لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





|[ فعاليات منتديات ليلاس]|

.:: الفعالية 1 ::.

.:: الفعالية 2 ::.

.:: الفعالية 3 ::.

.:: الفعالية 4 ::.

.:: الفعالية 5 ::.

.:: الفعالية 6 ::.



العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

قصص من وحي قلم الاعضاء قصص من وحي قلم الاعضاء


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-08-17, 08:22 PM   المشاركة رقم: 221
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 




الفصل السادس

المدخل ~

بقلم / زينه 4

السَماء تَشهَق بقوة
الغيَاب سرقُ كَل شَيء حَولي ،

فـ الكَلمَات
لا تُنصفُنا يَا صَغيرَتي لاني لااعرف اسمكِ فـ بما اناديكِ!
ففي كلّ مَرة أوشكُ على إرسال رَسائلي المَبتُورة إليك !،
لااعرف أي البلاد احتوتكِ صغيرتي رضيعة وبعدها كبيره !
اخذوك في جنح ظلام
وغادرو اللاوطان فمن هَول غيَابك وحرماني ،
نَسيت أن أكتب حرفـاَ لكِ ،
أن أتذكركِ ،أن أشتاقك ،
و أن أبكيك كَما يَنبغي لم يمنحوني الفرصـة !
أحلامُنا انا وانتِ ، ،
طُفولتكِ عَبثك
، ذكريَاتنا.... لاشئ !
، بكاؤك ،
إبتسَاماتُك...
كلّها تَحتاج لجدار أقوى من ذَاكرتي تَتكأ عليها ...
ذَاكرتي التي تقتلني بك في كلّ مَرة
لا شَيء يستَحق الكتَابة ...
صغيرتي لان لاشئ فيها
ي تلك الصَغيرة التي تُسمى "بنتي " لَم تَكبري بعد !
هل اخبروكَ عني يوماَ !
ان كأن ذلك فـ امكِ لاتعلم عنكِ شيئاَ حتي اسمكِ حرموني إياها!!
ابحث عنك بوجوه الأطفال هل يشبهونكَ
هذا! ...
ام هذا!...
ام تلك! ...
وطالت بي الآيام ,,
والشهور حتى أصبحت سنوات !!ومازال حرماني طويل!

المضحك هنا
أن احلامي الصَغيرة لَم تَكبرفـ انا احلم بكِ كل لليله ولكن بدون ملامح !
واضمك لصدري حد البكاء ،
ولا يوقضني من حلمي سوا رصيف بارد ووواقع مر !
اشتاق لكِ حد السَماء ...!
مَلاكي ...
العَصافير التي مثلك! ورحلت عن اوطانها ... ستعود يوماَ !
اما أنا فـ برغم دفىء الوَطن الذي اسَكنه!
الا هناك جليد يقبع بداخلي لايذوب ويرهقني !،
وعندما تضيق بي الدنيا احلق ب حلمي لوطن يضم صغيرتي
عندما اتطلع للسماء إلى الغُيوم البَيضاء كَأحلامي !
اناجي الله متي الرجوع لقلبي ! فـ يدأت الأرض تَضيق بي !
أرقب حزني الذي يلتَصق بي كلمّا أدرت وجهي لأمل آخر!!
أحاول أن لا أختنق صغيرتي ...
أركُض في أزقة ضَيقة لا تؤدي إلى أي مَكان من هماَ يسكنني !!
وصَدى الرَحبل الذي اقتَلعكِ من قلبي يَقرعُ كل لَيلة
كـ ندَاء المَوت ، وغُربة الأمكنة !!
الفَراغ الكَبير الذي يَملؤني !!
و رَحيلك الذي لَم أستوعبها إلا الآن !
كل هَذا الألم في أعماقي ،
وَحده طَيفك كَفيل بهَدهدته ،
طَيفك الذي لازال يسكُنني واجهله
عَيناك اللتان ترقبني من هُناك ولااعرفها ، أشعر بهمَا !
الفَجوة التي تُطلين منهَا كلّمَا اشتقت لكِ !!
ولان توقفت ساعات الرحيل انتِ امامي ؟!
ونوديَ في كل أرجاء الصحاري
وفوق رمالٍ ورديّةٍ أن عادت تلك القوافلِ المرتحلة
من سنيين ! فسوف تزينها قبلاتُ اللقاء
فـاكَم اخاف للقاء !، من غيَاب يسرقُ كَل شَيء حَولي ،
هل انتهي !

والصَباحات المبللة بالشوق اليوم تنتظرني بقدومك
فـأرفع عًيناي للسَماء بَحثا عَن سَحابتي
سَحابتي التي لَا تُجيد غَير البُكاء هل اختفت !
فقد بكيت كما السُحب علَى الأرصفَة البَاردة
كَتَرَاتِيل مَطر فْي نفس مَوشُومة بالرَمَاد !!
لَحظَة فَقَط ....!!
قبل العناق
أريد ُأن أتنفس قَليلاَ ،
أن أبكي قَليلاَ ،
أن أَهذِي قَليلاَ ،
أن لا أكون أحلُم! كـ حُلمِ عَاثر !!

ابقَي مَعي ...
فَلا زلت سأشهق بذكرَاك كل لَحظة صغيرتي
******



على رغم من أنهم غادروا باريس نهارا إلا أنهم وصلوا
مطار بلادها آخر الليل وليس السبب طول ساعات الرحلة فقط
بل وفارق التوقيت أيضا ، وما هون الأمر عليها أن طائرتهم
نزلت مطار العاصمة حوران مباشرة والتي كانت تعد عاصمة
الحالك في الماضي وأصبحت عاصمة البلاد الآن بحكم اتفاقية
توحيدها من أربعة عشرة عاما من خلال نظام المحاصة كي
لا يثور العامة معترضين وزعيم صنوان سابقا هو من اختير
لحكم البلاد وليس شخص من الحالك ، والهازان حظيت بالنصيب
الأكبر من مقاعد مجلس الشورى آن ذاك بعد الحالك وكانت
المقاعد الأقل لصنوان ، حوران عاصمة البلاد وتيمور حيث
أطراف الهازان الشرقية اختيرت القلب النابض لتلك البلاد
من خلال اختيار شواطئها مركزا لأكبر ميناء تجاري بل ومرافئ
النفط التي أنشئت فيها , ونالت صنوان الاهتمام الأكبر من
النواحي العسكرية فكانت قاعدة لحماية البلاد امتدت أفرعها
فيها كافة وبذلك لم يعترض أي فرد في تلك البلاد على أي
تغيير تبعه حتى تم أكبر مشروع خاص لإعمارها ووصلت لما
وصلت له اليوم وتراه الجالسة حيث المقعد الخلفي في عاصمة
بلادها التي لم تكن تعرف كيف كانت قبل مولدها لكنها رأت
صورا كئيبة كثيرة لها وتراها اليوم وأضواء مبانيها وأبراجها
العالية تتلألأ في سمائها لتشهد على وصول تلك البلاد التي
كانت تعيش عصور ما قبل التاريخ لما وصلت له اليوم ،
وتعلم جيدا أنها الثمن الغالي لأرواح أزهقت وتشبع ترابها
بدمائها , لشبان فقدوا حياتهم على أمل رؤيتها هكذا
ولأجل رؤية ما وصلت له اليوم ، حُلم حَلم به الكثيرين من أبناء
شعبها وعاشوا من أجله , نظرت للجالس في الكرسي المجاور
للسائق في الأمام ، من لم ترى نظراته مثلها تتجول في كل
شيء بنوه بأنفسهم بل وبناه بتضحيته بكل شيء حتى
المرأة التي كانت زوجته ومتأكدة من أنه كانت لها مكانة
عظيمة في قلبه وإن لم يصرح بذلك , توقعت أن ترى نظرات
الرضا والانبهار منه وهو يرى المشهد حي أمامه لأول مرة
فمهما رأيت كل هذا في التلفاز أو من خلال شبكة الانترنت
أو حتى الصور فهو لن يشبه الواقع بأي شكل كان .
شعرت بقبضة اعتصرت قلبها بقوة وهي ترى شرود نظره
في تفاصيل مقدمة السيارة وصمته التام المبهم الذي جعل
حتى الجالس بجانبه يصمت رغما عنه ، لا تعلم ما الذي
تسافر له أفكاره هذا الوقت تحديدا مانعة إياه من التمتع بما
عاش منذ نعومة أظافره يسعى لتحقيقه ودفع من أجله الغالي
والنفيس , تعترف أنها لا تفهمه أغلب الأحيان ..
لا تفهم صمته وأفكاره ! وهي اليوم ليست أفضل من ذي قبل
ولها أن تتخيل فقط أن تفني عمرها من أجل الحصول على أمر
تترك من أجله حتى أقرب الناس لها ثم وما أن تحصل عليه
لا تشعر بلذته مهما كان إنجازا عظيما ويستحق منها كل
ما فعلت فما الذي سيجعلها لا تسعد بامتلاك ذاك الشيء ؟؟

اعتصرت قبضتها بقوة وكادت دموعها أن تفر من عينيها
ما أن أدركت أن أمرا واحدا قد يكون سبب عدم تمتعها بذاك
الشيء وهو أن تشعر نهاية الأمر أن ما خسرته من أجله
أهم منه , لكن هل والدها سيفكر هكذا ؟؟
لا تتخيل أبد أن يشعر بذلك فهذا ( وطن ) كلمة معناها
كبير جدا بالنسبة لأي شخص يحبه فعلا فكيف بحب
مطر شاهين خصيصا له !!
وباتت تعذره في السبب أيا كان فما في القلب لا يمكن لأحد
معرفته فهي خلال رحلتهم في الجو وعلى متن تلك الطائرة
الخاصة لم تكن ترى ولا تعي شيئا مما حولها وكانت منفصلة
عن كل شيء ولازال قلبها وعقلها بل وجميع حواسها هناك
حيث محطة القطار وكل ما حدث معها اليوم وحول قلبها لكتلة
من الألم بعدما سرقت منها السعادة التي لم تدم إلا للحظات .

رفعت نظراتها المليئة بالدموع ما أن تباطأت سرعة السيارة
تدريجيا وبدأت بمسحها بطرف كم معطفها الشتوي
واتسعت عينيها بصدمة فاغرة فاها بغير تصديق وهي ترى
جموع الناس المجتمعة حول سور منزل واسع علمت فورا
بأنه سيكون منزل عائلتها فوالدها اختار أن يأخذوهما له
رغم عروض رجاله السخية حتى بالمبيت في أفضل فنادق
العاصمة وإن لليلة واحدة فقط حتى يتم ترتيب أمور المنزل
الذي هجره أهله من أعوام طويلة , توقفت حركة السيارة
والسيارات التي تبعتهم حولها على همس مطر من بين أسنانه

" ما بكم يا بِشر !! لما كل هذا المهرجان ؟ "

امتدت يد الجالس خلف المقود وقبضت على كف الجالس
بجواره يريحها على فخذه , شد عليها بقوة وقال مبتسما
وناظرا لنصف وجهه المقابل له

" كيف سنمنع الناس من استقبالك يا مطر ؟
هل تتخيل أن نواجههم بالرصاص أم بالغاز المسيل للدموع ؟
هل ترضاها أنت لهم وتسامحنا عليها ؟
لولا أن حضورك كان مفاجئ لوجدت أمام منزلك مالا يمكنك
تخيل عدده , ولأنه لا أحد كان يعلم وجهتك فيوجد مثل هذا
العدد عند مبنى البرلمان ووزارة الداخلية وضعفه بكثير أمام
مبنى القصر الرأسي وكأنهم يتوقعون فعلا أن تدخله بعد
شراع صنوان "

تنهد مطر محركا رأسه بهمس

" تعلمون أني أكره كل هذا وأنتم وقناتكم السخيفة تلك
التي استقبلت طائرتنا السبب "

ضحك الجالس بجانبه وقال وهو يفتح باب السيارة ليتسلل
منها أصوات صرخات المجتمعين في الخارج مع الريح
الباردة التي دخلتها


" لم تتغير يا ابن شاهين والسنين لم تزدك سوى ابنة "


والتفت برأسه للخلف حيث الجالسة هناك وقال مبتسما


" أتذكر ابني البكر يا مطر ؟ هو في الرابعة والعشرين الآن
وأنت تركته في العاشرة .... هل تتخيل !! "


وتابع غامزا للتي في الخلف


" ما رأيك بعريس جاهز يا ابنة شاهين
قبل أن تتكالب على والدك الأمم تريد نسبه "


لم تستطع إخفاء شهقة الصدمة من كلامه
وقد عاد ذاك للضحك مجددا ونزل من السيارة قائلا


" إذا ضع في حسابك أني أول من تقدم لك يا مطر "


فتح مطر حينها بابه أيضا قائلا


" هيا انزلي يا تيما "

ولم يزد حرفا ونزل ووقف مستقيما خارج السيارة
وحذت هي حذوه ونزلت تنظر بصعوبة بعينان أحرقها
الهواء البارد وهو يلفح حدقتيها التي لازالت مبتلة بالدموع
التي حاولت مسحها منذ قليل ولم تستطع التقدم أكثر
من خطوات معدودة وهي ترى كل ذاك التجمع يسرع
للانتقال حيث الذي ظهر لهم أخيرا والتفوا حوله لا ترى
سوى رجال بأعمار مختلفة يستقبلونه بأحضان وترحاب
عميق يتركه واحد ليستلمه الآخر واكتشفت الآن فقط
ما يعني لهم مطر شاهين ، الرجل الذي فقدوه من أعوام
ولم يستطيعوا لا نسيانه ولا تجاهل وجوده في الحياة .

مسحت الدموع التي عادت للنزول وبغزارة هذه المرة
وهي ترى المشهد الذي كان أعظم من مشهد استقبال
رجاله له في المطار الصغير هناك , ترى البسطاء من الناس
بجميع أطيافهم ، ترى دموع كبار السن وحتى من النساء
وهم يستقبلونه بالدموع ويرغمه البعض على أن يقبلوا رأسه .
الآن فقط أدركت أكثر معنى ما قاسته هذه البلاد
ومعنى ما حققه لهم هذا الرجل قبل رحيله ولازال
ما لا يعلمونه بعد ذلك رغم يقينها من أن كل واحد منهم
كان يعلم أنه موجود وإن كان بعيدا وأنه عاش ويعيش
من أجل إكمال ما بدأه يوما وهو بينهم وإن كانوا يجهلون
مكانه فكيف وهم يرون أنهم اليوم بأمس الحاجة له .
للرجل الذي زرع نواة توحيد البلاد وجعلها تتحول لحلم
عاشه الكثيرين منهم معه من أوله , شعرت بيد على كتفها
فنظرت لصاحبها فورا فإذا به الرجل الذي أوصلهم من المطار
وقد أشار لها بيده قائلا بابتسامة


" هيا أيتها السيدة الصغيرة فسنخلص والدك منهم لتدخلا
منزلكم فكل واحد منكما متعب أكثر من الآخر بالتأكيد "


*

*

*

نزلت عتبات باب المنزل تلف الشال الصوفي حول جسدها
حاضنة له تخفيه عن الريح الباردة التي تشعر بها تتسلل
لعظامها من فوق كل تلك الثياب السميكة .
وقفت بعد خطوات فقدت فيها القدرة على متابعة السير
وملأت دموع الحزن عينيها وهي ترى الجالسة هناك عند
أحد مقاعد الحديقة غير عابئة للوقت ولا الطقس بثياب خفيفة
تتلاعب نسائم الليل الباردة بخصلات شعرها الأسود الطويل .
كم ذكرها هذا بالماضي بتلك الفتاة العنيدة التي تعتصم عنهم
بجلوسها في الخارج والبرد القارص لتجبرهم على تحقيق ما تريد
أو لتعلن احتجاجها عما لا تريده ،عادة ظنت أنها نسيتها من أعوام
فلا تذكر أنها رأتها بهذا الشكل مجددا منذ رجوعها من الحالك
ولا تراه اليوم عنادا منها وفي هذه الليلة تحديدا
وهي بنفسها من كانت منذ قليل في غرفة الكاسر وشاهدت
معه طائرة ذاك الرجل تنزل أرض الوطن وكان كل تصورهم
أنها خارج المنزل ولم ترجع بعد من جمعيتها وليست هنا !
لا تعلم هربا من مشاهدة ما رأوه أم من نفسها ؟
وكيف لها أن تلومها وهي من بكت حتى تعبت حين رأت
تلك الفتاة التي نزلت من الطائرة وإن كانت الصورة بعيدة
وغير واضحة ،
لا تتخيل أن تكون مكان الأم الجالسة هناك وهي ترى
ذاك المشهد ولن تلومها على هربها منه وهي من رفضت
حتى رؤيتها وقت ولادتها كي لا يتعلق قلبها بها فكيف الآن
وقد أصبح طولها كطول والدتها .
هذا إن لم تكن خانتها توقعاتها وهربها كان بسبب ذاك الرجل وحده .

مسحت عيناها الدامعة التي أجهدها البكاء وأنفها المحمر
واقتربت بهدوء حتى وصلت للجالسة توليها ظهرها
لتعود دموعها للنزول مجددا تمسك عبرتها وهي ترى
تلك اللفافة بين يديها ، قطعة القماش التي ظنت أنها اختفت
منذ ولادة ابنتها
ولم تتخيل أبدا أنها تحتفظ بها كل هذه السنوات
دون أن يعلم عن وجودها أحد ، مسحت عيناها مجددا
حين شعرت الجالسة على بعد خطوات منها بوجودها
ناظرة لها للخلف قبل أن ترجع برأسها للأمام
تمسح أيضا الدموع التي لم تسمح لهم برؤيتها
طوال تلك الأعوام ولا على فراق ابنتها وليدتها تلك .
اقتربت منها أكثر حتى وصلت عندها وجلست بجوارها
في صمت تام وضمتها لحظنها دون أن تتحدث أي منهما
وتركت المجال لتلك الدموع السجينة لأعوام أن تتحرر
على صدرها ويدها تمسح ذاك الشعر الحريري تشعر
بقلبها يتمزق لأشلآء مع كل شهقة مكتومة
تصدر عن التي اعتبرتها ابنتها منذ أول يوم رأتها فيها .
رحمت حالها وضعفها الذي سجنته في قلبها من أعوام
وهي من عاشت يتيمة الأبوين دون أن تعلم ومع زوجة
أب قاسية آخر جرائمها كانت أن أخبرتها عن نسبها المجهول
وطعنتها تلك الطعنة القاتلة وهي لازالت أبنة السادسة عشر
ورمتها في دوامة الضياع والشعور بعدم الانتماء .

ورغم كل ما قدمه لها شراع وما حاولت هي تعويضه لها
كانت ترى جيدا الحزن في عينيها ذاك الوقت والدموع
التي كانت تخفيها عن الجميع بسبب تجريح البعض لها بكلماتهم .
وليت مآسيها انتهت عند ذلك الحد فقد تركها زوجها
آخذا ابنتها معه وفقدت شقيقها الوحيد والمقرب لها
ثم والدها الذي رباها وتركوها كسفينة تهيم في عرض البحر
فقدت حتى أشرعتها ، مسحت على شعرها مجددا
تضمها لها بقوة وقبلت رأسها ودموعها تتقاطر على
ذاك الحرير الشديد السواد وخرجت حروفها تخنقها عبرتها

" غسق ارحمي نفسك بنيتي فما فات لا يمكن تغييره
والعبرة في المستقبل فقط "

نحب صوت التي تعلقت بحظنها كالغريق وهي تهمس

" ابنتي عمتي .... سأتحمل أي شيء إلا أن تكون هنا
ويحرمني منها ذاك الرجل لينهي قتله لي "

ضمتها بكلتا ذراعيها وبكائها معها يزداد وهي تفقد
باقي ذرات تماسكها الذي كانت تريد مواساتها وتقويتها به
وحمدت الله أنها قررت الاعتصام هنا وفي البرد على أن
تشاهد ما شاهده جميع من في تلك البلاد
بالتأكيد فهي تعلم جيدا ومهما أخفت النائمة في حظنها
الآن دواخلها ما عناه لها ذاك الرجل في الماضي
وكانت ترى بوضوح في عينيها نظرة الانكسار والألم
الذي مصدره القلب تحديدا ، نظرة احتاجت لسنوات
ليس لتمحوها من عينيها بل لتخفيها ببراعة عن جميع
المحيطين بها واختيارها التسلح بكل تلك القوة المزيفة
رغم نجاحها كامرأة مجتمع وابنة لرئيس البلاد وقدوة لكل
منتسبات جمعيتها الضخمة تلك ، هي لم تجرب شعور
الأم سابقا لكنها جربت معنى التعلق بجنين في أحشائها
حين كانت تجهض المرة تلو الأخرى قبل أن يقرر زوجها
الزواج من أخرى ويقرر بالتالي شقيقها شراع تطليقها منه
على أن تضام شقيقته بسبب امرأة ورجل يفترض أنه زوجها .
لذلك هي لم تعرف شعور أن تفقد وليدها لكنها تعلم جيدا
تلك المشاعر التي تولد في داخلها حين تشعر أنه ثمة مخلوق
ما يعيش ويتغذى في أحشائها ومعنى أن تنتظره باليوم والساعة.

أبتعدت عنها فأمسكت وجهها تمسح يديها على جانبيه
ونظرها على عينيها الدامعة وجفناها المحمران وقد همست
بأسى وحرقة دموعها تغطي مقلتيها السوداء الواسعة
يعكسها ضوء أنوار المكان


" حرمت من رؤيتها وهي طفلة وهي تحبو وتقف وتخطو
خطواتها الأولى وتنطق أول كلماتها وتكبر رويدا رويدا .
حتى كلمة ماما لن تكون نطقتها أبدا وتعلمتها هذا إن لم
تقلها لامرأة غيري "


تدحرجت دموعها تباعا وتابعت بعبرة كسرت آخر أبراج
صمودها القوية التي بنتها حول نفسها لأعوام


" لم أندم حياتي على أمر كندمي لعدم رؤيتها ولو لمرة
بعد ولادتها رغم أن ذلك ما كان ليزيدني إلا ألما "


ضمتها لحظنها مجددا تبكي الوجع مثلها
وأكثر منها متمتمة بقهر


" سامحك الله يا ابن شاهين ولا أذاقك ما أريتها "


*

*

*

سارت معه وكما قال بدأ الحرس الذي رافقهم بإبعاد الناس
وإفساح الطريق أمامهم ، وكان الوقت الذي أستغرقوه ليصلوا
باب المنزل أطول مما تتخيل إذا اخترق البعض حرس والدها
ووصلوا له وقد تعامل معهم كما تعرفه ويعرفوه جيدا
ابن وشقيق لكل من يعيش على تراب وطنه لا يرفضه
ولا يترفع عليه ، وما أن أغلق باب المنزل الضخم الذي
رغم قدمه لازال متمسكا بصلابته فاصلا اياهما عن من
اجتمع من البشر وحتى رجاله تنفست الصعداء وكأنها لم
تعرف الهواء يوما .
تبعت نظراتها الرجال بلباسهم الخاص بقوات الحماية الخاصة
والذين وكلوا بحراسة المكان ومن لم تلاحظ والدها يرفض
دخولهم وموقنة من أن وجودهم إجراء أمني ضروري للغاية
خاصة مع أحداث البلاد الأخيرة وما رأته بنفسها من إجراءات
أمنية مشددة من طريقهم من المطار حتى منزل عائلتها .
تحركت ما أن شعرت بخطوات من تحرك أمامها وتبعته في
صمت يشبه صمته الذي لم تفسره هذه المرة بالمبهم الغامض
كالسابق بل بأنه صمت من عادت به الحياة لأعوام مضت ،
من وجد نفسه في لحظة في الماضي الذي تركه خلفه منذ
أربعة عشر عاما ونيف ، صمت لن يستطيع قراءته وفك رموزه
إلا الأشياء الجامدة التي يمران بها خلال سيرهما باتجاه ذاك
المنزل الضخم الذي ظهر لها ما أن توغلا في تلك الحديقة
متشابكة الأغصان الخضراء الطويلة .
كل شيء في ذاك المكان الذي لم تعرفه يوما ولم يتعرف بها
وحتى الحجارة التي تئن تحت وطئت خطواتهما الآن كانت تشعر
بأنها أجساد حية تنبض بالحنين والشوق لأشخاص ليس فقط
كانوا يشكلون مصدرا للحياة حولها بل لأي شخص حي يعيد لهم
صفة الوجود الغير موجودة تلك ، ارتفع نظرها لذاك المبنى
الذي وقفا أمامه وكان من الغرابة والجمال العمراني رغم قدمه
أن يخطف نظرها لوقت تحاول رؤية جميع تفاصيله تحت ضوء
القمر المكتمل ليوقضها من تأملها الصامت ذاك صوت صرير
الباب الخشبي القوي الذي فتحه الواقف أمامها ، الباب الذي
كانت موقنة من أن مفاتيحه لن تستطيع الدخول لأعماق قفله
القديم فكيف إذ به دار داخله بكل بساطة ودون جهد أو ركل
لدقائق ليفتح !
وها هو ككل شيء في ذاك المكان يفاجئها بأصالته ومتانته
التي لم تستطع السنين تغييرها ليفتح بعد سنين طوال ليتردد
صدى صريره في أرجاء المنزل الفارغ متسللا مع ضوء القمر
الذي رسم خطا مستقيما انتهى قبل أن يصل لأقرب جدران
المكان ليتبث أكثر مدى اتساعه الذي يظهر للعيان واضحا من
البناء الخارجي له .
تحركت للداخل تتبع الذي مد يده جانبا ما أن أصبح في الداخل
وكأنه يحفظ كل شبر في هذا المكان وأصابعه تلتقط مكان زر
الإنارة الأقرب للباب دون أي جهد أو بحث وعناء .
منزل علمت الآن أنه جزء من شخصية الواقف قربها حد
سريانه في دمائه ومكوث تفاصيله في ذاكرته .
أمر آخر كان عليها توقعه مسبقا وهي ترى الأضواء تنير
المكان الصامت تباعا وليس كما ترى في القصص والأفلام
منزل قديم مهجور يعني أنه لا كهرباء ولا ماء فيه .
نظرت للذي يقف بجانبها وامتلأت عيناها لا إراديا بالدموع .
كانت تمنى أن أمسكت يده مبتسمة له وتحدثا عن ذكرياته
في هذا المكان لكنها لم تستطع ولا أن تقرب أطراف أصابعها
من كف يده وهي تنظر لحدقتاه السوداء تتجول في تفاصيل
ذاك المنزل ببطء تحكي بصمت قصصا قديمة عن ذكريات
جمعته بهذا المكان ، ورغم جمود ملامحه وهدوء نظراته
إلا أنها قرأت فيهم بوضوح تعلقا عميقا بالمكان وبذاك الزمن
البعيد ولن تتوقع غير ذلك وهو من ولد في هذا المنزل وعاش
وتربى فيه وعاشر أشخاصا بعضهم لم يعد موجودا في الحياة
إلا ذكراهم ، كما الذكريات الوحيدة التي جمعته بالمرأة التي
كانت زوجته لفترة من الزمن ، شعرت بتلك الغصة في داخلها
ما أن ثبت نظره على السلالم الملاصق للجدار يسارا
وجمد هناك عكس ما كان يمسح تفاصيل المكان منذ قليل.
لحظتها فقط تمنت أن قرأت أفكاره التي لم تتساءل عنها يوما
بقدر ما تساءلت الآن وعن مكان تلك المرأة فيها .
انحبست أنفاسها بل وتوقف قلبها عن الخفقان حين سمعا صرير
أحد الأبواب يفتح بعد دوران مقبضه ولم تشعر سوا بيد والدها
التي أمسكت يدها ودسها خلفه سريعا يريد حمايتها من المجهول
أيا كان وهو من يعلم أن لا أحد غيره في تلك البلاد يملك مفتاحا
للمنزل ويستطيع دخوله حتى أنه دخله دون سلاح ولا حماية .
تمسكت في سترته السوداء الثقيلة لا شعوريا وصرير الباب
يزداد في وقت قياسي لا يمكنهما ولا التراجع فيه للوراء ولا
تتخيل أن والدها قد يفعلها وإن فقد حياته وهذا ما تخشاه أكثر
من فقدها لحياتها هي


" انظر لمفارقات الزمن يا مطر شاهين "

شعرت بجميع مفاصلها ارتخت حد أنها كادت تفقد توازنها
وتنهار أرضا ما أن وصلها ذاك الصوت الرجولي الباسم
والودود وما أن أبعدت رأسها قليلا واسترقت النظر
من حيث ذراع الواقف أمامها ظهر لها الرجل الذي تقدم
من الباب الذي فتحه عند نهاية البهو الواسع ، رجل يبدوا قارب
السبعين من عمره رغم أن البياض في شعره لم يتغلب على سواده
بعد مسرح ومرتب بعناية وجسد قوي ثابت في حركته ومشيته ،
أوصاف جعلتها فورا تنسبه لهذه العائلة ولأنه كان يحمل من
ملامح جدها دجى الكثير ما أن اقترب ورأته بوضوح أكبر
وإن كان لا يشبه الواقف ملاصقة له أبدا علمت فورا بأنه
سيكون عم والديها المدعو ( صقر ) ومن غيره قد يملك
مفتاحا لهذا المنزل ، ابتعدت جانبا ما أن وصل للذي نظره لم
يزحه عنه منذ خروجه من ذاك المكان وتعانقا عناقا طويلا
لم تراه ولا بينه وبين رجاله الذين استقبلوا طائرتهم فور
نزولها أرض الوطن ، كان عناقا رجوليا خاصا حقا بأفراد عائلة
الشاهين المعروفة رجال وسمتهم جيناتهم الوراثية بالشجاعة
والبطولة التي ترفض إلا أن تكون أسطرا في التاريخ تتحدث
عنها الأجيال المتعاقبة فكم طالب الناس وخاصة في الحالك
بهذا الرجل خلفا لأسطورتهم مطر شاهين حين ترك البلاد فجأة
ولولا رفضه وخروجه من البلاد بأوامر من ابن شقيقه طبعا
لكان الآن رئيسا لها ولا تراه إلا تصرفا حكيما من والدها
لدرء الفتن المحتملة وقتها بين الحالك وصنوان .
ابتعد عنه عمه بعد كل ذاك العناق الرجولي القوي الفخم ممسكا
كتفه وقد شد عليه بقوة وقال مبتسما ونظره على عينيه

" كنت أعلم أنك لن تصبر على حال البلاد أكثر .
مرحبا بعودتك يا أعظم ابن قد أنجبته "

لم يكن رد مطر سوا بأن ربتت يده على ذراع عمه مبتسما له
قبل أن تتحول نظرات الواقف أمامه للتي أصبحت تقف بجانب
ابن شقيقه وقد اتسعت عيناه بذهول للحظة قبل أن يقول

" لا تقل أن هذه ابنتك يا مطر ! "

ابتسمت له تميل رأسها قليلا وخطفت نظرها للذي كان ينظر
لها مبتسما قبل أن تعيده لعمه وهمست مبتسمة بحياء

" قل أني بشعة ولا أشبهه وسأبكي الآن "

ضحك من فوره وسحبها نحوه سريعا من ذراعها وضمها
لحضنه بقوة قائلا بضحكة

" سحقا للتاريخ يا رجل ، هل هذه الحسناء ابنتك الرضيعة
تلك التي رأيتها سابقا ؟ "


أبعدها عنه سريعا ونظر لوجهها وملامحها الجميلة البريئة
وحرك رأسه بعدم استيعاب قائلا

" ومن كان سيتوقع غير هذا من طفلة والداها هما ؟
لم تتغلب عليك سوى والدتك فتلك لا امرأة أجمل منها على الإطلاق "

" سأصعد لغرفتي لأنام وأنتي يا تيما اختاري أي مكان يناسبك "

نقلت نظراتها التي اكتساها الحزن فجأة للذي غادر من عندهما
جهة السلالم في أول خروج له من صمته والذي كان عقب عبارة
عمه تلك وكأنه يهرب منهما أو من شيء تجهله تماما .
تعلقت نظراتها به وهو يصعد العتبات اثنتين عقب ثلاثة
بخطوات واسعة واثقة زادها جسده القوي الصلب والبذلة التي
لا تعتقد أنها ستليق بغيره أكثر منه وقد تابع مبتعدا للأعلى

" سأراك فجرا يا عمي "

فقط هذا ما قاله قبل أن يتوارى عنهما في الأعلى .
عادت بنظرها للواقف أمامها حين حرك كتفيه قائلا بابتسامة مائلة

" هل تعرفني ابنة مطر شاهين أم أعرفها بنفسي "

ابتسمت من بين حزنها وترقرق حدقتيها الزرقاء الواسعة
بالدموع وهمست ببحة

" بلى أعرفك حكى لي عنك جدي دجى كثيرا "

ضم كتفيها بذراعه وقال سائرا بها للداخل أكثر

" ومهما حكا لي عنك أيضا فقد فقت توقعاتي ، تعالي لتختاري
مكانا تنامين فيه ، المنزل مليء بالغبار وشديدة البرودة كما
ترين لكن الأوضع فيه ستتغير سريعا "

وقف بها عند مفترق طريق بين ممرين وقال مشيرا بسبابته

" هنا الممر الأكثر غرفا حيث كانت غرفة شقيقتي نصيرة
رحمها الله وعمتك جوزاء ، وفي الممر الآخر لم يكن ثمة
غرف مستخدمة سوى غرفة والدتك سابقا فاستخدمي إحدى
الغرف هنا حتى الغد ليتم تجهيز غرفة لك بما أنه يبدوا أن
والدك يرفض ترك هذا المنزل العتيق العريق "

التهمت نظراتها المستغربة ملامحه المسترخية وعيناه
الناظرة للبعيد وقالت

" غرفة والدتي !! أليست غرفتهما في الأعلى كما فهمت ؟ "

نظر لها لبرهة مبتسما قبل أن تنطلق ضحكته مرتفعة
ونظراتها له لا تزداد إلا استغرابا لضحكه بدلا من إجابتها !
نظر لها مجددا وقال يمسك ضحكته

" بالتأكيد غرفتهما في الأعلى وإلا كيف وصلت أنتي هنا "

شعرت أن قدرا من الماء البارد سكب عليها وبخداها يشتعلان
احمرارا وهي تهرب بنظراتها منه خجلا فتابع بضحكة

" لديها غرفة هنا لم تتركها وتصعد للأعلى إلا بعد ثلاثة أشهر
فلك أن تتخيلي عناد ودهاء التي تكون والدتك فهي دون ذلك
زارتها مرات عدة وهما زوجان "

نظرت له متنهدة بحزن تشعر بأن أملها في رجوعهما
يموت قبل أن يولد داخلها ، همست ببحة

" هل كانت أحوالهما سيئة لهذا الحد ؟ "

حرك رأسه بالنفي مبتسما وقال " لم يكن حال جميع من كانوا
في هذا المنزل أفضل من الأوقات التي كانت فيها هنا بيننا
لكنها أجمل عنيدة ومحاربة من أجل نفسها رأتها عيني "

ابتسمت أيضا تمسك دموعها من النزول من تلك الأحداق
الواسعة فقرص خدها الصغير الناعم قائلا بابتسامة محبة


" ولا تقلقي ستكون هنا وعلينا جميعا تحقيق ذلك فلن يكون
عدلا أن تكوني العنصر الأنثوي الوحيد هنا حين يأتي جدك
أيضا للعيش في هذا المنزل وقاسم ابن شقيقتي نصيرة
رحمها الله "


نظرت له باستغراب قائلة

" ابن شقيقتك ؟ "

بادلها ذات النظرة قائلا

" نعم ألا تعرفيه وهو يعيش في لندن منذ ولادتك وأحد
رجال والدك المهمين ؟ "


نظرت له وكأنها لم تراه سابقا فأومأ برأسه قائلا

" لا بأس يبدوا أن والدك كان يحصنك ضد حتى أقاربك .
هو ابن عمته لم أراه منذ كان ابن الخامسة عشرة قبل أن
يختفي خلف حدود الهازان "


وتابع مبتسما

" كان ما أعند رأسه يشبه والده حتى في تهوره
دون التفكير في العواقب "


عبست ملامحها الجميلة متمتمة


" ولما أفراد عائلتكم جميعا يحملون ذات الصفات "


حضن كتفيها بذراعه ضاحكا وسار بها جهة الممر الآخر قائلا


" لأن دماء الشاهين تجري في عروقنا ولن تكوني أفضل حالا
منا يا حفيدة شقيقي .
عليك أن تنامي الآن وترتاحي وأنا أيضا وصلت طائرتي
قبل طائرتكما بأقل من ساعتين وعليا أن أنام ولاحقا سأحكي لك
عن كل شيء حتى جدنا شاهين الأكبر ذاك وما فعل واشتهر به "


وصلا حينها لباب غرفة فتحه وقال وهما عند الباب

" أراك صباحا ، تصبحين على خير "


رفعت جسدها على روؤس أصابعها وقبلت كتفه هامسة

" وأنت بخير "

وتابعت مبتسمة

" أناديك عمي صقر أم خالي ؟ "


ضحك وقال

" كلاهما سواء فأنا قريب لوالديك كليهما ، المهم أن لا تناديني
جدي صقر فأنا أكبر من جدك دجى ، إن احتجت شيئا فجناحي عند الباب الذي خرجت منه وقت دخولكما "


ثم غادرا من عندها متمنيا لها من جديد ليلة سعيدة
وراقبته عيناها وابتسامتها المحبة حتى اختفى وهي تتذكر
ما حكاه لها جدها دجى عنه وعن أنه رفض الزواج بإ صرار
شديد بعد وفاة زوجته وابنه وعاش هكذا وحيدا ، كم يذكرها
بجدها الذي اشتاقت له منذ الآن وجل ما تتمناه أن تراه قريبا .

دخلت الغرفة التي احتاجت لوقت لتجد زر الإنارة لتفتحها
رغم أن الممر كان مضاء ، جالت نظراتها في الغرفة التي
غطى أثاثها الغبار كحال باقي المنزل ، كانت بسرير واسع
وخزانة ثياب كبيرة وطاولة عند النافذة الطويلة وكرسيان
من الخشب الثقيل ، أثاث يحمل الفخامة رغم قدمه ومن يراه
يدرك فورا أن أيدي بشرية هي من صنعته ونقشته وصقلته
ليبقى عريقا مهما طالت السنين .
أغلقت باب الغرفة التي لم تزدها إلا شعورا بالحنين لتلك المرأة
التي لا تسمع سوى حكاياتهم عنها وهي تلامس بأناملها كل شيء
في ذاك المكان وحتى الستائر القديمة السميكة فهذه الأشياء
الصماء الجامدة عرفتها أكثر منها وإن كانت ستكون عاشت
ضمن جدرانها لساعة واحدة فقط فكيف بأشهر ، مسحت الدمعة
التي انسابت على خدها فلا تريد التفكير الآن سوا بأنها ستراها
قريبا وتكون معها ، أنزلت الحقيبة من كتفها ووضعتنا على
السرير وخلعت معطفها وحجابها لتكتشف حينها برودة المكان
الحقيقية ، أخرجت من الحقيبة عدة الاستحمام البسيطة التي
وضعتها فيها والثياب المريحة فتلك كانت ضمن ما رأتها
ضروريات قد تحتاجها وها هي احتاجتها بالفعل فحقائبها لم
تراها حتى الآن ، دخلت الحمام المرفق للغرفة ورغم بساطته
وقدم طرازه كان واسعا ومريحا ، فتحت صنبور المياه الذي أصدر
صوتا أوجسها قبل أن تتدفق منه المياه حمراء صدئة وبدأ
لونها يتلاشى تدريجيا حتى أصبح نقيا تماما .
مدت يدها تحته وارتجفت فورا وهي تبعدها بسرعة بسبب
برودته لكن لا حل أمامها وعليها أن تستحم وإن بالقليل منه
فقط كي لا تمرض بسبب كل هذا البرد ، وبعد حمام سريع
لم تستطع تسميته أبدا بالاستحمام خرجت للغرفة راكضة
تضم جسدها بالمنشفة البيضاء الكبيرة التي وجدتها في
الخزانة مع أغطية سرير سميكة وأخرى خفيفة صيفية .
لبست ثيابها سريعا واندست في السرير الذي رتبته كيفما كان
تغطي جسدها المرتجف باللحاف بقوة والذي جعل الدفء يتسلل
سريعا لجسدها المنكمش فيه ، لا تعلم بسبب جودته أم بسبب
حنينها للتي استخدمته سابقا وكأنها تنام في حظنها الدافء .
أغمضت عينيها برفق وابتسامة دافئة تزين شفتيها وهي تتذكر
كلام عمها صقر عنها ، وسرعان ما ماتت ابتسامتها وببطء
وشعرت بالإعياء فجأة وليست تعلم لما ظهرت صورة ذاك الشاب
أمامها الآن ! ليتها فقط وجدته قبل أن تغادر المحطة ، حسنا وإن
وجدته ما كان سيغير ذاك في الأمر وفي فكرته عنها ؟
دست وجهها في الوسادة المحشوة بالقطن وهمست بأسى

" لما لم ينفذ تهديده ذاك باختطافي من الرجل الذي يضنني ملكا له ؟
لما لا يحمل صفات العناد والتهور هو أيضا ؟ "

*

*

*

التفت خلفه ما أن اجتاز بوابة محطة القطار ورفع نظره
سريعا لسماء لندن داكنة الغيوم وكأنها تختبر فضاعة قراره
المفاجئ ذاك بانعكاس لون كل تلك السحب الكئيبة في عينيه ،
يعلم أنه قرار جنوني لكنه لا يستطيع أن يقنع نفسه بغيره فبعد
ساعتين فقط في باريس وجد نفسه يقطع تذكرة قطار جديدة
تعيده للندن يحمل الحقيبة التي أخذها معه ففكرة صغيرة جدا
أو ليقل غبية بأن يبحث عن اسمها عن طريق رقم المقصورة
والمقعد اللذان كانت تجلس فيهما جعلته يدور حول نفسه
كالجواد المربوط في قرار لا يستطيع سوى وصفه ببداية التهور
لجلب اسم فتاة بريطانية مجهولة ولها حبيب أو لنقل خطيب
أيضا ، ساعاتان فقط كانتا المدة الكافية لاختبار صبره ليجد
نفسه بعدها يتصل برقم محطة القطار ووجد نفسه بعدها فورا
في شباك التذاكر في محطة غاردلي نور بباريس عائدا من حيث
انطلق وكأنه سيجدها مثلا أمامه هنا ما أن يصل وهو من نزل
القطار وتركها هناك ! لا يعلم حقا ما يحدث معه وهذا ما عاد
أدراجه لأجله إجابة واحدة عن السؤال المبهم التعيس

( ما يريد من فتاة وجدها في ملهى ليلي بل وفتاة رجل غيره ؟ )

هل هو فضول ليس إلا ؟
أم أنه تحدي سخيف مع رجل لا يعرفه !
أم بسبب تلك الصورة للوجه الجميل تحيطه هالة هدوء ورقة
لم يراهما في فتاة من قبل ، والعينان الزرقاء بنظرتها الصافية
البريئة التي رفضت أن تفارقه وألهبت مشاعره كالسعير وهي
ترفض مفارقته منذ تركها في مقصورة القطار ؟
لم يعرف نفسه صاحب قرارات جنونية سخيفة سابقا !
ولأنه لا يريد أن يتحكم به عقل الشاب الذي عرفه منذ أصبح
هنا العقل الذي يرفض الأخطاء والهفوات ركب سيارة أجره
وغادر المكان قبل أن يتراجع في قراره موقفا جميع أفكاره
حتى التفكير في ذاك الوجه والجسد مجهولان الأسم والهوية
حتى الآن فهو لا يستطيع تصديق أن صاحبة ذاك الوجه
والصوت أن تكون فتاة ملاهي ليلية ومطاردة من عصابة !
وقفت به السيارة تحت المبنى الفاخر بطوابقه الخمس حيث
العنوان الذي أعطاه للسائق ونزل بعدما دفع له أجرته وأنزل
حقيبته معه وكل أمله أن يكون صاحب تلك الشقة موجودا الآن
فوحده من يستطيع أن يساعده ويجلب له ما يريد معرفته وهو
وحده من يمكنه أن يفتح له قلبه الذي أصبح لغزا بالنسبة
له نفسه !
صعد السلالم بخطوات كانت تتردد تدريجيا حتى خيل له في
لحظة أنه سيغادر لشقته السابقة التي تركها لولا أن وجد
أصبعه يضغط زر باب الشقة دون استئذان ، وما هي إلا
لحظات وانفتح الباب ووجد أمامه آخر شخص كان يتوقع
أن يجده وقت يطلبه ، كان يرتدي بنطلون قصير فقط عضلات
صدره القوية والبارزة لا يسترها شيء ينظر باستغراب أيضا
لآخر شخص أيضا كان يتوقع أن يجده أمامه الآن ، تحدث قاسم
أولا مخترقا ذاك الصمت ونظرات الاستغراب

" هل ستسمح لي بالدخول قليلا أم أنك كنت سعيدا برحيلي الأبدي "

جالت نظرات تيم الحاذقة الحادة في المكان تتأكد من خلوه
من أي شخص مريب قبل أن تقبض أصابعه الطويلة القوية
على ذراع الواقف أمامه وسحبه للداخل مغلقا باب الشقة
بيده الأخرى ليحتويهما هوائها الدافىء وقبل أن يفكر
بالتحدث سبقه الذي رمى حقيبته على الأرض قائلا ببرود

" قررت البقاء في لندن نهائيا "

نظر له الواقف أمامه باستغراب لوقت قبل أن يهمس بجدية

" هل يعلم الزعيم بهذا القرار الأخرق ؟ "

همس بضيق من بين أسنانه

" ليس أخرقا فهو قراري وحدي ، ولست أول من يتخذ قرارات
لا يسمح لأحد مناقشته فيها مهما كانت خرقاء على ما أضن "

ابتسم الواقف أمامه بسخرية من مقصده ذاك من كلماته
ثم تحرك من هناك وتمتم ببرود قاصدا إحدى الغرف

" أغلق الباب بالمفتاح إذا واتبعني "

حرك رأسه متنهدا وتبعه ودخل خلفه حيث وجده جالسا
مقابلا لشاشة حاسوبه المحمول ينظر لها بتركيز يستند
بمرفقيه على ركبتيه وسيجارة بين أصابعه يتصاعد
الدخان منها .
وقف عند الباب مكتفا يديه لصدره حين وصلته نبرة تيم
الباردة ولم يرفع نظره به

" هل ستخبرني الآن ما عاد بك هكذا فجأة أم ستنام لنتحدث
صباحا حين لن تجدني لأني مسافر لبانغار فجرا "

تمتم قاسم باستياء

" سأتحدث إن أغلقت جهازك هذا وانتبهت لي
وأطفأت أيضا هذا السم الذي يأكل صحتك يا دكتور تيم "

رفع نظره له وكان سيتحدث لولا أن تشنجت ملامحه فجأة
وضرب سريعا شاشة حاسوبه الذي كان يجزم الواقف عند
الباب أنه سيكون كسر شاشته متعمدا بحركته تلك .
لم يستطع قاسم التحرك من مكانه وهو يشعر بدوران مقبض
الباب خلفه وقد انفتح سريعا وهو يرى ملامح الجالس هناك
كيف تصلبت وسمع بوضوح شتيمته الحمقاء تلك له لأنه
لم يغلق الباب كما طلب منه ، ظن أنه ثمة مسلح سيباغتهم
الآن وآخر ما توقع هو الصوت الرقيق والأنثوي الذي خرج
من خلفه

" أوه تيموثي أتصل بك من أكثر من ساعة ولا تجيب ،
جيد أن باب المنزل كان مفتوحا ظننتك نائما "

التفت حينها قاسم للتي اجتازته دون حتى أن ترفع نظرها له
وإن من باب الفضول وليس الأدب وإن بتحية ونظر باستغراب
للجسد الطويل النحيل يعلوه ذاك الشعر الأحمر القصير كألسنة
لهب مشعة .
كانت نظراته لا تعبر سوا عن صدمته وهي تصل عند الذي
وقف على طوله وقد تعلقت بعنقه بعدما قبلت خده دون أي
خجل أو تحفظ وهمست له كلمات في أذنه بينما كان نظره هو
على عيني الواقف عند الباب تنظران له بصدمة ، رفع قاسم
يديه لا إراديا وأشار لخنصر يده اليسرى هامسا بشفتيه فقط

" أنت متزوج يا رجل ! "

ولم يكن جواب تيم سوى أن رفع له إبهامه وقد أمسك خصر
المتشبثة به مانعا إياها من الابتعاد عنه كي لا تلتفت وتراه ،
حركتان فهمهما قاسم سريعا مما جعله يغادر الغرفة والشقة
فورا قبل أن ترى تلك الفتاة وجهه فهذا ما هو موقن الآن من
أنه السبب وراء جمود ملامحه من الصدمة حين دخلت ، لكن
من تكون تلك ولما لا يريدها أن تعرفه ! بل يبدوا أنه كان
كارها لوجودها ويتهرب من اتصالاتها وزيارتها .
رمى كل تلك الأفكار من رأسه لحظة رميه لحقيبته في سيارة
الأجرة التي توقفت أمامه وركب وغادر من هناك ، ما الذي جاء
به هنا بحق الله ! لو يعلم فقط ما ينوي فعله تحديدا غير البقاء
في هذه البلاد وأفراد عائلته غادروها ؟ حتى خاله دجى سيستقر
في بلاد آخر حاليا تحسبا لأي طارئ بعد ظهور مطر شاهين ،
توقفت السيارة بعد سيرها لأكثر من عشرة دقائق لحظة رنين
هاتفه فأخرجة وما أن نظر للأسم على شاشته شتم من بين أسنانه

" تيم الأحمق ... سحقا لك من رجل "

فتح الخط مجيبا دون أن يفكر في مغادرة السيارة التي يشك
أنه سيغادرها أساسا ، وما أن وضع الهاتف على أذنه حتى
وصله ذاك الصوت الجاد الحازم

" قاسم ما أرجعك للندن ؟ "

قال دون تردد

" لن أغادر .... الآن على الأقل وقد يكون دائما "

وصله صوت مطر الغاضب وإن كان التعب واضحا في
نبرته المبحوحة

" ما هذا الجنون الذي تتفوه به ؟
ما سر اعتراضك الآن تحديدا ؟
ما حدث معك في رحلتك جعلك تتخذ هكذا قرار صبياني ؟ "

صر على أسنانه وحاول أن يتنفس بهدوء وهو يهمس مجيبا

" هل خروجي من هنا أمر مسلم به يا زعيم ؟ "

أتاه جوابه فورا وبشكل قاطع

" أجل ... وقبل أن تتسبب بمشكلة لأحدهم قبل رحيلك كما كنت
ستفعل قبل قليل مع تيم فإن رأت تلك الفتاة وجهك ما استطعت
الظهور بشخصيتك الحقيقية حتى الله وحده يعلم متى "

كان سيتحدث فقاطعه بأمر لا يقبل أي نقاش

" غادر البلاد فورا يا قاسم ، إن كنت لا تريد الرجوع للوطن
تلك مشكلتك واختر أي دولة أخرى غير إنجلترا، ولعلمك لن
تكون في أي بلاد تختارها إلا متزوجا "

تأفف بصمت ممررا أصابعه في شعره الأسود الناعم وأخرج
نفسا قويا وهو يتنهد مستسلما وقد تمتم بجمود

" سأغادر "
ودون أي كلمة أخرى قطع مطر الاتصال معه فنظر لهاتفه
ضاغطا عليه بأصابع وقبضة قوية كفيلة بتحطيمه ثم نظر
للجالس بجانبه ينظر له باستغراب وقال بضيق يدس هاتفه في
جيب سترته

" خذني لمحطة واترلو لأدرك القطار الأخير لليوم "

*

*

*
نظرت من الباب النصف مفتوح خلسة تحضن كتابها المدرسي
تنظر للتي توليها ظهرها منشغلة بترتيب ثياب غيهم بنفسها
في الخزانة وكأنه لا يوجد لديهم خادمات ! ولن تستغرب هذا
منها فهي تكن له مشاعر خاصة عنهم جميعا وحتى ابنتها
الأخيرة والصغرى التي لم تتجاوز الثالثة فكيف بعد أن أصبح
طيارا كما تريد وتتمنى حتى إن كان الثمن أن كسرت حلمه
وقراره بأن يلتحق بالجيش وحجتها التي لم تخجل أن تصرح
بها أنها لا تريد نسخة أخرى عن شقيقها الغائب ويصبح ثمة
شخص آخر في عائلتها يدفع كل شيء حتى حياته وأقرب الناس
له من أجل الوطن ونداء الواجب ، ولأنها طبعا لا تحب مهنة
بقدر الطيران كان هو فريستها وتراها اقتنعت الآن أكثر بعد
أحداث البلاد الأخيرة واحتمال انخراط رجال الجيش فيها , دفعت
الباب وتقدمت للداخل فأبان ما أن علم أنها لم تتحدث معها حتى
الآن هددها بسحب مكافأتها ولن تحلم بزيارة تلك المدينة مهما
عاشت , اقتربت منها وجلست على طرف السرير فقالت جوزاء
ومن دون أن تلتفت لها

" ما هذه الدراسة التي لا تكون إلا بالدوران في أرجاء المنزل
طوال الوقت "

عبست ملامحها الرقيقة وتمتمت

" على الدماغ أن يأخذ فترة راحة كي يستوعب المعلومات الجديدة "

التفتت برأسها ونظرت لها ثم عادت لما تفعل قائلة ببرود

" لا أراك إلا تأخذين أوقات راحة لدماغك أما الدراسة .... ؟
حمدا لله أن كان الفاشلون فيها من أبنائي أنتي وليس أخويك "

مدت شفتيها بعبوس ولا يمكنها الاعتراض فهي تعترف بذلك
بنفسها ولولا حوافز والدها الخيالية كل عام تجزم أنها ما كانت
لتجتاز ولا المرحلة الابتدائية , ابتسمت وقلبت ذاك المزاج في
لحظة وقالت تمهد للموضوع الذي تجزم أن فيه دق عنقها

" أمازلت مصرة على الذهاب وحدك لحوران ؟
ونحن نريد رؤية خالي مطر وابنته "

أغلقت الخزانة والتفتت لها قائلة

" ودراستك لمن تتركيها يا نبيهة ؟ ثم شقيقتك ستتعبني خلال
الرحلة وعليك الاعتناء بها هنا فلن أستأمن غيرك عليها وهي
لا تتوقف عن الحركة والركض "

تنهدت باستسلام ولا شيء لديها غيره طبعا فها هي والدتها
حضت برحلة لحوران فور أن نزلت دموعها الغالية كما قال
عنها والدهم وأمامهم ووافق فورا على أخذها إما اليوم أو في
الغد أما هي فتحجج مرات ومرات عدة بعمله الذي تراه تبخر
الآن , وكيف ستتوقع أنه قد يرفض وهو من يبديها حتى على
نفسه ومن لا يرفض لها شيئا منذ عرفته , بل ومن يلومه فيها
وهي كلما تقدم بها العمر ازدادت حسنا لا يعرف إلا في عائلتها
عائلة الشاهين حالك ، الجمال الذي ورثه منها بالدرجة الأولى
أبان معذب قلوب جميع الفتيات في مدرستها لأنه يقوم بإيصالها
أغلب الأحيان , قالت مبتسمة ما أن وجدت الفكرة لفتح ذاك
الموضوع معها

" ابنة خالي مطر تكبرني بعام واحد أليس كذلك ؟ "

قالت التي بدأت بجمع الثياب المتسخة

" بل بقرابة العامين "

حركت رأسها بمعنى ليس هذا موضوعنا وقالت بحماس

" تصوري أن شقيقة صديقتي في مثل سنها وستتزوج الآن "

رفعت تلك الملابس المرمية على الأرض قائلة

" وما الغريب في الأمر "

نظرت لها باستغراب لوقت ثم قالت

" هل تزوجينني في مثل سنها مثلا ؟!! ثمـ.... "

وبلعت الكلمات مع ريقها حين استوت والدتها واقفة ونظرت لها
عاقدة حاجبيها بل وكادت تقر بكل مخطط أبان لولا أسعفتها تلك
حين قالت

" هل تدرس معك ابنة أسعد صياد التي تكون شقيقة يمان
صديق أبان ؟ "

نظرت لها باستغراب وعدم استيعاب وقالت بعد تفكير لبرهة

" لا لم أسمع باسمها "

قالت جوزاء من فورها

" اسألي عنها هناك إذا فقد تكون رسبت عاما وتدرس أقل منك
أو أنها متفوقة وقفزت عاما واجتازتك كغيرها "


لوت شفتيها وقالت


" سأسأل عنها من يسكنون في بلدتهم تلك فلديا صديقة تعرف
عائلتهم جيدا "

حركت رأسها موافقة وغادرت من هناك على تنهيدة الارتياح
للجالسة على السرير وقد قفزت منه واقفة وغادرت الغرفة أيضا
تهف على وجهها بكتابها متمتمة


" ظننت أنه أجلي , الأحمق أبان كاد يورطني ....
عفت العمران لم أعد أريد زيارتها "


*

*

*


سار حتى الحاجز الخشبي المضلع والذي يكشف تلك الطبيعة
أمامه وبعض أوراق أشجار الزينة تكاد تخترق فتحاته ،
صوت حشرات الليل لم تزده إلا توترا ورائحة الحشائش المرتوية
بماء المطر لأول مرة يشعر بها خانقة تحبس أنفاسه ، يعلم أنه
كان يفترض به أن غادر بها من المنزل للمستشفى فورا وهذا
ما كان عازما عليه من وقت رآها وجسدها النحيل الشاحب
يحتضن أرضية الغرفة لكنه فكر بها هي نفسها قبل غيرها
وكما قال شقيقه رواح سابقا ستكون زيزفون المتضرر الأول من
الفضيحة ، مرر أصابعه في شعره وتنفس بقوة يستجدي هواء
نقيا يغذي رئتيه المتشنجة ، منذ جاء بها لهذا المنزل الريفي
وهي في الأعلى بعدما وضعها هناك وحقنها بالمسكن وهو هنا
في الأسفل يفكر ويدرس أبعاد أمر يعلم أنه سيجلب له المشاكل
مهما حاول سد الثغر فيه ، لكنه لن يهتم الآن سوى بسلامة النائمة
في الأعلى ، هو حل واحد أمامه الآن وإن علم بعدها أن حالتها
لا يمكن الصمت عنها فسيأخذها للمستشفى وليحدث ما سيحدث
لن يهتم فالفضيحة قادمة لا محالة وقتها لأن تلك الفتاة ستموت
وسيتعرضون للمساءلة القانونية جميعهم وقتها وليس نجيب
وحده وسيكونون يستحقون ذلك ، ضرب بقبضته على الحاجز
الخشبي عدة مرات ونظره شارد للبعيد سترته مرمية على
الأريكة خلفه وقميصه الأبيض مهمل تماما ومظهره بات آخر
ما يشغله ، اختار أن يكون منزلا بعيدا عن بريستول ولا يتبع
لأملاك عائلته كي يضمن عدم اقتراب نجيب منه وحتى وقت
عودة جده الذي لم يعد يجيب ولا على اتصالاته ويكلف
مساعدته الخاصة بذلك ، لذلك اختار هذا المنزل الذي يخص
أملاك عائلة صديقته الإنجليزية إيلينا ، أكثر شخص يمكنه
الوثوق بتكتمه عن أمر وجودها هنا لأن السبب لن يتركها
تعرفه أبدا وقد اختارها من بين جميع من يعرفهم هناك لأنه
يعلم درجة تكتم تلك الفتاة وسبق أن شهد لها مواقف كثيرة
مشابهة إن معه أو مع غيره ، نظر لساعته التي كانت تشير
للحادية عشرة وتأفف بصمت فلا يمكنه ترك الوقت يمضي
هكذا فهو ليس في صالحها ومن طلب مساعدته يبدوا أنه لن
يأتي .
تحرك من مكانه ناويا الصعود للأعلى لولا أوقفه صوت الخطوات
التي وصله صوت تكسر الأغصان تحت وطئتها بوضوح لتثبت
قوتها وثباتها ومرونة تلك الساقين التي تتحركان ولن يكون
صاحبها إلا الشخص المنتظر بالتأكيد والذي سرعان ما ظهر
عند الباب المقوس في ذاك الحاجز وارتمى ظل ذاك الجسد
الطويل على أرضيته الخشبية الملساء بسبب الأضواء القوية
خلفه بينما كان المنزل يغرق في ظلام نسبي سوى من ذاك
الباب وفتحات الحاجز الطويلة .
وقع نظره فورا على الواقف جانبا وقد قال ببعض الضيق

" تأخرت يا رجل ، لو أني ذهبت لجلبك لوصلنا منذ وقت "

تقدم للداخل متمتما ببرود

" إنك في ريف لندن الشمالي فهل تدرك المسافة
من هناك ومن بريستول ؟
ثم كان ثمة مصيبة حمقاء كان عليا التخلص منها أولا "

وجال نظره سريعا في أرجاء المنزل الريفي الأنيق الفخم
والمفتوح على تلك الطبيعة الخلابة وقال عاقدا حاجباه الأسودان
ما أن وصل نظره لعيني وقاص المحدقة به

" إن كانت امرأة فسأغادر فورا "

تأفف وقاص وقال محركا رأسه بضجر

" لا تنسى أنه سنة واحدة تفصلك على أن تكون طبيبا فهل
ستطرد النساء حينها ؟ "

قال بجمود

" أنت أيضا لم تنسى بالتأكيد أن التخصص الذي أدرسه بعيد
جدا عن النساء ، فإن كان ثمة مصيبة ورائك فلن أساعدك
في مداراتها مهما حاولت "

قال وقاص محركا يده بانفعال

" لو كنت مسؤلا عن تلك المصيبة ما طلبت من أي أحد المساعدة
فيها ولا نفسي فلا أضنك تعرفني مجرما من قبل "

وكان تعليق الواقف عند الباب أن دار بظهره فورا ليغادر لولا
أن لحق به وقاص وأمسك ذراعه وهمس ناظرا لنصف وجهه
المقابل له

" إنها ابنة عمي يا تيم وتحتاجك بالفعل "

نظر لعينيه بصمت فتابع بجدية يشد على ذراعه أكثر

" أقسم أنها ابنة عمي وأسمها زيزفون وزوجة نجيب شقيقي

" ضاقت عيناه السوداء المحدقتان به وتصلبت ملامحه نتيجة
سماعه لذاك الاسم وعادت به ذاكرته سريعا للوراء بل لأربعة
عشرة عاما مضت ويوم التقى مطر شاهين وجها لوجه أول مرة
وهو ابن الثالثة عشرة وجملته تلك التي قالها له

( تيم شاهر كنعان وزيزفون ضرار سلطان لن يحتاجا لأحد
تخلى عنهما )

دار بجسده مجددا وقد همس بجمود

" أين هي ؟ "

تحرك حينها وقاص وهو خلفه ولولا ذاك الاسم ما تبعه ولا
دخل ذاك المنزل وتحت أي سبب كان فكل ما بات يريد معرفته
حالة صاحبة ذاك الاسم التي شملها مطر شاهين ذات يوم
مساويا مأساتها بمأساته ذاك الوقت وها هي الأدلة أمامه
الآن وعليه معالجة الأمر بطريقته الخاصة ، صعد السلم
الخشبي يتبعه حتى وصلا باب غرفة فتحه ودخل وهو خلفه
وما أن تنحى جانبا حتى ظهر له الجسد القابع فوق السرير
الواسع يغطيه لحاف أبيض سميك ومفعم بالنقوش الذهبية
الأنيقة لا يظهر منه سوى وجهها الذي تغطي ضمادة طبية
مستطيلة المساحة فوق حاجبه الأيمن ، رموش بنية كثيفة
تغطي مساحة تلك الأجفان الواسعة منسدلة على وجنتان
محمرتان بشدة وشفاه جافة منفرجة قليلا تخرج منها أنفاس
متقطعة ومتتالية وكأنه لا منفذ لها للخروج سواه .
تقدم مقتربا منها وجلس على طرف السرير بجانب جسدها
ومد أصابعه لوجهها فورا وفتح بهما جفن عينها اليمنى ثم نزل
لشفتها مبعدا لها بتحريكه لذقنها ، كشف على نبض ساعدها
ونظره على ساعة معصمه ثم وقف على طوله وانحنى لحقيبته
وفتحها ثم مد يدها للحاف وسحبه عن جسدها بقوة وغضب قائلا

" أخرج من هنا يا وقاص وأغلق باب الغرفة "

عبارة جعلت الواقف خلفه يتيبس مكانه وعيناه تكاد تقفز من
مكانها فالتفت له الذي أصبح السرير وذاك الجسد بالفستان
القطني القصير خلفه وقال بأمر

" أخرج يا وقاص حتى أتم عملي "

قال ذاك من فوره

" ولما أخرج ؟ ثم من كان قبل قليل يرفض الكشف على امرأة ؟ "
حرك تيم سبابته وكأنه يطرده من منزله قائلا بحدة

" أخرج يا وقاص ولا تنسى أني طبيب كما تقول وأنها زوجة
شقيقك وليست زوجتك وأن الواقف أمامك الآن في عنقه قيد
قسم بامرأة تكون زوجة له فاخرج الآن أو خرجت أنا "


*
*
*

تقلبت تحت اللحاف منزعجة فلم تشعر بالراحة أبدا في هذا السرير
الذي قد يكون مريحا وفاخرا ذاك الوقت لكنه الآن يعد صلبا بالنسبة
لجسد اعتاد تلك الأنواع فرنسية الصنع ولولا رائحة والدتها التي لا
وجود لها سوى في مخيلتها وقد سرق معالمها الزمن كانت تجزم أنها
ستبقى جالسة ومستيقظة طوال الليل ، جلست ورمته عنها مرعية
سمعها باستغراب للأصوات في الخارج ثم رفعت هاتفها ونظرت
بدهشة للساعة فيه فلم تكن تتخيل أنها نامت كل هذا الوقت
وهي من كانت تشعر بأنها لم تنم أبدا .
مدت ذراعيها للأعلى بتكاسل متثائبة ثم غادرت السرير فبالرغم
من كل التعب والإرهاق والنوم الغير مريح على الإطلاق تشعر بدفعة
نشاط لا حدود لها فقط لأنها في بلادها وأخيرا ، غادرت السرير ووقفت مكانها وهي ترى حقائبها على الأرض ، كيف لم تشعر
بدخول من أحضرها !! حركت كتفيها بعدم اكتراث ثم توجهت
نحوها وسحبت أكبر واحدة فيهما جهة السرير وفتحتها
وأخرجت حذائها المريح الذي لم تكن تتحرك بدونه ولبسته
وغادرت الغرفة وما أن اجتازت الباب حتى كثرت الأصوات
التي كانت تسمعها بعيدة جدا واقتربت الآن فسارت لآخر
الممر تدس كفاها في كمي فستانها القطني الطويلان .
وما أن وصلت الردهة الواسعة حتى وقفت مكانها تنظر
باستغراب للنساء اللآتي يتحركن في كل أرجاء المنزل بنشاط وجد
كبيرين لتنظيف المكان والماء والصابون يغطي أغلب الأرضية التي
أصبحت فارغة تماما من الآثاث الذي كان موجودا فيها .
اقتربت احداهن منها مسرعة وكانت في منتصف العشرين تقريبا،
وقفت أمامها وقالت مبتسمة


" صباح الخير آنستي ، أعتذر إن سببنا لك الإزعاج كان علينا
أن ننجز عملنا قبل عودة السيد مطر كما أمر "

وتابعت باسترسال ودون توقف ولا لأخذ أنفاسها

" سننهي كل شيء سريعا وسيقوم عمال شركة تجديد بتغيير
المكان جذريا كما فهمت وسيقوم العمال بإصلاح مد أنابيب
المياه الساخنة والتدفئة كما .... "

" منذ متى غادر والدي ؟ "

قاطعتها بسؤالها الذي أجابت عليه تلك من فورها

" يبدوا لي منذ الفجر لأننا دخلنا هنا بعده بساعة تقريبا ولم يكن
موجودا ، هل أحضر لك طعام الفطور في الغرفة ؟ "


حركت رأسها برفض وقالت ونظرها حيث البقية وقد بدأ بعضهن
بسرقة نظرات الفضول نحوها

" عمي صقر غادر أيضا ؟ "

حركت تلك رأسها ويديها فورا وانطلق لسانها مجددا فتنهدت
بضيق ولم تعد تسمع من كلماتها المتدفقة شيئا تفكر في تركها
لوحدها بين جدران منزل آخر هي فيه وحيدة الاختلاف الوحيد
أنه أكبر حجما وأكثر وحشة .
عادت أدراجها جهة غرفتها فلا يمكنها ولا الخروج لحديقة المنزل
الواسعة بسبب العمال الذين سيكونون منتشرين فيها بالتأكيد ، أغلقت
باب الغرفة خلفها وتوجهت لحقيبتها مجددا وسحبتها هذه المرة جهة
الخزانة ستلهي نفسها بترتيب ثيابها وحاجياتها فهي تريد هذه الغرفة
وتريدها هكذا ولن توافق على تغيير ولا طلاء جدرانها

*
*
*

همس قرب أذنها

" أين والدتي ؟ "

انتفضت مفزوعة ودفعته من كتفه قائلة بضيق

" كاسر أفزعتني ، هل أخبئها في جيبي مثلا ؟ "

تنهد متمتما

" ستكون ذهبت للجمعية بالتأكيد ، طرقت باب غرفتها البارحة
كثيرا ولم تفتح لي "

بادلته الواقفة أمامه تنهدا حزينا عميقا وحركت رأسها بقلة
حيلة فكما توقعت لحظة ضعفها تلك البارحة ستغطيها بصمودها
اليوم وكأن شيء في البلاد لم يتغير لكنها غير متيقنة هذه المرة
من أن ذاك الدرع الوهمي سيصمد وأن مشاعرها اتجاه ابنتها
ستتفوق على كل شيء حتى على كرامتها وكبريائها المجروح
من ذاك الرجل .
تحركت من مكانها والكاسر خلفها حتى جلست عند هاتف
المنزل ورفعت السماعة واتصلت فورا برعد الذي أجاب بعد
وقت قائلا

" أهلا يا غسق "

قالت من فورها
" لست غسق أم لا أحد في هذا المنزل غيرها ؟
أو ليس لك عمة تسأل عنها من وقت لآخر ؟ "

ضحك قائلا

" بلى وحتى غسق لم أراها منذ آخر مرة زرت المنزل ورأيتكما .
ثم لو تشتاقين لي لأقمت معي في منزلي أنا ابن شقيقك وليس هي "


تمتمت ببرود

" أجل اقلب الطاولة على رأسي لا أحد يقدر عليكم أنتم
رجال السياسة "

وكان رده ضحكة صغيرة أعقبها صوته المبتسم

" بما تأمرني إذا شقيقة شراع صنوان "

انقلب مزاجها العكر فجأة وقالت بتوجس حزين

" هل تحدثت مع غسق اليوم أو رأيتها ؟ "

قال مباشرة

" لا ... كنت في ازميم والآن عائد من هناك ، الأوضاع
اليوم مقلوبة رأسا على عقب وعليا أن ادرك الاجتماع
الثاني لأعضاء البرلمان "

نظرت بطرف عينها للذي جلس ملاصقا لها وأذنه على سماعة
الهاتف ليسمع معها وقالت بحيرة

" ما حدث أيضا في هذه البلاد صبيحة وصول الرجل الذي تأمل
الكثيرين فيه ؟ "

" قولي ما سيحدث أكثر من هذا فيبدوا أنكم لم تطلعوا على نشرات
الأخبار وتروا حملة الاعتقالات الواسعة التي بدأت من فجر اليوم
وطالت حتى مسؤولين في قطاعات مصرفية واستثمارية ورجال
سياسة ودين .
هذا الرجل قادم وهو يعرف جيدا ما سيفعل وما كان يجري قبله "


همست بتوجس بعدما اجتازت صدمتها مما سمعت


" هل رأيته ؟ "

وصلها صوته مباشرة

" أخبرتك أني كنت في أزميم ، اجتمع صباحا بالوزراء وبعض
رجال الشرطة وهناك اجتماع آخر لرؤساء البرلمان أشك أن أدركه
كما سيجتمع ببعض رجال الجيش كما سمعت ، يبدوا أنه يجري
تعديلات جوهرية فآخر ما وصلني أنه طرد وزير الإعلام من
الاجتماع "


شهقت بقوة تتبادل والجالس بجانبها نظرات مصدومة وقالت


" وكيف يخرج هكذا من العدم فجأة ويتحكم في البلاد وكأنه الرئيس ؟
بأي سلطة وهو لا يحمل أي صفة ولا عسكرية "


قال ضاحكا

" لا يسمعك أحد مناصريه المنتشرين في كل مكان ويقطعوا عنقك ،
كيف تقولين هذا عن رجل مثله الجميع يعلم أنه وحده بعد الله من
أوصل البلاد لما هي عليه وبعده رجاله اللذين استقبلوه كرئيس
وقائد لهم كما كان ولو رأيت الإحتفالات في البلاد اليوم ما كان
هذا رأيك ، ابن شاهين مدعوم حتى من الخارج والتهنئات
برجوعه ترسل لنا منذ ساعات الصباح الأولى .
اتركينا من كل هذا الآن وأخبريني لما تسألي إن تحدثت مع غسق ؟
لقد تجنبت التحدث معها حاليا فأنتي تعلمي مدى كرهها لذكر ذاك الرجل
، هل من مكروه عمتي ؟ "


تنهدت بحزن قائلة

" قلبي يكاد ينفطر عليها يا رعد لا تنسى أن ابنتها وصلت مع ذاك
الرجل ، إنه قلب أم ذاك الذي تحمله بين أضلعها فأخبر ذاك الرجل
أن لا يمسك ابنتها عنها ويقتلها فوق قتلاته السابقة لها "


سمعت بوضوح صوت تنهده قبل أن يقول بهدوء


" أعدك أن أتحدث معه في ذلك على هامش الاجتماع ولن نستبق
الأمور فقد يكون لا يفكر في ذلك مطلقا "


وتابع من قبل أن تعلق

" أكاد أصل حوران الآن وداعا عمتي سأزوركم في أسرع وقت ،
سلمي لي على الكاسر "


أبعدت سماعة الهاتف عن أذنها ونظرت لها قبل أن تغلقها بهدوء
على صوت الكاسر المستغرب


" قال سيأتي أم سيذهب لرؤيته ؟ "

وقفت وقالت مغادرة


" قال سيتحدث معه وكم أخشى أن يكبر رأسه العنيد بسبب ذلك "


*

*

*

لم يستطع مفارقة ذاك الممر ولا الجدار المحاذي لباب تلك الغرفة
يستند عليه بظهره تارة وبكف يده تارة أخرى ونظره لا يفارق
الأرضية الخشبية تحته ، فبقدر ما هو مقتنع من أن ما فعله سابقا
ويفعله الآن صحيح بقدر ما يخشى أن تموت النائمة على السرير في
الداخل جثة هامدة ويلوم نفسه حتى يموت .
يعرف جيدا نظرة تيم تلك قبل أن يطلب منه الخروج وبعدما أجرى
فحصه المبدئي لها فحالتها تبدوا لا تطمئن أبدا ولولا ثقته في قدرات
الموجود في الداخل وهو من تفوق في تخصصه الذي اختاره
( طب جراحة قلب الأطفال وحديثي الولادة ) لما تركها دقيقة بين
يديه ولغادر بها للمستشفى حالا ، انفتح باب الغرفة أخيرا ورفع
نظره بالذي خرج منها يحمل حقيبته وفي يده الأخرى ورقة
مدها له فورا قائلا

" هذه الأدوية تطلبها من الصيدلية المدون اسمها وصاحبها فيها
رغم بعد المسافة فغيره لن يعطيك إياها بدون وصفة طبيب كما تعلم "


لم يستطع قراءة شيء في ملامحه التي لم تكن تحمل إلا البرود
القاسي وشيء ما يشبه الغضب المدفون وهذا ما يتوقعه منه .
أخذها منه وقال ونظره على عينيه

" ما حالتها وهل يلزمها نقل للمستشفى ؟ "

حدث ما لم يكن يتوقعه منه أبدا وهو من يعرف ببروده الدائم
وتجنبه لكثرة الحديث والإسهاب في أي موضوع لا يخصه
مهما كانت أهميته حين فاجأه بملامحه المشدودة وهو يهمس
من بين أسنانه

" أقسم أنه أنذل رجل عرفته في حياتي وإن لم يكن لك
موقف فستكون أنذل منه يا وقاص "

تنفس بقوة مبعدا نظره عنه وكما توقع علم دون أن يخبره .
نظر له مجددا وقال

" نال مني ما يستحق وأنا في صفها للنهاية ومهما كلف الأمر
وتفاهمي سيكون مع جدي حين يرجع من رحلته فأخبرني الآن
عن حالتها هي

" قال مباشرة وبجموده ذاته "

فقر دم حاد وسوء تغذية ، المرهم يستخدم لقدمها ورسغها
ولا تحركهما إلا للضرورة وليهتم أحدهم بطعامها جيدا .
ثمة مرهم أيضا للرضوض والكدمات يستخدم يوميا وحقن
وكبسولات كتبتها أيضا تأخذها بانتظام فحالتها لا يمكن وصفها
بالجيدة أبدا فهذا كله ليس الأسوأ "


نظر له باستغراب وترقب وقد تابع والحدة تتسلل لملامحه
" حين تتعافى يجب أن يتم عرضها على طبيبة نسائية فانتفاخ
الجزء الأيمن من رحمها قد يكون سببه أنه تحرك من مكانه
وهذا سيضرها مستقبلا إن لم يعالج في وقته ، قسما لو كان
شقيقك شقيقي أنا أو ابني لقطعت له تلك القدم القذرة "


وتابع مغادرا من أمامه

" لذلك لن أسكت له عنها أبدا والقادمة ستكون مني "

راقبه حتى اختفى نازلا السلالم ثم رفع رأسه للأعلى ممررا أصابعه
في شعره متأففا بصمت ، لم يتوقع ولا أن يعلق على الأمر فإذا به
يضع لنفسه موقفا فيه أيضا ويعلم جيدا معنى ما قال وسيفعله
بعض رفاقه من عناصر تلك المنظمة بطلب منه وهو تلقين شقيقه
ذاك درسا سيصعب عليه نسيانه مهما عاش وهو سيكون المتهم
الوحيد به طبعا ، أخرج هاتفه وأرسل رسالة لتيم فورا كتب فيها

( سأتصرف في الأمر بمعرفتي يا تيم فأبعد أصدقائك أولئك عن الأمر
لأن جسد نجيب لن يستحملكم وسأكون الملام حينها وهو الضحية )

وصله الرد وأسرع مما يتوقع وذاك طبيعي حين يكون صاحب
الرد تيم وكلماته القليلة المختصرة ( من أجلك فقط ) دس هاتفه
في جيب بنطلونه الخلفي ونظر للورقة في يده وللعنوان المدون
عليها مع أسماء الأدوية ، سيحتاج لأكثر من ساعتين ليصل هناك
ثم طريق العودة سيأخذ ذات الوقت منه أي لن يصل إلا وقت الفجر .
قبض على الورقة وتحرك من هناك لكن وجهته لم تكن السلم المؤدي
للطابق السفلي بل باب الغرفة الذي لا يزال نصف مفتوح ، دفعه
براحة يده ببطء ودخل فوقع نظره فورا على النائمة على السرير
مكانها جسدها مغطى باللحاف بأكمله سوى ذراعها الخارجة منه
ممدودة بجانب جسدها وقد حقن فيها مغذي قام بتعليقه في العلاقة
الخشبية الخاصة بالغرفة وبقايا حقنتين مرميتان على طاولة السرير .
نقل نظره من هناك لوجهها الذي يبدوا أن شحوبه قد تناقص عن
السابق كثيرا وتنفسها أصبح أكثر يسرا وانتظاما وإن لم يرجع
لطبيعته فهو أفضل مما كان بكثير .
أبعد نظره عن تفحص وجهها الجميل المتعب وسحب الباب خلفه
بهدوء مغادرا ، لا يريد تركها وحيدة هنا لكن لا حل أمامه فحتى رواح
لا يمكنه الاستعانة به ولا يريد أن يعلم أي شخص من عائلته بمكانها ولا حتي هو


*

*

*

وصل قاعة الإجتماعات الرئيسية على الوقت تماما كما يلاحظ من
حركة الحراسة المشددة المدعومة حتى برجال الجيش والشرطة ،
صافح الذي مر بجواره ووقف له بعدما وصل خلفه مباشرة وهو
العضو عن رابطة الشباب الثقافية وكان من الهازان ، قال مبتسما له

" من كان يتوقع صباحا كهذا يا رجل !
أي مطر جنوني نزل على سماء بلادنا اليوم ؟
لم أنم البارحة أراجع مع نفسي ملفي المشؤوم إن كان به
جرائم سأحاسب عليها صباحا ولم أصدق أنني حتى الآن لست
ضمن المعتقلين ! "

خرجت ضحكة رعد رغما عنه لروح ذاك الرجل المرحة وقال

" وأنا لم أنم البارحة لكن ليس خوفا من اعتقالي مثلك بل من
أن لا أجد صباحا أحد غيري هنا وجميعكم في السجن "

بادله الضحك وسارا معا قائلا

" جاء في وقته يا رجل ، يكفي أن كل تلك السواتر الترابية
وبوابات التفتيش الغير قانونية المنتشرة في أغلب الجنوب اختفت
بأمر واحد منه ، البلاد تحتاجه بالفعل وقسما أن كل هازاني كان
قلقا على مصيره وترى الأمل اليوم يشع من وجوه الجميع "

همس وهما يقتربا من الباب المحاط بحراسة مشددة

" لا خوف على البلاد أبدا بعدما عاد هذا الرجل "

واجتاز الباب عند عبارته تلك تاركا خلفه الذي أوقفه أحد
الخارجين وقت دخولهما وتقدم وحده للداخل حيث البهو
الواسع بأرضيته وأعمدته الرخاميه وصور جدرانه الضخمة
التي تزيد المكان هيبة لما تحمله من معالم بلادهم الشهيرة
يترأسها تلك الصورة التي وضعت فيه من وقت تأسيسه
منذ عشرة أعوام ولم يحركها أحد من مكانها تضم شخصان
كل واحد منهما يولي الآخر ظهره ويأخذ نصف تلك الصورة
وهما ( شراع صنوان و مطر شاهين ) صورة تظهرهما كوجهين
لعملة واحدة وهما كذلك بالفعل فأحدهما قاد البلاد لوحدتها الأكيدة
وسلمها للآخر ليبنيها حجرا حجرا من الصفر ، وما أن اختفى نصف
تلك العملة انقلبت على وجهها الآخر مجددا ليظهر النصف الثاني الآن
وينقذ ما بنوه معا ، أبعد نظره عن تلك الصورة ممنيا نفسه بأن قاتل
والده لن ينجوا من قبضة نصف الصورة الآخر ذاك وتحرك للداخل
وهو يرى حركة الوافدين جهة باب غرفة الإجتماعات وبعضهم ضباط
وعقداء في الجيش ببذلهم العسكرية وأغلبهم كانوا رجال مطر شاهين
سابقا فيبدوا أن هذا اليوم كما قال ذاك الرجل سيكتب أيضا في التاريخ
وهم يرون كل رجال الدولة أولئك يحاسبون ممن لم يرحم فيهم أحدا ولا
من كانوا يعرفون برجاله والأقربين له ، تحرك نحو تلك الجهة يرد
تحية بعض من رفع يده محييا ويصافح أيدي من يقفون لتحيته دون أن
يتبادل أي منهم أطراف الحديث مع أحد وكأنهم يتوجهون لغرف
امتحانات ابتساماتهم فقط ما تدل على اطمئنان البعض لما يجري ،
يبدوا أن الاجتماع السابق هنا لم يكن بالمستوى الجيد لأغلبهم وهذا
ما يراه في بعض الخطوط المتجهمة في ملامحهم ويبدوا أن البعض
الآخر يتوقع الأسوأ ، ولن يستغرب كل هذا بعد قدوم ذاك الرجل أو
لنقل ظهوره من العدم مجددا ودون سابق إنذار هكذا فجأة ليشكل
شبحا مرعبا لكل من ظن أنه لن يخرج مجددا أو متيقن من موته ،
وقف ما أن كان عند الباب الخشبي الضخم المرتفع والمفتوح ونظر
للواقفين جانبا وكانوا ثلاثة رجال يولونه ظهورهم إثنين منهم بلباس
عسكري ويقف مقابلا لهم السبب الأول في كل هذا التحرك المفاجئ
بلباس رسمي هذه المرة ينظر للذي يحدثه وهو أحد الواقفين أمامهم ،
ملامحه القاسية تدل على ضيق صاحبها وحاجباه الطويلان معقودان
وكل تركيزه مع ما يقول ذاك الواقف أمامه ولا يشاركه إلا بكلمات
قليلة على ما يبدوا ، لازال كما عرفه ورغم مرور كل تلك السنوات
ما يزال الرجل القائد القوي حتى وقفته تتفجر قوة وثقة في النفس
كجواد بري أصيل هدوئه وجس حذر وجموحه قاس يفتك بكل ما حوله
، يقود ولا يقاد أبدا والأحمق فقط من يفكر في ترويضه ، لم تزد
السنين ملامحه وحركاته سوى خبرة وقوة وقيادة يراها الأعمى
والبصير وكأنه مطر شاهين الأمس يقف أمامه الآن ، يرغمك على
الاعتراف بإعجابك به أحبت نفسك ذلك أم كرهته ، التقت نظراتهما
ما أن حول مطر نظره عن الواقفين أمامه فكانت نظرة طويلة عميقة
وصامتة انتهت بتحرك رعد ناحيتهم في قرار مفاجئ منه ودون أي
تخطيط مسبق وهو من كان قد قرر أن يحادثه بعد اجتماعهم لكن
المصادفات لعبت دورا رائعا كما يرى ، ويبدوا أنه نسي أن هذا الرجل
لم يتصرف يوما إلا كواحد منهم وليس ممن لا تراه إلا وهو يدخل باب
القاعة ثم يخرج منه ، ما أن وصل عندهم حتى تحرك من كانوا حوله
مبتعدين ويبدوا بأمر منه لم يتعدى الكلمتين أو الثلاث كما لاحظ ، وقف
أمامه مباشرة ودون شعور منه ابتسم ابتسامة لم تعبر إلا عن سعادته
وافتخاره برجل مثله ابن لهذه البلاد بعيدا عن النقطة الشخصية
الوحيدة وهي ( غسق ) ابتسامة بادله الواقف أمامه مثيلة لها حملت
شكرا عميقا لأمور قدمها للوطن مطر وحده من يعلم بها وهو من كان
على اتصال به مؤخر وإن لم يكن ذاك الاتصال مباشرا ، مد رعد يده
أولا وتصافحا بقبضتي يدين قويتين عبرتا عن احترام متبادل لم تغيره
السنين

" مرحبا بعودتك لبلادك يا ابن شاهين "

عبارة كسرت ذاك الصمت الذي لم يكن يغلف أحدا غيرهما في ذاك
المكان الواسع الذي تداخلت فيه النبرات الرجولية ببعض الأحاديث
العابرة ، عبارة ترحيب قابلها الواقف أمامه بأن ربت بيده الأخرى على
ذراعه دون أن يعلق فتابع رعد

" أعتذر بشأن الإجتماع فلم أستطع الوصول إلا الآن "

سحب مطر يده قائلا بهدوء

" لا بأس في ذلك يا ابن شراع فالأمر حدث فجأة ثم أنا أعلم
جيدا أين كنت وما تفعل في تلك المنطقة ، لو كنت ستقطع رحلتك
من أجلي ما وافقتك فما تفعله يخدم البلاد في المقام الأول "

قال من فوره وبجدية

" لا تأخذك بي رحمة لأني ابن شراع يا مطر ولا رأي صنوان إن كنت
قصرت في شيء فاقتص للشعب مني وخذ بحقهم "

ابتسامة اعجاب تلك التي ارتسمت على شفتي الواقف أمامه وربت على ذراعه مجددا قائلا

" لن يقول جملتك هذه من يعرف أنه فعل شيئا ،
رحم الله من رباك يا رعد "

قال حين لاحظ بأنه ينوي إنهاء الحديث بينهما

" عندي إذا دين في عنقك يا ابن شاهين "

نظر له مستغربا فتابع رعد من قبل أن يسأل

" أعلم أنه ليس وقته وأنه من المبكر الحديث في ذلك لكني أقسمت
لنفسي سابقا أن أتحدث معك فيه ما أن أراك "

أومأ مطر برأسه هامسا بجدية

" قل يا رعد ، ما هذا الدين الذي في عنقي لك كل
هذه الأعوام ؟ "

سحب نفسا عميقا وقال

" بلى منذ أعوام بل منذ تركت قرى الثنانيين وعدت لصنوان "

عقد حاجباه الرقيقان الأسودان ينظر له باستغراب بل ليس
كذلك إنه يعلم تلك النظرة جيدا وسبق أن رآها في عيني هذا الشخص
تحديدا والمنفرد بها ، نظرة الذكاء الذي يصيب عين الشيء مهما خفي
عنه ، نظرة من يمزق الأسطر ليكشف ما خلفها ، وكان توقعه في
محله حيث ارتفعت زاوية فمه مبتسما بسخرية حين قال

" لا تقل أنها تلك الطفلة ابنة زعيمهم السابق ؟ "

أومأ برأسه موافقا وهمس مبتسما

" طفلة في ذاك الوقت وكبرت الآن معلقة بوعد تقاسمناه كلينا وقيدت
أنت ذاك الوعد بسلاسل من فولاذ وقت رحيلك وآن الأوان لتكسرها
وتحررها هي على الأقل لأني ظلمتها بذلك دون قصد مني "

حرك مطر رأسه برفض عاقد حاجباه والضيق ارتسم
على قسمات وجهه وقد قال

" ألا تعلم قوانين الثنانيين يا رعد ؟
لابد أنك تجهلها لما كنت أوقعتها في حماقة كتلك وهي
ابنة زعيمهم ! إن افتضح أمركما لن يرحمها أحد منهم ولا عائلتها "


شعر بأنه داس على قلبه بحذائه وسحقة به دون رحمة
فهمس وبالكاد يجد الحروف من هول ما علم منه


" هل تضن أنهم قتلوها منذ زمن "

تنفس بقوة متمتما

"لنأمل الأيسر من ذلك وسأرى ما يمكن فعله فوفدهم سيصل
قريبا وسأرى ما يمكن فعله لضمهم للبلاد مجددا لكن تغيير
قوانينهم هذا ما لا أعدك بشيء محدد حياله "


شد رعد قبضته يعتصرها بقوة فلم يكن يتخيل أن الأمور يمكن
أن تكون هكذا وأن تلك الحبيبة قد تكون ماتت من أعوام بل قتلت
بدم بارد وبسببه هو ، لم يستطع ولا استجدائه في شيء حيال
الأمر وبنفسه قال أن قوانينهم لا أحد يمكنه التحكم فيها ولا هو
على ما يبدوا ، نظر له وكان سيتحدث فوقفت الحروف على رأس
لسانه وهو يرى جمود ملامح الواقف أمامه وتلك النظرة النارية
من حدقتيه الفاحمتان وقد جمدتا على شيء ما خلفه فهم فورا أنه
سيكون شخصا لا يمسكه عن قتله إلا أن يكون عنقه بين أصابعه ،
التفت برأسه فقط ووقع نظره على من توقع فورا أن تلك النظرات
كانت تقصده بالتأكيد ، صاحب الجسد الطويل القوي الذي زاده لباسه
العسكري هيبة وقوة وشعره الأسود الناعم الكث يتحرك مع حركته
رغم أن طوله لم يتجاوز أذنيه ، عاد بنظره للواقف أمامه ونظراته
لازالت ستلتهم ذاك الرجل ونظرات رعد المصدومة لا تفارق تلك
العينين التي تتقد نارا ولا يفهم سببها ولا يتخيل أن يكون ما تحدثت
عنه غسق فمن أين سيعلم !
هل سيكون ذاك الرجل أحد من تدور حولهم الشبهات حول ما يحدث
في البلاد الآن ؟
لكن مستحيل !
تحرك مطر مجتازا له فدار بجسده مع حركته قائلا

" وأمر آخر .... "

التفت له من كان قد أصبح خلفه مباشرة فنظر لعينيه بشيء من
التوجس الحذر بل والتردد الذي لم يفت الواقف أمامه قطعا وقد قال

" ألا يحتمل التأجيل يا رعد ؟ "

حرك رأسه برفض قاطع لا يقبل أي جدل فهو يعلم أن فرصة أخرى
ليكونا معا ووحدهما وباختياره لن تتكرر مجددا لوقت سيكون بعيدا
بالتأكيد أمام كل ما ينتظر هذا الرجل من تراكمات أشهر عصفت بالبلاد
والأمر لن يحتمل أن يؤجله ولا للغد ، ثم نظرته لذاك الرجل تؤكد أنه قد
لا يسمع منه مجددا ، قال مركزا نظره على حدقتيه السوداء

" هو رجاء أكثر من كونه طلب يا ابن شاهين "

دار حينها مطر ناحيته بكامل جسده وظهر توجس ما في نظرته
أقسم الواقف أمامه أن يكون سببه إدراكه لمن سيتحدث عنها تحديدا
فاستجمع كل طاقته لمواجهته بأمر شخصي كهذا وقال بثبات وإن كان
مزيفا وبدون مقدمات

" ... غسق "

ولم تخنه التوقعات حين لمح ذاك البريق الخطير الخاطف في عينيه
وتحدث مطر هذه المرة هامسا

" ما بها ؟ "

فجاراه في الهمس بسبب تحديق الواقف هناك بهما بعدما وقع نطره
عليهما ، نظرات ملئها فضول فيبدوا أن شقيقته تلك ستتسبب بحرب
وشيكة بين هذا الرجل وأغلب رجال الدولة لذلك عليه قول ما يريد
قوله ، قال برجاء لم يستطع إخفاء انكساره وكأنه يقتلع أشواكا
غرزت في لحمه

" أرجعها لنا غسق التي نعرفها قبل أن تصبح لديك ، هذا رجائي
الوحيد منك يا ابن شاهين"

عقد الواقف أمامه حاجبيه المستقيمان واقترب منه خطوة أخرى
حتى صارا وجها لوجه ، وإن لم يكن يتوهم حينها فقد شعر بأن ذاك
الرجل ذا الإرادة الصلبة والقوية رآه وللمرة الأولى والأندر متباعدا
عن نفسه عيناه مشوشتان وأفكاره بعيدة كل البعد عن مكانهما وكأنه
في خصام مع العالم بأسره ، لم يستطع قراءة السبب وراء كل ذلك هل
هو أمر مدفون خلف تلك السنين أم أنه ثمة جديد يجهله ؟
خرجت الكلمات من شفتي الواقف أمامه واثقة جادة ميزتها نبرته
المبحوحة ذاتها التي لم تغيرها السنين

" سأرجعها لك كما تريد يا رعد لكن اتركني أولا أعيدها غسق
التي عرفتها أنا "

ودون أن يضيف شيئا غادر من أمامه ليتبعه جميع من انتشروا
في ذاك المكان متوجهين حيث الباب الذي دخله كأسد قوي مسيطر
تنقاد خلفه حتى أقوى وأعتى الوحوش ، تنفس ملأ رئتيه هواء شعر
به ولأول مرة منذ أعوام طويلة نقيا باردا منعشا حد الشفاء من ألالم
وتراكمات كل تلك الأعوام فلم تخنه ثقته في ذاك الفهد الصياد المحارب
وبأنه لن يترك أنثاه الفريدة من نوعها لأحد غيره ويثق فعلا في
قدرته على ذلك رغم عناد تلك الجامحة ، سار حيث توجه الجميع
متمتما بابتسامة

" ليرحم الله إذا ذاك المدعو يعقوب منه "


*

*

*

كل ذاك الألم الذي كانت تشعر به شعرت لحظتها أنه انتقل لجفنيها
الثقيلان وهي تفتحهما بصعوبة ممررة أصابعها فوقهما وكأنها تختبر
بصرها رغم النور القوي في المكان .
شدت يدها الأخرى فشعرت بوخزة مؤلمة امتدت على طول ذراعها
فنظرت لها فورا فإذا بحقنة مغذي مثبثة فيها ، رفعت نظرها للأعلى
وهي تنظر للقارورة التي كانت تكاد تنتهي وانتبهت حينها للمكان
الجديد تماما عنها ! لا تعرف هذا المكان وليس جناحها ولا غرفتها في
ذاك المنزل ولا لأي من المنازل التي عاشت فيها سابقا ولم ترى من
قبل هذه الثريا المعلقة في السقف ولا هذه الجدران المغطاة بورق
الحائط ! هي ليست في مستشفى ولا في منزل تلك العائلة
فأين تكون !؟
آخر ما تذكره خروج مربيتها فجأة ثم سمعت صوتا رجوليا يحدثها
تعرف نبرته تلك جيدا لمن تكون ، كانت ترفض دخوله لا تريد رؤيته
ولا أن يراها لا هو ولا غيره منهم لذلك قررت التحامل على ألمها
والوقوف لتدخل حمام الغرفة حتى يغادر لكن الأمر كان أصعب مما
تخيلت ورغم صمودها وعنادها فقدت السيطرة على ذاك الجسد المنهك
ما أن بلغت منتصف الطريق كما فقدت صلتها بكل شيء حولها ولم تعد
تعي شيئا حتى هذه اللحظة .
كان شعور الألم قد زال بشكل كبير أكثر حتى من تلك الحقن التي كانت
تحقنها بها مربيتها كما أن شعورها بالدوار حتى وهي نائمة بدى لها
أنه أخف بكثير من السابق ، نظرت لقارورة المغذي مجددا وعلمت
أنها السبب وأن ثمة سائل ما حقن فيها بواسطة الحقنة المرمية على
الطاولة جعلها هكذا ، رفعت يدها أمام وجهها مجددا ونظرت للرباط
الخاص بالفك والشعر وكانت تشعر بواحدة أخرى مثلها عند كاحلها
فعلمت فورا أنه ثمة طبيب زارها هنا وفعل كل هذا ، لكن ما سر نقلها
لأجل كل هذا !
أنزلت ساقيها أسفل السرير وتساندت على مرفقها حتى جلست ثم
سحبت حقنة المغذي ووقفت ببطء وتحركت من هناك جهة باب الحمام
المشترك مع الغرفة تعرج بسبب ألم كاحلها الذي كان يمزقه كلما
داست على قدمها تحاول بيدها أن تستند بكل ما تمر به في طريقها
والأخرى تبعد بها شعرها الطويل عن وجهها قدر استطاعتها بسبب
الإلتواء فيها أيضا ، لا يمكنها مغادرة هذا المكان ولا حتى استكشاف
مكان وجودها وليس أمامها سوا الانتظار لترجع لذاك المنزل مجددا ‏،
‏ وقفت مكانها منتصف الطريق حين رأت السترة السوداء المرمية
بإهمال على الطاولة وغيرت اتجاه خطواتها المتعثرة جهتها ‏


*

*

‏*‏


نظرت من بعيد لهاتفها الذي صدح رنينه في أرجاء الغرفة للمرة فوق
العاشرة وأمسكت يديها عن رفعه والإجابة عليه .
لن تضعف وتستسلم ولن تجيب أو تتحدث إلا مع المدعو تيم كنعان
كما طلبت ، هذه فرصتها لإخراج ذاك التنين من جحره وإن أحرقها
هي لا يهم فلن تسكت أكثر عن حال صديقتها وهي أكثر من يرى
معاناتها وعاشتها معها منذ صغرها ، كانت ترفض سابقا وجود هذا
الرجل في حياة صديقتها تلك ولا تريد لسبب الداء أن يكون هو الدواء
ولا أن يكون حل مشاكلها عن طريق مسببها لكنها اقتنعت الآن أنه لا
حل غيره وعلى هذا الحل أن يكون سريعا ومستعجلا ، وما يؤكد لها
أنها تفعل الصواب عدم توقف هاتفها عن الرنين تقريبا منذ أن اتصلت
بذاك المحامي أي أنهم يهتمون لأمرها بتوصية مشددة ولا يستطيعون
معرفة ما يجري معها في داخل ذاك المنزل كما فهمت من موقفهم الآن
ولابد لديهم علم بما حدث وسبب سجن ماريه فهم على دراية بكل ما
يحدث معها خارج منزلها بينما تجهله هي ، سمعت صوت رسالة
وصلت هاتفها فقفزت ناحيته وفتحتها فورا وكما تتوقع هي من ذاك
المحامي وكان فيها
( أجيبي يا زهور فما تفعلينه ليس في صالحك ولا
صالح صديقتك ولا حتى زوجها )
أخرجت لسانها عند كلمة زوجها وكانت سترمي الهاتف حيث كان
لكنها غيرت رأيها وأرسلت له ردا على رسالته
( أقسم أنكم شركاء في الإجرام الذي يطبق حيالها الآن
وأولهم المدعو زوجها )
أرسلتها دون تردد فستفعل أي شيء ليكون لذاك الشاب موقفا واضحا
حيالها فقد اقتنعت الآن أنه مخرجها الوحيد من كل ما هي فيه ،
صرخت دون شعور منها وكاد الهاتف أن يقع من يديها بسبب قفزتها
في مكانها حين علا صوت رنينه وظهر على شاشته رقم دولي ، من
مفاجأتها وحماسها لم تستطع ضغط زر الإجابة فقلبها كان يصخب
بجنون وكأنها المعنية بتلك المكالمة بل وكأنه زوجها هي والذي لم
تراه منذ كان صغيرا ، لا تصدق أنه فعلها واتصل بها !
وهذا إن لم تكن خدعة منهما ؟ ما أن عاد الهاتف للرنين حتى فتحت
الخط ووضعته على أذنها فورا

" ما بها ماريه ؟ "

شعرت بالدم جف في عروقها وكأن جسدها تحول لتمثال حجري ثقيل
ما أن سمعت تلك النبرة القوية والصوت الخشن الحازم وشعرت
وكأنها مذنب يقف في قاعة محكمة ، قالت بهمس

" أنت تيم كنعان ؟ "

" تحدثي ما بها ؟ "

تحول كل ذاك الخوف والرهبة من تلك النبرة والصوت لضيق وغضب
من تغطرسه الواضح جدا ، وماذا كانت ستتوقع من شخص أعطاها
جميع الأسباب لتكرهه سابقا وعلى مر أعوام ، قالت بضيق


" يعنيك حقا أمرها وتسأل !
عمها يسجنها وأخذ هاتفها ومنعها عن جامعتها "

وصاحت بعنف متابعة

" ويضربها يا زوجها يا ابن عائلة كنعان الشرفاء من ماتوا من أجل
أن لا يخونوا وطنهم ويؤذوا شعبه "

أبعدت الهاتف فور إنهائها لجملتها تلك ونظرت له بصدمة هامسة

" أغلق الخط في وجهي !!! "

رمت الهاتف بعيدا عنها ووقفت متمتمة ببرود وهي
تتوجه لنافذة غرفتها

" المهم وصله ما كان عليه أن يعلمه ، أعانك الله يا ماريه على
هكذا زوج ، هذا لوح وليس رجلا !! "


أبعدت الستائر ووقفت تراقب كعادتها منذ أمس فهي لا تتوقف عن رصد
كل ما يجري في ذاك المنزل لعلها تفهم شيئا مما يحدث هناك خاصة أن
ذاك الرجل المدعوا قيس لم يغادر المنزل اليوم كما لاحظت وهذه ليست
عادته ! ألصقت وجهها في الزجاج البارد بسبب لفح الهواء له في
الخارج وهمست بأسى


" أخرجك الله من هذا الجحيم المسمى منزل يا صديقتي "


*

*

*


وضعت ساق على الأخرى متكئة على السرير ورفعت هاتفها حتى
ظهرت في شاشته الواسعة عالية الدقة صورة الموجودة عند جدار
الغرفة بملابس رياضية زرقاء غامقة مكونة من قميص ضيق بدون
أكمام وبنطلون قصير تربط شعرها ذيل حصان وتمسك غرتها
المقصوصة بحزام رياضي تلفه حول رأسها ، وصلها صوتها الساخر
قائلة

" أخبريني يا ابنة الهازان الغبية التي لا تعرف ما تقرر كأسلافها ما
الذي جعلك تقررين ترك عمل المضيفات فجأة بعد كل ما عانيته لتكوني
هناك ؟ "

عضت كنانة شفتها بغيظ من تعليقها ذاك وهي من لم تتوقف عن
إهانتها وتوبيخها منذ أخبرتها بقرارها ترك عملها كمضيفة وكأنه
ينقصها توبيخ من والدتها الغاضبة منها حتى الآن ، قالت وهي تنظر
لصورة ساندرين في هاتفها

" هيا سأبدأ بحساب الوقت "

قفزت تلك من فورها بحماس وانقلبت رأسا على عقب يديها على
الأرض وساقيها معلقتان في الهواء للأعلى مقابلة للجالسة على
السرير ، شعرها الطويل نزل على الأرض تحتها تبتسم بحيوية وهي
تبعد إحدى يديها عن الأرض وترفعها جانبا ليرتكز جسدها على يد
واحدة فقط وهدفها كان تحطيم الرقم الذي سجلته كنانة آخر مرة فهذه
كانت لعبتهما التنافسية منذ الصغر ، قالت ساندرين بصعوبة بسبب
انسحاب أغلب الدم والطاقة لأعلى جسدها المقلوب

" أنتي هل تحسبي الوقت أم ما الذي تفعلينه ؟ "

ابتسمت كنانة قائلة

" أمامك أربعون ثانية لتجتازي الرقم "

وابتسمت بمكر وهي تعدل من وضع هاتفها ، سأريك ما تفعل ابنة
الهازان الغبية يا ساندرين يا ابنة الحالك فعقابك عند أبن الهازان
تحديدا ، ضحكت دون شعور منها فنزلت ساندرين جالسة على الأرض
تتلقف أنفاسها القوية تخرجها من فمها وقالت

" ما الذي يضحكك دون سبب يا غبية ؟ "

دست تلك هاتفها قائلة

" صديقي بالتراسل وضع تعليقا على صورة تدفعي نصف
عمرك كي لا تقرئيه "

حركت رأسها بعدم فهم قائلة


" أي صديق هذا فلم تخبريني عنه ؟! "

خرجت ضحكتها وهي تقول مغادرة السرير

" هازاني غبي ما تفعلين أنتي به ؟ "


*

*

*


لوح بقبضته القوية بغضب في وجهه وكأنه يبعد حتى الهواء
من طريق كلماته الغاضبة وهو يصرخ مجددا

" هراء .... هل ستقنعني يا قائد قوات الجيش ويا من تتحرك جميع
فصائله حسب أوامرك أن شرذمة من الأوغاد ستعجز أمامها ؟
وحتى متى ؟ إلا أن يجد الشعب نفسه تحت رحمتهم وأنت تتحجج
بحجج سخيفة حتى الأطفال لا يتفوهون بها "

كتمها الواقف أمامه أيضا كباقي الإهانات السابقة بل كباقي السيل من
الشتائم الذي تلقاه منه ما أن غادر جميع من حضروا ذاك الاجتماع
ومن اختار لهم هو حظوره طبعا لأن ثمة أعضاء في البرلمان ورجال
من قيادات الجيش رفض أن يدخلوه وأصدر قرارا بمنعهم من السفر
خارج البلاد حتى يتم محاكمتهم وعسكريا أيضا ، أي أن العقوبات
على من تثبت عليه التهم لن تكون يسيرة أبدا واختارها لأنه يعلم أن
المحكمة العسكرية لا ترحم أحدا ، وكانت تلك أول إشارة ليفهموا
جميعهم بل والشعب بأكمله أن الحكم سيكون من اليوم والساعة
عسكريا وسينسف الحكم المدني والأحزاب والبرلمانات حتى متى
عقل الرجل الواقف أمامه فقط من يعلم إن كان سيستمر حتى يتم
ضبط الفوضى في البلاد أم سيكون للأبد ، غادر المجتمعون القاعة بعد
جلسة لم يروها إلا سحبا لأجسادهم على الحديد الملتهب وهم
يحاسبون حسابا دقيقا على كل ما حدث منذ أشهر أو منذ يوم وفاة
شراع صنوان بل وبعضهم تعرض للمساءلة عن أمور دفنها التاريخ
من أكثر من عشر سنين ، قضايا وملفات جعلت أعين البعض تخرج من
مكانها من الصدمة المكتومة داخلهم ليؤكد لهم بذلك أنه كان مطلعا
على كل كبيرة وصغيرة تحدث خلفه بل وخلف كل جدار من جدران
مؤسسات الدولة ولازال هناك ما لوح به في آخر اجتماعهم وهي
( الوطنية للنفط والعالمية للأستثمار ) أي أنه سيخرج بكل درهم نهب
من البلاد من تحت جلود آخذيه ، كانت جلسة علق بعض من خرج
منها فور خروجهم قائلا
( سحقا لهذا ... كيف سيكون يوم القيامة ؟ )
وكيف لا يكون ذاك تعليقهم وهم وقفوا في مواجهة من لم تزده السنين
إلا تحكما وقيادة وثقة في قرارته ورجاله يجلسون على جانبيه كنسور
جارحة تعلق على كتفي القائد العظيم ، من بنى كل ما هم فيه الآن بكل
قطرة دم سفكت من رجاله، بجهده وعنائه لسنوات وكل تلك التضحيات
التي قدمها ليصل للعبث الذي يراه أمامه اليوم ، لم يرحم فيهم أحدا
رغم أنهم لم يكونوا ضمن معتقلي فجر هذا اليوم والذين سحبوا من
منازلهم كالأغنام ولا ضمن من طردوا من اجتماعاتهم وسيقدمون
للمحاكم قبل أن يقرر مصيرهم ، ناقشهم وحاورهم وحاسبهم قبل أن
يتلقى كل واحد فيهم أوامره ويغادر عدا عمه الذي لم يفارقه اليوم
ولم يطلب منه هو الخروج احتراما له بما أنه لم يفعلها من تلقاء
نفسه وبقي الشخص الوحيد الذي طلب عدم خروجه ومن وضع لومه
الأعظم على عاتقه وعامله كما عرف هو نفسه مطر شاهين من قبل
أربعة عشرة عاما خلت حازم في الحق وطوفان غاضب في وجه
الأخطاء والهفوات مهما كانت صغيرة ، رمى إصبعه جانبا وصرخ
بعنف

" انظر إلى أين أوصلوا البلاد من تسميهم بالسذج الذين لعب الغير
بأدمغتهم ، حتى متى كنت ستقف تتفرج ورجال الجيش في صنوان
ينقادون خلفهم واحدا تلو الآخر ؟ إن كانت البرلمانات والأحزاب
مجرد كذبة من الغرب على المسلمين ولا طائل أو رجاء فيهم وبما
أن الشرطة جهاز أمني فقط أين أنتم يا رجال الوطن ؟
أنتم من كان عليكم احتواء كل تلك الفوضى التي تفاقمت أمام
أعينكم حتى كانت ستبتلع البلاد بأكملها ، ماذا فعلتم سوى أنكم
أغلقتم منافذ الحالك ونشرتم البوابات الأمنية الحمقاء وأرسلتم
بذلك رسالة لأبناء البلاد بأن الحالك ستحاربهم وبأنها تحمي
نفسها فقط والباقي لا علاقة لها به ، كيف لرجل جيش أن يفكر
بهذا المنطق الهزلي الساذج

" شد الواقف أمامه قبضتيه بجانبه بقوة ولن يستطيع سوا الصمت
أو موافقته فيما يقول فإن أخبره عن أسباب ما فعله بعض رجاله
للضغط عليه ليرجع لا يستبعد أن يطرده ليس من هنا فقط بل ومن
منصبه وأن يقدمه للمحاكمة العسكرية أيضا ومن سيخلصه حينها
من براثن أولئك القضاة العسكريين ، أشار له مطر بسبابته بين
عينيه تحديدا وقال بحدة

" إن تضرر أحد بسبب تلك الشرذمة التي سمحت لها بالفرار
والاندساس الآن في أماكن مجهولة قسما يا يعقوب يا ابن العقاد
أن تقدم للمحاكمة أيضا وأن تسحب رتبك من قبلها ، وعليك يقع
عاتق مطاردة أولئك العسكريين وإحضارهم "

تنفس الواقف أمامه ملأ رئتيه ونطق في أول خروج له من صمته

"الوضع كان حساسا جدا يا زعيم ، لا تنسى أن ابن شراع ضمنهم
وما سيعني القبض عليه بالنسبة لصنوان خاصة أنه كان قد اتخذه
والده كآمر عسكري للمنطقة الغربية "

صرخ فيه بحدة

" حجة أوهن من أن تفكر في قولها ، ماذا كنت ستقدم للبلاد حال
تركهم يحشودون أكبر عدد ممكن حولهم ويشعلون فتيل الحرب التي
كادوا ينجحون في فعلها ؟ ماذا كنت تنتظر ؟ أن تتحول لثلاث أجزاء
كالسابق ؟ "

زم شفتيه المحفوفة بشارب خفيف قبل أن يحررهما قائلا

" علاقتي بشراع صنوان وأبنائه كانت أكبر من أي تهور مشابه
فكيف أجازيه بقتل ابنه أو سجنه دون أن أحاول التفاهم معه أولا ،
وكنت قد خضت شوطا في ذلك وأبلغني بثقته بي لأن والده كان كذلك
وقد وثق بي حد أن استأمنني على سر ابنة عمك لأجل حمايتها "

نظر له مطر بصدمة سرعان ما تحولت لغضب أسود شاركه فيها
عمه الذي همس بغير تصديق

" أخبرك شراع !! "

نظر له وقال

" أجل وهي تعلم أيضا "

رماهما بقذيفته الأخرى دون اكتراث بل ولم يكفيه كل ذلك فقد عاد
بنظره جهة صقر مجددا وقال

" وكنت قد تقدمت لخطبتها وبما أنك هنا وعمها فأنا
أعود وأطلبها منك "

لم يستطع صقر إخفاء صدمته ولا انفراج شفتيه العاجزة عن الحديث
ولا التصديق ، سبق وأن سمع عن هذا الرجل لكنه لم يتخيل يوما أنه
كما قيل عنه شجاع حد التهور دون تردد فبأي عقل يفاتحه في
موضوع كهذا في وقت يتلقى فيه تعنيفا قويا عن أمور كان سيكون
ثمنها بلاد بأكملها ! وكأنه يرى نفسه على صواب ولا يكترث بكل ما
قيل وسمع ، نظر صقر فورا وبتوجس حذر لابن شقيقه الذي تحرك من
مكانه جهة الواقف أمامه لا تفصله عنه إلا خطوات معدودة حتى كانت
ياقة تلك البذلة العسكرية بين قبضتيه وانقض عليه كنمر مفترس
فركض جهتهما فورا وحاول فك يديه عن ياقة الذي لم يحرك ساكنا
ينظر فقط لعينيه وقد همس مطر من بين أسنانه يشده ناحيته أكثر
" كررها مجددا يا ابن العقاد لأدفنك هنا"

حاول صقر سحب يده قائلا بضيق

" توقف يا مطر ولا تنسى مكانته ومكانتك ، الأمور لا يكون
التحدث فيها هكذا "

فك مطر ياقة الواقف أمه بقوة فنطق ذاك وهو يعيد ترتيبها

" لم أعلم عنك سابقا ولم أسمع سوا برجاحة عقلك وتحكمك في
انفعالاتك ، وظننت أنها أصبحت حرة منذ أربعة عشرة عاما وما فعلته
من حقي "

وغادر من هناك ما أن أنهى جملته تلك ووجهته الباب المغلق تاركا
خلفه نارا أضرمها كالسعير تأكل أحشاء من وصفه بالحليم ذو العقل
الراجح ولا يعلم أن ما يمسكه عنه وقتها قبضة عمه القوية على
رسغه مانعا إياه من اللحاق به وتحطيم أنفه المغرور بقبضته فهو لم
يحذر غضب الحليم إذا اتقد وكأنه ينتقم منه على سيل التوبيخ الذي
تلقاه منه رغم أنه لا يتوقع ذلك من رجل قائد جيش رجل حرب مثله
وهو من يفهم رجال الحروب جيدا وفيما وكيف يفكرون ، وها هو
تأكد أن غرضه من التقرب منها ليس سياسيا أبدا ، استل رسغه
بعنف من قبضة عمه الذي قال بضيق

" تعقل يا مطر فلست أعرفك سابقا هكذا تأخذ حقك بيديك رغم أنه لا
يمكن تسميه الأمر بأنه حق لك "

نظر له بعدائية واضحة وكأنه يحارب كل شيء حوله وكان سيتحدث
لكنه تراجع في آخر لحظة وغادر من هناك بخطوات واسعة غاضبة
فحرك صقر رأسه بيأس هامسا

" هذا وهي لم تعد زوجته وتركها من نفسه !! "


*

*

*


غرست أصابعها في غرتها التي انزلق عنها الحجاب الأسود الذي
يماثلها نعومة وحريرية ولم يكن يمسكه ويثبته إلا المشابك المحكمة
عليه ، كان اليوم مرهقا ليس جسديا فقط بل ونفسيا ووضع قناع البرود
واللامبالاة لم يتعبها كما اليوم وهي تحاول التمسك به بينما هو يأبى إلا
أن يسقط وينكسر ، رغم الحركة المستمرة في مكتبها ونشاطهم
المتزايد اليوم والاجتماعات الدورية لأعضاء مجلس إدارة الجمعية إلا
أن تلك الهمسات والتمتمات وتناقل الأخبار وتبادل الهواتف المحمولة لم
يفتها أبدا وكل واحدة من الحاضرات كانت تتابع عن كثب أخبار البلاد
وأحداث اليوم الذي تفجرت بها جميع مواقع التواصل ومحطات الأخبار
، وحدها فقط من باتت لا تعلم عنها رغم أن تلك الهمسات والهمهمات
جعلتها في قلب الحدث أحبت ذلك أو كرهته ، وكان عليها طبعا أن لا
تفقد سيطرتها على أعصابها التالفة تلك أمام الأعين المحدقة بها بترقب
وفضول ، لكن ذلك فوق طاقتها وتحملها فهي في النهاية بشر فكيف
ستتحكم في ذاك القلب الذي تشعر به يرتجف كنافذة منزل قديم تصفقها
الريح ، كيف ينسى ذاك القلب أو يتناسى أن القطعة من كبدها تلك هنا
وعلى بعد أميال منها وتسمع الحديث عنها بينهن وإن لم تفهمه جيدا ،
شعرت بيد على كتفها مما جعلها ترفع رأسها محررة خصلات غرتها
من بين أصابعها وبدأت بترتيبها على صوت جليلة الهادئ بنبرته
الحزينة


" غسق تبدين لي متعبة اليوم والعمل هنا لن يتوقف أبدا ، لما لا
تغادري للمنزل ؟ سنقوم نحن بكل ما يجب "

حركت رأسها برفض دون أن ترفعه لها فسحبت تلك الكرسي وجلست
عليه مقابلة لها ونظرها على ملامحها الجميلة ونظرتها التي تغلب عليا
الإحباط الذي لم تعد تقوى على إخفائه ، وسرعان ما امتلأت مقلتاها
السوداء الواسعة بالدموع فور أن وقع نظرها على عيني صديقة
طفولتها المقربة ومن تعرفها أكثر من غيرها وتقرأ وتفهم حتى صمتها
كجسدين بروح واحدة فإن أخفت ما في داخلها عن الجميع تعلم أنها لن
تستطيع أن تخفيه عنها .
أمسكت جليلة بيديها وهمست ببحة عجزت أن تخفيها

" هل رأيته البارحة ؟ "

إيمائتها النافية كانت خفيفة بالكاد تحرك معها رأسها فشدت تلك
على يديها أكثر وعجز لسانها عن قول أي شيء ، ولا تراها إلا جيدا
فعلت فهي التي لا يعنيها أمره تقريبا ما أن رأته يخرج من تلك الطائرة
وينزل سلالمها بذاك اللباس والشخصية القيادية المسيطرة تتفجر ثقة
وإستقلالية كاد يغمى عليها فكيف بمن عاشت معه كزوج وعرفته
لأشهر أقرب له من أي امرأة على وجه الأرض ومن تركها خلفه
وهاجر دون حتى أن يقدم أسبابه ، دون أن يعتذر أو حتى أن يعدها
برجوعه ويطالبها بانتظاره ، همست مجددا

" جيدا فعلت يا غسق "

تدحرجت الدمعة التي لم تعد تقوى على إمساكها أكثر حين خرجت حروفها المخنوقة بعبرتها

" ابنتي هل كانت معه ؟ "

ابتسمت جليلة من وسط حزنها والدمعة التي ترقرقت في عينيها وهي تجيبها هامسة مع حركة رأسها إيجابا

" أجل "

وكما توقعت بل تمنت أن تكون ردة فعلها تلك من أجل ابنتها وليس
من أجل ذاك الرجل تحديدا ، مسحت على ذراع اليد التي كانت تمسح
دمعتها بظهر كفها قائلة بابتسامة حزينة

" لم تكن صورتها واضحة لأنها بعيدة لكنها كانت المرأة الوحيدة
التي نزلت من طائرتهم تلك وكان واضحا أنها صغيرة في السن ،
ومن حسنها الذي برز من بعيد واضحا فلن تكون إلا ابنتكما "

أنهت جملتها مبتسمة بحنان وهي تراقب التي وقفت وبدأت
بترتيب حجابها وكما عرفتها لأعوام لحظة الضعف تلك ستنبذها
سريعا كما ظهرت وتستغرب حتى كيف نزلت منها تلك الدمعة الوحيدة ،
وقفت أيضا وقالت بتوجس من فتحها للموضوع الذي كلفت وحدها
به من الجميع

" ثمة اجتماع بعد يومين لبعض الحقوقيين ورؤساء مؤسسات مدنية
تابعة للدولة والجمعية من ضمنهم "

لم تستطع قول أكثر من ذلك وهي تراقب التي رفعت حقيبتها وقالت
ببرود وهي تضعه على كتفها

" أرسلوا إذا من ينوب عن الجمعية فذاك الرجل يبدوا أنه سيسعى
لزجنا ضمن ناهبي مال الشعب "
فغرت جليلة فاها مصدومة قبل أن تقول

" جمعية الغسق لم تعرف إلا بنزاهتها ولم نمول يوما أي مشاريع غير
قانونية والأموال التي نجمعها جميعها من متبرعين ومن المؤسسات
التي تحركها وجميعها بشكل قانوني وموثق فلا خوف من تلك
النقطة أبدا "
التفتت لها بعدما حملت أوراقها تحضنهم لصدرها قائلة بلا اهتمام

" وإن يكن دعوه يتأكد بأن غسق شراع صنوان أنزه من أن تحاسب
على أموال تصرفها على الناس "


تنهدت الواقفة أمامها بصبر متمتمة

" إذا لعلمك يا ابنة دجى الحالك وترفضينه بأنك أنتي عينا مطلوبة
للإجتماع وليس أحدا ينوب عنك "


لوحت بقبضتها قائلة بضيق

" لست أنا من رفضه بل هم من لم يريدونه لي ولم يريدوني
ويعاملونني إلا ببنة شراع ، وأنا لن أحظر ذاك الإجتماع فليفعل
ذاك الرجل ما يحلوا له "


حركت رأسها بيأس قائلة

" غسق نحن لسنا وحدنا من تم استدعاؤنا حتى الجيش والشرطى بل
وأعضاء البرلمان الحاكم قدموا تقاريرهم ونوقشوا فيها ، لا تدعي
لأمور شخصية بينكما أن تظهرك بمظهر غير لائق بك كسيدة مجتمع
عرفها الجميع من أرقى وأفضل سيداته "


صاحت في وجهها فورا

" ابنتي ليست أمرا شخصيا وسآخذها منه وإن بالقانون "

نظرت لها جليلة بصدمة وأمسكت ذراعيها بقوة وقالت بجدية

" غسق لا تفتحي على نفسك بابا لن يأتيك إلا بالمشاكل ولا تجعلي
منه عدوا لك ، ليس لرجل بكل ذاك العدل أن يحرم أما أبنتها ... "
قاطعتها مبعدة يديها عنها بعنف

" لم يكن معي عادلا يوما ، أنصف الجميع حتى من لم يروه يوما
وأنا لا ، كان عادلا مع الجميع وأنا ظلمني أشد ظلم "

وتابعت بكره ودمعة الأسى تملأ محاجرها مجددا

" أكرهه فهو من جعلني أكره الحياة ، خانني خدعني أخذ ابنتي مني
وتركني وفوق كل هذا كان يخفي عني حقيقة نسبي ومن أكون وتركني
أعيش غريبة مضطهدة وأنا في وسط أهلي وعائلتي قبل قبيلتي ، ذاك
الرجل لا يعرف معنى العدل أبدا وابنتي من حقي أنكر ذلك أم اعترف به
والقانون الفاصل بيننا هذه المرة فلم تعد غسق تلك الفتاة الساذجة التي
تعيش لتلبي رغباته فقط ويقودها حيث وكيف يشاء "

أنهت كلماتها تلك وغادرت من عندها فتنهدت من تركتها خلفها متمتمة
" أعانكما الله على بعضكما "


*

*

*
يتبـــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 09-08-17, 08:28 PM   المشاركة رقم: 222
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 




تابـــــــــــــــــــع
*

*

*

ركن سيارته ونزل منها مسرعا وبالكاد استطاع جمع جميع المشتريات
التي جلبها وسار جهة الجزء المفتوح من المطبخ المطل على شجيرات
الحديقة المتشابكة لا تفصله عنها سوى ما يشبه الشرفة الخشبية العالية
والتي تكون من ضمن أرضيته ، صعد عتباته الخشبية القليلة مسرعا
ووضع الأكياس فوق الطاولة وتوجه من فوره لبهو المنزل ثم السلالم
فصعودا للطابق الأعلى ونظره على ساعته ، اجتاز الوقت الذي حدده له تيم
لانتهاء قارورة المغذي بأكثر من ساعتين فلم يتوقع أن يصادف ذاك الحادث
المروري والذي أخره لكل هذا الوقت حتى أنه اختار طريقا آخر ولم يستطع
إلا الوصول متأخرا ، الأمر الوحيد الذي كان يفكر فيه أن يكون حالفه الحظ
وحالفها هي قبله وتكون أفاقت قبل وقت ونزعت حقنة المغذي بنفسها أو لن
يدركها حية أبدا وسيكون سببا في هلاكها بدلا من مساعدتها ، فتح باب الغرفة
على اتساعه ما أن وصل له وتنفس الصعداء ما أن وقع نظره على الجالسة
على السرير يغطي شعرها البني الطويل ملامحها وأغلب جسدها عنه لأنها
كانت تجمعه جانبا بينما هي منشغلة برباط قدمها تحاول لفه من جديد ولم
تشعر لا بوجوده ولا دخوله كما يتوقع ممن في مثل حالتها وقد أشغلها ما هي
فيه لكانت قفزت مذعورة فور دخوله وذاك ما حدث فعلا ما أن أمسكت أصابعه
بالشاش الطبي الطويل الذي رفعته لتنهي لفه من جديد ، تنحت زاحفة لطرف
السرير ساحبة الشاش منه معها ترمقه بنظرة عداء واضحة سرعان ما
تحولت لتوجس لم يفهم تغيره أكثر من تعسر فهمه لمسبباته ! لا يعلم هذه
الفتاة تكرههم خصيصا أم أنها تكره جميع الرجال وثمة ما يرعبها منهم ؟
إن كان الأمر كذلك فسيكون العداء هو الشعور الطبيعي ناحيته لكن إن كان
كرها موجها لعائلة ضرار سلطان تحديدا فإنه موقن من أنه لم ولن يجد مكانا
للتفهم في قلبها الحاقد ولن تستطيع رؤيته إلا ابن سلطان ضرار مهما فعل
لأجلها ، يحار كيف لهذه العينين النجلاء بحدقتيها الزرقاء الغامقة والملامح
الجميلة الرقيقة أن تكره بهذا الشكل وصاحبتها لا تسمع ولا تتحدث !
من علمها إذا أن تكرههم دون استثناء فلن يعرف أخرس أبكم العداء اتجاه
شخص لم يراه ويعرفه يوما ، فمن وكيف حدثوها عنهم !
وإن لم يكن كذلك فلما تكرههم جميعهم بهذا الشكل والقدر ؟ جلس على طرف
السرير ساقه مثنية تحته ومد يده لقدمها وأمسكها ساحبا إياها منها رغم
اعتراضها الصامت هامسا من بين أسنانه

" رغما عنك سأعيدها لفها بالطريقة الصحيحة "

ورغم محاولاتها لدفعه عنها بقدمها السليمة إلا أنه أحكم قبضته عليها
وثبتها تحت ساقه مانعا إياها من الحركة ووضع المرهم الذي وصفه
لها تيم وبدأ بلف الشاش بإحكام كما أخبره ، شد طرفه بقوة وثبت قدمها
بيده ما أن حاولت سحبها منه مجددا ونظر لعينيها قائلا بقسوة

" علينا إعادته مثلما كان ومداواته يا زيزفون فالطبيب طلب ذلك ...
هل تفهمي هذا الآن ؟ "

نظرت له بجمود لم يفته أنها تحاول إخفاء كل ذاك الحقد والكره خلفه
لكنه يعلم جيدا أنها تفهم سبب تعامله معها بقسوة وإن لم تسمع كلماته
فعليه أن يشد الرباط بعد مداواة كاحلها كما أوصاه .
أبعد نظره عنها لهاتفه الذي خرج صوته من جيب بنطلونه فربط الشاش
سريعا وبإحكام ثم حرر قدميها من قبضته وأخرجه لحظة ما ضمت هي
ساقيها لجسدها تنظر له بصمت وهدوء تام وكأنها ليست الشرسة التي
كانت سترميه خارج السرير منذ قليل ، كانت تراقب ملامحه الأرستقراطية المشدودة وهو يخرج الهاتف ويجيب عليه فورا

" أجل يا رواح "

وقف بعدها وتحرك جهة النافذة التي سحب عنها الستار السميك بيد
واحدة ونظراتها تتبعه وقد قال وهو يفتحها

" أجل إنها معي "

غمر ضوء الفجر القوي أرجاء الغرفة سريعا ودخلت تلك النسائم
الريفية المنعشة رغم برودتها تطفي لمساتها السحرية على كل تلك
الفخامة الخانقة بسبب هجران المكان لوقت طويل ، سند يده على
الجدار بجانب تلك النافذة الواسعة موليا ظهره للجالسة هناك لازالت
تحضن ساقيها تنظر له بصمت ، لذاك الجسد الرجولي الطويل
والأكتاف العريضة يبرزها القميص الأبيض الناصع وخصلات ذاك
الشعر الأسود المقصوص تحف ياقته وقد خرج صوته هذه المرة مشدودا
وقد شد قبضته على الجدار المستند بها عليه

" لن أرجعها للمنزل حتى عودة جدي وهذا قرار لن أتراجع فيه تحت
أي ظرف كان "

غضنت جبينها عاقدة حاجبيها الرقيقان وأول ما شعرت به هو ذاك الكره
الدفين يتدفق في عروقها لذكر ذاك الرجل الذي لم يكن فقط السبب خلف دمار
عائلتها بل ودمارها من بعدهم ، عاش هو وعائلته مرفهين آمنين وتركهم
هم لويلات الحروب والفقر والخوف يقتلون أمام عينيها وبالتتابع على أيدي
المجهولين .
تحول نظرها ليده التي رفعها عن الجدار وقد تخللت أصابعها شعره
الأسود الناعم ووقع نظرها على خاتم الزواج الفضي في إصبعه وهو
يقول بضيق

" زوجتي فعلت ما فعلت من رأسها ولا أحد له علاقة فيما بيننا أما
زيزفون فابنة عمي قبل أن تكون زوجته ولن أرجعها إلى هناك
هي كلمة وقلتها يا رواح "

أبعدت نظرها عنه سريعا مشيحة بوجهها جانبا حين التفت جهتها بجسده
كاملا فجأة وغرست أظافرها في كفها تشتم نفسها على غبائها بينما اتكأ
هو بظهره على الجدار خلفه ورفع قدمه عليه ويده الأخرى في جيبه
وقال ونظره على جانب وجهها

" لتكن تصرفات صبيانية فليست بأسوأ من أفعال شقيقك ذاك "

وتابع مغيرا مجرى الحديث

" تولى أنت أمر الحملة الدعائلة وأرمون سيساعدك فقد تحدثت
معه وأنا سأتابع أعمالي من هنا .... وداعا "

ثم أنهى المكالمة وتحرك من مكانه فورا ووجهته باب الغرفة المفتوح
خرج منه مغلقا إياه خلفه بهدوء ونزل حيث المطبخ الواسع المضاء
طبيعيا تسمع فيه أصوات الطيور وحفيف أوراق الأشجار التي تداعبها
الريح ، توجه فورا لأكياس الطعام وفتحها يفتش محتوياتها ويخرج
كل تلك الخصروات والفواكه واللحم والأطعمة المعلبة ، رفع كمي قميصه
جيدا ولا حل أمامه سوى أن يعد الطعام بنفسه طوال فترة مكوثهما
هنا فحسب توصيات تيم سيكون عليه العناية بطعامها جيدا ولا يعتقد
أن الأمر سيكون سهلا مع عنيدة مثلها

*
*
*

طرقت باب الغرفة طرقتين خفيفتين قبل أن تفتحه وتدخل ووقع نظرها
فورا على الجالس يحتسي كوب قهوته الصباحية تجلس بجواره والدتها
والتي ابتسمت لها فور أن التقت نظراتهما وقالت

" تعالي يا جمانة ، جيد أنك قررت ترك غرفتك أخيرا "

دخلت مغلقة الباب خلفها بهدوء وتوجهت نحوهما قبلت رأس والدها
وخد والدتها وجلست بجانب الذي أمسك يدها بين يديه وقال مبتسما
وناظرا لعينيها

" أراك أفضل حالا يا جمانة ؟ "

أومأت برأسها إيجابا ونظرت للأرض وقد همست

" أخبرتني جيهان أنك قد توافق على أن أجري العملية "

اختفت ابتسامته سريعا وكان سيتحدث فرفعت نظرها له وقالت قبل
أن يعلق على الأمر تشد على يديه وبرجاء

" لا تقل أنك ترفض ذلك أبي أرجوك فرفضك سيكون معناه قتلك لي بالبطيء "


قست ملامحه وقال بجدية


" هل تدركي ما ستكون نتيجة إجرائك لتلك الجراحة يا جمانة ؟
خسارتك لزوج لن تعطيك الفرص مثله مجددا ، ولا أنا أريد خسارته
كنسيب لي "

ملئت الدموع مقلتيها السوداء وهمست برجاء أشد

" أعدك أن يتغير كل شيء وأولهم أنا وحياتي معه ومع الجميع
وسترى ابنتك التي لا تعرفها من قبل وكل شيء في حياتي سيتغير وأولها
علاقتي بوقاص ، فقط وافق أبي أرجوك فهذا الأمر لا يخصه والجراحة ستجرى
لي أنا وليس له ولا يحق لأحد من تلك العائلة أن يقرر ذلك عني "


تنهد بصمت ولم يعلق فشع الأمل في ملامحها الحزينة ونظرت فورا
لوالدتها التي أومأت لها برأسها مشجعة وعلى ثغرها ابتسامة واسعة
وعادت بنظرها له حين قال


" تعرفين جيدا عناد زوجك يا جمانة وأنه لن يوافق "

خبى حماسها المشتعل وقالت

" لكن جده يمكنه الضغط عليه أو إقناعه وهو صديقك
ولن يرفض لك شيئا "

" وإن كان الثمن طلاقك منه يا جمانة ؟ "

نظرت لوالدتها فورا والتي كانت صاحبة ذاك السؤال الذي نزل
على ابنتها كصاعقة البرق وقد ارتجف صوتها وهي تجيب متمتمة بخفوت

" لا .... يجب أن لا يكون ذلك "

حركت والدتها رأسها متنهدة بيأس بينما قال زوجها

" سأتحدث مع السيد ضرار مجددا وأقنعه أيضا بتلك الجراحة
وبأهمية نتائجها ليقنع حفيده بدوره "

شدت أناملها الممتلئة على يديه بقوة وابتسمت بفرح ودموعها
تملأ عينيها مجددا وخرجت الحروف من شفتيها مختنقة بعبرتها تنظر
لعينيه ونظرتهما الرقيقة

" شكرا أبي لا تعلم ما يكون هذا الأمر بالنسبة لي ، أنت حقا تقدم
لي معروفا عظيما "

سحب يده ومسح بأصابعها الدمعة التي تسللت من رموشها
وقال مبتسما بحب

" سأفعل ما في وسعي من أجلك فقط يا جمانة رغم أني أيضا
لست مقتنعا بذلك ، وعليك أنتي أيضا أن تساعدي في هذا "

اختفت ابتسامتها وقالت بتوجس


" أساعد في ماذا ؟ "


وقف ونظرها يتبعه للأعلى وقد قال ناظرا لها


" وقاص يضع اللوم عليك لأنك غادرت المنزل دون علمه وبقرار
فردي منك ويصر أيضا على أن لا يرجعك هو لذلك سيكون على
عاتقك أن تغيري من أفكاره تلك قبل أن أشرع في أي نقاش مع جده "


قالت ونظرها لازال معلقا به فوقها


" لن يقتنع مني أنا أعرفه جيدا وناقشته في الأمر مرارا ولم أنجح
فلن يتغير رأيه الآن بالتأكيد "

حمل حقيبته وسترته وقال

" لم أتحدث عن إقناعه بالجراحة بل بأن توضحي موقفك وبأنك
لا تقصدين من خروجك معاندته وحاولي تلطيف الأجواء بينكما
وإن قليلا واتركي الباقي لي فتحدثي معه وإن بالهاتف ولا تهتمي
لردة فعله وكلامه فقط نريدها حجة عليه وبأنك لست كما يقول
ويصر بأنك تتحدينه "


نظرت ليديها في حجرها وهمست بتنهيدة

" سأحاول التحدث إليه "

قال مغادرا

" بل تحدثي معه وليس تحاولي "

وخرج من الباب مغلقا له خلفه ونظراتها تتبعه قبل أن تنظر للتي
قالت مبتسمة


" هيا ماذا تنتظري إصعدي لغرفتك وتحدثي معه "

وقفت وقالت مغادرة

" سيكون مشغولا بأعماله نهارا سأترك ذلك حتى المساء "

*

*

*

فتحت باب الغرفة ببطء حتى ظهر لها أغلبها فبدأت نظراتها
بالتجول في أرجائها ولاحظت فورا أن عمليات التنظيف المكثف
التي جعلت كل شيء لامعا في الأسفل لم تمر بهذا المكان ورغم
ذلك لاحظت فورا فخامة أثاث تلك الغرفة فوق جمال مقتنيات
باقي المنزل ابتداء بالسرير الواسع المصنوع من خشب الزان
الثقيل ووصولا للخزانة الضخمة التي تغطي جدارا بأكمله
ولا يمكن وصفها سوى بالتحفة الفنية فكل هذا الجمال والجودة
في الصنع لم يعد موجودا وقد أخذت اللألات مكان الأيدي البشرية
المبدعة وأصبح كل ما يشبه هذا الإبداع مجرد خشب هش ضعيف
تغطيه طبقة من الورق أو قشور زائفة لا يبهرك سوى لمعانها
الإصطناعي ، نظرت للسرير باستغراب وهي تدفع الباب أكثر وتدخل
مغلقة له خلفها واقتربت منه ببطء ونظرها على الفستان الأبيض
الطويل والمرمي فوقه بالعرض ، اقتربت أكثر حتى وصلت عنده
ورفعته عاليا تمسكه من حمالتيه تتفحصه نظراتها باستغراب ،
فستان من الشيفون الثقيل طويل ومخصر ومخاط يدويا وبعناية
تزين ياقته المربعة الشكل والواسعة أزهار بيضاء جميلة قد امتدت
حتى حمالاته العريضة وصولا للخلف حيث تابعت نزولها مع ذاك
الذيل الطويل من الشيفون الخفيف والذي زينت به أكتافه أيضا ،
لم تحتج للكثير من الوقت لتعلم أصل ذاك الفستان ( العروس الثنانية )
كم قرأت عن تلك القبائل التي تنتشر عند الحدود الجنوبية الشرقية
لبلادها وبعض الدول المجاورة والمشتركة معها في الحدود ، بل
ورأت هذا الفستان في برامج كثيرة تحدثت عنهم وعن بعض عاداتهم
وتقاليدهم وهذا الفستان جزء منها ولا تلبسه امرأة ليست منهم
أو ليست عروسا حتى إن كانت ثنانية ولا تفهم ما جلبه هنا وما سر
وجوده فوق سرير يفترض بأن والدها من نام عليه ليلة البارحة ؟
لكن الفستان لم يكن مجعدا بل مفرودا وبعرض السرير !
هل معنى هذا أنه لم ينم أبدا ؟
هل يخص والدتها المرأة الوحيدة التي عاشت معه هنا في هذه الغرفة ؟
لكن كيف وهو يخص نساء تلك القبائل الغير عربية تحديدا !!
أسئلة لم تجد لها أجوبة ولا تفسير ونظراتها تتنقل في تفاصيله الرائعة ،
وقع الفستان من بين يديها حين دارت بشهقة للخلف حيث الباب
الذي فتح فجأة ووضعت يدها على صدرها متنهدة براحة ما أن تأكد
من هوية الذي فتحه وقد دخل قائلا بابتسامة


" ما بك وكأنك الموت دخلتك ؟ "

سحبت الهواء لصدرها وحررته في زفرة واحدة متمتمة

" عمي صقر !! ضننتك شخص آخر "


اقترب منها قائلا بضحكة

" من مثلا هذا الشخص ؟ والدك ليقبض عليك متلبسة "

شعرت بخديها يشتعلان خجلا من فعلتها وقالت ونظرها للأرض

" شعرت بالملل والوحدة هنا فقررت أن أتعرف على المنزل أكثر "


شعرت بكفه على كتفها ووصلها صوته مبتسما

" كان عليك أن تتوقعي هذا فوالدك تعلمي بنفسك ما ينتظره هنا
وأنا عليا أن أكون معه حاليا ولا أحد غيرنا بقي في هذه العائلة
فحتى عمتك جوزاء لن تأتي قبل الغد "


نظرت له وقالت

" ستأتي عمتي غدا ؟ "

تاهت عيناه في نظرتها الوجسة التي صعب عليه تفسيرها حتى
تابعت بحروف تخنقها عبرتها المكتومة

" ألن أرى والدتي ؟ "

انحبست أنفاسه ولم يعرف بما يجيب العينين الدامعة والمعلق نظرها
به برجاء طفولي يحمل كل معنى للبراءة والرقة ، نظرة كم ذكرته
بنظرة والدتها التي حفرت في ذاكرته وعذبته لأعوام منذ تلك الليلة
وذاك الوقت حين كانت تسأله قلقة عن الذي وعدها بالمجيء ليلتها
ولم تراه حتى الآن ، وكأنه يرى غسق تلك أمامه الآن مع اختلاف
لون حدقتيها المشابهة للون السماء الصافية ، بماذا سيجيبها
وكيف سيشرح لها عن الحديث الذي دار بينه وبين والدها اليوم
والذي بسببه كادا يتشاجران أو بالأحرى هو من كاد يشتعل غضبا
أمام برود ذاك الرجل ، سيخبرها بالأيسر أولا رغم أن كل فاجعة
منهما لا يتوقع أبدا أن تكون يسيرة على قلب هذه الفتاة ، تنفس
بعمق وقال دون مقدمات


" والدك المصون طلب أن لا نشرح لوالدتك شيئا عن أسباب
هجرانه للبلاد وحيدا وأخذك معه "


فغرت فاها بصدمة تحدق في عينيه بغير تصديق ولا استيعاب وتابع
هو ملوحا بيده بضيق


" تصوري يا تيما أنه يرفض أن تعلم بأنه ترك البلاد لأن بقائه فيها كان
سيجعله أمام خيار واحد فقط "


يتابع بذات ضيقه

" إما أن يحارب صنوان ويقتل أهلها ويكون الثمن أن تكرهه
لباقي عمرها أو أن يترك كل شيء لشراع صنوان وينفي نفسه يدافع
عن بلاده من الخارج ، إما أن يأخذك معه أو يعرضكما للخطر معا ،
وإما أن يتركها هنا أو أن يخسرها للأبد "


رفع يديه فاردا ذراعيه جانبا وتابع بقهر ينظر لتلك الدموع التي
تساقطت من عينيها تباعا

" لا يريد أن تعلم بأسبابه وأن يتركها على اعتقادها بأنه تركها
دون أن يكترث لها وهذه الأسباب وحدها ما قد يغير نظرتها
للأمر جذريا ، تصوري فقط !! "


حركت رأسها بعدم استيعاب وأبى لسانها أن ينطق بأي حرف ولا
شيء سوى دموعها الصامتة فأمسك بكتفيها وقال كأي رجل
يتصرف حيال دموع الأنثى العاجز عن فعل شيء لها


" توقفي عن ذرف الدموع يا تيما وكوني قوية كوالدتك التي لم
يرى أحدا دموعها إلى حين تلقت خبر خالك الكاسر رغم تغربها
وكل ما مرت به "

لم يزدها كلامه إلا بكاء وتحررت الأحرف من سجنها وهي تلوح
بقبضتها أمام صدره


" كيف يقول هذا ؟ كيف يخفي عنها كل تلك الحقائق التي كانت
سبب عذابنا ثلاثتنا لأعوام طويلة ؟ هل يريدها أن لا تغفر له أبدا ؟
هل يرفضها لهذا الحد ! كيف لا أبكي يا عمي صقر كيف ؟ "


مسح بكفه على وجنتيها الغارقة بدموعها قائلا بجدية


" لا أظنه يفكر في ذلك يا تيما ، لن يكون ابن شقيقي الذي أعرفه إن
لم يكن يريد رجوعها ويرفض أن يقربها رجل غيره "


مسحت خداها بقوة قائلة


" خذني لها أنت إذا بما أنه مشغول دائما "

وأمسكت يده وهي تتابع برجاء


" أريد أن أراها وإن للحظة ، أن أسمع صوتها وأتحدث معها
عمي أرجوك ولن أخبرها عن شيء يرفض أن تعلمه أقسم لك
رغم أني لا أعلم شيئا مثلها "


مرر أصابعه في شعره وكم كره نفسه تلك اللحظة وابن شقيقه معه
وحتى اليوم الذي رجع فيه هنا ، لما تسأله هو وليس والدها ؟
بل ما الذي أحضره إلى هنا ولما لم يتوقع أن يجدها هي وليس
مطر كما كان يتوقع ، نظر لعينيها ونظرتها الحائرة المعلقة
في عينيه وقد همست حين طال صمته


" هو أخبرني بأني سأكون معها قبل مجيئنا إلي هنا ! "


واختنق صوتها وهي تتابع ببحة بكاء ودموعها عادت للترقرق
في مقلتيها الزرقاء

" هل يرفض ذهابي ؟ "

حرك رأسه نفيا ثم سرعان ما تأفف وقال بضيق

" لا أفهم والدك وكيف يفكر ؟ بل متى فهمته حياتي "

وتابع بحنق محركا يديه

" أخبرته أني سأذهب لرؤيتها وسآخذك معي فرفض فورا ، ظننت
أنه يريد أخذك بنفسه لكني اكتشفت أني لست سوى عجوز أحمق
حين قال وبكل برود ( تيما لن تذهب لها ) ولا تسأليني كيف ولما
لأني نفسي لا أعلم وقد تشاجرت معه ولم أراه منذ منتصف اليوم "

توقع صراخها المحتج ، توقع أن تبكي وتنحب وتسب والدها والحياة
وحظها وحتى هو لكن ما لم يتوقعه هو ردة فعلها تلك حين تحركت
من مكانها متجهة للباب تمسح عيناها بطرف كم قميصها القطني
ووصله صوتها المختلط بعبرة بكائها الصامت


" سأنتظر حتى يسمح لي ومتأكدة من أنه سيفعل "

راقبها بنظرات مستغربة حتى اختفت خلف الباب المفتوح
ثم تنهد متمتما


" ابنة والداك حقا يا تيما "

وغادر الغرفة أيضا مغلقا بابها خلفه وما أن نزل بداية السلالم
حتى وقف مكانه ينظر للصاعد منه ونظره على بعض الأوراق التي
يقلبها في يديه حتى انتبه له ووقف أمامه في صمت فقال صقر وملامحه
تزداد قسوة عاقدا حاجباه الأسودان


" علينا التحدث قليلا يا مطر "

تحرك مطر من مكانه وقال مجتازا له


" سأراك فجرا ونتحدث كما تريد "

وصعد ونظراته المستاءة تتبعه حتى اختفى ثم همس
من بين أسنانه وهو ينزل

" كانت تلك الزوجة كثيرة عليك فكيف بابنة أرق منها ؟ "


*

*

*

ما أن وصلت غرفتها حتى اندست في سريرها تبكي بصمت
فلم تتوقع أن يرفض والدها أن تراها وهو من صرح سابقا بموافقته
كما فهمت من كلماته تلك وقد حاول حتى أن يشرح لها أسبابه
ويقنعها بأنه كان مرغما على أخذها منها ، لا تريد شيئا في الحياة
أكثر من رؤيتها وإن لمرة واحدة فهل هذا كثير عليها !
هل تطلب شيئا محرما أو خاطئ ؟
لا يمكنها تصور أن تقضي باقي الأيام هنا دون أن تراها وهي
تعلم أنها على بعد أميال منها مهما بعدت ، لا يمكنها مخالفة
أوامر والدها وهي من أقسمت على أن لا تفعلها مجددا بعد ليلة
الملهى تلك ولا بأن تجلب رقم هاتفها فما الحل الآن مع الشوق
المشتعل في داخلها حد أن أحرق كل شيء ؟
كيف ستمضي الأيام مجددا تحصيها على أمل رؤيتها وإن من بعيد ؟
دست وجهها ودموعها في وسادتها أكثر هامسة ببكاء


" يا رب فقط أراها وإن لا ألمسها ، يا رب افعلها من أجلي يا رب "
ونامت على دموعها الصامتة وعبراتها السجينة بين وسادتها
وأغطية سريرها تمني نفسها ككل مرة بغد أفضل بكثير من كل هذا


*

*

*

كتف ساعديه ببعضهما فوق الطاولة تحته ونظره وتركيزه مع الذي
كان يشرح له فحوى الورقة التي كان يشير لأسطرها بإصبعه ثم رفع
نظره له قائلا


" ولم يبقى أمامنا إلا أن نختار بين هذه "

ووزع مجموعة صور وبعض الرسوم المرسومة باليد متابعا

" أغلبها أفكار متداولة وقديمة حاولنا تطويرها قليلا أو التغيير
فيها وستنفع من أجل الإعلان "

سوى رواح جلسته للخلف مكتفا ذراعيه لصدره وقال ونظره على الصور والرسوم التي لم يفكر ولا في رؤيتها من بعضها

" لا أريد نموذجا مسروقا وأفكار تقليدية ، نريد شيء مختلف تماما "

فرد الجالس أمامه كفيه قائلا بيأس

" الأمر ليس سهلا سيد رواح فتصميم الطائرات أمر مختلف تماما
عما تطلبه الآن ، وتغيير سير بعض أعمالكم سيحتاج لحملة
إعلامية تحتاج وقتا أكبر من الممنوح لنا "


وتابع بعد صمت لحظة

" الآنسة بكوستر على حد علمي تملك شركة مختصة في هذا
المجال وهي صديقة مقربة .... "

قاطعه رواح ببرود قبل أن ينهي كلامه

" ولدى شركتنا فريق مختص حسب علمي فهل ندفع المال لهم صدقة ؟ "


انخفط صوت الجالس أمامه مع انخفاض حماسه الفوجائي لفكرته تلك وتمتم


" نحن نقوم بعملنا على أكمل وجه منذ تم تأسيس مكتب خاص
لنا وماضينا يشهد "


حرك رواح رأسه في إشارة لإنهاء الموضوع ثم قفز فجأة واقفا
وتوجه لسترته المثبتة على ظهر الكرسي الجلدي خلف طاولة مكتبه
وأخرج هاتفه منها واقترب من الجالس مكانه ومده له قائلا
بابتسامة ساخرة


" ما رأيك في هذه الصورة ؟ "

أخذ منه الهاتف ونظر لشاشته لبرهة ثم للواقف فوقه وقال باستغراب

" صورة من هذه ؟ "

قال رواح ببرود

" لست أسألك لتجيب بسؤال وليس هذا موضوعنا الآن "

عاد ذاك بنظره لشاشة الهاتف وقال مبتسما

" فكرة غريبة وتطويرها سيكون ضربة موفقة فكل
ما نحتاجه تغيير الخلفية "

ونظر له فوقه متابعا بحماس

" ابتسامة هذه الفتاة أكثر ما يدهش في الصورة ، إنها تدمج الحماس
والحيوية والاندفاع ، إنها فكرة رائعة حقا وجديدة بل ومتناقضة تماما
مع مادة الدعاية وهنا يكون الإختلاف الرائع "


قال رواح مبتسما بانتصار


" جيد اجتزنا العقبة الأصعب في الأمر "


وتابع بضحكة صغيرة


" باستثناء ردة فعل صاحبة الصورة طبعا "


كان الجالس سيتحدث لولا قاطعه رواح ناظرا للساعة في معصمه


" تأخر الوقت والموضفون غادروا منذ ساعتين ، إنها التاسعة "

وتابع متجها نحو سترته وقد حملها ولبسها بخفة

" سنأغادر الآن وغدا نتفق بشأن كل هذا "


*

*

*


وقفت حاملة إبريق الماء الكريستالي الفارغ معها وغادرت الغرفة
تستند بالجدار بسبب صعوبة سيرها على قدمها المصابة تتأفف
من الرباط المشدود عليها بقوة مبالغ فيها كما ترى وذاك الرجل
يضع كامل قوته وعضلاته في شده على كاحلها وإن نزعته تعلم
جيدا ما سيكون مصيرها وهو أن يربطه لها مجددا وهذا ما لا تريده ،
لا تفهم لما يفعل كل هذا ألا يعلم أنها تكرهه وتكرههم على حد السواء ؟
مؤكد يفهم ذلك جيدا ويتجاهله مثلما يفعل في كل مرة متجاهلا
نظراتها الكارهة الحاقدة وتعاملها النزق معه ، خرج أنينها الخافت
المتألم ما أن وصلت آخر الممر فرفعت قدمها تقف على قدمها السليمة
فقط ثم بدأت بقفز باقي الخطوات بواسطتها حتى وصلت السلالم
وليست تعلم كيف ستنزل منه وقدمها بهذه الحالة ويد واحدة
سليمة فقط ؟ فحتى الأبريق كانت تحضنه لجسدها بواسطة ذراع
يدها المصابة فعليها جلب الماء لتشرب ولتتناول الدواء حسب
التعليمات المفصلة التي وجدتها مدونة عليه وكانت بخط مغاير
لخط صاحب الصيدلية وبشكل واضح وخمنت أن ذاك المدعوا وقاص
من كتبها بالتأكيد لتعلم عن مواعيد تناوله لوحدها فهي لم تراه منذ
ربط لها كاحلها وحين خرجت من الحمام مقربة الظهر وجدت طعاما
ساخنا في انتظارها وعصير طازج وسلطة فواكه ولأنها لا تريد مشهدا
مشابها لما حدث حين رفضت ربطه للضمادة تناولت منه القليل ثم
ادعت النوم حين عاد لأخذ الأطباق التي لم يحمل معه منها سوى
كأس العصير الفارغ ليرجع به بعد لحظات وقد ملئه من جيد فكان
عليها تناول باقي الطعام إن أرادت التخلص منه ، ما أن وصلت أولى
العتبات حتى جلست عليهم ووضعت الأبريق في حجرها ليس بسبب
إعيائها وعجزها عن النزول فقط بل بسبب ما ظهر لها في الأسفل
وهو الجالس على الأرض هناك وأمامه طاولة زجاجية منخفضة
ودائرية فوقها حاسوب شخصي والأوراق والملفات متناثرة حوله
وهو منشغل تماما بتلك الشاشة ولم ينتبه ولا لوجودها رغم أنه يجلس
مقابلا للسلالم ، ليس بسبب انشغاله بما يفعل بل لأنها في الجزء الشبه
المظلم منه ، ظنت أنه خارجا فهي لم تراه من أكثر من ساعتين
أو تسمع صوته ولا خطواته وفتحه لباب غرفتها بين الحين والآخر
وهي تولي الباب ظهرها نائمة مكانها فلا تسمع سوى صوت
إغلاقه له مجددا وخطواته مغادرا وليست تعلم حتى متى ينوي سجنها
وسجن نفسه معها هنا كما فهمت من مكالمته وشقيقه ؟ ثم ما شأن
جده وما يريد أو يتوقع أن يفعل ذاك العجوز !!

"سحقا لهم جميعا "

همست بتلك الكلمات الحاقدة ونظرها لازال على الجالس هناك بقميصه
القطني وأكمامه الطويلة التي يرفعها حتى مرفقيه وبنطلون رياضي
مريح ينصب إحدى ركبتيه مسندا رسغه عليها واليد الأخرى تتحكم في
حركة مؤشر الحاسوب أمامه ، بدأ هاتفه الموضوع على الطاولة بالرنين
مالئا بضجيجه المكان الهادئ الصامت فنظر له جانبا لوقت دون أن
يجيب ثم عاد لحاسوبه مجددا ورغم أن ذاك الاتصال تكرر لمرات عدة
إلا أنه كان يتجاهله وكأنه ليس موجودا درجة أن تحرك فضولها لمعرفة
من يكون صاحب ذاك الرقم الذي يرفض أن يجيب عليه ؟
هل هي زوجته الغاضبة تلك كما سمعت عنها أم شخص آخر مثل
تلك الفتاة التي كانت تداعب خده ولحيته بكل وقاحة في حديقة
المنزل ذاك اليوم ؟
أم أنها امرأة أخرى أو قد يكون شقيقه يتصل به مجددا ؟
مدت ساقها تعتصر ملامحها المتألمة لتريح قدمها قليلا وعادت
بنظرها له سريعا ما أن عاد الهاتف للرنين وهذه المرة رفعه
ليجيب عكس سابقتها رغم أن شتيمته الغاضبة وصلتها وكأنه
مجبر على الإجابة هذه المرة أو أن صاحب ذاك الرقم استعان بغيره ،
وذاك ما حدث بالفعل حين وصلها صوته البارد مجيبا على محدثه ذاك

" مرحبا جدي "

سكت قليلا قبل أن يمرر أصابعه في شعره متأففا بصمت ثم قال

" نعم رأيته وإن أردت الإجابة لأجبت من نفسي ، هل عليهم طلب
نجدتك في كل مرة لتجبرني على أن أجيب على اتصالاتهم ؟ "


غزى الضيق نبرته وهو يقول

" لا لست في المنزل لذلك لم تجدني ولن أكون فيه الليلة ،
أنت متى سترجع ؟ "

قال بعد صمت قصير


"بلى هذا هو موضوعنا فرحلتك أراها طالت هذه المرة وثمة أمور كثيرة
عليك أن تطلع عليها لا ينفع الحديث فيها عبر الهاتف "


قست نبرته وهو يقول

" لن أجيب على اتصالاتها ولا أريد سماع موشحاتها القديمة وحين
تزيح تلك الأفكار الغبية من رأسها ترجع للمنزل من نفسها أو لتبقى
عند والدها حتى تموت "


وضعت الجالسة عند السلالم والتي فهمت أغلب فحو المكالمة الإبريق
من يدها على عتبة السلم الخشبي بقوة عمدا كي يسمعه الجالس هناك ،
وذاك ما حدث بالفعل إذ رفع رأسه بسرعة ونظر لها لبرهة قبل أن
يقف على طوله وقال محدثا من في الطرف الآخر ومتجها جهة السلالم
ونظره عليها


" جدي رجاءا لا أحد يتدخل في هذا الموضوع ، تعلم أني لا أريد
أن أخطىء في حقك ولا أن يتدخل أحد في أموري الخاصة "


وصل عندها لحظتها وكما أرادت وقد كانت تسمع بوضوح الصوت
الغاضب الخارج من سماعة الهاتف والذي عكسته الملامح المستائة
والمتجهمة للواقف فوقها وقد أشار لها بإصبعه على الإبريق ثم
على نفسه فالمطبخ في الأسفل لتفهم بأنه سيقوم هو بملئه لها ثم مد
يده لذراع يدها السليمة وأوقفها منها برفق لتفهم أنه سيساعدها
لترجع لغرفتها ، ابتسمت بمكر وهي تقف مع شده لها حتى استوت
واقفعة وكان وجهها قريبا من الهاتف الذي يثبته على أذنه لأنه يقف في
العتبات المنخفضة قليلا ، جمدت ملامحه كالصخر ونظر لها بصدمة
كادت أنفاسه أن تقف للأبد بسببها حين وصله ذاك الصوت الأنثوي
البالغ الرقة بعذوبة ماء الأمطار النقي قائلة

" وقاص بالرفق أنت تؤلمني "


*

*

*


وقفت مغادرة سريرها وفتحت باب الغرفة ونظرت للممر الآخر
ولباب تلك الغرفة تحديدا ثم عادت وأغلقته ورجعت لسريرها وجلست
على حافته ورفعت هاتفها ونظرت لشاشته وللرقم فيها يعلوه اسم رعد
ولازال ثابتا على ذات الاسم منذ وقت ولم تستطع أن تتخذ قرارا
حاسما بالاتصال به خاصة أن الوقت ما يزال مبكرا وبالكاد ملأ ضوء
الفجر السماء وتخشى أيضا من غضب غسق إن هي اتصلت به ،
لم تنم ليلة البارحة أبدا لأنها تعلم أن صاحبة تلك الغرفة لم يغمض
لها جفن وكم مرة سمعت باب غرفتها يفتح ويغلق وهي عاجزة عن
فعل شيء لها ولا تعلم ما بها وبما تطفئ تلك الأم المذبوحة نار قلبها
المشتعلة على ابنتها التي لم يعد يفصلها عنها إلا أميال معدودة ،
تمتمت تهز ساقيها بانفعال


" يا حر قلبي عليك يا غسق "


هبت واقفة كالملسوعة وتوجهت للباب مجددا مسرعة وفتحته ووقفت
خارجه تنظر بصدمة للتي أغلقت باب غرفتها للتو تلبس معطفها الشتوي
وحجابها ثم تحركت من هناك وما أن اقتربت منها حتى قالت باستغراب


" غسق إلى أين تنوين الذهاب في هذا الوقت ؟ "


وتبعت بنظراتها التي لم تتوقف ووجهتها السلم المشترك قائلة ببرود


" لحوران ... ولمنزل عائلة شاهين الحالك "

*

*

*

لمست بأطراف أصابعها الجرح في طرف شفتها وتألمت ملامحها
متأوهة تنظر لانعكاس صورتها في المرآة ، للكدمة البشعة في
خدها الأيسر والدم المتجمد في طرف شفتها ، شعرها المنسدل
على ظهرها وكتفيها بإهمال وكأنها خارجة للتو من حلبة مصارعة
بل وكأنه لم يمضي يومان على ذاك الكف القاسي الذي تلقته من
يد ذاك الظالم المتجبر الذي يفترض بأنه عمها والوصي على أموال
ابنة شقيقه اليتيمة ، تمتمت بكره ترمي بمنشفة الحمام من يدها


" سحقا لي أنا ولإسم ماريه تحديدا "

خرجت بعدها من الحمام وما أن اجتازت بابه حتى توجهت
مسرعة جهة الصوت الذي كان مصدره طرف سريرها حيث تخفي
هاتفها السري وقد فتحته بعدما أخذ ذاك الوغد هاتفها وسجنها في
المنزل يراقبها طوال الوقت ، أخرجت الهاتف من مكانه تهمس
له بأن يخفض صوته وكأنه يسمعها وتستغرب أن تتصل بها زهور
هذا الوقت وهي من أنهت صلاة الفجر منذ قليل فهي لم تتصل بها
بعد تلك المرة !! فتحت الخط سريعا ووضعت الهاتف على أذنها ، ومن
دون أن تترك لها أي مجال للحديث وصلها صوتها صارخة
بصدمة وانفعال


" ماريه ثمة شاب طويل جدا و... وو .... بثياب سوداء فتح باب
منزلك الخارجي بضربة من قدمه ودخل راكضا ويركل الآن باب
المنزل ليفتحوا له ... "

رمت عند تلك الكلمة الهاتف بطول يدها وركضت جهة باب

غرفتها صارخة


" تيم "

المخرج ~


بقلم / ثلج دافىء

بسمة للماضي
(زيزفون)



ربما تبعثرني الرياح العاصفة ... ولكني لن ابقى عاكفة
اداري دموعي النازفة .... واحزن على اشياء انفة
ساضمد جروحي الدامية ... نعم لن ابقى واقفه
انضر الى نهاية بائسة ... عشت من قبل وساعيش مرة ثانية
تبين ان الجميع قلوبهم خاوية ... وكنت اضنها بالحب ضائقة
نعم لن ابقى مع الصفوف الفانية ...ساتحرر منها فالمسقبل امامية
سارسم احلامي بالوان زاهية ... واخط فيها باحرف باسمة
فالشمس تشرق بعد ليلة داكنة ... لتسطع سماء زرقاء قانية
لن توقفني الحجارة العاثرة ... نعم لن اوقف المحاولة
ساعيش حياة زاهرة .... وانهيها بحسن خاتمة
قد تدمى قدماك من الوقوف مرة ثانية ... ولكن لذة النصر هي الغالبة
نعم لن ابقى جريحة ... ساتحرر من لفظ الاسيرة
الى حياة جديدة منيرة ... انظر منها للماضي بضحكة جميلة



نهاية الفصل السادس

هالفصل كان أكثر فصل متعب ومجهد بالنسبة لي

وأكثر فصل أحس إني فشلت فيه وكتبته في أوقات

ضيقة رغم إن المدة كانت أسبوعين ، الكتابة عن

طريق الجوال أمر أعسر من العسر ذاته وما حسيت

أبدا بأني أعطيته حقه ولا قدرت أتعامل بيسر أبدا مع

الانتقال بين فقراته وتغييرها ، يعني لو شفتوه سيء

ودون المستوى فلا تستغربوا هالشي فأنا نفسي

ماني راضية عنه ومع ذلك أتمنى ينال رضاكم وايكون

يستحق انتظاركم الطويل وايكون واااااااااااااو بالنسبة

لكم مثل حبيبتي فيتامين سي لأنه لو كان الأمر عليا أنا

ما نزلته أبدا لكن ما حبيت يتأخر عليكم أكثر فإنتم عندي أهم



والشكر موصول طبعا للغالية فيتامين سي إلي لولاها بعد

الله ما وصلكم الفصل أبدا لأنها استلمت مهمة التعديل عن

طريق جهازها وتقسيم أسطر الفصل وهالمهمة صعبة جدا

خاصة مع الوقت المتأخر الي وصلها فيه الفصل وآخره

اليوم وظروفها وانشغالها ومع ذلك ساعدتني بكل ترحاب

وشجعتني ربي ما يحرمنا منها ومن مثيلاتها مشرفاتنا

الغاليات في قسم المنقول





بالنسبة للفصل القادم أو الفصول القادمة ما بتكون في

موعدها الحالي ولا في أي موعد محدد لأنه ما بيساعدني

دايما فبيكون الفصل بعد إنهائي له في أي يوم كان

وأوعدكم أحاول جهدي ما يتأخر عنكم وإني أكون متابعة

معاكم دايما عشان تطمنوا إني موجودة وإني أكتب في

الفصل وأول ما أخلص كتابة أرسله لفيتامين سي إن شاء

الله وهي تحدد لكم يوم التنزيل ،‏ يعني ما عاد فيه إربعاء

أو يوم محدد ، وأوعدكم من جديد إني أسخر جل وقتي

للكتابة عشان يصلكم الفصل في أسرع وقت وبدون ما

أرتبط بيوم محدد لأن هالشي صعب جدا

أعتذر منكم على هالخبر المزعج لكم وأتمنى تقدروا

ظروفي وربي ما يحرمني من قلوبكم الطيبة




أحبكم في الله جميعا اختكم المحبة لكم دايما ... برد المشاعر


 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 09-08-17, 09:19 PM   المشاركة رقم: 223
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
قارئة مميزة


البيانات
التسجيل: Feb 2015
العضوية: 289774
المشاركات: 1,890
الجنس أنثى
معدل التقييم: شيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسيشيماء علي عضو ماسي
نقاط التقييم: 4158

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
شيماء علي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 

يختااااااي
مااا هذه القفلة عاااا 😱😱
طب كلمتين زيادة نعرف تيمووو هيعمل ايه طااااه 😭😭
طب .. طبببب
ابو تيمااا كان قلبه حاااسس انها عترووح لبنتها بسس شكله هيقفل عليهاا الباب ومش هيسيبها ترجع تاني 👿👿
بس خليك لطيف وجيبلها ابنها نمبر توو معلش 😂

صحيح
بهذا الفصل تحديدا توني انتبه ان كاسر اخو تيما 😂😂
هياكشنوها هم الاثنين
وكيسم صار عنده سبب حقيقي للغيرة 😏😏

.
.

نروح للمهم
ما هاساا الكلام الفظيع الشنيع المريع في القفلة يا فتاة 😠
طبعا مش قصدي اطلاقا الكلام عن التغيير بالمواعيد مع انه يكسر القلب 😢
بس لو سمحتي انتبهي لبعض النقاط

واحد
الفصل السادس .. اي هذه القنبلة اللي فوق .. ناجح جدا فوق مستوى النجاح برأيي الشخصي المتواضع ومش متجرأة أعلق عليه من قراءة واحدة أولية خوفا من التخريف المعتاد

اثنين
ليه جاية تعتذري ؟
خلينا نحط على جنب ظروفك الشخصية مثلا
الوضع عندك اصلا بروحه عذر كافي والله يعينك عليه
صدقا يعني
لو مكانك ما بكتب ربع حرف .. انا اصلا بدون شيء شوية ضيق وكسل مانعيني اكتب حرف من زمان مع وجود كل اللي مفروض اكتبه ببالي
فبصراحة انتي بطلة
ثانيا الرواية اصلا متعبة
انا اعرف الكتابة بشكل يخليني افهم جدا جدا صعوبة الحروب الفكرية الي تدور براس الكاتبة وتعلقها بشخصياتها وتقمصها لهذي الشخصيات ثم تحويل الافكار لكلمات والاصعب كتابة الكلمات
يختي مرات الواحد من كثر ما يحس الحدث شخصي من منظور ابطاله يستصعب كتابته 😂
والاسوء كيف نتعذب معهم نفسيا ومعنوياا وماديا والله
اللي هو
في وقت المتابعين ناقمين ع البطل لفعل ما الكاتبة بسس تعرف نفسيته كويس وتتعذب معاه 😢😢
وثالثا الجوال والكتابة ع الجواال وعذابااات الجوال .. ااااااااه 😂😂

فخلاصة الموضوع
بالهون على روحك ياا فتاة
خذي الامور ببطاطا
ونحن هنااا ننتظر دائما لحظة الافراج عن الفصل >> حكم القوي 😂

بس ما تتأخريش بليز بلييييز 😭

وكالعادة شكر خاص لبطلتناا ام جمال ع النقل والتنسيق والطباعة والنشر والتوزيع وكل حاجة كل حاجة

كان معكم كائن البسبس الكبير في وصلة جنونية معتادة بعد فصول جنون المطر

زوغاااااان 🏃🏃

 
 

 

عرض البوم صور شيماء علي   رد مع اقتباس
قديم 10-08-17, 12:13 AM   المشاركة رقم: 224
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jul 2017
العضوية: 326437
المشاركات: 1
الجنس أنثى
معدل التقييم: وداد الحربي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 13

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
وداد الحربي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 

ابداع فوق الوصف ماهذا يا فتاه انت خطيره اول كاتبة اتابعها من بعد انفاس قطر كنت معتزلة الروايات من بعد انفاس وانت رجعتينى خذى وقتك المهم تطلعين لنا جواهر مثل هذا الفصل

 
 

 

عرض البوم صور وداد الحربي   رد مع اقتباس
قديم 10-08-17, 01:03 AM   المشاركة رقم: 225
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2013
العضوية: 261014
المشاركات: 86
الجنس أنثى
معدل التقييم: عبيرك عضو على طريق الابداععبيرك عضو على طريق الابداععبيرك عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 271

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
عبيرك غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 

شعور الواحد بعد البارت انه مسلطن ودماغه عاليه هههههه يسلم الراس الي عم يبدع ويكتب هل الدرر غسق لم تعد تستحمل حرقه قلبها وبغدها عن ابنتها فقررت المواجهه والذهاب لعرين الاسد وكم نحن بشوق لتلك المقابله التي ستجمع احمق عاشقين فهي كانت حمقاء بظنها انه خانها وهو غيرته وتصديقه لجبران يمكن يكون سبب بقراره ان يتركها لاني لااجد سبب بنقمته على الهازان الاجبران او يمكن هناك سبب اكبر ولكن انا غير مقتنعه باسبابه وخاصه منعه الجميع باخبارها عن اسبابه هل هو يريدها ان تعود له دون فهم اسبابه هذا شى يعد من سابع المستحيلات او هو قرر لوى ذراعها بتيما وجعلها وسيله للضغط عليها لتعود لان رده فعله على طلب يعقوب لغسق يظهر انه لايمكن ان يتركها لغيره وحتى فستان عرسها الذي اهدوها اياه التترانيين يظهر انه كان ينظر له طول الليل ويتذكرها وانا مع غسق ان مطر كان عادل مع الجميع الامعها وصراحه لن اغفر له حرمان ام من ابنتها فهو كان ممكن ان يجد اي طريقه ليبقيها معها او ممكن كان اخرجها معهم بس هو تصرف تصرف غير عادل معها يمكن اراد الانتقام منها لما اخبره جبران جد برد مافعله مطر بغسق لم يعجبني ابدا ولم يستسيغه عقلي ولم استطع ان اجد مبرر لافعاله رغم انني من اشد المعجبين بشخصيته ولكني اعتقد انه ناجح بعمله وفاشل بالحب واكبر دليل على نجاحه بعمله عودته القويه وكشف الفاسدين واحالتهم للمحاكمات وهذا يظهر انه متابع لادق الامور وهو راجع ويعرف ماسيفعل فهو لم يحارب ويخسر الغالي والنفيس لتعود البلاد وتتفكك او تنهب ثرواتها النفطيه فهي كما قال للوطن بس اكيد سيجد اعداء جدد وكثيرين سيقفوا بوجهه لانه يقف بوجه مخططاتهم والله يستر من القادم ومن الازمات التى ستتفجر \\\\\تيما يعجبني صبرها وبرها لوالدها رغم شوقها لامها الا انها تحترم قراراته ولاتفعل اي شى ضد رغبته وهذا يدل انه نجح بتربيتها واعتقد هذا الشى سيساعده بعلاقته مع غسق \\\\تيم بدا بتنفيذ مخطط مطر لقبول علاقه اعتقد انها لن تكتمل مع لوسي واعتقد انه بعد محادثه زهور قرر انه ان اوان اخراج ماريه من البلاد واتمنى ان يلقن عمها درس وان يستطع ان يحرمه من الاموال ويعده جربوع كما كان قبل ان يستولي على ثروتها والاهم ان يرد الالم له بس ماريه بالغربه ستتعرض لمضايقه من نوع اخر لوسي اعتقد لن ترحمها وستضايقها وخاصه اذا عرفت انها زوجه تيم الا اذا نجح باخفائها \\\\زيزفون شكلها بدات تظهر انيابها وقررت ممارسه دهاء الانثى فهس ستوقع بين وقاص وجده واكيد نجيب بس حقدها سيمنعها ان تعترف ان وقاص يساعدها ويقف معها ويريد نصرتها واخراجها من حياه الظلم ياترى هل سياتي وقت وتحس باهتمام وقاص ام بحقدها ستضيع احسن حليف لها \\\جمانه لااعتقد ان عمليه ربط او قص معدتها ستجعلها تثق بنفسها فهي فيها خلل بشخصيتها فاليس المظهر من يشعر الانسان بقيمته وانما الشخصيه والعقل وهي للاسف مليئه الجسم فارغه العقل واتمنى ان يتخلص منها وقاص قريبا فهي لاتنستحقه \\\\رعد هل انتظاره ووعده لن يتحقق بسبب قوانين القبيله ومكانتها انها ابنه رئيس القبيله ام ممكن اسلامها يساعدها بتحقيق حلمهم ووعدهم البارت روعه يا برد ونحن نقدر وضعك وبانتظارك متى ما سمحت ظروفك لاننا متاكدين انك ستكتبي شى يعوضنا والف شكر للغاليه فيتامين على تنزيل البارت والله نعرف كم تبذلوا من جهود برد وفيتامين ليصلنا البارت جزاكم الله خير وبانتظار القادم

 
 

 

عرض البوم صور عبيرك   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
(الجزء, المشاعر, المطر, الثاني)،للكاتبة, الرااااائعة/, جنون
facebook



جديد مواضيع قسم قصص من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t204626.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
Untitled document This thread Refback 27-06-17 09:03 PM


الساعة الآن 01:51 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية