للإعلان على ليلاس [email protected]

لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]

Liilas Online


العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء > الروايات المغلقة
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية



الروايات المغلقة الروايات المغلقة


كُربةٌ بكماء / بقلمي

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .. مرحباً ليلاس .. صدقاً ترددت كثيراً حتى أطلقت العنان لقلمي .. في كل رواية أكتبها أجد فيها ألف خطأ ؛ و أخاف

 
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-05-18, 06:28 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: May 2018
العضوية: 329709
المشاركات: 22
الجنس أنثى
معدل التقييم: قَمرْ عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 24
شكراً: 0
تم شكره 14 مرة في 12 مشاركة

االدولة
البلدEngland
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
قَمرْ غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي كُربةٌ بكماء / بقلمي

 

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .. مرحباً ليلاس ..
صدقاً ترددت كثيراً حتى أطلقت العنان لقلمي .. في كل رواية أكتبها أجد فيها ألف خطأ ؛ و أخاف أن أنشر تلك الرواية فتكون بعيدة عن عقول القراء ، فيظنون أنني أستخف بهم .. قرأت الكثير من روايات هذا المنتدى ..
و أعجبت بالكثير ، كتاب مميزون استفدت منهم و تعلمت الكثير ..
كان ترددي أولاً .. هو في فكرة طرح الرواية ..
وترددت بعد ذلك .. في اختيار الرواية التي أريد أن أكملها و أضعها بين أيدي القراء ..
خمس رواياتٍ بدأت بها و لم أكملها لظروف ، و لانقطاع تسلسل الأفكار ..
قررت أخيراً أن أستكمل أولى حروفي التي بدأت بنسجها منذ قرابة العامين ..
و حان الوقت لأحاول أن أنضم لعائلتكم الجميلة ..
و تلك هي اللحظة التي سأتيح فيها الفرصة لنفسي لأشارككم واقعي الممتزج بمخيلتي ..

روايتي الأولى : كُربة بَكمآءْ / قَـمرْ !


أتمنى أن ألاقي منكم الترحيب و التشجيع المنتظر ..

ودّي لكم ..

" أريدُ ذلكَ المكآن ، الذي بوسع المرء أن يكونَ فيه نفسه ؛ أن يشبه ظاهره باطنه .. و أن يَنسجِم مع حقيقته .. "

مقتبسة من : رواية ( كبرت و نسيت أن أنسى ) / بثينة العيسى



( 1 )


روما - إيطاليا

شتاء 2003- شهر شباط


" صعود السلم ، درجة فدرجة "
لم تكن تعرف معنى تلك الجملة .. كانت تحارب الدنيا دوماً لتحصل على ما تريد ..تتعجل في الحصول على كل شيء .. كان أبيها دائماً يقول لها تلك الجملة لكنها لم تفهمها ..كان يقول أيضاً " العجلة من الشيطان " ، لكنها كانت دائماً تخاف الموت الذي قد يسلبها دون أن تحصل على ما تريد .. كانت طفلة لعوب لا تعرف أن لا شيء في الدنيا يسير كما تهوى.. و قد ينبغي التمهل أحياناً .. تمهلت كثيراً حتى دخلت الجامعة ! و بعد أن دخلتها .. شعرت أنها لا زالت بحاجة إلى المزيد من التمهل ..
شعرت أنها تخرج للحياة من رحم أمها للتو ! لم تكن تعرف تلك المدينة التي تضج بالأناس من شتى الجنسيات !
الجميع ينظر إليها باستغراب .. يستهجنون رؤية فتاة بكماء في الجامعة !
كان ذلك لا يجرحها ؛ قدّر الله لي سرطاناً كان قد سلب صوتي ، و حمداً لله أنه لم يسلب مني روحي .. تجد نفسها في نعمة يفتقدها الكثير .. على الأقل لا تستطيع التكلم في أعراض الناس .. و تعجز عن استغابة أحدهم ، و عن التعليق على لبس تلك و وجه ذاك ! لذا فإنها دوماً تحمد الله على تلك النعمة ..

لا بأس ، اعتادت تلك النظرات .. أحدهم ينظر بشفقة ، و أحدهم بسخرية .. و الآخر يحمد الله أنه لم يخلق مثلها ..
أما هي .. فعلى الحال ذاتها منذ عامين .. تسير بثقة تضاهي ثقة الملوك في سيرهم ؛ و ابتسامة وجهها اللامعة لا تغيب ..

في هذا العام .. تعاني من دكتور في الجامعة يقال أنه رجل دنيء النفس !
و أصحاب تلك الخصلة دوماً ما يستغلوا الفتيات ذو الحالة الخاصة ..

في نهاية المحاضرة التي دوماً ما تجلس فيها في الصفوف الأمامية .. التفتت إلى الدكتور " سيمون " الذي قال بصوت جهوري : Sadeem , follow me to my office
" سديم اتبعيني إلى المكتب "

ارتجفت خوفاً حين سمعته ينطق باسمها .. تعرف أنه لا ينوي الخير أبداً .. و أن هناك فكرة شيطانية تحلق في سماء عقله .. تبعته إلى مكتبه محاولة أن تخفي ارتجاف قلبها الذي أقسم أنه نبض فيما يفوق الألف مرة خلال ثانيتين ..



*



قد يقسو الأب بسبب شدة خوفه على أولاده .. يخاف أن تتأمل صغيرته بأن تعود لتسمع صوتها ، فتفشل تلك العملية .. يخاف أن تؤثر تلك العملية على صحتها ..
و أتحدى أن تجدوا عنيداً في الدنيا و متمسكاً برأيه كأبٍ يخاف على رائحة زوجته من الضيق ، يخاف عليها أن تندثر ..

جلس صديقه الطبيب أمامه و هو يحاول أن يقنعه بالموضوع : يا رجال اسمع مني ؛ حرام تسوي كذا بسديم ..
جلال : من عمرها 15 سنة و اهية متعودة على نفسها كذا و مبسوطة بروحها و ما في شي مكدرها ، الحين تبيني أسوي لها عملية ؟ افرض هالعملية فشلت ؟ شلون بتصير نفسيتها بعد ما تتأمل ؟
سعود : العملية باذن الله مضمونة بنسبة 90% يعني انت ما بتخاطر بسديم ..
جلال بغضب كاد أن يصرخ في وجهه : لاا بخآطر .. بخاطر بنفسيتها اللي بتتعب لو فشلت العملية ، اهية مرتاحة كذا ماله داعي أذكرها بهمها ..
تأفف سعود ، يشعر باليأس من ذلك الرجل .. جبان ..
لا يستطيع سعود أن يفسر ما الذي يشعره جلال الآن بالتحديد ، فبكل بساطة هو لم يتزوج .. و لم يكن أباً .. هو لم و لن ينجب فتاة كـ"سديم" …



*

السعودية - الرياض

في مكان أشبه بالمستودع .. مظلم و واسع .. مخيف و مرعب ..

نفث آخر نفثة من سيجارته التي ذابت في فمه و قال بغضب : اسمعني ، أبي حل لهذا الموضوع اليوم قبل بكرا .. مفهوم ؟؟ الشغل واقف من أسبوع و هذا الحال ما يمشي معاي في ناس تبي فلوس مني !

من سماعة الهاتف صوتاً يقول : دكتور منير هالموضوع مو بهالسهولة انت عارف وش يعني اختطاف ؟ حتى لو جبتلك اللي تبيه اليوم انت ناسي إن الأهل بيبلغوا و بيصير في تحقيق و لا تنسى إننا خفينا تقريباً من بداية الشغل لليوم فوق ال 6000 طفل و طفلة !

منير بغضب : أنا هالكلام ما افهمه ؛ خلال يومين اذا ما تأمن لي اللي أبيه راح آخذك مكان هالأولاد و أتصرف .. و فهم اللي معاك هالكلام ذا
أغلق السماعة بغضب و شر .. نظر أمامه إلى التوأمين الأطفال اللذان ينظران إليه باستفهام لا يعرفان ما الذي يجري حولهما ..
اقترب منهما و قال : جعتوا حبايبي ؟
هز الأول برأسه : ايه جعنا مررة خذنا عندي أمي
صفعه بظهر يده على وجهه صفعة لا يتحملها طفل في عمره ثم قال : هذي أمي تنساهااا مفهووم ؟
سقط " غدي " على الأرض من قوة الصفعة ، و بدأت دموع الطفولة تنهمر من عيناه ..
اقترب منه " خليل " .. و قال له بلهجة طفولية : غدي .. احنا ليش جينا هنا ؟؟ وين أمي و أبوي؟
صمت غدي دون أن يرد .. بدأ يفقد وعيه ، طفل كهذا في الحادية عشر من عمره لا بد أن يفقد وعيه بعد ساعات طويلة من الجوع .. و لكن كيف يستطيع خليل أن يصمد أمام كل تلك الظروف الصعبة التي لا يمكن لطفل بعمره أن يتحملها !


-

في مكان يبعد مسافات قليلة .. وقف الأب في منتصف الشارع تائهاً ، لا يأبه بالسيارات التي تطلق زواميرها و شتائمها له ليبتعد عن الطريق ، وضع يديه على رأسه بتشتت و هو يطلق نظراته في الشمال و الشرق ، في الجنوب والغرب ! أين اختفوا ؟!
كاد أن يسقط أرضاً من هول ما حدث معه ؛ طفلاه الوحيدان يفقدهما بمجرد غفلته عنهما لدقائق ؟! أين نعيش نحن !
مسح وجهه بكفيه و استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ ركب سيارته و راح يبحث عن أطفاله كمن يبحث عن ابرة في كوم قش ..!
كيف يخبر زوجته التي عانت كثيراً حتى أنجبت هذين الطفلين أنه اليوم فقدهما ! معاً ..
اتصلت به زوجته بعد تأخره .. حاول أن لا يرد عليها و يتجاهل اتصالاتها ؛ لكنها أصرت .. قلب الأم الذي يشعر بكل شيء ؛ قلبها التعيس الذي يحزن قبل الأوان ؛ و يبكي قبل الأوان ؛ و يخاف قبل الأوان ..
رد أخيراً بصوت مليء بالرعب و الذعر و الخيبة : آلو
سلوى بغضب : وينك يا فيصل وين أخذت الأولاد الأكل برد و للحين ما جبتهم !!
كان صوت أنفاسه القوي المرتعش هو الرد .. فسألته سؤالاً يملؤه الشكوك : فيصل ! شفيك تلهث ؟
فيصل : ما في شي لا تقلقي .. راح ألاقيهم أكيد .. يمكن راحوا يلعبوا هنا ولا هنا ، الحين ألاقيهم لا تخافي ..
صرخت بذعر : من هذوولا اللي تلاقيهم ويين أولاادي ؟؟
فيصل بصوت متعب : مادري يا سلوى وين راحوا الأولاد .. أخذتهم لعبوا في الحديقة شوي و بعدين رحت أجيب لهم شيبسات و حاجات يتسلوا فيها ، اهمة اسبقوني عشان يروحوا السيارة و أنا وقفت أحاسب .. و لما طلعت مااا لاقيتهم !
تاهت الكلمات من فمها و بدأت شفتها السفلية ترتجف : شـلون ؟ شلون يعني ما لاقيتهم وين اختفوا ؟
فيصل بتركيز و هو يبحث في الطريق تارة يميناً و تارة يساراً : مادري يا سلوى قفلي الحين قفلي ..
رمى جواله في الكرسي الجانبي و لا زال يدقق النظر في الشوارع متأملاً أن يرى أحد أطفاله.. بقيت سلوى تجلس على الكرسي بانكسار لا تصدق ما سمعته !
و في الجهة الأخرى يتحرك فيصل في تلك الشوارع المكتظة بالبشر كالمجنون ..



*

روما - ايطاليا


تجلس في كفتيريا الجامعة وحيدة ، تفكر فيما قاله لها الدكتور !
مادة كتلك لا يدرسها دكتور في الجامعة إلا هو ..كيف أنجو منها ؟
وكيف يقول أنني قد تجاوزت الحد المسموح من الغياب ولا زلنا في بداية العام !
ماذا كان يقصد بتلميحاته عندما قال " أكثر ما يعجبني فيكِ أنكِ بكماء ؛ لا تستطيعي التكلم "
و ما هو الشيء الذي يريده كي يعفو عني و يتركني أنجح في تلك المادة ؟
في وسط تلك الأفكار ، اقتربت منها صديقتها المصرية " ريم "
جلست أمامها على الطاولة ، و بدأت تحدق فيها ..
ثم قالت : سديم ؟ مالك ؟
تعلقت عيناها في الأشجار خارج الكفتيريا ، و في الأجواء الماطرة الباردة ..
فعاودت ريم السؤال بطريقة أخرى : طيب الدكتور سيمون كان عاوز منك ايه ؟
حركت سديم رأسها يمنة و يسرة و كأنها تقول لها " لا شيء مهم "
ريم : أكيد قالك ..
" One night with me , make you get the highest mark in the class"
" ليلة واحدة تقضينها معي ، كفيلة بأن تجعلك تحصلي على أعلى درجة في الفصل "

نظرت سديم إليها بدهشة .. لا تصدق ما سمعته ! هل كان بالفعل هذا ما يقصده الدكتور ؟
فتحت دفترها و كتبت في داخله : ايش اللي قاعدة تقوليه !! مستحيل يكون الدكتور سيمون يفكر بهالطريقة ..
ردت عليها ريم بضحكة ساخرة : لا يا حبيبتي يفكر بأوسخ من الطريقة دي كمان ، ياما بنات باعو نفسهم عشان ينجحهم في المادة و في الاخر دحك عليهم ، قوليلي عايز منك ايه ؟
كتبت سديم في الدفتر : قال لي " أحب أنك بكماء " ..!!
ابتسمت ريم حين أصابت كل ظنونها : شفتي ؟؟ قصده انه حيقدر ياخد اللي عاوزه منك من غير ما تقدر تتكلمي
بدأت سديم تفرك وجهها لا تصدق ما سمعته من ريم .. اقتربت من الدفتر و كتبت بالانجليزية :
" What about you "
" ماذا عنكِ "
لاحظت سديم توتر و ارتباك ريم .. فقالت لها : فشــر ! فشر ياخد مني حتى نظرة ! هوة طلب مني بس انا رفضت ..
هزت سديم رأسها بعدم تصديق .. ثم نهضت و هي تحمل كتبها و حقيبتها ..
وقفت ريم إلى جانبها : رايحة فين ؟
أشارت لها سديم بحركات اليد أنها متعبة و سوف تذهب لتنام في البيت ..
سلموا على بعضهما ، و توجهت كل واحدة منهما إلى وجهتها ..

سارت سديم في طريق مظلم تحت الأجواء الماطرة التي تحبها .. بدأت الشمس تغيب .. و الناس حولها يتراكضون للعودة إلى بيوتهم .. جميعهم يختبأون من البرد و المطر .. إلا هي ؛ تعشق سقوط حبات المطر الصغيرة على خدّيها ..
لم تشعر بالماء الذي بلل حجابها و عبائتها الواسعة .. كادت العباءة تلتصق بجسدها من كثرة المطر .. كانت غارقة فيما قالته لها ريم .. و الأفكار المتناقضة تتلاحم في مخيلتها .. شيء ما يقول لها أنه الدكتور سيمون يبدو أنه رجل محترم ولا يفكر بتلك الأمور ، و آخر يقول لها أن كل الجامعة تعاني منه ! فمن تصدق إذن ؟

عندما دخلت إلى البيت ، لاحظ أبيها ابتلالها من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها .. فأقبل نحوها غاضباً : سديم ! ليش روحتي بهذا الجو مشي كان قلتي لي آجي آخذك ؟
نظرت إلى أبيها بتعب ، اقتربت من اللوح الأبيض الموجود في زاوية الصالة و كتبت : أحب أمشي تحت المطر .. و الحين يبه تعبانة .. بناام
التفتت إليه بعد أن كتبت تلك الكلمات و ابتسمت .. فابتسم لها أبيها .. صعدت غرفتها بشكل سريع ، غيرت ملابسها بعد أن أخذت " شاور " دافئ .. ثم استلقت في سريرها و بعض السعال بدأ يزعجها ..



*


تشرق الشمس و تعاود المغيب ، و لا زال يبحث عن طفليه ..

في ذات المستودع المظلم .. حاول خليل أن يوقظ أخاه المغشى عليه كثيراً ، لكن كل محاولاته باءت بالفشل .. اتجه بنظره إلى الشمس التي يبدو أنها على وشك أن تغرب ، التي أقبلت بعد أن فتح ذلك الرجل باب المستودع .. و وقف بطوله الشاهق يتحدث بغضب إلى رجل آخر ..
شده من ياقة قميصه و قال : إنت تبي تدمرني ؟؟
سلطان بخوف: ياا دكتور أنا أمس جبتلك هالطفلين تقدر تسوي اللي تبيه فيهم لكن أنا أتصرف عشان مصلحتنا اذا خطفنا أكثر بيبان الموضوع على إنه عصابة ..
سحبه و دخل به إلى الداخل و بدأ يوجه له اللكمات التي اعتاد عليها و هو يتمتم بكلمات غاضبة : والله العظيم لو ماا اليوم جبتلي على الأقل 10 أولاد أنهييك عن وجه الأرض
في تلك اللحظات التي انشغل فيها منير عن الطفلين ، نظر خليل إلى أخيه و حاول محاولة أخيرة أن يوقظه ؛ لكن عبث !
تسلل إلى الباب المفتوح بحركات بطيئة .. نجح في الخروج من ذلك المكان ، ابتسم نصف ابتسامة و هو يتذكر أخيه الملقى أرضاً .. لكنه أقسم أن يساعده ..



*



( انتهى )


سأقوم بوضع تعريف الشخصيات التي ذكرت في هذا الجزء ..

سديم : 20 سنة ، سنة ثانية في الجامعة تدرس الحقوق .. تعرضت منذ 5 أعوام إلى سرطان رئوي أدى إلى فقدانها صوتها ، تعافت منه لكنها فقدت صوتها .. نحيلة بعض الشيء ، طولها مقبول.. سمراء البشرة .. شعرها أسود مموج ، عيناها ناعستان باللون البني الداكن .. تحب الجميع طفولية في التعامل و تعامل الجميع بطيب نية ..

جلال : والد سديم 54 عاماً ، يعمل كمعاون مدير عام في شركة استيراد و تصدير .. أكثر ما يهمه في الدنيا هو ابنته سديم ..

سعود : صديق جلال .. طبيب جراحي .. 55عاماً .. يعتبر جلال كأخيه و سديم كابنته .. كان يفكر أن يزوجها لابنه منذ صغرها لكنه تراجع عن تلك الفكرة عندما أصيبت بالسرطان ..
فيصل : شاب ، عمره 38عاماً .. يعمل مهندساً معمارياً .. أب لطفلين يحبهما و يحب زوجته سلوى ..
سلوى : 36 عاماً .. متزوجة منذ فترة طويلة، حاولت في موضوع الانجاب و عانت فيه كثيراً حتى أنجبت هذين الطفلين ..




مجرد بداية تقودنا إلى أحداث مثيرة و مشوقة ؛ فاذا لاقيت منكم التشجيع ، فسأكلمها بكل شغف .. و إن لم أجده ، فسأغلقها و سامحكم الله و سامحني ..

ملاحظة : فكرة الرواية تقوم على ذكر أحداث متسلسلة يمر بها الأبطال منذ عام 2003 حتى عام 2016 .. فمثلاً الاجزاء الخمسة الأولى تتحدث عن 2003 ، التالية تتحدث عن 2004 و هكذا .. و بالتالي فإن مجمل أجزاء الرواية هي 70 جزء .. قد يرى بعضكم الموضوع مملاً .. لكن الأحداث ستكون معتدلة ليست سريعة كالطير و ليست بطيئة كالسلحفاة .. لن تشعروا بالملل باذن الله ..
بعضكم قد يفكر بسؤال .. لم اخترت أن أبدأ أحداث روايتي منذ عام 2003 و ليس من عامنا الحالي 2016 ؟
السبب في ذلك .. هو أنني أريد أن أتمكّن من تحريك أحجار شطرنج روايتي كما أريد و بكل مرونة و سلاسة .. و أود أن أسلّط الضوء على شخصياتي و تطوراتها خلال الرواية .. ذلك الأمر لن أستطيع أن أتمكّن به إن بدأت الأحداث في العام 2016 .. خاصة أن الأحداث كثيرة و لا يمكن حصرها في عامٍ أو عامين !

مواعيد الأجزاء : كل سبت .. جزء طويل و مفصل .. طبعاً هذا الموعد لا ينطبق على أول جزئين ..
حيث أنني سأنهي الجزء الثاني و أتيحه هنا حالما يكون جاهزاً ، ثم نعتمد الموعد .. كل سبت جزء مشحون بالأحداث التي ترضيكم ..


أعطوني آرائكم .. أختكم / قَـمرْ !

 
 

 

عرض البوم صور قَمرْ  

قديم 13-05-18, 06:32 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: May 2018
العضوية: 329709
المشاركات: 22
الجنس أنثى
معدل التقييم: قَمرْ عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 24
شكراً: 0
تم شكره 14 مرة في 12 مشاركة

االدولة
البلدEngland
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
قَمرْ غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : قَمرْ المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كُربةٌ بكماء / بقلمي

 

" إنَّ شَمْساً تشرق و تغرب ؛ دون أن تريني إيّاها .. هي ليست شمساً ..
و إنَّ قَمَراً يسهر في كبد السّماء ؛ ولايعكس صورتها .. هو ليس قمراً ..
وإنَّ يوماً يمر ؛ دون أن أطمئن عليها .. هوَ ليس محسوباً من أيام حياتي ..! "


مقتبسة من :

رواية " أنتَ لي "

د.منى المرشود



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
أسعد الله أوقاتكم ..
أحبتي و أخوتي ..
تنويه بسيط .. لمن أراد أن ينقل الرواية يرجى أن يذكر إسمي :

الكاتبة : قَـمرْ !

و من تجاهل ذكر المصدر فليس بحل إلى يوم يبعثون ..


لمن أحب التواصل معي ..

حساب الآسك :

Ask me anything | ask.fm/qamar90writter





أما الآن ؛ سأتيح لكم الجزء الثاني ؛ ليتسنى لكم التعرف و الغوص في الأحداث أكثر ..

أتمنى لكم قراءة ممتعة ..





( 2 )


روما - ايطاليا


هواية عدّ النجوم .. هواية ساذجة لا أكف عنها أبداً .. لا أعرف ما الحالة النفسية التي تسيطر علي في تلك اللحظة حين أقرر أن أفتح نافذتي اللامعة .. أجلب كرسيّ الهزّاز .. أجلس مع فنجان قهوتي و أبدأ بعدّ النجوم دون ملل !
و في كل مرة أخطئ العد .. أما المضحك ، فهو أنني أقوم بالعدّ من جديد !


ألقت نظرة إلى كتبها الملقاة باهمالٍ على مكتبها .. نظرت إليها بملل و قالت في داخلها : افففف وش بيقومني أدرس هالحين ! أنا غبية لو درست من الصبح كان خلصت هالحين و ناايمة و مرتاحة بس أنا كذاا غبيية !!
ضربت رأسها تعاقب نفسها على اهمالها الذي تقع فيه كل مرة ..
في تلك اللحظة دخل أبيها و ضحك حين رآها تتصرف بتلك العفوية و قال : شعندها حبيبة قلب أبوها ؟ لييش للحين صاحية ؟

اقتربت من دفترها و على وجهها تبدو علامات الضيق ..
كتبت : ما أقدر أنام عندي اختبار بكراا !
جلال : و ما درستي ؟؟
كتبت : لاا " و رسمت إلى جانبه وجهاً تعبيرياً حزيناً "

نظر أبيها إلى ساعته ، ثم رفع بصره إليها : شلون بتلحقي الحين ؟ الساعة صارت 1 ما تبي تنامي؟
أشارت له إلى كوب قهوتها بابتسامة ..ففهم أنها ستسهر ..
تذمر و قال : يبه ما يصير لازم تنامي لازم تروحي الاختبار و انتي نايمة كويس عشان تقدري تركزي !
كتبت على دفترها و هي تبتسم بثقة : أفـــآ ياابو سديم ! خايف علي ما أقدر أركز ؟
ابتسم هو الآخر بقلة حيلة : يبه ربي يرضى عليكِ كل شي إلا صحتك اذا حسيتي نفسك تعبتي ناامي و لا تفكري في أي شي ان شالله تاخذي صفر في الاختبار المهم تكوني بخير ..

أشارت له بسبابتها على عينيها و كأنها تقول : من عيوني لا تخاف ..

قبّل جبينها الدافئ بحنيته المعتادة ؛ ثم مضى خارج تلك الغرفة و هو يفكر في كلام صديقه الدكتور .. مشتاق هو لأن يعود و يسمع صوتها بعد أن كبرت و أصبحت صبيّةً في الجامعة ، مشتاق لضجيجها و ازعاجها الذي حُرِم منه منذ خمس سنوات !
لكنه يخاف أيضاً أن يقدّمها لتلك العملية فتفشل ، فتجلس بعدها سديم تبكي حظها و يعودوا إلى دوامة ارضاءها و ايقاف بكاءها ..


*

السعودية - الرياض


لا فرق فيمن تسجد تدعو الله أن يحفظ أبناءها ؛ و فيمن تسجد تدعو الله باكية أن يرد لها أبناءها .. اكتفى فيصل بحثاً ، و قالها كلمة ً ، لو كانوا اختفوا في قاع الأرض لوجدتهم ! لا بد أن هناكَ جنيّةٌ ما سحبتهم و أختفهم في مكان بعيد .. جلس أمامها بعجزٍ ينظر إليها و هي تبكي و تتوسل الله أن يعيد لها طفليها ! ذلك اليوم الرابع من دونهما ..

في أجواء الفجر الهادئة هذه ، و التي يشعر فيها أجمع الناس بالسكينة و هم يقفون بين يدي بارئهم .. طُرِقَ باب المنزلْ ..

لم يترك مجالاً لنفسه حتى أن يفكر في الطّارق ، كل ما أخبرته به أبوَّته أن أحد طفليه سيراه قريباً ..

فتح الباب متلهفاً ، نحيل الجسد أشعث الشعر .. رجلٌ من الأمن يمسك بيده الصغيرة و يضغط عليها ..

نظر إلى طفله بدهشة ؛ لا يصدّق أن ابنه الجميل قد أصبح بذلك الشكل الآن !

انخفض بمستواه فجلس على ركبتيه ، فتح ذراعيه و قال بابتسامة باكية : تعال يا عمر أبــوكْ !

ركض خليل إلى أحضان أبيه و هو يبكي بكاء الطفل الرجل ! الذي لم يستطع أن يفعل لأخيه شيئاً .. الطفل الذي ترك توأمه ملقىً في الأرض دون أن ينقذه ..

نظر فيصل إلى الشرطي بامتنان .. وقف معتدلاً و قال بابتسامة خرجت منه بصعوبة : مشكورين ما قصرتوا ! بس وين أخوه ؟؟
الشرطي : صراحة ما لقيناه ، خليل كان بروحه !
هزّ رأسه ، متوتراً و خائفاً .. أين اختفى الآخر ؟
مدَّ يده و سلّم على الشرطي .. أغلق الباب خلفه .. ثم نادى بصوتٍ فَرِحٍ و خائفْ : ســلــوى .. تعـالي ..

أكْملتْ الآية حتى آخرها .. انتهت منها و هي تقول " صدق الله العظيم " ..
خلعت ثوب الصلاة ، ثم تحركت ببطئ نحو الصالة .. تراكمت الدموع في مقلتيها .. ركضت نحو " خليل " و احتضنته بشدة حتى كادت تخنقه !

بلهفة كانت تتمتم : يا عمري إنتْ يا بعد قلبي ! الحمدلله إن ربي ردك لي الحمدلله
وين أخوك حبيبي ؟ وين غدي ؟

جلس " خليل " أرضاً ، و قال بحقد : ذاك الرجال ضربه و خلاه يموت صرت أناديله أناديله ما رد علي ، ما قدرت أشيله وأهرب ويّاه !

شهقت سلوى و هي تضع يدها على فمها عندما سمعت تلك الكلمة " يموت " ؟؟!

همس لها فيصل : يمكن فقد وعيه استهدي بالله يا بنت الحلال ، خلينا نفهم من الصبي ..


التفت إلى طفله و قال : يبه حبيبي ، وين كنتوا ما تدري وين كنتوا ؟؟
خليل : لا ! كان مكان وااسع و يخوّف و كان الرجال يخووف و معصب طول الوقت و كان ييجي عنده رجال يشتمهم و يضربهم !

فيصل : طيب يا قلبي ما تعرف وش اسمه ؟

هزّ رأسه بـ " لا " .. ثم أتاح لخياله العنان ..
اقتربت منه أمه الباكية وأمسكت بيده : حبيبي تعال نتروش و ناكل ! ما جعت ؟
تجاهل كلماتها و هو يمشي على خطاها : يمه ! الحين منو يعاقب هذا الرجال اللي خطفنا ؟
سلوى : ربنا يعاقبه حبيبي ..
خليل : طيب بيظل كذا ما في أحد من البشر يعاقبه ؟!
ابتسمت سلوى مجبرةً : لا حبيبي شلون عاد ! في شرطة و محققين اهمة يدورونه و يلاقوه ؛ يلا حبيبي وقّف هنا عبال ما أجيبلك شي تلبسه ..

تركته واقفاً أمام الباب ؛ يتخيل نفسه و هو ينتقم لأخيه .. يتخيل نفسه محققاً ترفع له القبعات احتراماً .. لن ينال أحدٌ من ذلك الرجل سوى طفلاً حاقداً أضاع توأمه بين يدي مجرم كذلك !



*



السعودية - جدّة


أطلّ بابتسامته الساحرة ليلقي نظرة على تلك الحسناء التي تقيم هنا منذ أعوام طويلة .. كبرت تلك الفتاة أمام عينيه ، لكنه لم يجرؤ يوماً أن يقول لها " عيناكِ ليالٍ صيفية ، و رؤى و قصائد وردية " ..
كان الحزن الذي يرتسم في معالم وجهها أقوى بكثير من أن يعترف لها بكلمة واحدة .. لكن ، ما كذب من قال أن إحساس الأنثى لا يَخيب أبداً ..
" عـَزَّة " كانت ترى الاعجاب في عينيه دائماً .. نظراته الحادة التي تكاد أن تلتهمها كانت واضحة لها على الرغم من محاولاته في اخفاءها ..
رغم جفاءه في تعامله معها لكنها تعرف أنه يخفي في قلبه عشقاً جباناً لا يجرؤ على البوح به !

في كل مرة يقف خلف الباب بهدوء و يراقبها و هي تسرّح شعرها الحريري القصير .. و في كل مرة تراه أمه و توبّخه ، يشعر بالندم.. و لكن أقدامه تجره إلى المكان ذاته في كل يوم !

تنهد و التفت بجسمه لينزل إلى عمله .. فوجد أمه أمام الباب متكتفة تنظر إليه بعتب : يعني دام إنها عاجبتك ليش مجافيها ؟! حرام عليك البنت متعذبة فييك !
ابتسم بفخر : ما في وحدة شافتني إلاا و تعذبت عشاني
: بس هذي زوجتك ! مو بنت من الشارع
دون أن ينظر إليها و هو يلعب في جواله أجابها : و انا ماتزوجتها حباً فيها أنا تزوجتها عشان مثل ما قلتوا " الحلال و الحرام " ..
أم طلال : يا حبيبي هذي بنت خالتك و بنت يتيمة مسكينة المفروض انت تكون سند لها موو تكون انت و الدنيا عليهاا
طلال اقترب منها و قبّل جبينها : يمه عزة مو ناقص عليها شي ؛ تآمرين على شي ؟
ربتت على كتفه و قالت : الله يهديك و يرضى عليك ؛ انتبه على نفسك

ابتسم لها و أكمل طريقه ليذهب إلى عمله .. عَزَّة كانت تسمع تلك الكلمات الجارحة التي تفوّه بها رجلاً عشقته منذ طفولتها .. لكنه لا يلقي لها بالاً ولا يهتم بها ، و مصر على أن يفي بالعهد الذي أخذه بألا يتزوج بعد وفاة زوجته الأولى !






*


روما - ايطاليا



دققت النظر في ساعتها .. قيل أن د.سيمون .. لا يعطي محاضرة بعد امتحانه الأول ..
تأخر لمدة 10 دقائق ، لا بد أن تنهض من مكانها و تذهب إلى المكتبة لتدرس ، علّها تعوض ما خسرت من درجات في أول اختبار قدّمته لهذا العام ..
سارت بهدوءٍ حتى وصلت إلى باب القاعة .. رأته أمامها قد وصل إلى آخر درجة .. تأففت بخيبة و هي تلاحظ أنه يحمل مجموعة من الأوراق يبدو أنها أوراق الاختبار !

عادت إلى مكانها في الصف الأمامي .. دخل الدكتور بابتسامته التي اعتادها طلابه ..
د.سيمون : good morning
رد الطلاب بأصوات متفرقة : good morning
د.سيمون : there is no class today , I want to give you your marks .. the highest mark in the class is for the student " Sadeem Jalal AlShammari "
( لن يكون هناك درساً اليوم ، سأقوم بتوزيع العلامات ، أعلى علامة حصلت عليها الطالبة سديم جلال الشمري )
نظر إليها و ابتسم ! أما هي فكانت لا تصدق ما سمعته.. تعرف و متأكدة تماماً أنها لا تنجح في هذا الاختبار .. كان جميع من في القاعة يلتفتون إليها بتعجب !
أكمل الدكتور : I've recorded your mark sadeem , its 25/30 , but I'm sorry , I've lost your paper .. please , visit me in my office to make sure from your mark !
( قمت بتسجيل علامتك ، 25/30 .. أعتذر لكنني أضعتها .. أرجو أن تزوريني في مكتبي للتأكد من علامتك "
هزّت رأسها بالموافقة دون أن تستوعب ما سمعت ! اقتربت منها " ريم " و همست ..
ريم : هو انتي مش قلتي انك ما كتبتيش كويس في الاختبار ده ! ازاي يقول انك خدتي أعلى درجة ؟
التفتت إليها بدهشة بنظرة تسألها عن مقصدها .. فكانت ابتسامة ريم الخبيثة هي الرد !

توترت سديم ؛ و بدأت تطرق بأصابعها على ساعتها .. ربع ساعة مرت عليها كربع قرن ؛ تريد أن تفهم ما الذي يجري؟ و كيف حصلت على علامة مرتفعة كتلك ؟

خرجت سديم برفقة ريم متوجهتان إلى مكتب الدكتور .. وصلتا فطرقتا الباب ..
نظر د.سيمون إلى سديم و ابتسم : come
( تعالي ) ..
بتوتر دخلت برفقة ريم .. لكن الدكتور سيمون قال لها : reem , please get out
( ريم أخرجي من بعد اذنك )
نظرت إليها ريم بقلق ، فقالت : ما تخافيش أنا بره ..
خرجت ريم و تركت قلبها الخائف عند صديقتها سديم التي ارتعشت وانتفض جسدها عندما سمعت صوت إغلاق باب المكتب !
اقترب الدكتور بابتسامة ساحرة من سديم .. و طلب منها الجلوس ..
مدّ يده و سحب ورقة عن الطاولة ، ثم مدها لسديم ..
مسكتها سديم و قد عرفت أنها ورقة اختبارها ، و الدرجة التي حصلت عليها في الحقيقة هي 12/30 ..
نظرت إليه بتعجب و استفهام .. أخرجت قلمها من حقيبتها و كتبت على الورقة : why
قال بهمس : because you are luscious
( لأنكِ فاتنة )

ابتعدت حين شعرت أنه يتمادى في التقرب منها .. و ابتعد هو الآخر حين شعر بخوفها ..
: don’t worry , I'll never hurt you ! Sadeem , believe me , I cant think about anything except you .. I love your silence
( لا تخافي ، أنا لن أؤذيكِ .. سديم صدقيني ، أنا لا أستطيع أن أفكر في شيء سواكِ .. أنا أحب صمتك ! )

انتشلت ورقة من دفترها بغضب .. كتبت عليها بأحرف متوترة متشابكة : please doctor , be careful , I'm just a student
( أرجوك دكتور ، انتبه.. إنني مجرد طالبة )

وضعت تلك الورقة على الطاولة و خرجت بقلب ينبض بسرعة و وجه محمر خوفاً وخجلاً .. سيمون قرأ تلك الكلمات بابتسامة مبهمة ! طوى تلك الورقة و وضعها في جيبه ، ثم عاد ليجلس على كرسيه و غرق في أفكاره اللامتناهية !

وصلت سديم إلى الكفتيريا ، جلست و هي تضع رأسها بين يديها و تحاول أن تستوعب ما حدث قبل قليل .. تركتها ريم لتذهب إلى محاضرتها .. فاقتربت منها " رشـا " صديقتهما اللبنانية ..

جلست أمامها و هي ترفع النظارة عن عينيها و قالت : هااي سوسو ! شوبك ؟؟
رفعت نظرها إليها و لم ترد ..
رشا : سديم ؟ صاير معك شي ؟
فتحت جوالها و كتبت عن تصرفات الدكتور سيمون معها !
رشا بدهشة : مجنوونة انتي ! معقول يصحلك تحكي الدكتور سيمــون و ترفضي ؟ انتي بتعرفي انو بنات الجامعة كلن قتلوا حالن كرمال يعملوا معو علاقة ؟ و على فكرة و مش رح اخجل منك أنا من هالبنات !
بس انوو ! هو ما بيعرف إنك مسلمة ؟ كيف بدو يعمل معك علاقة و هوة مسيحي ؟
نظرت إليها نظرات حاقدة ، ثم كتبت : على فكرة ما قال لي أنه يبي يسوي معاي علاقة لا تقعدي تهرجي
رشا : بس طريقتو معك بتدل على هالشي .. خسارة ، حاولت كون رفيقته بس رفض .. مع إني أنا وياه من نفس الديانة ! ما بعرف ليش اختارك مع إنك ..

صمتت حين شعرت أنها ستتفوه بكلمة جارحة.. ابتسمت سديم و كتبت : مع أنني بكماء ؟
قرأت رشا و صمتت .. فكتبت سديم : على فكرة.. تدري شنو قال لي ؟؟قال لي I love your silence !

أمالت شفتها السفلية معبرة عن حرجها : أنا .. مش هيك قصدي .. امم كنت بقصد الديانة ..

ابتسمت لها سديم .. حملت حقيبتها و كتبها ، و سارت في ذلك الطريق الطويل .. مصارعة تحدث في دماغها من الصادق و من الكاذب ؟ ريم تقول أنه لعوب ولا يترك فرصة للفتاة أن تنجح إلا إذا سلمته نفسها .. و رشا تقول أنه لم يقبل أي فتاة في الجامعة عرضن أنفسهن عليه !



*


السعودية - جدّة


العاشرة و النصف مساءاً .. في كل ليلة من هذا التوقيت .. يعود منهكاً ، يدخل جناحه .. يأخذ ملابسه و يستحم .. يستلقي في سريره يتابع برامج الأخبار .. ثم يذهب في رحلة طويلة مع النوم ..

" عـَزّة " ، تقضي نصف الليل و هي تتأمل ملامح رجولته الذباحة ..
شعره الأملس البني .. غمازته المختبأة في قعر خدّه ، الشيب القليل الذي يغزو لحيته متوسطة الكثافة .. ثم و قبل أن تنام تضع يدها على قلبه لتسأله .. هل أنت بتلك القسوة يا طلال ؟

عندما دخلت البيت هذا و يُتِّمت .. عندما قال لها الجميع أنكِ ستعيشي هنا عند خالتك.. كان هو شاباً يدرس في الجامعة طب الأسنان .. و كانت هي لا تتجاوز العاشرة من عمرها .. لآعبها كثيراً و قضى سنين حياته يحاول أن يخفف عنها كربتها .. عشقته و ظلت دائماً تذكر رائحة عطره التي علقت في أنفها عندما احتضنها حين كانت طفلة تبكي ليلاً تناجي أمها !

و في ذلك اليوم الذي تزوج فيه من ابنة الجيران التي كان يعلم الجميع بعشقه لها .. رقصت و ضحكت كثيراً حتى دمعت عيناها .. و عندما استنتجت أنه الآن يجلس في أحضان امرأة ستكون له العالم بأكمله .. فقدت عقلها و بدأت تبكي بهستيرية ..

ها هو اليوم أصبح طبيب أسنانٍ مشهور .. يبلغ الرابع و الثلاثين من عمره .. و هي لا زالت في الثانية و العشرين .. توفيت زوجته .. و اقترحت أمه زواجه من ابنة خالته كي تأخذ راحتها في ملبسها و مأكلها و دخولها و خروجها ..!

لكنه مذ توفيت زوجته توفي معها قلبه .. دفنه معها في قبرها.. يقسو عليها كثيراً .. ويجرحها كثيراً .. لا ينكر أنها جميلة و أن كل من رآها سأل عنها ليخطبها .. لكنه لا يرى الأمر مناسباً أن يعيش مع " عَـزّة " ما عاشه مع " ريتال " ..






*

ربيع 2003 - شهر أيـآر


السعودية - الرياض


" خَليـلْ " لا يعرف ما سرتحفظه على اسم الشارع الذي قرأه على اللافتة حين هرب من بين يدي ذلك السفاح .. ولا يعرف لمَ قرر الاحتفاظ باسمه و لم يذكره أمام أحد ..
الجميع توقع أن يعيش الطفل حالة نفسية سيئة بعد ما مرّ به من اختطاف و فقدان توأمه ..
لكن الغريب في الأمر أن تلك الحادثة زادته قوة و جأشاً ..
أصبح يمتلك من العدائية ما يكفي ليضرب و يتهجم على كل من يحاول ايذائه دون أن يسكت لأحد مهما كان !

في احدى الأيام و هو يجلس على مائدة الطعام ..
سأل أبيه : يبه ، أنا اذا بطلع محقق ايش أدرس ؟
فيصل: حبيبي في مدارس و معاهد خاصة للتدريب على هذي الأمور .. ليش تسأل ؟
توقف خليل عن الأكل و هم بالعودة إلى غرفته : ما في شي .. أنا شبعت ..

تحرك إلى غرفته و تبعته نظرات أبيه القلقة و أمه الباكية ..
التفت فيصل إلى سلوى و قال : شفيكِ يا حرمة على ايش تبكي ؟
وضعت يدها على فمها لتكتم صوت أنينها ، ثم قالت : على ايش أبكي ؟؟ ولدي من 3 شهور ماله أثر في هالدنيا و انت تقول لي على ايش أبكي ؟
اقترب منها و احتضنها محاولاً أن يمنع نفسه من البكاء هو الآخر : قولي يا رب و ان شاء الله الشرطة بتلاقيه لنا ..
بدعوة تنبع من أعماق قلبها : يــــــــا رب ..



*

روما - ايطاليا


مسكت ورقة اختبارها بخوف.. تشعر أنها المرة الأولى التي تتقدم فيها لاختبار جامعي .. هذا تماماً ما يحصل معها كلما دخلت قاعة اختبار .. كانت تلك المرة الأولى التي يقوم فيها سيمون بكتابة أسماء الطلاب على الأوراق بنفسه وسلمهم الأوراق حسب أسمائهم و أرقام جلوسهم..

حين استلمت سديم ورقتها .. صعقت بما رأته مكتوباً بالحبر السائل في طرفها ..

" لا تتوتري أيتها الجميلة ، ستنجحي في هذا المساق .. فقط دعيني أرى ابتسامتك في وجهي لمرة واحدة .. لا أصدق أنها المرة الأخيرة التي سأراكِ فيها هذا العام ! "

مسحت بكفيها وجهها و صوت أنفاسها المتسارع يملأ المكان ..
فتحت قلمها و كتبت بغضب :" أتعرف أن هذا يسمى غُش ؟ و أتعرف أنني لا أقبل به أبداً ! "

وقفت و هي تحمل حقيبتها و وضعت تلك الورقة أمامه ، دون أن يقرأها نادى :
Sadeem , you cant leave now .. you have to wait at least for 30 minutes !
( سديم ، لا يمكنك أن تغادري الآن ..عليكِ الانتظار على الأقل نصف ساعة ! )

نظرت إليه بحقد و بدأت تضغط بيدها على حمّالة حقيبتها .. اقتربت و جلست في مقعدها و النيران تشتعل في داخلها و هي تراه يقرأ ورقتها عابساً ..





*


" في احدى الأيام قطعاً ؛ سيسهر في ليل شعرها .. سيسهر ويطيل السهر ، سيتجول في غابات عينيها حتى تصبح الدنيا .. و ليقطعنّ على نفسه عهداً .. أن يقتل نفسه في جسدها ، و أن يدفن روحه في حجرات قلبها ! "

تأملها كثيراً و هي تقف أمامه مبتلة الشعر .. متزوج بها منذ عامين و لم يصدفها بشعر خيلي مبتل !

ابتسمت خجلاً حين شعرت أنه بدأ يختفي في أعماقها .. كان دوماً يقول أنه لا يحب الفتاة التي تلقي بنفسها إلى الرجل .. " عَـزّة " ، عشقته كثيراً و لم تبح بعشقها يوماً .. ولم تحاسبه قط على اهماله لها !

تهتم بالقراءة و الأشعار .. لا تغريها المسلسلات التركية المدبلجة أو الأفلام الرومانسية .. لا تبكي عند موت بطل في فيلم هندي !

عانت كثيراً في حياتها ، و أغلى ما تمتلكه في الدنيا دمعتها.. و لا تسمح لها بأن تسقط أمام أي شيء لا يستحق .. حتى أنها تدوس قلبها بكعب حذائها .. و تعامله بالجفاء ذاته ..

مرت من أمامه و رائحة عطر جسمها مرت معها : خير وش فيك متنح ؟!
تنحنح و هو يستعيد صوابه : احم؛ لا ما في شي ..بقول لك تنزلي تساعدي أمي في تحضير الحلى جاييني ضيوف ..

جلست أمام مرآتها الصغيرة تنشف شعرها .. ابتسم على طريقة تفاعلها مع الأمور .. تتجاهله و الاهتمام يكاد يخرج من عينيها .. لا تسأله من هؤلاء الضيوف ! على الرغم أنها ستموت لتعرف ..
مكابرة تلك الفتاة .. إلى حدّ لا يطاق ..!




( انتهى )


أعلم أن الجزء قصير ..
الرواية لا زالت في بدايتها و سرد الكثير من الأحداث سيشتت القارئ .. سأكتفي بهذا الحد إلى هنا اليوم ..

و الآن .. ما هي توقعاتكم للجزء القادم ؟
1- إلى أين ستصل العلاقة بين الدكتور سيمون و سديم ؟
2- عـَزّة و عاشقها المتكبر طلال ؟
3- الطفل خليل ..! لماذا يخفي أسراراً كان من الممكن أن تنقذ أخيه ؟!
4- من الصادقة في وصف الدكتور سيمون .. رشـآ ؟ أم ريــم ؟!



أسعدوني بتواجدكم أخوتي ..

أختكم / قَمـرْ !










 
 

 

عرض البوم صور قَمرْ  
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ قَمرْ على المشاركة المفيدة:
قديم 13-05-18, 06:38 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: May 2018
العضوية: 329709
المشاركات: 22
الجنس أنثى
معدل التقييم: قَمرْ عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 24
شكراً: 0
تم شكره 14 مرة في 12 مشاركة

االدولة
البلدEngland
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
قَمرْ غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : قَمرْ المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كُربةٌ بكماء / بقلمي

 

" فتلك الأشياء الصغيرة جداً التي لا نهتم بها ولا نبالي بوجودها ، قد تكتنز أسباباً للسعادة التي نفتقدها ؛ ولا نجدها في أوضح أمور حياتنا "


مقتبسة من : رواية حبيبتي بكماء / محمد السالم


المتابعين و القراء الأفاضل ، نبدأ اليوم بسم الله و بعد التوكل عليه ..
باعتماد موعد يوم " السبـْت " موعداً أسبوعياً لاضافة الأجزاء من الرواية ..
التوقيت غير محدد ، عندما يكون جاهزاً سيتاح فور جاهزيته ..

لنكمل ما بدأنا به ..
قراءة ممتعة

أختكم / قَمـرْ !




( 3 )




لِم نخوض في أمر ما بالرغم من علمنا أنه يتعبنا ؟ لم نستمر فيما فيه هلاك لقلوبنا ؟

على الرغم من أنها متيقنة أنه لا يقوى على الصمود كثيراً أمامها .. و لكنها تشعر بأغلال تقيد عنقها لتخنقها .. ذلك العشق الطفولي الذي حكمت به على نفسها بالانتهاء إلى أمر لم يرضيها و لم يرضي طلال ..

كم من الأمور نمضي بها في حياتنا دون أن نقتنع بها ..
ندرس بالرغم من كرهنا للدراسة !
نعمل مع أننا نفضل الاسترخاء في منازلنا ..
نعشق و نحن نعرف أن الحياة ستكون أفضل لو بقيت الوحدة حليفتنا !
حتى و إن قررنا أن نعشق .. نعشق الشخص الخطأ دائماً .. الذي لا يمت لأحلامنا بِصِلة !
في قانون القلوب ، ليس من الضروري أن تعشق شخصاً بنفس الصفات التي كنت تتخيلها في شريك أحلامك .. من الممكن أن تعشق من يختلف تماماً عن أحلامك .. و لكنك هنا تصمت .. عندما تتكلم القلوب تصمت باقي حواسنا و ترضخ بهدوء .. دون أي مقاومة ..

في ليلة زفافهما كان ينظر إليها بحقد ، حتى الآن يعاملها بكره و يهملها بطريقة تقتل كل المشاعر التي تحتفظ بها عـزّة منذ صغرها ..

لا زالت تحتفظ بطوق الياسمين الذي وضعه في شعرها حين كان يلاعبها فخسرت .. و حين أراد ارضائها ، أحضر لها ذلك الطوق لتكف عن غضبها ..

" حين قالوا لي أنهم سيزوجونني منه شعرت أن الدنيا أضيق من سعادتي بكثير .. سأصبح زوجته بعد كل هذا الانتظار ؟ و ها أنا الآن زوجته ؛ ولا زلت أنتظر "

دخل الغرفة بحركته المزعجة التي يتعمد أن يفعلها ليزعج بها عـزّة التي افتعلت النوم ..

أشعل جميع الأنوار .. ثم خَلَع قميصه و جلس على الكنبة .. قال بصوت مسموع : عــزّة ..
ضغطت على عينيها أكثر و لم ترد ..
بصوت أعلى قال : عــزّة ؛ ياا عسااها نومة أهل الكهــف ْ ! قــومي
بدأت تفتح عينيها بانزعاج منه و هي تمثل النوم : شتبي ؟
عاد ليسترخي بجلسته و قال : قومي اضبطي لي الماي و حضري لي ملابس بتروش
نهضت و هي تتأفف و تسحب قميص نومها الأزرق الذي ارتفع حتى وصل إلى أعلى فخذها .. مرت من أمامه لتفتح الدولاب و تخرج منشفة و بعض الملابس ..
دقّقَ النظر فيها دون أن يشعر .. أمال رأسه و هو يتأملها من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها الناعمتين كقدمي طفل حديث الولادة !
التفتت لتضع المنشفة جانباً ؛ فأزاح نظره عنها مسرعاً .. ثم قال بتوتر : انتي وش هذا اللي لابسته ؟
وقفت و بدأت تنظر إلى نفسها بتعجب ، رفعت نظرها إليه : وش لابسة يعني قميص نوم ! أول مرة تشوفني لابسته ؟
وقف أمامها و قال : أنا كم مرة قلت لك هاللبس الفاصخ هذا لا تلبسينه قدامي ! لا تكوني مفكرة إنك بهالحركات بتغريني ؟ تراني مو شايفك كلك على بعضك
رفعت حاجبها الأيسر مستنكرة و قالت بابتسامة خافتة : أغريك ؟ مرة مصدق نفسك إنت ، لمعلومك ترا أناا اللي موو شايفتك كلك على بعضك .. و أناا ألبس اللي يريحني و يعجبني و ما أفكر فيك أبداً .. لا تتوهم عالفااضي
سارت أمامه بحركات خفيفة ثم دخلت الحمام لتقوم بتجهيز الماء .. وقف هو في الخارج متصنماً مما سمع .. كيف تستطيع أن ترد عليه دائماً بكل ذلك البرود الذي لا يعكس مشاعرها أبداً .. لا تعترف هي بشغفها به ، و هو لا يعترف أنه يشعر أنه ثَمِلٌ عندما يراها.. كلاهما يحتاجان إلى طرف ثالث يدخل بينهما و يجبرهما على الاعتراف .. الاعتراف حتى لو أمام مرآتهم ..

جلست في مكانه بعد أن انتهت .. تركها هو ليستحم .. هبّت رائحة عطرة حين جلست على الكنبة .. ألقت بنظرها جانباً فوجدت قميصه العسلي ملقىً إلى الطرف .. أخذته بيدها بعد تردد ؛ احتضنته مبتسمة .. قرّبته إلى أنفها و خرجت في عالم بعيــد و هي تستنشق رائحة عطره التي تسيطر على مكونات عقلها عندما تشم قطرة منها !

في لحظات غرقها في قميصه .. خرج طلال من الحمام .. ابتسم حين رآها تحلق في سماءٍ أخرى و قميصه بين يديها .. قال بسخرية : نيااال القميــص

ارتعش جسدها خوفاً و فتحت عينيها مسرعة حين سمعت صوته .. ألقت بالقميص جانباً و قد ارتجفت شفتيها الصغيرتين و هي تحاول أن تبحث عن مبرر لتصرفها !

اقترب منها بصدره العاري و شعره الأملس المبتل .. أخذ القميص و بدأ يستنشقه ..
أبعده عن أنفه و قال بابتسامة : تراا ما في شي جديد ريحة عطري تعرفينها !

تجاهلت كلماته وعادت لتستلقي في السرير .. أكمل لبسه ، ثم استلقى إلى جانبها و قال : قومي نامي عالصوفة
التفتت إليه بصدمة : نعــم ؟؟
ابتسم بطريقة مستفزة : أو قومي غيري القميص اللي لابسته
تكتفت و استندت إلى ظهر السرير : والله واضح إنك تبي تتحركش ، نام أبرك لك
هز رأسه بيأس منها و من عنادها ..
ضبط وسادته ، أعطاها ظهره و أغلق عينيه في محاولة النوم .. و هو يعرف أنها خلفه تحدق فيه بكره و حقد ..





*


صـَيـفْ 2003 - تمـوز ..

رومـا - ايـطـاليـا

كانت تسترق النظرات إليه باكية من خلف نافذتها .. تراه يقف عاجزاً عن اتخاذ أي خطوة جديدة ..
قبل أن تفقد صوتها وعدها أنه في عامها هذا ستكون زوجة له .. لن يقبل أن ينتظر حتى تنهي دراستها .. لكن يبدو أن ذلك السرطان الذي زارها .. لم يسلب منها صوتها فحسب ..

نظراتها له لم تكن شوقاً أو حنيناً .. كانت مجرد خيبات متراكمة في قلبها أوشكت على التعفن .. فأقرت أن تخرجها قبل أن يتعفن كامل جسدها !

حين تركهما جلال و دخل ليأخذ سترته و مفتاح سيارته .. لاحظ "سعود " نظرات عيني " طالِب " المتعلقتان في الأفق .. فأطلق نظره إلى المكان نفسه ليرى .. أين يوجه أنظاره ؟!

عندما رأى طيفها يبتعد بهدوء عن النافذة ، صرخ في وجه ابنه بغضب : و بعدين معاك يا طالب مو قلنا ننسى هالموضوع ، عيب انت رجال ! مو حرمة تساوي فيك كذا
طأطأ رأسه في الأرض و وضع يده في جيبه ، ثم ابتسم ساخراً : رجال ؟ أنا فقدت هالصفة من زمان يبه !
شده من ياقة قميصه و قد كان طالب بين يديه كالصنم لا يتحرك ولا يبدي أي مدافعة عن نفسه ..
بغضب قال و هو يضغط على أسنانه : موو ولد سعوود اللي يقول هالكلام ، ولا ولد سعود اللي حــرمـة تساوي فيه كذاا .. انت قلت انك ما تبيهاا بعد مااا فقدت صوتها و الحيين ايش اللي تبيه ؟
بكل برود رد عليه : مآبي شي ..

تركه و هو يرمقه بنظرات غاضبة تكاد تلتهمه .. حين شعر بعودة أبو سديم ..

ركبوا في السيارة و تحركوا ، كان القائد أبو طالب الذي يشتعل غضباً من ابنه الذي لم يعد يعرف ما يريد .. أحبها طفلةً ، و عندما أصيبت بالسرطان تخلى عنها و تركها تعاني آلامها وحدها .. هو لا يعرف بم كان يفكر حين قرر أن يفترق عنها و هو يعلم أنها لم تحتاجه في حياتها كثر حاجتها له في تلك الفترة ..
و الآن ما الذي يعيده ؟ و لم يشعر بالذنب تجاهها ؟ هي لم تستعيد صوتها لنقول أن سبب الفراق قد زال !
و لن يكون شوقاً لها ، لو كان يعرف الشوق لما تركها 5 سنوات .. تركها طفلة و عاد إليها صبية تدرس الحقوق في الجامعة !
لم يشتاق لها الآن ؟ ألم يشتاق لها من قبل ؟

في المقعد الخلفي ، كل ما كان يراه طالب أمامه الآن ؛ هو طيف فتاة عندما عشقها كانت نحيلة و قصيرة .. ظلها أوحى بأنها قد سمنت قليلاً ، و أيضاً اكتسبت شيئاً من الطول ..
يعلم أنه لا يحتاج ليرى وجهها ، متيقن أنها لا زالت فاتنة حزينة .. ابتسم على ذكراها و في قلبه ما يقول له انساها .. فهي لم و لن تكون لك يوماً !



*

السعودية - الرياض


بعضنا قد يهرب من همومه بالنوم ! و لكن ماذا عن طفل حتى و إن نام تلاحقت به الهموم إلى كوابيسه ؟
جبينه المتعرق الذي يملأ الوسادة بللاً حين ينام ، الكلمات المتقطعة التي يهدس فيها بنومه .. غضبه الذي يسطع في عقدة حاجبيه التي أصبح جزءاً من وجهه .. كل ذلك كان كفيلاً بأن يجعل " سـلوى " تدعو بكل ما في قلبها من حقد على ذلك الذي اختطف طفلها و عقّد الآخر !
قلبها حتى تلك اللحظة أخبرها أن " غَدي " لا زال حياً .. لكن استيقاظها من نومها اليوم كان غريباً .. كآبة غير محددة المعاني سيطرت على روتين يومها .. تشعر أن عزاءاً سيقام في هذا البيت .. استغفرت كثيراً و قرأت المعوذات .. لم تنقطع عن سجادتها لأوقات طويلة و هي تدعو الله أن يسلم ابنها .. أن يحفظ عليه صحته حتى و إن كان بعيداً عنها !

" فَيْصـَلْ " ؛ الذي كان يعمل بلا رحمة .. يحاول أن يجهد نفسه قدر الامكان عله أن يخفف من وطأة غياب ابنه .. لكنه كان فاشلاً في النسيان .. يحاول أن يظهر القوة أمام زوجته علها تستمد شيئاً منها ، لكن تخرّ جميع قواه أمام دمعة أمٍ لا تجف ، و كوابيس ليلية لا تفارقها ..

حين رأى أن الرقم الذي يتصل هو رقم الشرطي " رياض " ابتسم متأملاً أنهم قد وجدوه .. و بعد دقائق قليلة ، تمنى لو أنه لم يرفع تلك السماعة أبداً ..

بغصة و عبرة خنقته و لم تخرج : انتوا متأكدين انه ولدي ؟
بأسف : صراحة ما قدر أأكدلك ، لازم تيجي المشرحة و تتأكد بنفسك و تتعرف ع جثته ..

سقطت تلك الدمعة مع سقوط الهاتف من يده و هو يسمع آخر كلمة قالها .. ( جُثّته )؟!
أيعقل أن طفلاً في الحادية عشرة من عمره أن يُلَحقَ باسمه كلمة جثة ؟
لا زال صغيراً ، كيف ينعته بالجثة أمامي ؟!

أخذ هاتفه و نزل مسرعاً من الشركة حتى قبل أن ياخذ اذناً من مديره .. ركب سيارته و توجه إلى المشرحة ، و كانت نبضات قلبه أسرع من السيارة ذاتها ..


حين وصل ، استقبله رياض بأسلوب يدل على تعاطفه معه ..
: بقول لك شي قبل لا تدخل ..
اكتفى فيصل بأن ينظر إليه باستفهام دون أن يقول شيئاً ..
ريـاض : الطفل اللي في الداخل ، مسروقة أعضاءه !
الكلاوي و القلب ..
نظر إليه فيصل بصدمة ! أيعقل أن يختطفوا ابنه ، و حتى عندما يعيدوه يعيدوه بلا أعضاءه !
في أي قانون ذلك و أي ديانة تلك التي تجعلهم يفعلون ذلك بدم بارد ..
ارتجفت أطرافه و هو يسير برفقة الطبيب الشرعي متوجهان إلى المشرحة .. بذعر ألقى نظرة خاطفة على الأسرة الموجودة في ذلك المكان المظلم .. الكثير من الموتى هنا .. كلهم يتلحفون بالغطاء الأبيض ذاته .. كم هو مريح اللون الأبيض ، و كم يصبح مرعباً حين نراه يلف الغوالي على قلوبنا ..
تلك الجثة الصغيرة ، النحيلة التي ترقد بهدوء تحت الغطاء الأبيض .. أصغر قطعة في هذا المكان هو ابنه .. أطبق عيناه التي اكتظت فيها الدموع لتنزل متسارعة واحدة تلو الأخرى حين رفع الطبيب الغطاء عن وجه الطفل ..
لم يعد قادراً على أن يرى ابنه بتلك الحالة .. كل الصبر في الدنيا لن يعوضه عن فقدانه ..
كيف يخبر الآن أم قلبها على ولدها الذي فقدته قبل أن تلقاه !
انهار على الأرض و شهقاته المتتالية امتلأت في أرجاء المكان ، و صداها كان مرعباً لكل من يسمعها .. اقترب من السرير الذي يقطن فيه ابنه ، شد على ذلك الغطاء و ودّ لو يمزقه بين يديه .. طفله الصغير .. ذو الوجه الملائكي ، خدين منتفخين و شعر بندقي أملس .. جسد صافٍ كقطعة السكر ! يراه الآن نحيل الخدين ، مغبر الشعر .. أزرق اللون بارد الحواس !
صرخ بكل ما أوتي من قوة : غـــــدي !
شعر أن عقله الآن بحجم التمرة الصغيرة ، أصغر بكثير من أن يستوعب أنه يرى أمامه ابنه ، سُلبت منه كليتاه و قلبه العَسَليّ ..!
نهض عن الأرض يتنفس مسرعاً كأنه يركض منذ أعوام ركضاً متواصلاً .. أصرّ الطبيب على خروجه فقد اتضح أنه لن يتحمل البقاء أكثر هنا ..
اقترب منه رياض و حاول أن يسنده عليه ..
قال بحزن : غدي ؟؟
ازداد بكاؤه و نحيبه ، و كانت تلك الدموع أقوى تأييدٍ لأن يتأكد الشرطي أن من كان في الداخل هو غدي ..
سأله الكثير من الاسئلة ، كأن أراد أن يوصله إلى بيته ؟!
لكنه لم يجب على أي منها .. فقط يبكي بصمت لوهلة و للوهلة الأخرى يصرخ كالمجنون .. كلما تذكر منظر ابنه الذي قتل قبل أن يرى شيئاً من الدنيا !



*

رومـا - ايطـاليـا


الجو لطيف و نسمات الهواء تداعب وجهها و هي تقف على شرفة غرفتها .. لا ينقصها الآن سوى فنجان قهوة و كتاب فلسفة تقرأه كما اعتادت في كل عطلة ..
نظرت إلى مكتبتها التي تكاد تسقط يوماً من كثرة كتبها !
زفرت بملل و هي ترى تلك الكتب التي باتت قديمة جداً .. و قد قرأت الواحد منها أكثر من ثلاث مرات !
اقتربت من دولابها بابتسامة و قد وجدت لمللها حلاً .. أخرجت قميصاً فضفاضاً باللون الأرجواني ، و بنطلون قماش كحلي اللون .. ارتدت ملابسها الجميلة و وضعت حجاباً معرقاً باللونين الأرجواني و الكحلي .. حملت معها محفظتها و جوالها الصغير .. خرجت بعد أن أرسلت لأبيها " ذهبت لمكتبة الجامعة لأستعير كتاباً ، لن أتأخر .. "

لم توقف سيارة الأجرة تلك المرة لتذهب إلى الجامعة .. تحتاج إلى المشي لمدة نصف ساعة كيف تصل ، و ستمشي .. تتجول ما بين المارة لترى الصغير و الكبير .. العشاق و المتخاصمين .. محلات الشوكولا و البسكويت .. المخابز التي تفوح منها رائحة طيبة .. تنسى نفسها و هي تمشي .. و قد تتجاوز الجامعة و هي سارحة في جمال معالم روما !

دخلت إلى المكتبة بعد أن أبرزت بطاقتها الجامعية ، بخطوات هادئة توجهت إلى قاعة المطالعة التي تقع في يمين المبنى .. بدأت تقرأ عناوين الكتب عن بعد .. و للآن لم يرق لها شيئاً .. كتب علمية و ثقافية ، كتب فلسفة .. كتب تاريخية !
وجدت كتاباً صغيراً ملقى في الرف باهمال .. تناولته بفضول و هي تقرأ اسمه الذي شدها ..
" آغان - جياكومو ليوباردي "
فتحته لتتصفح محتواه ، ففوجئت بصوت خفيف من خلفها يقول :
" Good choice sadeem "
( اختيار موفق سديم )
التفتت بخوف لترى أمامها الدكتور سيمون بنظارته الطبية و ملابس رياضية غير معتادة أن تراه بها ..
همّت بالخروج من المكتبة و هي تحمل معها الكتاب ، فسمعته يقول :
" Lets drink coffe ! "
تجاهلت كلماته و توجهت إلى المسؤول عن المكتبة .. أبرزت بطاقتها الجامعية و كتبت في جوالها : " I want to borrow this book "
( أريد أن أستعير هذا الكتاب )
انقطع الشاب عن استكمال اجراءات اعارة الكتاب مع كلمات الدكتور سيمون الذي قال بصوت مسموع : " we want to buy this book "
( نريد أن نشتري هذا الكتاب )
التزمت سديم الصمت و في داخلها بركاناً من الحقد تجاه ذلك الذي لم تحلو له المراهقة إلا عندها !
رمقته بنظرة حادة و خرجت من المكتبة بحركات سريعة و هي تشعر أن ذلك الرجل بدأ يشكّل نوعاً من تعكير صفو يومها !
خرج خلفها بالحركات السريعة ذاتها و هو يحمل الكتاب بيديه .. أسرع حتى وصل إليها و وقف أمامها ..
قال بتعب:
Stop sadeem ! Are you play with me
( توقفي سديم ! هل تلعبين معي ؟ )
حاولت أن تتجاهله و تمضي في طريقها لكنه بسرعة البرق عاد للوقوف أمامها و هو يمد لها الكتاب :
It’s a gift , from me
أخذت منه الكتاب و تناولت قلماً من جيبها .. و كتبت في الصفحة الأولى :
Dr Simon , please that’s enough .. leave me alone
( د.سيمون ، أرجوك هذا يكفي .. أتركني و شأني ! )
ذهبت مسرعة من أمامه متكتفة بائسة من ذلك الذي لا تدري أي أرضٍ شُقّت ليخرج منها .. بينما هو وقف يتأمل حركتها و الكتاب الذي اختارته ، و على وجهه نصف ابتسامة احتارت ما بين البقاء و الاختفاء !



*

السعودية - الرياض


الانهيار الذي شعرت بطيفه صباحاً ها هو يزورها الآن وهي تسمع خبر فقدان ابنها .. تسمع أنه الآن جثة بلا كليتين و بلا قلب !
تصرخ و تبكي كالبركان الثائر ولم يستطع أحداً أن يهدئها .. حتى فيصل ، لم يريد أن يهدأ هو أولاً ! خليل ، كان يقف في زاوية الغرفة و نظرات عينيه الحاقدة أرعبت كل من رآها !
يتوعد بـ " مُنير " ذلك الرجل السفاح الذي سلب منه توأم روحه .. الذي جعل أمه ثكلى و هي لم تلبث أن تفرح بطفليها .. صورة أخيه الملقى بإهمال على الأرض كأنه ورقة بالية لا فائدة منها لا تفارق ذهنه .. يراها في صحوه و مناماته .. و لا زال يتوعد القاتل منير أنه سيجده يوماً .. و سيجد أمثاله ، و سينتقم لقطرات دمٍ صافٍ سقطت من قلب أخيه عُنوة ..

كانت سلوى بحاجة لأن يحتضنها أحد لتهدئ قليلاً مما تشعر به ، كانت تحتاج إلى مين يقول لها أنها تحلم ! أو أن اليوم هو الأول من نيسان .. لكن فيصل لم يقوى على أن يفعل لها شيئاً .. تركها تنوح و تبكي ابنها ، و لم يساعدها إلا في البكاء معها ..

اقتربت منها " جيهآن " الباكية و هي تضمها إلى صدرها و تقول : وحدي الله يا عمري وحدي الله
صرخت بصوت متقطع تتخلله شهقاتها الموجعة : لآآ الـــــه إلا الله حسبي الله و نعم الوكييييل آآآه ياا قلبي فقدتك يا ولدي قبل لا اتهنى فييك ، آآه ياا ليتني متّ ولا شفت هاليوم

زوّدت جيهان في احتضانها و هي تعلق أنظارها إلى أخيها الذي شاب رأسه من فقدان طفله بتلك الصورة البشعة !

أما عن خليل ، فهو الوحيد الذي لم تدمع له عينٌ و لم يرفّ له جفن !
تلك الأحقاد التي زرعت في قلبه الطفولي جعلته عاجزاً عن التعبير عن مشاعر غضبه و حزنه إلا بعقدة حاجبيه و تنهداته الحانقة .. سيحل سخطه على منير قريباً .. حتى الابتسامة ستتوه من معالم وجهه و لن تجد لها مكاناً في هيئته ..



*


السعودية - جدة


قلق العشق أقوى بكثير من المكابرة .. حين نشعر أن من يهمنا في حالة صحية ليست بجيدة .. تبدأ كل المشاعر التي تستتر في قلوبنا بالخروج و الإفصاح عن نفسها .. قد لا يكون الإفصاح بكلمة " أحبك " ، إنما يكون بكمادة ماء باردة توضع على الجبين ، بسهر ليلي طويل ، بحبة دواء .. و بكلمة دعاء بالشفاء !

عاد من عيادته في وقت باكر على غير عادته .. لحِظ أن عـزّة في الأمس لم تنم من ألم كان يحيط بها .. حاول أن يتجاهل ألمها و صوت أنينها ليلاً .. لكنه لم يعد قادراً على الصبر أكثر ..

حين وصل إلى الممر استوقفه أخيه الأصغر منه سناً .. و قال بلهجة معاتبة : تارك زوجتك تتألم من الصبح انت ما عندك رحمة ؟
بغضب قال : عزيز بعد من قدامي ماني طايق روحي !
عبدالعزيز و بعد تردد طويل : ياخوي اذا انت ما تبيها ، طلقها .. أناا بتزوجها ..
عقد حاجبيه و هو ينظر إلى أخيه بغضب و كاد أن ينسفه عن الوجود في تلك اللحظة ..
تكورت قبضة يده لتلقي ضربة جامدة على أنفه أسالت منه الدم و أسقطته أرضاً ..
انحنى منه و سحبه من قميصه و قال : حاطط عينك على زووجتي ياا نذل ؟؟ على كل حال الحين موو فاضييلك أنا أوريك ياا كلب

بصق في وجهه بكل قرف ، ثم نهض متوجهاً إلى جناحه و هو يوجه شتائمه لوقاحة عبدالعزيز ..
دخل الغرفة بعد أن فتح الباب بطريقة مخيفة جعلت عزّة تنتفض خوفاً ..
كانت تجلس على طرف السرير تبحث في الأدراج عن أي مسكن لآلام ضرسها ..
جلس أمامها و قال ببرود : شفيكِ ؟؟
و هي تضع يدها على خدّها من جهة الأضراس : ما في شي !
مسك بيدها التي تضعها على خدها و أزاحها جانباً ، افتحي فمك ..
فتحت فمها دون معارضة .. اقترب من حقيبته التي يحمل فيها بعض العدة ..
فتحها و أخرج ضوءاً ساطعاً سلطه فوق فمها .. بدأ يحدق بدقة وهو يعقد حاجبيه كأنه متقزز من قربها !
ابتعدت عنه بكرهٍ و هي تقول : تراني زوجك ما في داعي تنقرف بهالشكل ..
ضحك طلال و أعادها لمكانها : يا بنت الناس ! وش فيكِ قاعد أفحصك تبيني أقعد أوزع ابتسامات
عزّة : مشكور ماقصرت مابي تفحصني
طلال : اهدي و افتحي فمك يلا مثل الشطار .. يلاا
فتحت فمها و قلبها يضحك كطفل صغير فرحاً باهتمامه بها !
بعد دقائق لم تدم طويلاً من التفحص .. وقف طلال و دخل الحمام ليغسل يديه .. وقال من داخل الحمام : هذي طاحونة العقل ، يبيلك صورة أشعة عشان نعرف اذا طالعة بمكانها ولا يبيلها خلع ..
نشف يديه و خرج ليراها لِمَ لَمْ ترد عليه .. ضحك عندما رآها لا زالت تفتح فمها على نفس الوضعية .. اقترب منها و ضربها بخفة على شفتيها : نسيتي فمك مفتوح يا مفهية !
نظرت إليه نظرة حب لم يستطع أن يفسر معناها .. كانت تقول له لا تحيرني ، اعشقني أو أتركني ..! خياران لا ثالث لهما .. فلتختار !
جلس طلال على السرير بعبوس بعد استعاد ما قاله له أخيه عبدالعزيز في الخارج .. و قال : عزّة ، بشتري بيت و بنسكن بروحنا ..
عزّة : ليش ؟؟
طلال بعد أن تنهد : من دون ليش ..أنا أبي أستقر بروحي ..
لم ترد على كلامه ، لكنها بعد دقائق قالت بسخرية : ترا فحصك ما فادني بشي للحين ضروسي تآلمني ..
نهض بسرعة بعد أن تذكر :اييه نسيت .. بعطيك ابرة مسكن الحين فضرسك .. لا تخافي ما تحسي فيهاا

تركها ليحضّر الابرة .. أما هي فتجلس في مكانها تحاول قدر الإمكان أن تتجاهل كلماته حتى لا ترد رداً قد يطيح بها في مهاوي سخريات طلال ..


*


رومـا - ايطـاليـا


فتحت دفتر مذكراتها .. قرأت ما كتبت في اليوم الماضي .. كل مشاعرها تتجلى في ذلك الدفتر الصغير الذي تدون فيه يومياتها و مواقفها التي احتفظت بها لنفسها ..

" روتين يوميٌ لم أمل منه في حياتي ، و لم أفكر يوماً في تغييره .. يبدأ يومي بالراحة و النشاط ، يتوسطه أناس مزعجون يعكرون صفوي .. و ينتهي بأحلام مؤجلة لا أعرف إلى متى .. الدكتور سيمون الذي يدرس في كلية الحقوق .. لا زال يلاحقني ويحاول أن يوقع بي .. لا أعرف لم أستشعر الصدق في كلماته ، و لم أشعر أنه بريء من كل ما قيل عنه من قبل ريم أو غيرها ، لا زال هناك من يؤكد أنه لا يسمح للفتيات بتجاوز حدودهن معه على الرغم من وسامته و صغر سنه .. و أكبر دليل رشا ! و ماذا لو كانت رشا تكذب ؟ و هل لفتاة أن تلصق بنفسها سمعة سيئة كتلك لأجل أن تزرع في قلبي الثقة تجاه رجل لن أفكر فيه يوماً و إن كان من أشرف الرجال على الأرض ! "

أغلقته مسرعة و وضعته في درجها ذو القفل ..
خرجت من غرفتها حين سمعت صوت باب المنزل يفتح لتستقبل أباها باحتضانها المعتاد له .. و صوت قلب أبيها يقول في داخله : " كم اشتقت لصوتك الفيروزي يا فتاة ! "

ذلك الحزن الذي طغى على ملامحها ، لم ينهي من جمالها شيئاً ، و لكنه قد يضيف لها شيئاً من الحسن و التميز .. بؤسها الغريب و عبوسها البريء .. كل ذلك يضفي لوجهها شيئاً مميزاً تفتقده الكثير من الأنثيات .. يجده أبيها فيها أمراً يجعل أنقى الرجال في الدنيا يحلمون في مصاهرته ..




*



صيف 2003 - أيلول


السعودية - الرياض


حتى هي تحتاج إلى نفسها أحياناً .. تتمنى لو تعود كما كانت .. الجميع يتجاهل ما عانته تلك الأم أولاً من اختطاف ابنها ، و ثانياً من عودته إليها مكفناً بغطاء لا يليق به أبداً !

اقترب منها فيصل الذي طالت لحيته و اسودّ ما تحت عيناه : يا بنت الحلال و اللي يخليك هذا اللي تسويه حرام ارحميني و ارحمي خليل ترانا بحااجتك بحاجة حضورك في البيت وجودك معاناا لا تظلمي خليل اللي ماله ذنب بشي ..!
نظر إلى خليل الذي يجلس في طرف السرير يرمق أمه بنظرات غاضبة كأنه يقول لها " عليكِ ألا تحزني يا أمي .. عليكِ فقط أن تثقي أنك أنجبت لـ"غدي " توأماً سينتقم لدمه في أسرع وقت ممكن "
سلوى ، كانت تفضل الصمت على الرد ، فإن ردت فإنّ نحيبها سيتضاعف و آلام قلبها ستصحو بعد غفوتها !
فقط الدموع الهادئة كانت تتناثر من عينيها واحدة تلو الأخرى .. و العين لا تجف دموعها أبداً !




( انتهى )



أتمنى أن تنال الرواية إعجابكم ..

هل تحبون أن أطيل البارت ؟ أضع الأجزاء قصيرة ليتسنى لكم قراءتها دون أن تستهلك الكثير من وقتكم خاصة في هذا الشهر الفضيل ؛ فإن فضلتم أن تكون أطول فلكم ذلك ..


و الآن ما هي توقعاتكم ؟

1- هل من الممكن من خلال كلمات سديم أن يلين قلبها على سيمون ؟ و هل ما فكرت به تجاه براءته صحيحاً ؟
2- ماذا عن عبد العزيز الذي اقترح أن يطلق طلال زوجته ليتزوجها هو ؟ ماذا تتوقعون أن تكون حكايته ؟
3- عزة و طلال .. ؟
4- خليل ، و هل ستسمر سلوى في تلك الحالة من الكآبة النفسية ؟


باذنه تعالى سنتعرف على شخصيات جديدة في الجزء القادم تضاف إلى روايتنا ..

تنويه : يسمح لمن أراد أن ينقل الرواية الاكتفاء بذكر الاسم " قَمـرْ ! " دون ذكر المصدر ..


دمتم بخير ..

أختكم * قَمـرْ ! *

 
 

 

عرض البوم صور قَمرْ  
قديم 13-05-18, 06:41 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: May 2018
العضوية: 329709
المشاركات: 22
الجنس أنثى
معدل التقييم: قَمرْ عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 24
شكراً: 0
تم شكره 14 مرة في 12 مشاركة

االدولة
البلدEngland
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
قَمرْ غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : قَمرْ المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كُربةٌ بكماء / بقلمي

 

" كُنتُ أَقولُ في نَفسي أنَّ جمالها ظالمٌ لمن يعرفه ، ظالمٌ لأنّه أعْمَقَ من أن يُحتَمَلْ ؛ و أبْعَدَ من أن يُنالْ .. "

مقتبسة من : رواية عزازيل / يوسُف زَيْدان




السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

سأقوم بوضع البارت الآن لعدة أسباب أولها أنه جاهز ولا مانع من وضعه اليوم .. ثانيها لأن الرواية لا زالت في بدايتها و ترك أوقات طويلة ما بين البارتات قد يشتت القارئ و ينفره من اكمال الرواية .. لذلك قررت أن أتيح البارتات حال جاهزيتها .. و سيكون ذلك في مدة أقصاها أسبوع أي أنني لن أتأخر لأكثر من أسبوع إن شاء الله في طرح البارت و قد اطرحه قبل اتمام الأسبوع ..

للتواصل ..

حساب الآسك

Ask me anything | ask.fm/qamar90writter

أترككم اليوم مع الجزء الرابع من رواية : كُربةٌ بكماءْ ..
في نهاية الجزء سيكون هناك تعريف ببعض الشخصيات التي لم نقوم بالتعريف عنها و بالتنويه لبعض الحقائق التي لم تذكر في بداية الأجزاء ..

أتمنى لكم قراءة ممتعة ..

أختكم * قَمـرْ ! *





( 4 )



صَيف 2003 - أيلول

روما - ايطاليا


إن معرفة الحقيقة أحياناً تؤذينا و قد نفضل في بعض الأوقات لو نكمل بعض الكذبات التي كنا نواسي بها أنفسنا على أن نحاط بالحقيقة من جميع الجوانب .. الحقيقة التي قد تنسينا أن نعيش .. لذلك نضطر دوماً إلى أن نكذب على أنفسنا ، لنتعايش و نتكافل مع حياة كتلك .. لكنها كانت ترى أملاً كبيراً في أن تستعيد صوتها .. 15 عاماً فقط أتيحت لها من حياتها للكلام ، أما ما تبقى لها حتى ولو تجاوز الثلاثين .. ستقضيه بسكون ممل و بصمت ليس له معنى .. مهما حاولت أن تقف صامدة أمام كل التحديات التي تواجهها ، لكنها في النهاية تجلس أمام مرآتها باكية على حالها .. سائلة الله أن يعيد لها أعز ما فقدت !
مسحت دموعها مسرعة حين شعرت بخطوات أبيها تتوجه إلى غرفتها في ذلك الوقت كعادته ليطمئن عليها .. جلست أمام كتبها تحضر الدفاتر و الكتب للعام الدراسي الجديد ..
دخل أبيها بابتسامة و هو يقول : أقدر أدخل ؟؟
هزّت رأسها دون أن تنظر إليه حتى لا يلاحظ احمرار عينيها ..
دخل و جلس أمامها يراقب توترها و محاولتها في اخفاء معالم وجهها الحزين ..
: سديم ؟؟
غاصت في الكتابة على دفترها دون أن ترد و هي تأخذ أنفاسها بصمت ..
مدّ يده و رفع وجهها ليرى أمامه أنفها المحمر ..
: تبكي ؟؟
اكتظت الدموع في عينيها مجدداً و هي تهز رأسها بالنفي ..
مسك وجهها بيديه و قال : وش فيك يا قلب أبوك ؟
نزلت الدمعة الأولى ، كانت تعرف أنها لا يمكن أن تخفي عن أبيها حزنها و يأسها .. و إن كانت تظهر القوة و السعادة الداخلية أمام الجميع .. ابتعدت لتكتب في الدفتر : أبي صوتي يبه ، تعبت من السكوت ..
احتضنها و هو يحبس دموعه و يمنعها من النزول و هو يقول : لا تخاافي يا عيون أبوكِ ترا فقدانك صوتك ماا أخذ من جمالك شي
ظلت في أحضانه تبكي و تردد في خاطرها : " حتى و أنا أبكي ما عندي قدرة أسمع صوت لشهقاتي ، ما أقدر أشهق و أصرخ عشان أطلع كل اللي في قلبي ؛ ياا ربي ليش يصير معاي كذاا ..
كم يكون من الصعب على المرء أن يفتقد شيئاً اعتاده ، يظن الناس أنها نسيت همها و خرجت للجامعة تدرس و تمارس حياتها بشكل طبيعي كباقي البشر .. هم لا يعرفوا أنها اعتادت السكوت دائماً .. عدم قدرتها عن التعبير عن مشاعر فرحها بضحكة ، عن غضبها بصرخة .. عن ألمها بشهقة بكاء !
حتى حين نجحت في الثانوية و تأهلت لدراسة الحقوق في الجامعة لم تستطع أن ترد على التبريكات و التهاني التي قُدّمت لها .. كل ذلك لم يجعلها تعايش فرحة واحدة في حياتها كما يجب !

و ماذا عن وفاة أمها التي لم تستطع فيها أن تصرخ و تقول " لا تتركيني أمي "



*



السعودية - الرياض


كيف له أن يأكل أو يشرب أو يدرس و توأمه قد دفن في الأرض قبل أن يخرج إليها !

كلما قالت له عمّته " جيهان " كُلْ ، اشرب ، ادرس .. يكون رده بسؤال واحد يجعل أمه تنهار بكاءاً و أبيها يعتصر ألماً .. هو " و أخوي ؟ "

بكل براءة و نضج يسأل هذا السؤال الذي مع كل حرف منه تقطر أحقاده الدفينة في قلبه .. في دفتره الصغير ذلك يكتب اسم منير بحبر أسود و تحته نقاطاً من الدم ، أقصد .. الحبر الأحمر ..
يرى نفسه كل يوم و هو يقتل قاتل أخيه .. و يرميه في حفرة عميقة لا نهاية لها .. هل من الممكن أن يكون ذلك الطفل قد أصيب بمرض نفسي ؟ يرفض الطعام رفضاً قاطعاً حين يطلبون منه ذلك ، و بعد عدة دقائق ينزل يطلب الأكل و الشراب ، ثم يدرس بكل جد و اجتهاد .. ولا أحد يعرف سر تلك الحركات التي يقوم بها !
لا يعرفون أنه يجلس يومياً في غرفته يحدث نفسه قائلاً " سأعيش فقط لأجل أن يأتي اليوم الذي أجد فيه قاتلك يجلس تحت أقدامي يتوسلني لكي أتركه .. و قسماً أنني سأجعله يخاف من الطير اذا مرّ بجانبه ، و والله لن أرتاح حتى أفزعه كما أفزعك ، و أسلب منه أعضاؤه ، و أقتله بذات الوحشية التي قتلك بها .. و كما استقوى عليكَ طفلاً ؛ سأستقوي عليه عجوزاً ذليلاً ؛ لترتاح يا أخي في قبرك .. أنا هنا على هذه الدنيا فقط لآخذ بثأرك "


*


السعودية - جدّة


كانت تظن خروجها من بيت خالتها سيقربها من طلال أكثر .. الآن هم وحدهم .. تستطيع أن تعتني بنفسها كما تشاء .. تحضر له الطعام بيدها .. تنظف بيتها بنفسها و تعتني بغسيل و كوي ملابسه ، توقظه ليشرب قهوته قبل العمل و تستقبله و هو عائد من عيادته بابتسامها التي يقتلها عبوس وجهه ..
لم تكن تعلم أن خروجها سيعقد الأمور أكثر ، و سيزيدها كآبة و حزناً ..

ارتشفت من فنجان قهوتها القليل و هي تتابع صمته القاتل .. و الهدوء الممل الذي يحتل بيتها ..
عزّة : طلال ، انت ليش خليتنا ننتقل على بيت بروحنا ؟
دون أن ينظر إليها : في شنو يهمك هالموضوع ؟؟
عزة : شلون في شنو يهمني ؟؟ هذي حياتنا و أكييد بيهمني هالموضوع
نظر إليها باستنكار و هو يقول : حياتنا ؟؟ من متى في حياة بيننا ؟؟ لو سمحتي " نا " الجمع هذي شيليها من دماغك لأن ما في شي يجمعني وياك .. إلا زوااج على ورق ..
بانكسار أدارت وجهها إلى النافذة و بلعت ريقها و هي تقول : غلطة .. آسفة
نظر إليها بحدة و اقترب منها و هو يقول : لا يكون راح فكرك إني انتقلت عشان آخذ راحتي معاكِ ؟!! كبري عقلك يا البزر
بقسوة نظرت إليه : مية مرة قلت لك إنك ما تهمني أصلاً أنا ايش أبي من واحد شايب كبر أبوي طلاال أناا مااا أحبكك اكفيني خيرك و شرك
ابتسم و هو يعقد حاجبيه : هالحين أنا شايب ؟؟
لم ترد عليه ، فقط كانت ترمقه بنظرات غاضبة ..
مدّ يده ليتحسس خدّها و قال بهمس : متأكدة إنك ما تحبيني ؟؟
جميع الدماء تجمعت في عروق وجهها حتى كاد يتفجر من شدة احمراره ..
أكمل طلال بالهمس ذاته : أجل وش دقات هالقلب اللي يبي يطلع من ضلوعك كل ما قربت لك ؟
ابتعدت عنه و هي تقول : ترا مو كل قلب يدق يدق من الحب ، يمكن يدق من الكره !
أطلق ضحكة عمت أرجاء المكان و ضحك معها قلب عزة التي استمرت شفتيها بالانضمام إلى بعضهما عبوساً ..
توجه إلى مرآته ليلقي نظرة أخيرة على منظره قبل الخروج إلى عمله و هو يقول : شرآيك فيني اليوم ؟
نظرت إليه باستفهام لا تعرف ما الذي يجعل مزاجه متقلباً إلى ذلك الحد !
نظر إليها هو و رآها تحدق فيه .. فابتسم قائلاً : وااو ! هذا اليوم برقم كل بنات المملكة على هالحالة !
بدأت تحرك شفتيها و هي تقلده بسخرية ..
طلال بضحكة : بزر وش أسوي لك .. اليوم لاتطبخي شي بجيب غداء
تكتفت و هي تقول : غرييبة تبي تريحني من الطبخ !
رش العطر و قال : لا والله بس طبخك عملي قرحة في المعدة ..

حذفت الوسادة الصغيرة على وجهه فضحك بصوت عالٍ لنجاحه في استفزازها : ههههههههههههههههههههه وش فيكِ يا بنت ترا أمزح والله ، بس من جد موو بخاطري أكل البيت اليوم انتي شعندك ؟؟ اذا تبي اطبخي لنفسك أنا ماابي
عزّة : الأحسن لو نسلك نفسنا أي شي وقت الغداء ، و العشاء تجيب شي جاهز ، أهلك جايين يتعشون عندنا ..
باستغراب : و ليش ما قلتي لي ؟
عزّة : هذاني قلتلك
طلال : و من جاي ؟؟؟
عزّة : منو يعني أمك و أبوك وعزيز و رهام ..
بغضب جامح : اسممه عبدالعزيــز مووو عــزيز !
نظرت إليه بنظرة لم يفهمها : من طول عمري أناديه عزيز وش صار الحين ؟؟
بحدة قال : من اليووم اسمه عبدالعزيز ولا تكون طاقة الميانة بينكم أحسن ما أساوي شي ما يعجبك ولا يعجب عبدالعزيز فااهمة ؟
ابتسمت بمكر و هي تقول : اشششش طلال غيران علي خير ان شاء الله وش صاير في الدنيا !
بارتباك عدّل ربطة عنقه و قال : يتهيألك .. يلا سلام ..

خرج من الغرفة متوتراً من قدوم عزيز اليوم .. لا يعرف لم يشعر بالغيرة عليها !
عزّة كانت لا تعرف ما مشاعرها بالتحديد تجاه غيرة طلال .. ولا تعرف إن كان أمر كذلك عليه أن يحزنها أم يفرحها ! تنهدت بحيرة هذا كل ما استطاعت أن تفعله حيال أمرها الموغِل مع طلال ..



،


السعودية - الرياض


يقولون " لا تجرحوا الأطفال فإن لهم ذاكرة لا تَنسى " .. تلك المقولة تنطبق تماماً على طفل كخليل لم ينسى للحظة شكل أخيه الملقى في الأرض ، و لم ينسى وحشية ذلك الرجل الذي سلب منه توأمه ، و الآن تنغرس إلى جانب أحقاده حالة أمه التي باتت تشفق الجميع .. و انكسار أبيه و الشيب الذي غزا رأسه قبل أوانه ..

جميع من كانوا حوله لم يكونوا يفهمون ما الذي يفكر فيه هذا الطفل ..
يعتقدون أنه مجرد تعقيد و مرض أصابه مما رأى ، و أن أمره يُحلّ بكل بساطة بزيارة بسيطة إلى طبيب نفسي !
لكن خليل كان يعلم أن مرضه ليس له دواء إلا دم منير و ذله .. لن يكون هناك أقوى من ذلك الدواء لهذا الداء .. داء فقدانه أخيه ، و حسرة قلب أبيه ، و تشنج حياة أمه !


*


رومـا - ايطاليا


مهما طال حبل الكذب يظل قصيراً .. إن معرفة الحقائق و الاصابة بالصدمات واحدة تلو الأخرى ربما هي التي جعلته يترك " سديم " و يبتعد عنها ..
منذ خمس سنوات عرف أنه ابن " عَدنانْ " و ليس ابن سعود .. عرف أنه فقد والديه في حادث سير عندما كان لا يتجاوز الثانية من عمره ..
عرف أن عمّه " سعود " كفله ورباه .. و لم يخبره أنه ابن عدنان .. حتى أنه قد غيّر اسمه في الهوية الشخصية .. في تلك السنة بالتحديد .. أصيبت حبيبته بالسرطان الرئوي الذي أدى إلى فقدانها صوتها ..
تراكم المصائب عليه فوق بعضها دفعة واحدة جعلته يتصرف دون أن يفكر .. هو لا يعرف لِمَ إلى الآن لا يجرؤ على أن يخبر سعود أنه يعرف كل الحقيقة.. و أنه يشعر بالاختناق كلما قال له " يبه " .. و يتمنى أن يسافر الآن .. يعود للسعودية ليزور قبر والديه .. تلك الأمنية الوحيدة التي تجول في خاطره الآن .. الأمنية التي حرمه منها عمه سعود ..

لكن سرحانه و شروده الدائم كان كافياً ليجعل سعود يشعر أن هناك أمر ما يخفيه طالب في حجرات قلبه .. و لا بد أنه دوماً يتسائل في داخله : " معقول يكون عرف عن سالفة إنه ولد عدنان ؟ "

مضحك ذلك الأمر ، بما أنه يخاف من أن يكتشف طالب الحقيقة ، فهو لا بد إذاً أنه يعرف أن ما يفعله بحق طالب و بحق عدنان أكبر خطأ في التاريخ ، كما يعرف أنه لا يملك الحق أبداً في أن يخفي أمراً كهذا عن طالب ..!

دخل إليه في عيادته الخاصة بغضب و قال : طاالب وش فييك ؟؟ ليش مو راضي تستقبل المرضى ؟؟
تنهد بألم دون أن يرد عليه .. فأصر سعود بالسؤال : قوول ليش مو راضي تستقبل المرضى ؟
طالب بلامبالاة : خلهم يشوفون دكتور غيري ، أنا مالي خلق ..
ضغط على أسنانه بغضب و حاول أن يهدئ نفسه .. أخذ نفساً عميقاً و قال : كل هذا عشان سديم ؟؟
نظر إليه نظرة ساخرة .. و اكتفى بالصمت ..
سعود : اذا تبي أطلبها لك اليوم قبل بكرا ، بس يرضى عليك لا تظل بهالحالة و أنا أبوك !
طالب : و اذا أنا خطبتها ، اهية بتوافق بعد ما تخليت عنها ؟؟ راح يكون عندها ثقة فيني عشان تتزوجني ؟
تنهد سعود بألم على حاله .. لم يكن يتوقع يوماً أن طالب سيتخلى عن سديم في حالة كتلك ..! لكنه يتوافق معه في أن سديم لن توافق الآن بعد ما فعله معها في الماضي ..

اكتفى طالب بأن يفتح درجه يلقي نظرة إلى الصورة الصغيرة الملقاة في زاوية الدرج و يبتسم بألم .. صورة لسديم و هي في العاشرة من عمرها .. تجدل شعرها الأسود الذي لم يعد الآن بذلك السُّمك ، و ابتسامتها الطفولية تزين وجهها ..
مد يده ليتحسس وجهها الفاتن من خلال صورة كانت أقرب بكثير له من الواقع .. على الأقل كانت تكسر كل الحواجز التي وضعتها الأيام بينهما .. صورة تبتسم فيها لطالب ، تغنيه عن رؤيتها حزينة في الواقع ..




*



السعودية - جدّة


هي تتصرف بكل عفوية كما اعتادت ، و هو يراقب نظرات عزيز التي لم تبتعد حتى للحظة عن عزّة ، و كأنه يتعمد أن يفعل ذلك أمامه .. لولا الحياء لقام و طرده من منزله .. كيف يتفحص زوجته بنظراته أمامه دون أي شعور بالخجل !
ودعوهم عند الباب بابتسامة و قلب عزّة فرحاً بزيارتهم التي انتشلتها من حياتها المملة ..
أغلقت الباب خلفهم ثم أنزلت الحجاب عن رأسها و هي تقول : اووف حــرر !
اقتربت من الطاولة لتنظفها .. فقال طلال : خلصي و تعالي ، أبيكِ ..

ماذا يقصد بـ " أبيكِ " ؟ لم يتهيأ لها للحظة أنه يفكر في ذلك الأمر .. انتهت من ترتيب الصالة و تنظيفها ، ثم دخلت الغرفة لتجده مستلقٍ في السرير و غارق في التفكير ..
أكملت دخولها الهادئ دون أن تجد منه أي ردة فعل على دخولها ..
أخذت قميص نومها و دخلت الحمام لتغير ملابسها ..
خرجت بذلك اللون الذي ينير وجهها ، الأزرق السماوي .. انتبهت إلى طلال الذي اعتدل بجلسته حين رآها و بدأ يتفحصها بدقة ..
بخجلٍ التفتت إلى الدولاب لتعيد ملابسها إلى مكانها ..
لم تشعر بخطواته نحوها .. فقط شعرت بيد تطوق خصرها من الخلف و أنفاساً حارة تلفح عنقها ..
شعر هو بارتعاش جسدها .. فقال بهمس : أبيكِ ..
التفتت و قالت بارتباك : شلون ؟ شلون يعني تبيني ؟؟
أمال رأسه و هو يحدق بشفتيها المرتجفتان و قال : خايفة مني ؟؟؟
هزت رأسها بالنفي دون أن ترد .. دون أن تشعر وجدته يحملها بخفة و يتجه بها نحو السرير دون أي مقاومة منها ، فقط كان قلبها الملتصق بصدره ينبض بقوة ، خوفاً و عشقاً و خجلاً ..



*



الصباحات الباكية .. الصباح الذي يطل على من لم ينام طوال الليل .. يطل على عاشقين حتى في أجمل لحظاتهما لم يعترف أحدهما للآخر بحبه ! على أم تجلس متصنمة ولا يسمع صوتاً في غرفتها إلا صوت نبضات قلبها الحزين ..


السعودية - الرياض


بكفيه المتعرقين من كثرة التعب .. مسح وجهه بارهاق و قال : مووو معقوول هذا اللي قاعد يصير !
راشد : فوّاز .. خليني أجيب لك شي تاكله انت من أمس ما كليت شي !
فواز : راشد ، احنا قاعدين نواجه موضوع جداً خطير .. أناا وش فايدتي و فايدة دراساتي الجنائية اذا للحين موو قادر أقبض عالاشخاص اللي يخطفوا الأطفال و يسرقون أعضاءهم !
راشد : انت قاعد تسوي كل شي تقدر عليه و مو مقصر في شي ، الخوف يا فوااز الخووف .. يعني العصابة هذي مو مخلية أحد يوصل للمعلم حقهم ..و حتى لو أحد عرفه ماا يقول عليه .. هذاا الرجال معيش العالم برعب .. لا تحط اللوم على نفسك
فواز هز رأسه بيأس : شلون يعيشهم برعب و احنا موجودين .. احنا وش شغلنا ؟؟ مو شغلنا انا نحمي البلد و الأمن فيها ؟؟ راشد أنا اذاا ما وصلت لهذا الشخص خلال شهر زماان راح أستقيل من شغلي ..
راشد : وحد الله يا رجال وش هالكلام هذا ! انت لازم يصير عندك إصرار و تتحدى نفسك عشان توصل للي تبيه مو تيأس و تقعد تحط يدك على خدك و تتحسر !
فواز : 2003 صارت بتخلص و هذي العمليات تصير من ال 2000 و احنا كل مالنا نغرق في الوحل و تقول لي تحدى نفسك فيه تحدي أكثر من كذاا ؟ 3 سنواات ضحيتهاا آلااف الأطفال و تقولي تحدى نفسك !
وضع يده على كتفه و ضغط عليه : فواز ، انت الحين تعبان و مو قادر تفكر في شي .. انت عندك خبرة في الأمور الجنائية عمرها 10 سنواات يعني موو قليلة خبرتك و أكييد اللي قاعد يصير موو غباء منك أو من اللي يشتغلون معاك .. لكن في أيادي وسخة مدسوسة ، اهية اللي تبي هالعصابة تستمر ، و احنا بنكشفها سواء الحين أو بعدين .. الحين انت رد بيتك و ارتاح .. و كل شي له حل ..
بعد أن تنهد وضع يده فوق يد راشد الرابتة على كتفه ، ثم قام و أخذ مفتاح سيارته و عاد إلى بيته لينام و تستمر همومه في السهر عنه حتى إشعار آخر ..




*



رومـا - ايـطـاليـا

عام دراسي جديد ، الآن تدخل في عامها الجامعي الثالث ، كم هي سريعة الأيام !
متى دخلت الجامعة .. و الآن لا يتبقى لها سوى عاماً واحداً و تصبح " محامية " ..
و لكنها تعرف أنها ستتخرج و تعلق شهادتها على الحائط ، ثم تجلس أمامها باكية .. كيف تصبح محامية أو كيف يلجأ الناس إليها اذا كانت لا تستطيع التفوه و لا تستطيع أن تدافع عن الناس ، و لا تستطيع أن تؤيد الحق و تستنكر الباطل !
وقفت أمام باب القاعة تنظر إلى قائمة الأسماء لتعرف رقم مقعدها .. ضحكت حين وجدت أن مقعدها في الرقم 24 ، دائماً ما يلاحقها ذلك الرقم ولا تعرف ما سرّه ! و دائماً ما يكتب لها أن تجلس في الصفوف الأمامية للدكتور أوالدكتورة .. حين همّت بالجلوس على مقعدها ، وجدت ذلك الكتاب الذي اشتراه د.سيمون حين التقيا " صدفة " في مكتبة الجامعة .. و ورقة من وردة بيضاء اللون تخرج من غلاف الكتاب ..
انحنت و التقطت الكتاب ، ثم جلست لتفتحه فهبت رائحة الورد الذي نثره في داخل الكتاب .. و قد وضع ورقة بداخله كتب فيها بخطه الجميل ..
" White flower , is just like your heart .. the purity in your body .. the honesty in your eyes .. have a nice day .. Simon "
( وردة بيضاء ، تشبه قلبك .. نقاء جسدك ، و صدق عيناكِ .. أتمنى لكِ يوماً رائعاً ..سيمون )

ابتسمت بسخرية و هي تثني تلك الورقة و تلقيها باهمال في حقيبتها .. كانت تود لو تفتح الكتاب لتتصفحه ؛ لكن الدكتورة جوان دخلت و بدأت بإلقاء التعليمات الاعتيادية التي تلقيها في بداية كل فصل دراسي ..



*


السعودية - جدّة

في قمة نشاطها و سعادتها تستيقظ لتعد الفطور لزوجها ، الآن تستطيع أن تسميه زوجها .. لا تعلم ما الأمر الذي جعله يغير رأيه تجاهها بين ليلة و ضحاها .. بعد أن أعدت الفطور ، دخلت لتأخذ حماماً دافئاً بابتسامة لا تغيب عن وجهها .. خرجت لترتدي بيجامة حريرية ناعمة .. ثم جلست إلى جانبه لتوقظه ، لم تكن تعلم أنه مستيقظ ولكنه يغلق عينيه محاولاً أن يبعد ذكرى ما جرى في الأمس عن عقله !
عزة : حبيبي ، قوم يلا الفطور جاهز ..
بتمثيل النوم قال : افطري انتي انا مو بخاطري
اقترب منه و قالت بنبرة فيها شيء من الدلع : حبيبي معقول تخليني أفطر بروحي ؟ يلاا قوم
تأفف و هو يرفع اللحاف عن جسمه ، اعتدل بجلسته و قال و قد عقد حاجبيه : يالله صباح الخيرر اييش تبي ؟؟
مدت يدها تتحسس لحيته : ايش أبي يعني ابي حبيبي يفطر معاي قبل لا يروح شغله
مسك بيدها و أزاحها بقوة و قال بغضب : حبيبي ؟؟ من متى انشالله
نظرت إليه بصدمة : طلال شفيك ؟!! أمس كنا ..
طلال بلامبالاة : انتي قلتيهاا .. أمس كنــا .. كنــا .. يعني فعل ماضي نااقص و الحين ما في شي خلاص ، روحي افطري يلاا
وقف متجاهلاً ردة فعلها المندهشة على قوله ! و توجه إلى الدولاب ليأخذ منشفة و يستحم ..
كان يشعر بالندم تجاه " ريتال " زوجته المتوفاة .. يشعر أنه خانها بقربه من فتاة أخرى و إن كانت زوجته .. كان يريد فقط أن يجعلها زوجة فعلية له كي لا يجرؤ عزيز على اقتراح موضوع طلاقهما و زواجه بعزة !
كانت عزّة لا زالت تجلس على السرير و تحاول أن تستوعب انقلاب مزاجه بتلك السرعة ! رفّت عينها لتدمع و هي تسترجع ذكرى ما حدث بالأمس بينها و بين طلال .. طلبها فقالت لبيك ، لم تقاومه أبداً و أعطته كل ما في قلبها من حب و حنان و مشاعر كانت تخفيها في قلبها منذ صغرها .. و ها هو الآن يرفضها ، كأنها كانت مجرد جسد نال منه ما يريد ثم ألقى بها كأن شيئاً لم يكن !


*


السعودية - الرياض

منذ تلك الحادثة لم ترى أمه ابتسامته .. ربما كانت هي ما تنتظره لتعود إلى حياتها بشكل طبيعي ترافقها غصتها و كوابيس اليقظة التي لا تفارقها ..
ركض إليها بحقيبته المثقلة بالكتب و ابتسامته الطفولية التي يشعر من خلالها بالنصر و هو يقول : يمــه يمــه أخذت المرتبة الأولــى
ابتسمت بخفوت و هي تحتضنه و تساعده في الصعود إلى السرير ليجلس في حضنها ..
قالت بهمس و هي تفتح شهادة علاماته : يا قلب أمك ربي ما يحرمني منك
كاد يطير فيصل من الفرح حين سمعها لأول مرة تنطق بعد وفاة ابنها .. اقترب من طفله و احتضنه و هو يحمله و يلف به أرجاء الغرفة : فديييتك ياا قلب أبوووك فدييته اللي خلاا أمه تسمعناا صوتها الحنوون ..
بدأ يوزع قبلاته على وجهه بغبطة لا متناهية ..
ثم أنزله أرضاً بعد أن شعر بشيء من التعب .. جلس على السرير أمام زوجته و قال و هو يمسك بيديها : و أخيراً ياا عمري سمعت صوتك و ربي اشتقت له ..
ابتسمت ابتسامة خفيفة دون أن ترد ..
رفع أحد حاجبيه استنكاراً و قال : ايش يعني الكلام ما يطلع إلا لحبيب القلب خليل ؟؟
أخذت تلعب بأصابعها دون أن تنظر إليه : أنا آسفة .. انتوا كنتوا بحاجتي بس أنا ..
قاطعها و هو يضع يده على فمها : اشش ، لا تعتذري ولا شي .. اللي صار كان صعب علينا كلنا و اللي صار معاكِ كان طبيعي جداً .. ترى والله قلبي محترق على غدي .. موته جاء بطريقة بشعة .. يمكن لو مات بطريقة ثانية .. مثلاً مرض أو حادث سيارة .. يمكن كان تقبل موته علينا أسهل .. بس اللي صار ما يحمله القلب ولا العقل ، و في النهاية هذا أجله و انتهى .. الحمدلله عندنا خليل ربنا يخليه و يحميه لنا .. و صدقيني اللي عمل كذاا ماا بيرتااح و ربناا فوق اهوة اللي بياخذ حقناا منه و اذا وقع بايدي ياا ويله مني
دمعت عيناها و بدأت تشهق و هي تتذكر منظر طفلها المكفن .. احتضنها فيصل ليحتوي حزنها و هو يتحسس شعرها محاولاً أن يكتم عبرته : الله يهدي البال يا قلبي ..

في ظل تلك الاجواء .. فارقهما خليل إلى غرفته الذي جلس يتأمل علاماته و الدرجة الأولى التي أدرجت تحت اسمه بانتصار و فخر .. و هو يردد في داخله " من هناا بيبدأ المشواار "


*


في المكان المظلم ذاته .. في المستودع الموحش نفسه .. لا زال ذلك القذر يجتمع برجاله و يخطط معهم .. و يجتمع بالضعفاء الذي لا يمتلكون في الدنيا سوى المال الذي يدفعونه مقابل الحصول على أعضاء ليعيشوا هم أو أحبائهم و إن كان ذلك على حساب موت الآخرين ..

ذلك الشاب الذي لا يعرف من أين استطاع منير أن يدبر من يتبرع له بالقلب .. وضع ثروة هائلة بين يديه و قال بضعف : هذا المبلغ اللي طلبته يا دكتور .. متى العملية ؟؟
ألقى نظرة خبيثة إلى أحد الرجال الذي يقف في زاوية الغرفة ، و هز رأسه له بالتأييد..
فقال منير : العملية بكرا .. تيجيني هناو أنا آخذك للمكان اللي بنساوي فيه العملية .. لا تنسى إن معي عنوان بيتك و رقمك .. و اذا أحد درى بهالعملية نهايتك بتكون على يدي .. و أنا طبيب أعرف شلون أموتك من غير حس ولا خبر !
تأفف رامز من كثرة التهديدات التي تلقاها من ذلك الرجل : دكتور منير أتوقع كافي تهديدات أنا مابي منك شي إلا إني أعييش و أرجع لحياتي الطبيعية .. مابي شي ثااني و عشان كذاا ما في داعي تهددني كل شوي !
ابتسم و هو يحمل حقيبة النقود .. ثم قال : يلا تقدر تروح الحين .. بكرا 6 الصبح تكون عندي ..
ألقى إليه نظرة حادة ، ثم خرج من ذلك المكان الذي كاد أن يختنق فيه .. كل ما يعلمه رامز أن ذلك الرجل لا يعمل بشكل قانوني .. لا يعرف من أين يحصل على كل تلك الأعضاء .. لكن ليس بيده حيلة .. منذ أشهر و هو يبحث عن طريقة ليحصل فيها على قلب .. لكن ذلك الأمر ليس بتلك السهولة .. حتى أهل المتوفين يستعصي عليهم أن يعطوا قلب ابنهم لأي كان ، حتى و إن كان ميتاً !



*

روما - ايطاليا


تجلس كالمعتاد في وقت فراغها في الكفتيريا لتشرب الشاي .. تسمع كل تلك الأصوات المزعجة من حولها .. و تتمنى لو يكون صوتها دخيلاً بينهم !
رأت ريم تتقدم من بعيد بعجلة و تجلس على الطاولة تلهث ..فنظرت إليها باستفهام !
ريم بعد أن أخذت نفسها : انتي رحتي لعميد الكلية ؟؟
هزّت رأسها بالنفي متعجبة ..
أخذت ريم ترفع شعرها عن وجهها في ذلك اليوم الحار : هوة انتي ما شفتيش الاعلان اللي ع باب الكلية ؟
فتحت دفترها بملل و كتبت : اعلان شنو ؟؟
ريم : مكتوب الرجاء من الطالبة سديم جلال الشمري مراجعة العمادة ! هوة انتي عاملة ايه و العميد عايز يشوفك ليه ؟؟!
كتبت سديم : والله مادري ما سويت شي ! تونا أول يوم في الدوام وش بكون مسوية يعني !

أنهت الكتابة ، أغلقت الدفتر و وضعته في حقيبتها .. ثم حملت كوب الشاي و هي تأشر لريم بـ " سلام " ..

مشت لمدة 7 دقائق حتى وصلت إلى كليتها .. وقفت و هي تقرأ الاعلان .. صعدت الدرج بخوف ثم توجهت إلى مكتب السكرتيرة ..
كتبت لها في دفترها : can I see the dean
( هل يمكنني رؤية العميد ؟ )
قالت السكرتيرة : yes , you can
( نعم بامكانك )
دخلت سديم بعد أن طرقت الباب .. كان العميد يجلس على الكرسي و معطياً ظهره للباب ..
قال بصوت مسموع : welcome sadeem !
( أهلاً يا سديم )
لم ترد .. لأنها فوجئت به يلتفت بكرسيه .. ليظهر أمامها ذلك الجني الذي لا تدري كيف و أين و متى أصبح عميداً للكلية !
خافت و تراجعت للوراء .. فقال سيمون : how is the first day in this term ? Tell me
( كيف هو اليوم الأول من هذا الفصل ؟ أخبريني )
فتحت دفترها بحقد و كتبت : every thing is okay
( كل شيء بخير )
بابتسامة : did you get the book ?
( هل أخذت الكتاب ؟ )
شعرت بالخجل من أن تقول أنها أخذته .. فكتبت : no .. what do you want
( لا ، ماذا تريد ؟ )
اقترب منها ليقول بابتسامة و هو يحاول أن يتحسس وجهها : I want you , sadeem please understand me ! Really I cant think about anything except you ..
( أريدك ، سديم أرجوكِ افهميني .. فعلاً أنا لا أستطيع أن أفكر بشيء سوى بكِ )
ابتعدت سديم حتى وصلت إلى الباب .. رمقته بنظرة اشمئزاز .. ثم خرجت غاضبة دون أن تغلق الباب .. كان سيمون يقف في غرفته مبتسماً .. مندهشاً من قوة تلك الفتاة ..

خرجت بحركات سريعة و نبضات قلبها أسرع .. حتى وصلت إلى باب الجامعة و خرجت .. لتلقي بـ" طالب " أمامها ! قالت في داخلها حين رأته " يا ربي وش هاليوم ذاا "
استوقفها و هو يناديها : سديم ..
لم ترد و استمرت في مشيها .. فركض حتى وصل إليها و وقف أمامها ، ثم قال : تعالي أوصلك
نظرت إليه بحقد و ابتعدت لتكمل مسيرها ..
لم يحب طالب أن يضغط عليها أكثر من ذلك .. فهي محقة في كل ما تريد أن تفعل .. هو لم يكن رجلاً يستحق الثقة .. و لن يتوقع منها استقبالاً لطيفاً اذا أراد أن يعود إلى حياتها !




*


السعودية - الرياض

بغضب جامح و هو يقود سيارته بأقصى سرعة : راااشد الموووضوع وصل عنـــدي ! تجرأوو علي ياا رااشد !



( انتهى )


*


( التعريف بالشخصيات التي لم نتعرف عليها في الرواية )

منير : طبيب جراحي ، 54 عاماً .. كما رأينا في الرواية أنه رجل جشع و طماع .. حتى أنه باع ضميره المهني مقابل الثروة ..
فواز : محقق جنائي ، 43 عام .. لديه خبرة في مجال الجنايات و هو المحقق الذي يحاول الوصول إلى منير و عصابته ..
سمر : زوجة فواز ، 28 عام .. متزوجين للتو و لديهم طفلة اسمها " نور "
راشد : محقق جنائي مساعد لفواز و هو صديقه منذ أيام التدريبات العسكرية .. 43 عام ..
غادة : زوجة راشد .. 38 عام ، لديهم فاطمة و محمد و اسماعيل ..
طالب : ابن أخ سعود ، و لكن ما كان يعلمه هو أن سعود أبيه و ليس عمه و هو الآن يعرف الحقيقة و لم يقل لاحد .. 27 سنة ، طبيب أطفال ..
د.سيمون : دكتور في كلية الحقوق في جامعة سابينزا في روما .. 32 عام وسيم و ذو شخصية جذابة .. لن نتعرف إلى شخصيته الداخلية الآن سأترككم تكتشفونها مع الأحداث ..




*


البارت القادم و هو البارت رقم 5 .. سيكون آخر جزء للعام 2003 ..
أتمنى أن تنال الخماسية الأولى إعجابكم ..

سيكون البارت الخامس متاحاً بحد أقصى يوم السبت القادم ..
و اذا أتيحت لي الفرصة أن أضعه في وقت أبكر فسأفعل ..


توقعاتكم في الجزء القادم ..
1- إلى أين تسير الأمور بين سديم و سيمون الذي لا يكف عن ازعاجها ؟
2- طالب ما الذي يسعى إليه ؟
3- ماذا عن طلال وعزة ؟!
4- فواز .. هل سيصل إلى نتيجة ؟
5- منير و عملياته التي لا تنتهي ! أيعقل أن تكون عملية رامز هي التي تكشف عن كل ما يفعله ؟!


أتمنى أن يكون الجزء قد حاز على اعجابكم ..

أتمنى تشجيعاً أكثر ..


دمتم بسعادة .. أختكم * قَمـرْ ! *






 
 

 

عرض البوم صور قَمرْ  
قديم 13-05-18, 06:43 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: May 2018
العضوية: 329709
المشاركات: 22
الجنس أنثى
معدل التقييم: قَمرْ عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 24
شكراً: 0
تم شكره 14 مرة في 12 مشاركة

االدولة
البلدEngland
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
قَمرْ غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : قَمرْ المنتدى : الروايات المغلقة
افتراضي رد: كُربةٌ بكماء / بقلمي

 

" في حياة كل امرئ منا خيط رفيع ، يربطه بالحياة .. ما إن انقطع هذا الخيط حتى نفقد الرغبة بالتنفس و الاستيقاظ و التفكير ؛ و العيش ! "


مقتبسة من : رواية في ديسمبر تنتهي كل الأحلام / أثير عبدالله النشمي




*



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
مودتي لجميع المتابعين معي ..

اليوم ؛ ستتابعون الجزء الخامس من رواية : كُربةٌ بَكماءْ .. سيكون الجزء الختامي للخماسية الأولى .. و نهاية 2003 ..
ما هي التطورات التي تنتظر أبطالنا خلال آخر 3 شهور من العام ؟ تابعوا ..

أتمنى لكم قراءة ممتعة ..

أختكم * قَمـرْ ! *




( 5 )


صَيْفْ 2003 - أَيلـولْ



السعودية - جدَّة


إنَّ الشعور بالآخرين و مراعاةِ مشاعرهِم ، و المحاولة في المحافظة على قلوبهم التي يأتمنوننا عليها ، هي ليست صفة ًإنسانية ! و لا كَرَم أخلاقْ ، و ليست واجباً اجتماعياً .. هي خصلة جميلة تميز البشر عن الحيوانات ! و هي التي تخلق الود و الحب في عالمنا .. فاذا تخلّى عنها الانسان ستموت كل شعيرات الإنسانية في قلبه ..
لا زال يشعر طلال بالندم على ما فعل ، من جهة ما يرى أن يخون ريتال بعلاقته مع عَزّة ؛ و من جهة أخرى يظلم عزة حين يتركها تحلم ليلة كاملة أنها ستجد حياة جديدة في انتظارها في اليوم القادم .. لكنها تتفاجئ باستمراره على ذات النفسية المقيدة بعشق روح أصبحت تحت التراب .. نفسية لا تسمح له حتى أن يكون " إنساناً " .. جلست أمامه دون أن تتردد في اظهار بكائها أمامه ، تلك المرّة يجب أن يعلم أنها تبكي منه .. و لأجله ، و بسببه .. تلك المرّة الأولى التي تصارح فيها نفسها و تصارحه بدموعها التي دائماً ما كانت تخفيها تحت وسادتها .. مسحت دمعتها بطرف سبابتها ، و قالت بصوت مختنق : طلال ..
تأفف كثيراً ، وأعاد تركيزه إلى التلفاز دون أن يرد عليها بكلمة .. لكنها لم تكن تنتظر منه رداً هذه المرة ، لم تكن تنتظر رداً أو تبريراً .. كانت فقط تحتاج لأن تبوح بكل ما يستتر في ثنايا قلبها ، تحتاج لأن تصرخ بأعلى صوتها .. و تسمع العالم بأكمله أنها امرأة لرجل بلا رحمة ! أكملت بالنبرة ذاتها : ليش ساويت كذا ؟؟
" لِماذا ؟ " ذلك السؤال الذي يكرهه طلال ، و يكره أن يوجّه إليه في حالة كتلك .. يعجز تماماً عن إيجاد إجابة لهذا السؤال .. هو لا يعرف فعلاً ما الذي دفعه إلى ذلك بعد أن كان يرفضها رفضاً قاطعاً .. هل عبدالعزيز هو السبب ؟ أم أنه يحمل في قلبه لها عشقاً اًخرساً لا يستطيع التكلم ولا يسمح له بالحديث أبداً ! أم أن جسدها كان مغرياً لشاب مثله ؟ هناك عدة اختيارات و كلها تحمل نفس النسبة من الصواب و الخطأ .. ولا يعرف ما يجيب ؛ فكما يفعل عادةً .. سيتهرب من السؤال بالتأفف المزعج : اففف عزّة قوومي من هناا ماني طايق روحي !
لم يكن يتوقع أنها تحمل كل ذلك الغضب في داخلها ، كان يظن أنها مجرد فتاة مغلوب على أمرها ستبكي قليلاً ثم تجر أذيال خيبتها و تعود إلى غرفتها حين تراه يرفض أن يستمع إليها .. تلك الصرخة التي أطلقتها لم تكن صرخة اليوم أو الأمس ! تلك الصرخة كانت تضرب رحمها منذ أشهر طويلة و لم تولد إلا حين استطاع أن يسيطر عليها و يستبيح جسدها دون أي مقاومة منها .. : مـــا بــقوم قبل لاا أفهم ليييش سوييت فيني كذااا ؟؟ أنا لعبة عندك ؟؟ قوول أنا لعبة عندك ؟؟
لا زال يحاول التهرب بالتأفف و الاستهزاء بها : عزة لا تقعدي تسويلي فيها فيلم هندي و كأني اغتصبتك ! أولاً أنا زوجك و أخذت حقوقي يعني ما صار شي حرام بيننا .. ثانياً يا عزة لا تنكري إن اللي صار أمس بيننا كان لك فيه ثلثين الخاطر فلا تقعدي تسويلي فيها !
شدة غضبها جعلتها تكوّر يدها و ظفرها الطويل بدأ يمزق راحة يدها .. : اييه معاك حق انت زوجي و أخذت حقوقك ، و اييه صحيح كان لي ثلثين الخاطر في اللي صار مثل ماا انت كان لك ثلثيين الخاطر .. بس تدري وش الفررق ؟؟
صمت و هو يرمقها بنظرة استفهام .. ففوجئ بها تضربه بكفيها على صدره و تقول بانهيار : الفرق إني أمس حبيتك و كل شي صار كان من محبتي لك .. كان لي ثلثين الخاطر لأني أحبك وأبيك زوجي و لي أنا و بس .. أماا إنت ! ما كان هامك غير شهواااتك و غراائزك الحيواانية ولا كنت تفكر فيني بذرة حب ياا طلال ولاا ذرة حب..
تنهّد و حاول أن يخلّص نفسه من التهم التي ألصقتها به : هذاا الكلام موو صحيح .. انتي أغريتيني ياا عزة و أنا ما قدرت أتحمل هذي كل الساالفة..
هزّت رأسها بتأييد لكلامه ، و أردفت بنبرة حادة : اييه وهذاا شي يأكد إنك ما تهتم إلا لشهواتك ! و أكيد حسيت بالخيانة تجاه حبيبة القلب ريتال ..
ضغط على أسنانه بغضب ، رفع سبابته و أشار لها بتهديد : سيررة ريــتـال ما تنذكر على لسااانكْ فـاهمة ؟؟
أمسكت بإصبعه بكفها و أغلقته على اصبعه : لا تهددني يا استاذ طلال ترى لما أجيب سيرة حبيبة القلب ما ينقص من قيمتها شي .. و انا بعد بنت عالم و ناس و اذاا ما تبيني طلقني !
عقد حاجبيه و هو يراها تضغط بقوة على اصبعه و الكلام الذي يسمعه لم تكن تقوله من قبل : وش تقولي ؟ من وين هالكلام ؟
تركت يده و ابتعدت حتى وصلت إلى باب الصالة : والله هذا اللي سمعته ، و على سالفة من وين هالكلام يا ليت تراجع قسوة قلبك عشان تعرف ..
التفتت خارجة من هناك .. توجهت إلى غرفتها لتعود إلى جلستها التي لم تفارقها منذ الصباح .. طلال كان يجلس في الصالة و يفكر و قد اجتمعت شياطين الانس و الجن حوله .. من أين خرجت عزّة بفكرة الطلاق الآن ؟؟!





*


السعودية - الرياض

ظهر اليوم التالي..

حين نقرر أن نعيش تحت مقولة : " ماشي الحيط الحيط و أقول يا رب الستر " ، حينها ستجد أنه لا مفر لك من المصائب ؛ و ستجد أن مشيك ملتصقاً بالحائط لم يحميكَ و لم يفيدك .. و سترى أن الذي لم يكن يستهدفك تجرأ الآن عليك و على عائلتك !

سياسة واحدة معروفة .. يترك الأب أطفاله يلعبون حول سيارته حتى يتمكن من دفع فاتورة احدى المحال التجارية .. يأتي أحدهم و يختطف الأطفال بكل قلب بارد ! تلك المرة السقوط كان مع فوّاز ؛ سقوطاً يشبه السقوط في الهاوية .. حيث أنه أسرع حين رأى ملثماً يقترب من ابنته ، يغطي وجهها و يحملها نحو سيارة " بلا نمرة " ..

ركِبَ سيارته و رفع سماعة جواله .. بغضب جامح و هو يقود بأقصى سرعته قال : راااشد الموضوع وصل عندي ! تجرأوا علي ياا رااشد !
عقد راشد حاجبيه خوفاً و قال : اهدى اهدى ايش صار فهمني ؟؟!
بأنفاس متسارعة قال : الحين اطلع من بيتك الطريق اللي أنا فيه يودي لبيتك و خذ الشمال بعد ما تطلع .. حتى لو تبي تخالف القوانين .. السيارة قدامي و خايف أضيعها .. لونها اسود و ما عليها نمرة و نوعها مرسيدس 96
بالرغم أنه لم يعلم ما الذي كان يقصده فواز بكلمة " تجرأوا علي " إلا أنه تناول مفتاح سيارته و خرج من بيته مسرعاً .. أخذ سيارته و سار في طريق اليسار مخالفاً للسير و لم يبالي بشتائم أصحاب السيارات الاخرى التي كاد أن يصطدم بها .. فوّاز كان معه على الخط يخبره بخطة السير كي لا يفلتوهم من أيديهم .. ذلك الرجل الذي اختطف ابنته كان يشعر بأن فواز يراقبه .. لكنه لم يكن يعلم أن هناك سيارة ستظهر له من الاتجاه المعاكس و تستوقفه ! دعس على " البريك " بسرعة حين فوجئ بتلك السيارة تخرج كالجن أمامه ، بدأ يدوّر دولاب القيادة ليتجاوزه و يمشي .. لكن فواز كان قد وصل .. نزل من سيارته و أخذ يطبل على باب السيارة السوداء بشكل مخيف جعله يسمع صوت ابنته تبكي ، فكاد أن يفقد عقله .. ازدادت ضرباته على نافذة السيارة المظللة قوةً و هو يقول : لاا تحاول تهرب .. افتح الحين أحسن لك..
نظر " همّام " إلى "ناصر " الذي يجلس إلى جانبه بتردد و خوف .. بقلة حيلة قال ناصر : خلينا نفتح الباب الخلفي نقط البنت و نهرب !
همّام : مجنون انت ؟ تبي منير يذبحنا !
قال بغضب : أجل وش نسوي نخليهم يمسكونا ؟؟
تنهد همّام بتفكير عميق .. في تلك اللحظات ، فوجئوا بشابين يكسران نوافذ الشبابيك بعصي خشبية .. فارتجف كل منهما و التصقا ببعضهما ! اقترب فواز من همّام السائق و شده من ياقة قميصه ، مدّ يده و سحب مفتاح السيارة بعد أن فتح الأبواب .. أخرجوهما من السيارة بقوة و ألقوا بهم في طرف الرصيف .. وجه فواز كلامه لراشد : راشد ؛ انتبه عليهم .. اتصل في المركز خلهم يبعثون دورية تاخذهم ..
هز راشد رأسه بالموافقة و هو يسلط سلاحه نحوهم حتى لا يفكروا بالهروب .. فوّاز فتح الباب الخلفي للسيارة و حمل ابنته التي تبكي خوفاً و رعباً مما رأت .. احتضنها بلهفة و قال و هو يُقبّلها : يا قلبي إنتي يا عمر أبوك ؛ الحمدلله إني لحقت عليكِ يا عمري
قالت الطفلة و هي تفرك عيانها بخوف : من هذولا يبه ؟
سار بها حتى وصل سيارته .. وضعها في المقعد الخلفي و قال بهدوء : لا تخافي حبيبتي ما في شي لا تخافي هذولاا .. أصحابنا و كانوا يمزحوا معانا ..
قبّل رأسها بحنان ، أغلق باب السيارة و وقف إلى جانب راشد و هو يرمق ناصر و همام بنظرات غاضبة و حاقدة .. قال متوعداً : والله لأربيكم اصبروا علي ..
أنهى تهديده و التفت إلى راشد : أنا رايح أوصل جوري عالبيت و راجع عالمكتب .. أنا أبي أحقق معاهم اتفقنا ؟؟
راشد : ولا يهمك .. المهم توصل البنت عالبيت ..
ربت على كتفه بخفة .. ثم عاد إلى سيارته و تحرك إلى بيته .. راشد ظل واقفاً على ذات الوضعية بعد أن كبّل يديهم .. ناصر و همّام باتوا يشعرون أن نهايتهم أزِفت ! كل ذلك الخوف و المخاطر التي يعرضون أنفسهم لها .. فقط لأجل أن يحصلوا على المال الذي ليس بامكانهم كسبه بالحلال .. أناس يبيعون أنفسهم مقابل المال ! هذا ما كان يستجد في البشر الذين يقابلهم فوّاز في عمله .. بشرٌ لا يقدرون نعمة الله عليهم .. ولا يخافون من اليوم الذي سيقفون فيه بيني يدي بارئهم ! و هذا ما يخيفه في عمله .. أيعقل أن يرى شيئاً أفظع من ذلك في الأيام المقبلة ؟





*



حركتها الخفيفة في البيت رغم بؤسها ، أعادت له الحيوية .. انطفت العقدة التي تزين وجه خليل قليلاً .. كليهما كانوا بحاجة إلى أن يقف أحدهما إلى جانب الآخر .. هي تحتاج بسمته ، و هو يحتاج إلى أن يشعر بوجودها في البيت ! لمستها الرقيقة حين ترتب له غرفته .. طعامها المميز و إن كان مالحاً .. فقط إن وضعت يدها في شيء تجعله أجمل مما هو بألف مرة ! حين يجد نفسه و أخيراً عاد كباقي الأطفال في مدرسته لديهم أم تهتم بهم و تستقبلهم بحنان حين عودتهم من يوم شاقٍ في المدرسة .. بذلك يتشجع أكثر ليستمر في ما يسير عليه بشأن منير .. قرع الجرس ينتظر أن تفتح أمه ليلقي حقيبته الثقيلة جانباً .. اقتربت أمه التي باتت أي حركة حول الباب تخيفها ، لتسأل بصوت مرتجف : مين ؟
جاء صوته الطفولي ليطمئنها : أنا خليل يمه ..
ابتسمت براحة و فتحت الباب .. قفز ليحتضنها حالما فتحت الباب .. نزلت إلى مستواه لتحتضنه براحتها ، سألت : شلون المدرسة اليوم حبيبي ؟
بقلب مثقل بالهموم أجاب : الحمدلله بخير ..
أنزل حقيبته عن كتفه بتعب .. تحسست أمه وجهه المتعرق و قالت : حبيبي فوت تروش عبال ما أجهزلك شي تاكله ..
تحرك من أمامها دون أن يرد .. دخل ببطئ إلى غرفته ليحضر ملابسه .. في الخارج ، حملت سلوى حقيبته و هي تراقب حركاته بألم .. ذلك الطفل خلال أشهر قليلة كبر و أصبح يحمل في داخله هموماً لا تليق بقلب طفولي كقلبه .. قلب يفترض أنه يهتم الآن بكتبه و ألعابه و أفلام الكرتون ! تحسبت كثيراً و هي تتذكر دخول خليل وغدي سوية إلى المنزل بضحكاتهما المزعجة و ألعابهم التي تنير البيت ، و شجاراتهم المشاكسة .. " يا ليتني فقدت عين من عيوني ولا فقدتك يا غدي .. " مسحت دمعتها بشكل سريع حين سمعت صوت مفاتيح فيصل يداعب باب المنزل .. استقبلته بابتسامة و بعين محمرة .. دخل المنزل مرتاحاً لعودة بسمتها إلى بيته .. اقترب منها و قبّل جبينها : شلونك حبيبتي ؟
هزت رأسها و هي تبلع غصتها : الحمدلله .. الحمدلله ..
حاول أن يتجاهل احمرار عينيها .. فقال : خليل رد البيت ؟
سلوى بخفوت : ايه اهوة الحين يتروش .. و أنا بحضر الغداء ..
أزال العقال و قال : يلاا بسرعه عشان أرد الشغل ..
دخل إلى غرفته و استلقى على السرير و أغمض عينيه و هو يتذكر ابنه غدي و لحظاته الجميلة معه ..سلوى دخلت إلى المطبخ و هي تحاول قدر الامكان أن تبدأ حياتها من النقطة التي وقفت عندها .. و تحاول أن تعود الزوجة المرضية لفيصل ، و الأم الحنون لخليل ..


*

رومـا - ايطـاليـا





تشتت هي ليست بحاجته في وقت كذلك .. " لماذا يلاحقني سيمون ؟ و ما الذي أعاد طالب الآن ؟ ماذا يريدان من فتاة بكماء مثلي .. حتى صديقاتي في الجامعة قلة بسبب بكمي و عدم قدرتي على تجاذب أطراف الحديث معهن ! الثقة بالنفس أمر صعب و ليس بتلك السهولة التي يراها الجميع حين يطلبون من الآخرين أن يثقوا بأنفسهم .. بكل بساطة يقولون : خليكي واثقة بنفسك ! أي ثقة تلك التي ينادون بها لفتاة في مثل حالتي ؟ حتى المجتمع لا يرحمها .. كل من حولها يحاولون أن يستغلون صمتها .. و من لم يحاول استغلاله حاول أن يبتعد عنها قدر الامكان .. حتى طالب الذي كان كل أمنياتي .. تركني في أصعب ظروفي .. ربما كان يظن أن مرض السرطان الذي أصابني قد يصيب أحد أطفاله بالوراثة ! و لكنه بعد أن تعمق في دراسة الطب اكتشف أن السرطان لا علاقة له بالوراثة ، و هذا هو سبب عودته .. تضيق أنفاسي كلما مرت علي تلك الذكرى .. حين قال لي أنه يحبني ، و أنه لن يتخلى عني مهما كان الظرف.. هل أخلف هو بوعده ؟ أم أن ظرفي كان أقوى من كل الوعود ؟! لن يغير ذلك من الأمر شيئاً .. و بعودته لن تعود الثقة التي دفنت مع دفني لصوتي .. "

أغلقت دفتر مذكراتها و هي تبتسم بألم ممتزج بالأمل .. تتمنى لو تتغير حياتها بين ليلة و ضحاها .. لو تعود طفلة في الخامسة عشر من عمرها .. و لو أن السرطان يشفق على براءة عينيها فيبتعد عنها دون أن يؤذيها .. مدّت يدها النقية إلى حقيبتها لتخرج نظارتها الطبية ؛ فوقعت على الكتاب الذي أهداها إياه سيمون .. ابتسمت و هي تتذكر الكلمات التي كتبها في ورقة صغيرة داخل الكتاب .. و رائحة الورد المنثور في داخل الكتاب سيطرت على حقيبتها و تعلقت تلك الرائحة في أنفها .. فتحته لتتصفحه .. يبدو أن سيمون لم يخطئ حين قال لها أن اختيارها كان موفقاً .. عادت لتغلق الكتاب بسخرية و هي تتخيل أن سيمون فعلاً يقع في هاوية عشقها .. هل ستسمح لنفسها أن تعيش قصة وهمية مرة أخرى ؟ سيمون يلاحقها و هي يعلم أنها بكماء .. أما طالب ، فقد تركها عندما أصبحت كذلك ! هذا هو الفرق بينهما.. لكنها حقاً لا تعرف من منهما الصادق ..



*


لعلَّ بكاؤها ألان قلبه قليلاً .. و أشعل فيه نيران الاشتياق لصوتها الفيروزي ذو البحة الكاظمية ! و حسرة قلبها أنارت بصيرته ، ليتوجه أخيراً إلى عيادة صديقه سعود .. و يستسفسر منه عن اجراء العملية لسديم ! ابتسم سعود حين رأى ذلك التغيير الذي طرأ على صديقه بشأن ابنته .. و قال بعد تفكير : خليها تزور المستشفى بعد يومين نسويلها فحوصات هنا عشان نعرف نحدد شكل العملية و وقتها و ظروفها ..
بقلق : سعود ، إنت متأكد إن العملية بتنجح ؟ مابي نفسيتها تتحطم أكثر !
سعود بارتياح ليطمئنه : باذن الله بتنجح .. قلت لك نسبة نجاح العملية 90% ..
بصوت خافت قال : يعني باقي 10% احتمالية عدم نجاح العملية !
وقف ليخرج من خلف مكتبه و يجلس على الكرسي المقابل لكرسي جلال .. و قال بابتسامة : توكل على الله .. هذي نسبة قليلة جداً .. و ان شاء الله سديم بيرد لها صوتها و بيكون أحلى من أول بس إنت توكل على الله !
جلال بعد أن تنهد : و نعم الاتكال .. إلا بقول وش أخبار طالب ؟
تنهد كثيراً و حالة طالب لا تغيب عن ذهنه ، بقلق : والله مدري يا جلال عن هالولد بيجنني !
بسخرية قال جلال : ليش وش عنده هموم ؟؟ يعني بعد ما تخلص من مصيبة بنتي ما اتوقع في شي يكدره ! و بعدين ما احد لامه يوم قال إنه ما يبيها
سعود : والله يا جلال انا قلت له إننا عيب نخلف بوعدنا بعد ما قريت الفاتحة مع أبوها ! و ..
قاطعه بصوت مرتفع : لا لا ، لا عيب ولا شي و الحمدلله إن تركها من أول الطريق مو من آخره .. ما أحد يلومه ..اهوة حر يسوي اللي يبيه بس أنا بنتي قلبها انكسر و هذا اللي مزعلني .. و ترى فيه 100 مثل طالب و أحسن بعد يتمنون سديم و اهية مثل ما اهية على حالتها ..
تنهد سعود بخجل ، ثم قال : بس الولد صاير عليه شي .. متغير مرة ! أنا خايف يكون عرف عن سالفة أمه و أبوه
تأفف جلال بملل و قال : و انت ليش للحين مخبي عليه هالحقيقة ؟؟ ترى من حقه يعرف من أبوه و من أمه !
سعود : ياا جلال أناا غلطت لما ساويت هالشي من الأساس كنت أبيه ما يحس بالغربة عندي و ما أبيه أعيشه احساس اليتم و اهوة طفل حتى ما كان يعرف يتكلم ! بس الحين ما اقدر اقول له لأني بخسره !
جلال : في النهاية راح يعرف و يعرف منك أحسن ما يعرف من الغريب .. لأنه اذا عرف من الغريب فعلاً راح تخسره ..
مسح وجهه بيديه ثم قال : خلينا من هالموضوع الحين .. المهم عملية سديم .. أنا راح أكلم الدكاترة و اهية لا تتأخر علينا عشان نحددلها موعد مناسب ..
وقف جلال و هو يحمل محفظته و مفتاح السيارة : ان شاء الله .. توصي على شي ؟
ابتسم بخفوت : سلامتك ..
: يلا سلام ..
: في أمان الله ..!



*


السعودية - الرياض


تأففها المزعج دائماً .. خوفها من الحياة معه .. كلماتها السامة التي تلقيها إليه كلما شعرت أنه يتعرض للخطر .. كلها كانت تشكل جزءاً من توتره اليومي .. كل ذلك الترف الذي تعيش فيه بحكم منصب زوجها لم يعطيها الأمان معه أبداً .. صرخت في وجهه بقسوة :فواز أنا ما أقدر أتحمل هالحيااة اللي كلهاا خووف اليووم بنتي و بكرا مدري منوو ! انت خلاص لازم تترك هالشغل لغيرك انت عندك عائلة حرام اللي قاعد تساويه فيني
بلامبالاة أجابها : سمر ، انتي تزوجتيني و انت عارفة وش شغلي و مخاطره و ما اعترضتي ! الحين جاية تعترضي ؟؟
سمر : فواز ! افهمني أنا مابي أخسرك أو أخسر بنتي ..
صرخ بغضب : يعني و اذا أنا تركت الشغل بيتركونا بروحنا ؟؟ راح يتجرأوا علينا أكثر ياا سمر و أنا الحين صاار عندي اصرار أكثر من قبل إني ألقي القبض على هالعصابة و والله ما راح أهدى إلاا لين أقطهم كلهم في السجوون .. " نظر إليها و هي تطأطئ رأسها في الأرض .. أخذ نفساً هادئاً ، اقترب منها " قال بحنية : حبيبتي انتي لازم توقفي معي مو تمنعيني من الشي اللي قاعد أسويه ! هذا الشي فيه مصلحة الناس و مصلحة البلد عشان كذا إنتي لازم تكوني معي مو ضدي ..
ببكاء يوضح خوفها الذي يسكن أعماق قلبها : تخيل لو ما لحقت على نور اليوم ! وش كان صار فينا ؟
تنهد و أغلق عينيه ليبعد تلك الخيالات عن عقله ، اقترب منها و احتضنها بهدوء و هو يهمس في أذنها : حبيبتي لا تفكري بهالكلام .. اللي كانوا بيخطفوها صاروا بايدينا و ان شاء الله هالموضوع بينتهي ..
ابتعد عنها و هو يقبّل رأسها بحنان .. ابتسم لها بخفوت و قال : انتبهي على نفسك و على نور.. أنا راجع الشغل ..
ردت له الابتسامة بذات الخفوت و قالت : ما تبي أحطلك غداء ؟
دون أن يلتفت إليها أكمل طريقه نحو الباب و قال : لاا بعدين بعدين ، يلا سلام ..
: مع السلامة
راقبته حتى خرج .. تنهدت بخوف و قلق .. اقتربت من ابنتها التي تلعب جالسة على الأرض واحتضنتها و هي تحمد الله على عودتها لها ، و تدعوه أن يحميها ..



*

يتبع






 
 

 

عرض البوم صور قَمرْ  
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ قَمرْ على المشاركة المفيدة:
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
بقلمي, بكماء, كُربةٌ
facebook



جديد مواضيع قسم الروايات المغلقة
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 08:47 AM.


مجلة الاميرات  | انستقرام  | منتدى بريدة 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية