لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





|[ فعاليات منتديات ليلاس]|

.:: الفعالية 1 ::.

.:: الفعالية 2 ::.

.:: الفعالية 3 ::.

.:: الفعالية 4 ::.

.:: الفعالية 5 ::.

.:: الفعالية 6 ::.



العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

قصص من وحي قلم الاعضاء قصص من وحي قلم الاعضاء


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-09-17, 08:50 PM   المشاركة رقم: 376
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 



الفصل التاسع

مدخل ~

بقلم / زينه 4

من ماريه لتيم
(هُنَالِكَ حُبّ ...! )
ي......... رجل السفر
ولكن دماء اجدادك التي تجري داخلك ..تشدّك دائماً للرحيل..عني
فلا يعرف قلبك الاستقرار ولا الحب يبدو ،،
لن تعرف مكاناً واحداً يجبرك ع المكوث ..!
ولن تقبل بـ أنثى تسير حياتك ..
اذاً

هنالك حُبّ فقير هو حبي لك ، ومن طَرَفٍ واحدٍ ....!
(هُنَالِكَ حُبّ ...! ) من طفولتي المشتته الى نضوجي
وبين السمـاء وفي عينيه وجنون قلب عاشق هو انـا !
والموعد عودتك
فـ كل شيء في قلبي يكبُر ببطء منذُ رحلت ،
وحدكَ الأسرعُ في النمو دائمًا ... !
وعندما نزلت ع من السماء كما أتوقع بـ احلامي
اسرتني وجعلتني مختومه بك !
قالوا لي من حكاياتهم في غيابك!!
هناك عجوزٌ في قريتهم تبيعُ الحبّ في أكياس للماره ..
وتهمسُ لزبائنها أن "إنتبهوا ..! .. الحبّ يموتُ سريعًا حينَ يلامسُ الهواء!"
هل هو حقيقـه ي تيم ( او تيموثي كما احب )
رائحةُ اللقاء الأول بك لازالتْ مبثوثةً في حلمي
كل ليله نلتحف خيوط الشمس كل حلم ،
ونمُسد الهواء الذي يدغدغنا انا وانت فقط ...
أغرقك بإبتسامة عابرة ، وتغرقني بــ دمعة رحيل دوماً
تغمسني في البكاء حنينًا لكـ ، ..
.ولكن هل للنسيان إرادة أعمق لتتجمد الصور
من ذاكرة الروح من قبلك حتى تغيب عني كل هذا الوقت!

أتعلم
أني أهدرتُ السنوات من عمري والاشهر و الساعات ركضاً نحوَ لقائك ....
وأنّي تعثّرتُ كثيراَ بحصى الطريق وسقطت...
وتألّمت ...هل تسمع!!

ولكني فقطْ و لأجلك ...
لملمتُ نفسي وصبرت وبقيت انتظرك بقوىً عرجاء !
وقد أتيت !
و لكن تُلقيتني بجفاف كــ عادتك وأنت طفل ّ ...
عطشتُ لأجل إرتوائك ...ولم ترويني
وعندما سقطتُ لأجل إحتوائك لم تكن معي !

لاعلم مصيري معك وما طريقي يكون واخاف الخذلان والهجر لا احتمله
لاتقتلني مرتين ايه القريب البعيد
وانا طفله والان صبيه تنتظر السقاء بعد الجفاف
ف حينَ تضعني بين الجمود والبرود دمعتين تقف في محجر عيني
ونغمة حزن و تموت حكايتي معك!...
و حماقةُ اللحاق بك كما كنت طفله والتعلّق ببقايك حتى لا أفقدها
لن افعلها !..
ومن وضعته في جيبي ... وسقط على التراب لن التقطه ..
فـ أغفر لي ،
اذأ أخطأت في يقيني بحقك واجزمت بحياه جميله معك ولكن باللقاء
. شيء آخر لا علاقة له بالعطاء. الحب الذي اكنه لك فيبدو أكبر حالة التباس.
أن نحب رجلا لا يلتفت نحونا مطلقا ونبني قصور بالهواء
فهذا مايبدوا لي هل ستكون جلادي وحزني الأبدي.
و ذلك كله يختبئ عطش الروح. منك فلا شبعت منه وصغيره ولا يبدو منه كبيره!!
فـ كل شيء يشبع بالشكل الكافي مما حوله ماعدا انا !!
فـ ي انت !!
الحب عندما يصبح واجبا فقط ، من الأفضل التخلي عنه نهائياً!!
فـ أجمل الغيوم أحلاها، ولكن قد تكون فارغة و جافة.فــــــــــــــ
هنا لاتتنظـرني فلن أعود كما كنت !
علا الحب يطرق بابك يوماً و تدرك قيمتي بعدها
ومن قسوة الواقع الى غيمة بنفسجية في جنة الأحلام تكـون !

لتدرك كم هو جميل الحب ولكنك اضعته ....
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــابحث عنى..!!!

*************

نظر لشاشة هاتفه ثم للمكان حوله ولم يعرف ما عليه فعله ؟

لا يمكنه المغادرة قبل أن يجدها لكن يجدها أين تحديدا ؟

قدمها مصابة كما يدها أيضا فلن تكون ابتعدت من هنا

إلا إن كان ثمة من دخل وأخرجها ... جده رواح مثلا أو .... نجيب .

ركض عند تلك الفكرة جهة الباب وما أن وضع يده على مقبضه
حتى وقف مكانه ونظر جهة الممر الشرقي والوحيد في ذاك المنزل ...

هل يمكن أن تكون هناك ؟

هو الممر الوحيد في الطابق والذي لم يتفقده ورغم استبعاده للفكرة

إلا أنه تحرك لا شعوريا جهته وما أن وصل له ونظر للنور المنبعث

من الباب الوحيد فيه وقف مكانه ومرر أصابعه في شعره متنهدا

بارتياح لم يعرفه سابقا فذاك الباب كان مغلقا وهو لم يفتحه .

تحرك من مكانه متمتا

" زيزفون يا زيزفون .... ما الذي تنوين فعله بي تحديدا ؟ "


وصل الباب المفتوح ووقف أمامه ونظر للأعلى متنهدا بعمق

ما أن وجدها هناك فهواجسه لم تتركه حتى رآها

ولم يتخيل أن تكون هنا حيث المرسم المليء باللوحات المائية

والزيتية المرتبة بعناية ، واجهته الشرقية عبارة عن زجاج لتعطي

المكان نورا قويا وطلائه أبيض ناصع .

عاد بنظره لذاك المشهد الذي لم يشوه جماله سوى الشاش الطبي

للمرأة الواقفة أمام نور الشمس المنبعث من الزجاج بجانبها

بفستانها الأبيض الذي يكشف عن ذراعين ناصعتين البياض

تداعب بشرتهما الناعمة خصلات من شعرها الذي توهج

بشقرة فريدة من نوعها تحت أشعة شمس بداية الربيع.

تقف مواجهة لإحدى اللوحات تنطر لها بإمعان ولم تشعر بوجوده

حتى تحرك واقترب جهة الداخل قليلا فنظرت له فورا وفي صمت

فتنفس بهدوء فملامحها هذه المرة تبدوا أكثر استرخاء منذ موجهتهما

العنيفة تلك بل تبدوا له غير مبالية ولا مكترثة وهذا وجه آخر جديد

من وجوهها المتعددة والتي هو متيقن من أنها تخفي خلفها جميعها

مشاعر مختلفة عن كل تلك الأقنعة وهي الكره والحقد والغضب

العاصف كالذي أخرجته فجر أمس يشبه وحشا تحرر من قفصه المغلق

عليه بإحكام لأعوام طويلة .

أبعدت نظراتها تلك عنه وعادت بها للوحة أمامها مجددا فأبعد

هو أيضا نظره عنها متنهدا بيأس ليقع حينها على العصى الطبية

التي رفضت سابقا استخدامها فهل بمساعدتها نزلت السلالم ؟

لكنه أمر شديد الصعوبة خاصة أن يدها اليسرى مصابة

فبأي عزيمة وقوة إرادة فعلت هذه الفتاة ذلك ؟

وكم من ألم هذا الذي تحملته لتنزل ؟ وما السبب ؟

فلن يكون هذا المرسم وهي لا تعلم عنه !!


" رأيت عدة رسم في الخزانة في الأعلى فعلمت بأن هذا المكان

سيكون موجودا هنا إن كان ما يشغل بالك سبب نزولي

ووصولي إلى هنا "


مرر أصابعه في شعره وتنفس بعمق ونظره على نصف وجهها

المقابل له ثم قال

" ليس هذا ما أتسأل عنه بل متى تنامين يا زيزفون ؟

إلا إن كنت تنامين وعيناك مفتوحتان "


ساد الصمت المكان ولم تعلق حتى ظن أنها تهمل سؤاله

كجميع تلك المرات لكنها فاجأته حين قالت ببرود

" سأجيب هذه المرة علك ترحمني من السؤال التالي "


وتابعت بسخرية وقد رفعت أناملها تلامس بأطرافها قماش

اللوحة أمامها وكأنها تختتبر جفاف الألوان عليه

" أنا لا أنام يا وقاص أو بالأصح لا أسمح لنفسي بالنوم "


نظر لها بصدمة ودون أن يسأل أو يستفسر عن أي شيء

فقد فهم السبب ... تهرب من الكوابيس لكن عن ماذا تحديدا ؟

وكيف لبشر أن لا ينام أبدا ؟

ذلك مستحيل لكانت تضرب الجدران برأسها من الألم .

وكما توقع وككل مرة كانت تقرأ أفكاره بكل سهولة

فقد نظرت له وقالت

" لذلك عليك جلب الأدوية الخاصة بي من هناك فلن يستحمل

جسدي أكثر من سبعة أيام دون نوم "


أخرسته عن الكلام تماما ليس بسبب معرفته أنها لا تنام

دون مهدئات ولا لأنها تستطيع احتمال فترة أسبوع كامل

مؤكد لن يمضي دون ألم ولا بوحها ولأول مرة بنقص ما فيها

ونقطة مبهمة جديدة عن ماضيها بل بسبب ريشة الرسم التي

وضعتها من يدها ، أمسكت المنديل وقالت وهي تمسح يديها

ونظرها عليها

"ما كان عليا أن أتصرف في شيء بدون استئذان لكن مالكها

لا يمكن استئذانه ومن الظلم أن تبقى هذه اللوحة ناقصة بعد

موت صاحبها "

وكانت هذه الضربة الأعنف له فرفع رأسه عاليا وهمس بأسى

" آه بربك زيزفون أنتي ستصيبينني بالجنون بالتأكيد "


ونظر لها مجددا حين قالت ببرود

" الأحمق فقط من لا يمكنه أن يدرك ذلك "

اقترب حينها جهتها ووقف أمام اللوحة التي كانت ناقصة

واكتملت الآن .

وقف مذهولا مما يراه أمامه هامسا بكلمة ( رائع ) التي خرجت

دون استئذان منه فهذه اللوحة كانت بالفعل ناقصة ..

عبارة عن محيط بلون الغروب وقمر مكتمل بلون رمادي

خالطه البياض يناقض حمرة الشفق حوله كبير ومستدير

وثمة بقعة مظلمة في المياه البرتقالية تحته ، أما الفراغ في
اللوحة فكان يبدأ من منتصف القمر وحتى بداية البقعة السوداء

والذي كان عبارة عن قماش أبيض تماما وكأن صاحب اللوحة

تعمد تركها هكذا قبل موته والذي يكون شقيق إيلينا الأكبر

والمتوفي قبل عام ونصف تحديدا وصاحب كل اللوحات الموجودة

في ذاك المرسم والتي كان يرفض إخراجها للنور رغم روعة

كل واحدة منها فكل لوحة كانت تحمل طابعا مميزا بأفكاره المبتكرة

وترك هذه اللوحة ناقصة ولأن عائلته أرادوا إحياء ذكراه بتخصيص

معرض للوحاته كان عليهم أولا إنهاء هذه اللوحة فجلبوا أكثر من

رسام لرؤيتها وإعطاء فكرة تنافس أفكار لوحاته الأخرى لكن لم تجد

أيا من أفكارهم تلك قبولا عندهم فمن يمكنه رسم شيء في ذاك الفراغ

الذي يدمج بين الشفق والقمر الأبيض المستدير والبقعة المظلمة ؟

ما من شيء يمكن أن يكون رابطا بينهم إلا ما يراه الآن أمامه ...

الفتاة بالفستان الأسود والتي تنزل من أرجوحة معلقة وسط ذاك

القمر تلامس أطراف أصابع قدمها البيضاء مياه سطع المحيط

وسط طرف البقعة المظلمة فيه تماما وكأنها بمجرد ملامستها له

تلون بالظلام بل وكأنها تنقله من مرحلة الغروب للظلمة .

لكن مهلا هل تلك الرسوم على قطعة القماش في جناحها من

رسم يدها أيضا ؟

مؤكد هي كذلك وهي ذاتها التي سبق ورآها في يدها يومها

فما الموجود فيها ؟

ماذا تكون تلك الخطوط الغامضة المتداخلة ؟

عاد بنظره لها وقال

" كيف علمت أن صاحب اللوحات مقتول ؟ "


نقلت نظرها من اللوحة له وقالت بسخرية

" مقتول !! بل قل ميت لأنه من قتل نفسه وأتمنى أن لا يكون

ثمة متهم بأمر لم يفعله "

رفع يديه جانبا وحرك رأسه بعدم تصديق أو عدم استيعاب

أو لا يفهم ما يكون ذلك سوى أنه لم يستطع امساك نفسه عن

الاقتراب منها وإمساكها بيديه من خصرها النحيل مرغمة رغم

اعتراضها ومقاومتها له لكنه لم يكترث لها حتى حملها جهة الكرسي

المستطيل وصعد بها عليه ورفعها فوق الرف الخشبي الذي ترتب

فيه عدة الرسم ثم نزل ونظر لها في الأعلى رافعا رأسه وقال

" أخبريني الآن من أين علمت كل هذا أو لن تنزلي من هناك "


نظرت تحتها وحركت قدمها السليمة تثبت نفسها بيديها الممسكة

بطرف الأرفف الخشبية وقالت بضيق

" إن لم تنزلني سأقفز من هنا وستتحمل أنت النتائج "

تراجع للوراء خطوة وقال بابتسامة ماكرة

" أنتي الخاسر الوحيد حينها لأنك من قفز "

أهدته ابتسامة تشبه ابتسامته وقالت ساخرة
" بل أنت الخاسر الأول فلن يهتم بامرأة ظهرها مكسور غيرك "

عض على شفته لا يعلم منها أم من نفسه ؟

لا يفهم كيف انقلب مزاجها هكذا فجأة من تلك الغاضبة ثم

المتجاهلة له وكأنه غير موجود لهذه ؟

هل الرسم السبب ؟

هل تحمل طباع الفنانين جميعهم ؟

وإفراغ انفعالها في الرسم جعل مزاجها يتغير وإن لم يكن

للأفضل تماما ، قال بعناد

" ليس ما عليك الإدلاء به الآن كيف علمت بموت صاحب

المرسم بل ما أدراك بأنه قتل نفسه ؟ "


حركت رأسها بنفاذ صبر قائلة

" لا يفترض بمحامي أن يسأل إنسان عادي عن مثل هذا

يا سيادة وكيل النيابة أليس كذلك ؟ "

وتابعت بسخرية لاذعة

" أتمنى أن لا تكون أنت من يرافع عن المقتول أو من يدافع

عن المتهم بقتله لأنك في الحالتين ستكون محام فاشل

فإما أنك تدافع عن رجل قتل نفسه وتتهم بذلك غيره

أو أن تكون عاجز عن الدفاع عن متهم بريء والحصول

على دليل براءته "

كتف يديه لصدره ولازال ينظر لها فوقه وقال بابتسامة مائلة

" أرني ذكائك أنتي لأرى "

نظرت حيث اللوحات المثبت أغلبها فوق حوامل خشبية وقالت

مشيرة بإصبع يدها المصابة لأنها لازالت تثبت نفسها باليد السليمة

" تلك اللوحات قام برسمها مؤخرا بالتأكيد ولو لاحظت بدقة توقيعه

خلف اللوحة لوجدت فيها شيئا مختلفا عن جميع اللوحات قبلها وهو

الحرف الأوسط ، ذاك الحرف له شكلان في اللاتينية فهو يعني الحياة

وإن قمت بإمالته قليلا للأسفل أصبح يرمز للموت .

الخمس لوحات الأخيرة التي قام برسمها كان فيها في أشد مراحل

حياته إحباطا ولاحظ أن أسمائها جميعا الخلاص والخلود والفكاك

فهؤلاء الأغبياء يعتقدون أن الموت يخلصهم من همومهم بشكل نهائي

وأنه ثمة خلود بعد الموت ولكن في عالم آخر "

كان منبهرا حقا بعمق تحليلها للأمر هو بالفعل قد سبق وطلبت منه

عائلة إيلينا المرافعة في قضيته ليتم تسليم الفاعل للعدالة لكنه رفض

فهذا قانونه دائما يرفض القضايا التي تخص الأشخاص اللذين تربطه

بهم صلة لأنه يرفض إلا أن يقام العدل ولن يقبل أن يقف مع الظالم

حال تبين له العكس لذلك رفض أن يكون ذراعا في القضية لأنه إن

تبين له أن المتهم بقتله بريء لا يمكنه الوقوف في صفهم مهما حدث

لذلك رفض .
قالت حين طال تحديقه الشارد بها

" إن أنزلتني سأخبرك من السبب في انتحاره "

حرك رأسه باستسلام مبتسما ثم صعد الكرسي وأمسك بخصرها

وأنزلها بخفة حتى وقفت أمامه تعدل شعرها الطويل بسبب تناثره

للأمام حين أمالت رأسها وهو ينزلها وقال

" لا يحتاج أن تخبريني فقد علمت بنفسي ، الفتاة في تلك

اللوحة السبب "

ثم نظر لعينيها وقال من قبل أن تعلق

" مؤكد لا تعرفينها ورغم ذلك قمت برسمها بدقة ، قد تكون ملامح

تلك الفتاة تكررت في لوحات متفرقة الأنف والفم والعينان والوجه
الدائري لكنه لم يجمعها في لوحة واحدة أبدا أليس كذلك ؟ "

نظرت للوحة متمسكة بصمتها فنظر لها أيضا وقال بهدوء

" تلك الفتاة هل تعلمي من تكون يا زيزفون ؟ "

نظرت لوجهه ولملامحه الارستقراطية لعيناه السوداء الناظرة

لتلك اللوحة وهو يقول بشرود

" إنها زوجة شقيقه "

تأوهت ناظرة للوحة وقالت

" عليا إذا رسم واحدة ناقصة لنرمي هذه بعيدا "

قال بجدية ونظره لازال على تلك اللوحة

" بل ستبقى هكذا ليروها لعلهم يقتنعوا بأن ابنهم من أجرم في حق

نفسه وأن تلك المرأة السبب فثمة علاقة كانت بينهما وهي زوجة

لشقيقه فهي كما في الصورة عبارة عن امرأة تنشر السواد والظلمة "

نظر بعدها لها ولعينيها المحدقة به بصمت وقال

" سنغادر الآن لبريستول "

نظرت لعينيه لبرهة قبل أن تدير حدقتيها الزرقاء متمتمة بسخرية

" آه جيد سنرى أفعال جدك الرائعة إذا ، يكاد قلبي ينفطر على

مصير حفيده ذاك "

حرك رأسه مبتسما بيأس منها فها قد عادت زيزفون السابقة سريعا ،

تحركت بخطوات ثقيلة جهة العصى الطبية فسبقها وحملها بين

ذراعيه قائلا وهو يتوجه بها للباب
" هذه ملك لأصاحب المنزل أيضا "

خرج بها حتى الخارج وأنزلها عند باب السيارة الخلفي وقال

وهو يفتحه لها

" المسافة طويلة سيساعدك الجلوس هنا ومد ساقيك على الكرسي "

وتابع مغادرا من عندها

" سأجلب أوراقي وحاسوبي ونغادر "


*
*
*

لم يكن فقط ثمة من تولى جميع الإجراءات في مطار المغادرة فقط

بل وفي مطار هيثروا بلندن أيضا حتى أن جواز سفرها لم يسلم لها

ولم تراه بل ولم تجلب معها أي جواز أو أوراق تخصها وليست تعلم

كيف أخروجها وأدخلوها إلى هنا ؟

نظرت للمكان والناس من حولها وكأنها ليست في مطار ولم تنزل

من الطائرة .. لا شيء تحمله في يدها .. لا أحد في انتظارها

ولا تعرف أحدا هنا ، حتى رقم هاتف لأي كان لا تملكه .

انتفضت مجفلة حين شعرت بيد ما على كتفها والتفتت للخلف سريعا

فوجدت أمامها رجل يقارب الستين من عمره بابتسامة ودود

وملامح رزينة وقد قال مبتسما

" أنتي ماريه ؟ "

أومأت برأسها ببطء دون أن تتحدث ففوجئت به وهو يحضنها

قائلا بضحكة

" ماريه الصغيرة ! لم أراك منذ كنت طفلة رضيعة .

كم أنتي شابة رائعة "

وما أن ابتعد عنها ممسكا ذراعيها وناظرا لعينيها المحدقة به

باستغراب وقال

" أنا عم والدك واسمي هو الحارثة ، لا يبدوا لي أنه ثمة من
أخبرك عني
حركت رأسها نفيا وهمست بحزن

" عمتي والدة تيم فقط "

قفزت جهته ممسكة بكتفه وقالت مبتسمة

" آسفة لتأخري "

وصرخت فورا بإعجاب ما أن وقع نظرها على ذات الملامح الجميلة

الحزينة والعينان الواسعة والأحداق بلون الذهب ، الشعر البني الناعم

والمقصوص بتدرجات مختلفة ومنسقة وصولا للجسد المتناسق

والثياب الفاخرة الجديدة والوقفة اللأنيقة ، رفعت ساندرين يديها

جانبا قائلة بضحكة

" لم أتخيلك عصرية هكذا ! كم أنتي رائعة "

ثم حضنتها مقبلة خدها وابتعدت عنها وقالت مبتسمة

" أنا ساندرين ابنة قريبك هذا الوحيدة وأنتي بالتأكيد ماريه

قريبتي الوحيدة هنا وأخيرا "

وتابعت بذات ابتسامتها

" وأجمل ما في الأمر طبعا أنك لست من الهازان "

وختمت جملتها تلك بتكشيرة اشمئزاز فضحك الواقف بجانبها وقال

" والدة مارية من الهازان ألم تلحظي لون الشعر وعينيها ؟

ثم لا تنسي بأن زوجها من الهازان أيضا "

تجاهلته ونظرت لماريه قائلة

" والدتي كانت تريد المجيء معنا لاستقبالك لكنها فضلت أن تبقى

لتعد غداء مميزا من أجلك وتستقبلك هناك "

كل ما علقت به كان ابتسامة أهدتهما إياها حين عجز لسانها عن

قول أي شيء فهما أهدياها شيئا لم تحضى به حياتها منذ وفاة

والدة تيم ورحيله ... إنها العائلة ... الأهل اللذين لا ينكرونها

والابتسامة الصادقة ، أناس يرحبون بوجودها بينهم وسعداء لأنها

جزء من عائلتهم ، هذا ما أرادته دائما وبخل به الجميع عليها ،

هذا ما افتقدته مع فقدها لتيم ووالدته ، حتى برآء ظهر نهاية الأمر

أنه نسخة عنهم ولم يتوانى عن جرحها وتذكيرها بحقيقة وضعها

ما أن سمحت له الفرصة بذلك .

أمسكت ساندرين بيدها وقالت تسحبها معها

" هيا علينا المغادرة من هنا أكره دخول المطارات "


*
*
*

وقفت ورفعت سجادة الصلاة وطوتها ووضعتها مكانها ثم نزعت

لباس الصلاة لحظة ما انفتح الباب بعد طرقتين متتاليتين فابتسمت

بحب للداخل منه فمازالت حتى طرقته للباب كما تذكرها تماما

وتسألت ما الذي غيرته السنين في هذا الرجل غير مطر المندفع

المجنون الذي رأته بالأمس ؟

قال وهو يدخل مقتربا منها

" أخبرتني تيما البارحة أنكما ستغدران مبكرا ، آسف بشأن ليلة

البارحة يا جوزاء "


وقفت على رؤوس أصابعها وقبلت كتفه وقالت

" أتفهم مسؤلياتك يا مطر يكفيني أن رأيتك بعد كل هذه الأعوام

وإن قليلا ، لا حرمني الله منك يا شقيقي لست أعلم ما كان سيحدث

لي لولا الله ثم أيوب إن ظلمتني الحياة وأنت عني بعيد "

أمسك رأسها وقبله وقال بهدوء تخلل نبرته الجادة

" لو علمت أن أيوب سيظلمك قيد أنملة لما تركتك هنا فلا تظني

أني كنت غافلا عنك وإن كنت بعيدا "

تعلقت نظراتها بعينيها وهمست بحزن

" لكنك تركت غسق ، ليتك لم تفعلها يا ابن والدي فلا أحد يعلم

معنى انكسار قلب الأنثى مثلنا نحن النساء "

أبعد نظره عنها للنافذة وتنفس بعمق متمتما بجدية

" وغسق لم أتركها ، لما تعتبرن أنتن النساء أن البقاء هو

بقاء الجسد "

كانت ستتحدث لكنه قاطعها وقد عاد للنظر لعينيها

" ما أحوال أيوب وغيهم وابنتيك "

ابتسمت قبل أن تعلق ، وكأنه يثبت لها أنه حاضر هنا معهم وإن

أبعدته المسافات لكن هذا لا يكفي أنثى تعشق رجلا أبدا ، قالت

بذات ابتسامتها

" غيهم تخرج حديثا من أكادمية الطيران ، بثينة تدرس في

المرحلة الإعدادية الآن أما زهراء فلازال عمرها ثلاث أعوام فقط

وقد تركتها مع شقيقتها هناك ، أيوب كان يريد المجيء بنفسه

لكن أشغاله وأعماله لا تنتهي وأنا لم أستطع أن أصبرا أكثر

كي أراك "

أومأ برأسه وقال مبتسما أيضا

" لا تقلقي فذاك سأراه قريبا فثمة اجتماع هنا في حوران مع

رجال الأعمال من أجل موازنة الميزانية مع دعم السلع "

خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت

" أخبرهم بالسبب أولا كي لا يظنوا بأنهم سيحاسبون كغيرهم "

دس يديه في جيبي بنطلونه وقال بابتسامة مائلة

" بلى فثمة هفوات لن تفوت لبعضهم أبدا واطمئني فزوجك

ليس منهم "

قالت مبتسمة

" وأنا متأكدة من ذلك فأيوب أنزه من أن تغريه أموال وعائدات

سلع تدعمها الدولة "

وتابعت ونظرها معلق بعينيه

" ابنتك يبدوا لم يطب لها نوم حتى عدت ، طمئنها دائما وإن

بالهاتف يا مطر فقد كانت البارحة تكتم انشغالها عليك من أجلي

فقط لكن ملامحها كانت تفضحها "

تنهد بعمق قائلا

" تيما معتادة على غيابي لأوقات أطول من ذلك بكثير يا جوزاء "

قالت من فورها

" لكن الوضع هنا بالنسبة لها مختلف وأنت تعلم ما أصبحت عليه

البلاد ومن الطبيعي أن تقلق "

أومأ برأسه قائلا

" سيرجع كل شيء كما كان يا جوزاء ، هذه المرحلة تحتاج

لبعض الوقت والصبر فقط وسوف تتغير "

قالت مبتسمة بفخر

" وأنا وثقة من أن ذلك سيحدث كثقة الجميع بك فأنت شعاع

الأمل الذي بات الجميع يتطلع له بتفاؤل "


همس يهم بالمغادرة

" أملنا جميعا في الله وحده "

قالت من قبل أن يغادر

" مطر ثمة ما أريد طلبه منك وأملي أن لا تردني "

التفت لها بكامل جسده ونظر لعينيها قائلا

" ابتعدي عن طلب تيما لأحد ابنيك وغيره سأرى ما يمكنني

فعله حياله "

كتمت ضحكتها قائلة بابتسامة

" لا تقلق لا أحد سيخطف ابنتك من عريسها المجهول رغم أني

لو رأيتها قبل الآن بوقت قليل لغضبت منك عمدا حتى تعطيها لنا "


وتابعت تنظر لعينيه بترقب

" كنت أنوي سؤالك عن قانون في البلاد يفرض قيودا على سن

تزويج الفتيات تحت السابعة عشرة وأنت قلت أنك ستزوج ابنتك

فهل يعني هذا أنه سيتغير و .... "

قاطعها بحزم

" هراء ما هذا القانون الذي يفرض سنا معينة لتزويج المرأة ؟

في أي شريعة وجدوا ذلك ؟ نبي الأمة ( صلى الله عليه وسلم ( نفسه إحدى زوجاته

تزوجها في سن التاسعة "

قالت مبتسمة بسعادة

" تعني أنك ستغير ذاك القانون "

قال من فوره

" سيكون ثمة تغييرات جذرية في جميع ما تسمى بالقوانين

الوضعية فثمة كتاب وسنة يفرض بأنه ما يحكمنا لكن الأمر

مؤجل قليلا حتى ننجز ما هو أهم منه "

تمتمت متنهدة بارتياح

" أرحت بالي وقلبي يا شقيقي "

قال دون أن يلتفت لسبب سؤالها ومعنى كلامها كعادته التي

عرفته بها

" ألن أجدك هنا ظهرا ؟ "


لامست ذراعه بحنان وقالت مبتسمة بحب

" كان ذاك ما أتمنى لكن عليا العودة لمنزلي فبثينة في فترة

امتحانات الآن وغيهم إجازته من الفترة التدريبية اقتربت ،

سآتي لزيارتكم عندما تتحسن الظروف وقم أنت وتيما بزيارتي

أيضا إن كان لديك رحلة جهة شمال الهازان "

أومأ برأسه موافقا دون حديث ولامس بيده على يدها الملامسة

لذراعه فخطف نظرها سريعا الخاتم فيه فنظرت له بصدمة قائلة

" تزوجت يا مطر ؟ "

غادر من عندها من فوره قائلا ببرود

" أنا لم أطلق لأتزوج وتعرفيني لا أجمع زوجتين "

وخرج ساحبا الباب خلفه وتاركا لها مع صدمتها ودموع الفرح

التي ترقرقت في عينيها قبل أن تهرع جهة الباب أيضا قائلة

" يا سعادة تيما بهذا الخبر "


*
*
*


توقف الكاسر عما كان يقوله ما أن ظهرت لهما التي نزلت

السلالم فوقف كليهما وقال الكاسر مغادرا

" سأجهز نفسي فهذا امتحاني الأخير ... وداعا عمي رعد "


وغادر من فوره حامدا الله أنها لم توقفه لأنها سمعت فيما كانا

يتحدثان وكانت غسق حينها وصلت عنده فقال من فوره

" مصرة على الذهاب للجمعية ؟ "

أبعدت نظرها عن عينيه وقالت

" لا تزعجني بالنصائح يا رعد يكفي عمتي "

تنهد باستسلام وجلس قائلا

" اجلسي إذا فالوقت لازال مبكرا "

جلست على مضض قائلة

" طلبت أن نؤجل الحديث عن الأمر ليس معناه أن يكون

ذلك مجرد ساعات "

قال مبتسما من ضيقها وتهربها من النظر له

" فكرت أنه بما أني أمضيت الليلة هنا أن نتحدث الآن

فقد لا أجد وقتا لزيارتكم قريبا "

أشاحت بوجهها جانبا وهمست ببرود

" لا شيء نتحدث عنه يا رعد "

ثم نظرت له وقالت قبل أن يعلق

" كنت بالأمس مغادرا لحوران ما الذي جعلك تغير رأيك ؟ "

خرجت منه ضحكة صغيرة وقال

" قولي أنك تكرهين مكوثي هنا معكم وكلها ليلة واحدة

يا عديمة الذوق ! ثم أنا كنت بالفعل سأغادر لحوران لولا أنه

وصلني اتصال اعفيت به من حضور اجتماعات الأمس واليوم

أيضا لأكون هنا ولن أقول من صاحب الاتصال كي لا أعكر مزاج

صباحك الذي يبدوا سيئا أساسا "

وقفت من فورها ودون أن تعلق وحملت حقيبتها معها فقفز واقفا

وأمسك بيدها وسحبها معه جهة مكتب منزلها قائلا

" لن أسمح بأن تتهربي مني يا غسق وعليا أن أفهم ما حدث هناك "

وصل بها هناك دون أن تقاومه وأغلق باب المكتب خلفهما ونظر

لها بعناد ممسكا وسطه بيديه فقالت بضيق

" اخبرك عن ماذا تحديدا ؟ أتركني في صمتي يا رعد أفضل لي

ولك وللجميع "

قال بإصرار

" بل أريد أن أعلم إن كنت تعتبرينني شقيقا لك فعلا كما أعتبرك

شقيقة لي "

أشاحت بوجهها عنه جانبا مبعدة نظرها عنه ليست تعلم تخفي

الألم والانكسار أم كلاهما لكن أيا منهما لم تستطع التغلب عليه

وظهر جليا في عينيها السوداء الواسعة حين نظرت له

قائلة بضيق

" من أين أبدأ برأيك ؟ من أين تبدأ شقيقتك في سرد مآسيها

الجديدة يا رعد ؟ من اكتشافها بأن كبار ممولي جمعيتها هم ذاك

الرجل المدعوا مطر شاهين أم من أن الشركات الداعمة

لاستثمارات مملكتها جميعها بتوصيات خارجية منه ؟

أو أن مملكتها التي بنتها بتعبها لأعوام تتحول ملكيتها له

حال طلاقها منه في بند وافقت عليه ودون علمها ، أم من أنها

عاشت كل هذه الأعوام زوجة له وهي لا تعلم "

كانت نظراته المصدومه تلتهم ملامحها الحانقة المليئة بالأسى

والغضب المكبوت لكن الأسوأ لم يأتيه بعد وهي ترميه به دون

رحمة وكأنها تفرغ كل ما كبتته ليلة كاملة حتى كاد يقتلها

" أم أن والدها الحقيقي لازال حيا وأنه عليها أن تتنازل

وكثيرا جدا يا شقيقها إن كانت تريد رؤيته هنا ؟ "


خرج حينها من صمته صارخا بصوت مصدوم

" والدك الحقيقي حي !! دجى الحالك تقصدين يا غسق ؟ "

أشاحت بوجهها جانبا من جديد تخفي هذه المرة ليس مرارتها

ولا ألمها بل الدموع التي ملأت حدقتيها السوداء وهمست بأسى

" أجل ويبدوا أنه كان على والد غسق الذي رباها أن يختفي

ليظهر الآخر فالحياة لم تجمعها يوما باثنين ويبدوا أن سيل

تضحيات غسق لن يتوقف أبدا "

قال ناظرا لها باستغراب " عن ماذا تتحدثين يا غسق ؟

أشعر بأني لم أعد أفهم شيئا "


مسحت بطرف باطن كفها عيناها قبل أن تسمح لدمعتها بالنزول

وقالت بحزن تغلب على نبرتها

" عن قضية الثأر أتحدث يا رعد فهو يرفض الظهور بسببها

بل ليس هي إنما أنا "


حرك رأسه بعدم استيعاب ونظرته ملئها تساؤلات فرفعت رأسها

للأعلى تحاول سجن الدموع التي عادت لملء حدقتيها السوداء

قائلة بعبرة مسجونة

" أنا ورقة المساومة يا رعد والرابح في اللعبة هو ابن

شاهين وحده "


أمسك ذراعيها وقال ناظرا لملامح وجهها الذي أنزلته للأسفل

تنظر للأرض

" غسق إشرحي لي ولو شيئا واحدا أفهمه من كل هذا ؟

ما علاقتك أنتي بعودة ذاك الرجل وما سر ظهوره حيا الآن "

حركت رأسها بعجز وكأن الكلمات ترفض الخروج من شفتيها

أو تعجز عن التعبير عنها وكل ما استطاعت قوله من بين العبرة

التي خنقت صوتها ودمعة وحيدة تدحرجت من عينها اليمنى

" يشترط أن أكون متزوجة تحسبا لأن أكون ثمن ثأره ذاك

فبذلك يحميني ، وليتحقق شرطه يجب تحقيق الآخر وهو أن

أوافق بنفسي على الاعتراف بابن شقيقه زوجا لي أو يسمح ذاك

الرجل بأن يطلقني وأتزوج من غيره أو سيبقى ذاك الأب حسرة

في قلبي حتى أموت "


*
*
*


خرجت معهم من المطار للسيارة لا تشعر بأنها تفهم شيئا

من كل هذا !! تشعر فقط بأنه عليها أن تتبع قدرها لنهايته

ومن ثم يحق لها السؤال ، كان في استقبالهم في المنزل

امرأة شقراء لم تفقد بعد رونقها كما جمالها الذي يشبه

جمال منزلها بطرازه الحديث رغم صغر حجمه تقريبا إلا أنه

وكما يبدوا يحظى بعناية رائعة إبتداءا من حديقته الجميلة

المنسقة وصولا لآخر قطة أثاث ولوحة جدار وتحفة خزفية

مميزة تعبر جميعها عن ذوق عالي المستوى ، وليس ذلك فقط

فاستقبالها لها لم يكن أقل حفاوة من زوجها وابنتها ، كان ترحيبا

صادقا لم يتخلله أي انزعاج من وجودها بينهم ، ورغم أنها كانت

تتمسك بصمتها أغلب الوقت إلا أنها لاحظت أن ذلك لم يزعج تلك

العائلة الصغيرة المحبة المتفاهمة فقد سعى كل واحد منهم لدمجها في

حواراتهم بطريقته وحتى على طاولة الغداء ورغم انزعاج سيدة

المنزل من الحديث ذاك الوقت إلا أن الأمر لم يتخذوه إلا بفكاهة

حتى أنه أيا منهم لم يسألها عن سبب خروجها من بلادها وماذا

حدث معها أو أي حديث يؤدي لذاك الأمر رغم أنها تمنت فعلا

أن يتطرقوا له لتفهم على الأقل فترة مكوثها هنا ولما هذه

العائلة تحديدا ؟

بعد شرب القهوة عقب الغداء فورا حيث انتقلوا للجلوس

في غرفة الاستقبال المطلة على أروع مناظر حديقتهم حيث

النافورة الحجرية المحاطة بالورود التي كانت تطل عليهم من

الواجهة الزجاجية الواسعة كان على كل واحد منهم أن ينتقل

لغرفته لأخذ قيلولة صغيرة وهنا علمت أنه أصبح لها غرفة هنا !

لم يطلقوا عليها اسم غرفة الضيوف ولم تقاسم ابنتهم غرفتها

الخاصة فما سيعني كل ذلك ؟!

تبعت عم والدها الذي اختار بنفسه أخذها لما سماه غرفتها

حتى كانا في وسط غرفة لا تقل جمالا عن باقي المنزل إلا أن

ألوان أثاثها وأغطية السرير كانت شبابية ، حتى اللوحات على

الجدران تؤكد أن صاحبها ليس من الجنس الناعم .

التفت لها الواقف أمامها وقال مبتسما

" هذه الغرفة كانت تخص ابن زوجتي كين ومنذ قرر أن يستقل

بنفسه ويخرج من هنا وهذه الغرفة فارغة ولأنه لم يكن أمامنا

وقت كاف لم نغيرها بما يناسب أنثى جميلة مثلك ولا نريد أن

تستخدمي غرفة الضيوف فهذه هي غرفتك وسنغير كل شيء

بما يناسبك قريبا "

نظرت لعينيه بحيرة ووجدت القدرة أخيرا لطرح السؤال الذي

شغلها طويلا وعجزت عن طرحة

" هل سأقيم هنا معكم ؟ "

قال باستغراب " ألم يخبرك تيم ؟ "

حركت رأسها بالنفي تقاوم دموعها كما عبرتها وهمست

" لم يخبرني شيئا "

تنهد بعمق وقال

" ونحن لم يخبرنا سوى بأنك ستقيمين هنا معنا لفترة لم يحددها ،

وكلامه طبعا نقله لنا ابن زوجتي ولم نراه شخصيا فهو تقريبا

بل جديا يرفض الاعتراف بنا كأقارب له "

سكت لبرهة ثم قال حين لاحظ أن ثمة ما جرحها بعنف في كل ما قال

" أنتي ابنة ابن شقيقي أي أنك فرد من عائلتنا يا ماريه ويمكنك

البقاء كيف تشائين معنا و .... "

قاطعته هامسة ببحة

" وأين هو الآن ؟ "

حرك رأسه بعجز متمتما

" لا أحد يعلم لكنه يسافر كثيرا من أجل عمله ومؤكد سياتي

لرؤيتك حين سيكون هنا في لندن "


أنهى جملته تلك ثم استأذن مغادرا الغرفة تاركا إياها مع

تحطم مشاعرها وانهيار آخر حصون صمودها منذ عرفت

نفسها والحياة فآخر ما توقعته أن يرفضها ! أن لا يقدم ولا مبررا

لكل هذا ! أن لا يشرح لها أولا وضعها هنا ووضعهما معا ،

سندت نفسها بيدها ممسكة بطرف الطاولة بجانبها تنظر

للأرض ودموعها تتقاطر تباعا لتصتدم بها فلماذا أحضرها

هنا إن كان لا يريدها ؟ لما لم يتركها هناك على الأقل كانت

تعيش على أمل رجوعه وأن يراها ويفهم أنها تحتاجه هو

ليس أي شيء أو شخص آخر .


رفعت يدها ورمت لا شعوريا كل ما كان على تلك الطاولة أرضا

مصدرا ضجيجا قويا بسبب تحطمه صارخة ببكاء

" كان تركني مت هناك ودفنت حيث والداي بدلا من دفني حية هنا "

انفتح باب الغرفة حينها ودخل ثلاثتهم منه ينظرون لها بصدمة

فصرخت بهم متراجعة للخلف ومتجاهلة حتى يدها التي

كانت تنزف "

أرجعوني من حيث جئت ، لا أريد هذه البلاد ولا أريده "


*
*
*

دخل بسيارته حتى أوقفها أمام باب المنزل ثم نزل وفتح الباب

الخلفي حيث الجالسة هناك ، بقدر طول الطريق التي سلكاها

للوصول كان صمتهما طويلا وموحشا وكلما ظن أنها نامت في

الخلف ونطر لها من خلال المرآة يجدها على حالتها ذاتها تنظر

للنافذة المقابلة لها بصمت وشرود ولا تترك للنوم أي مجال

ليتغلب عليها على ما يبدوا ، حتى وجبة الغداء التي اشتراها

لها أخذتها منه وأكلت منها في صمت ، هذه المرأة لا تزداد

إلا غموضا بالنسبة له فإن كان يحار في حديثها ولا يفهمه

فكيف بصمتها وشرودها ؟


وقفت خارج السيارة بمساعدته تسند نفسها بتمسكها بطرف

الباب ثم اختارت وككل مرة أن تعتمد على نفسها لتسير وحدها

وإن كان على حساب صحتها لكنه هذه المرة أيضا لم يسمح بذلك

فقد رفعها من الأرض بخفة متجاهلا تأففها الصامت ، ورغما عنها

كان عليها التمسك بعنقه وإن بذراع واحدة فعلى هذا الأمر أن ينتهي

الآن لعله يقتنع بأنه عبثا يحاول معها ومعهم ، صعد بها عتبات

السلالم بخفة ودخل المنزل ليفاجأ بمن كانوا هناك وكأن الجميع

هنا في انتظاره ... !! زوجات والده الثلاثة .. نجيب وبجانبه جده

الواقف عند باب مكتبه ... وآخرهم الواقفة عند السلالم والتي

يفترض بأنها ليست هنا وبأنها غاضبة وعليه هو الركض خلفها

وإرضائها ، كان الجو مشحونا في ذاك المكان درجة أن الصمت

تحول لنظرات تتحدث بصخب ... نظرات وقاص المسلطة على

الواقفة عند السلالم تنظر له نظرة اتهام يشوبها الحزن والألم

بينما نظر التي يحملها بين ذراعيه كان موجها تحديدا لصاحب

الشعر الأبيض والشخصية الصلبة من كان نظره الحانق مسلطا

على حفيده فقط وكأنه لا أحد غيره هناك مما زاد تلك النظرات

العدائية التي ترميه بها ، وبينما كان نظر والدة رواح المتوجس

مركزا على نجيب الذي كان يكاد يحرقهما بعينيه كان نظر البقية

على صاحبة الشعر الأشقر المتدلي يكاد يلامس ركبتي الذي يحملها

بكل خفة ... صاحبة الملامح الجميلة والعينان الزرقاء ...

ابنة خماصة كما ينادونها وها هي أمامهم بالفعل تحاكي جذورها

تلك وكأنها ليست فردا من تلك العائلة .

أنزلها للأرض ببطء ولحظتها فقط تحركت الصور الجامدة هناك

فصعدت الواقفة عند السلالم للأعلى وبخطوات ثقيلة غاضبة

وتحركتا والدة رواح ووالدة ضرار لمساعدة التي لازال يسندها

بيده حين قال جده بجدية ونظره لازال عليه

" تعالى لمكتبي يا وقاص "

وما أن وصلتا لهما حتى قال وهو يترك يدها لزوجة والده

" خدوها لأحد الغرف في الأسفل فلا يمكنها صعود السلالم بسهولة "


وما أن ابتعدتا معها حين رفضت إلا أن تمسك إحداهما بيدها فقط

تحرك وقاص جهة الواقفان هناك ووقف أمام جده قائلا ونظره

مركز على عينيه

" أريد أن نكون وحدنا وأعتقد أن هذا من حقي مثلما استمعت

للحكاية منه وحدكما "

تحدث حينها نجيب قائلا بضيق

" بل رفض سماعي فهو لن يستمع لأحد غيرك ولا قبلك "


" نجييييب "


كانت صرخة ضرار تلك كافية لإخراسه تماما وقد تابع بحدة

" الحكاية سمعتها من غيركما وقت وصولي ولي حديث معك

وليس أنت من سيتحدث معي "

وما أن أنهى جملته تلك التفت للخلف ودخل مكتبه تاركا بابه

مفتوحا خلفه فتبعه وقاص ما أن تبادل والواقف هناك نظرة

لو كانت رصاصة لقتل كل واحد منهما الآخر بها .

وما أن كانا في الداخل حتى قال وقاص بضيق

" أنت من أحضر جمانة أليس كذلك ؟ "

التفت له ضرار قائلا بحزم

" ليس هذا حديثنا الآن فأنت من عليه أن يجيب عن الأسئلة

لا أن يطرحها "

كان سيتحدث والضيق يزيد ملامحه قسوة لولا قاطعه جده بأمر

" قلت تجب عن أسئلتي يا وقاص فلا تجادل "

أشاح بوجهه جانبا وتنفس بحدة على صوت ذاك قائلا

" أين ذهبت بها ؟ "

نظر له وقال بضيق

" قل لما وليس أين فذاك هو الأهم "

قال من فوره وبحزم

" ذاك السؤال لديا جوابه ولا أريد تكرار سماعه فلما أخذتها

من هنا دون أن تطلعني على الأمر وطلبت من الجميع التكتم

عنه كي لا يصلني ؟ اشرح هذه المسألة دون أسئلة يا وقاص "


قال بذات ضيقه الحانق

" نجيب كان يريد الدخول لها وضربها مجددا وكان علي

إبعادها عن هذا المنزل قبل أن يقتلها ، لا يحق له ضربها

تحت أي سبب كان فكيف إن كان بدون سبب "

" لما لم تخبرني ؟ "

كرر سؤاله بحدة وكأن ما يعنيه ذلك فقط أو أنه لم يسمع كل

ما كان يقول ، قال وقاص بجدية

" لأنك ما كنت لتقطع رحلتك وتأتي ولأن نجيب لن يقف عند

حده إن لم تكن هنا وما كنت سأسمح بأن تمتد يده عليها مجددا
وإن كان الثمن أن تطردني من المنزل والعائلة "

قال ضرار وقد تحرك جهة مكتبه

" لن يفعلها مجددا وأنا بنفسي سأهدده بهذا الخصوص

وجد أنت الآن حلولا لمشاكلك كما تجدها لغيرك "

شد قبضتيه بقوة وقال بضيق

" هل هذا فقط حق حفيدتك ؟ تهدده كي لا يفعلها

مجددا وانتهى الأمر ؟ "

التفت له وقال بضيق مماثل

" لا تعلمني ما عليا فعله يا وقاص واصعد الآن لزوجتك

وتفاهما فيما تريد الحديث معك فيه واترك شقيقك وزوجته

فقد سبق وقلت بأنه لن يعيدها وانتهى "

لوح بيده قائلا بحدة

" جيهان من خرجت من هنا بإرادتها وبما أنها عادت من

نفسها فلا حديث لي معها في شيء وما كان لن يتغير

وقراري هو ذاته لا جراحة أو كل في حال سبيله "

صاح فيه الواقف هناك بغضب أشد

" قلت تفاهما وأبعد عصبيتك الجديدة هذه جانبا ولا تظلم

زوجتك حقها يا ابن ضرار "

قال من فوره وبذات غضبه

" ولما تظلم أنت حفيدتك حقها ؟ كن عادلا معها أيضا "


قال مباشرة وبجمود

" هات عدلك وسأعطيك عدلي "

نظر له وقاص بصدمة أخرسته تماما فقال ضرار بحزم

" أرني ما لديك يا وقاص "

زم شفتيه بغضب بل وبعجز فلم يتخيل أن يحاصره هكذا !

أن يضعه في هذا الموقف فهل عليه دفع التنازلات من أجلها ؟

من أجل فتاة تكرهه كما البقية كرها أسودا قاتما ؟

من منذ قرر الوقوف في صفها وحياته لا تزداد إلا تقهقرا للوراء

خاصة علاقته بالواقف هناك ومن لم يغضب منه يوما أو ينتقده

حتى ظهرت تلك الحفيدة في حياتهم .

تنفس بعمق وقال دون أن يسمح للأفكار أن تجرفه أكثر لتنسيه

أنها ابنة عمه وأنها وحيدة

" لا ترجع زيزفون لذاك الجناح أو السجن إن صح القول "

قال ضرار من فوره

" تتصل بوالد جمانة وتخبره أنك أنت من لا تريد عودتها هناك "

أغمض عينيه بقوة وتنفس بغضب فلم يعرف حياته أحدا يتدخل

في قراراته وحياته ولا الواقف أمامه الآن ومن رعاه بنفسه رعاية

لم يحظى بها باقي أحفاده ولم يجدها هو ولا في والده ، فتح عينيه

وننظر له وقال

" تشارك العائلة حياتها حتى وجبات الطعام والحفلات ويحق لها

الخروج متى أرادت وإن مع مرافقتها"

قال ضرار

" تجري زوجتك الجراحة "

نظر للأعلى وتمتم متعوذا بالله من الشيطان ، كان يعلم أن ثمن

ما طلبه لن يكون سهلا وأن ما سيقوله الآن ويطلبه سيكون مقابله

أمرا لن يستطيع فعله فهو أكثر من يعرف جده ، نظر له مجددا

وقال مباشرة

" يطلقها "

وكما توقع لم يتأخر الواقف هناك في التفكير وقد قال بجدية الواثق

" لا تطلق أنت جمانة تحت أي سبب كان ولا تتزوج عليها "

شد قبضته بغضب وقال من فوره وبحدة

" لن يصل الأمر أن تفرض عليا هذا ، لن أسمح لأي أحد بذلك "

جلس حينها الواقف هناك وقال ببرود

" إذا نلغي شرطك الأخير أيضا "

خرج عندها من المكتب ضاربا الباب خلفه ونظر للذي لايزال واقفا

خارجه وقال قبل أن يجتازه

" سأحررها منك يا نجيب والأيام بيننا "

التفت ذاك مع حركته وقال ساخرا

" لأتركها لك ؟ "

وقف حينها وقاص مكانه ويده تمسك خشب سياج السلالم ونظر له

بصدمة فتابع بذات ابتسامته الساخرة وقد رفع أصبعه في حركة

مستفزة

" أقسم لن أفعلها وإن من أجل ذلك فلن تطالها ما حييت يا ابن جدك "

اشتعلت نيران التحدي في حدقتيه حينها وقال بعناد

" سنرى إذا "

وصعد السلالم من فوره وبخطوات واسعة غاضبة ، لا يصدق

ما تفوه به ذاك المجنون وما قاله هو أيضا ! لقد استفزه ذاك القذر

حد أن أصبح يتحدث دون تفكير ... لا بل سيخلصها منه بالفعل

ومهما كلفه ذلك ليس من أجله كما اتهمه بل من أجلها هي فلا

امرأة في الوجود تستحق أن تكون زوجة لأمثاله وهذا ما جعله

يصمت تماما عن وضعها الصحي الذي شرحه له تيم سابقا وعن

الحاجة لعرضها على طبيبة نسائية فلن يسمح لذاك الفاشل أن ينفذ

مخططه بجعلها تحمل منه .

فتح باب جناحه ودخل وأغلقه خلفه وتوجه فورا جهة الغرفة

المغلقة سابقا في الجناح لحظة ما انفتح باب غرفة نومه السابقة

ووقفت أمامه التي نظرت له بضيق قائلة

" أريد أن نتحدث قليلا يا وقاص "

قال بجمود

" وما الحديث الذي بيننا ؟ كل ما هنالك قاله والدك لجدي واتفقا

وأنا من عليه التنفيذ "

ملئت الدموع عينيها وكانت ستتحدث فقاطعها بضيق

" الجراحة .... الجراحة .... حلك الفاشل هو لك الآن "

لولا يقينه من أن كلام جده عن تطليقها ذو حدين لكان فعلها

وطلقها ما أن أجرت تلك الجراحة السخيفة واستكمل الشروط معه

لكنه متيقن من أنه عنا ما قال تحديدا ولن يسمح بتطليق نجيب

لزيزفون وإن أراد هو ذلك حال طلق هو جمانة ، تابع مشيرا بإصبعه

للغرفة خلفها

" لكن ذاك المكان لا وجود لي فيه بعد الآن وغرفتي هنا لا تقتربي

منها وجربي أن يتدخل الغير في خصوصياتنا مجددا يا جمانه ولن

تدخلي هذا المنزل بصفتك زوجة لي ما حييت "

ثم دخل الغرفة ضاربا بابها خلفه ، فابتسمت الواقفة هناك

من فورها بسعادة ، لا تصدق أنه وافق أخيرا وهي من تعرفه

جيدا لا يمكن اخضاعه لأي ضغط أو تهديد ، ما أن يحدث

ما خططت له وتجري تلك الجراحة سيتغير كل شيء وأولهم

رأيه بها وتلك الغرفة التي قرر الاعتصام عنها فيها


*
*
*


وصل المدينة وباب ذاك المنزل تحديدا والذي لم يكن يتخيل

أن يبقى ذاته بعد كل هذه الأعوام رغم تطوره من الخارج عن

الماضي كثيرا فحتى في زياراته الماضية للبلاد لم يفكر في زياراتها

ولا السؤال عنهم رغم أنه كان أحد رجال ابن شاهين الذين اختار

مؤخرا أن يكونوا حلقة وصل بينه وبين بعض الأشخاص هنا فكانوا

يدخلونها باستمرار وإن بشكل مموه . تنفس بعمق وطرق الباب فعليه

زيارتها بعد أن عاد للوطن بصفة نهائية فهي رغم كل شيء تبقى

عمته والتي كانت وحدها تعامله معاملة ابن الحالك وليس الهازان

التي ألصقوها به في الماضي لأن والدته من هناك ، عاد لطرق الباب

مجددا حين لم يسمع جوابا من أحد ولم تفتح له فسمع حينها

صوت طفل يصرخ راكضا " أمي تعالي أحدهم يطرق الباب "

اشتدت قبضته أمام ذاك الباب الحديدي وهو يسمع صوت المرأة

التي كانت تأمر ذاك الطفل بالابتعاد وأن لا يفتح ... وابتسم بسخرية ،

صوتها ذاته لم يتغير فسحقا للسنين ولأكذوبة عاشها يوما معها

يغمض عينيه عن حقيقتها باسم الحب الزائف ، لم يشعر بالندم لمجيئه

وقت وجودها هنا مع والدتها كما لن يندم يوما على سفره لأنه وحده

من كشف الحقيقة التي كان يعلمها جيدا ويتجاهلها ، انفتح الباب قليلا

وخرج له صوتها " من هنا ؟ "

حمحم بصوت واضح وقال مشيحا بوجهه بعيدا " أنا عمير أريد رؤية

عمتي إن أمكن "

عم الصمت المكان للحظات قبل أن ينفتح الباب أكثر وكان لازال يتجنب

النظر ناحيته ووصله صوتها وهي تبتعد بخطوات سريعة قائلة

" ادخل يا عمير "

فانتظر قليلا قبل أن يدفع الباب ويدخل ولم يستغرب ابتعادها بل كان

يفضله حقا فالزيارة كانت من أجل عمته ومن الجيد أنها فهمت ذلك

من نفسها .

دخل حيث أشار له طفل في العاشرة جهة إحدى الغرف التي تم

تجديدها عن الماضي قائلا

" جدتي هنا "

مر بجانبه وداعب بيده شعره شاكرا له ثم دخل الغرفة حيث التي

كانت تصلي وجلس خلفها في صمت ينتظرها ، حين غادر كانت في

نهاية الأربعين من عمرها ولابد وأنها اقتربت من منتصف الستين

الآن ، لم يشعر بعدد تلك السنين التي قضاها بعيدا إلا الآن والتي

لم يتوقع كما غيره أن تصل لأربعة عشرة عاما حتى بدأ كل عام

بسحب الآخر ورائه وأصبحوا سجناء لتك اللعبة المسماة

( حماية الوطن ) حتى سرقت أعمارهم جميعا وسرقتهم من ماضيهم .


سلمت من صلاتها والتفتت له بكامل جسدها ورأى حينها فقط

الدموع التي ملأت وجهها فهب جهتها وضمها لحضنه وقال

مقبلا رأسها

" يموت عمير ولا يرى دموعك ، كيف حالك عمتي ؟ "

ابتعدت عن حضنه وأمسكت وجهه تنظر له بعينان دامعة تتمتم حامدة

الله أن رأته مجددا ولا تصدق حتى الآن أنه أمامها ، تغير كثيرا أصبح

أكبر وأنضج حتى في ملامحه وقد أصبحت تفصله عن الأربعين أعواما

قليلة فقط لكنه لازال يحمل من عمير الماضي نظرته المحبة المتفهمة

وابتسامته المرحة الودود كما تذكرها جيدا منذ آخر مرة رأته فيها ...

لا ليس آخر مرة فالمرة الأخيرة تلك لم ترى فيها إلا انكسار قلبه من

حديث ابنتها القاسي معه ، أمسك يدها من وجهه وقبل باطن كفها ثم

نظر لعينيها وقال يمسح دموعها بأصابع يده الأخرى

" سامحيني عمتي فظروفي كانت أصعب من أن آتي لك قبل الآن "

أومأت برأسها بتفهم ثم همست ببحة تشد بيديها على يده

" كيف هي أمورك بني ؟ هل تزوجت ؟ هل ستستقر هنا كابن شاهين

وباقي رجاله ؟ "


نظر لأيديهما لبرهة ثم عاد ونظر لعينيها وقال

" لم أتزوج بعد تركت الأمر حتى أرجع هنا أولا وأستقر نهائيا

وكما تري أمامك شخت وأنا أنتظر رجوعي "


مسحت بكفها على يده وقالت بحنان

" بل صرت الآن رجلا حقيقيا ، أسأل الله أن يرزقك ما يعوضك

به يا عمير "

وتابعت متنهدة بحزن وقد شردت بنظرها بعيدا

" وأن لا يكون نصيبك كابنتي التي خسرت حقا يوم تركتك "

نظر لها باستغراب وقال

" ما معنى ما تقولينه عمتي ؟ "

تركت يده وضمت يديها في حجرها وقالت بحزن ناظرة لهما

" لم ترى يوما جيدا معه ، لا وفقه الله عانت معه ولازالت تعاني"
" أمييي "

أسكتها صوت ابنتها التي صرخت بها بأمر من الخارج فالتفت جهة

الباب حيث الطفل ذاته وقد دخل يحمل صينية بها كوبا شاي وصحن

فطائر وكعك ويبدوا أنها أوصلتها للباب لتعطيها له ليدخلها وسمعت

حديث والدتها ، أخذ كوب الشاي منه وشربه وأكل مما جلبوا معه يجيب

عن أسئلة عمته التي لا تتوقف وكأنها لن تراه مجددا ، قالت بسعادة

" ما شاء الله متى قررت كل هذا وفعلته يا عمير ؟ "

وضع الكوب وقال

" الفضل الأول بعد الله كان لابن شاهين فهو من تكفل بكل شيء وأراد

أن يكون لكل واحد منا مستقبلا مهنيا محددا فهو لا يرحم منا أحدا أبدا
ويريدنا جميعا نسخا عنه "

قالت مبتسمة

" ما أعظمه من رجل لم تغيره السنين أبدا لازال يفكر في الجميع قبل

نفسه "

أومأ برأسه موافقا ثم همس بتردد

" عمتي ما قصة زوج ابنتك ؟ "

حركت رأسها بقلة حيلة وبدأت تسرد عليه هامسة أيضا كل ما حدث

معها منذ تزوجته بل ما عانته أكثر في الأعوام الأخيرة حتى أنه تزوج

عليها من عامين وكلما اشتكت هددها بأن يطلقها ويرميها في الشارع

ويأخذ طفليها منها ، وما أن أنهت حديثها شد قبضته قائلا بضيق
" أريد اسمه كاملا عمتي وأين يعمل "

نظرت له بتوجس وقالت

" لا تدخل نفسك في مشاكل معه يا عمير فهو سيء خلق وطباع كما

أن تدخلك لن يزيد وضع ابنتي إلا سوء "

حرك رأسه برفض وقال بحنق

" بل أمثال هذا الرجل لا يستقيم حاله إلا إن خاف ، ولأنه يعلم بأنه

لا أحد لكما يبرز عضلاته عليها فاتركيه لي أأدبه لها أو أخلصها منه

وفي الحالتين أنتم الكاسبون وأنا سأتكفل بمصاريف أبنائها وقسما أن

أقتص منه وقتها بالقانون ولن أسمح له بأن يذل عمتي ولا ابنتها ما

دمت حيا "
خبئت عينيها في كف يدها ونزلت دموعها مجددا قائلة بعبرة

" لا كسرنا الله بعدك يا عمير ، رغم ما فعلته ابنتي بك تقف

معها الآن ؟ "

أبعد رأسها رافعا له للأعلى وعاد لمسح دموعها قائلا

" ما عاش من يذل هذا الرأس ولا ينزله وأنا موجود ، بثينة

ابنة عمتي مهما حدث وفي حسبة شقيقتي ولن أرضى أن يظلمها

أحد ، ما بيني وبينها كان وانتهى من أعوام طويلة إن كان الحب أو

الجرح "

ولم يغادر المنزل حتى أخذ منها جميع المعلومات عن زوج ابنتها

فلن يسمح له بالسخرية من حالهما وحاجتهما مجددا ، ليس من

أجل أي شيء سوى عمته ودموعها وحزنها الذي اعتصر قلبه

وهو يرى حالها هكذا فلن تحتاج شيئا ولا أحدا بعد اليوم وهو

حي يتنفس


*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 27-09-17, 08:54 PM   المشاركة رقم: 377
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 




فتحت باب الغرفة ودخلت وأغلقته خلفها ونظرها على الجالسة

على السرير منحنية قليلا تحاول ربط الشاش الملفوف حول كاحلها

وقدمها التي ترفعها عن الأرض قليلا وقد جمعت شعرها البني الفاتح

جميعه جانبا أطرافه تلامس الأرض تحتها وقد ارتفع فستانها الأبيض

فوق ركبتيها بقليل ، أنزلت قدمها وعدلت جلستها ونظرت مبتسمة

للتي اقتربت منها مسرعة وجلست بجانبها وضمتها لحضنها فورا ...

الحضن الوحيد الذي لا ترفضه بل وتشعر فيه بذاك الأمان الذي لا تعبر

عنه والحنان الذي لا تطلبه من أحد ، نامت على كتفها وتلك تضمها

لها قائلة ببحة بكاء

" زيزفون كيف أصبحت يا شقية ؟ أراك أفضل بكثير من وقت

خروجك من هنا "

لم تعلق متمسكة بصمتها ومكتفية بالنوم في ذاك الحضن فقالت

تلك ماسحة على شعرها بحنان

" كدت أجن حين أخذوك من هنا ولم أتوقف عن إزعاج تلك المرأة

بالسؤال عنك وحين أخبرتني أنك برفقة ذاك الشاب وأنك تحت

حمايته اطمئن قلبي فهو مختلف تماما عن شقيقه المتوحش ذاك "

ابتعدت عن حظنها وهمست ببرود تحاول ربط شعرها للخلف

" بل جميعهم متشابهون فقط الأهداف والأقنعة تختلف "

حركت رأسها بعجز من عنادها وأفكارها وهرعت فورا تساعدها

في جمع شعرها في تلك العقدة والطريقة التي تحبها وقالت

" أين أخذك كل هذا الوقت ؟ لاحظت أن عائلته هنا لا يعلمون

مكانه وكانت الأجواء مضطربة جدا "

كانت حينها قد انتهت من جمع شعرها في تلك العقدة فاستلقت

على السرير وأغمضت عينيها هامسة

" أريد أدويتي يا خالة أحتاج لأن أنام ولو لساعة واحدة فقط "

وقفت تلك من فورها خارج السرير وقالت مغادرة الغرفة

بخطوات سريعة

" سأجلبها لك حالا "

وصعدت للأعلى مسرعة أحضرت علب أدويتها جميعها في كيس

بلاستيكي وعادت للغرفة بأسرع ما يمكنها ودخلت مغلقة الباب

خلفها ونظرها على النائمة على السرير مغمضة العينين ،

أسرعت ناحيتها فعليها أن لا تتركها تنام من دون تلك الكبسولات

لأنها تعلم نتيجة ذلك جيدا وتستغرب أن استسلمت للنوم فهي

بمساعدة الأدوية وتقريبا لا تنام ! وصلت عندها منادية بخوف "
زيزفون لا تنامي "

فتحت عينيها وجلست ببطء متمتمة

" لم أنم خالتي لا تخافي "

أخذت أقراص الدواء منها وابتلعتها بالماء دفعة واحدة ثم مدت

لها ورقة مطوية وقالت

" هذه أوصليها لتلك المرأة توصلها لشخص تعرفه جيدا "

أخذتها منها ونظرت لها تقلبها باستغراب قائلة

" ما هذه وما الموجود فيها يا زيزفون ؟ "

ارتمت على السرير متنهدة بتعب وأغمضت عينيها هامسة

" أوصليها لها فقط يا خالة "

وارتخى صوتها وهي تتابع بخدر

" لا توقظيني أبدا ، أريد أن أنام فقط ولوقت طويل "

مسحت على شعرها بحزن وقبلت جبينها هامسة

" لن أوقضك صغيرتي أنتي فقط نامي ذاك النوم الطويل الذي لم

تعرفيه يوما "


*
*
*


سار بأقصى سرعة كان يمكنه السير فيها ورغم ذلك يبدوا أنه وصل

متأخرا فلم يكن يعلم أن وقت اجتماع ابن شاهين بوفد الثناننين

يكون اليوم إلا وقت مغادرته العمران ولو كان يعلم مسبقا ما نام

ليلته إلا هنا في حوران ، نزل وضرب باب سيارته باستعجال وتحرك

بخطوات سريعة جهة الباب الرئيسي المؤدي لقاعات القصر الرئاسي ،

تجمع السيارات في الداخل كبير لكنه لن يعول على ذلك أبدا فوجود

الرجال والسيارات في هذا المكان جزء لا يتجزأ منه لكنه سيعيش

على أمل أن يكون زعيمهم ضمن الوفد القادم ، دخل قاعة الإستقبال

ووقف ينظر للأشخاص الذين ملأ وجودهم المكان تقريبا وأغلبهم

كان يخرج من إحدى القاعات الرئيسية ومن ملامحهم علم سريعا

بأنهم الوفد المنتظر من أعوام طويلة بالنسبة له وأن اجتماعهم قد
انفض حاليا ، بحث أكثر بنظره بينهم يجيب تحية من يمر به ويحدثه

دون أن ينظر ناحيته حتى وقع نظره على أحد أبناء زعيم الثنانيين

السابق واقفا مع مجموعة منهم والذي كان ( ساجي ) فعلم حينها

بأنه سيكون من ترأس الوفد وأن شقيقه الأكبر وزعيمهم الحالي لم

يأتي ضمن وفدهم ، شعر الواقف هناك بوجوده من بين كل الموجودين

ونظر له بل لعينيه مباشرة نظرة لو كان لها القدرة على القتل لطرحته

أرضا ، نظرة جعلته يفهم فورا أن مخاوف مطر حقيقية وأنهم اكتشفوا

أمر وعدها وانتظارها له ولم يعد يستبعد الأسوأ أبدا ، شد قبضته بقوة

وكان ينوي بالفعل التوجه نحوه والتحدث معه لكنه أمسك نفسه في آخر

لحظة متسلحا بالصبر والتعقل فابن زعيم الثنانيين هذا تحديدا يعرف

بأنه أشرس أشقائه وأعندهم وأسرعهم غضبا فعليه أن ينتظر ليعرف

ما انتهى إليه اجتماعهم أولا ، انتقل نظره سريعا جهة الباب الذي

خرج منه مطر يتحدث واثنين منهم فتوجه نحوه سريعا لحظة ما

ابتعدا عنه فوقف أمامه وتصافحا وشد رعد على يده بقوة وهمس

ناظرا لعينيه

" ماذا حدث معهم ؟ "

قال مطر بجدية وصوت منخفظ أيضا

" ليس هذا وقته فهم لازالوا هنا يا رعد وأخبرني أنت أولا ما حدث

مع زوجتي "

ترك يده قائلا بضيق

" وزوجتك ليس وقتها الآن ، ولا ينشغل بالك عليها فرأسها أعند

من الصخر وقلبها لم يتوقف عن الحياة بعد "

ابتسم الواقف أمامه قبل أن تتحول ابتسامته تلك لضحكة صغيرة

ونقل نظره للذي انظم لهما ولم يكن سوى ... ساجي الذي نظر

سريعا جهة رعد لبرهة نظرة جامدة عميقة قبل أن يقول

" كيف أنت يا ابن شراع "

قال رعد من فوره

" بخير "

وعذل عن فكرة مصافحته بسبب العداء الواضح في نظراته ونبرة

صوته ونقل ذاك نظره سريعا جهة مطر الذي اندمج معه في حديث

سرعان ما أصبح أكثر خصوصية وهو يسأله عن أشقائه وأبنائهم

وعن أولاده حتى قال

" وكيف هي مدللتكم الصغيرة آستريا ؟ "

انقبضت حينها أصابع الواقف معهما لا إراديا مع انقباض قلبه وسط

أضلعه ، يعلم جيدا أن مطر تعمد هذا من أجله فقط فلم يعرفه أبدا يسأل

عن عائلات أيا كان ولا نسائهم ، قال ساجي بابتسامة باردة خالية

من أي تعبير " آستي الآن امرأة وأم لستة أبناء فعن أي طفلة

تتحدث ؟ "

أشاح حينها رعد بوجهه ونظره عنهم وشتت نظره في أمكنة

مختلفة مبتعدا عن حديثهما مجددا حتى غادر ذاك الثناني مودعا

لهما بكلمات من لغتهم دون أن يصافح أيا منهما وغادر المكان

ورجال قبائلهم يتبعونه فنظر حينها لمطر وقال

" كاذب فيما قال "

أومأ مطر موافقا دون أن يعلق فقال رعد

" ماذا حدث في اجتماعكم ؟ هل اتفقت معهم ؟ "

قال مطر بجدية

" تقريبا وسأزور مدنهم في وقت قريب وألتقي بزعيمهم ، هم لا

يرفضون الانظمام لنا مجددا لكن ثمة أمور قد تشكل عائقا وأهمها

اختلاف الديانات وأن نفرض عليهم أحكام شريعتنا ويرضون هم بها "


قال رعد من فوره

" لكن القوانين لدينا وضعية وقابلة للتغيير والدمج "

قست ملامح الواقف أمامه وقال

" ذاك سيتغير قريبا فلا شيء أسمه قانون فوق قوانين الله ، أي

وجوه هذه التي سنقابله بها ونحن نرفض ما شرع لنا ونغيره ؟

على تلك القوانين أن تتغير وعلى الثنانيين أن يرضوا بها أو

ليبقوا خلف حدودهم تلك "

حرك رعد رأسه بعجز وقال

" وذاك عين العقل لكن الأغلب لن يرضوا فكيف إن كان الأمر

دون استفتاء وتصويت "


قال مطر من فوره

" رغما عن أنوفهم ومن كره ذلك فلينظم لمتمردي صنوان

لتكون نهايته كنهايتهم القريبة "

شد رعد على فكيه بقوة وتنفس بعمق ولا يمكنه التعليق على كلامه

هذا ولا نكرانه ولا مجال له أيضا لفعلها فقد تابع مطر دون انتظار

" لا أحد يكون مع الله فيتركه والناس سترضخ لأن الحكم عسكري

حتى تستقر أمور البلاد "

أومأ برأسه موافقا وقال

" وإن فرضنا أن الثنانيين وافقوا ذلك وهذا الأمر الطبيعي في أي

دولة قوانين البلاد تسري على جميع الديانات فيها ، وقتها ما
سيكون وضع مدنهم المستقلة ؟ "

وسكت لبرهة قبل أن يتابع

" ووضعي أنا يا مطر ؟ "

ربت مطر بيده على ذراعه وقال

" اترك هذا لوقته يا رعد وأخبرتك سابقا أن قوانينهم بينهم لا شيء

ولا أحد يفرض عليهم فيها شيئا فاترك الأمر لي حتى ألتقي

سنمار أولا "

تنهد بقلة حيلة وقال

" لا حل غيره أمامي ولعلمك فقط فلن تأخذ امرأتك ما لم تخرج

منهم بامرأتي "

كان رد فعله وقتها آخر ما توقعه رعد وقد ارتفعت ضحكته مما جعل

الرؤوس تلتفت نحوهم ، ومن لا يستغرب ذلك وهم من لم يعرفوا

هذا الرجل إلا جادا عابسا آمرا كأي قائد حرب مقاتل ، نظر رعد

لمن كانوا حولهم وقد تحولت نظراتهم لهما بفضول ثم نظر للواقف

أمامه وهمس بضيق

" لا تسخر من كلامي ولا تتفاخر بقدراتك فلن يلين رأسها العنيد

ذاك غيرنا فتذكر هذا "

قال مطر بابتسامة مائلة

" ولست أثق ولا بقدرتكم أنتم وأعلم عن عنادها أكثر مما تعلمون "

أنهى جملته تلك وتحرك مجتازا له ليغادر فأمسك رعد بيده موقفا

له وقال ناظر لعينيه

" اتركني أخبرها عما فعل جبران إن كان ما حدث وقتها السبب

فيما بينكما ولن أخبرها عن حديثنا هذا "

حرك مطر رأسه برفض قاطع وغادر دون أن يضيف شيئا فوحده

يعلم أن ذلك لن يجدي نفعا بل سيزيد الوضع سوء وبدلا من أن يبرر

موقفه سيجرحها أكثر وهي تعلم بأنه اتهمها بالخيانة ومع من ؟

مع شخص لم تعتبره يوما إلا شقيقا لها .


*
*
*

وضعت القلم من يدها ودفنت رأسها بين يديها ، لم يعد يمكنها

التركيز في أي شيء من هذا طالما أنها تحاول طرد تلك الأحداث

من رأسها ومقاومتها ، وكيف تنسى أمورا هي سبب جميع مشاكلها

الآن ؟ لا هي ليست مشاكل فمملكتها ليست بحاجة لتبرعاته الضخمة

تلك ولا استثماراتها تقف عليه ، كل ذلك يمكنها تغطيته وإيجاد حلول

له فهذه مدينة كاملة ليست جمعية فقط ولا شركة يمكنه تدميرها

والكثير من رجال الأعمال سيكونون على استعداد لدعمهم ولن

يكسرها بما علمته ولن ترضخ لشروطه أبدا ، غادرت كرسيها

وتحكرت جهة الواجهة الزجاجية ووقفت أمامها تراقب الطبيعة التي

لم يفسد جمالها انتشار كل تلك المباني البيضاء العالية فيها ، كل هذا

من صنعها هي ولأعوام ولن تسمح بأن يدمره في داخلها أبدا .

قالت مخاطبة التي تركتها جالسة أمام طاولة مكتبها

" ألم تتصل جليلة ؟ "

" لا "

كان جوابها مباشرا ولم يأخذ منها أي قت للتفكير وهذا المتوقع

منها بعد ما حدث حتى أنها تغلق هاتفها ، تعرف جليلة جيدا لن

يكون هروبها هذا غضبا منهم بل لسبب لازالت لا تفهمه فحتى

موقفها من خبر موته كان صادما لها ، لا تفهم أسباب رماح

حقا كما يجهلها الجميع فبنفسه أخبرها يوما أنه يريد فتاة من

الهازان ، كان ذلك قبل أن توحد البلاد ثم لم يعد يتحدث عنها وقال

لها مرة حين سألته عن الأمر أن تنسى أمرها ثم وفجأة أخبرهم

بقراره الزواج من جليلة ! قرار فاجأهم جميعا كما فاجأتها موافقة

جليلة الفورية ثم تصرف رماح الغريب وهو يقترح أن تنهي

دراستها الجامعية أولا ومن ثم الدراسات العليا وتركها هكذا معلقة

لأكثر من سبع سنوات لا هو أتم زواجه بها ولا طلقها ! والآن

وبعدما حدث ما سيكون مصير هذا الزواج ؟ تنهدت بضيق تشعر

أنها أضافت لقلبها هما جديدا وكأنه ينقصها منغصات فالتفكير في

وضع رماح وحده يكفي لتدميرها كليا
"

سيدتي هل نراجع ملفات الحسابات الأخيرة أيضا أم ننتظر حتى

تأتي السيدة جليلة "

تنفست بعمق وقالت

" دعينا نؤجلها حتى تكون هنا أفضل ، شكرا لك يا راوية

يمكنك المغادرة الآن "

وما أن أنهت جملتها تلك حتى سمعت صوت سحب الكرسي

خلفها ثم خطوات ذاك الحذاء الأرضي فصوت الباب وهو يفتح

وغلق بهدوء ، حينها اتكأت بجبينها على الزجاج البارد أمامها

وأغمضت عينيها فلم يعد من جدوى لمحاولاتها نسيان أو تناسي

كل ما حدث هناك وما علمت به والموجود هنا بين أضلعها

يرتجف كالطير الجريح ، انسابت أول دمعة من بين رموشها

السوداء الكثيفة حتى تجمعت عند أطرافها لتهوي للأرض .. كغسق ..

كحال غسق .. ككل شيء فعلت المستحيل ليكون جزءا من غسق .

تدفقت الذكريات أمامها دون رحمة كدمعاتها المتسابقة للأرض

وهي تتذكر تلك العبارة تحديدا

( والدك يشترط أن تكوني متزوجة وفي العلن )

متزوجة !! هل عاشت أعواما كمطلقة وهي في أكذوبة بشعة ؟

هل عليها فعلا أن تعترف بذاك الرجل زوجا لها وأمام الجميع

لترى والدها ذاك أو أن يرضى ابن شقيقه أن يطلقها

لتتزوج بغيره ؟
تتزوج مجددا !! لما هذه الكلمة المقيتة تحديدا ؟

لماذا يحدث معها كل هذا دائما ؟

ولما لا تستطيع رفض كل تلك الشروط وواضعها ؟

ترفضه ... ! ترفضه كيف ؟

هل ترفض والدا لها بعدا أن باتت يتيمة وحيدة ؟

فتحت عينيها ورفعت رأسها ومسحت رموشها المبللة بالدموع

ونظرت للأفق البعيد خلف الزجاج ذو الواجهة المعتمة أمامها

وتذكرت كلام شقيقها رعد عن غضبها من عائلتها تلك

ومسامحتها لوالدها ! كيف لا تسامحه وهي من لا يحق لها أن

تغضب منه ؟
كيف لا تسامحه وهو من قتل دفاعا عن عرض المرأة التي

أصبحت والدتها وعن حياة الرجل الذي كان جدها ؟

بل وهاجر وتغرب عن أهله وزوجته وجنينها وعاش دون

هوية وعائلة ليحميها هي فبأي حق ستغضب منه الآن ؟

ابتعدت مبعدة تلك الأفكار عن رأسها مجددا وتحركت من هناك

فلا تريد التفكير في كل ذلك أكثر من هذا لأنه ليس سوى مضيعة

للوقت فابنتها ستراها من حين لآخر ووالدها الحقيقي ستلتقيه

مجددا وإن كان يوم واحد من كل الشهر فهي راضية والباقي لا

يعنيها في شيء وأولهم مطر شاهين ذاك ، حملت حقيبتها

وغادرت مكتبها بل ومبنى الجمعية بأكمله فعليها أن تزور ابنة

خالتها سريعا وتفهم سبب إغلاقها لهاتفها وسجنها لنفسها في

المنزل ، وما أن خرجت للخارج وقفت تنظر باستغراب لحركة

مهندسي التخطيط والأشرطة الصفراء التي تفصل الشارع وتحيط

بالمساحة المقابلة للمبنى فتوجهت نحوهم من فورها وخاطبت

أحدهم قائلة

" ماذا تفعلون هنا ؟ "

وقف ذاك وقال ينفض الغبار من قفازاته

" نجري مسحا للمكان "

شدت قبضتيها بقوة وغضب وقالت

" أين المهندس المشرف ؟ "

أشار بإصبعه بعيدا وقال

" إنه ذاك الرجل "

وعاد لما كان يفعل فتحركت فورا جهة الذي كان يوليها ظهره

ممسكا مجموعة أوراق في يده يناقشها والواقف أمامه فوقفت خلفه

مباشرة وقالت بضيق

" عذرا "

التفت لها حينها برأسه قبل أن يدور بجسده كاملا ونظر لها تلك

النظرة التي باتت تبغضها في جميع الرجال فقالت ببرود

" أنا غسق شراع وأريد معرفة ما يجري هنا الآن ؟ "

حمحم من فوره وقال

" سعدت بلقائك سيدتي وكما تري أمامك نحن نجري مسحا لبعض

الأراضي في المدينة لنعطي تقارير عنها وينتهي دورنا هناك

لتستلم الأمر الشركات المعمارية "

قالت بحدة

" أي تخاريف هذه التي تتفوه بها ؟ من سمح بهذا وقرره ؟ "

نظر للذين توقفوا عن العمل يحدقون بهما قبل أن ينظر لها

مجددا وقال ببرود

" القرار قادم من وزارة التخطيط وهو قرار رئاسي كما فهمت

فلا دخل لنا نحن بكل هذا "

تركته حينها وعادت جهة باب الجمعية مجددا تكاد تشتعل غضبا ،

الأمر رئاسي إذا ؟ هل هذا ردك يا ابن شاهين على رفض

أموالك ومستثمريك ؟ صعدت لطابق الإدارة مجددا ودخلت

مكتبها ضاربة بابه خلفها وتوجهت لخط الهاتف الثابت

واتصلت فورا بمن لديه الأجوبة عن كل هذا وبعيدا عن سماع

صوت ذاك الرجل ، ما علمته أن له مكتبا في القصر الرئاسي

رغم أنه لا يسكن فيه واختار العيش في منزل عائلته فاتصلت

بمكتب سكرتيره الخاص وحيث سيكون المكان الأول الذي صدرت

منه تلك الأوامر بالتأكيد وقبل حتى أن يصل وزارة التخطيط ،

أجاب بعد برهة قائلا

" هنا مكتب القيادة العامة من المتحدث ؟ "

قالت من فورها وبضيق

" غسق شراع وأريد أن أفهم فورا سبب ما يجري هنا ولما يتم

مسح أراض أنا مالكتها وبدون علمي أيضا ؟ "

لم يأخذ وقتا أبدا وقد أتاها جوابه سريعا قائلا

" قد لا يحق لي التحدث تفصيلا في أمر كهذا لكن ما أعلمه

أن بنود اتفاقية العمران تشرع هذا لشخص واحد فقط وإن أردت

تفاصيل أكثر يمكنني أن أنقل الإتصال للسيد مطر "

قالت من بين أسنانها

" لا بالطبع "

وضربت سماعة الهاتف بعنف شاتمة

" سحقا له ... لا بل لي فأنا التي لم أطلع سابقا على تلك الشروط

الحمقاء "

خرجت بعدها من مكتبها ووقفت عند مكتب سكرتيرتها المحدقة

بها وقالت بضيق

" هل بلغتم عمن سينوب عن الجمعية في اجتماع الوزارة ؟ "

حركت تلك رأسها فورا بالنفي وقالت

" كنت سأفعل ذلك الآن "

قالت وبذات ضيقها

" لا تبلغي أحدا ولن يحظر أي ممثل لنا أي اجتماع لهم "

نظرت لها بصدمة وقالت

" وكيف نرفض سيدتي ؟ أمر إرسال منذوبين عنك وحده قد

يزعجهم بالتأكيد فكيف بالرفض التام "

قالت مغادرة من عندها

" نفذي ما قلت يا راوية وليفعل ذاك الرجل ما يحلوا له "


*
*
*

طرقت على باب الغرفة طرقتين متتاليتين ثم فتحته ودخلت

ومدت شفتيها بعبوس ما أن وقع نظرها على الجالسة مكانها

فوق السرير تحضن ساقيها بيديها التي التف حول إحداها شاش

طبي تنظر جهة الناقذة في صمت وحزن ، اقتربت منها وجلست

أمامها قائلة

" ماريه هل أفهم فيما سيجدي سجنك لنفسك هنا والحزن ؟ "

وعضت طرف شفتها حين مسحت الجالسة أمامها بطرف كم

بيجامتها دمعة تسللت من رموشها ونظرها لازال على تلك

النافذة فهي نسيت بأنها ضيفتهم التي لم يمضي على وجودها

هنا إلا ساعات مهما طالت وليست تعلم حتى الآن عن طباعها

فيبدوا أنها حساسة وهي جرحتها بكلماتها ، لكن ما تفعله بنفسها

الآن لن يجدي في شيء والرجال لا يجدي معهم سوى الشد

والضرب ، قالت دون اكتراث هذه المرة

" رجال الهازان جميعهم قساة قلوب وقحين وسيئي طباع اسأليني

أنا عنهم ، ثم لا أكذبك حديثا فالمدعوا زوجك ذاك لم يعترف يوما

لا بوالدي ولا عمه ولا عمته ولا حتى والده عائلة له ويلوم

الجميع على وفاة والدته ، كانت مرات قليلة جدا تلك التي رأيته

فيها واجزم لك بأنه أكثر رجل رأيته في حياتي برودا وقسوة

وتعجرفا ولا مبالاة وكأنه لا رجل غيره على وجه الأرض "


وتابعت بضيق
" ذاك الوسيم المغرور اقسم أنه لم يبتسم يوما ولا دون قصد "

وما أن أنهت آخر كلمة قالتها عضت لسانها وكأنها تجبره على

الصمت فيبدوا أنها تمادت بالفعل هذه المرة فقد عادت الجالسة

أمامها لمسح دموعها مجددا وفي صمت فتنفست بعجز وقالت

" إن كنت تريدين رقم هاتفه أجلبه لك الآن من وقاص فهو

الهازاني الوحيد الذي سأرضى التحدث معه ، وهو وشقيقه

الدبور ذاك وحدهما من لا ينفر منهما المدعوا تيم "

خرجت حينها من صمتها وهمست ببحة وقد نقلت نظرها من

النافذة لركبتيها

" لا أريد رقم هاتفه ولا أي شيء عنه "


صفقت الجالسة أمامها قائلة بحماس

" رائع ظننت أنك حزينة من أجله وليس من أجل نفسك "

ثم قفزت خارج السرير وسحبتها من يدها قائلة

" تحركي هيا سأحضر لك ثيابا مني ونخرج نتنزه نزهة لن

تنسيها حياتك أبدا واتركي ذاك الأحمق وسنجعله يركض خلفك

بنفسه وقولي ساندرين قالت "

ومن دون أن تترك لها أي مجال لتعترض خرجت مسرعة

وتركتها واقفة مكانها فعليها فوق بيجامة النوم الخاصة بها

والتي تلبسها الآن أن تعيرها ثيابها الأخرى أيضا ، لو أنه

أخبرها بأنه سينبذها ويرميها على غيره لأحضرت ثيابها

معها بل لكانت بقيت مع عمها هناك فعلى الأقل ذاك منزلها

في كل الأحوال وتصرف على نفسها من مالها وقد اعتادت نبذ

أولئك البشر لها لكن هو فلا ، مسحت دموعها بقوة ترفض أن

تذرف المزيد منها فهي الحمقاء التي من سعادتها به لم تفكر

أن تلومه على ما تركها فيه كل هذه الأعوام ونهاية الأمر ها هو

يحرر نفسه أيضا من مسؤليتها ، تحركت من هناك لتوقف تفكيرها

عند ذاك الحد فكما قالت تلك الفتاة لا يستحق الأمر سوى أن تحزن

فيه على نفسها بل وحتى هذا عليه أن يتوقف فورا


*
*
*

ما أن سمعت صوت بوابة المنزل تفتح حتى ابتعدت عن النافذة

المفتوحة التي لم تفارقها منذ وقت ولبست حذائها وخرجت من

الغرفة راكضة فبالتأكيد سيكون هو فعمها صقر مسافر ولا أحد

غيره سيدخل هنا فهي تنتظره منذ الظهيرة وهو وقت عودته وقد

تأخر اليوم عن موعده أكثر من ساعتين وتركها تحترق نارا في

انتظاره ، ما أن وصلت باب المنزل حتى التقت بالذي كان داخلا

منه فارتمت في حضنه فورا مطوقة خصره بذراعيها تدفن

وجهها في صدره باكية فمنذ أخبرتها عمتها جوزاء فجرا وهي

تشعر بأنها تكاد تطير له حيث يكون من شدة سعادتها .

مسح على شعرها وقال بجدية

" تيما لاحظي أنك منذ أصبحت هنا وأنتي لا تتوقفين عن البكاء ،

كوني كوالدتك لا يبكيها إلا ما يبكي الرجال "

حركت رأسها برفض ولازالت تدفن وجهها في صدره ، تعلم أنه

يكره أن تبكي هكذا فحتى حين كانت صغيرة كان يوبخها إن بكت

لأي سبب كان حتى غرس فيها شدة تحمل غريبة فلم تكن كباقي

الأطفال تستخدم دموعها كسلاح لتنال ما تريده ولا يبكيها إلا

سقوطها من أرجوحتها ، وعلى ذاك عاشت وكبرت وتربت لكن

الآن لا يمكنها امساك تلك الدموع فلا شيء يمكنها التعبير به عن

سعادتها تلك غيرها ، أبعدت وجهها ونظرت له وقالت مبتسمة

من بين بكائها

" أنت لن تطلقها أبدا أليس كذلك ؟ ولن تغضب منها إن رفضتك ؟ "

تنفس بعمق وقال ناظرا لعينيها

" لم أطلقها سابقا لأفعلها الآن يا تيما "

ابتعدت عنه تمسح دموعها قائلة مبتسمة بسعادة فذاك فقط ما كانت

تريد التأكد منه ، وصلها صوته بعد لحظات

" إن كنت تريدين الذهاب لرؤيتها سيأخذك خالك رعد هناك "

نظرت له بصمت لبرهة وكأنها تترجم ما قال فلم تتوقع أن ينادي

ذاك الرجل الذي لم تراه يوما بخالها ولا أن يسمح لها بالذهاب معه !

قالت بسعادة

" حقا يمكنني زيارتها الآن ؟ "

قال من فوره

" رعد سيغادر لتوز عصرا وسيمر بالعمران في طريقه ويمكنه

أخذك معه ، ومتى أردت الذهاب لها فأخبريني يا تيما اتفقنا ؟ "

أومأت برأسها موافقة وقالت مبتسمة بحماس

" سأذهب لأجهز نفسي "

قال قبل أن تغادر

" تيما لا أريد أن تتحدثي معها بخصوص ما علمته من عمتك اليوم "

نظرت له وكانت ستتحدث والحزن قد عاد ليخيم على ملامحها

الجميلة مجددا فقاطعها قائلا بجدية

" أنتي خارج كل هذا يا تيما فلا تجعلي والدتك تغضب منك لأنها

قد تعتبره انحيازا منك وأنتي لم تعرفي بعد عنادها ولا رفضها

لواقعها الجديد "

أومأت برأسها باستسلام وهمست بحزن تنظر للأرض

" علمت عن ذلك ما يكفي "

ثم غادرت من عنده ونظراته تراقبها حتى اختفى وتحرك بعدها

جهة ممر مكتبه هناك ودخله مغلقا بابه خلفه وأخرج هاتفه

واتصل بعمه صقر والذي أجاب سريعا قائلا

" مرحبا يا مطر "

تحرك جهة النافذة وقف أمامها وقال

" مرحبا عمي ماذا حدث معكما ؟ "

وصله صوته مباشرة

" الأمور تسير كما خططت لها ، بقي أمامنا يومان فقط ونكون

لديكم ، كيف هي تيما ؟ "

قال من فوره

" بخير .... قاسم ما رأيه بشأن مكان إقامته "

قال صقر

" وافق أن يقيم في منزلنا في الوقت الحالي وكما تعلم عائلته لن

يوافقوا وجوده بعيدا عنهم الآن على الأقل لكنه قال بأنه سيرتب

أموره سريعا وأنت مؤكد تعرفه أكثر مني فأنا أراه رجل يمكنه

الاهتمام بنفسه جيدا ويمكن الإعتماد عليه "

همس ونظره على الأشجار التي بدأت تستعيد خضرتها تدريجيا

" أعرفه جيدا .... جيدا يا عمي وأعلم أي الرجال يكون "

قال صقر قبل أن ينهي الاتصال معه

" لست أعلم عما دار بينك وبين غسق لكن ورغم ذلك لن

أوصيك عليها يا مطر فيكفيها نكبات "

ظهرت ابتسامة طفيفة عند طرف شفتيه وقد تذكر فورا كلام رعد

عنها وما فعلته اليوم فقال

" لا تقلق بشأنها فهي كما عرفتها في الماضي وأشد ولن

أحتاج أن يوصيني أحد عليها "

وأنهى الاتصال بعدها مودعا له ثم دس الهاتف في جيبه مسندا

كف يده الأخرى على زجاج النافذة أمامه ووقع نظر على خاتم

الزواج الفضي في إصبعه ومر فورا طيفها أمامه .. صورة تلك

الملامح الفاتنة والعينان الدامعة .. الخدان المتوردان والشعر

الأسود الحريري فعادت لذاكرته سريعا ذكرى ما حدث بالأمس

هنا وفي تلك الغرفة تحديدا حين دخلها مجددا وبعد وقت أقل

مما كانت تتوقع بكثير ليجدها جالسة فوق السرير تفرغ غضبها

وألمها بتمزيق ذاك القماش بعنف وكأنها تمزق ذكرياتها التي

أصبح بقائها أوجع من التخلص منها مثلما باتت تؤمن بأن

التخلص منها مستحيل ، مشهد كان كفيلا بإخراج ذاك الصامت

من صمته المميت وتحطيم كل ذاك الجبل الجليدي الذي كان

يتحصن خلفه ببراعة من عاش واعتاد أن يتحكم في مشاعره

وليس هي من تتحكم به فرؤيته لتمزيقها للشيء الذي ما استطاع

هو إبعاده من مكانه ليلتين كاملتين كان كفيلا بنسف كل ذاك التعقل

والجمود فشد قبضتيه بقوة وقال بضيق

" كنت رميته بنفسك كفستان زواجنا بدلا من تركه لحبيبة

وتمزيقه الآن "

رمت ما في يدها ونظرت له وقالت كاذبة

" ذاك أحرقته وبالفعل كان عليا فعل ذلك مع هذا أيضا لما وجدت

الآن ما تعتقد بأنك ستذل غسق برؤيته "

أبعد نظره عنها وتنفس بقوة نفسا لو كان اعصارا لدمر كل شيء

ووصله صوتها قائلة بأمر

" أخرجني من هنا الآن لا أريد البقاء معك ولا في غرفتك

ولا حتى منزلك "

نظر لها وصرخ بعنف

" لن تخرجي حتى نتفاهم يا غسق قلتها ولن أكررها مئة مرة "

وقفت على ركبتيها فوق السرير ورمت سبابتها صارخة مثله

" لا حديث ولا تفاهم بيننا وأنا سبق وقلت هذا فبأي حق تمنعني

من الخروج "

ضرب الباب بقوة مغلقا له وقال بغضب

" بحق أنك زوجتي وأن القرار لي وحدي تفهمين هذا ؟ "

" كاذب "

صرخت فيه بأعلى صوتها بل بكل عصب في جسدها وهي تكرر

صارخة

" كاذب ... كاذب ... كاذب "

وكأنها تعتصر جراحها بيديها كي لا تنزف أكثر وهي تنكر أمرا

تعلم بأنه لن يتفوه به عبثا وأن هذا الرجل تملكي حد النخاع

ولن تستغرب أن يتلاعب بأي شيء كي لا يخسر ما يملك ليس

لشيء سوى لإرضاء غروره البشع .

صرخ مثلها

" بلى زوجتي ومنذ خمسة عشر عاما بل منذ أربع وعشرون عاما

يا غسق أتفهمي ؟ "

انهارت جالسة على السرير مجددا وضربت بقبضتها على فخذها

صارخة بصوت محتج تنظر لعينيه بغضب

" لست أفهم ولن أفهم أي شيء ولست زوجتك وأنت طلقتني

وفعلت ما أنكرت يوما فعله والقانون يشهد"

توجه جهة أدراج طاولة التزيين قائلا بحزم

" بل لم يدم عمر تلك الورقة التافهة أكثر من ساعات خروجي من

البلاد ولولا يقيني من أنها ستلغى سريعا ما وقعتها "

فتح الدرج وأخرج أوراقا رفعها أمامها وتابع

" هذه كانت ستسقط ملكيتها عنك بموتي أو طلاقي لك فهل أنتي

على استعداد لخسارة مملكتك يا درع المرأة "

لوحت بيدها قائلة بغضب

" لا يحق لك التحدث عن العمران ... العمران مملكتي أنا ..

أنا من بناها إن كانت الأرض ملكي أم لا ولا شيء لك فيها "

فتح الدرج مجددا وأخرج أوراقا أخرى ورماها جميعها في

حجرها وقال

" أتقصدين هذا ؟ "

نظرت للأوراق باستغراب ورفعت واحدة منها بيد مرتجفة

وما أن اطلعت عليها حتى شعرت بأن الجدران تطبق على قلبها

وهي ترى حقائق لو علمت أنها موجودة ما رضيت يوما

بتوقيعها بنفسها ... كل تلك الأسماء وهمية !

الشركات .. المستثمرين .. المتبرعين وأهم عملائهم جميعهم

صورة خلفها رجل واحد وهو مطر شاهين .

صرخت باستنكار تنعته بالكذب مجددا وقد بدأت بتمزيقها ورميها

على الأرض فتوجه نحوها وجلس أمامها واستلهم منها ورماهم

بعيدا ثم أمسك ذراعيها قائلا

" تمزيق كل هذا لن يلغي حقيقته يا غسق وأنا فعلته من أجل

القضية التي تدافعين عنها لأنها تستحق وتخدم الوطن "

لكمته بقبضتيها في صدره صارخة

" الوطن ... الوطن أقف لك إجلالا بالفعل يا ابن الوطن الوحيد "

أنزل نظراته لقبضتيها وكأن كلماتها خنجر انغرس في قلبه

فلم ينتظر يوما عرفانا بالجميل من أحد ولا أن يثني أي فرد من

شعب بلاده على ما قدم لهم فما فعله فعله من أجل الوطن وحده

لكن هذه المرأة لا ... هي وحدها من أراد أن تفهم كل ذلك وأن تراه

كما يراه هو فوحدها من دفعت ثمن ما قدمه دون تردد ولا مقابل ،

وحدها من قتلها ليعيش الغير ومن جرحها ليشفي جراح الجميع .


أمسك قبضتيها بيديه بقوة ونظر لعينيها وقال

" أنا لم أفعل ذلك إلا من أجلك يا غسق وأنا لم أتراجع عن كلمتي

حين قلت بأني لن أطلقك "

استلت يديها منه وقالت بجمود رغم الألم في عينيها

" طلقني الآن إذا "

أبعد نظره عنها وتنفس بعمق قبل أن ينظر لها مجددا وقال

" وتخسري العمران ؟ "

لكمته في صدره بيدها بقوة وقالت بعناد والدموع تتجمع في عينيها

وكأنها تقرر مصير موتها

" وأخسر كل شيء "

صرخ فيها بعنف

" حتى والدك الحقيقي يا غسق ؟ "

ألقى عليها تلك الجملة الغاضبة وكأنها لا تعني شيئا متجاهلا

تحديقها المصدوم به وهو يغادر السرير واقفا ، كان يتوقع

رفضها له وغضبها منه لكنه لم يتوقع أن يكون الشعور به عنيفا

هكذا ولم يتخيل أن يشهر هذه الورقة مبكرا لأنه لم يتوقع أن

تتنازل عن المملكة التي بنتها وحاربت من أجلها بسهولة هكذا !

ولأن ابنتهما لن يدخلها في الحرب بينهما مهما حدث فلا حل

أمامه غير ما سيقوله الآن ، نظر لعينيها السوداء المصدومة

والمحدقة به ... التي ما فارقته صورتها في غربته يوما وبدأ

يسرد بهدوء وروية أمام صمتها التام وانتباهها له كل ما حدث

مع والدها الحقيقي منذ خرج من الحالك ... قتله للرجلين ،

هروبه ، خبر موته والثأر الذي هو مطالب به وهي وابنتها

من قبله والشروط التي وضعها كي يرجع للبلاد وإن بهوية

مزورة ومتنكرا ولكي يحمي ابنته قبل كل شيء طالبا فقط أن

يراها وإن ليوم واحد في حياته .

همست ما أن أنهى كلامه ودموعها عادت للتكدس في عينيها

" كاذب ! لا يمكن لكل هذا أن يكون حقيقيا "


قال بجدية

" بلى حقيقي ، وافقي على شروطه وستريه أمامك خلال أيام "

بدأت بأخذ قطع ذاك الفستان ورميه بها دون تركيز صارخة

ببكاء وبذات الكلمة

" كاذب ... كاذب "

وهو واقف مكانه مشيحا بوجهه ونظره جانبا يشد قبضتيه بقوة

مانعا نفسه من الاقتراب منها لأنه يعلم بأنها سترفضه وبقسوة

أيضا رغم أن صوت بكائها فاق كل طاقة له على الصبر أكثر وقد

انحنت للأسفل ودفنت وجهها في كفيها تبكي بمرارة وليس يعلم

أتبكي الحي الذي مات وتركها أم تبكي الميت الذي ظهر أنه على

قيد الحياة وقد حرمت منه سنينا طوال أم تبكيهما معا ؟

توجه جهة النافذة ووقف هناك يستند بجبينه على قبضته

المشدودة التي تفصله عن زجاجها الذي يوازيها برودة معاكسة

تماما قلبه المشتعل بسبب ذاك البكاء المكتوم خلفه وهو أكثر

من يعلم أن هذه المرأة لا تسمح لدموعها بالنزول إلا لأمر

عظيم فكيف بصوت بكائها الذي لم يسمعه سابقا سوى مرة

واحدة حين أخبرها بموت شقيقها ، وحتى ذاك الوقت لم يخفف

حضنه عنها وقد اتهمته بأنه سبب إبعادها عنهم فكيف بالآن ؟

تحرك من هناك ما أن خف صوت بكائها وتوجه نحوها جلس

أمامها مجددا وأمسك كتفيها ورفعها لتجلس مجددا قائلا

" يفترض بهذا أن يسعدك يا غسق لا أن يبكيك "

مسحت عيناها بكمها بقوة وقالت

" أين هو ؟ أريد أن أراه "

قال من فوره

" يرفض ذلك قبل أن توافقي على شروطه يا غسق "

صرخت ملوحة بقبضتها

" لن أرجع لك لن أعترف بك زوجا فطلقني وسأحقق شرطه "

هزها بقوة قائلا بغضب مماثل

" وأنا لن أطلقك ولن يتزوجك أحد فليعلم بذلك الجميع وأولهم ذاك

المدعو يعقوب فأنتي لمطر فقط يا غسق مفهوم "


كانت ستتحدث وغضبها لايزداد إلا اشتعالا فصرخ مسكتا لها

" ولا كلمة أخرى واستمعي لما سأقول الآن وأولهم بأن ابنتك

أول من ستتأذى مشاعرها بجنونك هذا وهي تدخل منزل رجل

أيا كان لترى والدتها "

أبعدت يديه قائلة بحدة

" ابنتك لا تريد رؤية والدتها في جميع الأحوال "

صرخ فيها مجددا

" حمقاء ... قلت اصمتي فورا "

أخرج بعدها هاتفه وفتش فيه عن شيء معين ثم رماه في حجرها

قائلا بضيق

" انظري لهذا وأبعدي ابنتنا عما بيننا يا غسق فلا ذنب لتيما

في شيء "

رفعت الهاتف بعنف هامسة

" ذنبك وليس ذنبها وهو أنك ربيتها على طريقتك "

حرك رأسه متأففا بصمت من أفكارها وعنادها ولم يعلق وتركها

تشاهد أشرطة الفيديو المجموعة والذي انفصلت معها عن

العالم تماما تراقب بعينين دامعة تلك الطفلة فيها .. الطفلة ذات

العينين الزرقاء الواسعة الجميلة والشعر الأسود الحريري المقصوص

في مراحلها العمرية المختلفة فنزلت دموعها العصية مجددا .. نزلت

الواحدة تتبعها الأخرى .. وكيف لا تنزل وهي ترى من حرمت منها

لأعوام أمامها الآن ؟

ترى أجمل طفلة رأتها عيناها تجلس أمام شمعة عيد ميلادها في

كل مرحلة عمرية لها تصفق بيديها الصغيرتان وتغني أغنية عن

الأم ... في كل مرة طفلة أكبر وثوب آخر وشمعة مختلفة ... فقط

الأغنية نفسها والابتسامة نفسها للطفلة الجميلة ذاتها ، تغير العرض

بعدها لتظهر في حضن امرأة متوسطة العمر تبدوا مربيتها ، ومن

جديد ذات الطفلة وذات المرأة لكن العمر يختلف مع اختلاف ثياب

النوم الخاصة بها وفي كل مرة تطلب نفس الحكاية ... الحكاية التي

بطلتها طفلة أسمها تيما ووالدتها غسق وقد التقتا بعد غياب

وسافرتا معا فوق ظهر طائر صغير ، في كل مرة ذات الحكاية

وذات الشخصيات والأسماء حتى أنها كانت تغضب من تلك

المرأة وتنام على الأرض إن قررت أن تغيرها .

تغير المشهد مجددا حيث كانت تجلس أمام نافذة غرفتها وبدلا

من أن تحدث أشخاصا مجهولين كما يفعل باقي الأطفال في سنها

كانت تحدثها هي .. تناديها باسمها وتحكي لها عن كل ما رأته

وما لم تراه .

مسحت الدموع من عينيها مجددا رغم أن ذلك لم يكن يزدها إلا

انهمارا وكان حينها المشهد الأخير والوحيد الذي كانت فيه في

سن أكبر بل كما رأتها الآن وكأنه من وقت قريب جدا وكانت فيه
تحدث شخصا لم يكن ظاهرا لها وكانت تترجاه أن لا يخبر والدها

بما قالت لأنها لا تريد أن تجرحه إن فهم أنها تريد تركه وتفضل

والدتها عليه .

عند ذاك المشهد وتلك الكلمات انهار صمودها مجددا فرمت

الهاتف بطول يدها على الأرض متجاهلة أنها حولته لقطع بسبب

ذلك ودست وجهها في يديها وانهارت باكية لكن بكائها هذه المرة

كان مختلفا ، كان أكثر وجعا وأشد حرقة بل كان أنينا مؤلما أو

أنه هو من لم يعد قادرا على تحمل بكائها أكثر أو على دفن الشوق

لها في أضلعه أكثر فمد يديه وأمسك رأسها ورفع وجهها رغم

اعتراضها قائلا بضيق من نفسه قبلها

" يكفي يا غسق ... يكفيك بكاء "

رفعت يدها تمسح دموعها محاولة كتم شهقاتها المتعاقبة فمد

يده لحجابها وأخرج الدبوس الكريستالي منه في حركة واحدة

خفيفة فانفك من فوره ونزل عن رأسها بسبب قماشه الحريري

الذي نافسه ملمس ذاك الشعر الأسود وتحررت تلك الغرة

المقصوصة لتتدرج بعشوائية لا تزيد ذاك المشهد إلا جمالا قبل

أن ترفع يديها وقد استلت حجابها قائلة بضيق

" ما ذا فعلت ؟ أنا لا يضايقني ما بك أنت ! "

أخذه من يدها ورماه خلفه كي لا تعود للفه مجددا وأمسك وجهها

بيديه ونظر لعينها الدامعة المجهدة من كثرة البكاء ، كان سيتحدث ..

كان سيقول الكثير لكن الكلمات خانته ولأول مرة في حياته يعجز

أمام امرأة ...!

بل أمام الملامح التي علمه فقدانها لأعوام بأنه لا حياة له مع

غيرها كما لا حياة له إن تركها لغيره ، عجز عن قول أي شيء

يعلم أنه لن يجد صداه لديها ... لدى أنثاه الغاضبة منه حد الجنون ...

لا بل ليس التحدث معها ما كان يريده فقد قالا الكثير والكثير

وبلا فائدة تذكر لذلك عدل عن تلك الفكرة نهائيا وشدها لحضنه

يقبل تلك الخصلات الحريرية وكأنه يحادثها هي عما لن يستطيع

قوله ولا سجنه أكثر ولم يسمح لها بالابتعاد أو أن يحررها من

ذراعيه رغم محاولاتها المستميتة بل شدها لصدره أكثر وأعجز

حركتها تماما ودس وجهه في شعرها هامسا

" توقفي عن الجنون يا حمقاء واتركينا نتفاهم في باقي الأمر بروية "

لكنها لم ترضى الاستسلام له ولا للحضن الذي عنى لها الحياة

يوما ولا للأضلع التي ترتجف خلايا جسدها جميعها شوقا لها لأن

هذا الحضن جرحها .. تركها وخدعها وخانها أيضا فلم تستسلم

حتى تحررت منه في داخلها قبل خارجها وابتعدت عنه قائلة بجمود

" حتى إن وافقت يوما شرط والدي فتأكد بأني لن أرجع هنا ولا

لك أبدا "

ثم غادرت السرير ورفعت حجابها من الأرض وتحركت جهة

الباب وخرجت دون أن تضيف شيئنا آخر .


قبض على أصابع يده ونظره عليها ولازالت تستند على زجاج

النافذة ثم أبعدها مقربا لها لوجهه وقبل ذاك الخاتم قبلة طويلة

صامتة تلتها ابتسامة صغيرة غامضة ارتسمت على شفتيه وهو

يتذكر مكالمة سكرتير مكتبه وتمنعها عن حضور الاجتماع ،

أبعد يده ونظره على ذاك الخاتم هامسا بابتسامة جانبية

" هكذا إذا يا ابنة دجى الحالك ؟ "


*
*
*


حديقة ريجنتس بارك .. متحف الشمع .. متحف شارلك هولمز

فحديقة الحيوان ... نصف يوم استغرقتاه في زيارة كل تلك الأماكن

ولم تتعب مرافقتها ومرشدتها السياحية تلك أبدا من السير والحديث

عن كل ما مرتا به فهي ولدت هنا وعاشت وتربت وتعرف كل شبر

في تلك المدينة كإسمها .

بداية نزهتهما كانت تسير معها شبه مجبرة لكنها سرعان ما

استطاعت دمجها مع كل ما يحيط بهما وسرعان ما تبدل مزاجها

للاستمتاع والحماس وهي ترى كل ذاك العالم المختلف الذي لم

تعرفه إلا في التلفاز درجة أنها نسيت كل حزنها وكدرها ذاك

خاصة بصحبة هذه الفتاة التي تعرف كيف تجعل من الأمر العادي

رائعا ومسليا وتنشر السعادة من حولها وضحكاتها الرقيقة تنتشر

في كل مكان حتى أنها تمازح الحيوانات وتتحدث معها وكأنها

تفهمها فلم تندم نهاية نزهتهم تلك أبدا على أنها أطاعتها وخرجت

بصحبتها .

فتحت ساندرين باب المنزل وقالت ضاحكة وهي تدخل

" هذه أول مرة أخرج فيها للتنزه ولا أرجع للمنزل محملة بأكياس

المشتريات ، في المرة القادمة س.... "

توقفت عن الحديث فجأة وماتت ابتسامة التي دخلت خلفها وهما

تنظران لعلب الهدايا وأكياس المشتريات الكثيرة التي تتوسط بهو

المنزل فتبادلتا النظرات المستغربة وخرجت حينها والدتها من

جهة المطبخ تمسح يديها بالمنشفة قائلة

" تأخرتما ! هل أضع لكما طعام العشاء ؟ "

قالت ساندرين مشيرة بإصبعها

" لمن جبل الهدايا هذا ! "

نظرت الواقفة هناك ناحيتهم وقالت

" آه تلك من أجل ماريه "

نظرتا لها كليهما بصدمة وقالت ابنتها ملوحة بكفيها

" جميعها ... جميعها ؟ ألا شيء أبدا من أجل ساندي ؟ "

غادرت تلك عائدة للمطبخ قائلة

" ليس نحن من اشتراها بل زوجها من أرسلها لها فبأي صفة

سيرسل لك أيضا ؟ "

شدت مارية قبضتاها لا شعوريا بينما تمتمت الواقفة بجانبها بعبوس

" يرسل لي هدية ... !! فليعترف بي أولا "

عادت والدة ساندرين جهتهما سريعا تحمل في يدها ظرفا ورقيا

مدته لمارية قائلة بابتسامة

" وأرسل لك هذا أيضا ، لم يقم أحد بفتحه لأنه يخصك وحدك "

نظرت له في يدها لبرهة ثم مدت يدها وأخذته منها هامسة لها

بالشكر فعادت جهة المطبخ مجددا وابنتها تتبعها تتحدثان عن

أمر لم تفهم ما يكون فنظرها وتركيزها كانا على الظرف البني

الكبير بين يديها قبل أن تنقله لتلك الأغراض المكومة مجددا ...

أرسلها !! إذا هو لم يحضرها بنفسه وكلف غيره بهذا أيضا ؟

توجهت جهة غرفتها ورمت ما في يدها على السرير وتوجهت

للحمام نزعت ثيابها ودخلت تحت مياهه الدافئة ، لا تريد التفكير

في أي شيء ... أي شيء من كل ذلك فعليها أن تتأقلم فقط مع

وضعها الجديد فيبدوا أنها ستبقى للأبد هكذا بلا عائلة بلا استقرار

ولا مستقبل بل وعالة على من تعيش معهم ، خرجت من تحت

المياه بعد وقت ولفت جسدها بمنشفة الحمام الخاصة وربطت

حزامها حول خصرها وخرجت للغرفة فوجدت تلك الأغراض

جميعها هناك بل ومرتبة أيضا وعلمت عن ذلك من الأحذية

والحقائب اليدوية الأنيقة والفاخرة المرتبة في أماكنها المخصصة ،

فتحت الخزانة ووجدتها أيضا مليئة بالثياب فأخرجت قميص

نوم قطني دون أن تفتش بينها ولا من باب الفضول ولبسته سريعا

ثم أغلقتها وتوجهت للسرير جلست عند حافته ورفعت ذاك الظرف

الموضوع مكانه فتحته وأدخلت يدها فيه وأخرجت أولا بطاقة

صغيرة نظرت لها فكانت بطاقة مصرفية وباسمها أيضا فيبدوا أنها

أصبحت المتصرف الوحيد في جميع أموالها التي يبدوا أيضا أنه تم

نقلها إلى هنا ! وضعتها جانبا وأخرجت جواز سفر نظرت له تقلبه

باستغراب فهذا ليس جواز سفرها ذاك ! فتحته فكانت الصورة لها

بالفعل لكن الأسم .... ( ماري ديفسينت ) فتاة إيطالية فرنسية الأم !!

لا هذه ليست هي ! قبضت أصابع يدها على الجواز بقوة وامتلأت

عيناها بالدموع وهمست بضيق

" لأجل هذا إذا قال بأني أيضا ماريه فقط ؟ "

رمته بعيدا عنها بغضب ، كان عليها أن تتوقع هذا فهم يحمون

أنفسهم جيدا هنا فحتى ساندرين أخبرتها بأنها ووالدها يستخدمون

اسم عائلة والدتها الإيطالية ، أخرجت ما في الظرف أيضا فكانت

أوراق انتسابها في جامعة ( لندن سكول للإقتصاد والعلوم السياسية )

رمت تلك الأوراق أيضا متمتمة بحنق " ولما المدعوة ماري لم

تنهي دراستها لأكملها أنا عنها ؟ "

تذكرت شيئا فمدت يدها لجواز السفر ورفعته مجددا ونظرت لإسم

الأم بتركيز وتذكرت أنه اسم عائلة والدة ساندرين من والدتها

الذي ذكرته لها فجدتها فرنسية فهل سرقوا لها اسم ابنة خالتها ؟

هل كل هذا ليكون بقائها هنا مشروعا أمام الجميع وليس لأنه يريد

أن تكون قربه بهوية مختلفة ؟ رمته من يدها مجددا هامسة بحنق

" حمقاء ألازلت تعتقدين أنه قد يريدك في حياته "


تركت كل تلك الأغراض مرمية أرضا واندست تحت أغطية السرير

حيث يمكن لدموعها أن تتغلب عليها وتنزل بصمت كما اعتادت كل

حياتها


*
*
*


نزلت السلالم ووصلت عندها وحركت رأسها بعجز وتنهدت قائلة

" لم تفتح الباب وكل ماقالته وككل مرة أن نتركها لوحدها وأنها

ستنزل فيما بعد "

تنهدت بضيق وقالت

" هل تسمحي لي أن أصعد لها خالتي ؟ "

قالت من فورها
" بالتأكيد بنيتي هل يحتاج هذا لسؤال ! "

تحركت حينها من فورها وصعدت السلالم وتوجهت لباب

غرفتها وطرقته قائلة

" جليلة افتحي الباب فلن أغادر من هنا حتى تفتحي لي "

لم تسمع منها أي رد فطرقت الباب بقوة أكبر قائلة بضيق

" جليلة افتحي الباب أو جلبت من يكسره على رأسك "

انفتح الباب حينها فدفعته بقوة ودخلت وتوجهت جهة التي

توليها ظهرها وأمسكت كتفها وأدارتها جهتها بقوة ثناثر معها

شعرها البني الغامق الطويل وقالت والضيق يزداد في ملامحها

حدة ناظرة للعينين البنيتان المحمرتان من البكاء

" في ماذا سينفع سجنك لنفسك والبكاء ؟
رماح يحتاجك ويحتاجنا جميعا حوله أقوياء ليتخطى أزمته "

أبعدت يدها عنها وقالت بضيق مماثل عادت معه دموعها

للتقاطر كحبات المطر الرقيق

" رماح لا يحتاجني بل ولا أحد في الوجود ، شقيقك لم يحتج

لي يوما يا غسق وأنا لست أرثي حاله وحالي بل نفسي وحماقتي

"نظرت لها باستغراب ولم تفهم شيئا مما تتحدث عنه فصرخت

قائلة ببكاء

" الجميع يقولون بأنه أضاع العمر مني وأنه الآن حكم عليا بالفناء

مع رجل مقعد لكنه هو من أضاع عمره .. هو من خسر وحده ليتني

أموت يا غسق ليتني مت ولم أعرف شقيقك يوما "


أمسكتها من كتفيها وهزتها بقوة قائلة

" ما الذي بينكما يا جليلة ؟ شككت دائما بأنه ثمة خطب ما في

زواجكما فما الذي تخفينه عني ؟ "

ابتعدت عنها وأولتها ظهرها مجددا ودفنت وجهها في كفيها

ودخلت في نوبة بكاء طويلة فتوجهت نحوها ووقفت أمامها

وأمسكت ذراعيها قائلة

" خالتي قلقة عليك فكري فيها على الأقل ، أعرفك دائما قوية

يا جليلة ما الذي حدث غير خبر حالة رماح جعلك هكذا ؟ "

ابتعدت عنها مجددا قائلة بضيق

" لا شيء .. قلت لا شيء ، اتركوني وحدي .. أريد البقاء

لوحدي فقط لما لا تفهمون هذا ؟ "

نظرت لها بضيق لوقت واقفة مكانها وهي على حالها ذاته

توليها ظهرها وتبكي دون توقف ، لو تفهم ما الذي بينهما

وما الذي حدث ؟

والدتها قالت بأن حالتها هذه كانت بعد أن وصلهم خبر رماح

بيوم تقريبا فما السبب وراءها ! كانت ستتحدث لولا أن الواقفة

على بعد خطوات منها ترنحت في وقفتها قليلا ثم بدأت بالتمسك

بكل ما حولها لتتوازن في وقوفها فركضت جهتها فورا وأمسكتها

قبل أن تقع منادية لخالتها بأعلى صوتها


*
*
*


وقفت عند باب المطبخ حيث الذي تعلم أنه سيكون هنا هذا

الوقت بالتأكيد وكالعادة تلك الغبية فآبي تعد له قهوته ولا تتوقف

عن الحديث وكأنها ابتلعت مذياعا فهي على استعداد لفعل أي شيء

كي لا تخسر هذا السكن المجاني المرفه ، ولو كان الأمر بيدها

لتزوجته هي ، تنهدت بحسرة متمنية ذلك لتخلصها منه لكن تلك

الحمقاء لم تستطع جذب ولا سائق تاكسي ليقع في غرامها فكيف

بمثل هذا الرجل الكتلة من الدهاء والبرود .

رفع نظره من جريدته فجأة ونظر لها فقالت بنبرة جافة

" سأخرج من أجل مقابلة الوظيفة "

لم تشعر بنفسها حشرة كذاك الوقت وهي تطلب إذنه لتخرج في

وضح النهار فحتى شقيقها سابقا لم تكن تستأذنه في كل شيء

هكذا ، كان ممنوعا عنها الخروج مساء ومرافقة الرجال ومغادرة

لندن دون سبب لكن لها الحرية فيما تريد فعله طوال فترة النهار

رغم أنها تعلم بأنه كان يكلف من يراقبها طوال وقت خروجها لكن

هذا الحصار المميت لم تعرفه يوما .

قال ببرود مماثل وقد عاد بنظره لجريدته

" لا تتأخري "

اشتعلت حينها أعصابها كالبركان وقالت بحدة تشد قبضتيها

بجانبي جسدها

" حتى متى لا أتأخر مثلا فالأمر ليس جلب كيس خضار من السوق "

رفع نظره لها مجددا ونظر لها تلك النظرة الباردة المستفزة التي

تكاد ترسلها لجنون وقال بسخرية

" وأي وظيفة مشرفة هذه التي تستلزم منك مقابلتها كل هذا الوقت

في تجهيز نفسك وفترة الصباح بطولها لتجريها ؟ "

صرت على أسنانها بغضب وقالت

" وظيفة ستجعلني أتخلص منك نهائيا ومن مالك وشقتك هذه "

طوى الجريدة ووضعها جانبا وقال بذات سخريته

" حقا !! وأي وظيفة هذه التي ستجدها واحدة بمؤهلاتك توفر

لك كل هذا ؟ "

قالت بحزم

" بلى توجد وتذكر كلامي هذا جيدا ولا تفكر في معارضة

الأمر لاحقا "

قال بذات ابتسامته المستفزة

" لك ذلك إن وجدتها "

نظرت له بصدمة وابتسامة واسعة فلم تستطع تصديق ما سمعته

الآن ! هل قال حقا بأنه لن يعارض ؟

هذا ما لم تكن تتخيله فمشكلتها الوحيدة التي كانت ستعيق

شروط تلك الوظيفة هو هذا الرجل وكانت تفكر في طريقة تقنع

بها صاحب الوظيفة ما أن تقابله ليتنازل على بعض البنود ولا

تضيع منها ، غادرت من فورها قائلة

" كن عند كلمتك إذا "


*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 27-09-17, 09:00 PM   المشاركة رقم: 378
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 




تبثت حجابها جيدا وأدخلته تحت سترتها النسائية وخرجت

من الغرفة مسرعة تعدل تنورتها الجينز الطويلة وهي تسير

فقد أخبرتها الخادمة التي انتظرتها حتى انتهت من صلاة العصر

بأنه ينتظرها في الخارج فسيكون في انتظارها منذ وقت ،

خرجت من الباب وابتسمت للذي وقع نظرها عليه فورا يقف

بجانب سيارة جميلة فاخرة يسند يده على سقفها والأخرى

يدسها في جيب بنطلونه والذي ما أن رآها حتى رفع يده ناظرا

لها بصدمة وابتسامة واسعة فركضت جهته وحضنته بقوة

متناسية بأنه ليس خالها الحقيقي فهي لا تراه إلا كذلك وهم من

تربت معهم والدتها كأشقاء لها منذ كانت طفلة ، ضمها بذراعيه

قائلا بضحكة

" لو لم تركضي جهتي لظننت بأني أخطأت وأنك لست ابنة غسق

بل شقيقتها "

ابتعدت عنه ونظرت له متمتمة بعبوس

" لما لا يجاملني أحدكم ولو قليلا ؟ "

ضخك وأمسك أنفها وقال

" هل يكفيك أن تعلمي بأنك أجمل من الجميلة التي كنت أتوقعها "

فركت أنفها قائلة بابتسامة

" حسنا رضيت بهذه "

ضحك وفتح لها باب السيارة وقال

" هيا أيتها الآنسة الصغيرة فرحلتنا ستكون طويلة بعض الشيء "

ركبت من فورها قائلة

" كم ستستغرق منا وقتا ؟ "

قال وهو يغلق الباب

" سنصل عند مغيب الشمس تقريبا "

ثم دار حول السيارة وجلس في كرسيه وأغلق الباب وقال وهو

يدير المفتاح لتشغيلها

" إن كنت لم تأخذي قيلولتك فيمكنك النوم ولن تشعري حينها

بالطريق "

نظرت ناحيته وقالت بحماس

" بل أريد رؤية كل شيء نمر به في طريقنا فأنا لم أرى من

بلادي شيئا ومتحمسة لرؤيتها وأريد أن تحدثني عن كل شيء ولا

تضجر مني فلا حل غيره أمامك "

ضحك وقال وهو يتراجع بالسيارة للوراء

" أذا ستكون الرحلة ممتعة لكلينا "

دار بعدها بالسيارة نصف دورة وغادرا المنزل ، وكما أخبرها

تماما الرحلة كانت ممتعة بل فاقت المتعة بكثير وهي تتعرف

على مدن بلادها لأول مرة ... ترى الناس الشوارع المنازل

والمحلات التجارية والأسواق ... حتى الأشجار والأزهار شعرت

وكأنها لأول مرة تراها في حياتها وكأنها لم تعش لأعوام في تلك

البلاد ذات الطبيعة الخلابة ، وما زاد رحلتها تلك متعة هو الجالس

خلف المقود من لم يتعب من التحدث عن كل ما مرا به حتى أسماء

بعض المناطق التي تغيرت والأحداث التي شهدتها في الماضي

قبل مولدها ، ومر الوقت دون أن تشعر به وكأن السيارة لم تسر

بهما مسافة ثلاث ساعات كاملة .

نظرت في كل اتجاه من نوافذ السيارة وقالت بانبهار

" ما هذه المدينة ؟ يا الله ما أجملها ! "

ابتسم رعد قائلا

" منذ اجتزنا ذاك السور والسياج الحديدي أصبحنا داخل حدود

مدينة العمران وهذه تكون مملكة والدتك البيضاء "

فغرت فاها بصدمة تنظر للمباني البيضاء بجميع أشكالها وأحجامها

حيث كانت جميعها مطلية باللون الأبيض وحتى المدارس والمحلات

كل شيء أبيض ... كل شيء حتى أعمدة النور واللافتات وقد أعطى

البياض مع خضرة المكان تداخلا مبهرا في الألوان فجميع تلك

المباني كانت أبوابها ونوافذها مطلية باللون الأخضر كلون

الطبيعة حولها ! لم تتخيل يوما أن ترى شيئا بهذا الجمال ...

ألوان ملابس الناس والسيارات وحده الشيء الذي كان يحدث فرقا .

همست بصوت مصدوم تنظر للأبنية التي كانت وكأنها تخرج من

صخور الجبال

" يا الله ما أروع هذا ! إنها أجمل مدينة بين التي مررنا بها "

وقف بالسيارة عند إشارة المرور وقال مبتسما

" هذه المدينة كانت الأجمل من قبل أن توحد البلاد ومنذ أصبحت

مملكة والدتك وهي توليها عناية خاصة ، حتى الأوساخ

يستحيل أن تجديها في شوارعها "

وتابع والسيارة تتحرك مجددا عند الضوء الأخضر

" ولم تري بعد الشلالات الإصطناعية التي تفتح ابتداءا من منتصف

الربيع إنها أجمل ما في هذه المدينة والبلاد بأكملها ، حتى أن جمعيتها

قامت ببناء المطاعم المطلة من الجبل عليها وقد تم حفره وبنائها

فيه تري من خلالها مشهدا لن تنسيه أبدا "


ضمت يديها لصدرها قائلة

" رباه ... هي من فعل كل هذا وفكر فيه ؟! "


تنهد بأسى وقد تذكر حديثها عما اكتشفته من تمويل لابن

شاهين وقال

" بلى كانت الشلالات والمطاعم فكرتها فالمدينة كان بها جداول

ماء تصب في بحيرة الرقراق سابقا وهي استغلتها لصنع هذه

الظاهرة لستة أشهر في العام وبذلك كان بإمكانهم بناء كل ما

تريه حولك ، هذه المدينة تحوي عددا لا يمكنك تخيله من النساء

اللواتي يقتتن من عائدات هذه المدينة ويعملن فيها ، عدد كبير

من الأسر هنا هي لأرامل ومطلقات تكفلهم جمعية الغسق ، إنها

مملكة النساء كما يقال عنها بالفعل وكل واحدة ممن يعشن هنا

تحمل حكاية أتعس ممن تليها وكم سهرت والدتك لليال طويلة

وكانت تعمل طوال النهار لتصل لما هي عليه الآن "

تتبعت بنظرها إحدى السيارات قائلة

" لكني أرى رجالا أيضا هنا ؟ "

ضحك كثيرا ثم قال

" بالطبع ثمة الكثير من الرجال والعائلات فهذه إحدى أكبر

مدن البلاد ولن تكون حكرا للنساء فقط فبالرغم من مساوئنا لا

يمكن الإستغناء عنا "

ضحكت من فورها وقالت

" بالطبع لا مثلما لا يمكنكم صنع مدينة للرجال فقط "


ضحك ولم يعلق وأوقف السيارة حينها أمام مبنى ارتفع نظرها

له لا إراديا ففتح الباب وقال

" هيا وصلنا "

فتحت بابها أيضا ونزلت ووقفت خارجها تنظر للمبنى أمامها

بدهشة وقالت

" هذا هو منزل والدتي ؟ "

ضحك وطوق كتفيها بذراعها وسار بها جهته قائلا

" أجل ... بل الطابقين فقط أما كل تلك الواجهة الزجاجية المقسمة

في الأعلى بشكل قبة هي خلفية مكاتب جمعية الغسق حيث أن

واجهتها في الخلف تماما "


سارت معه ونظراتها لم تفارق ذاك المبنى تنظر له بانبهار أنساها

أن تنتبه لجمال تلك الحديقة الواسعة المنسقة والتي قد فاق جمالها

ما مرا به في كامل المدينة ، وصلا باب المنزل فوقفت قبل أن يصعدا

العتبات أمامهما ونظرت له وقالت

" هل تعلم والدتي بقدومنا ؟ "

حرك رأسه نفيا وقال مبتسما

" تركتها لها مفاجأة هي والكاسر ، عمتي فقط من يعلم لذلك لم

أدخل بالسيارة ونبهت على الحراس أن لا يخبروها "

وتابع ينظر حوله

" رغم أنه يبدوا بأنها ليست هنا فسيارتها في العادة تكون أمام

باب المنزل خاصة أن وقت المغرب اقترب وهي تغادر

جمعيتها عصرا "

نظرت مثله للمكان وقالت بتوجس

" أتظن أن خطبا ما حدث ؟ "

سار بها صاعدان العتبات الرخامية قائلا

" لا فهي قد تتأخر في بعض الأحيان وقد تكون لم تخرجها من

المرآب أساسا فهي تملك سيارة هناك أيضا وسندخل الآن ونعلم "

دفع باب المنزل الزجاجي ودخلاه قائلا

" سيكون علينا البحث في هذا المنزل الواسع عن ساكنيه الثلاثة

فقط فلن نجدهم أمامنا هنا "

وقبل أن تعلق ولا أن تنتبه لتفاصيل هذه التحفة الفنية المسماة

منزلا سرق نظرها الذي ظهر من إحدى الجهات في يده شيء

ما يأكله ويبدوا أنه حبوب مكسرات وقد رمى آخر حبة منهم في

فمه ووقف ينظر لهما باستغراب ليس فقط من وجدود عمه هنا

دون إعلامهم مسبقا كعادته وعودته وهو من غادرهم في الصباح

الباكر بل والواقفة بجواره والتي لم يراها يوما ! بينما استطاعت

هي أن تعرف هويته سريعا من تخمين سنه والشبه بينه وبين

الواقف بجانبها وإن كان شبها بسيطا ، أجل هذا هو ابن خالها

الوحيد وشقيقها الوحيد أيضا ، ركضت جهته دون تردد وحضنته
بقوة دون أي مقدمات فأبعدها عنه وقال " هيه يا فتاة ابتعدي عني

ولا تعطيني سببا للانحراف "

ضحكت وحضنته مجددا رغما عنه وقالت ضاحكة

" أنت الكاسر بالتأكيد ، كما تخيلتك تماما "

نظر حينها بصدمة للواقف هناك عند الباب والذي ابتسم له ليفهم

أن تخمينه صحيح فضحك بصرخة عالية ورفعها مطوقا خصرها

بذراعيه ودار بها حول نفسه وهي في ضحك مستمر ثم أنزلها

للأرض ونظر لها وقال بسعادة

" تيما شقيقتي الوحيدة أنتي ؟ "

أومأت برأسها مبتسمة فانحنى للأسفل تنظر له باستغراب حتى

صرخت ضاحكة حين أمسكها من قدميها بذراعه ورفعها عاليا

وأصبح يركض بها في المكان صارخا بضحكة

" شقيقتي يا بشر ... انظروا لديا شقيقة ... أنا الكاسر ابن الكاسر

ابن شراع لست وحيدا "

كان يدور بها ويكرر ذات العبارات وهي تثبت نفسها ممسكة بكتفيه

كي لا تقع وقد اختلط ضحكها بدموعها من عباراته تلك ورعد

يراقبهما مبتسما وقد اقترب حيث تقف عمته التي خرجت من

المكان الذي خرج منه الكاسر منذ قليل يراقبانها مبتسمان .

أنزلها عندهما ولازالا يضحكان بأنفاس متقطعة وقالت ضاحكة

" كدت تصيبني بالغثيان "


ضحك وحرك يديه في الهواء قائلا

" احمدي الله أن دراستي انتهت اليوم لكنت لففت بك هناك أيضا "

ضحكا معا واقتربت منها جويرية وحضنتها بقوة قائلة بعينان دامعة

" مرحبا بك يا تيما يا قرة عين والدتك ، حمدا لله أن جمعها بك

وأنا حية "

ضمتها بقوة وقالت بعبرة نزلت معها دموعها

" كم أنا سعيدة بأن لي عائلة مثلكم ، بل ومحظوظة أيضا "

ثم ابتعدت عنها وقالت تمسح دموعها

" أين والدتي أليست هنا ؟ "


قالت الواقفة أمامها

" لم ترجع منذ خرجت للجمعية ، اتصل بها الكاسر وقالت أنها

في منزل خالتها وستكون هنا قريبا "

ثم أشارت بيدها قائلة

" دعونا نجلس فمؤكد أنتما متعبان من الرحلة ولتأكلا شيئا فقد

أعددت طعاما خاصا لكما "

أمسك الكاسر وسطه بيديه وقال بضيق

" لأجل هذا إذا كنت تعدين كل ذاك الكعك ولم تسمحي لي بالأكل منه ؟

يبدوا أنه وحدي من لا يعلم بهذه الزيارة "

قال رعد مبتسما

" بل ووالدتك أيضا فقد تركتها لكما مفاجأة "

ضحك وقال

" كانت مفاجأة بالفعل فما أن رأيتها معك ضننت بادئ الأمر أنك

تزوجت ولا نعلم وما أن قفزت لحضني ضننت أني أنا من تزوج

ولست أعلم "

ضحكوا جميعا وقال رعد

" أنهي دراستك أولا لنفكر في تزويجك "

أمسك يد تيما وسحبها معه جهة إحدى صالونات الجلوس قائلا

" تعالي فهؤلاء لا يريدون تزويجنا كي لا يكبروا "

*
*
*


أغلقت باب سيارتها وتوجهت جهة باب المنزل ودخلته ، لم تستطع

مغادرة منزل خالتها وترك جليلة حتى اطمأنت عليها أولا بعد زيارة

الطبيب وبعد أن استفاقت فلا يمكنها ترك خالتها في تلك الحالة من

الهلع خاصة أنها كانت خائفة من قدوم زوجها الذي يخشون جميعا

من ارتفاع السكر لديه مجددا .

وقفت ما أن اجتازت الباب بخطوات تستمع باستغراب لأصوات

الأحاديث والضحك فهل لديهم ضيوف هنا لم يخبروها عنهم !

مستحيل ذلك لم يحدث سابقا أبدا فعمتها تبلغها دائما ثم هذا صوت

الكاسر معهم ! اقتربت من ذاك المكان وهي تسمع صوت رعد أيضا

وهذا مازاد الأمر غموضا وهو من غادر من هنا فجر اليوم !!

ما أن وصلت عندهم وظهر لها الجالسون هناك حتى وقفت

مكانها وابتسمت هامسة

" تيما !! "

قفزت تلك من فورها جهتها وارتمت في حضنها فطوقتها بذراعيها

بقوة وقد قالت

" أمي اشتقت لك "

ضمتها لها أكثر وقبلت رأسها قائلة بحنان

" وأنا أيضا صغيرتي ، ما هذه المفاجأة الرائعة ؟ "

نظرت لعينيها وقالت مبتسمة

" والدي سمح لي بالمجيء مع خالي رعد ونحن هنا منذ ساعتين

ننتظرك "

ثم نظرت بطرف عينيها حيث الجالسين قربهما وتابعت ببرود

" وابن شقيقك يضايقني بسخريته دون توقف "

قال الكاسر يستفزها وناصبا ساق على الأخرى

" أنا ابنها ولست ابن شقيقها ثم أنا لم أقل شيئا كنت أستغرب

فقط لون عينيك وقلت قد تكونين لست شقيقتي وثمة خدعة ما "

قالت بضيق تكرر ذات تبريرها

" جدة أمي من خماصة ولون عيناها هكذا "

ضحكا رعد وعمته وضمتها غسق لحضنها لتتكئ على صدرها

مجددا وقالت مبتسمة

" أنا أصدق أنك ابنتي وهذا يكفي ، ثم هو الذي أحضره والدك

وقال أنه ابن الكاسر ولا أحد يجزم بحقيقة ذلك "

ضحكوا مجددا وتيما أيضا هذه المرة والتي كانت تنظر له بمكر

فقفز واقفا وأمسك وسطه بيديه وقال بضيق

" أمييي "

ضحكت غسق من فورها ومدت له يدها قائلة

" بل أنت ابني الذي ربيته بنفسي "

ركض حينها ناحيتها وأبعد تيما عنها بالقوة وضمها هو مقبلا

رأسها ينظر بانتصار للتي كانت تنظر لهما نظرة طفلة أخذوا

منها لعبتها المفضلة التي كانت تعني لها كل شيء ، نظرة شعر

بها قلب الأم كسكين غرس فيه بقوة فأبعدته عنها وأمسكت

يديهما وسحبتهما جهة الأريكة قائلة

" كلاكما ابناي فتوقفا عن حركات الأطفال "

ثم جلست في طرف الأريكة متنهدة بضيق وقالت عمتها

" كيف حال خالتك وعائلتها ؟ "

حركت رأسها دون أن تتحدث لحظة ما جلس الكاسر بجانبها

فأمسكته تيما من يده وقالت بضيق تحاول إبعاده

" أتركني أجلس بجانبها أنت تراها دائما "

لكنه رفض التحرك متمسكا بمكانه يبعد يدها ضاحكا فوقفت

الجالسة بجانبه وجلست وسط الأريكة بجانبه وجلست حينها تيما

فورا في الجهة الأخرى وطوقت خصرها بذراعيها متكئة على

كتفها وأخرجت لسانها للذي كان ينظر لها بضيق فوقف رعد

وقال ضاحكا

" أعانك الله على هذان الطفلان "

قالت ونظرها معلق به ويدها تمسح على ظهر النائمة على كتفها

" ما بك وقفت يا رعد ؟ تناول العشاء معنا "

أخرج مفاتيحه من جيبه قائلا
" مشواري الأساسي لتوز وجئت هنا لأوصل ابنتك فقط ويجب

أن أدرك الرجل الذي ينتظرني على العشاء هناك "

ثم غادر متمنيا لهم ليلة سعيدة فاستقامت تيما في جلستها وأمسكت

يدها وبدأت تحدثها بحماس عن كل ما مرا به في طريقهما وعن

رأيها في روعة العمران وهي تستمع لها بانتباه مبتسمة وقد شاركها

الكاسر الحديث الحماسي فورا يشرح لها أكثر عما رأت واختلطت

أحاديثهما بالضحك على تعليقاته لنطقها لأسماء بعض المدن بشكل

خاطئ وشاركتهم هي تلك الضحكات فشعورها بتلك الأجواء لا

يظاهيه أي شعور فكم كانت تحلم بهذه الأمسيات العائلية المليئة

بالضحك والأحاديث بالدفء والحنان الذي يغمر المكان كله ، ورغم

كل ذلك هي تفتقد والدها وجدها فيها فهما أيضا تشعر بحاجتهما

لكل هذا وإن كان والدها لا يصرح بذلك أبدا عكس جدها ، فهو

الليلة سيكون لوحده في ذاك المنزل الواسع قد يتناول عشائه

وقد لا يتناوله أبدا ... تعلم أنه لا يعبر عن ذلك ولا يبحث عنه

ولا تتخيل أن يلف المنزل يبحث عن أطياف من كانوا فيه يلعن

الوحدة والفراغ لكنه في النهاية بشر وهي تشعر به لأنه والدها

فكيف بعد أن حكت لها عمتها عن تغيره بشكل قد لحظه الجميع

بعد أن تزوج من والدتها وكيف استطاعت دمجه مع عائلته

وأصبحوا يروا مطر آخر يضحك ويشاركهم الحديث .

وقفت الخادمة قربهم وقالت

" العشاء جاهز سيدتي "

فقفز الكاسر من فوره وأمسك يد تيما وسحبها منها قائلا

" شقيقتي تجلس بجانبي "

فوقفت غسق وعمتها ضاحكتان وقالت جويرية وهما يتبعانهما

" وكأنهما ليسا من كان منذ قليل عدوان "

همست بحزن وحنين تنظر لهما وهو ينزع حجابها عنها يلعب

بشعرها وهي تحاول الهرب منه ضاحكة

" لم أشعر بطعم الحياة إلا بعد رؤيتي لها عمتي ولولا وجود

الكاسر لما بقيت بعقلي كل هذه الأعوام "


*
*
*


فتح الباب ودخل مجددا وقال

" هل كل شيء جاهز ؟ "

قالت بضيق

" جاهز ... وما لدينا نحن لنستغرق نهارا بطوله في تجهيزه ؟ "

قال بضيق مماثل

" وما الذي كتبته ولم أجلبه ؟ إنهم عائلة أيوب الشعاب لن تفهم

غبية مثلك من يكونا هذان "


ضربت كفيها ببعضهما قائلة بضجر

" أعدت عليا اسمه فوق العشر مرات حتى حفظته ولازلت غير

مقتنعة بأن أمثالهم قد يزوروننا "


ضرب باب المنزل مغلقا له بقوة وقال بنفاذ صبر

" ولما لا فابنهم صديق يمان منذ كانا في المدرسة الثانوية "


قالت بذات ضيقها

" أنت قلتها بنفسك هو صديقه منذ كانا في الثانوية فلما يزورنا

الآن تحديدا وبعد كل هذه الأعوام وفي الليل ؟ لا وزوجته معه !

وأنت بنفسك قلت بأن يمان غادر لتيمور مع ابنهم "

نظر لها بصدمة حين وصل له مغزى حديثها فهو لم يفكر في

الأمر من تلك الناحية أبدا ولم يفسر اتصال ذاك الرجل هذا التفسير

فلم يستوعب عقله بعد فكرة أن يفكر فقط في دخول منزله ،

غمرته السعادة فورا وقال

" إن صدق تخمينك أقسم أن أشتري لك ذاك الثوب صباحا "

ضحكت بسخرية مشيحة بوجهها عنه دون أن تعلق فقال بضيق

" هل أفهم ما يزعجك في الأمر ؟ هل لك أن تتخيلي معنى نسب

عائلة الشعاب وابنهم أيوب تحديدا ؟ إنه أحد أكبر رجال الأعمال

في البلاد ولديه من الأموال ما لا يعرف هو عدده "

نظرت له وقالت بغضب

" ولما يختارون نسبك أنت تحديدا وأنت بنفسك قلت أنه من أكبر

رجال الأعمال ؟ ثم ابنتك صغيرة وأنا أعتمد عليها في كل شيء "

صرخ فيها بغضب أشد

" قولي كلمة أخرى وارفعي صوتك في وجهي لأحطم لك هذا

الوجه العفن "

وتابع وقد رفع سبابته مهددا

" قسما إن أفسدت الأمر أن أدفنك حية فهمتي ، ثم القانون لن

يزوجها الآن فاتركي عنك هذا الجنون "

قالت ساخرة ومتجاهلة تهديداته

" هه أي قانون هذا الذي سيمنعهم والناس تخترقه وتزور شهادات

الميلاد ؟ هل ستتحول لنزيه الآن فجأة "

شعرت بخدها تحول لكتلة من الصخر حين نزل ذاك الكف الضخم

عليه بقوة وصرخ بغضب

" قابليها موسومة الآن هكذا سيكون أفضل "

أمسكت خدها وابتعدت جهة غرفتها صارخة ببكاء

" لن أقابلها أبدا وافعل ما شئت وسأتصل بشقيقي ليأتي الآن لأخذي

من هنا "

نظر لها بغضب حتى دخلت وأغلقت باب الغرفة خلفها بقوة ،

يستطيع إجبارها على مقابلتها وإن ضربها لكنه لن يضمن أنها

لن تفسد الأمر لذلك توجه جهة غرفة ابنته بدلا عنها وفتح الباب

على اتساعه دون طرق فقفزت الجالسة على الفراش الأرضي

واقفة دون شعور منها فهي كانت تسمع شجارهما وإن لم تفهم

ما يقولان وتخشى من هذا الرجل في هدوئه فكيف وهو غاضب

هكذا ، قالت بصوت مرتجف

" أبي هل تأمرني بشيء "

نظر لثيابها ثم عاد بنظره لعينيها وقال بحزم

" غيري ثيابك بسرعة والبسي شيئا فوق هذا الشعر فثمة ضيفة

ستستقبلينها "

نظرت له بصدمة فهذه أول مرة ترى فيها ضيفة تزورهم فكيف

أن يكون والدها من يطلب منها هذا ؟! قالت بتلعتم

" ألن تقابلها خالتي ؟ "

صرخ فيها بحدة

" قلت أنتي من سيقابلها فلا تكثري الحديث أو كان مصيرك مثلها "

ثم غادر ضاربا الباب خلفه بقوة وهي واقفة مكانها قلبها لازال

يرتعد من الخوف ولازالت تنظر لمكانه بصدمة فلم تستطع تصدق

ذلك حتى الآن فهي لم ترى أحدا غير عائلتها منذ كانت طفلة !

انتفض جسدها بقوة وقفزت في مكانها حين طرق الباب من

الخارج بقوة صارخا

" لا تتأخري سيصل الضيوف في أي وقت "

توجهت للخزانة الحديدية بسرعة وأخرجت توب العيد ، لم يكن

يساوي ولا نصف ملابس زوجة والدها وأبنائها لكنه أفضل

ما لديها ، لبسته سريعا وربطت منديلا حول رأسها وخرجت من

الغرفة مغلة بابها خلفها والتصق ظهرها بالباب لا شعوريا حين

انفتح باب المنزل ودخل منه والدها وقال بجدية واستعجال

" ها قد وصلا ... كل ما سنقدمه لهما جاهز في المطبخ فلا

تتأخري في إحضاره ولا تخبريها أن خالتك هنا مفهوم ؟ "

حركت رأسها بحسنا فخرج مجددا وترك الباب مفتوحا هذه المرة

وما هي إلا لحظات ودخلت منه امرأة ملقية السلام ووقفت تبادلها

النظرات بصمت ، كانت يمامة تنظر لها باستغراب لثيابها الفاخرة

ورائحة عطرها التي وصلتها من بعيد ولملامحها التي لا تعلم لما

ليست غريبة عنها وكأنها رأتها سابقا ! ومن هذا الذي تراه هي ؟

بينما نظرات جوزاء لها كانت مختلفة تماما فقد كانت تنظر لها

مبتسمة بحنان فسبحان من أوقع حبها في قلبها بسرعة هكذا !

ليست تعلم بسبب النظرة الحزينة في تلك العينان الواسعة أم

الملامح الطفولية البريئة وقد تذكرت سريعا ما قالته بثينة عنها

فأي ظلم هذا الذي يقع على هذه الصغيرة ؟ ألا يكفيها فراق

أمها وصغر سنها ؟ هذه تبدوا أصغر من ابنتها بثينة التي في

ذات سنها الآن ! فهل السبب نحول جسدها أم أن ابنتها كابنة

خالها تكبر قبل أوانها ؟

كسرت جوزاء ذاك الصمت أولا قائلة بابتسامة

" لابد وأنك يمامة ؟ "

تحركت حينها جهتها مسرعة وكأنها أدركت وقتها فقط بأنها هنا

ووصلت عندها ومدت لها يدها قائلة

" مرحبا بك سيدتي تشرفنا بزيارتك "

لم تعرف كلمات غيرها تقولها فهي لا تقابل الناس ولا تعرف اسم

هذه المرأة ولا من تكون ، توقعت أن تشمئز منها وتتجاهل يدها

الممدودة فهذا ما تعرفه عن الأثرياء من التلفاز لكنها فاجأتها بأن

أمسكت ذراعيها وقبلت خدها قائلة

" شكرا لك صغيرتي "

ثم قالت تنظر حولها

" حسب علمي أنه ثمة زوجة لوالدك هنا ؟ "

أشارت لها حينها بيدها جهة غرفة الضيوف قائلة

" ليست في المنزل ، تفضلي من هنا سيدتي "

سارت معها قائلة بابتسامة

" نادني عمتي جوزاء لا داعي لكلمة سيدتي يا يمامة "

همست تسير أمامها

" حسنا "

ودخلت تتبعها حيث غرفة بصالون متواضع صغير وطاولة زجاجية

في المنتصف فجلستا وقالت جوزاء

" والدك أخبر زوجي أن زوجته ستكون في انتظارنا فهل حدث أمر

طارئ جعلها تغادر ؟ "

تلعثمت بشكل واضح ولم تعلم ما تقول وهمست بعد وقت تنظر ليديها

في حجرها

" لا أعلم ما السبب "

تنهدت الجالسة هناك ولاذت بالصمت تراقب ملامحها المتوترة

والوجل الواضح في عينيها وخمنت سريعا أن ثمة ما حدث هنا قبل

وصولها ورحمت حالها بالفعل ، لطالما أحبت شقيقها ذاك وقت كان

يزور ابنها أبان في الماضي فقد كان فتى خلوق هادئ الطباع

وزوجها كان ولازال يفضله على جميع أصدقاء أبان رغم أنه لاشيء

يعيب أي واحد منهم ومعظهم أبناء عائلات معروفة ، نظرت بحزن

لملامحها الجميلة الطفولية لعينيها الرمادية الواسعة والشعر البني

الذي تظهر أطرافه من تحت منديل الرأس الأصفر ولن تستغرب هذه

الملامح في قبائل جنوب الهازان فهم يتميزون بها في أغلبهم خاصة

خط الحدود حيث مدن خماصة وهذه المناطق تأثرت كثيرا باختلاط

الأنساب معهم على مر العصور .

صغيرة بالفعل على الزواج وتعلم أنهم في هذه المناطق الزراعية

يزوجون بناتهم بالتلاعب بالقانون أو من خلال تمديد سنوات الخطبة

لكن بعد حديثها مع مطر تشجعت كثيرا للقدوم ورؤيتها مستغلة

فرصة غياب أبان مع ابن هذه العائلة ، لم تعرف يوما عن ذوق

ابنها بخصوص الفتيات لتخمن إن كان سيفظل بالفعل فتاة بسيطة

كهذه تاركا فتيات الجامعة الأنيقات المتبرجات ولا يمكنها تخمين إن

كان ما قاله صحيحا رغم أنها لا تستطيع تصديقه أغلب الأحيان ولا

تستبعد أن يكون يتحجج بها فقط ليهرب من فكرة الزواج لذلك قررت

المجيء ورؤيتها بنفسها وكم آلمها حال هذه الفتاة فملامحها البريئة لا

تخفي أبدا دواخلها .

بينما الجالسة في الطرف الآخر كانت ما تزال تنظر ليديها تحاول

حتى اللحظة فهم ما يجري ولما تقابل هذه المرأة وكيف سمحوا

لها بهذا !!

تعلم عن حال جيرانهم وأقارب زوجة والدها وإن كانت لا تراهم

فليس من أحد منهم بهذا المظهر والثراء حتى أنها لم تستطع إبعاد

نظرها لوقت عن ذاك الحذاء اللآمع الجميل الذي لم ترى مثيلا له

فكيف بالثياب والحلي .

قالت جوزاء مبتسمة تحاول جذب أطراف الحديث معها

" في أي عام دراسي أنتي يا يمامة ؟ "

أنهت جملتها تلك وعضت طرف لسانها فكيف نسيت بأنهم لا يسمحون

لها بالدراسة ؟ وهذا ما كانت تتوقع أن يكون جوابها لكنها خانت

توقعاتها حين قالت بصوت منخفظ ونظرها لازال على يديها

" لم اوفق فيها فتركتها "

سحبت جوزاء نفسا عميقا وأخرجته بسرعة ولم تعلق فهذه الفتاة

كما قيل عنها تبدوا كتومة بالفعل فكيف فشلت في الدراسة وهي لم

تدرس أبدا ؟ ابتسمت وقالت تلطف الجو المتوتر بالنسبة لتلك

الجالسة قربها

" ابني أبان صديق لشقيقك منذ طفولتهما وكم أحببت شقيقك

وأخلاقه "

نظرت حينها لها وقالت باستغراب

" أنتي والدة صديق يمان ؟ "


بادلتها جوزاء تلك النظرة وقالت

"أجل أنا والدة صديقه أبان ألست تعلمين من أكون ؟

ألم يخبرك أحد " !

عاد التوتر لملامحها مجددا ووقفت قائلة

" بعد إذنك سيدتي "

وغادرت من الغرفة مسرعة على نظرات جوزاء المستغربة قبل

أن تتنهد بأسى وفتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها واتصلت

بزوجها الجالس خارجا حيث صالون الرجال والذي ما أن أجاب

قالت له من فورها وبصوت منخفض

" اتفق معه يا أيوب الفتاة تعجبني وأريدها له ولا تتأخر
لنغادر سريعا "

ثم أغلقت الخط ودست هاتفها في حقيبتها مجددا فإن كان ابنها

ذاك يريدها زوجة له بالفعل فستختصر عليه الطريق بمعرفتها وإن

كان يكذب فيما قال فسيتزوجها رغما عنه وستكون كابنتها بثينة

وستعلمه درسا جيدا في الزواج وهي جوزاء شاهين الحالك .

رأتها من الباب المقابل لوسط المنزل تحمل صينية تقديم وتسير

بها مسرعة جهة باب المنزل ثم عادت من حيث خرجت وغابت

لوقت قبل أن ترجع وفي يديها صينية أخرى وضعتها على الطاولة

أمامها وكانت تحوي كوب عصير وصحن كعك محلى لحظة ما رن

هاتفها فنظرت له وأعادته لحقيبتها ثم رفعت الكوب وشربت ما فيه

كي لا تجرحها إن ظنت أنها ترفض طعامهم ، وضعت الكوب الفارغ

ووقفت فوقفت يمامة معها قائلة

" ستغادرين سريعا هكذا ؟ "

وكل خوفها ذاك الوقت كان من والدها أن يوبخها لأنها لم تقدم

لهم الشاي والفواكه أيضا قبل أن يغادرا ، قالت جوزاء مبتسمة

وهي تخرج من العرفة

" سيكون ثمة زيارات كثيرة غيرها وسنتعرف ببعضنا أكثر

يا يمامة "

*
*
*

عدلت جلستها تضرب بمقدمة حدائها على الأرض بتوتر فهي

تجلس هنا منذ أكثر من ساعتين ولا أحد أطل عليها أو اهتم

بأمرها ، أي معاملة سيئة هذه ؟ حين رأت مبنى تلك الشركة

من الخارج دهشت وظنت أن الحظ ابتسم لها فلم تكن تتخيل

كل هذا ! صحيح أن الراتب في الإعلان كان مرتفعا والشروط

أيضا تدل على أن صاحبه ذا شأن لكنها تخيلت أنه مجرد صعلوك

يريد أن يصنع حوله هالة من الإهتمام أو أن لديه حبيبة سابقة

يريد التخلص منها لكن ما أن رأت المبنى ودخلت لقسم الاستقبال

وتحدثت مع الموظفات هناك حتى تيقنت من أن السيد كروس ذاك

يبدوا بالفعل شخصا مهما رغم استغرابها لأن يضع إعلانا عن

تلك الوظيفة في ذاك المكتب الرث !! وفكرت أنه قد يكون يريد

فتاة من عامة الناس سترضى بكل تلك الشروط من أجل المال

لذلك اختاره تحديدا .

كانت قد أرسلتها موظفة الإستقبال لمكتب سكرتيرة المدير

مباشرة ما أن علمت بأنها من جاءت من أجل الوظيفة وبأن

مكتب وكالة التوظيف من أرسلها فأشعرها ذلك بسعادة غامرة

لكنها بدأت تتلاشى بالتدريج ما أن بدأ الوقت يمضي وهي جالسة

هنا لوحدها وذات الشعر الأحمر الناري تلك لا تتوقف عن الحركة

وتلقي الاتصالات والبحث بين الملفات وهاتفها على أذنها بينما

تهملها هي وكأنها غير موجودة بل وكأنه لا أحد يجلس عند تلك

الزاوية فوق الأريكة الجلدية المقوسة لأكثر من ساعتين ، وقفت

وتوجهت نحوها وقالت

" عذرا يا آنسة هل لي أن أعلم متى سأقابل السيد كروس أم أنه

ليس هنا كما يبدوا ؟ "

نظرت لها لبرهة وكأنها تكتشف وجودها الآن فقط ثم قالت

" آه حسنا هو لن يأتي اليوم على كل حال وموعدك مع السيدة

ريتشارد مديرة مكتب العلاقات العامة إنه في الطابق الخامس "

وعادت من فورها جهة مكتبها وكأنها لم تفعل شيئا ... هي لم

تفعل شيئا بالفعل ومن هذا الذي يستطيع محاسبتها ؟ هي مثلا ؟!

تحركت من هناك لا منفس لها لغضبها المشتعل سوى ضرب

خطواتها بالأرض بقوة فهي من تحتاجهم وتحتاج وظيفتهم

وليس هم ..

كانت تنعم في أموال شقيقها وتعيش حياة مرفهة لا تفكر في الغد

وما فيه رغم كل القيود التي كان يضعها عليها وليست تعلم ما

قلبه ضدها فجأة هكذا ليتركها في رحمة ذاك المتغطرس ؟

لكن لا بأس ستتخلص منه سريعا وسريعا جدا أيضا .

نزلت للطابق الذي أخبرتها عنه وبحثت عن مكتب تلك السيدة

ووجدت أن موعدها معها بالفعل فلما لعبوا بها كل تلك اللعبة ؟

لا بأس المهم أن تحقق ما جاءت من أجله والباقي لا يعنيها ،

جلست أمام مكتب التي استقبلتها بترحاب والتي بدأت تتحدث

بالنيابة عنها واختصرت عليها شوطا طويلا من الشرح

والتفاصيل ، قالت بحماس

" حقا يمكنني أن أحصل على دفعة مقدمة أيضا ؟ "

أومأت تلك مؤكدة وقالت

" علينا أن نتم التوقيع على بنود الوظيفة كل على حده أولا .. تلك

هي الأوامر "

قالت بسعادة

" جميل سأقوم بذلك فورا "

قالت المقابلة لها

" وظيفتك طبعا ستكون سهلة جدا كمرافقة للسيد كروس فقط

لكن الشروط هي ما يجب تأكيد موافقتك عليها أولا ، لا نريد

أي مشاكل لاحقا لأني من سيحاسب عليها "

أخذت الأوراق منها على الفور فقالت تلك

" ثمة بنود قانونية أيضا آنستي حيث أن السيد كروس سيكون

مكلفا بدفع مبلغ مئتي ألف دولار حال أخل بالشرط الوحيد الذي

يخصه أما أنتي فإخلالك بأي واحد منها معناه السجن "

نظرت لها وتنهدت بأسى متمتمة
" سبق وقرأت هذا "

قالت من فورها

" العقد المبرم مدته عام كامل ويمكنك زيارة محامي للاطلاع

على قانونية الأمر أو المرور بمكتب محامي الشركة إن أردت "

حركت رأسها برفض وعادت للتوقيع على تلك البنود قائلة

" أنا سأكون عند اتفاقنا ، ألمهم أن يلتزم هو "

مدت بعدها بالأوراق لها فقالت تلك مبتسمة

" تكسبين مبلغا رائعا وقتها ولن تخسري شيئا "

وقفت وقالت ببرود

" أخسر نفسي طبعا "

حركت تلك كتفيها بلامبالاة وقالت

" سيصلك اتصال من السيد كروس وسيكون تعاملك معه شخصيا

من الآن وصاعدا "

شكرتها وتصافحتا ثم حملت حقيبتها وغادرت ذاك المكتب بل

والشركة بأكملها ، وظيفة براتب سخي وسكن مستقل ولا تحتاج

لمؤهلات ! ذاك ضرب من الخيال ما كانت لتحلم به أما الشروط

فبالنسبة لمضطهدة مثلها تعد مقبولة بعض الشيء وستتغاضى

عن الأمور السيئة الأخرى من أجل باقي مزاياها .

قفزت الرصيف وهي تجتاز الشارع تشعر بأنفاس الحرية من

هذه اللحظة ، ستجعل ذاك المتغطرس يندم على سخريته منها
وعلى استهانته بها درجة أن حررها منه ولا يعلم


*
*
*


رفعت جسدها مستندة بمرفقها ما أن شعرت بباب الغرفة يفتح

ببطء وقد تسلل النور من خلاله مخترقا الظلام حولها وظهر لها

ذاك الجسد النحيل ملتفا في الفستان القطني بأكمامه الطويلة ..

شعرها الأسود قد تناثر حول وجهها وذراعيها بإهمال ، ابتسمت

بحنان وهي ورغم النور الخفيف ترى تلك الابتسامة والدموع

سجينة الأحداق الواسعة فأشعلت النور بجانب السرير ومدت
يدها لها قائلة بابتسامة

" تعالي يا تيما "

فأغلقت تلك الباب فورا وركضت جهتها وصعدت السرير ودخلت

معها تحت اللحاف ونامت في حضنها تطوق ذراعيها حول خصرها

فمسحت على شعرها قائلة بابتسامة

" لا تقولي بأنك خائفة ولم تستطيعي النوم ؟ "

خرجت منها ضحكة خفيفة ودست وجهها في حضنها أكثر قائلة

" كيف سأخاف وأنا معتادة على النوم وحدي لأعوام ، أريد فقط أن

أكون معك "

ضمتها لحظنها أكثر وقبلت رأسها فهي تفهم جيدا ما الذي تعجز عن

قوله فإن تأخرت عنها قليلا فقط لذهبت هي لها لغرفتها فلم تستطع

أي منهما استيعاب فكرة أن يفصلهما جدار مشترك ولا تكونا معا ،

رفعت رأسها ونظرت لملامحها وقالت بعبوس

" علينا أن نجد حلا لهذا "

تنهدت غسق بضيق وقالت

" تيمااا "

عبست ملامحها الجميلة أكثر وهمست بحزن

" ليس وضعنا أقصد أمي "

نظرت لعينيها بصمت دون أن تعلق فقالت بتذمر

" لما الجميع لا يصدق أن أكون ابنتك ؟ خالي رعد قال بأننا
ننفع شقيقتان فهل أنا بشعة لهذا الحد ! "

خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت مبتسمة

" هم لم يروك منذ كنت مولودة هذا فقط ما في الأمر ثم ميزة

الفتاة أن تنضج وتكبر بسرعة ، أنا في مثل سنك كان الجميع

يعطيني عمرا أكبر من عمري ثم توقفت عن النمو فجأة "

تنهدت بضيق ولم تعلق فقالت بتردد وهي من سجنت ذاك السؤال

في قلبها حتى كاد يقتلها لكنها لم تعد تقوى على دفنه داخلها أكثر

" تيما هل كنت ترين جدك هناك ؟ حدثيني عنه "

نظرت لعينيها لبرهة ثم قالت مبتسمة بشوق

" أجل أمي ... لم أكن أراه دائما كان يزورني من وقت لآخر بعيد
وكم كنت أستمتع برفقته فهو رجل رائع "

سكتت قليلا تنظر بحزن لتلك الدموع التي ملأت تلك العينين السوداء

الواسعة وتابعت بحزن

" كم كان يتحدث عنك أمي ، في كل مرة زارني فيها كان يذكر

اسمك بحسرة وفي آخر مرة رأيته كان حزينا ومستاء لأننا

سنراك وهو لا يمكنه رؤيتك ولا ليوم في حياته "

نزلت الدموع من تلك العينان السوداء حين فقدت السيطرة

عليها فأغمضتهما برفق وتركتها تنساب من رموشها للوسادة

تحتها فنامت في حضنها مجددا قائلة بعبرة بكاء سرعان

ما شاركتها فيه ما أن رأت دموعها الصامتة

" ستلتقيه يوما بالتأكيد أمي فهو أخبرني بأنه لم يعد يريد الابتعاد

عنك أكثر "

قبلت رأسها مجددا ودفنت وجهها ودموعها في شعرها هامسة ببحة

" أسأل الله أن يجمعنا مجددا ثلاثتنا معا فكل واحد منا أتعبه الفراق

فعلا "

شدت ذراعيها حول خصرها أكثر ودفنت وجهها في صدرها تعجز

عن قول ما تريد قوله وأن والدها هو العامل المشترك بينهم

ثلاثتهم ولن يجتمعوا كما تتمنى ما لم ترجع له فستعيش هي

هنا وهم هناك في جميع الأحوال .

رفعت رأسها مجددا ونظرت لها وهي تمسح دموعها وقد ابتسمت

لها فقالت مبتسمة أيضا

" هذه المدينة تبدوا أروع مما قرأت عنها هل نخرج معا لرؤيتها ؟

أنا متشوقة لرؤية ما حكا لي خالي رعد عنه ومعك أنتي تحديدا "

مسحت على غرتها قائلة بذات ابتسامتها

" ثمة اجتماع مهم غدا في الجمعية لا أستطيع التغيب عنه فأعدك

أن نخرج وقت العصر وإن كان الوقت سيكون قصيرا قبل حلول

الظلام وسنعوضها بأفضل منها لاحقا اتفقنا ؟ "

ابتسمت لها بتفهم وأومأت برأسها موافقة ثم قبلت خدها

وغادرت السرير قائلة

" تصبحين على خير ... الآن يمكنني النوم وأنا لا أحلم برؤيتك ؟ "


ابتسمت بحزن وهي تراقبها تغادر الغرفة حتى أغلقت بابها خلفها

وقد لوحت لها بيدها قبل ذلك وأرسلت لها قبلة صغيرة .

فاستلقت حينها على ظهرها تنظرت للسقف وأغمضت عينيها

برفق فتسللت دمعة من طرف إحداهما وعاد ذهنها لمحاولة

رسم صورة لوالدها الذي لم تراه يوما ولم يراها وليست تعلم حتى

متى ستبقى تناجي أطياف الغائبين عنها من أخذته الحياة منهم أو

الموت ، همست بوجع تغطي عيناها الباكية بكفها " رحمك الله

يا والدي شراع ويا شقيقي الوحيد ... ليتني خسرت عمري وما

خسرتكما "


*
*
*

وصلا المنزل متأخرا بسبب الماسفة بين المدينتين وإن كانت

تعتبر ليست بعيدة وكل ما تستغرقه الطريق ساعة واحدة فقط

بسيارة مسرعة إلا أن زوجها وبسبب تأخره في موعد مع أحدهم

ذهبا متأخرين ووصلا المنزل متأخرين أيضا ليجدا سيارة أبان

في انتظارهما في الخارج فضحك أيوب وقال وهو ينزل

" لو تأخرنا هناك قليلا لوصل ابنهم وأمسك بنا "

أغلقت جوزاء بابها قائلة

" لا يهم حتى إن وجدنا أبان هناك فالموضوع انتهى الحديث فيه "

قال مبتسما وهما يدخلان المنزل

" إن لم أنطق بتلك الكلمات شككت أن ذاك الرجل قد يقفز على

عنقي ويخنقني حتى أنه وافق مباشرة دون أخذ رأيها ولم يعجبه

إصراري على أن يأخذوا وقتهم ويسأل الفتاة أولا "

قالت بأسى وهي تفتح باب المنزل

" مسكينة تلك الفتاة لا تستحق وشقيقها بكل خلقهما ذاك حياة

كالتي فرضت عليهما "

دخلا وكان سيتحدث لولا أسكته وجود الذي خرج من جهة

المطبخ الأرضي يحمل صحنا في يده وقال مبتسما وهو ينظر لهما


" الله أكبر ... أين تحتفلان في الخارج وتعطون إجازة نوم

مبكر للخادمات ليبقى ابنكما المفضل دون عشاء ؟ "

نظرت له والدته تلك النظرة التي يعشقها فيها حين يغضبها منه

خاصة في حضور الواقف بجانبها لكنها كانت تعد له مفاجأة أقوى

منه حين قالت ببرود

" كنا طبعا نحتفل في منزل صديقك ابننا المفضل والمدعو يمان "


*
*
*
فتحت باب الشقة ودخلت وكما توقعت وجدته في انتظارها ولن يرحمها

أبدا بسبب تأخرها هذه المرة أيضا حتى وقت المغيب لكن الأمر انتهى

تماما بتوقيعها تلك الأوراق وهو من سبق ووافق وليتحمل النتائج

ولن ترضى بأن يخسرها تلك الوظيفة ليكون مصيرها السجن وإن

قتلته فهي مسجونة في الحالتين ، انقبض قلبها عند فكرة أن تدخل

ذاك المكان المخيف المليء بالمجرمين وبالحشرات ، لا لن تسمح

لهذا أن يحدث أبدا .

دخلت ودفعت الباب بقدمها للخلف مغلقة له لأن يديها كانتا مليئتان

بأكياس المشتريات فقد اشترت كل ما قد تحتاجه في وظيفتها الجديدة

وأنفقت كل ما لديها من مال بما أنها ستستلم دفعة مقدمة من راتبها

فهي بحاجة لأثواب السهرة المميزة هذه وإن كانت مكلفة .

مرت من أمامه متجاهلة وجوده وكأنها لا تراه ووضعت الأكياس

أمام باب غرفتها ثم فتحتها ووقفت فاغرة فاها تنظر بصدمة للغرفة

الخالية تماما من جميع أثاثها ! لا شيء سوى الجدران حتى ثيابها

وأغراضها اختفت !!

نقلت نظرها للواقف عند باب غرفته حين قال ببرود

" أعتقد أنك قلت بأنك لا تحتاجين لا لشقتي ولا نقودي فيمكنك اكمال

السهرة حيث كنت والنوم هناك أيضا "


*
*
*

*
*
*


حركت رأسها بالرفض القاطع فقالت الواقفة أمامها بضيق

" لكن هذا سيخسرنا كثيرا سيدتي حتى نتعاقد مع ممولين جدد

وموثوقين ثم نحن لم نحصل على داعمين حتى الآن فكل ما لدينا

وعود من بعض رجال الأعمال والمؤسسات الخيرية أ.... "

قاطعتها بضيق مماثل

" سنناقش آلية تنفيذ كل هذا فقط أما أن يتغير القرار فمستحيل

وعقودنا تلك جميعها ستلغى ، أنا على استعداد وإن للبدء من الصفر

من جديد لكن أن يستمر البرنامج السابق فموتي فقط ما قد

يعطيكم الأحقية في الاستمرار عليه "

تنهدت بعجز من عناد الواقفة أمامها فهي تحاول أن تقنعها منذ

وقت وبلا نتيجة وتعلم أن هذه القرارات لن تحضى بالترحيب من

باقي مجلس إدارة الجمعية وليست تفهم ما السبب في إصدارها

لها فجأة فهل ثمة من يقوم بإلغاء جميع تلك العقود والاستثمارات

ويوقف كل ذاك الدعم دون تقديم سبب واحد ولا شرح أو توضيح !!

ولكن ورغم كل ذلك هي موقنة من أنه لا أحد يستطيع معاندة

ولا كسر قرارات هذه المرأة فما قررته سينفذ لأنها السلطة العلية

هنا ولن تتخيل أن يظهر لهم شخص من العدم يشاطرها إصدار

أي قرار بعد شراع صنوان الذي كان وحده من قد تفعلها احتراما

وحبا له فقط .

نظرتا كليهما حيث باب قاعة الاجتماعات الذي دخل منه للتو آخر

المنتظرات منذ حوالي الساعة والنصف لأن إحداهما كانت ابنة

خالتها التي على الرغم من ملامحها المتعبة وعيناها التي لازالت

تحمل أثر كل ذاك البكاء كان إلزاما عليها الحظور لأن هذا الاجتماع

ستناقشهم فيه أمورا قد تؤدي حتى لاختفاء مملكة الغسق للأبد إن

وصل الأمر لأن خسرت باقي استثماراتها ومستثمريها وهي على

استعداد لتلقي كل تلك الخسارات وإن وصل بها الأمر للسجن على

أن ترضخ لذاك الرجل وتقبل أن يكون طوق نجاتها الوحيد ، جلس

الجميع حول الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الزان الثقيل

والمدعم بالجلد الأسود وقد التفت حولها مقاعد جلدية سوداء تتناغم

مع الطلاء الأبيض المدعم بالبني لجدرانها المصقولة وأضواء

وزعت على السقف بشكل بيضاوي تتوسطهم ثريا دائرية فخمة

من الكريستال وواجهة زجاجية تصف جمال تلك المدينة الخضراء

بمبانيها المتناسقة .

نزعت سترة بذلتها الرسمية النسائية الأنيقة ووضعتها على ظهر

الكرسي واكتفت بالصدرية السوداء الحريرية ذات الأكمام القصيرة

والياقة المفتوحة والأزرار الزجاجية بإطارها الأسود المتناغم مع

لون تلك البذلة ولأنه لا رجال اليوم في ذاك الاجتماع مثلما استثنت

زوجات بعضهم لأنها لن تعترف بعد اليوم بكل تلك الشخصيات

الوهمية كان في إمكانها خلع سترتها بل وحتى حجابها تاركة

لشعرها الأسود الطويل حريته مكتفية فقط بقوس شعر فضي

مرصع بأحجار سوداء يمسك تلك الغرة الحريرية للخلف .

بدأت كل واحدة ممن جلسن أمامها تأخذ مكانها بنكهة نسائية

صباحية امتزجت بالممازحات والضحكات الصغيرة المتفرقة ،

تعلم أن ما ستقوله لن يعجب أغلبهن هذا إن لم يكن الجميع لكن

قرارها لا تراجع فيه أبدا وستسد تلك الثغره مهما كلفها من

وقت وجهد فهم مقبلون على موسم الربيع والصيف والعائدات

ستكون مرتفعة وستتعاقد مع مستثمرين جدد قريبا وتغطي العجز

وإن قامت ببيع جميع ممتلكاتها .

نظرت للأوراق تحتها وتنهدت بضيق فمزاجها اليوم أسوأ مما

توقعت وكله بسبب المجنونان اللذان تركتهما في المنزل بعد سيل

طويل من التوبيخ الذي تلقياه منها حين وجدتهما وفي هذا الطقس

وإن كان الوقت بداية الربيع قرب المسبح في هذا الصباح الباكر

بل ووجدت الكاسر داخل مياهه وتيما تجلس على حافته تلعب

بقدميها في الماء وأصوات ضحكهما وهو يرميها بالمياه تصل

للداخل ولم يفكرا بأن هذا قد يقتل أحدهما وبكل سهولة .

رفعت الأوراق وأعطتها لسكرتيرتها الواقفة بجانبها والتي بدأت

بتوزيعها بين الجالسات ولم تكن تلك الأوراق سوى جداول

لأرقام وحسابات وبعض الأسماء أما المهم في الموضوع فهي

من عليها قوله ، ما أن وصلت الأوراق لجميع الموجودات عم

الصمت التام المكان ليس بسبب تلك الأوراق ولا لأنها باشرت

بالحديث عنها فهي لم تتحدث بعد بل بسبب الباب الذي فتح من

الخارج بعد طرقتين متتاليتين كاشفا عن صاحب الجسد الطويل

المتناسق في بذلة سوداء فاخرة وكأنها قيست بالمسح الضوئي

لتناسب ذاك الجسد بياقة مخملية وأزرار مغطاة قد مزجت

التفصيل البريطاني بالأناقة الفرنسية بل وقد مزجت لون القماش

الفاخر بلون الشعر والعينين .. مزجت الرجولة بالفخامة .. الثقة

المتفجرة والعنفوان الذكوري المسيطر والذي زادته تلك الابتسامة

الجانبية معطية دفعة مجنونة من الثقة بالنفس ، مشهد جعل

الرؤوس تدور جهته فورا والأعين تحدق به بصدمة امتزجت

بالذهول عدا التي كانت تجلس عند رأس الطاولة والتي ما أن

وقع نظرها على تلك العينين المحدقة بعينيها تحديدا أشاحت

بوجهها جانبا متنهدة بضيق ومغمضة عينيها بينما هي الأحق

من بينهن وحدها بالتحديق فيه بتلك الطريقة الجريئة التي نظرت

له بها بعضهن درجة أن نسي فضولهن أن يدير تلك الأعين

جهة الجالسة هناك بعد دخول هذا الرجل تحديدا لذاك المكان ،

فمن أين خرج لها هذا الرجل في هذا اليوم تحديدا ؟

فتحت عينيها ولازالت تحدق جهة تلك الطبيعة البعيدة تقبض

أصابعها بقوة لحظة ما اخترق صمت المكان ذاك الصوت

الرجولي العميق والبحة المميزة وقد مزجت بنبرة ساخرة واثقة

مع صوت إغلاقه للباب

" عذرا فيبدوا أنه ثمة من عليه حضور اجتماعكم هذا "

*
*
*


" هل خرجت زيزفون ؟ "

وقفت الخادمة مكانها ونظرت للخلف حيث الواقف ورائها تماما

ينظر لها عاقدا عاجبيه فدارت جهته بكامل جسدها وقالت باحترام

" لا سيدي "

سأل من فوره

" ولا وجبة الغداء أيضا ؟ "

حركت رأسها نفيا من فورها فتركها وغير مسار طريقه حيث

الغرفة التي أصبحت تسكنها بالأسفل منذ أن أحضرها بالأمس ،

طرق الباب بمفصل سبابته طرقات متتالية حتى سمع صوت

مرافقتها تأذن له بالدخول ففتح الباب ودخل ودون أن ينظر

لشيء أو يقول شيئا توجه جهة الجالسة على حافة السرير

وشدها من يدها وسحبها منها فوقفت وسارت معه عدة خطوات

كادت أن تقع فيها فهمست بضيق وهي تشد يدها منه وهما

قرب الباب

" آي وقاص قدمي ! "

وقف والتفت له ونظر لعينيها وقال بضيق

" تحركي بإرادتك إذا قبل أن أحملك مرغمة "

أمالت ابتسامة ساخرة عند طرف شفتيها الرقيقة وقالت

" أخشى أن تصاب زوجتك بالحمى مجددا "

تنفس بقوة يشد قبضته فهي لا تترك فرصة للسخرية منه

ولا تستغلها لكنها لم تعرفه بعد ... أجل لا تعرفه وهو من

سيجعلها تعرف ذلك جيدا ، تجاهل كل ما قالت وقال بذات ضيقه

" ألم تخبرك الخادمات منذ الأمس أن تخرجي للطعام مع العائلة ؟

توقفي عن سجن نفسك في الغرفة يا زيزفون فقد أصبح لك

حرية التحرك هنا "

قالت ببرود

" شكرا لكني لا أريد "


تأفف وقال

" لا تريدين ماذا تحديدا ؟ "

قالت بضيق مماثل تنظر مباشرة لعينيه

" لا أريد رؤيتكم ولا سماع أصواتكم أتفهم هذا الآن ؟ "

سحبها من يدها مجددا وخرج بها هامسا

" ومع كل هذا عليك أن تخرجي فلم أقبل بكل ذاك الوضع

المزري لتسجني نفسك "

سارت معه مكرهة ولا خيار آخر أمامها فإن كان ثمة شيء واحد

تعرفه عن هذا الرجل فهو عناده الذي لا يمكن لشيء أن يكسره ،

وصل بها طاولة الطعام حيث تجمع أغلب أفراد تلك العائلة عدا

رواح المسافر منذ يومين ونجيب الذي لم يزر المنزل منذ حديث

جده معه بالأمس ووالده الذي لم يرجع حتى الآن .

انتقلت نظرات الجميع لهما محدقين باستغراب عدا من ترأس

طاولة الطعام وكان ينظر لطعامه فقط ، سحب لها الكرسي فلم يكن

من خيار أمامها سوى الجلوس وإن مكرهة وانشغلت بابعاد

شعرها للخلف متجنبة النظر لهم جميعا وتلك النظرات تلتهم

ملامحها الجميلة والعينان الملونة بزرقة السماء والتي تنظر

للأطباق تحتها بلامبالاة يكشف أكمام ثوبها الحريري الناعم

عن ذراعين شديدتين البياض ونحر يضاهيهما بياضا ونعومة

قبل أن تنتقل نظراتهم تلك للذي تحرك من خلفها وسحب
كرسيه وجلس مكانه المعتاد فتحرك كرسي آخر حينها وكان

الأقرب له حين وقفت الجالسة بجواره وغادرت المكان

بخطوات سريعة ، كانت والدة رواح أول من خرج من ذاك

الصمت المميت وقد قالت ناظرة له بعتاب

" لقد جرحتها يا وقاص ، أنت تنسى أحيانا أنها أنثى وأنها زوجتك "

رفع شوكته وقال ببرود ناظرا لطبق الطعام تحته

" يبدوا أني كنت أقبلها أمامها ولست أعلم ؟ "

ألجمتها جملته الجريئة تلك عن الحديث تماما فتمتمت مستغفرة

الله وعادت لطعامها وخرج صوت انثى أخرى هذه المرة ولم تكن

إلا والدة نجيب التي أبعدت نظراتها الحاقدة عن الجالسة هناك


أخيرا ونظرت جهة الجد قائلة بضيق

" لا أعرف مجنونة يتركونها تتجول بين الناس بحرية وتجلس

وأمامها سكين ؟ "

تنفس حينها وقاص بضيق ونظر جهة التي رفعت الشوكة وبدأت

تأكل دون أن تهتم بما قيل وكأنها لا تسمعه فعلا أو لا تهتم له

بينما اكتفى الجالس عند رأس الطاولة بمتابعة طعامه دون أن يعلق

أو يبعد نظره عما يأكل .

وقف ضرار الصغير والذي كان الأقرب لكرسيها وحمل طبقه وجلس

في الجانب الآخر فضحكتا والدته ووالدة نجيب على حركته تلك

وهو يهرب منها ، خرج حينها وقاص من صبره وصمته وقال

بغضب ناظرا للجالسة مقابلة له

" لو كانت تؤذي بالفعل لأخذت حقها من ابنك لكن يبدوا لي

أنه ثمة مجنون حقيقي غيرها في هذه العائلة "

صرخت تلك من فورها

" ما قصدك بهذا يا وقاص ؟ "

" ليصمت الجميع فورا "

جملة ضرار الغاضبة تلك جعلت ذاك الحوار المحتد يتوقف

تماما ونظراته الغاضبة تنتقل بين زوجة ابنه وحفيده الأكبر

فوقفت تلك مغادرة بخطوات غاضبة بعدما رمت المنديل من يدها

وعاد البقية لطعامهم فلم يعد هناك مجال لأن يعلق أي منهم .

بعد وقت قليل وقفت والدة ضرار أيضا وتبعها ابنها وغادرا

غرفة الطعام فنظر وقاص للجالسة في طرف الطاولة فكانت تضع

يدها والشوكة فيها على الطاولة تحتها ولا تأكل بل كانت تنظر

للمقابل لها في الطرف الآخر والأبعد نظرة لم يعرفها هو المحامي

ومن جاب المحاكم والقضايا وأصبح يحتك الآن بالمذنبين سوى

في أعين من وجدوا أمامهم سبب انهيار حاضرهم وماضيهم ..

سبب القهر والذل والمعاناة التي سلبتهم كل ما هو جميل في

حياتهم ... نظرة المجني عليه للجاني حين يأخذ كل واحد منهما

مكان الآخر في نظر القانون ويضيع الحق ليظلموا المظلوم مرتين ...

نظرة لو كان بإمكانه لأزالها من تلك العينين الجميلة لكنه عاجز

عن فعلها رغم كل محاولاته مثل عجزه عن فهمها وفك جميع

خباياها ... هل تحمله مسؤلية ما حدث مع والدها وجدتها أم أن

الأمر تعدى ذلك بكثير ؟ أي حقد هذا الذي يملأ قلبك الصغير

يا زيزفون جعله يتفرع ليشمل الجميع ؟

نقلت نظرها فجأة من جده له ووجدته ينظر لها فتبادلا نظرة

طويلة صامتة قبل أن تبتسم له تلك الابتسامة الساخرة الغامضة

التي تضيف بها لغزا جديدا في كل مرة وكأنها تقول له بها وبكل

وضوح ( أنت تضيع وقتك ليس إلا )


صوت سحب لأحد الكراسي حول تلك الطاولة جعلت نظرتهما

العميقة تلك تتلاشى كالسراب حين وقفت والدة رواح وقالت برجاء

ناظرة له " من ثيابك يبدوا أنك ستخرج مجددا فاصعد لزوجتك

أولا يا وقاص "

وقف حينها هو أيضا وقال ببرود وهو يرفع هاتفه ومفاتيحه وكأنه

لم يسمعها

" لديا موعد مهم في كامبردج وقد أتأخر فنامي ولا أجدك جالسة

تنتظرينني قرب الباب "

ثم غادر من فوره بخطوات واسعة واثقة زينتها تلك البذلة

السوداء الأنيقة فتمتمت مغادرة
" أراح الله قلبك يا وقاص "

وغادرت المكان ليعمه الصمت المميت مجددا ولم يبقى فيه سوى

الجالسان عند رأسي الطاولة البيضاوية أحدهما لازال ينظر لكوب

عصيره والطعام أمامه والعينان الأخرى عادت تحدق في ملامحه

الجادة الجامدة تلك بكره وعادت تلك الابتسامة الساخرة الحاقدة

للارتسام على شفتيها وخرج ذاك الصوت الأنثوي البارد

" ضرار سلطان ... لما تتجنب دائما النظر لي ؟ "


المخرج ~

بقلم / زينه 4

من وقاص ـ لزيزفـون
هكذا اشرق الفجر...!
أي نهاراَ كان ..

ذاك الذي ظهرتِ فيه على أفق عيني ..
ي بحرية العينين
كان صباحا .. مع بواكير شتاء
ظهرتِ كمعطف دافئ يلبسني
أصبحت و كأنني أملك الدنيا
ولكن تلك العينان بلون السماء التي بلا حدود
عرفت منها أن الحب قد يكون لعبة!
وأن للصدق سكين وللبراءة احقاد ..!ا
أنكِ أنثى تُجرح ..؟
فـ الصبر معك ِ بعيد والشمس غيابها طويل
وفي الوقت الذي تُلون نهاري بمفاتيح السعادة
لم تعطيني سوى الأرق وُظلم النهار
و القسوة والجفاء مع كبرياءك وحقدك الدفين ..!
يا ذات القلب الصغير :
القلوب لها هيبه .. وجرحها ضعف
وجرح قلب رجل حالم بكِ خطيئة
فهل يموت الأمل وتحكم قيود الفرح .. المُنتظره ..؟
فمشاعري كطفل وليد
بنت مدن من فرح فقد مللت من توحد القلب
فقد كنت وفي مع وحدتي رغم قسوة شتاء الانتظار

فـ كنت انام واصحو على حلم وقد أتي !
و مع ذلكـ اخاف اختفاء نجمك عن أفقي ..
يحكمني شعور لااعرفه ! واخاف فقداني سيطرتي
فـ يتملكني قرار أن أنتزعكِ
من الكل لنفسيِ أُطبِق عليكِ بأنفاسيِ ..
..أسحبكِ كخيط ضوءٍ بلا نهاية.. بعيداً
أحب أن آتيك بالمنام لأسكن بين حنايا الحلم ونومك !
أحب فجري بكِ!.
وأحب أن أغزوك مع أسراب الضوء الأولى !
في حدود بحوري وسماءاتي فقط
...
أحب أن ألمس عينيك بأناملي
ف اوقِظُ برك الصمت بداخلك كأنغام ناي !!
فمشاعريِ كـ السُحب كريمة
وسط قلبكِ الرمادي المتوحش تهطل كقطرات المطر!
فـ أمنيات من اطل نجمكِ بمحيطي أمنيات !!
.. اتمني أن أقاسمكِ الهموم ..
بل سآخذها كلها عنكِ ..
فبكل الحالات أعيش غرامك الجديد علي
.. وبكل لغات الجسد أناديكِ ..
أناديكِ بيديّ الشاعرة باليتم من صغري ! .. ..
فأنا أحتاج لوجههكِ الذي كـ الشمس ..
ولظفائركِ الذهبيه التي أصبحت أؤرخ فيها الزمن زمني وزمنكِ .. ..؟!
سأنتظركِ على الغيم
وما بين حضوركـِ وغيابكـِ أصبحت نصفين

نصفه هو انتِ والآخر لا أعرفه ..!


نهاية الفصل


 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 27-09-17, 09:08 PM   المشاركة رقم: 379
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 126 ( الأعضاء 29 والزوار 97)
‏فيتامين سي, ‏ليل الشتاء, ‏missliilam, ‏TIHA, ‏أم مروان, ‏samam, ‏الجابيه, ‏سممر ال باز, ‏وداد الحربي, ‏الوان الدنيا, ‏نور الغيد, ‏فيوووز, ‏عبق فرح, ‏rahmouna, ‏منى سعد, ‏نوار حوران, ‏ام عبدالسميع, ‏اسماء2008, ‏ديـ*M*ـوم, ‏منوني, ‏غزلان سلمى, ‏87huda, ‏بنتي أميرتي+, ‏soma libya, ‏المتشردة الصغيرة, ‏أسماء سالم, ‏atmin, ‏وفاء حسين سلطان, ‏يمنى عادل

قراءة ممتعة لكم ..... وردود ممتعة لحبيبتنا برد المشاعر .....

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 27-09-17, 09:28 PM   المشاركة رقم: 380
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فخري
قارئة مميزة


البيانات
التسجيل: Jul 2014
العضوية: 271387
المشاركات: 11,068
الجنس أنثى
معدل التقييم: bluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميعbluemay عضو مشهور للجميع
نقاط التقييم: 13794

االدولة
البلدJordan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
bluemay غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 
دعوه لزيارة موضوعي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


سعيدة اني لحقت التنزيل


لي عودة بتعليق إن شاء الله


*تم اضافة رابط الفصل*

 
 

 

عرض البوم صور bluemay   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
(الجزء, المشاعر, المطر, الثاني)،للكاتبة, الرااااائعة/, جنون
facebook



جديد مواضيع قسم قصص من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t204626.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
Untitled document This thread Refback 27-06-17 09:03 PM


الساعة الآن 03:02 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية