لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء > الروايات المغلقة
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

الروايات المغلقة الروايات المغلقة


كواليس أحلام

بسم الله الرحمن الرحيم منتدى ليلاس ، طابت أوقاتكم ، أنا عضو جديد ، أود نشر روايتي هنا ، بينكم ، بين أروقة منتداكم البهي . لن أطيل ،

 
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-11-18, 01:32 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2018
العضوية: 330814
المشاركات: 5
الجنس ذكر
معدل التقييم: مشعل نصر عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 11

االدولة
البلدSudan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مشعل نصر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي كواليس أحلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

منتدى ليلاس ، طابت أوقاتكم ، أنا عضو جديد ، أود نشر روايتي هنا ، بينكم ، بين أروقة منتداكم البهي .
لن أطيل ، و سأدخل مباشرة في الرواية .
الرواية بعنوان : كواليس أحلام


الملخص

كل منا لديه قصة ترويها عنه الايام ، كل منا لديه أحلام ، لا شك ، من الوهلة الأولى نرى أحلامنا مشتركة ، كل منا يتمنى منزلا فخما و سيارة و عائلة جميلة يرجع إليها كل مساء ، أليست هذه هي الأحلام ، بلى ، من يريد أكثر من هذا !
و نحن مقبلون على الحياة شبابا ، لا نعرف ماذا سيحل بنا ، و هل سنتمكن من تحقيق أحلامناا ، لننظر و نحن في نهاية الطريق الى حياتنا قبل أن يطوى ملفها ، سنسخط أو سنرضى ، سنفخر بها أو سنأسى عليها ، و نتمنى لو لم نعش .
أنتم الان جواسيس تطلعون على ذلك الملف السري الذي كتبته الأيام عن أبطالنا


الفصل الأول

ذات ليلة من ليالي يوليو الممطرة ، و في غرفة هادئة ، مبنية من الطين ، تغطيها طبقة من الأسمنت ، تحميها من المطر ، حتى لا تنهار فوق رؤوس أصحابها ، مطلية بلون أخضر باهت ، تظهر في أعلى جدرانها المشققة خيوط العناكب ، التي مضت عليها شهور ، و من حين لآخرx ترى على تلك الحيطان بعض الزواحف و هي تمشي بسرعة ، شبابيك معدنية يصعب فتحها ، و باب حديدي مصنوع محليا ، عند أقرب ورشة للحدادة ، سريران يتقاسمان أحد جوانب الغرفة الطويلة ، و في الجانب الآخر حقائب قديمة و طاولة و شماعة للملابس .
كان هذا هو كل ما يزين تلك الغرفة ، لا ، يبدو أنني نسيت شيئا هناك سلك كهربائي يتيم يشق طريقه على الجدار فوق الباب ليزود مصباحا بالطاقة لينير الغرفة .
على أحد الأسرة يرقد طارق ، الابن البكر لأب يعمل سائقا ، و ينام بقربه أخوه الأصغر أواب .
كان طارق فتى مختلفا عن أقرانه ، كان ذكيا جدا ، لكن لا أحد يعلم ذلك .
جاء الصباح ليرسل أشعته الذهبية على تلك الغرفة التي يسميها أهل البيت " الديوان " و لكن اليوم لم يكن كسابق الأيام كان يوما سيبقى منحوتا في ذاكرة طارق و أهل بيته دائما .
- أتمنى لك التوفيق يا ولدي ..
تمتم الرجل بتلك الكلمات و هو و أسرته يلتفون حول التلفزيون ليشاهدوا المؤتمر الصحفي الخاص بإعلان نتيجة الشهادة الثانوية .
- أنا متأكدة ان الاولى ستكون بنتا
- أنا أيضا أظن ذلك فأنتن عاطلات لا شغل لكن سوى التفرغ للمذاكرة
- ليس كذلك يا ذكي ، بل لأننا عبقريات
- لا ، أنتم فقط تحبون المذاكرة ، و لا علاقة لهذا بالذكاء ، لو ذاكر قرد بعدد ساعاتكم لأحرز درجات أكبر منكن ، معشر العاطلات

هكذا دار الحوار بين طارق و أخته صبا التي تصغره بعامين قبل إعلان النتائج .
" سيقوم السيد وزير التربية و التعليم بإعلان العشرة الأوائل الآن ، بسم الله ، و الحمد لله ، أما بعد :
الطلاب الأوائل في إمتحان الشهادة الثانوية للعام 2014 ، الأول : صبا محمد عبدالكريم حسن ....
.........."
علت وجه الفتاة الصغيرة إبتسامة بريئة ، و بدأ باقي أفراد البيت بالابتسام .
- أخبرتك أنها ستكون فتاة ، لكني لم أتوقع أن تحمل إسمي أيضا
لقد حملت الأولى نفس الإسم ، صبا ، بيد أن أخت طارق كانت للتو قد أكملت الصف الاول الثانوي .
" الرابع : طارق نورالدين محمد .. "
هنا تفجر البيت بالزغاريد ، و إحتضنت الأم إبنها و الفرح في عينيها كالشمس في وضح النهار ، نزلت دموع طارق سخية ذلك اليوم ، و إمتلأ البيت ذلك اليوم بكثير من الاشياء ، كالهدايا ، و الضيوف و بعض الشخصيات المهمة ، المتعلقة بمجال التعليم في المنطقة .
كانت الفرحة في نفس طارق كبيرة ، و كان الإنجاز عظيما ، أو هكذا كان يظن ..
إتخذت هذه اللحظات موضعا مميزا و نحتت نفسها في ذاكرة طارق ، و أثبتت مع مرور الأيام أنها هي اللحظة التي تغير بعدها كل شيء .
كانت نقطة التحول الكبرى في حياة ذلك الشاب ، فعلى إثرها تغيرت جميع مفاهيمه و اهتماماته في هذه الحياة ، لقد ذكرت لكم أنه كان ذكيا ، الا أنه بعدها ، صار عبقريا .

كانت تلك الغرفة الخضراء ديوانا في منزل نورالدين ، الذي يملك سيارة صغيرة يعمل بها ، البيت به كذلك غرفتان مرتبطان ب "هول" مع بعضهما و مطبخ يرتبط بسقيفة مع احدى الغرف ، وحمام .
كان البيت الصغير يقبع في حارة صغيرة بعيدة في أطراف المدينة ، في إحدى ولايات السودان المنسية .
لم يكن بالبيت كهرباء بصفة رسمية ، لم تصل أعمدة الكهرباء تلك المنطقة بعد ، كان بعض الأشخاص في الحي يمتلكون مولدات كهرباء تعمل بالجازولين ، ينيرون لبقية سكان الحي بيوتهم مقابل ورقات مالية . كما أن المياه أيضا لم تصل تلك المنطقة ، فكان سكان ذلك الحي يشترون مياه الشرب من " الكوارو " التي تجرها الحمير . أو من "التناكر" .

هذا ما جعل الإنجاز يبدو عظيما في نفس طارق ، لأنه كان على يقين تام بأن كل من تفوق في إمتحان الشهادة الثانوية مثله ، وضعه المادي أفضل منه بكثير ، و أن بعض الممتحنين قد حصل على دروس خصوصية و مكآفات ووعد بسيارة ، و لكنه لم ينجح ، ما زاده فخرا أنه لم ينجح فقط ، بل في كل هذه البلاد ، لم يتفوق عليه سوى ثلاثة أشخاص فقط من بين نصف مليون طالب ، و لا توجد حتى مروحة تدور فوق رأسه ، بل حتى أحيانا يشتري شمعة ليذاكر دروسه ، لأن صاحب "المولد الكهربي " ليس لديه " جازولين " اليوم .

كان معنى هذا أنه وبالتأكيد سيفارق أهله و مدينته ليدرس في "جامعة الخرطوم" أفضل الجامعات السودانية " ، قبله الطلاب الأوائل ، مما يعني تغييرا كبيرا بحياته المتواضعه .
لكن و قبل الذهاب للجامعة ، مُنح طارق زيارة إلى إيطاليا ، كتكريم له على تفوقه في الإمتحانات ، كما كان سببا لتكريم والديه بفرصة "حج" .


"بحمد الله و سلامه هبطت الطائرة بمطار ليوناردو دافنشي في العاصمة الايطالية روما .. تشكركم الخطوط الجوية القطرية و تتمنى لكم إقامة ممتعة في روما "
ستبقى هذه العبارات أيضا محفوظة لفترة ليست بالقصيرة في ذاكرة طارق ، فهذه كانت رحلته الأولى على متن طائرة ، بل يمكنك أن تقول أنها رحلته الأولى بصفة عامة ، لأنه حتى الخرطوم لم يزها الا ليسافر الى إيطاليا ، فقد قفز قفزة كبيرة ، من أقاليم السودان المنسية إلى أوروبا .
لقد إنبهر طارق بمطار الخرطوم عندما وصل إليه ، لكن عندما وصل مطار حمد الدولي في الدوحة أصبح عاجزا عن وصف ما يراه ، لم يكن يظن أن العالم يضج لهذه الدرجة ، أما بعد أن قضى عطلته الجميلة في ميلانو و روما و فلورنسا و زار البندقية و بيزا و جينوفا ، فقد أدرك تماما أن ما كان يعيشه في منزلهم ذاك لم يكن حياة .
كان كأنه أدرك لتوه أن خريطة العالم التي درسها في حصص الجغرافيا حقيقية ، و أن تلك الاماكن كلها موجودة ، و يمكن زيارتها ، كأنه قد عرف الآن والآن فقط ، أن العالم ليس كله يعيش مثل حياته في تلك الغرفة الخضراء الشاحبة ، بإختصار ، لقد نسي طارق أن العالم ليس كله فقراء ، بل به أناس مترفون .

أصبح يؤمن إيمانا عميقا بعبارة " المال يصنع السعادة " .
لقد عاد طارق شخصا مختلفا من رحلته تلك ، تضاربت كل الافكار التي في رأسه . فقبل شهور كانت أكبر أحلامه ، أن يحصل على "كمبيوتر شخصي" ، أما الآن فحدث و لا حرج .

يقال أن كل شخص يبحث عما ينقصه ، و يرى في الشيء الذي لا يملكه كل شيء ، حتى اذا اقتناه ، فكر بغيره ، و هكذا ، نحن البشر يكاد الجشع يقتلنا ، نطمع في كل ما لا نملك ، لكن هل فكرنا يوما بأن هذا شيء جيد ، فالطموح لا يتعارض مع التواضع و أن تضع أحلامك و تسعى لتحقيقها حتما لا يتعارض مع القناعة .
يولد بعضنا و ملعقة من ذهب كما قيل في فيه ، و يجد بعضنا نفسه في ملجأ للأيتام ، "الحياة غير عادلة"
بعضهم يدعي العكس فيقول :
" أحيانا يفلس والدك ذو الثروة الكبيرة ، أو يزال من منصبه و تأخذ أملاكه ، فتنقلب حياتك رأسا على عقب و تعيش معدما و تفشل ، و أحيانا تستيقظ لتجد نفسك في ملجأ الأيتام أو متشردا و تنجح في حياتك و تعيش مترفا " .
ليبرهن أن الحياة عادلة و أن من كد وجد و ليس من سهر كمن رقد ، فمن إجتهد و تعب وجد ثمرة جهده ، و من كسل و تخاذل و تواكل فشل .
تتباين الآراء و تختلف ، و كل يقتنع فقط برأيه ، طارق كان يقف بشده مع أنها غير عادلة ، و كان يؤمن كما أخبرتكم أن المال يصنع السعادة ، إيمانا أعمق من أن الموت ملاقينا أجمعين . بل كان يحسد المترفين ، و يتساءل ما الذي يتمنونه ، فقد "ولدوا و أحلامهم محققة" ، كما كان يقول . بجدية ، كان لديه فضول أن يعرف ما هي أمانيهم .

يمكنكم أن تعتقدوا أن طارق شاب طائش ، و يمكنكم حتى أن تشفقوا عليه ، لأنه شخص مسكين ، فقير ، عاش أسبوعين على طريقة الأغنياء ، فاختصر الحياة كلها على المال .
كان طارق عندما ينظر الى باب منزلهم يتذكر باب الفندق في روما الذي يفتح تلقائيا عند اقتراب شخص منه ، كما يتذكر عندما يحمل "الابريق " ليتوضأ تلك المواسير التي تعمل بطريقة أوتوماتيكية في مطار حمد الدولي ، و عندما يحمل "الجردل" داخلا الحمام ، يتذكر التوليت الفخم في الفندق بميلانو ، و كيف أنه يمكنك التحكم بدرجة حرارة الماء ، و عندما يذهب الى الغرفة الخضراء ، يتذكر غرف الفندق التي تفتح ببطاقة ممغنطة ، نعم ، لقد كان يقارن كل شيء ، حتى عندما يأوي الى سريره المتواضع يتذكر تلك الفُرُش الناعمة الدافئة في الفنادق ذات الخمس نجوم .

كم هو مريض طارق هذا ، أليس كذلك ؟!
أقسم طارق في قرارة نفسه و بأنانية كبيرة ، أن يعيش حياة مترفة ، أن يقضي حياته في أجمل مدن العالم ، أن يمتلك منزلا فخما و سيارة ، قطع على نفسه وعدا بأن يصبح غنيا ، و أن يخرج من هذه البلاد .
هذا كان ظاهر أحلامه التي لم يكن يشاركها مع أي شخص ، الا نادرا ، أما التفاصيل فقد إختص بها نفسه بكل أنانية ، و لكن وضع خطته و رسم الطريق الى هدفه و هو يغني مع " Sia " بكل ثقة :

I'm unstoppable
I'm a Porsche with no brakes
I'm invincible
Yeah, I win every single game
I'm so powerful
I don't need batteries to play
I'm so confident
I'm unstoppable today
Unstoppable today
I'm unstoppable today
Unstoppable today
I'm unstoppable today

كان حلمه واضحا و بسيطا جدا ، يريد فقط أن يعيش حياته مترفا ، هذا كل ما في الأمر .
دائما ما تكون الأقوال سهلة فكل منا يستطيع ان يقول ما يشاء و لكن القليل من يفعل ، قليل من ينفذ ، و يصدق اقواله بالافعال .
يتجه طارق الان الى منزل صديقه ليقضي معه القليل من الوقت الممتع لانهما سيفارقان بعضهما حيث سيذهب طارق الى الخرطوم .
-ما اخبار حبيبتك سوسن ؟!
-و من سوسن هذه !
-لا تنكر يا صديقي انت تعرفها جيدا
-أنا لا اعرف شخصاً بهذا الاسم
-لا تجبرني على تذكيرك يا طارق
-حسنا ، انها بخير و قد اعترفت لي بحبها قبل ساعات
-يا رجل ! ، هل انت جاد ؟
-نعم بالطبع ، خلال الشهر الفائت تلقيت سبعة اعترافات بالحب يا طه
-يبدو انني سأدرس الصف الثالث من جديد لأكون الرابع على السودان فتقع جميع الفتيات بحبي
-يمكنك ان تجرب
-و ماذا كان ردك عليها
-قلت لها انني ايضا احبها
-و هل أنا تحبها ؟
-لا أعرف ، و لكن لا أظن ذلك
-وبقيه الستة ؟
-اخبرتهم أني مرتبط و لا استطيع الدخول في علاقه معهن
-لو كنت مكانك خرجت كل يوم مع واحده ، أتدعي الاخلاص ام ماذا ؟
-يمكنك ان تقول ذلك ، وانت كيف تسير امورك العاطفية
-انا يا اخي "حجر" لا أصادقهن ولا أخالطهن و ليس لي معهن سبيل
-لكنني اراك مهتما باخبارهن
-ليس كثيرا ، فقط لانك صديقي
-لا تكذب لقد قلت لي انك لو كنت مكاني لخرجت كل يوم مع واحدة
-ربما لا اظن ان هذا هو الوقت المناسب
-اذا انت تنتظر الجامعة ، واخيرا سأراك مع سرب من الفراشات
-فلنغير الموضوع
- وعماذا سنتحدث ، لاشيء
-ما هي افكارك و مخططاتك للدراسة بعد تفوقك هذا
-كما تعلم ، ساذهب الى الخرطوم و ادرس الهندسه في جامعه الخرطوم
-لا اقصد ماهي الخطط بعيده المدى ؟
-إنتظر حتى يقترب مداها اذاً
-تعرف كيف تتهرب مني ، انا الان سوف أغادر ، اعتذر اليك عن هذا ولكنه امر طارئ
-لا باس
- سأعود لزيارتك قبل ان تسافر ان شاء الله
- جيد ، الان وداعا
- الى اللقاء .

كان طارق و طه صديقين مقربين جدا درسوا مع بعضهم منذ الصف السابع الاساسي حتى المرحلة الثانوية و الان سيفترقان في الجامعة و سيمضي كل منهما الي حال سبيله .
يخطط طارق في هذه الايام لتوديع اكبر عدد ممكن من الاصدقاء لأنه سفره قد اقترب ، فخرج مباشرة من عند طه الى منزل صديقٍ اخر الا انه لم يجد في المنزل فعاد الى بيته ، و في المنزل اخبرته والدته أن أباه ينتظره في غرفته ليحادثه حول موضوع مهم .
- نعم يا والدي خير
- خير يا ولدي ، خير ، كيف تسير ترتيبات السفر
- في افضل حال ، ذهبت اليوم لقضاء الوقت مع صديقي لأودعه الا انه وعدني انه سيزورني قبل سفري
- انت تعلم يا ولدي ان الانتقال للعيش في مكان اخر ليس بالامر الهين
- نعم ادري ، توديع الوطن مهما كان أمر قاسٍ
- انا اثق بك و متاكد ان لانك ستنجح يا ولدي و لكن أحب أن اوصيك بعض الاشياء
- قل يا والدي
- اوصيك اولا واخيرا بنفسك ، حافظ عليها و تجنب العادات السيئة و اصدقاء السوء ، ركز على اهدافك و دراستك ، كن كما عهدناك هنا ، اياك والكسل و التسكع و السهر فيما لا يفيد ، انا لا امنعك من التسلية لكن لكل شيء حدود فلا تتخطها ، و أعلم يا ولدي أن الحمل ثقيل و المسؤولية أكبر مما تتخيلها .
- لا تقلق يا والدي كلامك حلقة في اذني ، شكرا لك ، سأتركك تنام قليلا فانت متعب
- اجلس قليلا يا ولدي ، هذا ليس ما اردت ان اقوله لك ، كنت أود اخبارك بأن عمك أحمد قد تكفل بمصروفك في الجامعة شهرياً حتى تتخرج
- ممتاز ، جزاه الله خيرا ، سأتصل به واشكره
- اتمنى لك التوفيق يا ولدي
- تصبح على خير يا والدي

عاد طارق إلى سريره في غرفته الخضراء ، و كعادته قبل أن ينام ، بدأ في التفكير فيما دار خلال يومه .
إستغرب من صراحته الزائدة مع صديقه طه ، و إخباره أن الفتيات صرن معجبات به بعد نجاحه الباهر ، فهو في العادة لا يفتح مثل هذه المواضيع مع صديقه ، و لكن كان الأمر لا يهمه كثيرا ، على عكس صديقه الذي بدا عليه الأهتمام .

يمكن لكل فتاة أن تصف فارس احلامها ، و يمكن لأي شخص أن يضع مواصفات لفارس الأحلام ، فكل الفتيات يتمنين شابا وسيما مفتول العضلات ، طويل الأنف ، ناعم الشعر ، خفيف اللحية ، بساما مؤنسا لطيفا ، و أخيرا و ليس آخرا ، غنيا .
لكن بعضهن ، لا تجذبها الوسامة و طيب الحديث ، قدر ما يعجبهن الرجل العبقري ، نعم ، هناك من ترى من الرجل عقله ، و تشتهي ذكاءه و دهاءه .
بعد أن تفوق طارق لم يهدأ حسابه على الفيسبوك دقائق ، الا ووصله "طلب صداقة" ، لقد كان فارس أحلام الكثيرات من بنات منطقته ، حتى اللواتي لا ينجذبن للعبقرية ، لم يكن لديهم مانع أن يكون لهم طارق "مجرد رفيق" فلم يبخلو على العبقري بضغطة زر "إضافة صديق"
كم هن أغبياء بنات هذه المنطقة ، ألا يعلمن أن أمرهن مكشوف ، لم يتجاوز الحديث دقائق و تعترف بحبها ، هل تظن أنه سيوافق بسبب بضع كلمات معسولة ، كان يمكنها على الأقل تأخير الموضوع حتى تهدأ أجواء إعلان النتائج ، حتى لا يبدو الأمر واضحا ، يبدو أنها تستخف بذكاءه ، أو أنها إستعجلت أن تتفاخر أمام صديقاتها بأنها "حبيبة العبقري" .

لم يعر طارق أي إهتمام لهؤلاء " المعجبات " إلا سوسن ، التي كانت صديقته المقربة منذ أيام الطفولة ، و كان يحس انها تحبه ، و أنهما سيرتبطان يوما ما ، إنتظرت سوسن تلك اللحظة ، لتكشف عن حبها له ، فقد نفد صبرها ، فطارق شخص غريب ، و لم يكن ليصارحها مهما كان قدر حبه لها .
أحست بالسعادة عندما أخبرها أنه يحبها أيضا ، و لكنها حزينة لأنه سيفارقها إلى الجامعة ، و لا تدري أنه لا يهتم بأمرها كثيرا ، بل هو لا يكترث لأي شيء ، و لا أحد يعلم ما يدور برأسه .
ثم ينسى طارق موضوع الفتيات هذا ، لأنه ليس شغله الشاغل - هذه الايام على الأقل - و يتذكر وصايا والده الحنون .
" سيتكفل بي عمي ، المقيم خارج السودان ، في الإمارات ، يبدو أنني سأعيش حياة فيها نوع من الترف في الخرطوم "
هكذا همس طارق لنفسه قبل أن ينام ، ثم سحب الغطاء على بدنه و هم بالنوم ، ليتذكر بقية حديث والده ، عن أن المسؤولية على عاتقه كبيرة ، فوالده سائق متواضع ، دخله يفي بالكاد لإحتياجات أسرته ، و لديه إخوه أصغر منه ، بل هناك طفلة لم تدخل المدرسة بعد .

تتكاتف الغيمات و تتحد لتكون سحابة عظيمة تسد الأفق و تمنع نور الشمس أن يقبل تلك الأرض الرملية العطشى ، و يشتد هبوب الرياح و يتعالى صوت الرعد معلنا عن وصول أمطار غزيرة ، و تبدأ القطرات خفيفة ، واحدة تليها أخرى ، ثم الآف من القطرات الباردة تضرب سقف الغرفة الخضراء محدثة طرقات صاخبة توقظ طارق من نومته الهنية ،فلا أحد يستطيع النوم تحت سقف الزنك مع أمطار غزيرة ، ليجد أن وقت الفجر قد اقترب ، لقد كانت منبها طبيعيا لصلاة الفجر .
وقف طارق ينظر من خلال الشباك الى منزلهم و هو يمتليء بالماء ، و يتذكر أن عليه فتح المجرى لتصريف المياه ، فيخرج في تلك الأمطار الغزيرة حاملا معه مجرفة ، و ينجز مهمته و يعود مبللا إلى الغرفة ، يبدل ملابسه ، و يصلي الفجر .


جاءت أخته الصغرى صبا ، و هي تحمل بيدها كأسين من الشاي الممزوج بالحليب ، مع قطع من الخبائز .
جلست بجوار أخيها ، ووضعت الكأسين على الطاولة .
-صباح الخير ! أيها المسافر
-صباح النور ، الجو في الخارج جميل ، فلنخرج
فيحمل طارق كرسيين و تحمل أخته الطفلة الكأسين و الطاولة و يجلسان في "حوش" منزلهم .
-يبدو أنكِ اليوم على غير طبيعتك
-أخي سيسافر غدا ، و هذا آخر "شاي صباحي" أشربه معك ، وتبتسم
-ظننتها ككل مرة عندما تريدين مني أن أقدم لك خدمة !
-لا بالطبع ، بالمناسبة ، لا تسافر يا غبي ، من يوقظنا فجرا ، و من يراجع مع أسماء دروسها ، من يذهب للسوق ليشتري الحاجيات لأمي ، و من يتقاتل مع أواب ، و من يساعد أخته الصغرى في دراستها ، و ينفذ لها طلباتها ؟!
- يمكنكم أن تستيقظوا بالمنبه ، و أسماء ليست مثلك فهي ذكية و لا تحتاج المراجعة بعد الآن ، يمكن لأواب العاطل أن يذهب للسوق ، و أنتِ ، إعتمدي على نفسك ، هكذا أصلحت كل شيء !
-كم أنت عبقري ، و تضحك
-سأفتقد بسكويتك هذا ، أحضري كأسا آخر ، و صحناً من البسكويت ، يا طباختنا الموقرة .
-صحيح ، سأفتقدك أيها الأكول .
تحب صبا أخاها الأكبر ، و تحترمه ، و تتخذه قدوتها في الحياة ، فالعلاقة بينهما جيدة ، و أحاديثهم طويلة لا تنتهي .

ثم يمضي طارق بعض الوقت مع والده ، و بعد أن غادر والده للعمل ، ذهب هو الى السوق ، و أحاديث وداع مدينته لا تفارق ذهنه ، هذه آخر مرة سيذهب فيها الى السوق ، بالتأكيد سيشتاق لوالديه و أخوته ، و لمنزله الجميل ، و غرفته الخضراء .

يرن هاتف طارق فجأة ، فأذا بها سوسن ، تلك الفتاة العاقلة ، الهادئة ، صديقة الطفولة ، أول تجربة له مع جنس الفتيات ، هي لا تتصل في العادة ، أغلب أحاديثهم تدور عبر الرسائل ، لكن هذه المرة ، اليوم مميز ، فهو آخر يوم لحبيبها في المدينة ، تود لوx تقضي اليوم كله معه ، لتتأمل وجهه ، و تحفظ كلماته ، تود أن لا تفارق عينيه السوداوتين عيونها الناعسة ، تود أكثر من ذلك ، لكن لا تجرؤ على ذلك ، كما أن الأجواء غير مساعدة .
شاهدت سوسن الكثير من الافلام و المسلسلات التركية الرومانسية ، و هي تعرف كيف تحادث حبيبها ، الذي تحبه بصدق ، نعم ، هي تحبه بصدق ، و تتمنى لو تعيش معه كل عمرها ، و قد تقدم شاب لخطبتها فرفضت ، قلبها لا يسع سوى طارق ، لا أحد غيره ، لم تكن واثقة أن طارق يبادلها نفس القدر من الشعور ، لكن كانت ترى في عينيه شيئا من الحنان يرضي أحاسيسها .
سوسن فتاة جميلة ، أو بالأحرى ، كانت مميزة ، جفونها ناعسة قليلا ، عيناها عسليتان و حواجبها غزيرة ، فهمها دائري صغير ، حديثها مؤنس ، و كلامها لطيف ، إجتماعية ، و مثقفة ، و ذكية ، و تحب طارق .
يوجد القليل مثلها في المنطقة .
طارق يحس بشيء تجاهها ، لا يدري هل هو إعجاب طبيعي لأنها فتاة جميلة ، أم أنه يحبها حقا ، مع أنه لا يؤمن بالحب ، و هي بالنسبة له شخص قريب ، و يهتم لأمرها حقا .
-ألو !
- حبيبي ، كيف حالك
-أنا بخير ، كيف تسير أمورك
-ليست جيدة اطلاقا ، فحبيبي سيغادر المدينة
-لا تقلقي سأعود كل أجازة
-ما هي برامجك لهذا اليوم ، آخر يوم لك هنا ؟
فكر طارق أن يسعد هذه الفتاة قليلا اليوم ، فقد لاحظ من صوتها أنها ستشتاق له و أنها حزينة لفراقهم المحتوم .
-ما رأيك أن نخرج اليوم معا في المساء يا سوسن ؟
لم تصدق سوسن ما تسمع ، و قالت :
-ماذا قلت يا طارق ؟!
-قلت لكِ فلنخرج اليوم معا
لم تكن تظن أن أمرها مهم عنده ، فاليوم آخر يوم له و أصدقاءه بالطبع ينتظرونه ، و لديه ألف مشروع لينجزه قبل أن يغادر ، أحست لوهلة أنه يمزح .
-لا مانع لدي
-إذاً نتلقي الخامسة في "سبأ" ، هل يناسبك الوقت
و يسألها هل يناسبها ، ألا تعلم يا طارق أنك لو قلت لها أن تأتيك في الثالثة فجرا ، ستلبي نداءك .
-بالطبع يناسبني
-اذا نلتقي المساء ، أنا الآن في السوق ، مع السلامة
-باي ، حبيبي
بالنسبة لسوسن ، تحقق حلمها ، ستقابل حبيبها و ستقضي معه سويعات ، ستفعل أي شيء لتجعل اللقاء أطول ما يمكن ، و بالنسبة لطارق فقد أقدم على هذه الخطوة بتلقائية ، و لم يكن معداً لها أبدا ، و لا يدري ما سيقوله لها ، لكنه نوى أن يسعدها ، تذكر أنه إشترى شيئا من رحلته إلى ايطاليا تلك ، إشتراه من أحد الباعة المتجولين قرب البحر في مدينة رافيلو المطلة على خليج ساليرنو ، لقد إشترى خاتما ، محفوظا في بيت أحمر على شكل قلب ، بدا هدية مميزة لهذه الفتاة التي تحبه ، مع أنه لم يشتره خصيصا لها ، ربما أراد أن يحتفظ به كتذكار من تلك الرحلة ، و لكن بالطبع فكر بها عندما إشتراه ، أراد أن يجعل هذا اللقاء مميزا ، فقرر أن يهديها له بطريقة رومانسية ، ليجعلها تحس بأن لها مكانة خاصة في قلبه ، و أنه لا يريد أن يخسرها

هؤلاء مراهقون أكملوا للتو المرحلة الثانوية ، ربما هذا أمر عادي لو كانو في أمريكا مثلا ، فهناك ، المرحلة الثانوية هي أجمل فترات حياتك ، تقضيها في اللهو و المرح مع الاصدقاءx تنال فيها قُبلتك الأولى ، و ربما تحظى بغنيمة أكبر .
لكن هذا الثنائي ، رغم علمهم بأن نظرات المارة في الشارع ستكون عليهم ، و سينتقدون تربيتهم ، لأن هذا يخالف أعراف المجتمع ، و شرائع الدين ، تمردوا على كل هذا و قرروا ، أن يسيروا مع بعضهم في الشارع أمام الناس ، و يدخلوا المطعم و يجلسان و عيونهم لا تفترق ، و أحاديثهم همس ، يُضحكها و تُضحكه ، تمدحه و يغازلها ، كما قرر أن يهديها خاتما بطريقة رومانسية ، تماما كما كانت تشاهد في المسلسلات .
ربما هذا الثنائي نادر في منطقة كالتي يعيشون بها ، لا ليس نادرا ، حتما لا يوجد مثلهم ، شاب عبقري يضع خطة لحياته ، و يعرف تماما ما يفعل ، و فتاة ذكية حالمة ، رغم أن بعض أفكارها طفولية و غير واقعية قليلا ، إلا أنها ليست كغيرها .

بقية شباب المنطقة ، يسير بلا هدف ، و يقضي أيامه يمرح ، من حفلة إلى أخرى ، مستمتعا ، ظاناً أنه يعيش حياة جميلة ، يشاهد الافلام الأجنبية و لا يفهم منها شيئا ، كل ما يريد هو مشاهد الآكشن ، كما يحب المشاهد الرومانسية ، و يسمع الأغاني المحلية ، التي لا تمت للفن بصلة ، و بعضهم يسمع الأغاني الإنجليزية دون أن يعي حرفا واحداً ، فقط يطنطن بألفاظ غير مفهومة ، فاشل في دراسته ، و بعضهم يترك المدرسة ، لا يعرفون أي شيء عن أي شيء ، خيرهم ، لو سألته ماذا تريد أن تفعل في المستقبل ، سيخبرك أن غايته ، أن يشتري قطعة أرض و يبنيها ، و زوجة تزف إليه في صيوان يدق بقلب حيّهم الكئيب هذا .
و الفتيات كذلك ، عقول خاوية ، لا يعرفن شيئا سوى الثرثرة .
ربما ليس لهم ذنب في هذا ، فهذا طبيعي بالنسبة لوضعهم المادي ، فهذا ما وجدوا نفسهم عليه ، فلو وجدوا نفسهم في بيئة مثقفة و غنية ، ما كانوا هكذا حتما ، لذلك الحياة غير عادلة .

بعد عودته من السوق ، ذهب إلى أصدقائه الذين كانوا مجتمعين ينتظرونه ، و بقي معهم حتى المساء ، ثم ودعهم فرداً فرداً ، و ذهب ليلاقي سوسن .
"بالتأكيد سيكون اللقاء مميزا" ، هكذا همست سوسن لنفسها و هي تقف امام المرآة تضع مكياجها ، بعد أن إختارت بعناية الملابس التي ترتديها ، ثم وضعت الخمار على رأسها ، دون أن تحكم إغلاقه كما تفعل دائما ، لقد أرادت هذه المرة أن تكشف عن شعرها لتبدو أكثر جمالا في عيني حبيبها ، ثم تعطرت و أخذت حقيبتها و خرجت .
وصل طارق مبكراً ، و جلس على الطاولة وحيداً ، فتح هاتفه و أخذ يتصفح معرض الصور ، فلاحظ أنه لا توجد صورة تجمعه بسوسن ، ثم وضع سماعة الأذن ، و أخذ يستمع الى الأغاني ، و بعد قليل سمع صوتا ملاءكيا يقول : "مساء الورد " ، لقد سمعه واضحا و كأن العالم يغط في صمت عميق ، رغم أن الموسيقى الصاخبة تشتعل في أذنه ، سمع مخرج كل حرف جليا كما لو أنه يُنطق في درس للتجويد ، و رفع بصره ، فإذ بالبدر مكتمل ، كانت ترتدي "جاكيت" أزرق أنيق ، مزين بأشياء تلمع ، و كان عطرها قد فاح في أرجاء المطعم ، لم يكن يدري أنها جميلة هكذا ، لقد أحس بأنه محظوظ .
"مساء الانوار ، إجلسي " ، أجاب و هو لا يزال ينظر إليها ، فأحست بالخجل و جلست بسرعة ، أخرج هاتفه ، و فتح لعبة الشطرنج ، ثم وضع الجهاز أمامها على الطاولة .
لعبة الشطرنج ، المكر و التدبير ، الصبر و التأني ، الدهاء و العبقرية ، كان لهذه اللعبة مكانة خاصة عند طارق ، لكن ما الذي يجعله يضعها أمام محبوبته في موعد غرامي .
-ما هذا يا طارق ، هل تريدنا أن نلعب الشطرنج الآن ، و تضحك .
لم يكن لدى سوسن أي مانع ، إلا أنها كانت تريد إستثمار الوقت في النظر لطارق و ليس لهاتفه .
-اذا فزتِ علي سأبقى و لن أرحل .
-تحكم مستقبلك بمباراة شطرنج ، يبدو أن واثق جدا من قدراتك ، لا أرى الوقت مناسبا لهذا .
يبتسم بخبث و يقول : "يبدو أنكِ تضيعين فرصة بقائي"
-لأكون صريحة ، سوف تهزمني أيها العبقري .
-لقد هزمتني المرة السابقة ، ألا تتذكرين ، أنت لاعبة مميزة
-لقد جعلتني أفوز عليك بإرادتك ، أنت يا طارق تحتاج "كورسات" في "فن الخروج في موعد " ، لا يمكن أن نتحدث عن الشطرنج هنا .
-و عماذا سنتكلم يا أستاذتي .
-لا أعلم ، أنت العبقري هنا .
-لماذا تكثرين من "العبقري" هذه
-هكذا أحب أن اناديك .
-لست عبقريا ، و لكن إفعلي ما شئت .
تخرج سوسن من حقيبتها ساعة سوداء أنيقة و تمدها إلى طارق و هي تبتسم .
-لقد أحضرت لك هدية ، أتمنى أن تعجبك
-شكرا ، أنها حقا أنيقة ، سأتذكرك كلما نظرت إلى الساعة .
و يقطع موظف المطعم حديثهما ، و يضع "قائمة الطلبات" .
يكتفي الإثنان بطلب العصير و الآيسكريم .
-ليس هذا من عاداتك يا أكول ، ظننتك ستطلب القائمة كلها .
-لا أدري لماذا يصر الجميع على وصفي بالأكول .
-بسيطة ! ، لأنك أكول ، و تبتسم برقة .

يبتسم طارق لإبتسامتها ، فتغير الموضوع بسرعة ، قائلة : "إحكِ لي عن إيطاليا " ، لقد أخبرتني أنها مدهشة و مميزة .
-لقد كانت مدهشة ، أعني أن الرحلة كانت جميلة ، و مميزة لأنها كانت الأولى ، الرحلة دائما ما تكون جميلة بغض النظر عن الوجهة ، فكل بقعة في هذا العالم تستحق الإستكشاف ، سنجوب العالم معا في المستقبل يا أميرتي .
أعجبتها عبارة أميرتي هذه ، فإبتسمت بخجل ، و هربت بعينيها إلى الأسفل .
-بالمناسبة ، أحضرت لك شيئا من هناك ، ثم أخرج العلبة و فتحها وَوَجَّهها إليها .
وضعت يدها على فمها غير مصدقة ، بدا الأمر و كأنها في أحد مسلسلاتها التركية .
ثم أخذ طارق الخاتم ، طالبا منها أن تسلمه يدها ، ليُلبسها الخاتم .
نظرت اليه و إبتسمت بحب ، ثم مدت يدها ، فوضع طارق حلقة الخاتم حول إصبعها الرقيق ، نظرت الى يدها و قالت ضاحكة : " يبدو أنني من يحتاج الكورسات" ، إبتسم طارق لها بعفوية ، و قال : "أرجو أن ينال اعجابك" .
-لن يضيع هذا الشيء أبدا يا طارق .

إن من أفضل ما نقوم به في هذه الحياة إسعاد من نحب ، إنه حقا شيء رائع ، أن نجعلهم بفضلنا ، يشعرون بالفرح ، أن نكون سببا في رسم إبتسامة على وجوههم ، أن ندخل قلوبهم ، بلا استئذان ، خرجت سوسن ذلك اليوم و هي على قمة العالم ، لقد عاشت للتو لحظات ربما لن تكرر في حياتها ، لقد عادت للمنزل و هي تبتسم لوحدها كالمجنون .
عاد طارق الى البيت بعد أن استلم امواله التي حولها له عمه ليقضي اخر ليلة في منزله قبل ان يسافر صباح الغد ، اجتمعت العائلة ذلك اليوم و حضرت أمه وجبه عشاء راقية لوداع ابنهم البكر الذي يغادر حاملا معه احلامه و احلامهم ، مدعماً بدعوات الوالدين مصحوباً برضاهما التام عنه ، ليعيش تجربه جديدة هي في الواقع اول تجربة له فهو لم يتعود على مفارقة أهله لاكثر من ايام ، ليفتتح جزءاً جديداً من حياته ، لتبدا الايام بكتابة فصلٍ ثانٍ من قصته ، مسدلا الستار على ايام قضاها في مدينته الأم ، مسقط راسه ، على اصدقائه و بيته ، على مشاهد طفولته البريئة ، سيذهب ليعيش وحيدا و هو إبن السابعة عشرة ، تتغير مسؤولياته فجاة ً من غسيل ملابسه و إنهاء دروسه الى حياة كاملة مستقلة ، على طارق حتما أن يكون قويا .
شده طارق رحاله و حزم حقائبه وودع اخوته الصغار لانهم لن يستيقظوا فجرا لتوديعه ثم ذهب لينام ، و لكنه لم يفعل .
قضى الليل يفكر ويفكر ، غاص بخياله في أدق تفاصيل مستقبله القريب ، كان يحب التعمق في التفكير ، وكأنه يعيشx ما يفكر فيه .
ربما ترون أنه يبالغ ، وربما تظنون أن هذا ليس بالأمر الكبير فهو في النهاية سيبقى معهم على إتصال بل سيعود اليهم كل بضعة أشهر ولكن رغم هذا فالأمر عصي على فتًى لم يتجاوز السابعة عشرة .
و في الصباح الباكر رافق والد طارق إبنه الى الميناء بسيارته بعد أن ودّع أَمًَه و استودع أسرته و منزله اللهَ الذي لا تضيع ودائعه و ركب الباص دون أن ينظر الى الخلف كان يتطلع فقط للأمام ، كان الباص يتجه شرقا فكان نور شمس الصباح يضرب في عيونه الناعسة التي لم تنل نصيبها الكافي من النوم ، بيد أنها نالت كل نصيبها من الاحلام .







"تتغير الأيام و الحلم واحد"


إنه الثالث عشر من اغسطس عام 2016 ، لقد مضى على طارق في الخرطوم قرابة عامين ، و هو الآن يستعد لإمتحانات السنة الثانية له في كلية الهندسة ، يعيش في شقةٍ يتقاسمها مع صديق له من الجامعة من إحدى الولايات أيضا .
لقد إتضحت الرؤية أكثر ، تغيرت نظرة طارق إلى الدنيا ، صار أكثر هدوء و اقل اجتماعية ، لم يعد طارق الذي تعرفونه ، فقد تغيرت أفكاره ومفاهيمه كثيراً لقد نضج و أصبح اكثر منطقية أصبح ينظر للعواقب قبل ان يقدم على شيء ، ويفكر في كل خطوة قبل أن يخطوها ، قضى العامين يراقب ما يدور حوله دون ان يصنع أي تاثير ، لقد كان مستمعاً جيدا ، كأنه يكتشف الحياة للتو ، كان يتأمل بحرها الشاسع وهو يقف بعيداً لا يخوض في شيء .
قضى الشهور الأولى يفكر في الخروج من البلاد حاول بكل الطرق و لكنه لم ينجح ، لم ينجح فقط ، دون أسباب ، فأحيانا ، يا اصدقائي ، تفعل كل شيء دون أن تنسى حرفا ، تتقن الأمر و ربما تقضي فيه عمراً ، و تفعل كل ما تستطيع و بعضاً مما لا تقدر ، ورغم ذلك يأبى الأمر و يتمنع ، يرفضك كما لو أنك عدوه الاول و يغلق دونك أبوابه هكذا فقط ، بدون اي مبررات .
لقد تقدم طارق لعدد كبير من المنح الدراسية في عدد من البلدان حول العالم ، لقد كانت كل الشروط منطبقة عليه و أكثر ، لقد كان أكبر المرشحين للفوز بهم جميعا ، ولكن لم تُرِد له الحياة الا ان يبقى في وطنه حتى انه تقدم برنامج "الهجرة العشوائية لأمريكا" وهو يعلم انه - ان فاز - فلن يذهب فالأمر مكلف مادياً بالنسبة له ، كما أن أهله لن يوافقوا على الاغلب .
كان موضوع المنحة سيغير حياته جذريا ، سينقله إلى عالم اخر مختلف تماما ، كان يؤمن بانه سيكون أفضل ان خرج ، كان واثقا من قدرته و كان متعلقا بهذا الامر كثيرا حتى انه بدأ تعلم لغات بعض الدول التي تقدم للدراسة فيها .
أما الآن فقد اقتنع بأن الحياة هي الحياة ،xوأنه ان عاش في أي مكان فلن تتغير حياته للأفضل اذا لم يجتهد ويعمل ، وأنه حتى في هذه البلاد السقيمة يمكنه أن يعيش حياةً جميلة .
في أيامه الاولى كان يتصل على والديه يومياً ، فليس له غيرهما كما كان مشتاقاً ، أما الان فقد أصبح مشغول بالدراسة و الاصدقاء ، كما أنه تعود على غيابهما .
أما حبيبته ففي لحظة - إستنتج أنها لحظة طائشة فيما بعد -x تخلى عنها دون أي مبررات ، حتى هو لم يستطع تبرير فعلته لنفسه إلى الان ، لقد اخبرها هكذا فجأة ، أنه لا يحبها انصدمت الفتاة المسكينة فهذا الشيء هو آخر ما كانت تتوقع سماعه لقد خذلها و ضرب بقلبها و مشاعرها عرض الحائط و هي التي تعشقه حد التشبع ، لقد ملأت نفسها منه ، لقد رسمت مستقبلها معه وخَطَّت كل خططها و لم تخلُ أي منها منه ، تكره ما يكره وتعشق ما يحب ، لا تبتسم حتى يرضى ، لو طلب منها المستحيل لفعلت ، لا يهدأ لها بال أن مسه مكروه ، تفديه بروحها ، ترجو لو يسبقه البأسُ إليها ، و تُفَضِّل إذا نواه الشَرًُ ، أن يقع عليها ، يستحيل أن يجد طارق من يحبه مثل ما فعلت .
بكت سوسن بكاء الطفل اليتيم بكت بحرقة حتى جفت عبراتها وأخرجت كل شيء من داخلها ، لم تنم تلك الليلة ، كانت تئن أنينا كمريض ينتظر الموت ، لقد كان أكبر أخطائها أنها أحبت هذا اللئيم بصدق .
أدرك طارق انه ارتكب أكبر جريمة في حياته ، وعرف قدر حبها العظيم له ، لقد كان قلبها مملوءاً بتفاصيله ، كان يدق باسمه و يضعف اذا لم ينل جرعة من صوته ، و ما كان جزاءها ؟ لقد وَرَّم عيونها الجميلة ، وَوَسَّدَهَا تلك الليلة دُموعها ، كسرها كسراً لا يُجبر .

لا يزال يراسلها كل بضعه اشهر فترد ردوداً باردة ، أبرد من سان بطرسبرغ في الشتاء ، وغالباً لا تتجاوز المحادثة السلام و الاطمئنان على الأحوال ،x كانت لا تبادره الحديث أبدا ، يكفي انها لا تزال تحتفظ برقم هاتفه ،x كان قد وعدها أن يكون معها على تواصل دائم ، و ألا يفرِّقهم الا الموت ، و هو الان نادم يتمنى لو تجود عليه برسالة صادقة تخرج من قلبها ، لقد إشتاق لضحكتها و لصوتها الملائكي ، و عيونها الناعسة الجميلة ، و لكنه أفسد كل شيء بيديه .
لقد كان دوما يتساءل ، هل محى الزمن آثار الجرح ، أم أنه لا يزال ينزف ، و هل يستطيع تضميد الجرح و تطبيبه ، أجيبيه يا سوسن ، هل من طريق لجبر الكسر ، هل من سبيل ؟
أصبح يتمنى لو يرجع إليها ، لكنه تارة يفكر أنه لا يستحقها ، و يتمنى فقط أن تكون سعيدة .

 
 

 

عرض البوم صور مشعل نصر  

قديم 04-11-18, 07:39 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2018
العضوية: 330814
المشاركات: 5
الجنس ذكر
معدل التقييم: مشعل نصر عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 11

االدولة
البلدSudan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مشعل نصر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مشعل نصر المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كواليس أحلام

 

القراء الكرام ، أتمنى أن تكون روايتي قد لفتت انتباهكم ، و حظيت بنصيب من وقتكم الثمين .
كما تعلمون أن النقد يجود الأداء كما يصقل الطرق الحديد ، أتمنى أن تجودوا علي بآراءكم و انتقاداتكم السلبية أو الايجابية حول روايتي كواليس أحلام ، فذلك يسعدني ، و يجعلني أخرج أفضل ما عندي .
و شكرا لكم على وقتكم الثمين .

 
 

 

عرض البوم صور مشعل نصر  
قديم 05-11-18, 12:31 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Dec 2015
العضوية: 307293
المشاركات: 98
الجنس أنثى
معدل التقييم: سامراء النيل عضو على طريق الابداعسامراء النيل عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 171

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
سامراء النيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مشعل نصر المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كواليس أحلام

 

السلام عليكم
الفصل من اول حرف شدتني وجذبني طريقه الوصف الدقيقه لكل شةء انا واثقه ان روايتك هتنجح ويسعدني اني اكون متابعه لقصتك الاكثر من رائعه ...
واضح ان شخصيه طارق قويه وذكي وهيمر بصعوبات كتير

 
 

 

عرض البوم صور سامراء النيل  
قديم 05-11-18, 06:27 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2018
العضوية: 330814
المشاركات: 5
الجنس ذكر
معدل التقييم: مشعل نصر عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 11

االدولة
البلدSudan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مشعل نصر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مشعل نصر المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كواليس أحلام

 

مرحبا أختي ..

أشكرك على كلماتك ، و شكرا أيضا لوقتك الذي قضيته بين كلماتي . لقد أسعدتني كثيرا ، خاصة بعبارة : "واثقة أن روايتك ستنجح " ، أتمنى أن تليق بقية فصول روايتي بذوقك ، و أن تنال إستحسانك إلى آخرها .

 
 

 

عرض البوم صور مشعل نصر  
قديم 16-11-18, 05:47 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2018
العضوية: 330814
المشاركات: 5
الجنس ذكر
معدل التقييم: مشعل نصر عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 11

االدولة
البلدSudan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مشعل نصر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مشعل نصر المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كواليس أحلام

 

الفصل الثاني :


تمضي الشهور سريعا ، و تتابع الأيام كحَبَّات عِقد انقطع خيطه ، فالحياة قصيرة ، علينا أن نترك فيها أثرا طيبا ، و ألا ندعها تحرمنا السعادة ، مهما كان حالنا فيها .
تدرس سوسن الآن بكلية الطب بجامعة كردفان ، أصبحت أعقل و أجمل مما كانت عليه ، تخلت عن تصرفاتها الطفولية ، لكنها لا تزال مرحة و طيبة ، و كثيرة للأصدقاء . لم يتحمل قلبها الصغير قسوة طارق ، و قضت أياما لا تتكلم مع أحد ، تغلق باب غرفتها مبكرا ، فقدت ابتسامتها الجميلة ، لاحظت صديقاتها ذلك ، فلم يتركنها وحدها ، و أخبرنها أنه هو من خسرها ، و ضيع حبها ، و لم يقدره ، و أنه لن يجد مثلها أبدا ، و لن يكرمه الزمان مرة اخرى بحب كحبها .


*

تأخر أداء طارق الاكاديمي في الجامعة ، لكنه لم يكن بذلك السوء ، لم يبدِ طارق اهتماما لهذا الأمر ، فكان يراه أمرا عاديا ، ناتجا عن تغيير بيئته ، و اختلاف الاجواء هنا عما كانت عليه هناك في منزلهم ، كما أنه لم يكن يذاكر ، و كان يحرز درجات جيدة دون أي مجهود ، كما أن تفكيره كان مشتتاً في شهوره الأُوَل ، كان واثقا أن فراق أهله و بيته هو أول أسباب هذا التأخر ، كان يؤمن بألا أحد يستطيع التفوق عليه ، أن كان لا يزال يدرس في غرفته الخضراء تلك .
كان أكبر ما استفاده ، و أفضل ما جادت به الحياة في الخرطوم عليه ، صديقا صدوقا ، لقد رافق زميلا له في الجامعة يدعى أحمد ، لقد أصبح وعاء أحاديثه ، و بئر أسراره ، كان أقرب الناس إليه ، كما كان شريك الحلم و رفيق الدرب ، و هما الآن يسكنان معاً ، يدرسان معاً ، يحلمان معاً .
- هل أنت جاهز للإختبار يا طارق؟
- لست جاهزاً ، و لكني سأستعد الآن ، كما لدي فرصة حتى صباح الغد ، فالإختبار قبيل العصر .
- لقد كنت تستعد للإختبار قبل أيام عندما كنت في الثانوية .
- و ما الفارق ، المهم إحراز الدرجات .
- لا تؤجل عمل اليوم الى الغد .
- يمكنك أن تدعه يتراكم اذا كنت واثقا أنك ستحل المشكلة .
- أنت عنيد .
- أنا ذاهب الى المكتبة الآن ، إلى اللقاء .

و يمضي طارق إلى المكتبة ، التي بها شبكة انترنت لاسلكية ، فيتصل جواله بالانترنت ، و تبدأ الرسائل تهطل تباعاً في كل تطبيقات التواصل الاجتماعي ، و لكن طارق ميز بينها رسالة حمراء ، دخلت بريده الالكتروني ، فتح طارق الرسالة و أخذ يقرا العنوان :
"Admission at Anna University - Chennai to pursue BE Electrical Engineering and Electronics "
لقد نسي طارق أنه تقدم لهذه المنحة ، أو ربما كان يظن أن نتيجتها ظهرت سلباً كسابقاتها .

أحيانا عندما تُكثر قرع الأبواب ، حتى تكل أناملك ، و تؤلمك عضلاتك ، و لا أحد يسمعك و لا يجيبك ، و يتسلل الشك إلى نفسك بأنها لن تُفتح ، و أن أهلها غادروها منذ مدة ، و تبدأ بالتفكير و التخطيط على أنها مغلقة ، و تفقد الأمل و يملؤك اليأس ، ثم فجأة يُفتح لك باب ، حينها تشعر بالحيرة ، و تعجز عن التصرف ، هل تدخل الباب الذي لطالما أردت عبوره ، و تاقت نفسك لما وراءه ، أم تبقى حيث أنت ، في مكانك الذي بدأت تضع فيه قواعدك ، و بنيت فيه أساسك ، بل بدأت ملامح البناء بالتشكل ، فماذا ستختار ، و أي الطريقين ستسلك ؟

لا تنطبق عبارة " أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي " على كل شيء ، فهناك أمور ، أحِبتّي ، إذا لم تأتِ في وقتها ، فلا خير في حضورها بعد فوات الأوان .
لقد تأخر حُلم طارق قليلاً ، فهو الآن على وشك إتمام عامه الثاني هنا ، و تبقى له ثلاثة ، و إذا أراد أن يغادر فسيبدأ بداية جديدة ، أربع سنوات كاملة هي مدة برنامجه الدراسي في الهند ، أي أنه سيضيع عاما ، لكن هل تزِن المغريات هذا العام ، مستوى دراسي أفضل ، بيئة جامعية أفضل ، و كذلك "منحة" أي لا ينفق من جيبه درهما و لا دينارا ، كما أنها سَفَر .

خير وصية في الحياة السفر ، تحرك و إرتحل ، لا تثبت أبداً في مكان ، شرِّق و غرِّب ، إكتشف العالم ، أنظر إليه بطريقة جديدة ، إبتعد عن الروتين القاتل ، عن الحياة الطبيعية ، إفعل شيئاً ما في حياتك ، يُميِّزك ، دُر العالمَ و كأنك رحالة في القرن السابع عشر ، يستكشف منابع الأنهار .
للسفر متعة خاصة ، ما أجمل شعور رؤية أماكن جديدة ! ، و إكتشاف بيئة و مجتمع آخر ، عليك أن تعلم ما يدور في هذا الكوكب ، فلا تحصر نفسك في جزء منه ، عليك أن تزوره كاملا ، من ألاسكا ، إلى أطراف نيوزلندا ، السفر أقيم من أي ثروة ، ألذُّ من أي وجبة ، أشهى من أي قُبلة و لمسة ، إنه شعور من نوع مختلف ، شعور كالحب ، كالفرح مصحوبا بشيء من الخشوع ، ممزوجا بما يشبه الرضا .
يسير الماء و يجري أنهاراً عذبة ، فإذا توقف صار مستنقعات و بركاً قذرة ، فسافر ، أنت لست شجرة .
السفر بعد أنه استجمام و ترويح عن النفس ، و أنه مهرب ممتاز من ضغوطات الحياة ، و سياحة ، تستمتع فيها عينك ، و تهدأُ فيها أعصابك ، هو علمٌ و فائدة ، يثري موسوعتك ، و يجدد إهتماماتك ، فربما تقع في حب ثقافة شعب ما فتتابع أمره ، و تهتم به ، السفر يحفزك و يزيد قدرتك على التعامل مع مشكلاتك ، ينمي فيك الاعتماد على الذات ، إنه وصية الراسخين في الحياة ، الذين يعرفون كيف يعيشون .

خرج طارق من المكتبة فور دخوله ، هو الآن محتار لا يعرف ماذا يفعل ، إتصل بوالده و أخبره بما يصير معه ، لم يُبْد والده أي معارضة ، بل وافق و تمنى له تسهيل الأمر ، و سأله أن يستخير و يستشير ، و أخير والدته ، فقالت له أنها تحب أن تراه سعيداً ، هذا كل ما في الأمر ، فإن كان هذا قراره ، فهي موافقة ، طلبت منه فقط زيارتهم قبل أن يسافر ، إن قرر ذلك . و هكذا ، صار القرار بيده ، و عليه أن يختار أي درب سيسلك .

*

على نفس المرآة التي كانت تقف أمامها قبل عامين بالضبط ، و هي تحضر نفسها لمقابلة حبيبها الذي سيسافر و يتركها ، ها هي تقف الآن تجهز نفسها الذهاب لعيد ميلاد أحد صديقاتها .
" هيا لنخرج ، لا تؤخرينا ، فلن تخطفي الأضواء الليلة ، فأنا موجودة " ، خرجت هذه العبارات من فم صديقتها براءة و التي سترافقها إلى عيد ميلاد صديقتهم .
- هل تظنين أنك أجمل مني ، يبدو أن تحلمين .
- لا أظن ، أنا متأكدة .
تفتح سوسن الدرج لتلقي بأحمر الشفاه فتلمح براءة علبة حمراء صغيرة ، على شكل قلب ، و تتذكر أن صديقتها أخبرتها أنها هدية من طارق .
- أما زلت تحبينه ؟!
تنظر سوسن إليها و هي تضع سبابتها على فمها مشيرةً بالصمت ، و تغير الموضوع قائلة : " لون حذائك لا يتناسب مع الفستان ، كيف تنوين خطف الأضواء مني ؟ "
- أجيبيني ، هل ما زلت تحبينه ؟
- لا أعرف .
- لماذا تحتفظين بالهدية إلى الآن .
- لقد قطعت وعدا ، ألا تضيع أبداً .
- و قد قطع وعداً ألا يتركك ، يا غبية .
- فلنخرج ، سنتأخر ، و أرجو ألا تفتحي معي هذا الموضوع مرة أخرى .

إذا لم يكن الشيء ثابتاً و قوياً فسيمحوه الزمن ، عاجلاً أم آجلاً ، ستقتلعه الرياح لا محالة ، و لن يبقى منه أثر .
لكن إن تعمقت جذوره ، و إرتكزت قوائمه و أركانه ، فلا يستطيع الزمان العبث معه ، و ليس لأي قوة في الكون سبيل لهدمه ، و سيبقى واقفاً شامخاً ، لن يتغير منه شيء و لن تنقص منه ذرة ، سيبقى حياً إلى الأبد .

لا تزال سوسن تحتفظ بالخاتم ، كما تحفظ كل شيء يتعلق بطارق ، تتذكر تاريخ ميلاده ، و تاريخ ذلك اللقاء الذي لن تنساه قبل وداعه ، و تتذكر أيضا تاريخ خذلانه لها .
لم تتجرأ على محْوِ أي رسالة بينهم ، لا تزال المحادثات كما هي موجودة ، لكنها تتجنب رؤيتها ، حتى لا تبكيها الذكريات .
هل أنت غبية ، لقد غادر حبيبك و تركك ، دون أية مبررات ، تركك وسط دموعك و آهاتك ، و لا زلت تحفظين له وعداً ، أم تدَّعين أن كل هذا حب ، أي نوع من الحب هذا يا طفلة .

لا تعرف سوسن إن كانت لا تزال تحبه أم لا ، و لكن في كلا الحالتين كانت على يقين أن عليها أن تحفظ وعودها و تتذكر أيامها معه ، لماذا ؟ ، لأنها تحبه ، إن كانت لا تزال ، أو تقديراً لذاتها القديمة التي قدست طارق ، و إحتراما للحب العظيم الذي كان يسكن قلبها ، لو أنه قد إنتهى .
*
لا توجد عاطفة في هذا الكون أقوى من حب الأم لأبنائها ، و ليس على ظهر البسيطة أحن من والدة على أولادها ، هي نبع الحنان ، و هي كل الأمن و الأمان ، رضاها من رضا الرحمن ، و تحت قدميها لنا الجنان .
إذا كاد المعلم أن يكون رسولاً ، فكيف بالأم ؟! ، كيف بها و هي المدرسة ، التي تبني الأجيال ، هي من رَبَّى ذاك المعلم الرسول يا أمير الشعراء ، هي من أعده ليواجه هذه الحياة ، فلولاها ما كان ، و دونها ما صار ، وصَّى الله بالوالدين و خص الأم بقوله "حملته أمه .." ، كما وصى بها رسول الله .
الأم شمعة و مصباح منير ، ينير طريقك لتعرف أين تسير ، إن أخذت بالحديث عنها فلن تسعني مجلدات ، هذا إن كَفَتني حروف العربية الثمانية و العشرون .

بعد أن استخار طارق و إستشار قرر السفر ، قرر أن يترك كل شيء في وطنه وراء ظهره ، و يذهب ليؤسس حياة جديدة ، ليكتب الزمان فصلا آخر من فصول روايته ، فصل يتسم بالغموض ، فصل يصف مغامرة فريدة ، يحكي قصة داخل القصة ، فصل عن تجربة لم يتخيل طارق يوماً أن يعيشها ، يتذكر نفسه و هو في الرابعة عشرة ، يلعب كرة القدم مع أقرانه في الشارع أمام المنزل ، يعود و رجلاه محملتان بالأتربة ، بعد أن سجل "هاتريك" و راوغ كل من يلعب ضده ، لم يخطر بباله أبدا ، في ذلك الوقت ، أنه يوما ما سيعيش تجربة من هذا النوع .

و هذا هو حالنا ، لا نعرف ما هو مصيرنا ، و لا ندرك ما تخبأه لنا الاقدار ، لا ندري إلى أين تأخذنا الأيام ، أغمض عينيك ، فَكِّر ثم أخبرني أين ستكون ، و كيف سيكون حالك بعد عشرة أعوام ، لا تستطيع ، لا تقدر على الإجابة ، لأنك لا تدري . أُنظر إلى طفل صغير و هو يمرح مع أترابه ، حاول أن تستخلص منه شيئا يقودك لمستقبله ، لن تجد ، لن ترى أيَّ علامة ، و لا دليلا ، لن يقع بصرك على أي أثر للشخص الذي سيصبح عليه هذا الطفل يوما ما في المستقبل .
أخبر طارق والديه بقراره ، وافق والده ، ووافقت كذلك أمه على مضض ، لم تستطع أن تخفي قلقها عليه ، و خوفها أن يضيع ابنها بين أمواج المحيط ، ستتضاعف المسافة التي تفصلها عنه أضعافا ، كانت ترى أن الغربة شيء فظيع ، لقد أخبرته أنها لن تذهب الى بلد لا تعرف فيه أحداً أبدا ، مهما كانت الأسباب ، ربما تفضل أن يبقى إبنها بجانبها ، على أن يسافر لينجح و يحقق أحلامه . ربما هذا حال كل الامهات ، نحن شُغلهن الشاغل ، و حكايتهم الجميلة ، شاهدونا نَكبُر بين أيديهم ، و يشتد عودنا تحت أنظارهم و رعايتهم ، نحن ملكهم بالكامل ، لولاهم ما وجدنا ، هم من أوجدونا بعد الله ، ربما نفهم مشاعرهم بعد أن نصير آباءً و أمهات .
سيعمل طارق جاهدا لجعلها مطمئنة ، ربما سيتصل عليهم كل يوم يخبرهم ما صار معه ، و كيف قضى يومه ، و ربما يجب عليه أن يعود كل عطلة لزيارتهم ، كان يهمه أن يجعلها تحس بالأمان و أن الامر ليس سيئا بل هو جيد .
و بين ليلة و ضحاها ، وُضِع طارق أمام الواقع ، و تم إخباره أن سفره سيكون بعد أقل من ثلاثة عشر يوما ، عليه أن يكمل فيها اجراءات سفره ، و يزور أهله كذلك قبل مغادرته ، لقد أخبروه متأخراً ، كان يجب أن يُعلِموه بذلك قبل شهر على الاقل ، ليأخذ وقته بالتفكير ، و يودع أهله جيداً ، لكن هكذا شاءت الأقدار .
أكمل طارق كل الترتيبات و إستعد ليسافر إلى منزله القديم . إلى أرض طفولته ، كل شبر فيها يدق في رأسه جرس ذكريات ، كان يمر بمدرسته القديمة ، فيتذكر أيامه فيها ، يتذكر معلميه فرداً فرداً ،x و يتذكر حبه الأول ، كان بِوُدِّه لو يدخل المدرسة أيام العطلة ، ليجدها فارغة ، كان يريد أن يحادث الكنبات ، و يحكي لِدُرجِه الذي كان يجلس عليه ما يصير معه ، و يخبره كم هو مشتاق له ، و للكلمات التي كان يكتبها عليه ، للمسائل التي كان يحلها قبل أن يُكمل المعلم كتابتها . كان يود أن يجلس مع السبورة السوداء التي قضى سنوات ينظر إليها ، ليؤانسها و ينقل إليها أخباره ، و يُعْلِمها كم يفتقدها ، و كم يتمنى أن يعود به الزمان ليعيش يوما واحداً ، واحداً فقط من أيام الثانوية مرة أخرى .
كانت المدرسة مسيطرة على ذكريات طارق في مدينته ، كانت أول ما يخطر بباله عندما يسمع كلمة ذكريات .


يلوح أحمد بيده و يقول : "يا فتى ، أين أنت " بعد أن لاحظ شرود طارق المبالغ فيه .
- آسف ، لقد ذهبت بخيالي بعيدا .
- أين ذهبت ، إلى الهند أليس كذلك ؟

كان أحمد قد تقدم للمنحة أيضا مع طارق ، إلا أنها طارق هو الوحيد الذي إتصلوا به ، شعر طارق وقتها بالضجر ، لأنه سيضطر لتوديع رفيقه ، كان يودُّ لو يرافقه صديقه في رحلته ، و لكن شاءت الأقدار أن يفترقا ، كما افترق عن صديقه طه ، قبل عامين .

- كلا ، أفكر حاليا في الأُبَيِّض .
- لم تسمع ما قلته أليس كذلك .
- أجل ، لم أسمع .
- لقد صارت معي " الريمونتادا"
- و ماذا تعني .
- لقد تلقيت اليوم اتصالاً من السفارة الهندية ، لقد قُبِلت في المنحة معك .
- هل أنت جاد ؟
- نعم ، بكل تأكيد .
- ممتاز ، ألف مبروك ، كنت قد فقدت الأمل و ظننت أني سأذهب لوحدي .
- أنا معك يا ذكي .

هكذا تسير الأمور على ما يرام ، هكذا تهون الغربة ، و يهون كل شيء ، مع الأصدقاء ، لا تحمل هم شيء ، لا تخف و لا تقلق . كله يهون ، اذا لم تكن وحدك .

- يجب أن نحتفل .
- بالتأكيد ، فلنذهب اليوم و نتناول العشاء في الخارج .
- حدد المطعم فقط ، و أنا جاهز .

لقد خططا سويا لكل شيء ، درسا معا في جنبات مكتبة جامعة الخرطوم الرئيسية ، أو كما تُدعى " المين " ، حلما بالعمل معا ، و بتأسيس شركتهما الخاصة ، على مقاعد كافتريا الجامعة ، و على ضفاف النيل في توتي . يمكنكم أن تسألوا النيل ، فهو يعرف كل قصصهم ، لقد شهد على كل حكاية ، كانت جلساتهم أمام النيل لا تحصى و لا تعد .
و ها هي الأحلام تصير حقيقة ، و تتحول الأمنيات إلى واقع معاش .
كانا يبالغان قليلاً ، كانت كل أحاديثهم تدور حول المنح الدراسية و الخروج من السودان ، لا أدري لماذا كانا يحبان السفر ، و يعشقان المغامرة ، لم يكن أبدا في خططهم البقاء في موطنهم .

*
أحيانا يجب عليك المحاولة ، حتى و إن كنت تدري أنك لن تنجح ، ربما تخدمك الظروف ، و يقف الحظ بجانبك ، ، ربما ترمي فتصيب الهدف ، لذلك دائما جَرِّب و لا تيأس ، على الأقل تستطيع أن تقول أنك قد حاولت .

يفكر طارق في إعادة للمياه لمجاريها ، يريد أن ترجع إلىه محبوبته الغالية ، التي إشتاق إليها ، و أدرك أهميتها في حياته بعد أن فقدها ، مضى عامان ، لم يَرَ فيهما عيونها الناعسة الجميلة ، لقد افتقد صوتها ، و كل شيء فيها .
إنه يريد أن يحاول بجدية هذه المرة ، ينوي فعل شيء ما ، ليوقظ الحب الذي نام في قلبها ، رغم أنه يخشى أن يكون قد مات .

*
أحيانا ، تكون هناك حركة صغيرة ، أمر بسيط ، تقوم به قائمة ، و يتسبب بشيء يفوق حجمه بأضعاف مضاعفة ، لذلك لا تستصغر أمرا مهما كان ، ربما يفتح الطريق لأشياء لن تحدث إلا به ، ستندم إن لم تفعله .

لا تزال سوسن تحدث نفسها بطارق ، لقد جرحها ، إلا أنها لا تزال تؤمن بأن لديه أسبابا مقنعة ، و أنه لم يخبرها بالأسباب ، أيضا لأسباب مقنعة ، تنتظر منه شيئا يُسخِّن مشاعرها التي تثلجت ، شيئا يجعل قلبها ينبض من جديد ، لم ترتبط أبدا بأي شاب بعده ، و لا يبدو أنها ستفعل ، لا تزال مخلصة له و لا تدري أنه ينوي الرحيل بعد أيام قلائل .

 
 

 

عرض البوم صور مشعل نصر  
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أحلام, كواليس
facebook



جديد مواضيع قسم الروايات المغلقة
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 10:21 AM.


مجلة الاميرات  | اية الكرسي mp3  | القران الكريم mp3  | الرقية الشرعية mp3  | شات جوال 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية