في توتر حذر:
ـ ألهذا السبب نحن هنا؟
طقطق عارف بلسانه كي يحذره من محاولة استنتاج ما وراء المهمة التي جاءوا من أجلها..
ـ الحانة مكتظة بهم..
راقب باسم هؤلاء الشباب الذين يملئون الحانة وهم يتضاحكون ويحتسون الشراب.. ولما وجده عارف قد أطال النظر صرف بصره عنهم هامساً :
ـ لا تطل النظر إليهم هكذا..
تمتم باسم :
ـ لماذا لا نكتفي بالفرز فقط..
ـ تريد أن تتهور هنا؟
ـ لا توجد فرصة أكبر من هذه..
ـ وماذا تتوقع أن يحدث بعد؟..
هز باسم رأسه في أسف..
ـ لا شيء..
أومأ عارف برأسه.. ثم لوح بكفه لإحدى الفتيات قائلاً :
ـ لكننا نسعى لتغيير كل شيء..
نظر باسم للفتاة التي قامت من مائدتها تاركة ذلك الأشيب الوقور، وأتت إليهم تمشي بخطوات واثقة..
تساءل باسم بصوت خافت :
ـ من هذه؟
ـ إنها أمل فتاة شاهين..
نظر باسم للأشيب الذي تركته الفتاة فوجده يخرج ورقة وقلماً ليدون شيئاً ما.. ثم التفت للفتاة التي توقفت عند مائدتهم وحيتهما قبل أن تجلس في عدم اكتراث.. نظرت إليه ملياً ثم قالت لعارف :
ـ معك وجه جديد يا عارف ..
عرفها بباسم سريعاً ثم نادى على النادل وطلب بعض المشروبات..
عينا باسم قالت أنه لا يريد أن يشرب شيئاً في هذا المجرور.. فابتسم عارف في مقت وقال مربتاً على يده :
ـ صديقي لا يتعاطى الكحول..
هشت له الفتاة وبشت وأعلنت أنها تثق في الرجل الذي لا يتعاطى الكحول وترتاح معه أكثر.. طبعاً شعر باسم بعدم الارتياح لعبارة الفتاة، فأشار للأشيب الجالس هناك وحده مثل الغراب وقال :
ـ لماذا لا تدعين والدك ليجلس معنا؟..
ضحكت الفتاة وهي ترجع رأسها للخلف، على حين قال عارف من بين أسنانه وهو يرمي باسم بالشرر:
ـ صديقي يجيد المزاح أيضاً..
ابتلع باسم ريقه وقد جعلته عينا عارف يبتلع سخريته..
لكن نظرات الفتاة العابثة جعلته يرتبك.. قالت:
ـ سيأتي حينما تريدون أنتم ذلك..
داعب عارف شاربه الرفيع وقال في تفكير :
ـ الحقيقة أنني أفكر لك في نهاية مختلفة يا أمل..
هنا تلاشت ابتسامة الفتاة وحل محلها غباء مدقع..
وفهم باسم ما يرمي إليه عارف.. هذه تجربة عملية على الاستقطاب بعد الفرز..
وسط هذا الصخب الصاخب تتم عملية من أخطر وأدق عمليات الرفاق.. التجنيد أصعب من القتل والنسف والتدمير..
لابد أن عارف قد وضع هذه الفتاة تحت الاختبار لفترة، ربما كان يستعد ليوم يتم فيه تكليفه بتجنيد واحدة .. ها هو اليوم يحاول أن يراودها شيئاً فشيئا.. لن يتم كل شيء في جلسة واحدة.. اليوم سيلقي إليها كلمة وغداً جملة.. وربما يمر الشهر قبل أن تجد الفتاة نفسها في شرنقة لا فكاك منها أبداً..
تساءلت الفتاة :
ـ عن أي نهاية تتكلم يا سيد عارف ؟
ابتسم عارف كأنه يلاطفها أمام الناس، وإن خرجت كلماته الهامسة في جد صارم:
ـ نهاية كل ساقطة في تارتاروس..
***
لم يحدث شيء بعد هذا اللقاء..
قام عارف وباسم وشكرا شاهين على مجهوداته لكن يبدو أن الأجر الذي طلبه لم يكن يناسبهم..
وفي اليوم التالي وافق شاهين على مبلغ أقل.. يبدو أن حالة السوق ليست على ما يرام هذه الأيام.. نادى شاهين على أمل فجاءت راسمة على وجهها ابتسامة شاحبة و في عينيها نظرة عطشى.. لا للمال بل لسماع بقية كلام عارف الغريب.. لقد ألقى أمس في بركة حياتها الراكدة بحجر، وترك الدوائر تعمل عملها في تلافيف مخها..
اليوم ستذهب معهم وستعرف عنهم أكثر..
باسم المحافظ في ذروة المجد البشري، لا يصدق عينيه وهو يرى شاهين يتقاضى أجره بعد فصال مرير مع عارف.. القواد المحترف والرفيق المحنك والبغي الجميلة خاوية الرأس.. إنه مثلث القرف.. لكن هناك ضلع رابع منفرد يشعر بغصة في حلقة.. هو لم يأت هنا ليعيش في هذا الجو.. ملوثات بالخارج وبالداخل.. لكن التعليمات هي التعليمات.. سواء كانت من الموالين للنخبة، أو من المتمردين عليها..
أثناء خروجهم مع فتاة الحانة رأى باسم حفنة من رجال الشرطة وهم يتشاجرون مع بعضهم، وقد تطور الأمر إلى تهشيم زجاج الخمر وضرب الرؤوس بالمناضد.. قال باسم لنفسه : إن زرع قنبلة موقوتة في الحانة يمكنها أن توفر عليهم جهد تجنيد فتاة ليل للتجسس على هؤلاء.. هنا انتزعه عارف من أفكاره وقال وهو يناوله قناعه الواقي ويجذبه للخارج :
ـ الشجار هنا طقس أساسي.. حانة بدون نساء وشجار وتهشيم زجاجات الخمر فوق الرؤوس ليست بحانة.. الغريب هنا حينما يقف رجل بالغ مثلك مبهوتاً أمام شيء عادي كهذا فيجلب الوبال على رأسه..
أمام باب الحانة وقف ثلاثتهم يرمقون الطريق من وراء الأقنعة..
ثم جاءت سيارة أجرة تشبه سيارة سباق بعد انقلابها عدة مرات، لعلها أيضاً تعمل بمياه الصرف المعالجة؛ لأن العوادم التي تخرج منها تسللت رائحتها إلى أنوفهم رغم وجود الأقنعة.. وكان السائق محاصراً بعشرات الأسلاك والخراطيم كأنه في غرفة الرعاية المركزة ..
فتح عارف باب السيارة لأعلى كي تدخل الفتاة، ثم التفت إلى باسم الذي تسمر في مكانه وأشار له بكفه في غيظ بمعنى : هيا يا أخي فالعدادات هنا لا ترحم..
أشار له باسم وهو يعبث في الأرض بحذائه بمعنى أنه ربما من الأفضل أن يبتعد عنهم الآن و..
هنا رأى عارف يشير له بمعنى : هل جننت؟ أنسيت أن كل منا قد دفع للسيد شاهين أجرة الفتاة ..
ودفعه برفق في ظهره ليركب بجوار الفتاة ثم صعد بدوره وهو يشير للسائق راسماً بكفيه زهرة لوتس ..

***

ـ مساء الخير يا فاتنتي..
قالها عارف وهو يلوح للعجوز ليليان فابتسمت له بإشراق.. ثم حانت منها التفاتة سريعة لأمل أطل خلالها عبر عينيها وميض حقد له مغزاه..
كنت مثلك أيتها الشابة يوماً ما وربما كنت أجمل كذلك .. لكنه الزمن..
أما الفتاة فقد أبصرت مستقبلها في انعكاس عيني العجوز.. هل هذه هي نهاية كل ساقطة في تارتاروس؟.. أخبرها عارف بعد أن صعدوا للغرفة أن هذه العجوز تعد فلتة في تاريخ ****** تارتاروس .. معظم ال****** يقضين في عمر الزهور.. والسبب أنهن مجرد دمى جميلة مصممة خصيصاً من أجل اللهو.. الذي ينتهي في أحيان كثيرة إلى الحرق والتعذيب لإشباع الغرائز المريضة.. والتي قد لا تقنع أحياناً إلا بتدمير الدمية نفسها والبحث عن غيرها.. هذه هي حقيقة حياتك هنا يا فتاة..
في تلك الليلة استسلمت أمل.. وتحدثت عن كل شيء..
عن حياتها السابقة.. كيف سماها أبوها أمل طمعاً في غد أفضل لها وللأسرة..
كيف علمها والدها الكثير من الفضائل، لكنها لم تعد تذكر منها سوى أشياء ضبابية، سرعان ما تتلاشى على أثر صخب الحانات وهدير السيارات التي تعمل بمياه الصرف المعالجة والجو الأصفر الغائم دائماً، وهدير فلاتر التنقية..
عواطفها تجيش بأشياء لا تدري كنهها.. أشياء من الماضي البعيد.. ربما وجه والدها الحاني وهو يقدم لها كوب من الحليب الصافي.. ثم يقتحم وجه شاهين المشهد وهو يلوح بكأس من شراب ويبتسم لها بلزوجة.. كل القوادين لزجين.. إنه في نفس سن والدها لكن الفارق بينهما تماماً كالفارق بين الخمر والحليب.. بين الجنة والنار..
حتى مصطلحات مثل الجنة والنار.. صارت لها دلالات أخرى في النظام العالمي الجديد.. كلما تترقى كلما تفهم أكثر وتنكشف لك الرموز.. الجنة رمز والنار رمز.. ليس كل من يدخل الجنة ينعم.. ولا كل من دخل النار يتعذب.. الإله رمز.. النخبة آلهة ذلك العصر، ولكل عصر آلهته..
قال عارف :
ـ النخبة هم التطور الطبيعي لسائر الأمم الاستعمارية منذ بزوغ فجر التاريخ.. والتطور هنا له ثمرته وأثره.. لقد هضموا سائر الأفكار الغابرة وتجنبوا الثغرات والآفات التي تنخر في عظام الأمم.. ظلوا قروناً يعملون في الخفاء كمدبري فتن ومكائد.. حتى تم لهم التغلغل في أنسجة المجتمعات.. صاروا كداء الكلب لا يترك مفصلاً إلا ودخله..
تساءلت أمل :
ـ ونحن؟..
هز عارف رأسه في بطء وأوضح :
ـ نحن لسنا حفنة من المتآمرين.. بل نحن رجال رفضوا الخضوع لإدارة العالم الواحد التي تآمرت على بني الإنسان باسم الإنسانية تارة.. وباسم الإخاء تارة.. وباسم المساواة تارات.. ولما تمكنوا قسموا الناس إلى شرائح يستعبد بعضها بعضاً..
نظرت له أمل بأمل وهمست :
ـ وهل هناك أمل؟
ـ بلى.. ما دام هنالك عرق ينبض.. ما دام هناك إيمان بما وراء هذا العالم الزائف ..
ـ وهل وراء هذا العالم من شيء؟
ـ الله..
حركت الفتاة لسانها بالكلمة دون أن تنطقها.. شعرت بحنين جارف يدغدغ أعصابها.. تذكرت وجه أبيها فسرت رعشة خفيفة في يدها..
باسم كان من المفترض حسب تقاليد الرذيلة أن يبقى في غرفته المجاورة وينتظر دوره مع الفتاة.. لكنه مكث معهم في غرفة عارف من أجل أن يتعلم..
فكر وهو يقلب بصره بينهما، أن بعض الناس الذين يبدون في الظاهر بصورة مقززة، قد يحملون في داخلهم نقاط مضيئة تومض أحياناً وتخفت أحايين.. هذه الفتاة التي أمست في أول الليل *****.. صارت في أخره نقية طاهرة.. بمجرد أن وجدت من يزيح الغبار عن عقلها ويذيب الصدأ الذي غلف قلبها..
من يتصور أن الشابين الذين صعدا أمام عيني العجوز بفتاة ليل قد قضوا الليل في مثل هذا الكلام.. ترى ماذا سيكون رد فعل العجوز ليليان لو علمت؟
ابتسم باسم لتلك الخاطرة ولم يعلق.. فقط واصل الإنصات للدرس..
كانت الفتاة تتساءل:
ـ لقد صرت منكم؟..
أجاب عارف :
ـ بلى..
ـ أنا سعيدة لذلك..
ـ لا ينبغي أن تتجاوز سعادتك حدود هذه الغرفة.. ستغادرين مثل أي فتاة تغادر.. ستعودين لحياتك كأن شيئاً لم يكن..
عبث وجهها.. ثم أطرقت للأرض وقالت :
ـ لا أريد أن أعود..
عقد عارف ساعديه أمام صدره وقال بنبرة شبه صارمة:
ـ إذن سينتهي أمرك سريعاً.. اسمعي يا أختاه.. لا أحد بيننا يرضى لك هذا الدنس.. ونحن لم ندعوك إلا لكي ننقذك .. لقد أنقذنا اليوم روحك وغداً سنخلص جسدك الطاهر من بين الأوحال..
كل شيء له وقته كما كان يقول له عارف دائماً .. لكن باسم لم يستطع هضم تلك القاعدة اليوم والآن.. هناك شيء ما خطأ في كل هذا .. فطرته تقول له هذا .. وقلبه يقول له هذا.. لكن لسانه لا يملك حق الاعتراض ..
وحينما بزغ فجر اليوم التالي، عادت أمل إلى شاهين بعد أن أعطاها عارف موعداً في مساء الغد كي يبدأ في تدريبها على أساليب الرفاق. واستسلم رفيقي السر للنوم بعد سهرة عمل شاقة.. ساعتين من نوم هنيء بلا أحلام بعد أن اجتازوا الشق الأخطر من المهمة..

***

 
 

 

عرض البوم صور عمرو مصطفى   رد مع اقتباس
قديم 06-07-19, 08:23 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مغامر ليلاس الأول



البيانات
التسجيل: Dec 2011
العضوية: 233726
المشاركات: 502
الجنس ذكر
معدل التقييم: عمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 266

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عمرو مصطفى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عمرو مصطفى المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: قردة وخنازير (رواية)

 

(5)

في اليوم التالي جلس الرفيقين في نفس المائدة البعيدة عن الزحام، ليراقبوا الحياة في حانة النجوم الساهرة..
فتيات يرحن ويجئن.. قوادين منتفخي الجيوب بالأوراق الخضراء.. رجال الشرطة يتبادلون السباب والشجار.. أمل تحاول أن تشق طريقها من بين الأنياب والمخالب.. تحاول ألا تتمزق وهي تتقدم من مائدة باسم وعارف..
يناديها شاهين.. هناك زبون يريدك يا عزيزتي.. إنه الشرطي مهاب هذه المرة..
يهز لها عارف رأسه بمعنى : اذهبي إليه.. تتحرك حنجرتها دلالة على وجود غصة صعبة البلع.. وتتراجع للوراء بوجه شاحب..
هايدي تنظر بحقد لأمل.. لقد فزت أيتها القردة بالسيد مهاب هذه الليلة.. لتكن تلك ليلتك الأخيرة.. سراج غير راضي بالمرة من أداء هايدي.. تباً هناك من يسحب البساط من تحت أقدامنا أيتها السافلة..
وباسم يقبض على كأس الليمون فيوشك على أن يسحقه..
ـ هل هذا معقول؟
قال له عارف مهدئاً :
ـ تشجع.. الحياة صعبة وتحتاج لأعصاب من حديد..
ـ بل تحتاج لأعصاب خنزير من حديد..
ـ لسنا خنازير..
نظر باسم لعارف في غل وهمس :
ـ لماذا لا ننصرف إذن؟
نظر له عارف وابتسم في رقة كأنه يشكره على معروف :
ـ انصرف أنت لو كنت لا تحتمل.. لكن بلا ضوضاء..
هب باسم واقفاً وقال:
ـ سأتمشى.. أريد بعض الهواء النقي بالخارج..
لم يرد عارف على عبارته الساخرة رغم مرارتها، بل لم يلتفت حتى إليه، فازداد حنق باسم واندفع مغادراً الحانة..
حاول أن يتجاهل صوت الضحكات المائعة وضرب الكؤوس.. لكن صوتاً واحداً أوقفه..
صوت صرخة أمل..
التفت ليجد ذلك الشرطي يستمتع بإيلامها.. إنه منهم إذن..
سيظل يضرب الفتاة طوال الليل، ثم سيعلن في الصباح أنها باردة كلوح ثلج، وأنه بحاجة لدمية أخرى غيرها، لأنها لم تعد تصلح ولا حتى لتسليك أسنانه..
النهاية البشعة التي تحدث عنها عارف.. يتصاعد الدخان الأسود أمام عيني باسم.. يلتفت لعارف مستجدياً فيشير له الأخير بكأسه كأنه يحيه.. لكن عينه قالت له بوضوح صارم : انصرف بهدوء..
لكن عينا أمل قالت له أبقى..
توجه كالسهم إلى المائدة التي تجلس عليها بجوار ذلك الشرطي وقال له بنبرة لم يألفها :
ـ دعها..
كالعادة يتوقف العبث والضحك وضرب الكؤوس.. ذرات الهواء نفسها تجمدت..
فقط قلب باسم هو الذي يدق بعنف.. لقد ارتكب خطئاً جسيماً.. لقد خالف الأوامر.. أفلتت أعصابه في تارتاروس كما أفلتت منه في إلوسيوم.. في لحظة يتخيل كل ذكرياته وحياته تمر أمامه.. وتتوقف عند مشهد واحد.. سحنة ضابط الشرطة الذي ظل يرمقه بعين لا تطرف..
فجأة وثب عارف وسط المشهد ليأخذ بذراع باسم صائحاً :
ـ يا للبائس المخمور..
هب الشرطي مهاب واقفاً ووضع يديه في خاصرته قائلاً:
ـ هذه ليست سحنة المخمورين..
ثم التفت للشلة مردفاً :
ـ بل هذا هو التجديد الحق..
تعالت الضحكات المرحبة من حفنة الشباب المحيطين .. وفهم عارف أنهم يعتبرون باسم فقرة جديدة تقدم مجاناً ..
وأشار مهاب إلى أمل التي شحب وجهها كالأموات وقال باستمتاع:
ـ هل ترغب في هذه الفتاة؟
تقدم منه باسم خطوة رغم قبضة عارف التي تطبق على ساعده لتمنعه من التهور أكثر.. وقال بحزم :
ـ دعها وفقط..
التفت مهاب لرفاقه وقال متهللاً :
ـ إنها قصة حب إذن.. فتاة الحانة والصعلوك.. تعرفون أحب تمثيل دور مفرق الأحبة هذا..
والتفت إلى باسم قائلاً في شراسة مفاجئة:
ـ تريد الفتاة.. تعال وخذها إن كنت رجلاً..
ودون مقدمات انفلت باسم من قبضة عارف، ووثب محيطاً وسط مهاب بذراعيه وحمله حملاً وهو يصرخ في غل.. الغريب أن مهاب كان يضحك باستمتاع حقيقي وباسم يندفع به للوراء ويطرحه على مائدة الشراب..
هنا تراجع عارف للوراء.. عدل من هندامه كأنه يستعد للخروج من المنزل ثم استدار عائداً لمائدته ..
كان عملياً فقد انتهى أمر باسم.. لن يتبقى منه شيء حينما يفرغ منه رجال الشرطة المتحمسين.. إذن لا داعي للمزيد من الخسائر..
وهكذا جلس يراقب الحفل الذي أقيم على شرف باسم..
زمرة رجال الشرطة بزعامة مهاب وجدوا أخيراً وسيلة لتلميع أحذيتهم .. صوته المكتوم وهو يتلقى ركلاتهم كان يفتت الأكباد .. لكن عارف يعرف أنه لا مجال هنا للشفقة أو للمغامرة .. ليدفع المغامر ثمن مغامرته.. ويكفيه ما خسره من وقت أضاعه في تدريبه وتهذيب روحه المتمردة.. رسم على وجهه تعبيراً مستمتعاً ليداري به الغل الذي يأكله من الداخل، وصفق بكفيه ليأتيه أحد سقاة السم ..
حاولت أمل أن تحول بين باسم وبين سيل الركلات التي تنهال على جسده.. إنها حماقة الأبطال الأبدية التي تزكي المأساة .. النتيجة أن ركلات الشباب المتحمس والمتلذذ لم تعد تفرق بينهما .. سيخسر عارف أمل أيضاً .. ضربتين متتاليتين في وقت قصير.. يبدو أن هناك من دعا عليه هذا الصباح..
وجاء شاهين يحاول إنقاذ فتاته ومصدر رزقه.. لكنه تلقى دفعه في صدره طار على إثرها ليسقط بجوار مقعد عارف ..
كؤوس تقرع وهتافات ترحب.. هايدي تضحك بانتشاء ملوحة بكأسها.. وعارف يصفق ويضرب بقبضته المائدة.. أعطوهما أكثر .. أكثر.. إنهما يستحقان.. أمحو أخر أمل لأمل.. واشطبوا باسم من سجل أخر الرجال المحترمين..
وحينما فرغوا من الضرب حملوا باسم خارجاً وألقوه على الرصيف بلا قناع يحميه من الهواء الملوث.. كان ما يزال حياً لكنه لن يستمر كذلك لفترة طويلة بلا قناع .. نفضوا أيديهم منه وعادوا إلى الداخل ليجدوا الضابط مهاب يحتفل مع جثة أمل على طريقته الخاصة.. ظل يرقص بجثتها فوق الموائد حتى صرعته الخمر، واستطاع العاملين بالحانة تخليص جثة الفتاة منه بأعجوبة، وسلموها لشاهين الذي ظل يندب حظه العاثر وهو يصيح :
ـ ماذا سأفعل بجثة *****؟..
هنا برز له شاب طويل نحيل محني الظهر تحت عينيه هالات سوداء.. ناوله مبلغ من المال وحمل جثة الفتاة واتجه لباب الحانة مسرعاً كمن وجد ضالته بعد طول انتظار..
نظر شاهين للنقود التي أعطاها الشاب إياه ثم دسها في جيبه وهو يهز رأسه في رضا.. من حسن حظه أن مجانين النيكروفيليا متوفرون في حانة النجوم الساهرة .. يحطون على جثث ال****** كما تحط النسور على جيف الحيوانات النافقة..
كل شيء هنا له ثمنه .. المشاعر الأسطورية النبيلة دفنت في المقابر.. دفنت مع باسم وأمل .. وهكذا عادت الحانة إلى ما كانت عليه قبل .. ال****** يمارسن عهرهن .. والقوادين يقبضون الثمن.. وعارف يبحث عن صيد صالح للتجنيد .. كل شيء عاد طبيعياً كما كان .. أو هكذا بدت الأمور للوهلة الأولى .. لكن الليلة ستكون غير كل الليالي السابقة في حانة النجوم الساهرة.. الليلة لم تنتهي بعد يا سادة..
تذكروا هذا جيداً يا رواد النجوم الساهرة..
واضحكوا كثيراً فلن تبكوا بعد اليوم..

***

على الرصيف المقابل لحانة النجوم الساهرة تكوم باسم مهشم الأوصال مبعثر الأطراف.. للحظات ظن أن أطرافه الأربع ليست في أماكنها الصحيحة.. هناك هواء مسمم يتسرب إلى رئتيه فيسعل بصوت مذبوح.. هناك أشباح تروح وتجيئ من حوله غير عابئة به.. الجو الأصفر المقيت يتجه للسواد.. هي الغيبوبة إذن..
أخيراً رأى أحدهم يضع على وجهه قناعاً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.. بدأ يميز وجه فتاة صغيرة باسمة لا ترتدي أي أقنعة كأنها من عالم أخر.. سحب نفس عميق ثم أطلق شهقة طويلة آلمته في صدره.. وحينما بدأ يشعر بتحسن كانت الفتاة قد اختفت..
كأنها جزء من حلم أو هلوسة سببها له الهواء الملوث.. لكن الهلوسة لا تترك لك قناع واقي على وجهك..
عليه أن يسترخي قليلاً.. ليلته لم تنتهي بعد.. لقد تلقى علقة العمر، لكنه ما يزال حياً.. تذكر أمل فعض على شفتيه قهراً.. لم يلقوا بجثتها خارج الحانة بعد.. ترى هل ما تزال حية؟.. لم يكن يعرف أنها ستواصل اللية مهمة البغي حتى وهي ميتة.. بغي رغم أنفها.. روحها تحررت وصارت في البرزخ، وجسدها سيظل ينتهك في الدنيا حتى تبدأ في التعفن..
عارف تركه.. الرفاق خذلوه.. لكن ليلته لن تنتهي قبل الأون.. فقط عليه أن يسترخي.. بعدها..
الخطة رسمت في عقله وهو ينهض من رقدته ببطء.. شعور بخدر لذيذ يسري في عروقه وكأنه لم يتلق علقة قاتلة منذ قليل..
وبخطوات مترنحة اتجه عائداً إلى باب الحانة..
عشرات الأقنعة كانت متراصة هناك على الجدار وعلى البنك كانت هناك زجاجات خمر تركها أحدهم وذهب ..
عليه هو أن ينجز مهمته سريعاً قبل أن يعود..
هذه مهمته التي لم يكلفه بها أحد .. الآن يشعر إنه لم يأت إلى تارتاروس إلا من أجل هذه اللحظة.. بل لم يولد إلا ليعيشها..
تصاعدت ألسنة اللهب لتأكل أقنعة رواد الحانة وهي تفح كالثعابين.. لم يشعر أحد بالكارثة إلا حينما بدأ الهواء الفاسد يتسلل إلى الأنوف..
هناك من أتلف الفلاتر التي تنقي الهواء داخل الحانة!..
صار هناك هرج ومرج وتدافع باتجاه الأقنعة الواقية.. حينئذ أدركوا الفخ القاتل الذي وقعوا فيه جميعاً.. رجل واحد يرتدي قناع كان يمشي مشية عرجاء قليلاً بينهم، وهم يتشنجون.. يتساقطون..
تمتد الأيدي إليه أن أفعل شيئا يا ذا القناع الوحيد.. يهز رأسه في بطء بمعنى.. لقد فعلت كل شيء ممكن ولو كان بيدي لطلبت من السماء أن تمطر عليكم حجارة من سجيل..
إنه يريد أن يرى الموت الزاحف في عين أعدائه.. كل أعدائه..
عين مهاب الضابط السادي.. عين شاهين القواد العجوز.. عين هايدي حبيبة صديقه السابقة.. و..
وعين عارف رفيق الأمس..
كانت لحظات قاسية وممتعة لأقصى حد..

***

 
 

 

عرض البوم صور عمرو مصطفى   رد مع اقتباس
قديم 07-07-19, 11:45 AM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مغامر ليلاس الأول



البيانات
التسجيل: Dec 2011
العضوية: 233726
المشاركات: 502
الجنس ذكر
معدل التقييم: عمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداععمرو مصطفى عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 266

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عمرو مصطفى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عمرو مصطفى المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: قردة وخنازير (رواية)

 

(6)

الأخبار اجتاحت تارتاروس كلها..
(حادث اختناق جماعي في حانة النجوم الساهرة ).. والحادث تم بفعل فاعل.. وبما أن الحانة كانت مكتظة برجال الشرطة فالعمل لن يخرج عن كونه عمل إرهابي يحمل بصمة المتمردين.. وهكذا صار كل شرطي في المقاطعة مكلف بشكل رسمي وشخصي بالبحث عن الفاعل الأثيم..
الفاعل الذي كان يجوب الشوارع كالشبح لا يدري متى توقفه طلقة رصاص حاسمة..
إنه سعيد وينتظر الموت في أي لحظة.. إنه مسلح بمسدس أخذه من مهاب وهو يحتضر.. كان بإمكانه أن يطلق عليه رصاصة الرحمة، لكنه ظل واقفاً يرقبه وهو يتعذب.. أمل.. أرجو أن تهدأ روحك هناك..
زحام.. غبار.. تلوث.. عوادم سيارات تعمل بمياه الصرف.. رجال شرطة في الأزياء الرسمية وغير الرسمية يفتشون تحت كل حجر..
لكنه سعيد لأنه لأول مرة يشعر بالحرية الحقيقية..
هو غير خاضع للإدارة الطاغية.. ولا لمتمردي اليوم طغاة الغد.. لذا لم ينس أن يقف قليلاً على رأس عارف وهو يرتجف ارتجافة الموت.. أراد أن يريه نفسه قبل أن يموت.. أنا هو صانع هذا الجحيم.. أتمنى من كل قلبي أن يكون مصيرك عند خالقك أشد وأبكى..
مؤكد أن الأخبار وصلت للأسرة كذلك.. ولابد أنهم اكتشفوا حقيقة ما حدث.. لقد فقدوا عارف واختفى العضو الجديد.. يمكن بقليل من التحليل والخيال رسم الصورة كاملة والوصول إلى الجاني ربما قبل الشرطة.. لدينا هنا عنصر متمرد على الأسرة..
لابد أن هناك اجتماع طارئ عقد للأسرة في مكان جديد لا يعرفه العنصر المتمرد.. لابد أن رب الأسرة تكلم كثيراً عن الخطر الذي يحدق بهم..
ـ هناك شخص يعرف عنا الكثير يجوب الأن شوارع تارتاروس.. إنه مبتدئ لذا لن يمكث طويلاً قبل أن يسقط في قبضة الشرطة.. سيقومون بعصره قبل أن يرسلوه إلى هيدز..
ونظر في عيونهم على ضوء الكشاف الساقط من أعلى.. دائماً هناك واحداً في كل مقرات الأسرة السرية.. وأكمل :
ـ لابد أن نعثر عليه قبلهم..
ـ حياً؟..
تساءلت عفاف وهي تقرض أظافرها بعصبية.. طرق رب الأسرة على المائدة بأنامله كأنه مستغرق في التفكير.. بعد قليل صمت حسم أمره..
ـ حسب تقاليد الرفاق ينبغي أن نقبض عليه حياً ونحاكمه.. ونقدم تقرير للقيادة العليا .. لكن تعرفون أن هذا سيظل وصمة عار في جبين أسرتنا.. أسرة تارتاروس تمرد أحد أفرادها.. هل تتخيلون معي الفضيحة؟
هزوا رؤوسهم متفهمين..
حوالي عشرون صياداً سينتشرون في أرجاء تارتاروس بحثاً عن طريدة واحدة.. قالت عفاف وهي ترتجف بنشوة :
ـ أنا أولى به منكم.. فأنا وهو بلديات..
قال رب الأسرة :
ـ عفاف مهمتك هذه المرة ستكون إنقاذ شرف أسرتنا..

***

الشرطي شهاب كان صديقاً مقرباً من الشرطي مهاب وشلته الذين راحوا ضحية حادث حانة النجوم الساهرة.. لقد كان محظوظاً لأنه لم يكن معهم في ذلك اليوم، فهو لا يكاد يفارق شلة الحانة إلا نادراً..
مهاب وسمير وراشد.. شلة الدراسة والعمل.. والنزوات كذلك..
حينما علم الخبر حشى مسدسه بالطلقات ولم ينتظر التعليمات التي عممت على سائر أفراد الشرطة.. سيبحث عن الفاعل بمفرده، وسيمثل به..
هناك متمرد قام بتجاوز الحد المسموح به ههنا.. معلوم أن تارتاروس تعج بهم، لكن زمن التسامح قد ولى..
شارك في عدة مداهمات فاشلة وعاد بعد أيام إلى بيته وأسرته منهكاً..
قالت له زوجته أن فلاتر التنقية لا تعمل بصورة جيدة.. نظر لوجوه أطفاله الثلاثة فرأى بوادر الاحتقان الذي يميز زيادة نسبة تلوث الهواء داخل البيت.. لا يوجد سلالي هنا، إنه لا يقوى على الحياة في تلك الأجواء المسممة.
ـ تعرفين أن إصلاح الفلاتر يحتاج لمبلغ وقدره..
قالت له وهي تسعل :
ـ أفعل شيئاً من أجل أولادك.. إنهم أولى من شلة الأنس التي تسعى للانتقام لها..
قال وهو يمسك رأسه كي لا ينفجر :
ـ يمكنك أن تأخذي الأولاد وتذهبي إلى والدتك..
ـ الأقنعة الواقية للأطفال بحاجة لإصلاح أيضـ..
هنا تركها وقام إلى فراشه متثاقلاً.. ربما سمعها تشتم وربما لا.. لم يعد يهتم كثيراً بما تقول.. الحمقاء لا تدري أن هناك مكافأة مجزية في الطريق لو نجحوا في القبض على الفاعل..
لم يكد يأوي لفراشه حتى جائه اتصال من الوحدة.. هناك مشتبه به في شارع... لم نشأ أن نستمتع من دونك.. سأكون هناك قبلكم أيها الأوغاد..
نهض من الفراش وطمأن زوجته.. لن يغيب كثيراً.. الحقيقة أنها تعرف أنه قد لا يعود لكنها تعودت على تلك العبارات.. هكذا احتضنت الأطفال وجلست بجوار المذياع، تنتظر الأخبار وتسعل..
الشارع المعني تم إخلائه تقريباً من السكان، حتى لا يحدث هرج ومرج يستغله المشتبه به..
سيارات الشرطة تفرض حصاراً على مدخل ومخرج الشارع.. بعد قليل سيتم القبض على الرجل الذي هز تارتاروس كلها..
رجال الشرطة يغادرون العربات بأقنعتهم المميزة لإطباق الحصار على العقار الذي تم تحديد الهدف فيه.. ثم اقتحامه..
شهاب يقبض على سلاحه وصور رفاقه لا تفارق ذهنه.. صدر الأمر بالهجوم فدخلوا العقار وبدأوا ينتشرون باحترافية..
بعد ثلاث أو أربع ثوان دوت سلسلة من الانفجارات المتتابعة أطاحت بالجميع..
هناك من زرع عبوات ناسفة في مناطق متفرقة من العقار ليتحول في لحظة بعينها إلى جحيم ..
للأسف لن يعرفوا حقيقة ما حدث وقد تحولوا إلى أشلاء.. وشهاب لن يعود لإصلاح فلاتر بيته كذلك..
ستقيم زوجته عند أمها لأجل غير مسمى..

***

بالأمس مكث باسم في إعداد كل شيء بنفسه..
إنه وقت استرجاع الدروس التي تلقاها على يد عارف.. صناعة قنابل شديدة الانفجار من أبسط الأشياء المنزلية.. هناك دوائر كهربية كذلك..
كلمات الرفيق عارف مازالت تدوي في أذنيه وهو يعلمه.. ويده تنفذ ما تسمع بالحرف..
المبنى الذي اختاره مهجور منذ فترة.. والفلاتر هنا عششت فيها العناكب.. ربما مات سكانه ولم يدر بهم أحد.. هناك بقايا هياكل عظمية وجدها في بعض الغرف.. مكان لا يطيق أحد البقاء فيه لذا كان هو أفضل مكان للاختباء.. استطاع إصلاح بعض الفلاتر كي يتمكن من خلع قناعه الذي أهدته إليه تلك الفتاة الغامضة.. وجلس ليتنفس في عمق ويفكر في كل ما مر به.. هل كانت حياته في إلوسيوم سيئة لهذا الحد؟..
هل كان زواجه فاشلاً فعلاً؟.. أم أن أعصابه التي ألهبتها الشرائح الذكية وألعاب الفيديو ثلاثية الأبعاد كانت هي السبب؟..
ثم توصل إلى أن حياته كانت تتجه دائماً من السيء للأسوأ.. ربما كان الآن في الذروة.. وربما كان يتجه إلى مزيد من السوء.. على الأقل عليه أن يحاول وقف مؤشر التدهور..
تمرد على النخبة.. ثم صار متمرداً على المتمردين على النخبة.. هل هذا هو الطريق الصحيح؟
مازال يتمنى لو غادر هذا العالم كله.. بكل ما فيه من طغاة وثوار وملوثات سمعية وبصرية.. مازال يبحث عن الشعور بالأمان..
شعر بتأثر شديد وحاجة ماسة إلى البكاء.. إنه بالرغم من كل ما صنع وصنع به ما يزال يحمل في داخله قلب طفل مذعور..
حتى وهو يضغط على زر المفجر فيتحول مدخل العقار إلى جحيم..
هو مجرد طفل.. طفل في لعبة فيديو أخرى..
طار أفراد الشرطة المقتحمين وارتج المبنى وبدا وكأنه على وشك الانهيار..
وكان هذا هو الوقت الذي قرر فيه باسم التحرك..
حمل قناعه وغادر مكمنه .. سيصعد إلى سطح العقار ومنه سيقفز إلى مبنى ملاصق لظهر العقار.. بعدها سيكون في الشارع يستوقف أحدى سيارات الصرف الصحي.. يقصد الأجرة..
لكنه لم يكد يرقى بضع درجات حتى سمع صوت خطوات قادمة من أعلى..
هناك شخص قادم إليه خصيصاً من السطح حيث يتوقع فراره ..
امتشق مسدسه وصوبه إلى أعلى وقلبه يدق .. هنا رآها تهبط بخطوات واثقة .. رتيبة .. جنائزية ..
لقد أرسلت الأسرة عفاف شخصياً من أجلك..

***

 
 

 

عرض البوم صور عمرو مصطفى   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
(رواية), وخنازير, قريب
facebook



جديد مواضيع قسم قصص من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 01:36 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية