لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





|[ فعاليات منتديات ليلاس]|

.:: الفعالية 1 ::.

.:: الفعالية 2 ::.

.:: الفعالية 3 ::.

.:: الفعالية 4 ::.

.:: الفعالية 5 ::.

.:: الفعالية 6 ::.



العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

قصص من وحي قلم الاعضاء قصص من وحي قلم الاعضاء


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-11-17, 07:56 PM   المشاركة رقم: 521
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 



الفصل الحادي عشر

المدخل ~

بقلم / همس النهاية

من غسق للمطر:
مرت سنين عجاف ولم أراه
كيف أصبح وهل هو مثل ماكان

هل مزال مبهرا يخطف الأنفاس
هل مزال يحمل هموم البشر المثقلة بالآسى والحرمان

لكن هذه السنين مضت والذي في قلبي
لم يكن مثل ما كان

وضعت فيه ثقتي وقلت لنفسي
وجدت سندا في هذا الزمان

وشيدت له من قلبي عرشا ومن ضلوعي
جنودا تحرسه أينما كان

وجعلت له الخافق أبيضا ناصعا
ليخط فيه لوحة من إبداع فنان

يفعل به مايريد وأقول له
لبيك يا سعادة السلطان

يا من ملكت القلب في زمن مضى وقد كان
تحول الخافق للوحة سوداء وختم على العرش بلون أحمر قان

فما كان كان ولن يرجع مثل ماكان

**********

عبرت بهو المنزل الواسع مسرعة وتناثر شعرها الأسود الناعم

المموج مع دورانها لدخول الممر فأبعدته بيدها وركضت مسرعة

جهة ذاك الباب المغلق هامسة بابتسامة

" جدي ... "

فلن تتخيل أنه ثمة رجل غيره قد يسكن منزلهم ويسمح والدها بذلك

ولا أن يدخل مكتبه في هذا الوقت الذي يختاره ليكون في منزله فلم

يسبق أن فعلها الأيام الماضية ، وصلت الباب وأمسكت مقبضه تعض

طرف شفتها مبتسمة بسعادة وأدارته فورا وخلال جزء من الثانية

كان مفتوحا بوسع ذراعها الممدودة فتصلبت مكانها كلوح من خشب

حين كان في مواجهتها والدها الذي كان يدير ظهره للباب جهة طاولة

مكتبه يسند كفه على مجموعة أوراق فوقها .. لكن ما جعلها تتصلب

مكانها لم يكن ذلك بل صاحب الجسد الطويل والذي كان يدير ظهره

لها أيضا مقابلا النافذة الزجاجية الطويلة يداه في جيبي بنطلونه ....

هذا ليس جدها ! ما هذا الذي فعلته وما الذي لازالت تفعله هنا !

كانت قدماها ترفضان التحرك من مكانهما فقد علق نظرها على

الكتفان العريضان والشعر الأسود الذي حف ياقة تلك السترة

الرمادية وتصاعدت ضربات قلبها مع أنفاسها المتلاحقة حتى باتت

الأرض تدور من تحتها فيبدو أن طيف ذاك الرجل أصبح يلاحقها في

كل مكان ، كانت أجزاء من الثانية فقط تلك التي فتحت فيها الباب

والتي شعر فيها الواقف هناك بما يجري خلفه وصورة الفتاة التي

ظهرت له في زجاج النافذة فلم يكن لديه هو الوقت لإمساك قوته

ألا ارادية للإلتفات ولا هي للتراجع أو الهروب وهي تراه يدور

بكامل جسده ناحيتها في حركة واحدة .... فقط عيناها الواسعة

وحدقتاها الزرقاء الصافية من تغلبت على كل ذلك الجمود وهما

تتسعان بذهول وشفتاها المتساويتان تنفرجان في شهقة صامتة

لو تركت لها العنان لسمعها جميع من في هذا المنزل وعيناها

تتوجان هذا المشهد بدموعها الرقيقة التي سارعت للاختباء بين

رموشها الكثيفة ومقلتيها الواسعة ، شعرت لحظتها بأنها خرجت

للتو من ذاك الملهى و ركضت في ذاك الشارع واختبأت من كل

شيء في ذاك الحضن وهي تراه أمامها هنا وفي منزلهم وتلك

العينان السوداء التي أرقت نومها لليال تحدق بها بصدمة لم تقل

عن صدمتها شيئا فكيف للأقدار أن تجمع من افترقا خلف كل تلك

الأميال والقارات ! كيف للصدف أن تفتح بابا بكل ذاك الاتساع

لتجمع قطري الإرض في مكان واحد ! تدحرجت الدمعة اليتيمة

من عينها كقطعة ألماس على ذاك الخد الثلجي وتمنت لحظتها أن

اختفت من الوجود تماما وهي ترى نظرته تتحول للجمود وكأنه قرأ

تلك الأفكار التي تخبره بأنها تمنت الموت على أن تراه مجددا رغم

أن اللقاء وحده ما كان قد يشفي ذاك القلب الصغير العليل

" بقائك في حوران ليس عليه أن يكون مرتبطا بوجودك في هذا

المنزل يا قاسم لكني أحتاجك قريبا مني الفترة القادمة "

جملة مطر تلك كانت وحدها ما اجتاح تلك الثواني القليلة الفاصلة

بينهما وهو يرفع نظره بالواقف عند النافذة أمامه والذي كانت

عيناه تتسعان تدريجيا لشيء ما خلفه مما جعله يلتفت بسرعة

البرق وهو يراه يقفز ناحية ذاك المكان راكضا لينتبه حينها فقط

أن باب المكتب مفتوح وأنه ثمة جسد تهاوى متمسكا به كطوق

نجاة فأسرع راكضا هناك أيضا لكن يد الذي قفز مجتازا له كانت

الأسبق وذراعه تمسكها عن السقوط أرضا وقد ارتمى رأسها على

كتفه بسبب سحبه لها جهته وعانق ذاك الشعر الحريري عنقه

وياقة سترته ، امتدت يد مطر لوجهها ورفعه مبعدا شعرها عنه

وضاربا لخدها وهو يقول بقلق

" تيما... ما بك ؟ "

قبل أن ينقل نظره للذي كان ينظر له بصدمة من سماعه لذاك

الاسم والذي همس حين لاحظ نظرته له هربا من أي شكوك قد

تنتاب ذاك العقل الذكي

" ما أن فتحت الباب أغمي عليها "


وأبعدها عنه برفق حين شد مطر ذراعها قبل أن يحملها بخفة

بين ذراعيه وخرج بها من هناك مسرعا وتلك الخطوات تتبعه

لا شعوريا


*
*
*
رمت اللحاف عنها وقفزت خارج السرير وركضت جهة ذاك

الصوت المنادي باسمها ، أبعدت الستائر وفتحت النافذة التي

علقت فجأة وعلى غير العادة فبدأت تحركها بعنف هامسة من

بين أسنانها

" تحركي "

انفتحت على اتساعها ودخل الهواء البارد مندفعا بقوه محركا

الستائر خلفها مع خصلات شعرها التي تناثرت حول وجهها

بطريقة جنونية وتلاحقت أنفاسها الساخنة تعبر شفتيها

المنفرجتان وهمست تنظر للظلام الأسود في الخارج وحدقتاها

تنسخان صورا للمكان الساكن

" تيم !! "

ملأت الدموع عينيها وهي تنظر لأوراق الأشجار التي تحركها

الريح وصوت حفيفها الخفيف يتناغم مع أصوات حشرات الليل ،

أخرجت نصف جسدها ونظرت للمكان لكن يداها سرعان ما تعبتا

وشعرت بتقلص مؤلم في معدتها المستندة بها على النافذة

المفتوحة ، استقامت في وقوفها وأستدارت نحو الداخل مبعدة

باستعجال قماش الستائر المتطاير أمامها وركضت جهة باب

الغرفة فتحته وخرجت راكضة عبر الممر المظلم سوى من تلك

الأضواء المتسللة من النوافذ المطلة على الخارج ، وصلت الباب

الخلفي للمنزل ورفعت جسدها لتقف على رؤوس أصابعها وسحبت

المفتاح المخابأ في حافته العلوية كما أطلعتها سيدة هذا ا لمنزل

سابقا قائلة بصوتها اللطيف

( نحن لا نأمن الجريمة هنا ماريه حبيبتي وهذا الباب يوصل فورا

للخارج وليس الجميع يعلم مكانه (

فتحت الباب وخرجت راكضة تسابقها خطواتها للدوران حول

زاوية المنزل حيث نافذة غرفتها المفتوحة ، وقفت هناك تدور

حول نفسها تنظر لكل شيء حولها تتراقص تلك الخصلات البنية

مع نسائم الهواء الثائرة كتلك العاطفة المجنونة داخلها وكضربات

قلبها المتراقصة كقماش ذاك القميص القصير محتكا ببشرتها

الناعمة ، مسحت بباطن كفها عيناها تكرارا وبدأت بالركض في

دوائر متقاطعة تنظر لكل ذاك الظلام حولها ولا شيء سوى الفراغ ...

السكون ... والسواد ، كداخلها الخاوي تلك اللحظة بل كماريه

الطفلة التي كبرت وحيدة تائهة حزينة تجدها في وجهها الآن

تصفعها بيد الواقع المرير ، تباطأت خطواتها ترسم تلك الدموع

الدافئة جرحا جديدا غائرا في داخلها كما ترسم مسارها فوق

وجنتيها الباردتين ووقفت عند طرف النافورة الحجرية الساكنة

صارخة ببكاء قد شق الظلام الساكن أمامها

" تييييييييييييييييم "

كانت تعلم أن ندائها الباكي هذا ليس سوى دعابات تتناقلها أطياف

الليل مع الريح ، ليس سوى حماقة تتنازع في قلب أنثى أجوف خالي

من كل شيء ، حقيقة رغم قسوتها لم تستطع استيعابها ولا الوثوق

بها وهي تضرب بقدمها الأرض صارخة ببكاء أعنف

" تيييم ... أين أنت يا أحمق ؟ "


*
*
*

اتكأ برأسه للأعلى ورفع السلاح بجانب وجهه وهمس من بين

أسنانه محدثا الواقف بقربه

" سحقا الوقت يسرقنا "

نظر بعدها لمعصمه وللساعة فيه ثم لتلك النافذة القديمة المكسورة

والتي تكشف المبنى القابع خلفها وتحديدا تلك الشرفة المغلقة

وأطياف الأشخاص الموجودين خلفها قبل أن ينظر للجانب الآخر

يحرك معصمه ليرسل ذاك الزجاج العاكس في ساعته الخاصة

إشارة سريعة للواقفين على مبعدة منهم فبدأت الخطوات خلفهم

بالتراقص فوق تلك الأغصان اليابسة وكل واحد منهم يأخذ مكانه

عند النقطة الأقرب للمكان ، أخرج الهاتف المثبت في حزامه حين

عاد للاهتزاز مجددا وما أن نظر للرقم الموجود فيه حتى همس

شاتما بحنق وفكر للحظة في أن يرميه أرضا ويحطمه بحذائه

الثقيل لولا احتياجه له فهذا الجهاز هو ما يربطه بالجميع حوله ،

تحرك خطوتين واستدار خلف تلك الزاوية ووضعه على أذنه

وهمس ببرود شادا على أسنانه ونظره للخلف

" لوسيانا ما الذي تريديه مني تحديدا ؟ وكيف استطعت الإتصال

بهذا الجهاز الأخرق الذي لا يستطيع أحد اختراق أمثاله "

وصله صوتها الأنثوي الرقيق الحانق فورا

" تيموثي اسمي هو لوسيندا وليس لوسيانا ، أخبرتك بالأمس

أن والدي ينتظر لقائك في حفل العشاء المقام في منزلنا الليلة

وأخجلتني أمامه حين لم تأتي ، أنت أول شاب أتعرف عليه يطلب

بنفسه أن يقابله ... ما هذا الذي فعلته ؟ "

اتكأ برأسه على الجدار وسرق نظره للخلف مجددا حيث بدأت

تلك الإشارات الضوئية الصغيرة تتابع وهمس بحدة

" أخبرتك أني لن أكون في لندن وأني لا أستطيع تلبية تلك الدعوة ،

لا يمكن أن أكون قطعة من ممتلكاتك الخاصة تتحكمين بها كيف

تشائين لوسي أتفهمين هذا ؟ "

خرج فورا أنينها المحتج متذمرة برفض لإنتقاده اللاذع لها فلأول

مرة تواجه بحقيقة عيوبها فقد اعتادت أن تعيش وسط عالم من

الزيف وكأنه حقيقي تماما وهي لا تسمع سوى الإطراء والمديح ،

تحولت نبرتها لما يشبه البكاء الأنثوي المزيف قائلة

" أنت قاس معي كثيرا تيموثي حتى أنك رفضت بكل قسوة

دعواتي السابقة لنقضي أمسية وحيدة لوحدنا ونتناول الطعام

في أي مكان تختاره أنت "

شد على أسنانه بقوة ويكاد يحطم الهاتف في قبضته ، يعرفها

جيدا ولن يتخلص من إزعاجها الليلة أبدا ولا وقت لديه لمجاراة

عناد مدللة مثلها ، همس بضيق مستسلما

" نتقابل غدا مساء اتفقنا ؟ "

لم تجاهد لتخفي الحماس أبدا في صوتها وهي تقول

" جيد اتفقنا سأختار أنا المكان ولا تعترض أبدا "

نزل بجسده للأسفل وأخرج مسدسه المثبت في ساقه وأستوى

واقفا وهو يهمس وقد عاد لمكانه السابق

" اتفقنا "

أعاد الهاتف لحزامه وتحرك مجتازا الواقف هناك والذي أمسك

بيده ونظر لعينيه هامسا

" تيم ما الذي تنوي فعله ؟ "

سحب يده منه قائلا

" سأقتحم المكان لا يمكننا إضاعة الفرصة ببزوغ ضوء الفجر "

شده من كتفه وأداره ناحيته هامسا بحزم

" أنت تلقي بنفسك للموت يا رجل ، المكان محصن واقتحامك له

معناه هلاكك فلا تترك مصيرك للمصادفات "

نظر لعينيه تلك النظرة العنيده القوية التي لا يخاف صاحبها شيئا

ولا الموت وهمس بتصميم

" كيف تكون رجلا في القوات البريطانية الخاصة وتتفوه بعبارة

كتلك ؟ الموت لا يغير رأيه في آخر لحظة ، هو يأتي مرة واحدة

ودفعة واحدة حتى إن كنت نائما في سريرك "

وضع بعدها الحقيبة على كتفه وهمس وهو يقترب من حافة النافذة

" تحركوا حين تصلكم إشارتي "

وقفز ما أن أنها جملته تلك ليسمع الواقف هناك فورا صوت احتكاك

الحبال المشدودة بالجدار وقد تنفس بضيق متمتما

" لا أرى الكولونيل جايرو يختارك إلا متعمدا لأنه يعلم أنك ستفعل

هذا يا متهور "


*
*
*

شعرت بذاك العطر القوي يخترق أنفاسها وصولا لرئتيها

وبالأصابع الباردة التي كانت تعبث بأزرار بلوزتها الحريرية

فقفزت جالسة بشهقة تمسك ياقتها بقوة تنظر بذعر للطيف

الضخم الواقف فوقها وتنفست بارتياح ما أن اكتشفت بأنه ليس

سوى والدها ... وأخذت أنفاسها تلك تتسارع في صدرها درجة

أن شعرت بأن أزرار ذاك القميص الضيق ستتناثر على الأرض

كاشفة عن كل تلك المعالم الأنثوية الناضجة المخبئة تحت قماشه

الناعم ، كانت حدقتاها الزرقاء الواسعة المليئة بالدموع تحدق به

بضياع وكأنها تراه في ذاك الماضي البعيد وهي طفلة حين كانت

تخطئ ويوبخها بحزم أبوي صارم وبعيدا عن أي مظهر من مظاهر

العنف لكنها الآن تشعر بأن ذنبها أعظم من أن يقتصر على تلك

الكلمات الحازمة التي كانت تعلمها أن الخطأ عليه أن لا يتكرر

مجددا وتحت أي مسمى كان ، كانت شفتاها جافتان فوق ارتجافهما

وقد زمتهما في خط واحد ما أن لامس إبهام الواقف فوقها رموشها

ماسحا الدموع من عليها قائلا بقلق وإن كان قد تخلله الكثير

من الجدية

" تيما ما بك ؟ "

حاولت تحريك شفتيها المتصلبتان وإخراج الحروف من حلقها

المتحجر لكنها لم تعلم ماذا تقول وكيف ! تحركت حدقتاها يمينا

ببطئ لتلمح ذاك الطيف الذي لم تشعر بوجوده هنا ... الواقف قرب

سريرها يديه في جيبيه يلوذ بصمت قاسي مبهم شعرت به كالسياط

على جلدها البارد حد التجمد ونظراته التي وإن لم تراها كانت تشعر

بأنها تخترقها لعمق أعماقها وتعري أفكارها فوحده في ذاك المكان

من يملك الإجابة التي تعجز هي عن قولها ، أمسكت بتلك الكف

الدافئة التي عادت لمسح الدموع من رموشها السوداء الكثيفة

وكأنه يرفض أن تفارقها وقبلت كفه باكية وقالت

" أبي سامحني ولا تحكم على الأمر حتى تستمع لي وللنهاية "

جمدت نظرات مطر على ملامحها الجميلة الباكية التي جمعت

حسن جدتها سلالة قبيلة غزير وعينا جدة والدتها الخماصية

وجاذبية تلك الفاتنة ابنة الحالك التي أنجبتها فجمعت شرق البلاد

وغربها وجنوبها في أنثى متكاملة نضجت قبل أوانها وفاقت أقرانها

في كل شيء ، نزلت بكفه لصدرها تحضنه بكلتا يديها وتحركت

شفتاها بتردد تترجى الحروف أن تخرج لكن الذنب أحيانا أعظم

من أن نعترف به بسهولة

" أرى أن ابنتك تحتاج لأن ترتاح قليلا يا مطر "

تلك العبارة الرجولية وذاك الصوت الخشن الكسول كان ما قطع

تلك اللحظات القصيرة جدا التي تكابدتها بين صراع الخوف

والاعتراف جعلت نظرات الواقف فوقها تنتقل هناك فشدت على

يده ما أن شعرت بأنه سيسحبها من قبضتها وينساق خلف تلك

الفكرة وقالت برجاء رافضة لأن يتوقف الأمر عند ذاك الحد لتبقى

نصف مذنبة ونصف امرأة بريئة

" أبي أرجوك ثمة ما عليا قوله لك "

نظر لها مجددا ولم يترك أيا منهما المجال له ليخرج من ذاك

الصمت المبهم ونظره ينتقل سريعا لليد التي أمسكت بكتفه وشدت

عليه بقوة قبل أن يصعد للعينين السوداء خلفه والملامح الجادة

الجامدة التي قال صاحبها

" اتركها ترتاح قليلا ولننهي حديثنا الذي قطعناه في مكتبك "


وما أن أنهى جملته تلك نظر للتي كانت تنظر له بعينان دامعة

غاضبة قد هاج في مقلتيها ذاك البحر الهادئ فجأة ، نقلت نظرها

هربنا من نظراته العنيده المتوعدة ونظرت للذي كانت تمسك يده

بأصرار وما أن حاولت التحدث مجددا حتى علا صوت رنين هاتفه

في جيب سترته فارتخت قبضتاها ببطء سامحة ليده بأن تتحرر

منهما وقد استقام واقفا وأخرج هاتفه فورا ونظر لشاشته عاقدا

حاجبيه ثم مد يده لوجنتها مجددا وهمس وهو يضعه على أذنه

ودون أن ينظر لها

" سنتحدث لاحقا يا تيما "

وخرج مجيبا على هاتفه دون أن ينتظر تعليقا منها فدفعت جسدها

فوق السرير وأنزلت قدميها للأرض وتحركت مسرعة جهة الباب

الذي خرج منه منادية

" أبي انتظر "

لكن الأصابع التي التفت حول ذراعها النحيل منعتها من التقدم

خطوة أخرى نحو الباب وهو يديرها بقوة جهته جعلت ذاك الشعر

الأسود يلتف حولها قبل أن يتساقط على ظهرها تباعا وقال بحدة

ناظرا لعينيها

" مجنونة ... ما هذا الذي تريدين قوله له ؟ "

سحبت ذراعها من قبضته وقالت بحدة مماثلة

" الحكاية كاملة طبعا "

مد يده وذراعه بطولها كحاجز بينها وبين الباب صارخا بها

" أي حكاية تلك التي ستخبريه بها ؟ بأن ابنته تتسكع في الملاهي

الليلية برفقة مجرمي المافيا "

صرخت فيه من فورها

" بل بما تعرفه أنت عن ابنته "

شعر بكلماتها تلك كصفعة مباشرة له ، قسما أنها ابنة والدها فقد

فضلت الاعتراف بذنبها أمامه مهما عظم حجمه على أن يكون قيد

من نار يلفه هو حول عنقها فغيره كان سيفكر في استخدامه

لتحريكها كيف يشاء ، أم أنها تظنه فعلا من ذاك النوع السافل ؟

تراجعت لا شعوريا خطوة للوراء حين رأت الغضب يشتعل في

عينيه وسرعان ما صرخ فيها

" هو لا يتهاون عن الزلات منا نحن الرجال فكيف بامرأة ومن ...

ابنته ! قسما أننا نحن الرجال نخشى من غضبه إن أخطأنا فكيف

تفعلينها أنتي بدم بارد ! "

انتقلت شرارة ذاك الغضب لها فورا يلمع في مقلتيها الزرقاء

كلهب اشتد درجة حرارة اللون فيه حتى وصل لتلك الزرقة النارية

وقد قالت بغضب مماثل أنساها هشاشتها أمام ذاك الرجل

" لم تكن سوى تلك المرة وأستطيع أن أشرح له الأمر فاتركني

وشأني "


رفع ذراعيه جانبا مبرزا عضلات ذاك الصدر العريض الملتف

بقميص قطني ضيق من تحت تلك السترة الرمادية وقال بسخرية

" تشرحين له ماذا يا فتاة ؟ لا أصدق أن عمرك بعمر سنين غربته

تلك ! هذا أمر يفترض بأن لا تفكري مجرد التفكير في فعله وإن

كنت فوق الثلاثين "

قالت من فورها وأنفاسها تتقطع في حلقها

" كان خطأ بت على استعداد لتحمل عقابه عليه "

وملأ الألم عينيها وهي تنظر لملامح وجهه وقد أشاح به جانبا

يتنفس بغضب ممسكا لخصره النحيل بيديه ولازالت عضلات

صدره ترتفع وتهبط بانفعال ، لما كان على دروبهما أن تتقاطع

بهذا الشكل السيء ؟ لما يعجزها في كل مرة بشكل مختلف عن

شكره ... ممتنة له أجل وليست تتخيل ما قد يكون وضعها الآن

لولا وجوده تلك الليلة وإنقاذه لها دون تفكير في عواقب الأمر
عليه فهل لأنه ..... ؟

" كنت تعرف من أكون ؟ "

همست بها بألم وبحزن وبالكثير من الأسى وبطريقة جعلته

ينظر لها فورا ... لعينيها الفاتنة وحاجباها الرقيقان المقوسان

بحزن ولملامحها الطفولية الجميلة ... نظرة كانت كفيلة بدمج

النار بالثلج في صدره وبجعله يرفع رأسه عاليا ليزفر ذاك

التناقض في مشاعره ليسحبه لرئتيه مجددا مع الهواء المحمل

بعطرها الذي بات يملأ المكان بقوة بعد استخدام والدها له لتفيق ،

همس من بين أسنانه ما أن عاد بنظره لتلك العينين

" لو كنت أعرفك لسحبتك من شعرك ما أن دخلت المكان برفقة

ذاك المنحل أخلاقيا "

ملأت الدموع عينيها سريعا وارتعشت تلك الشفاه المزمومة

فالموقف ووجوده وغضبه واستيائه منها ... كل ذلك كان أكبر

من أن يستحمله قلبها الصغير الممتلئ بالألم والذنب .

" لا تبكي ... "

همس بتلك الكلمة بأمر يلعن نفسه وغضبه الذكوري الذي لم يكن

يعبر سوى عن رجل شرقي يدفن داخل كل من أراد ذلك أو رفضه

ولم يراعي الموقف ولا صدمة الموجودة أمامه ، أخفض رأسه

للأرض وأمسك عينيه بأصابعه يغمضهما بقوة فهو يحتاج فقط

لأن يهدأ كي لا تتهور هذه الطفلة وتخبر والدها وحينها لن يضمن

رد فعله أبدا وهي المتضرر الوحيد ... لما يزعج نفسه بالخوف

على مصيرها فهي أخطأت ولتتحمل نتائج خطئها ... بل لما تدفعه

تلك القوة في داخله لمنعها من ذلك بما أنه لن يكون ملاما أمامه

أبدا بل سيقدر له ما فعل وإن لم يصرح بذلك .

" لم يكن هذا رد فعلك حين التقينا في القطار ! "

رفع رأسه ونظره لعينيها الدامعة مجددا حين وصله ذاك الصوت

الحزين مختلطا ببحة بكاء مكتوم وعبرة مسجونة في حلقها فاهتز

بعنف من الداخل وعاد ذاك التمزق في مشاعره المتناقضة فهل

بحث فعلا لأيام عنها دون دليل ولا أي معلومات تخصها وهي

تنتظره هنا ويصدمها بعنف ما أن يراها ! هل كان من الجنون أن

يقرر بأن يقتحم حصون غيره ليسلبه امرأة من حقة وحده دون

تفكير في عواقب كل ذلك ثم الآن وحين وجدها .... ! وهذا السؤال

الذي حاصرته به هذه الداهية الصغيرة !! همس بنبرة هادئة هذه

المرة رغم الجمود في ملامحه ناظرا لزرقة تلك الأحداق المدورة

" حينها لم تكوني جزءا مني يا ابنة مطر "

وتحرك مجتازا لها وتاركا تلك العينان الدامعة مشدوهة بصدمة

ومخلفا مشاعر مدمرة حد الضياع لامرأة لم يكفيها أن تتبع جسده

الرجولي ورائحته بجسدها فقط بل تحركت من مكانها بخفة ذاك

الجسد الغض الصغير وسبقته لتقف بينه وبين الباب الشبه

مفتوح والذي اغلق بسبب استنادها عليه وحدقت بعينيه فور

وقوفها أمامه وهمست بأسى

" من أنت ؟ "

كان السؤال أقسى من أن يجيب عليه ويعلم بأنه أقسى من أن

تستقبل هي جوابه منه فحرك رأسه بعيدا عنها وكأنه يطرد منه

تلك الأحرف التي تعسر عليه احتوائها ، رفع ذراعيه جانبا ما أن

عاد بنظره لعينيها وقال

" من أنا .... ؟ أخبريني من أين سأبدأ تحديدا يا ابنة مطر شاهين ؟ "

شعرت بذاك الاسم كسكين غرسه في صدرها وكأنه يذكرها في كل

مرة ينطقه فيها بعظم ذاك الذنب الذي اقترفته وهو عظيم وقاتل

بالفعل فهل لها أن تنكر ذلك ؟ شعرت بقلبها يقفز في صدرها من

شدة جنون ضرباته ما أن سند يديه على الباب خلفها محاصرا

لها بينهما ونظر لعينيها القريبتان منه قائلا

" من أني ابن عمة والدك أم من أني ابن عمة والدتك أم بأن

جدك يكون خالي "

أمسكت حينها فمها بكفها وانزلقت الدموع التي ملأت تلك

الأحداق الواسعة تعانق الوجنتين الزهريتين المرتفعتين تكتم

عبرة لم يعد باستطاعة شيء كتمانها وهي تخرج أنينا من بين

تلك الأضلع وكأنها تحطمهم لتتحرر في معركة يثبت فيها كل

واحد منهما وجوده .

" توقفي عن البكاء يا تيما "

جملته الحازمة الآمرة تلك وهو يضرب بكفه على الباب خلفها

لم تزد الأمر إلا سوءا وقد أخفضت رأسها ودست وجهها بين

يديها تبكي دون قيود هذه المرة فلا أعظم من ذاك الذنب الذي

ارتكبته ولازالت تتجرع مرارة الندم عليه سوى أن تعلم بأن من

شهد على ارتكابها له ومن حفرت ملامحه في داخلها للأبد ومن

حملت له كل ذاك الامتنان فقط لأنه أعادها لنقطة الصفر قبل

ارتكابها لتلك الحماقة واختفى في صمت أن يكون أقرب لها مما

كانت تتصور ومما قد يرسم عقلها من خيالات فلم يكن بمقدورها

أبدا إمساك تلك الدموع التي لن تغسل أبدا ذنبها وحماقتها تلك فها

هي تحاصرها بواقع أقسى مما حدث بكثير ، فكيف تهرب من ذنب

خطيئة وهو دربك الوحيد لتصل لأمنيات قلبك المستحيلة .

شعرت بتلك الأصابع تتخلل خصلات غرتها التي انسدلت على

كفيها بنعومة ... أصابع من قبض يده أمام وجهها لوقت يمنع

عقله من فعلها في حرب كان يعلم من المنتصر فيها من قبل أن

يشعلها لكن لمسته تلك أعقبها قسوة رجولية وهو يرفع رأسها

قائلا بضيق أقرب للتوبيخ

" البكاء لن يجدي في شيء الآن هل تريدي أن يغمى عليك مجددا "

وأردف يمسك ابتسامة ساخرة وتلك الخصلات الحريرية تنساب

كالماء من بين أصابعة

" ليجدك والدك في حضني هذه المرة أيضا ومن ينجينا حينها من

الروبوت الموجود في عقله "

رمت يده عنها وضربت صدره بقبضتها قائلة بضيق زادته بحة

البكاء في صوتها

" أبعد يدك عني واخرج من غرفتي "

وضع يديه في جيبي بنطلونه وقال مبتسما من تهربها من

النظر لعينيه

" حسنا ابتعدي عن الباب لأخرج "

تحركت حينها جانبا وأولته ظهرها تمسح دموعها بطرف كم

قميصها ولازالت شهقاتها بسبب كل ذاك البكاء تتمرد على

أضلعها تخرج مع أنفاسها كطفلة آلمها البكاء لساعات ، انتزع

نظراته عن ذاك الجسد والشعر الأسود المتساقط كالليل فوق

قماش ذاك الحرير الأبيض وتنفس بعمق ثم تحرك وفتح باب

الغرفة وقال

" لا أنصحك بما تنوين فعله فصدمة الرجل في امرأة من أهله

معناها طعنة عميقة في رجولته كما أن فقدان المرأة ثقة أقرب

الأشخاص لها تعني دمارها نهائيا يا ابنة مطر "

وغادر مغلقا الباب خلفه بعدما فتح جرحا جديدا غائرا في روحها

وبكاء عاد ليحطم أضلعها من جديد فهي فقدت ثقته هو في كلا

الحالتين فلما تفقد ثقة والدها أيضا ، ركضت جهة سريرها

وارتمت عليه تكتم كل ذاك البكاء والعبرات في أغطيته الناعمة


*
*
*

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 01-11-17, 08:00 PM   المشاركة رقم: 522
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 


*
*
*

رفعت الهاتف وأجابت فورا على ذاك الرقم الذي كان يضيء شاشه ،

ليست معتادة على الإجابة عن أرقام لا تعرفها لكن هذا الرقم المميز

لا يمكنها تجاهله أبدا ، حمحمت قليلا ليتخلص صوتها من أثر

بكائها بعد مكالمتها لغسق ووضعت الهاتف على أذنها وأجابت

" مرحبا من معي ؟ "

شعرت بقلبها قفز من مكانه فور أن وصلها ذاك الصوت الرجولي

الفخم العميق والذي استطاعت تمييزه فورا من بحته المميزة

والواضحة حين قال بجدية

" مرحبا يا جليلة "

نظرت للهاتف مجددا وكأنها سترى صورته فيه لتتأكد أكثر بأنه

هو المتصل ! أعادت الهاتف لأذنها حين سمعت صوته ينادي

باسمها لمرة واحدة وقالت

" آسفة سيدي لم أكن أعلم بأنك تعرف رقم هاتفي لذلك أنا متفاجأة "

وصلها صوته من فوره

" بل وأعرف جميع تحركاتك طيلة الأربعة عشرة عاما الماضية

وجميع أرقامك السابقة ، ألست من المقربات من غسق شراع ؟ "

ملأت دمعتها عينيها فورا وشعرت بالأسى على نفسها حد المرض

فها هم الرجال حقا ، لا تنكر بأنه جرح ابنة خالتها وتركها تعاني

الفقد مضاعفا لكنه لم يفرط في انثاه أبدا ... كان قريبا منها وإن

كان بعيدا جدا ، تمسك بالرابط الذي جمعهما وإن كان شكليا ...

كان رجلا وفيا وأين هم الآن الأوفياء من الرجال ؟ جرحها أجل

لكنه يعرف كيف تشفى الجراح وكيف ينتشل الألم وإن بالقسوة

كما قال ، وصلها صوته متابعا كلامه وكما توقعت لم يهتم لتعليقها

على ما قال سابقا

" ثمة أخبار ستعجبك بالتأكيد "

اتسعت ابتسامتها وأدمعت عيناها فورا وشعرت بأن أنفاسها

ستتوقف وليست تعلم كيف خرج صوتها حينها

" هل وجدتهم ؟ أ.... "

قاطعها بجدية

" بل دخلوا البلاد منذ دقائق "

وقفت على طولها ونزلت دموعها فورا وقالت بعبرة

" يا إلهي لا أصدق هذا ؟ لقد بحثت عنهم كثيرا ،
كم حاولت أن أ.... "

وقطع حديثها بكائها من جديد تمسك فمها بيدها فلم تكن تتوقع

أن يحقق طلبها ذاك منه في وقت قصير بل في ساعات يوم واحد

فقط وهي من سبق وحاولت بجميع الطرق ولم تنجح !! وصلها

صوته من جديد قائلا بجدية

" لن يكون الأمر صعبا على وزارة خارجية بلاد بأكملها يا جليلة

ولست أعتقد بأنه كان صعبا عليه كذلك وأخشى أن لا يعجبه

تصرفك هذا "

مسحت دموعها وقالت ببحة

" لكني طلبت منك أن تفعلها إن تأكدت من تلك المعلومة أولا

أليس كذلك ؟ وبما أنهم دخلوا البلاد فشكوكي كانت في محلها "

وتابعت وقد عادت دموعها للنزول

" شكرا لك سيدي أقسم أنك قدمت لي معروفا لن أنساه ما حييت ،

جميلك هذا في عنقي حتى أموت "

قال مباشرة

" لا داعي لشكري يا جليلة فأنا لم أفعله من اجلك فقط بل ومن

أجله أيضا ، أنتي من سيكون في استقبالهم كما طلبت ورجالي

سيوصلونهم حتى المنزل ... هل يمكنني قول وداعا الآن ؟ "

شكرته مجددا بعينان دامعة وصوت باكي وأنهت الاتصال معه

ورمت الهاتف في حقيبتها وأسرعت جهة الخزانة غيرت

ملابسها وجمعت شعرها الطويل باستعجال وقد ربطته ببعضه

ولفت حجابها سريعا من دون حتى تثبته بدبوس وأخذت حقيبتها

وخرجت من الغرفة ونزلت السلالم مسرعة فوقفت والدتها في

طريقها والتي كانت خارجة من جهة المطبخ وقالت تجمع كفيها

عند وسطها

" إلى أين يا جليلة وفي هذا الوقت ؟ "

شدت قبضتها على حزام حقيبتها وقالت

" لمنزل غسق "

لم تستغرب نظرة الغضب والرفض التي رأتها في عيني والدتها

والتي قالت ما توقعته تماما

" جليلة هل جننت ؟ لو كان الرجل يريدك لجاء من نفسه هنا ،

حتى أنه لم يتصل بك أبدا ، إن كان يريد رؤيتك فليأتي أو

ليأخذك لمنزله بدلا من تهميشك هكذا "

نفضت يدها وقالت باستياء

" أمي أتركيني أفعل شيئا صحيحا واحدا في حياتي "

نظرت لها بصدمة واستنكار قبل أن ترفع يديها ثم بدأت بالعد

على أصابعها قائلة بضيق

" أنتي من بين شقيقاتك جميعهن من أنهت دراستها بل ووقف

رماح في وجه الجميع وسافرت للخارج لإكمالها ، ووحدك من تعمل

من بين نساء العائلة ، أنتي فقط من عصت أوامر والدها ورفضت

الزواج حتى أصبحت في منتصف العشرين وشقيقاتك تزوجن قبل

أن يصلن سن التاسعة عشرة ثم تزوجت من ابن رئيس البلاد حلم

أي فتاة غيرك ... كل هذا ولم نتركك تفعلين أمرا سليما في حياتك !! "

ملأت الدموع عينيها فورا وقالت بألم

" كل هذا لم يكن سوى حماقات ، كله فعلته من أجل شيء لا يستحق

أمي وحين صحوت على الحقيقة القاسية اكتشفت أنه مجرد سراب لا

أملك منه شيئا "

نظرت لها الواقفة أمامها بعدم فهم وقالت بنزق

" حدثيني بالعربية لأفهم يا ابنة يونس "

نفضت يدها مجددا والحقيبة فيها وقالت باستياء

" معناه أني لن أتنازل عن الطلاق هذه المرة "

شهقت والدتها في وجهها حتى ضنت أنها ستموت وتنقطع

أنفاسها قبل أن تصرخ فيها بغضب

" ما هذا الذي تنوين فعله يا حمقاء ؟ مطلقة بعد كل هذه الأعوام !

من هذا الذي سيرحمك بعدها ؟ ألا يكفيك ما قيل عنك حتى الآن

بسبب زواجك الصوري ذاك ؟ ألست من كان يصمت عن كل

ما فعله ابن شراع وهو يتركك معلقة هكذا ؟ "

صرخت فيها أيضا

" ليس يعنيني ما سيقال عني ولن يؤثر بي أبدا ورماح لم

يخطئ في حقي يوما بل أنا من فعل وبسببي تحطمت أحلامه

أيضا ولن يستمر هذا الوضع بعد الآن "

قالت التي تكاد تشد شعرها بسبب ما تسمعه منها

" لا بارك الله فيك يا جليلة لم يجلب لنا الفضائح غيرك ولن ينجوا

منها والدك هذه المرة بالتأكيد ، وتذكري فقط بأنه لن يقترب من

بابنا رجل آخر وأنتي طليقة ابن شراع وقد تجاوزت الثلاثين عاما

إن كنت نسيت ذلك "

قالت وهي تجتازها مغادرة

" ومن قال بأني أريد أن يطرق بابي أحد ؟ ما قلته سأفعله وإن

كان ثمنه موتي "

وتوجهت جهة باب المنزل متجاهلة التي تناديها وقد صرخت قائلة

" أقسم إن شعر وثاب بغيابك هذا الوقت وذهابك له أن يسلخ

جلدك عن عظامك "

لكن ذلك لم يجعلها تتراجع ولم يؤثر بما عزمت على فعله فعليها

أن تتحمل وحدها فقط نتائج ما حدث أما رماح فلا يستحق أبدا أن

يكون مصيره مثلها ، لو كانت تعلم بأن كل ذلك حدث ما وقفت

صامتة عن ذلك كل هذه الأعوام ، لن يؤثر بها كل ما ستحمله من

ألقاب جديدة ولن يكسرها ذلك أبدا فهي أكثر من عاش وعايش

هموم نساء مملكة الغسق ورأت بأم عينها كيف وقفت كل واحدة

منهن في وجه ظروفها ونظرة المجتمع لها كالجبل الصامد ،

فتحت باب سيارتها وركبتها وغادرت من فورها فلن يمنعها

ولا قدوم وثاب بنفسه عما تريد فعله


*
*
*


مرت ثلاث ساعات متعاقبة وهي على حالتها تلك تحضن

الوسادة بقوة تخبئ دموعها فيها تارة وعباراتها الباكية تارة

أخرى وتهيم أغلب الوقت بنظرها في الفراغ وهذا حالها منذ

غادر ذاك الرجل غرفتها وعالمها الصغير ، سحبت هاتفها

نحوها ونظرت للساعة فكانت الثانية عشرة بعد منتصف الليل ،

سيكون خالها رماح على وصول الآن كما قدرت وستكتشف

والدتها غيابها وستقلق عليها لذلك عليها أن تتصل بها قبل أن

تتسبب في مصيبة ما في ذاك المنزل بغيابها المفاجئ ، جلست

تبعد شعرها عن وجهها ومسحت وجنتيها بكم بجامتها الطويل

وجربت الإتصال بها ولا يوجد أي رد فأعادت الإتصال لعلهم

منشغلون بوصول رماح ، أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت له

بصدمة حين أقفلت الخط في وجهها فعضت طرف شفتها وقد

ملأت الدموع عينيها فها هي قد علمت بغيابها وغاضبة منها

أيضا ومعها حق لأنها الحمقاء تهورت لثاني مرة في حياتها

وعلى غير عادتها منساقة خلف عاطفتها الأسرية وها قد

حصدت النتائج وفي كل مرة كان على ذاك الشاب أن يكون

شاهدا على كل ذاك التهور والحظ المتدني حد الانعدام ، اتصلت

برعد هذه المرة والذي أجاب بعد وقت قائلا

" أجل يا تيما ؟ "

شدت أناملها على الهاتف وهمست ببحة

" هل اتصلت بك والدتي ؟ أحاول الاتصال بها وترفض أن تجيب "

قال من فوره وقد غزى نبرته ضيق واضح

" أجل منذ أكثر من ساعتين وبعد إيصالي لك مباشرة وكانت

قلقة بل تكاد تجن بسبب اختفائك ولأني لم أستطع الإجابة

عليها سريعا بسبب انشغالي في المطار وما أن أخبرتها بأني

أخذتك من هناك سمعت منها ما لذ وطاب وأغلقت الهاتف في

وجهي ولأول مرة منذ عرفت فيها والدتك وما سيخلصني

الآن من غضبها الأسود القاتم ابنة الحالك تلك"

تساقطت دموعها فورا وهمست بعبرة

" أنا آسفة كل هذا كان بسببي لأني حمقاء متهورة "

وصلها صوت تنهده الواضح وقال بهدوء هذه المرة

" لا تبكي يا تيما والدتك تحبك وأنتي تعرفين هذا جيدا وسيزول

غضبها سريعا ومفتاح الأمر لديك ، هي غاضبة فقط بسبب خوفها

من أن مكروها أصابك ولا أخفيك القول فمعها حق وأنا مذنب معك

أيضا وأستحق غضبها "

مسحت دموعها وقالت باستياء

" ضننت أن جدي دجى سيكون هنا لذلك لم أستطع قول ذلك لها

حتى أراه أولا لكني كنت مخطئة غبية ومتسرعة وها قد

أغضبتها مني "

قال باستعجال

" تيما أنا دخلت العمران للتو وسيارة الإسعاف دخلت منزل والدتك

قبل لحظات عليا أن ألحق بهم سريعا فلا أحد مع رماح من العائلة

غيري وسيكون في انتظاري في الخارج حتى أصل ... سنتحدث

فيما بعد فتوقفي فورا عن البكاء ... وداعا الآن "


وأنهى الإتصال فنظرت للهاتف قبل أن ترميه على السرير وتنزل

قدميها وتدسهما في حذائها المنزلي طفولي التفاصيل والذي كان

مصنوعا من الفراء له مقدمة رأس دب زهري اللون بأنف وفم

أبيضان ، خرجت من الغرفة تمسح بقايا دموعها من رموشها

بطرف كم بجامتها ثم رفعت القبعة الموصولة بها على رأسها

وسلكت الممر وبهو المنزل الساكن والشبه مظلم حتى وصلت

السلالم فعليها رؤيته والتحدث معه وإن أيقظته من نومه فهي لن

تجده فجرا ولن يجيب على اتصالاتها بسبب انشغاله لوقت طويل

من النهار ، صعدت أولى العتبات ثم وقفت مكانها ونظرت جهة

الممر الغربي للطابق وخطر لها أن تبحث عنه في مكتبه أولا

فهو لا ينام في هذا الوقت عادة ويرجع للمنزل وهي نائمة أغلب

الأوقات فيبدو أن صدوع وجروح تلك البلاد تحتاج منه ورجاله

للكثير من الوقت والجهد لذلك قد يكون هناك بما أنه كان في

المنزل في وقت باكر على غير العادة إلا إن كان قد غادر مجددا ؟

نزلت تلك العتبة التي صعدتها وتوجهت هناك فورا لتوقف كل

تلك الأفكار والتكهنات فإن لم يكن هناك فهو في غرفته وإن لم

تجده فيها فسيكون خارج المنزل وسيكون عليها انتظاره حتى

يعود ، وصلت الممر وكما توقعت ها هو هناك فقد كان النور

يتسرب من تحت باب مكتبه المغلق في ذاك الممر المظلم تماما ،

توجهت نحوه من فورها ووقفت عند الباب وعقدت حاجبيها

تستمع للحديث خلفه ، كان الصوت لوالدها لكن الطرف الآخر لم

يكن موجودا فخمنت بأنه يتحدث في هاتفه لأن جل حديثه ذاك

كان عن أسماء مدن وقبائل وتقارير فتنفست بعمق ورفعت يدها

وطرقت على الباب بمفصل سبابتها ثلاث طرقات متتالية .


" أدخل "

عادت لسحب نفس آخر لصدرها بقوة ما أن سمعت كلمته ونبرته

الجادة تلك وقد توقف سيل حديثه ذاك وكأن تلك المكالمة قد انتهت

فجأة ! أمسكت بمقبض الباب وأدارته ببطء قبل أن تدفعه للداخل

وتدخل وقد وقفت مكانها تنظر بأنفاس متوقفة تماما للجالس على

الكرسي موليا ظهره للباب منحن قليلا يسند مرفقيه على ركبتيه

ويجلس مقابلا للواقف عند طاولة مكتبه ومن لم تكن تتخيل بأن

حديثه ذاك كان مع شخص موجود أمامه ! دست يدها اليمنى

خلف ظهرها تلعب أصابعها بطرف كمها الطويل وهربت بنظراتها

من صاحب ذاك الجسد الذي أبرزه هذه المرة القميص القطني

الأسود الضيق بكماه القصيران كاشفان عن عضلات ذراعيه

القوية ومبرزا بوضوح أكتافه العريضة وخصره النحيل منسجم

تماما مع البنطلون الرياضي الأسود ، لو كانت تعلم بوجوده هنا

ما دخلت أبدا بل ما كانت لتغادر غرفتها وإن قتلوها فقد ظنت

بأنه سيكون نائما منذ وقت بسبب سفرهم الطويل من فرنسا

مرورا بكل تلك الدول للوصول إلى هنا لكنها باتت تؤمن بأن

سوء حظها وهذا الشاب لا يفترقان أبدا فلا حجة لديها الآن

لتتهرب بها مما جاءت تريد قوله لذلك ستعول فقط على ذكاء

والدها في فهم أنها لا تريد التحدث أمامه ، نظرت للأسفل

ورطبت شفتيها الجافتان قبل أن تقول بصوت منخفظ

" آسفة أبي ظننت أنك لوحدك "

" لما لم تنامي حتى الآن يا تيما ؟ "

عضت طرف شفتها ولم ترفع رأسها فها هو ذكاء والدها قد


خذلها أيضا في أحوج أوقاتها إليه ، سحقا لم تكن تعلم بأن نظرية

خالها رعد صائبة لهذا الحد في فشلهم بالإجماع وها هي تتوج

خاتمة السلالة العريقة .

" ما الأمر يا تيما ؟ "
رفعت نظرها له ما أن وصلتها عبارته الحازمة تلك فها هي ترجع

تيما الطفلة مجددا ، ودت لو قالت ( أريدك في أمر ما ) ليفهم

الجالس هناك والذي أفلح في بعثرة مشاعرها حد ضياع الكلمات

منها بأنه غير مرغوب به هنا في الوقت الحالي لكنها تعلم بأن

ذلك لن يحدث أبدا فهو لن يغادر ظنا منه بأنها ستخبره عما حدث

في لندن وليست تفهم لما يواجه محاولاتها بالرفض ؟ لا بل كان

عليها أن تفهم بأنه يكفيها أن تفقد ثقته هو فقط ولتحتفظ بباقي

الأضرار ، قالت بذات نبرتها الهادئة وصوتها الرقيق وبعد صراع

مضني مع ترددها وخوفها

" أريد الذهاب لوالدتي "

وانكمشت على نفسها سريعا حين نظر لها باستغراب عاقدا

حاجبيه لبرهة قبل أن يقول ما توقعته تماما

" ذهبت بالأمس ورجعت من هناك اليوم وتريدين العودة غدا !!

تيما هل أفهم ما في هذا العقل الصغير "

مطت شفتيها بعبوس من نهاية عبارته تلك ، هو اعتاد أن يصف

أفكارها هكذا منذ كانت طفلة وما أن تتوقف لبرهة في إبداء أي ردة

فعل حتى يقول لها مبتسما بسخرية

( فيما يفكر هذا العقل الصغير ، بما يخبرك عقلك الصغير أو توقفي

عن الحديث سرا مع هذا العقل الصغير )

وكبرت عبارات والدها تلك معهما ، تعلم أن جل ما يقصده بذلك

هو ذات المعنى في طفولتها لكنها الآن باتت إهانة عظيمة في

حضور الجالس هناك والذي ترى أن والدها يتصرف وكأنه

ليس موجودا ! بل وذاك البارد لا يحترم أنه قد يكون ثمة

خصوصية في الأمر فيغادر بكل أدب بعدما تيقن من أن

مخاوفه من اعترافها بما حدث تلاشت ، جمعت يديها معا

تنظر لهما ولأصابعها البارزة وحدها من تلك الأكمام وقالت

باستسلام لواقعها البائس

" ظننت أن جدي دجى من كان برفقة عمي صقر فجئت من

دون علمها كي لا تسألني عن السبب "

استوى حينها الجالس على الكرسي في جلسته فعضت شفتها

بقوة فها قد منحه حظها العاثر فرصة أخرى لإذلالها والتشمت

بها كما منحته بغبائها دليلا آخر على أنها فتاة مستهترة متمردة

ومتهورة

قال مطر فورا وبحدة

" دون علمها !! أ.... "


قاطعته من فورها وقد رفعت رأسها ونظرت له قائلة باندفاع

" بل خالي رعد من جاء بي إلى هنا ، أقنعته أن لا يخبرها

حتى أصل وأتحدث معها "

كتف حينها ذاك الصامت ذراعيه لصدره وتنفس نفسا قويا

واضحا لم يدل سوى على قنبلة موقوتة يسجنها بين تلك

الأضلع إن تفجرت في تلك اللحظة لأحرقتها بالكامل ، تجاهلت

تلك الجهة من عقلها ونظرها وانصب تركيزها على الواقف

هناك مقابلا لها فوحده من يجب أن تهتم برأيه بها وأفكاره

نحوها أما ذاك الوسيم الغاضب فمن المفترض أنه لا يعنيها

في شيء وبأنه ليس الوصي عليها وإن كان يربطهما رابط الدم

القوي ذاك ، ثم هي سيئة مستهترة في نظره في جميع الأحوال

ولن تحلم ولا مجرد حلم في أن تتغير نظرته لها ، رطبت شفتيها

بطرف لسانها وقالت بنظرة ملئها رجاء في أن يشعر والدها

بموقفها ذاك فنظرته لا تعجبها أبدا

" أبي أقسم لك أني خشيت فقط أن تسألني ولن أستطيع الكذب

عليها فحين أخبرتني الخادمة أن ثمة ضيف قادم برفقة عمي صقر

وأنه سيقيم هنا لفترة لم يأخذني تفكيري سوى لجدي لذلك جئت

ومن دون علمها وكنت سأتحدث معها وأشرح لها الأمر بعد

وصولي لكنها علمت قبل ذلك وضنت أن مكروها قد أصابني

واتصلت بخالي رعد وعلمت منه وهي الآن غاضبة مني

ورفضت أن تجيب على اتصالاتي كما أنها غاضبة من رعد

أيضا وهو ألقى باللوم علي ، أبي أرجوك أريد الذهاب

والتحدث معها وشرح الأمر لها كما أن خالي رماح سيكون

هناك الليلة وأريد رؤيته ... متشوقة جدا للتعرف عليه "

تعرف والدها جيدا ليس ذاك الرجل الذي يندفع الكلام والشتائم

من فمه كالسيل ولا الذي يصرخ ويتحدث بأي شيء حين

يغضب فأقل ما يستعمله هو الكلمات وهذا ما كانت تعول

عليه كي لا يسوء موقفها أكثر أمام تلك الصخرة التي ترفض

الخروج من هنا لكنها وفي ذات الوقت تعلم أن قليل الكلام

ذاك صاحب أفعال تغني عن كل ذلك ولن تنجوا أبدا من عقاب

مرتب على طريقته إن قرر ذلك وسيكون قاسيا كما تجزم ،

ورغم كل ذلك تعلم بأنها لن تسلم أيضا من بعض الجمل

التوبيخية مهما قالت وقد حدث ما تتوقعه فعلا وسريعا أيضا

حين قال بحدة ولازالا حاجباه المستقيمان معقودان

" معها حق تغضب منك ، ما أريد معرفته كيف استطعت

اللعب بعقل رعد شراع ليخرجك دون علمها وهو رجل

عرف بالحكمة طوال حياته ورجاحة عقله ؟ كنت أتساءل دائما

ما هو الشيء الذي تشبهين فيه والدتك وها قد علمت الآن "


شعرت بالعبرة تصعد لحلقها وتلك العينان تمتلآن بالدموع

سريعا وبطعنة عنيفة من تلك الإهانة المزدوجة منه فهمست

بصوت حزين

" أبي أنا المخطئة وأستحق العقاب منكما لكن ما ذنب والدتي

تتحدث عنها هكذا ؟ "

تنفس حينها الواقف هناك نفسا طويلا عميقا وقال بجمود

" أنا لا يمكنني مغادرة حوران قبل أيام وعمي صقر سيكون

في اجتماع مهم صباحا ورعد لن يرجع قبل يومين فهل يأحذك

أحد الحراس ؟ "


نظرت له بصدمة بينما وقف الجالس هناك على طوله وعلمت

أن موقفها لن يسوء أكثر من ذلك لكن ما لم تتوقعه كانت لاتزال

تجهله حين قال الواقف موليا ظهره لها

" يمكن أن أوصلها أنا "

" لا ... "

لا تعلم بأي جنون انطلقت تلك الكلمة من شفتيها فقالت

بتلعثم ناظرة لوالدها الذي أبعد نظره عنه بسرعة وحدق

بها بصمت

" أعني هو لا يعلم عن طرقات ومداخل المدن هنا وأنا لم

أنتبه لها جيدا فالمسافة كانت طويلة "


لا تتخيل أبدا أن تجمعها سيارة مغلقة مع هذا الرجل

ووحدهما لثلاث ساعات هذا إن لم يضيعا وامتدت تلك

الساعات لما الله وحده يعلم ، كانت تتوقع التعليق التالي من

والدها وليس أن يباغتها من دس يديه في جيبي بنطلونه ...

صاحب الملابس السوداء كشعره الفاحم والذراعان شديدا

البياض حين قال ببرود وقد أدار وجهه جانبا يتعمد أن

يشملها بنظرته

" ضننت أنه ثمة لافتات ترشد للطرقات وأنه لا أحد يمكنه

تحريك مدينة من مكانها السابق ، أو أن ابنتك تفضل مرافقة

أحد الحراس بالفعل "

نظرت له بصدمة نظرة سرعان ما تبدلت للحنق ما أن كسرت

ضحكة مطر ذاك الصمت المشحون فحتى والدها الذي تكاد

تحصي على أصابعها تلك المرات التي سمعت فيها ضحكته

وتحفظهم موقفا موقفا باليوم والساعة ها هو يضيف لتلك

اللآئحة القصيرة واحدة أخرى لن تنساها ما عاشت لأنها

ستسجل ضمن الإهانات التي تلقتها في حضور هذا الرجل

المتعجرف ، أدارت ظهرها لهما وفتحت الباب وقالت

باستياء مغادرة

" لم أعد أريد الذهاب "


وغادرت من هناك راكضة تمسح الدموع التي تمردت

عليها ففوق إهانة ذاك المتعجرف لها لم يدافع والدها عنها

وكأنه يثبت له بأنها كما يضن فعلا ، دارت حول نفسها وكادت

أن تقع وسط بهو المنزل المظلم حين أمسكت تلك اليد الضخمة

بيدها ، استوت واقفة من ترنحها تبعد شعرها عن وجهها وقالت

بنفس لاهث

" عمي صقر !! لقد أفزعتني "

ضحك وترك يدها قائلا

" بل أنتي التي أفزعتني لقد ظننك جنية تسرح في المنزل

لأعوام وأفسدنا نحن حياتها الهادئة الآن "

ضمت يدها لصدرها وهمست بخوف

" بسم الله ... سلام قول من رب رحيم "

ضحك مجددا وكان سيتحدث فماتت ضحكته وأمسكها من يدها

وسحبها جهة النور وقال ناظر لعينيها

" أوووه لا ما هذا الذي أبكى دميتنا الجميلة ؟ "

ابتسمت بحزن وعادت الدموع للتكدس في عينيها وقد ذكرها

بجدها دجى فهو من كان يناديها بالدمية منذ صغرها ، أنزلت

رأسها تمسح دموعها وهمست بحزن

" أردت الذهاب لوالدتي صباحا لأنها غاضبة مني ولا

أحد متفرغ لي "

حضن كتفاها بذراعه وقال سائرا بها جهة الأريكة

" تعالي أخبريني بما حدث وسنجد لذلك حلا ... كم حفيدة عندنا "


*
*
*

" هل أعلم ما سبب هذا العداء الذي تكنه لابنتي ؟ "

باغته مطر بهذا السؤال ليسرق نظره من الباب الذي خرجت منه

منذ لحظات وقال

" ولما سيكون ثمة عداء بيننا وأنا لا أعرفها ؟ بل لست أصدق

يا مطر أن تفكر في إرسال ابنتك مع أحد حراس منزلك !! "

دار مطر حول الطاولة وجلس قائلا

" لم أفقد عقلي بعد لأفعلها وهي تعلم ذلك جيدا فهو كان مجرد

سؤال هي تعرف جوابه وسببه أيضا "

شد قبضتيه داخل جيبيه وقال ما لم يعد يمكنه كتمانه

" ورعد صنوان ؟ "

رفع مطر نظره من الأوراق بين يديه له وقال بجدية

" قاسم لا تخطئ في حق الرجل لأني لن أسمح لك "

قال وكأنه لم يكترث بما قال

" إن كان الجميع يظن بأنه شقيق والدتها فأنت تعلم بأن الأمر

خلاف ذلك وإن كنت لازلت تظن أن ابنتك ما تزال صغيرة فأنت

مخطئ تماما "

كان يتوقع تعليقا قاسيا من الجالس مقابلا له وهو من يعرف أنه

لا يتلقى أوامر أو تعليقات وانتقادات من أحد ولا يرضى بذلك أبدا

لكنه تلك اللحظة لم يهتم وكان عليه قول ذلك قبل أن ينفجر بسبب

ذاك الشعور الرافض داخله لكل هذا ، لكنه فاجأه بأن قال وبكل

هدوء يفتش في درج المكتب منحن جابنا

" إن كان ثمة رجل أستأمنه عليها غيرك أنت وعمي صقر فهو

رعد شراع "

وتابع ماإن استوى في جلسته مغلقا الدرج وناظرا لعينيه

" أم أن المعني بحديثك ابنتي وليس رعد "

نظر له بصدمة فلم يتوقع هذا الهجوم المباغت منه وأن يكون فهم

الأمر بهذا الشكل الذي هو لم يفكر فيه بتاتا وليس يفهم لما قال

ما قال ! إن كان غرضه الإنتقام منه بسبب ما فهمه هجوما ضد

المدعو رعد فقد أصاب هدفه تماما ، هو نفسه لا يفهم سبب ما قال

ولما تضايق من الأمر ؟ أرخى يديه ولازال يدسهما في جيبيه ومد

ذراعيه منزلا كتفيه وكأنه يمطهما وقال باسترخاء

" لم أقصد اتهام ابنتك ولا التشكيك في ابن شراع ولننسى كل ما قيل "

وقف مطر حينها وخرج من خلف الطاولة ووضع ذراعه على كتفيه

وقال مغادران المكان

" أجل لنترك الحديث في هذا الأمر وتيما إن غفلت أنا يوما عن

حمايتها عين الله لن تتركها "

خرج برفقته ولم يعلق على ما قال وليس يعلم لما يشعر بأن كلامه

يحمل الكثير من الألغاز أم أنه فقط بات يتوهم كل ذلك بسبب

ما يعلمه !

وما أن وصلا بهو المنزل لفت انتباههما صوت الضحكات المنخفضة

وذاك النور المنبعث من إحدى الأرآئك وسرعان ما باتت الصورة

واضحة وظهر لهما الجالسان هناك بل التي كانت تتكئ في حضن

ذاك الرجل يمسك هاتفه ويشاهدان معا شيئا هو سبب كل تلك

الضحكات الأنثوية الرقيقة والهمس الرجولي الباسم ، مشهد

يفترض بأنه طبيعي بين فتاة وعم والديها لكنه كان خلاف ذلك

في دواخل الواقف هناك لازالت يديه في جيبيه ورأسها يتكئ على

كتف ذاك الرجل تحيط كتفاها ذراعه القوية وقد أشارت بإصبعها

الرقيق لشاشة الهاتف قائلة بضحكة منخفضة رقيقة تشبهها في

كل شيء

" انتظر ما سيحدث الآن "

أبعد حينها مطر عنه وتحرك جهتهما وما كان من الذي تركه

خلفه سوى أن فعل مثله وهو يقف خلفهما مباشرة وقت انشغالهما

بما يشاهدانه ، وقف على مبعدة قليلا منه لكنه كان يرى بوضوح

شاشة ذاك الهاتف الواسعة عالية الدقة والطفلة في ذاك الشريط

المعروض بشعرها الأسود الناعم القصير ... وجه دائري ووجنتان

محمرتان بشدة بسبب الثلج الذي شكل بساطا أبيضا يحيط بها من

كل جانب تحاول الوقوف وما أن تستوي واقفة حتى تقع مجددا

جالسة على الأرض وتبدأ بالبكاء ، ابتسم من فوره ونظره على

تلك الطفلة الجميلة وارتفعت ضحكة صقر مختلطة بهمسها الساخط

المحتج قبل أن تقول بإستياء

" جدي المحتال لا أعلم كيف استطاع تصوير كل هذا والاحتفاظ به

كل هذا الوقت دون أن يريني إياه "

" عمي ألست نائما حسب اعتقادي ؟ "


التفتا كليهما للواقف خلفهما مباشرة وقال صقر ضاحكا وهو يوقف

ذاك الفيديوا

" ها قد أمسكت بنا الشرطة الليلية "

بينما وقفت الجالسة بجواره لتجمد مكانها وهي تكتشف وجود

الواقف خلفه فأنزلت رأسها تنظر ليديها اللتان دستهما في جيبي

بجامتها الربيعية لتتدلى تلك الغرة المقصوصة من تحت قبعتها

مشكلة ستارا قصيرا شكل ظلا باهتا على ملامحها فقد شعرت

بقلبها سيخرج من ضلوعها ما أن تشابكت نظراتهما فور وقوفها ،

وقف صقر قائلا ونظره على الهاتف في يده

" كنت نائما بالفعل وها أنا أدفع ثمن نومي باكرا وخرجت أبحث

عن شيء يسليني فخمنت أنك ستكون مستيقظا "

وتابع وقد نظر له يمسك وسطه بيديه والهاتف لازال في إحداهما

" فصادفت سيدة المنزل الوحيدة الصغيرة تغادر ممر مكتبك باكية

من أجل أمر تافه تقضيه السيارات بسهولة "

قال مطر من فوره وبشيء من الحزم ناظرا لها وهي لازالت تهرب

بنظرها للأرض " أخبرتها أننا لن نكونا موجودان هنا وهي من

رفضت أن يوصلها قاسم خوفا من أن يضيعا في طرق حدود

صنوان فالذنب على من سيكون ؟ ثم عليها أن تتعلم أن تفكر

وتتروى قبل أن تقرر أو تفعل أي شيء مستقبلا "


قربت يديها المقبوضتان في جيبيها من بعضهما ولازالتا سجينتا

قماش تلك البجامة فها قد عادت للتحول لقزمة من الإحراج أمام

ذاك المخلوق الذي لا تعلم كيف أصبح جزءا من تفاصيل حياتها

هكذا فجأة ! أرخت كتفيها المتشنجان وهمست باستسلام ونظرها

لازال للأسفل

" آسفة أبي ولن يتكرر ذلك "

وصلها صوته البارد فورا

" أنا لست غاضبا منك لأني أعرفك لا تكررين الأخطاء أبدا يا تيما ،

والدتك هي من عليك أن تقنعيها بهذا "

أنزلت رأسها أكثر وقالت

" أقسم أن ذلك لن يتكرر مجددا أبي فيكفيك توبيخا لي كالأطفال "

ضحك حينها صقر وقال حاضنا لكتفيها بذراعه

" يكفيها هذا لن أسمح بأن تبكي حفيدة عائلة الشاهين الوحيدة "

وتابع وقد أبعد رأسه ينظر للواقف هناك قائلا بابتسامة

" أخبرني الآن يا قاسم كيف وجدت التي وصفتها بالطفلة ؟ "

رفعت نظرها له مصدومة وشعرت بتقلص مفاجئ في معدتها وهي

ترى نظرته لها وتلك الابتسامة المائلة الغامضة التي تشعرها بأنه

يسجنها في قفص الاتهام كلما وجهها لها ، شدت ثياب الواقف

ملاصقا لها معترضة بضيق حين قال ضاحكا

" هيا أدلي بشهادتك أم تكره الإعتراف "


تمنت أن اختفت من الوجود لحظتها أو أن تلاشت بل أن هربت

من المكان لكنها تعلم بأن الذراع الملتفة حول كتفيها لن تترك

لها الفرصة أبدا فنقلت نظرها لوالدها فورا فوجدته ينظر للواقف

خلفه ... للأحمق الذي لم يبعد نظره عنها ولا ابتسامته الوقحة تلك

ولم يكفيه كل ذلك بل قال بذات تلك الابتسامة ما أن عادت بنظرها له

" لقد أصابني الفضول حقا لأرى والدتها "

جملة وقعت كالصاعقة على ثلاثتهم ابتداء من التي أنزلت وجهها

وغطت عينيها بكفها مرورا بالذي دار ناحيته بجسده كاملا ينظر

له كنمر يوشك على الانقضاض على فريسته وصولا للذي علا

صوت صفيره المصدوم في المكان لتقطعه ضحكته العالية وقد

رفع يديه للواقف هناك وأشار له على المقابل له بأن خلص نفسك

منه الآن ولا تنتظر مساعدة أحد فرفع كفيه مبتسما ثم بسطهما

قائلا بسخرية

" لا تتوقع أن أكذب عليك يا مطر فهذا سيكون تفكير أي شخص آخر ،

ثم لا تنسى بأنها ابنة خالي "

تحرك حينها مطر من مكانه عائدا من حيث جاء قائلا ببرود

" عمي اتبعني لمكتبي بما أنك لن تنام وأنتي يا تيما الساعة

أصبحت الواحدة "

وغادر مبتعدا تتبعه نظراتها العابسة فضحك صقر وتحرك قائلا

" قاسم عليك أيضا أن تنام وترتاح ، أوصليه يا تيما حيث تكون

غرفته "

وابتعد سريعا وقد ابتلعه ظلام المكان فنظرت للواقف مكانه خلف

الأريكة وبلعت ريقها قبل أن ترفع أصبعها مشيرة خلف كتفه قائلة

" اسلك ذاك الممر ثم يسارا ثم أول باب سيقابلك هناك "

وما أن أنهت جملتها تلك ركضت في الاتجاه الآخر مسرعة هربا

من الذي عض شفته يكتم ابتسامته هامسا بتوعد " المحتالة "


*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 01-11-17, 08:06 PM   المشاركة رقم: 523
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 



*
*
*


وقفت سيارة الإسعاف الخاصة أمام المدخل مباشرة تحيط بها

سيارات الحرس والمرافقين قبل أن يفتح بابها على مصراعيه

وينزل ذاك الكرسي منها ملامسا الأرض يحكي قصة شخص آخر

ورجل آخر سيعيش مقيدا بحديده البارد للأبد ، قد يحيي فيه أملا

مفقودا يوما ما وقد يقتله في داخله كلما رآه أمامه وجلس عليه .

شعر بتلك اليد على كتفه فرفع رأسه عاليا ونظر للذي ابتسم له

قائلا

" حمدا لله على سلامتك يا ابن الزعيم شراع ، أنرت بلادك مجددا "

ابتسم له بدوره ورفع يده ولامست أصابعه تلك يده وقال

" شكرا يا عمير ... رجال مطر شاهين لا تختلفون عنه أبدا

وأولكم الذي تكفل بحمايتي حتى كنت في مطار لندن وحين علمت

أنه تدرب طفلا على يديك قبل أن يتولى رعايته زعيمكم علمت أي

الرجال تكون أنت "

ضحك عمير وربت على كتفه قائلا

" ابن كنعاك ذاك تفوق على أساتذته ولا تغريك شجاعته وصمته

وذكائه فهو جلف قاسي وأحمق فيما يخص النساء ، أي لا فائدة

ترجى من وجوده حيا أبدا "

ضحك رماح بدوره ضحكة لم يتخيل أن تكون هي أول ما سيصدر

عنه ما أن يستنشق هواء هذه المدينة ، دار بكرسيه حتى أصبح

مقابلا له وقال مبتسما

" اجزم بأنه يفلح في كل شيء وسترى الدليل يوما ما "

نظر بعدها للمغلف في حجره والذي كان يتمسك به طوال رحلته

الطويلة تلك ثم وبأشارة من يده ابتعد كل أولئك الرجال المحيطون

بهما وركبوا السيارات السوداء التي بدأت تغادر المكان بالتتابع

حتى أصبحا لوحدهما ثم رفعه ومده له وقال ناظرا لعينيه

" لن يقدم لي هذا المعروف إلا رجلا مثلك يا عمير لأني لا أريد

إرسالها مع شقيقي رعد فهلا أخذت هذا للمحكمة صباح الغد

وأتممت الإجراءات التي تخصه "

أمسك المغلف ناظرا له باستغراب وقال

" وهل يمكنني معرفة ما يحوي كي أستطيع إنجاز ذلك ؟ "


حرك رماح رأسه موافقا وقال ناظرا له بين يديه

" هي أوراق ومعاملات طلاق يا عمير "

فانتقلت نظراته المصدومة فورا منه للجالس أمامه وهو يشرد

بنظره للفراغ ورآى تلك النظرة الحزينة في تلك العينان البنيتان ،

نظرة لم يرآها فيهما ولا بسبب حالته وإعاقته فلم يعرف إلا رجلا

قوي إرادة وعزيمة مثقفا حضاريا طوال الطريق من حوران إلى

هنا والتي قضاها في الحديث معه ليكتشف بأنه النسخة المصغرة

عن شراع صنوان وهو ما رآه في شقيقه رعد سابقا فقد أنتج جيلا

يحملون صفاته في كل شيء كما يرى أمامه إن استثنى المدعو

جبران ، ظهر سريعا طيف تلك المرأة أمام عينيه وهي تمسح

دموعا ترفض أن يراها أحد فقال مستغربا

" لماذا يا رماح ؟ لست أراك أنت تحطمت من وضعك الجديد

وتتقبله بعزيمة لم أراها سابقا في غيرك لتحطم زواجك وقلب

امرأة لا ذنب لها في كل هذا ! "

شعر بقشعريرة في جسده لم يفهم سببها حين أشاح بوجهه جانبا

وقال بسخرية تنطق مرارة

" أحطمها ... !! قل أني سأحررها من تحطمها لأعوام في زواج

صوري ولعبة حقيرة دفع كلينا ثمنها ، الواقع أقسى من أن أشرحه

لك يا عمير ومن أن أبوح به "

بقيت نظراته المصدومة تحدق به وعجز عن الحديث أو عن سؤاله

عن أي شيء فلا حق له أبدا في هذا وقد صرح بنفسه بأنه لا يمكنه

البوح به ، انتشله من لحظة الصدمة تلك صوت السيارة المقتربة من

مكانهما والتي وقفت بقربهما تجلس فيها امرأة استطاع التعرف

عليها بسهولة فالأضواء المنتشرة في تلك الحديقة جعلت من المكان

وكأنه ينعم بنور النهار من كثرتها ، ابتعد متراجعا عنه حين انفتح

باب السيارة ونزلت منها التي ركضت فورا جهة الجالس على الكرسي

وكأنها لم تراه أو لم تهتم لهوية الموجود هناك أو ظنته شقيقه !!

اكتفى بالتواجد تحت أغصان شجرة السنديان المتدلية كستائر

خضراء معلقة فلا يمكنه المغادرة قبل وصول رعد الذي تأخر

عنهم قبل المدينة بقليل ، لم يسأل عن السبب الذي جعلهم يتكتمون

عن خبر وصوله فلا أحد من أعمامهم ولا عائلاتهم يعلمون كما

يبدوا حتى أنه تم نقله لمنزل شقيقته وخمن فورا أنه من أجل

حالته الصحية فالرحلة لم تكن قصيرة أبدا ومعهم حق فهو يحتاج

لأن يرتاح الآن .

قبض أصابعه لا شعوريا ما أن جلست التي لم يبتعد نظره عنها

على الأرض أمام ذاك الكرسي وارتمت على ساقي الجالس عليه

تبكي بوجع .. بمرارة وبنحيب يفتت الجماد تشد بقبضتيها على

اللحاف الذي يغطي ساقيه ويده تمسح على رأسها لم تعد تعي

ولا لحجابها الذي انزلق عن رأسها وذاك الشعر البني الحريري

الذي انساب على ظهرها فأولى ظهره لهما فورا ينظر للأرض

ودس يده في جبيه يمسك ذاك المغلف بالأخرى وبدأ النصف

المفقود من الحكاية يسرد أمامه وبصوتها الباكي

" رماح سامحني أرجوك قسما لم أكن أعلم ... ليت ما بك بي أنا

وليس أنت "

غرس أصابعه في شعرها الكثيف الناعم وقال بحزن

" جليلة توقفي عن قول ذلك أنتي لم تخطئي بشيء لتعتذري ...

لا أحد ظلم في كل ما حدث مثلك فكلانا كان له حق الاختيار

فيما قرر إلا أنتي فرض الأمر عليك فرضا ، من كان ليتخيل

أن تلك اللعبة ستستمر لكل هذه الأعوام ؟ من منا كان ليتوقع أنها

لعبة مال على حساب مشاعرك وحياتك ومستقبلك ، ذلك الرجل

لم يستحقك يوما ومن المؤسف أن اكتشاف حقيقته احتاج لكل

هذه الأعوام "

ابتعدت عنه ولازالت جالسة على الأرض بركبتيها أمامه وقالت

ببكاء ونظراتها معلقة بعينيه فوقها

" قسما كنت سأرضى بأن أعيش خادمة لك للأبد لن أطالبك

بأي مشاعر نحوي ولا حقوقي كزوجة لكنك لا تستحق الفناء

لباقي حياتك مع امرأة لم ولن تحبها يوما فطلقني يا رماح فلم يعد

لذاك العقد أي أهمية "

تنفس بعمق قبل أن يقول ناظرا ليديه في حجره

" أنتي طالق يا جليلة وورقتك ستصلك غدا "

انسابت دموعها على خديها مجددا وقد تابع ولازال يتجنب النظر لها

" أنتي تستحقي رجلا أفضل من كلينا وتأكدي من أن الله لن يرضى

لك بالظلم دائما ومثلما خفتيه في نفسك سيختار لك ما يعوظك به

وأنا لن أكمل مسيرة عذابك وسأتحدث بكل ما كان سببا لزواجي بك"

وقفت حينها على طولها ودست شعرها تحت حجابها ولفته جيدا

وقالت بجدية تمسح دموعها

" لا يا رماح أنا لن أرضى بأن تلقي باللوم على نفسك وأن تكسر

صورتك كإبن للزعيم شراع أمام الناس ، أنا لم يعد لي بالرجال

حاجة ولن يؤثر بي ما سيقال أبدا وإن اتهمني الجميع بالتخلي عنك

في محنتك أيضا ولا تقلق أبدا بشأني فليست جليلة يونس من

يكسرها ثرثرات فارغة سرعان ما ستتلهى الناس بغيرها عنها ،

المهم الآن أن ..... "

وقطع حديثها السيارة التي وقفت قربهما وكانت لرعد الذي نزل

من فوره ينظر لها قائلا باستغراب

" جليلة !! "

تحرك حينها الواقف هناك وابتعد عن المكان مغادرا سور المنزل

حيث ينتظره مرافقيه في الخارج يشد قبضته على ذاك المغلف فيها

فها قد انكشف له ثلثي الحقيقة ... رجل غيره ما كان ليستطيع فك

كل ذاك التشابك وفهم حديثهما المبهم أما هو كأحد رجال مطر شاهين

المقربين لم يصعب عليه ربط جميع ألغاز تلك الحكاية ....

صديقان وامرأة وتضحية ليحتفظ له بها ثم وفي النهاية اكتشف

هذان الزوجان المرتبطان بعقد زواج مزيف أن ذاك الرجل استغلهما

من أجل المال فقط ولأعوام طويلة ... فهم ما خسرته تلك الفتاة

وعانت لكن الذي لم يفهمه هو الذي عنته بأن رماح خسره وأنها

لم تكن تعلم عنه !! كل ما يجب أن يعنيه الآن هو ما بات موكلا به

وهو فسخ ذاك العقد وليس يعلم أي أقدار هذه التي اختارته هو

خصيصا ؟ وكأنه وجد يوم غد فقط ليمجده تاريخ المحاكم فيه وهو

يوثق عقدي طلاق في ذات المحكمة .


*
*
*

مسحت عيناها مجددا ولازالوا يستمعون للحركة في الخارج

وفتح أبواب السيارات ولا شيء ظهر من خلف ذاك الباب حتى

الآن ، ما أن تحركت من مكانها حتى أمسكت بها يد الكاسر

يمنعها وقالت عمتها

" غسق لا تنسي تحذيرات رعد فلا تخرجي ويغضب منك فيما بعد "

سحبت يدها بعنف من الذي تركه معهما كتأكيد لتطبيق أوامره

وقالت بضيق

" بملابس ساترة وأرتدي حجابي فما المانع من خروجي وما سر

كل هذا التأخير ؟ "

لا تفهم ما المانع من ذلك أليس الرجال يرونها في الشارع وفي

كل مكان ؟ ثم هي لن تبكي ولن تنوح فقط يتركوها تراه أمام

عينيها وهي من كادت تفقده للأبد أيضا ولم يرحم أحد احتراقهم

في الداخل ، رفعت رأسها عاليا وأغمضت عينيها تهمس داعية

الله أن يلهمها الصبر والصمود كي لا تبكي رغم يقينها من أن

ذلك أصعب من أن تحققه ... هي غسق من تحملت الكثير بقلب

جامد وعينان صامدتان تعلن الآن هزيمتها وضعفها أمام مصائب

الحياة !! توقعت أن لقاء ابنتها ومواجهة ماضيها سيجعلانها أقوى

بكثير لكن ما تراه اليوم العكس تماما ، بل جميع ما باتت تراه

يثبت بأنها أصبحت مجرد آنية من زجاج كسرها أسهل من

الحفاظ عليها ، أنزلت رأسها وقفزت لا شعوريا واقفة وقد تبعاها

الجالسان بجانبها حين انفتح باب المنزل وما أن سمعت صوت

تحرك تلك العجلات وظهر لهم الجالس على ذاك الكرسي الذي

يسحبه رعد انهارت جالسة مجددا وخانتها قدماها ولم تستطع

أن تركض ناحيته كما فعلا عمته وابن شقيقه ونزلت تلك الدموع

ودون سابق إنذار الواحدة تلحق بالأخرى وهي تراهما يحضنانه

معا جالسان تقريبا منه على الأرض فلا عمتها التزمت بذاك

القانون ولا الكاسر أيضا والذي كان يتمسك به ويبكي بنحيب

كالنساء ، غطت وجهها بيديها وأنزلت رأسها للأسفل تكتم

عبراتها التي لم يعد يمكنها إمساكها أكثر من ذلك وأدركت حينها

فقط أن موت الشخص ودفنه للأبد أهون ألف مرة من رؤيته بنصف

حياة ، مثلما سبق وتمنت أن بقي ولو صوت والدها شراع وشقيقها

الكاسر تسمعه وإن لم تكن تراهما ، فما أقسى الحياة وما فعلت بقلب

هذه الأنثى حتى حولته لخراب .. لمدينة بات يهجرها ساكنيها الواحد

تلو الآخر تاركين بعدهم ذكراهم الموجعة في كل زاوية فيه.

" غسق "

حركت رأسها بالرفض ولم ترفعه ولم تتحرك من مكانها رغم

سماع اسمها من شفتيه وسماع صوته الهادئ بعد كل هذه

الأشهر وبعدما ظنوا بأنهم قد يفقدونه وللأبد ، صوت صرير

العجلات تتحرك نحوها هو ما جعلها تتحرر من كل ذاك

الاعتصام مع آلامها ورفعت رأسها ما أن كان أمامها مباشرة

وارتمت في حضنه تبكي بمرارة متمسكة بقميصه بقوة تخفي

وجهها في صدره وذراعاه تطوقانها بقوة وقد كسرت كل تلك

الحواجز التي بنتها بينهم منذ علمت بأنها ليست ابنة حقيقية

لهذه العائلة فلم يكن ليواسيها وقتها سوى النوم في حضنه

واستنشاق رائحته والبكاء على صدره فكم نامت هنا طفلة

وكم تعلقت بهذا الصدر ومسح كفه دموعها فلم تعرف حياتها

عائلة غيرهم ولا مثيلا لهم وما كانت تتوقع بأنها ستجد لدى

عائلتها الحقيقية ما أغدقوها هم به من عطف وحب واهتمام ورعاية .

مسحت يده على رأسها وقبله وهمس بحزن

" يكفي بكاء يا شقيقة رماح الوحيدة ، آخر صورة حملتها عيناي

لك قبل سفري هي عينيك الباكية فلما تستقبلينني بما تشبهها أيضا ؟ "

تمسكت بثيابه أكثر تدفن وجهها في صدره وقالت ببكاء

" ليتها غسق من فقدت حياتها لتهبها لك ... ليتها أنا وليس

أنت يا رماح "

قبل رأسها مجددا يحضنها بقوة يحجب الدمعة اليتيمة التي تمردت

على صلابته فأكثر ما كان يشغله ويخشاه هو لقائها هي دون

الجميع لأنه يعلم ما الذي يعنيه كل واحد منهم لها وما لقيته من

فراقهم واحدا تلو الآخر ولم يكن يخشى بكائها ولا يرفضه بل

خشي فعلا أن تكبته في داخلها كالعادة فليس يعلم كم سيتحمل

قلبها الصغير من كل ذلك ، أبعدها عن حضنه ومسح دموعها

بكفه هامسا بابتسامة

" يكفي فها قد أثبتم لي بأني مهم لديكم

" أمسكت بيده وقبلتها وألصقتها في شفتيها وعادت للبكاء

وكأنها لم تبكي يوما ولم تبكي أبدا ولم تفقد في حياتها أحدا فهذا

بالنسبة لها لا يشبهه أي شيء ولا وصول خبر موته لهم ، جلست

عمتها بجانبها ومسحت على ظهرها قائلة بحزن تمسح بيدها الأخرى

دموعها الصامتة

" أقسمت عليك بالله أن يكفيك بكاء يا غسق وارحمي نفسك "

وما أن أنهت جملتها تلك حتى قال رعد بضيق لم يكن سوى

الطريقة الذكورية في إخفاء الحزن والألم

" وكأني لم ألقي موشحا كاملا عليكم ؟ "


مسح رماح بيده الأخرى على رأسها وقال

" أتركوها أنا لست متضايقا من بكائها فمن غيرها كان يبكي

بدلا عني وأنا طفل إن ضربني والدي وادعيت الصمود "

لم تزدها كلماته تلك إلا بكاء فمد يده لوجنتيها يمسحهما قائلا

" وإن أنا من طلب منك ذلك الآن يا غسق "

رفعت يدها المرتجفة وبدأت بمسح عينيها بأصابعها الرقيقة على

صوته الباسم

" ما علمته أنه لك ابنة باتت في طولك وحسنك ولا أراك إلا لازلت

غسق ابنة الخمسة عشر عاما "

استمرت في مسح دموعها متمتمة بضيق

" لست أعلم حتى متى ستظنون أن النساء متحجرات مثلكم "

ضحك من فوره وقال

" ها هي غسق التي أعرف وأحب "

نظر بعدها حوله في المكان ثم للخلف قائلا

" أين هي جليلة ؟ "

نظروا جميعهم باستغراب جهة باب المنزل الذي لايزال مفتوحا

وهو أولهم فقد طلب منها أن لا تغادر وحدها هذا الوقت حتى

يسير خلفها رعد بسيارته ويوصلها وهي وعدته بذلك !!

كان رعد سيتحرك نحو الخارج بحثا عنها فور أن نظر له رماح

بقلق لولا أوقفه ظهورها عند الباب فجأة تنظر جانبا لشيء أو

لشخص ما في الخارج قبل أن تقول بابتسامة تحدث أحدهم هناك

" اقتربا ... تفضلي يا خالة "

بدأت نظرات الاستغراب بالتقاذف بين الموجودين هناك والتي

ازدادت بمجرد أن وقفت تلك السيدة التي قاربت الستين عاما

أمامه وما هي إلا لحظات ولحقت بها أخرى أخذت من ملامحها

الكثير فقط أنها كانت ما تزال في نهاية العشرين من عمرها تقريبا

تمسك حقيبة في يديها تنظر بحزن وشوق وشغف للشخص الوحيد

في ذاك المكان الذي استطاع التعرف عليهما ... من دار بكرسيه

جهة الباب فورا هامسا بعدم تصديق

" جهينة !! "

وأغمض عينيه فورا بألم ما أن رمت الحقيبة من يدها وركضت

ناحيته ... ما أن شعر بذاك الجسد يسقط في حضنه وتلك الذراعان

تلتفان حول عنقه وذاك الصوت الذي عشقه لأعوام واشتاقه لسنوات

يتخلل مسامعه باكيا ناحبا وهامسا بإسمه ، ما أعظم ما شعر به

حينها وما أقساه وهو يحيط ذاك الجسد بذراعيه ... سحقا للعلل

والأوجاع فلم يكن يعلم أن هذا الكرسي اللعين سيجمعه بمن ظن أنه

خسرها وللأبد ... من اختار أن يحطم أحلامهما لتسافر بعيدا عن

مكانها ... من تعلق قلبه بها منذ كانت ابنة الرابعة عشرة حين

أنقذ شقيقها عند خط الحدود الرابط بين صنوان والهازان قبل

أن توحد البلاد وقبل أن يتحول حلمه باجتماعهما بعد توحيدها

لسراب ... كانت في السابعة عشرة حين رآها آخر مرة وحين

انسكبت دموعها تقتله الواحدة تلو الأخرى وهو يترجاها أن تتفهم

أسبابا لم يستطع شرحها لها بسبب ذاك الوعد البائس والصديق

المزيف ، حاول أن يقنعها بأن تتفهم ظروفه وبأن تنتظره فقط

لفترة لم يستطع هو نفسه تحديدها لكن ذاك القلب الصغير المعلق

به لم يستطع استيعاب أن تأخذ امرأة أخرى مكانها ولا أن تغفر

له أن يتزوج بغيرها بل وأن تعذره من دون أسباب فبعد كل تلك

الأعوام التي انتظراها وكل تلك الوعود التي قطعها بأنها لن تكون

لرجل غيره ولا امرأة أخرى تأخذ مكانها تلوث الوعد بالواقع

وتهادت الأحلام كالسراب فكان رد فعلها قاسيا عليه كما على

قلبها المتيم به فرفضت سماع كل ما يريد قوله ... يذكر كم

شتمته وقتها كم صرخت في وجهه واتهمته بالخداع وكم بكت

أمامه وبعد رحيله ... رفضت انتظاره أجل لكنها لم تستطع أن

تكون لرجل آخر غيره ، أخبرته في رسالة ما أن سمعت خبر

زواجه بأنها تزوجت من غيره لكنها لم تصدق في ذلك أبدا ،

غادرت البلاد ووالدتها وشقيقاها بعدما قطعت عليه أي أمل في

محاولة البحث عنها وهو من أصبح ابن رئيس البلاد ومن لن

يصعب عليه إيجادها لكن فكرة أنها أصبحت زوجة لرجل آخر

ولا حق له ولا في البحث عنها كبله للأبد وقتل حلمه الوحيد وكل

هذا من أجل ... صديق ، ظنه لأعوام أقرب له من أشقائه ..

من حمل معه سره ذاك بل ومن ساعده مرارا في مقابلة تلك

الحبيبة من خلف الحدود ومن كاد ذات مرة أن يموت من أجله

فحمل له ذاك الجميل دائما فما استطاع رفض رجاءاته ولا دموعه

التي لم يراها يوما وهو يستجدي مساعدته من أجل حبيبته أيضا

الفتاة التي رفضه أهلها لأنه لا مستقبل له كما يقولون رغم أنه

وعده بأن يساعده والده لكن ذلك لم يكن ما يتطلع له بل السفر

والدراسة والعيش في الخارج كالملوك بينما يحتفظ هو له بتلك

الحبيبة التي كثر خاطبيها منذ قاربت العشرين عاما ليصبح

العامان أربع فخمس فسبعة أعوام وكل عام بحجة جديدة وعذر

جديد إلى أن كشف عن لعبته وضمن بأنه لن يستطيع أحد أن يتسبب

له بأي ضرر هناك ... لا ذاك أبدا لم يكن صديقه الذي كان يعرفه

ومن ضحى بنفسه من أجله ... حتى معدله الدراسي في أول عام

درس فيه هناك كان مرتفعا ثم لم يعد يعلم ما حدث ؟ ما الذي سلبه

مبادئه وأخلاقه بل وقيمه الإنسانية ؟ النساء أم الخمور أو القمار أم

جميعها معا ؟ .

مسحت يده على رأس المتمسكة بحضنه حتى الآن تبكي دون

توقف وهمس بوجع

" سامحيني يا جهينة "


تمسكت بعنقه أكثر تدس وجهها فيه وقالت ببكاء

" لما لم تخبرني يا رماح ؟ لما أخفيت الحقيقة عني وقتها ؟ لما

جعلتني أكذب عليك وأخسرك وقلبي معك للأبد "

احتضنها أكثر وخبأ وجهه في قماش حجابها الناعم ونزلت الدموع

التي لم يعد يملك عزما ولا قوة على إمساكها فكان مشهدا أبكى من

حولهما فإن جهلت عمته والكاسر حقيقة ما يجري ومن تكون تلك

الفتاة المتعلقة به كتعلق الطفل بوالدته والسقيم بالحياة فلن يجهل

هويتها البقية وإن لم يروها يوما .


*
*
*

حركت الملعقة في كوب قهوتها بقوة فهذه ثالث ملعقة سكر

تضيفها وليست تفهم متى سيتحسن طعمه في حلقها !

تشعر برأسها سينفجر من الصداع في صدغيها وبعيناها

تؤلمانها وكأنها لم تنم فترة أسبوع كامل .

مررت السكين المليء بالزبدة على قطعة الخبز المحمصة لحظة

سحب ساندرين للكرسي بجوارها وجلوسها عليه ولحظة جلوس

والدتها في الكرسي المقابل لهما بعدما وضعت صحن الفطائر

الساخنة في المنتصف وقالت وهي تسكب لنفسها كوب شاي

" ماريه تبدين لي شاحبة اليوم ؟ إن كنت متعبة فلا تذهبي "

رفعت غرتها بأصابعها وحررتها سريعا لتبتعد قليلا عن وجهها

ثم رشفت من كوب قهوتها وقالت وهي تضعه مجددا

" لا تقلقي عمتي فأنا فقط لم أنم البارحة ، سأشرب القهوة

وسأكون بخير فلا يمكنني التغيب عن الجامعة اليوم أيضا "

قالت الجالسة بجوارها تمسك ضحكتها

" وما سبب سهرك طوال الليل هكذا ؟ "

وضعت كوب القهوة الفارغ وقالت ببرود

" لأن هذا يحدث معي دائما حين أزور مكان وعالم جديدين

وغريبين عني صباح اليوم التالي ، يكفيك هذا الجواب أم تريدين
المزيد آنسة ساندرين ؟ "

ضحكت الجالسة مقابلة لهما وقالت

" هي كانت تعاني من ذات الحالة سابقا ولاتنام الليلة التي تسبق

أول يوم في كل عام دراسي جديد ، وفي طفولتها إن أردنا الذهاب

للبحر أو التنزه لا نخبرها حتى صباح ذاك اليوم كي لا تمضي الليل

مستيقظة "

وقفت ساندرين على صوت ضحكتهما المشتركة ورفعت حقيبتها

قائلة بضيق

" بسرعة سيدة ماريه أو سأذهب وحدي وأتركك "

وقفت من فورها وحملت سترتها وحقيبتها ودارت حول الطاولة

حيث الجالسة هناك والتي رفعت وجهها لهما قائلة بابتسامة

" قبلة الوداع إذا يا جميلتاي ويوما سعيدا لكما "

قبلتا خدها بالتتابع ضاحكتين وكان عليهما المرور أيضا بالجالس

قرب الواجهة الزجاجية يشرب قهوته والجريدة الصباحية بين

يديه والذي ناداهما مبتسما

" لا تنسيا العجوز المسكين "

قبلت ساندرين خده بقوة متعمدة وقالت مبتسمة

" هذا ليكون يومي رائعا "

قال ضاحكا ما أن ابتعدت عنه

" أتمنى أن يكون سيئا كي لا اضطر لتحمل هذه القبلة المتوحشة
كل صباح "

ضحكتا معا وقبلت ماريه خده برقة قائلة

" أنا هكذا سيعجبني يومي كيفما كان ... أراك بخير عمي "

قال مبتسما

" حظا موفقا حلوتي "

وغادرتا من فورهما على حديث ساندرين وضحكاتها التي لا

تتوقف ، كم هو رائع ذاك الجو العائلي الحميم الذي ينعمون به

والذي يحاولون إشراكها فيه بكل صدق لتشعر بأنها فرد منهم

وجزء مهم من عائلتهم ، كانت تحلم دائما بهذا وتتمناه لكنها

ليست تعلم لما تغير كل شيء منذ عاد تيم ورأته مجددا ؟

لما أصبحت تشعر بعالمها باهتا من دونه مهما كان جميلا !

ركبت السيارة وأغلقت بابها على كل تلك الأفكار فعليها تركها

هنا فيكفيها ما حدث معها البارحة وهي تخرج كالبلهاء تبحث

عنه في الحديقة المظلمة ، كيف استطاعت تصديق دعابة كتلك

وأنه قد يكلف نفسه بالمجيء من أجلها ؟ كيف تركت عقلها

المريض به يخدعها هكذا لتتوهم كل تلك الأشياء وكأنها حقيقة !

تبا لها من غبية حمقاء مغفلة ... ليست تعلم ما كان سيحدث

وما كانت ستقول إن لم تجد هاتفه مغلقا ما أن عادت لغرفتها

وأمسكت هاتفها بكل ذاك الغضب وجربت الإتصال به ؟

أجل فهو ينام قرير العينين يرفض أي إزعاج بينما هي الحمقاء

لم تستطع النوم فقط لأنها سمعت صوته وأنفاسه ومن دون

حتى أن تراه .

رفعت غرتها بعنف متأففة وبدأت بالطرق على إطار نافذة

السيارة بأصابعها بتوتر فقالت الجالسة خلف المقود

" لا داعي للتوتر هكذا ماريه صدقيني سيعجبك المكان

وستتأقلمين بسرعة "

تنهدت متمتمة ونظرها للخارج

" أتمنى ذلك "

كانت المسافة التي استغرقتاها للوصول نصف ساعة فقط

مع تلك القيادة المجنونة للجالسة خلف المقود فقد استقرت

تلك الكلية منذ بداية القرن التاسع عشر في مدينة كامبردج

لتنظم لجامعة لندن والمسافة حتى هناك حوالي الثمانون

كيلوا مترا شرقا ، وما أن دخلا المدينة حتى سرق نظرها

كل ذاك الجمال الخارق للوصف فلطالما سمعت عن هذه

المدينة المطلة على البحر والتي يعبر خلالها نهر كام فهي

تدل على الكثير من مظاهر الحضارة الانجليزية والتقدم الحضاري

الذي وصلت إليه المملكة على مدار عصور وقرون متعاقبة

فتاريخها يعود لعصر الإمبراطورية الرومانية وهي مدينة

جامعية يقصدها الآف الطلاب سنويا .


تنفست بعمق ذاك الهواء المنعش المشبع بالماء ورائحة

الأرض الخضراء المتدفق عبر النافذة المفتوحة وهمست بانبهار

" كل شيء هنا رائع "

وصلها صوت ساندرين قائلة بابتسامة

" لازال هناك ما هو أجمل بكثير وما أن نخرج من الجامعة

سنتسكع في المدينة لباقي النهار بما أننا أخذنا الإذن من والدي

فثمة مطاعم عربية رائعة هنا وسنتناول الغداء في إحداها أيضا "

أومأت برأسها موافقة دون أن تعلق أو أن تبعد نظرها عن

معالم تلك المدينة تشعر بتوترها قد اختلط بحماس قوي لا تفهمه

ولم يعد يمكنها تخيل كيف سيكون المزيد ذاك الذي تتحدث

عنه ولا الجامعة التي سيقصدانها فمثلما أن المدينة وجدتها

مختلفة عن الصور التي رأتها عبر الانترنت فالجامعة ستكون

كذلك بالتأكيد .

" والدي يرى أن تكون لديك سيارة "

أبعدت نظرها عن النافذة لأول مرة منذ دخلتا المدينة ونظرت

للجالسة بجانبها والتي نظرت لها بدورها قبل أن ترجع بنظرها

للطريق أمامها قائلة

" ويرى أيضا أن يأخذ رأي زوجك "

شدت قبضتاها على حقيبتها لا إراديا ثم نظرت لهما في حجرها

وتمتمت ببرود

" يأخذ رأيه لما ؟ الأمر يخصني أنا وليس هو "

حركت تلك كتفيها وقالت

" وأنا هذا كان رأيي لكن والدي لم يقتنع وقال بأنه إن لم يعجب

الأمر ابن كنعان ذاك لاحقا فسيغضب ويبدوا أن والدي يعلم جيدا

معنى أن يغضب ذاك الهازاني الجلف "

تنفست الجالسة بجانبها بعمق ولم تعلق فضحكت تعض طرف

لسانها وقالت

" أنسى دائما أنه عليا أن لا أسيء لزوجك أمامك لكني لن أتنازل

عن منحه تلك الألقاب حتى يظهر عكسها وساندرين وراءه وسيتغير

رغما عن أنفه "

نظرت جهة نافذتها وابتسمت بمرارة فهذه الفتاة إن كانت تعرفه

مثلها منذ كان صغيرا ما كانت تسلحت بكل تلك الثقة ، عادت

بنظرها ليديها وقالت بجمود

" حسنا وإن غضب ما الذي سيفعله مثلا ؟ فليغضب كما يحلو له "

ضحكت ساندرين من فورها قائلة

" لن يأتي لمنزلنا طبعا ليعبر عن غضبه القاتم ذاك ولن يأخذك

أيضا بعيدا عنا لكنه سيتحفك بالتأكيد بسماع صوته الرومانسي

العذب في مكالمة تشبه تلك التي تكرم عليك بها البارحة "

حركت قدمها بضيق قائلة

" ليجد حلا إذا لتنقلي بين لندن وهنا فلن اتعب نفسي بالركض

خلف سيارات الأجره ولا السير حتى المحطة لركوب الحافلات ،

أو أنا من ستتحفه بسماع صوتها العذب هذه المرة "

ضحكت ساندرين كثيرا وأوقفت السيارة أمام سياج حديدي

مرتفع تحيط به الأشجار من جانبيه في تداخل غريب ومدهش

وقالت هي تفتح باب السيارة وتنزل منها

" سيغضب حينها بالتأكيد لأنك اتصلت به ولم تراسليه كما أمر ،

هيا وصلنا لعالمك الجديد الرائع ماريه "

تنهدت بضيق ولم تعلق ونزلت أيضا مغلقة بابها وتبعتها فورا

وقد اجتازتا ذاك السياج المرتفع والمساحة الخضراء الواسعة

خلفه لتجد نفسها أخيرا أمام عالمها الجديد كما وصفته وكان

المكان وكما توقعت مختلف تماما عن كل تلك الصور التي شاهدتها ...

المبنى المرتفع بلون الحجر الطبيعي النوافذ الطويلة المقوسة

واتساع ذاك المكان بشكل الذي يثير نوعا غريبا من الرهبة

والفضول ، وما أن كانتا في الداخل حتى اتضح لها الاختلاف

الحقيقي عن مخيلتها وهي ترى تجمعات الطلبة الذين يملؤون

المكان ... شبان ببذل رسمية وحقائب حواسيب أو ملابس أنيقة

مرتبة وفتيات لا يختلفن عنهم في ذاك المظهر والأغلبية يكبرونها

بكثير ! أجل كيف نسيت أن أغلب التخصصات هنا هي للدراسات

العليا وأن خريجي تلك الجامعة يحملون شهادة الماجستير

والدكتوراه وأن من هم في مثل سنها قلة أمامهم وجميعهم

طلبة متفوقون أو ما كان قد تم قبولهم هنا ، تحركت الواقفة

بجانبها ناحية الداخل فتحركت معها تنظر لهدفها المحدد وهي

لوحة الإعلانات الضخمة كي لا تلهي نظرها بما حولها وتقع

على وجهها كما حدث معها عندما دخلت المدرسة لأول مرة في

حياتها في بلدتها الصغيرة ( توز ) في ذاك اليوم سرق انتباهها

الأطفال الذي كانوا يلعبون في دائرة يمسكون بأيدي بعضهم

فتعثرت بحجر في طريقها ولم تشعر بنفسها إلا ووجهها

في التراب ليملأ بكائها المرتفع المكان ، فكان عليها أيضا أن

تتلقى توبيخا معتبرا من الذي دخلت تسير برفقته قبل أن

يتحول كل ذاك التوبيخ الغاضب لمحاولات مضنية لإسكاتها

ينفض عن ثيابها التراب ويمسح دموعها بكفه ، ابتسمت

بحزن بل وبألم ومرارة وهي تتذكر كل ذلك وكلمات والدته

تلك المرة ( الرجال الصامتون أمثاله يصبحون متعبين جدا

مستقبلا يا ماريه ) فليتها رأت ابنها ذاك أي رجل أصبح وقد

فاق جميع تكهناتها

" جميل محاظرتك كما هو وقتها في الجدول لديك وأمامنا بعض

الوقت لنتعرف على المكان "

نظرت للتي كانت تشير بإصبعها على اللوح الزجاجي والتي

سحبتها من يدها قائلة

" تعالي لتري أجمل مكان هنا "

تبعتها شبه راكضة بسبب سحبها لها وهمست معتذرة من الشاب

الذي اصطدمت بكتفه وقد أومأ لها مبتسما ومتابعا طريقه .

" ساااندي "

وقفتا كلتيهما واستدارتا فور سماعهما لذاك الصوت الرجولي

المنادي بصوت مرتفع لحظة اقتراب الذي كان يجتاز شخصين

مارا بينهما ليصل لهما فأسرعت ساندرين نحوه وحضنته مقبلة

خده على نظرات ماريه المستغربة وقد قال لها

" كيف أنتي يا مشاغبة ؟ "


سحبته جهتها قائلة بابتسامة

" لو أردت الاطمئنان علي لكنت زرتني يا كاذب "

وما أن وصلا لها حتى قالت ساندرين

" هذا كين شقيقي يا ماريه "

فابتسمت له من فورها وهمست " سررت بمعرفتك "

فمد يده لها مبتسما فصافحته بعد تردد للحظة وقال بابتسامة مرحة

" أنتي بالتأكيد ماريه التي حدثني زوج والدتي عنها ، أنتي أجمل

مما كنت أتوقع بكثير "

سحبت يدها منه بحياء وضربته الواقفة بجانبه على كتفه قائلة

" أمسك لسانك عنها لأنها متزوجة ولا أريد أن أقول لك من

يكون زوجها ذاك "

دفعها من وجهها بيده وقال بضحكة

" أعلم من يكون إنه قريبك الذي لا يعترف بك أبدا "

نظرت له بحنق تمسك وسطها بيديها على نظرات الواقفة

أمامهما مبتسمة فيبدو أن شقيقها يشبهها في أشياء كثيرة من

ناحية الطباع بما أنهما متناقضان تماما في شكليهما فبينما

ساندرين ذات شعر أشقر وعينان عشبية وإن كانت تخفيهما

فشقيقها بشعر شديد السواد وعينان واسعة سوداء أيضا ،

له أنف مستقيم مقوس قليلا بطريقة رجولية مميزة وشفاه

محددة وشارب ولحية خفيفان وبشرته تراها فاقت شقيقته

بياضا بدرجات رغم بياض بشرتها وكان له طول معتدل كجسده

تماما فهو بالنظرة الشاملة شاب وسيم ومرح أيضا يمكنه أن

يخطف قلب أي فتاة وبكل سهولة .

" أنتي طالبة هنا كما فهمت ؟ "

استفاقت لنفسها ولسرحانها في ملامحه وأبعدت نظرها عنه

للأسفل وقالت

" أجل وهذا يومي الأول هنا "

رفع كفه وقال مبتسما

" جميل إذا ستتاح لي فرصة أن أعرفك على المكان بطريقتي "


أمسكت ساندرين بيدها وقالت

" شكرا لكرمك كين لكن ماريه برفقتي ونرفض أي إزعاج ذكوري "

أمسك بيدها الأخرى وسحبها منها قائلا

" تعالي سأعرفك بأشخاص سيفيدونك أكثر من هذه المتهورة

الحمقاء "

وسار يسحبها معه مستسلمة فلا حيلة لها في كل هذا بينما

تبعتهما شقيقته قائلة بحنق

" كين ابتعد عن الفتاة فورا "

التفت لها وهما يسيران أمامها قائلا بضحكة

" انتهت وظيفتك يمكنك المغادرة "

لكنها لحقت بهما وسارت معهما قائلة بضيق

" في منامك يا أحمق "

فضحك ولم يعلق ولازال يمسك بيد التي تسير مسرعة لتجاري

خطواته ولم تترك نظراتها كل تلك التجمعات الطلابية وتستغرب

أن صراخ هذين الأخوين لم يلفت انتباه أحد منهم !!

وهذا أول اكتشاف لها عن طباع الناس هناك

( ما لا يخصك لا يعنيك )

وصل بها عند مجموعة فتيات ووقف حيث التفت الجميع له

وقال مبتسما

" صباح الخير يا جميلات "

وبدأت كل واحدة منهن برد تحيته وقد اندمج معهن سريعا وقد

لاحظت أن أغلبهن كن يعرفن اسمه وكيف تستغرب ذلك إن كان

كما قالت شقيقته عضو مهم في اتحاد طلبة الكلية أي أن الجميع

هناك تقريبا يعرفه .

دمجها في الحديث معهم سريعا وإن كان بكلمات قليلة وعلمت

أنهم يدرسون في السنة الثانية الآن وفي ذات تخصصها وقد

بدأن بسرعة يبدين استعدادهن لمساعدتها متى أرادت فقد

لاحظت أن هذا الشاب يملك سحرا مميزا خاصا به ليس من

ناحية وسامته وشكله الخارجي فقط بل وليونته ولباقته ومرحه

وكأنه يملك عصى سحرية يجعل من حوله رهن إشارته في لحظات .


*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 01-11-17, 08:11 PM   المشاركة رقم: 524
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 


*
*
*


نظرت مبتسمة والدموع تملأ عينيها للجالسان بعيدا عنهم

يتحدثان بهمس ويديه تمسكان بيدها بقوة يمسح بين الحين

والآخر تلك الدموع التي تنساب على وجنتيها المحتقنتان

بالدماء منفصلان تماما عن كل ما حولهما لا يهتمان لوجود أحد

ولا والدتها الجالسة تحاول الانسجام مع ما قد تقوله هي أو عمتها ،

لا يمكن لأحد أن يلومهما فما حدث معهما يحتاج لأن يجلسا دهرا

ويتحدثان فيه ، مسحت دمعة جديدة تغلبت على حاجز تلك الرموش

السوداء الكثيفة ومررت أناملها بنعومة على شفتيها تهمس بحزن

حامدة الله على الهدية التي منحها لشقيقها الليلة تحديدا ، لم تستوعب

حتى الآن كل ما حدث وكل تلك الألغاز والمفاجآت التي تفجرت هنا

فمن كان يصدق أن وراء زواجه من جليلة وتركها بعيدة عنه

وصمتها هي عن الأسباب كل هذه القصة المليئة بالتعقيدات !

هي تعلم مسبقا أن جليلة إنسانة كتومة للغاية وإن استأمنها

أحدهم على أي أمر وإن قتلوها ما أدلت به ولم تستغرب

تصرفها ذاك بعد أن علمت أن رماح طلب منها ذلك فلم تخبرها

ولا هي صديقتها المقربة وابنة خالتها عما حدث ...

كم عانت تلك الفتاة وتحملت وآخر ما طعنها به ذاك الوغد أن

أخبرها متبجحا بأنه السبب في فراق رماح عن حبيبته فقط

ليكمل مخططه وهذا ما كان مخفيا عن جليلة تماما ولم تعرفه

إلا بعد حادث رماح وسفره ، بقدر سعادتها بلقاء شقيقها لحبيبته

أخيرا تشعر بالأسى على ابنة خالتها التي اختارت أن ترمي

بنفسها فريسة لأحاديث الناس من جديد ، فإن كان الجدل لم

يتوقف يوما حول زواجها الصوري برماح فما ستكون النتائج

الآن إن هو تزوج بتلك الفتاة بعد أن طلقها وأي ثوب هذا الذي

سيلبسها إياه الناس من جديد وبأي لقب ستلقب ؟

تنهدت بأسى فإن كان بإمكانها فعل شيء لأجلها لفعلته لكن

ما حيلتها وهي من رفضت وبإصرار أن يتحدثوا عن حقيقة

ما حدث ومعها حق في ذلك فالألسن لن ترحمها في كلا الحالتين

وتعرف ابنة خالتها جيدا لن يكون رفضها إلا لسبب واحد وهو

رماح وليس نفسها فهي ما أن أوصلت تلك الفتاة ووالدتها إلى

هنا غادرت حياتهما وللأبد رافضة حتى المكوث معهم لبعض

الوقت ورعد ما أن أوصلها لم يرجع أيضا وكأنه يتعمد الابتعاد

عن المكان قدر الامكان .

نظرت للذي يتكئ بخده على يده ويتثائب من الحين للآخر

وقالت مبتسمة

" كاسر لما لا تصعد لتنام قبل أن تقع على وجهك "

ضحكت جويرية بينما اكتفت ضيفتهم بابتسامة صغيرة وقال

هو بضيق

" أمي هل يعجبك هذا ؟ "

قالت جويرية مبتسمة

" لن ينام طبعا خشية أن يفوت شيئا "

ابتسم من فوره وكأنه لم يكن مستاء منذ قليل وقال

" أجل فلسنا نشاهد هذا كل يوم "

وضعت عمته كفها على فمها تنظر له بصدمة بينما أخفضت

المرأة نظرها للأسفل في صمت وتجهم ولم تخفى عنه نظرة

غسق الغاضبة أبدا فقفز واقفا وقال

" يبدوا أنه عليا النوم فعلا ، سعدت جدا بالتعرف عليك يا خالة "

وغادر المكان مسرعا وكأنه لم يكن يعترض منذ قليل ، وقفت

الجالسة بجانبها وقالت تنظر لابنتها هناك

" جهينة علينا المغادرة الآن "

وقفت تلك من فورها مع وقوف غسق وعمتها قائلة

" الوقت متأخر فأين ستغادران الآن ؟ اقضيا الليلة هنا وغدا

يمكنكما المغادرة حيث تريدان "

قالت من فورها

" شكرا لكرمك يا ابنتي لكننا سنقضي الليلة في الفندق وعلينا

المغادرة باكرا والسفر سيأخذ منا وقتا فأبني مريض ولا يمكنني

تركه لوحده لوقت طويل مع شقيقه وزوجته فأبنائهما مشاغبون

وسيتعبونه "

قالت غسق بإصرار ودون يئس

" وإن يكن تناما هنا الليلة وغدا تسافرا فالوقت تأخر على خروجكما

وحيدتين تجوبان فنادق المدينة "

أدار الجالس هناك كرسيه ناحيتهم وقال

" غسق اطلبي من الحراس أخذهما ولن يصعب عليك إيجاد فندق

مناسب لهما الليلة والفنادق هنا ملك لمملكتك جميعها ، علينا احترام

رغبتهما في المغادرة "

تنهدت باستسلام ورفعت هاتفها من الأريكة وتحدث مع الحراس

في الخارج وما هي إلا لحظات وكانت تلك الفتاة ووالدتها يودعونهم

وقد غادرتا كالحلم مثلما دخلتا ولم تخفى عنها نظرة الحزن التي

لمحتها في عيني الذي لم تتركهما نظراته حتى أغلق الباب خلفهما

ولا أن تلك الفتاة لم تودعه ولا بكلمة قبل خروجها ! توجهت جهته

وحركت الكرسي به قائلة

" وأنت أول من عليه أن ينام ويرتاح وصباح الغد سيكون لديك

كرسي كهربائي بدلا من هذا لتتحرك به بحرية "

وصلت به غرفته في الطابق السفلي وأدخلته لها فقال ما أن وصلت

به جهة السرير

" شكرا لك يا غسق يمكنني الاعتناء بنفسي لا تتعبي نفسك

شقيقتي "

حركت رأسها بالرفض فتنهد بعجز وقال

" حسنا عليا دخول الحمام أولا فهلا ابتعدت عن طريقي "

ابتعدت قائلة بضحكة

" أجل وسأنتظرك هنا "

وما أن أغلق باب الحمام خلفه انتقلت لسريره وأبعدت الأغطية

عنه وعدلت له وضع الوسائد تكابد الدموع التي تقاطرت رغما

عنها على تلك الأغطية البيضاء وهي تسمع صوت أنينه المتألم

من خلف ذاك الباب الأصم وهو يحاول تحريك جسده عن ذاك

الكرسي ، وقفت على طولها تمسح الدموع التي ترفض التوقف

لا تريده أن يخرج ويراها لأنها تعلم بأن جل ما يحتاجه رجل في

حالته أن يشعر بأن جميع من حوله أقوياء ويتصرفون وكأن شيئا

لم يتغير لكن هذا فوق طاقة احتمالها ولم يعد يجدي استجدائها

الفاشل لدموعها لتتوقف حتى تختلي بنفسها وتستسلم وحيدة

هناك لآلامها وحزنها ، مسحت عيناها بقوة وأدعت الانشغال

بدرج الطاولة بجانب السرير ما أن انفتح باب الحمام خلفها

وقالت تتجنب النظر له

" هنا وضعت كل ما قد تحتاجه وهذا الجهاز موصول بغرفنا

نحن الثلاثة أنا وعمتي والكاسر ، زر غرف الحراس في الخارج

لوحده هنا ، زر غرفتي هو الأول وسأكون لديك ما أن تضغطه

وفي أي وقت كان "

وما أن سمعت صوت العجلات قد أصبحت قرب السرير دارت

خلف الكرسي وعدلت وضعه بجانبه قائلة وهي تمسك بمسنده

الحديدي

" هذا يمكن إنزاله هكذا وبذلك سيكون بإمكانك التنقل منه للسرير

متى شئت فالسرير مصمم بنفس ارتفاعه "

وتابعت تمسك بيده وذراعه

" هيا سأساعدك هذه المرة "

انتقل له بمساعدتها وما أن انحنت لترفع له ساقيه قال

ممسكا يدها

" شكرا لك يا غسق أستطيع وحدي فعل هذا "

وقفت على طولها وتركته يرفعهما بنفسه تكابد الألم والدموع

وهي ترى صعوبة الأمر عليه والجهد المضني الذي بذله دون

يئس ، غطت ساقيه باللحاف وقالت

" ما أن تستلقي سيكون سحبه فوق جسدك سهلا هكذا "

ثم استوت واقفة مجددا ، تعلم بأنه لا يمكنه النوم بهذه الثياب

لأنها ليست مريحة لكنها تعلم رده جيدا إن هي قالت هذا ورعد

يبدوا قرر المبيت خارج المنزل أو أنه غادر العمران منذ وقت

وعمتها لم يخفى عليها من وجهها أن ضغطها مرتفع وتكابر فقط ،

توجهت للخزانة وأخرجت قميص بجامة النوم التي اشترتها له

مع باقي الثياب الجديدة واقتربت منه قائلة

" هذه سترتاح فيها أفضل من هذا القميص يا رماح والاعتراض

ممنوع "

تنهد بضيق واستسلم لعنادها لأنه يعرفه جيدا فساعدته على نزع

قميصه وإلباسه إياها ثم جلست على الكرسي الذي تركه منذ قليل

تمسك قميصه الذي نزعه بين يدها وقالت تراقبه وهو يغلق

الأزرار ونظره على ما يفعل

" رماح ماذا قررتما أنت وجهينة ؟ لم يعجبني طريقة رحيلها أبدا ،

لا تكن قسوت عليها يا شقيقي ؟ "

أغلق آخر زر واتكأ لظهر السرير متنهدا بتعب وقال ناظرا

للأعلى بشرود حزين

" ما ذنبها يا غسق تفني باقي عمرها مع رجل كسيح مثلي كل

ما ستفعله هو خدمته طوال اليوم ، حتى إن أراد كوب ماء

سيكون عليها جلبه له "

كابدت دموعها بكل إرادة وعزيمة وقالت معترضة

" ليس صحيحا ما تفكر فيه يا رماح ، جهينة تحبك ولن تتضايق

من ذلك أبدا مادامت بقربك ، لما ترفضون أنتم الرجال رؤية

الأمور كما نراها نحن النساء ؟ "

أمال رأسه قليلا ونظر لها وقال

" لأنكم تنجرفون خلف العواطف يا غسق ثم تكتشفون وسريعا

جدا فضاعة ما أقحمتن أنفسكن فيه عكسنا نحن الرجال نحكم

العقل مهما ألحق الأمر ضررا بأنفسنا لكن الأمر سيصب في

مصلحة المرأة نهاية الأمر مهما رفضت الاعتراف به "

شدت قبضتيها على قماش قميصه بينهما وقالت بضيق

" مخطئ يا رماح فليس أي قرار يتخذه الرجال يكون سليما

ويصب في مصلحة المرأة "


قال من فوره

" إن كان يحبها فبلى "

كانت ستعترض فقاطعها بجدية

" لا أريد أن يكون قرارها بدافع شفقة أكثر من كونه بدافع

الحب يا غسق ، أعلم أن جهينة أحبتني في الماضي وبقوة لذلك

أريد أن تكون تلك المشاعر ما يدفعها نحوي الآن وليس أملا

كسيرا في أن أسير مجددا "

حركت رأسها برفض وقالت والدموع تملأ عينيها

" لكنك قد تسير يوما يا رماح فثمة أمل "

أبعد نظره عنها مجددا وقال بسخرية تنطق مرارة

" لا تحاولي الكذب على نفسك وإيهامي بذلك يا غسق فأنا أعلم

بكل ما قاله الأطباء "

قالت من فورها

" لكنك تشعر بهما يا رماح ، ولما كل هذه الأدوية التي ألزموك

بالتقيد بها إن لم يكن ثمة أمل "

همس ببرود وكأن الأمر يخص شخصا غيره

" مجرد وهم يحاولون غرسه في قلوب مرضاهم ليعيشوا على

الأمل وإن كان ميتا ، ثم أنا راض بقضاء الله ولم ولن

أعترض عليه "

مسحت عينيها بظهر كفها بقوة تحاول منع الدموع من التسرب

منهما وقالت بحزن

" لكنك تظلمها بكل هذا يا رماح وستتركها تضيع منك مجددا ،

لو لم تكن تحبك ما كانت لتختار البقاء معك وليس ثمة شيء

كان سيجبرها على فعل ذلك وما كانت لتقطع كل هذه المسافة

من أجلك ولا لتتفهم موقفك من تركها كل هذه الأعوام وتغفر لك "

نظر لعينيها وقال مباشرة

" إن كنت مكانها أكنت ستغفرين يا غسق ؟ "

نظرت له باستغراب وكانت ستتحدث فقاطعها قائلا

" لو شرح لك مطر شاهين أسبابه هل كنت تغفرين له بدافع

الحب يا غسق مهما كان عظيما في قلبك ؟ "


نظرت له لبرهة بصدمة قبل أن تقول

" وما علاقة هذا بموضوعك وجهينة ؟ "

قال من فوره

" أجيبي عن سؤالي يا غسق هل تغفرين له إن قدم لك أسبابا قوية "

وقفت على طولها وقالت

" لا أسباب تشفع له يا رماح وما فعله بي ابن شاهين يختلف عما

حدث معكما ولا وجه مقارنة أبدا "

قال بجدية

" بل الوضع هو ذاته فهل سيكون قرارك كقرارها يا غسق ؟ "


غادرت من عنده دون أن تجيب وقالت وهي تغلق الباب خلفها

" جل ما أتمناه أن لا تظلمها مجددا يا رماح فجراح المرأة لا

تندمل بسهولة يا شقيقي "

وغادرت مغلقة له خلفها فرفع رأسه ونظره للسقف وأغمض

عينيه وتنهد بعمق هامسا

" بت أفهم لما يرفض ذاك الرجل شرح أسبابه لك يا عنيدة "


*
*
*

خرجت من عنده تمسح الدموع التي تمردت عليها من قبل

أن تصل لغرفتها وتعطيها الإذن ففوق شعورها بألمه وعجزه

كسرها بقراره رفض حبيبته التي عاش وفيا لحبه لها لأعوام

طويلة وحرم منها وفاء لصديقه ، وصلت بهو المنزل لحظة ما

انفتح الباب ودخل منه رعد و أغلقه خلفه فقالت تنظر له

باستغراب

" ظننتك ستنام خارجا أو أنك غادرت المدينة ؟ تأخرت

كثيرا يا رعد "

وصل عندها وقال وهو يمسح بطرف سبابته الدموع

من رموشها

" أردت أن أبتعد قليلا تعلمين كيف هو الوضع ، ثم ألم أنهاكم

عن البكاء أمامه ؟ لا تشعروه بشفقتكم يا غسق بل بقوتكم فهذا

ما سيفيده "

أنزلت نظرها لقميصه بين يديها وقالت بحزن

" رفض الفتاة التي يحبها وجاءت من أجله بسبب اللعنة المسماة

شفقة ، ظلمها يا رعد وظلم نفسه معها "

وصلها صوته الهادئ فورا

" من الطبيعي أن يشعر بهذا يا غسق فلا تلوميه فأي رجل مكانه

سيقرر ذات القرار "

رفعت نظرها له مجددا وقالت بحزن وعيناها تمتلئ بالدموع مجددا

" لكن لما و كثيرغيره في مثل حالته تزوجوا ولهم أطفال ؟

هل حالته لا تسمح بذلك ليرفض أن تكون له مجرد ممرضة ؟

" لم تخشى يوما من شيء كخشيتها من جوابه ذاك الوقت حتى

أنها شعرت بقدميها تخونانها وهي تترقب ما سيقول وقد أخفض

رأسه ونظره وقال

" بلى يمكنه ممارسة حياته وبشكل طبيعي ، حمدا لله أن الضرر لم

يصل لأن يشمل نصفه السفلي كاملا لكان فقد حتى التحكم في بوله "

شعرت بقلبها انقبض رغم ارتياحها لجوابه وحمدت الله على كل هذا ،

تعلق نظرها بعينيه وقالت بتوجس

" حتى أنه دخل الحمام بمفرده ... هل يعني هذا مؤشرا جيدا

يا رعد ؟ "

حرك رأسه بعجز وقال

" كلام الأطباء كان متناقضا ولن تعرف فيه الصواب من الخطأ

بسهولة فالإصابة تضررت منها الفقرات السفلى والانقطاع في

الحبل الشوكي كان جزئيا فلم تعد تصل إشارات الدماغ لساقيه

بالكامل ولم يصل الضرر لمنطقة الحوض ، بعض الأطباء قالوا

أن المشكلة الأساسية قد تكون في أعصاب الدماغ المختصة

بحركة الجزء السفلي نتيجة الضربة القوية التي تلقاها على

الرأس وآخرون قالوا بأنه لا وجود لأي تلف في أعصاب الدماغ

وهذا ما أثبتته الفحوصات والأشعة ، البعض قال بأنه مع الوقت

قد يموت بأقي ذاك النصف والبعض نصح بزراعة خلايا جنينية

في نخاعه الشوكي وهو آخر ما توصل له الطب في مثل هذه

المشاكل ورجحوا أنه قد يتمكن من السير مجددا وإن برجوع

ساق واحدة للحياة والحركة "

ضمت يديها أمام شفتيها ونزلت دموعها وقد همست

" هل سينفع ذاك الحل حقا يا رعد ؟ لما لا نلجأ له سريعا إذا ؟ "

تنهد بعمق وقال

" أغلب التجارب كانت على الحيوانات أما البشر فأبدت أجسادهم

تفاعلا إيجابيا وإن كان جزئيا ونسبة من نجحت عمليتهم تلك ضئيلة

فقد تمكن من الحركة وإن بشكل جزئي واحد من خمسة أشخاص ،

تكلفة تلك العملية والعلاج الفيزيائي هو رقم خيالي لم يستطع إلا

القلة توفيره والألآم الناجمة عنها أضعاف ما قد رآه من قبل "

قالت من فورها

" لن يعجزنا دفع المال له يا رعد فلما التردد ؟ "

رفع كتفيه وقال بأسى

" رماح من يرفض ذلك خاصة أن البعض تردت حالتهم للأسوأ ،

الأطباء قالوا أن ما يمر به أمر طبيعي فمن كثرة ما تحمل من ألم

وعمليات وتمارين سيرفض أي مسببات أخرى لتلك الآلام ، قالوا

إنه إن امتلك الحافز فسيتشجع للتجربة وظننت أن لقائه بتلك الفتاة

قد يحفزه لتغيير وضعه "

تنهدت بأسى قائلة

" هو يرفض شفقتها كما أن أملها في شفائه يراه مجرد تعلق

برماح الماضي الذي قد لا يعود أبدا ويريدها أن تقتنع به كما

هو وأن تكون مشاعرها ما يدفعها للبقاء معه وليس شفقتها

على وضعه "

أومأ برأسه بتفهم هامسا

" لن نضغط عليه يا غسق اتركيه يقرر ما يراه في صالحهما "

نظر بعدها للأسفل وقال

" أرى أن نعين ممرضة لتهتم بعلاجه الفيزيائي بانتظام ولتكون

قربه إن احتاج شيئا "


قالت من فورها وبضيق

" ولما الممرضات ؟ هو لا يعاني من شلل كامل ليبقى سجين

الفراش تهتم به ممرضة ، سأتفق مع المستشفى هنا ليأتي

الطبيب يوميا من أجل التمارين والعلاج وسأوفر جميع المعدات

التي سيحتاجها هنا وسيتنقل بحرية ويفعل ما يريد كالسابق

وباقي الأمور سأساعده فيها ولن أتركه إلا نائما أو إن كنت في

الجمعية وحينها ستتكفل عمتي بكل ما يحتاجه "


نظر لها وقال


" بل سيحتاج لأكثر من ذلك وأوله تغيير ملابسه واستحمامه ...

الكاسر لا يمكنه فعل ذلك وحده لذلك عليا أن أكون هنا من

وقت لآخر "

أشاحت بوجهها جانبا وقالت بحزن

" يحتاج لزوجة يا رعد لكنه عنيد وسيجرح تلك الفتاة فوق كل

ما حدث لها طيلة هذه الأعوام "

وصلها صوته الواثق مباشرة

" سيرجعان يا غسق لا تخافي "

رفعت نظرها له سريعا تنظر لعينيه بحزن من وسط بريق الدموع

التي ملأتهما وهمست بأمل

" تظن ذلك ؟ "

أومأ برأسه إيجابا وقال

" إن كان شقيقي رماح الذي أعرفه وإن كان يحبها فعلا سيقبلها

في حياته بل وسيحارب إعاقته لأجلها إلا إن خذلته هي في

اختباره هذا لها ومتأكد من أنه أخبرها بأنه لن يسير مطلقا

لتفقد الأمل في ذلك "

أنزلت رأسها وغطت وجهها بكفيها تبكي بمرارة فوضع يده

على كتفها وقال بحزن

" غسق يكفي بكاء فلن يجدي هذا في شيء سوى إرهاق

قلبك وجسدك ، رماح لن يحبه أحد أكثر من خالقه ولن يجلب

له إلا ما فيه الخير له وإن بقي على الكرسي كل عمره

وبلا زوجة ولا أولاد "

ركضت من عنده وصعدت السلالم تسقي عتباته بدموعها التي

لم تستطع اليوم إخفائها عن أي أحد منهم لتحررها فقط بين

أغطية سريرها ووسائده كالسابق ، وصلت غرفتها ودخلتها

مغلقة الباب خلفها ورمت هاتفها وحجابها ليتحرر ذاك الحرير

الأسود الطويل وارتمت على السرير لتنسكب باقي تلك الدموع

ترافقها عبراتها التي سجنتها بداخلها طوال الوقت تبكي

بمرارة متجاهلة ذاك الهاتف الذي بدأ بالرنين منذ وقت ودون

توقف وأن هذا الوقت المتأخر لا أحد يتصل فيه ، أبعدت يدها

وسحبت هاتفها الذي علا برنين رسالة بعد كل تلك المحاولات ،

نظرت للرقم أولا وعقدت حاجبيها باستغراب فليس مدونا لديها !

مسحت الدموع عن عينيها بطرف باطن كفها لتنظر بوضوح

لتلك الأحرف التي جعلت العالم يتوقف من حولها

( غسق قسما إن لم تتوقفي عن البكاء الآن لن يمنعني عنك

سوى الطريق من حوران لمنزلك (

فرمت اللحاف عنها فورا وغادرت السرير وأطفأت نور الغرفة

بضربة غاضبة من يدها على ذاك الزر لتغرق في ظلام دامس .


*
*
*

" لننتظر حتى يرجع والدك يا وقاص لا أريد حقا مشاكل بينك

وبين زوجته ولا تتحدث مع جدك عن الأمر بما أنه لم يعلم بعد "

أومأ برأسه موافقا ونظره وتركيزه لم يعد معها بل حيث تلك

الشرفة هناك والتي تظهر له من خلف النافذة المغلة والجالسة

على حافتها تتلاعب النسائم الربيعية بخصلات من شعرها الأشقر

الطويل منهمكة فيما تفعله وهي تمسك في يديها دفترا وقلم رصاص ...

( ترسم ) لابد وأن ذاك ما تفعله والغريب هو مكان جلوسها حيث

الغرفة المخصصة في تصميم المنزل كغرفة لشرب القهوة بواجهة

زجاجية كاملة تفتح على شرفة باتساع تلك الواجهة بأكملها وهم لا

يستخدمونها لأنهم لا يلزمون أنفسهم بعادات تلك البلاد وليس للقهوة

وقت محدد لديهم ، يستغرب أن خرجت من عزلتها وإن لعزلة جديدة

لكنها ليست سجنها الدائم ولأول مرة تفعلها ! منذ طلبت منه مرافقتها

أن يتركها لوحدها لم يقترب من جهة غرفتها ولم يراها ويبدوا أنها

بالفعل كانت تحتاج لأن تكون لوحدها ويرى أنها باتت أيضا أفضل من

السابق فأن تقصد مكان آخر غير غرفتها وتمسك دفترا وترسم علنا

أمر لم يسبق أن فعلته وليس يعلم أهو تأثير حالتها الأخيرة ومواجهتها

لجدها أم أن ذاك الرأس المليء بالغموض والعقد والمتاهات يفكر

بطريقة جديدة ويناور للهجوم بأسلوب مختلف ؟

" وقاص لما لم تتصل بزوجتك بني وإن من باب العشرة وكونها

لازالت زوجتك ؟ "

نظر للتي أخرجته من عالم تلك الشقراء الغامضة لواقعه المرير

وقال بضيق

" خالتي كم مرة سأعيد ما قلت ؟ جمانة ذهبت لإجراء جراحة

تجميلية سخيفة أنا لست راض عنها أساسا لأتصل بها ، ثم تعلمي

كالجميع أني لا أحب التدخل في خصوصياتي ولا أراكم تبحثون إلا

عما يكدرني "

تنهدت بعجز وتمتمت مغادرة

" كما تريد بني فقط لا تغضب مني "

وغادرت نظراته تتبعها حتى خرجت فنظر جهة النافذة مجددا

وللتي لازالت جالسة مكانها هناك وقد رفعت الدفتر أمام وجهها

ولازالت ترسم في تلك الورقة تثبتها كلوحة أمامها فاقترب بخطواته

حتى أصبح مقابلا للنافذة تماما ولتلك التي ترسم في الورقة المعلقة

في الهواء وكأنها تنقش رسومها في الفراغ ، يحار دائما كيف ترى

الأمور التي يرونها هم ؟ هل السلبي سلبي بالنسبة لها مثلهم أم

العكس ! وكذلك بالنسبة لكل شيء إيجابي حولها ؟ أحيانا يشعر

بأنها تراهم عكسهم تماما أو أنها ترى كل شيء حولها سلبيا

وهذا هو الخيار القاسي والأقرب للحقيقة ، التقت نظراتهما فجأة

حين أنزلت الدفتر من أمام وجهها وتبادلا نظرة طويلة صامتة

قرأت فيها الجالسة هناك بسهولة جميع تلك الأسئلة التي تدور

في رأسه عن ماضيها وما تخفيه كما قرأ هو رفضها التام لأن

تشاركه شيئا منه وإن من باب إشعال فضوله عمدا ، لم يتراجع

للخلف ولم يبعد نظره عنها حتى أبعدته هي عنه وأغلقت دفترها

الكبير قبل أن تقفز من حافة الشرفة وتدخل متوارية عنه خلف

الباب الذي أغلقته خلفها


*
*
*



أغلق محفظته ما أن شعر بتلك اليد على كتفه وانسحب من

عالمه الذي كان يسبح فيه وحيدا ليرجع لأرض الواقع ما أن

انحجبت صورة تلك الطفلة عنه خلف القطعة الجلدية الجامدة

الباردة ليطوي معها ذكرياته ككل مرة يفتحها فيها ويجلس متأملا

تلك الملامح الطفولية الجميلة ... عيناها بلونهما الأخضر

المشعتان مرحا وتفاؤلا والشعر الغجري الطويل شديد الشقرة

والشفاه الزهرية الصغيرة المبتسمة بسعادة لم تشوهها هموم

الحياة رغم الألم في تلك الحقبة ورغم الحروب والموت والدماء ،

فهكذا هم الأطفال وحدهم من لم تكن تلون دواخلهم بالحزن والسواد .

جلس الذي سحب الكرسي الموجود أمامه في ذاك المقهى الهادئ

المفضل لديه وجلس متمتما ببرود

" كم مرة بالله عليك تنظر لصورة حبيبتك تلك يوميا ؟ "

ابتسم من فوره وأطفئ عقب سيجارته في المطفئة الزجاجية

الموجودة منتصف الطاولة الدائرية بينهما وقال وهو يدس تلك

المحفظة في جيبه

" كلما اشتقت لها "

مط الجالس أمامه جسده مشبكا يديه خلف عنقه ومادا ساقيه

الطويلتان تحت الطاولة ورافعا رأسه للأعلى متنهدا بتعب وكأنه

يتخلص بذلك من كل ذاك الإرهاق المتراكم فقال الذي كان يراقبه بكسل

" كيف كانت مهمتكم هذه المرة ؟ ستيفن أخبرني أنك أصبت في

ذراعك ، أنت تجازف بحياة يحتاجها غيرك أكثر منك يا تيم ومن

أجل رجال انجليز موتهم كحياتهم بالنسبة لنا "

همس الذي لازال يرفع رأسها للأعلى وقد أغمض عينيه ببطء

وبذات بروده المعتاد

" ليس يعنيني هوية الشخص بل ما كرست عملي لأجله ، أمثالك

لن يفهموا ما أقوم به فسأوفر عليك ونفسي الشرح "

كتف الجالس أمامه يديه لصدره ولازال يراقب ذاك الصدر العريض

الذي كشفت عضلاته طريقة جلوسه تلك وذقنه البارز قليلا وملامحه

المشدودة رغم وضعه المسترخي تقريبا وقال ببعض الضيق

" حسنا أبعد حياتك التي هي آخر ما يعنيك جانبا وأيضا نحن

أصدقائك الذين قلما يراك أحدنا أساسا ، ولنبعد الوطن وما تفعله

من أجله معنا لكن ثمة زوجة لك إن نسيت ويحق لها أن تحافظ

على حياتك من أجلها أم لا تفكر في أن تكون لك عائلة يوما ما ؟"

رفع الجالس أمامه يديه من خلف عنقه وعدل جلسته مخرجا

علبة السجائر من جيبه وسحب إحداها منها بشفتيه وتمتم وهي

بينهما يشعلها بالقداحة في يده الأخرى

" إن كان غرضك الانتقام مني بسبب صاحبة الصورة فلن تنجح

في هذا "

تنهد المقابل له بيأس منه وقال

" لم يكن ذاك غرضي مما قلت وأنت من يعلم جيدا من تكون

صاحبتها "

دس تيم علبة السجائر والقداحة في جيبه مجددا وقال وهو

يبعد السيجارة بطرفي أصبعيه وقد نفث ذاك الدخان بقوة

" لما لا تجلبها إلى هنا وترح نفسك من رثاء صورتها طوال الوقت ،

هي شقيقتك ولا أحد سيمنعك من إخراجها معك يا هازار "

تنهد الجالس أمامه بعمق ولم يعلق وقد شعر بأن جرحا غائرا في

نفسه فتح من جديد فليس بإمكانه ولا زيارة تلك الشقيقة ليخرجها

من البلاد ! لا أحد يمكنه فهم ما مرت به عائلة غيلوان غير

أبنائها أنفسهم بل هو تحديدا ووالده أحد الأخوة الثلاثة الذين قتلوا

على يد دجى الحالك عند حدود صنوان ، والده الذي تزوج من والدته

ايرلندية الأصل ... الصحفية التي دخلت البلاد لتغطية أحداث الحرب

الأهلية المندلعة فيها من عقود وانتهى بها الأمر زوجة ليحي غيلوان

الذي توفيت زوجته تاركة له إبنا رضيعا ... فسرعان ما وقعت في

حب ذاك الطفل قبل والده وتزوجته فورا وانجبت له طفلين اختارت

أن تسميهما بنفسها ( هازار ) والذي أنجبته بعد عام واحد من

زواجهما ثم ( مايرين ) والتي أنجبتها وعمره عشرة أعوام وحين


ترك البلاد مع من لحقوا بابن شاهين كان عمرها فقط ست سنوات

وهي اليوم تحديدا أصبحت في العشرين من عمرها ، آآه لا يتخيل

أن طفلته مدللته تلك أصبحت الآن امرأة شابة ولا يمكنه تصور

كيف سيكون شكلها الآن فمنذ تركهم لم يراها بل منذ طردته تلك

العائلة لأنه انظم لجيوش ابن شاهين وقت اقتحامهم لحدود الهازان

ولم يكن حينها سوى فتى في السادسة عشرة من عمره ليصبح

وصمة عار في عائلته وهو ابن أحد قتلاها وهم من حملوا رآية

الثأر ونبذوا عائلة الشاهين بالإجماع وعلى رأسهم عمه شعيب ،

ولم يعاقب وحده بسبب فعلته تلك بل وشقيقاه ووالدته أيضا

بعزلهم عن العائلة ونبذهم كليا ، لما سيحمل آل شاهين ذنب

مقتل والده وهو منذ عرفه يعرفه سيء طباع وأحد لصوص

الحدود وقتلتهم هو وشقيقاه ، بل وكيف يلقي باللوم على دجى

الحالك وهو من قتلهم دفاعا عن شرف امرأة وعرض رجل عجوز

لا حيلة له في رد شرهم عن ابنته بل وإنقاذا لحياته وحياتهما

منهم ، يعلم أن وضعه لا يمكن لأحد الاقتناع به لكنه وحده من

عايش ورأى ما عانته والدته منه تتحمل الضرب والسب والشتائم

ولم تفكر يوما في الفرار منه والعودة لبلادها فقط من أجلهما هو

وشقيقته .... شقيقته التي لم يستطع ولا دخول البلاد لرؤيتها بسبب

رفض ابن شاهين لذلك خوفا على حياته ولم يستطع أن يسمح له هو

بالتقصي عن أحوالها عن قرب خوفا عليها من عائلتهم ...

من عميها وجدتها فكل ما استطاع معرفته بأنها لازالت تعيش

مع شقيقها وزوجته بعد وفاة والدتهما ... شقيقه من الأب

والذي يشبه والدهم كثيرا كما يذكره في صغره وجل ما يتمناه

أن يكون تغير الآن عن الماضي وأن لا يظلم شقيقته .

أخرجة من دوامة أفكاره الكئيبة تلك الذي قال بسخرية وهو

يطفئ سيجارته في المطفأة

" أتعلم كان يفترض بمطر شاهين أن زوجك بابنته لتندثر قضية

الثأر تلك وللأبد "

نظر له بضيق وقال

" أتعلم أنت بأن الدعابات حين يلقيها بارد متعجرف مثلك تكون

سخيفة جدا ؟ "

ابتسامة ساخرة صغيرة تلك التي صدرت عنه وهو يخرج هاتفه

من جيبه قائلا ببرود

" بل عائلة والدك تلك مجرد شلة تافهين ما يعنيهم فقط مطامعهم

لذلك هم يبحثون عن نسل لدجى الحالك أكثر من بحثهم عنه

شخصيا ففكر لما يا ذكي ؟ "

ووقف ما أن أنهى كلامه ذاك يتحدث في هاتفه مغادرا

وقائلا بجدية

" أجل يا رواح سأكون أمام باب المقهى "

وغاب عن نظره سريعا تاركا الذي كانت نظراته المستغربة تتبعه

حتى اختفى تماما يحاول تفسير ما عناه بما قال !! بينما خرج هو

من باب المقهى ووجد سيارة رواح أمامه مباشرة لا يفصلها

عنه سوى الرصيف العريض يقف خارجها ومسندا ظهره عليها

يمسك هاتفه في يده ونظره عليه وقد قال ملوحا بيده ما أن شعر

بوجوده واقترابه منه

" تعال سأريك شيئا قبل أن نغادر "

توجه نحوه في صمت ووقف بجواره يسند ظهره أيضا بالسيارة

يديه في جيبي بنطلونه الجينز ينظر لشاشة الهاتف التي ضغط


عليها رواح بإصبعه قائلا بابتسامة

" انظر لهذا جيدا "

وما أن انهى حديثه حتى ملأت تلك الشاشة الواسعة صورة

الفتاتان اللتان كانت إحداهما تقف فوق حافة جسر البرج المعلق

فوق نهر التايمز بلندن تمسك يدها بأحد الأسلاك المعدنية المثبتة

له تتحدث مع التي كانت تقف على الطريق تنظر لها للأعلى تبعد

خصلات شعرها البني عن وجهها ترتدي سترة صوفية خفيفة

ومخرمة وبدون أكمام لتكشف عن كمي القميص القطني الأبيض

الضيق تحتها وبنطلون جينز باهت اللون ، كانت الواقفة في الأعلى

تتحدث ضاحكة وترفع إحدى قدميها لتقف على قدم واحدة لكن

تركيزه لم يكن مع ماتقول تلك أو تفعل بل مع الواقفة في الأسفل

ترفع يديها لها مبتسمة وكأنها ستستقبلها في أحضانها فور

سقوطها المتوقع يتأمل المشهد بصمت ، امتد إصبع رواح

للشاشة أمامه وقال مشيرا للتي بدأت بالسير على حافة الجسر

" ليست هذه محور حديثنا فالجنون طبع ملتصق بها "

وتابع مبتسما وقد وجه أصبعه للتي بدأت بالسير أيضا ولازالت

على الطريق وقد انتقلت بنظرها لخطواتها على الأرض ولحذائها

الرياضي الأبيض الأنيق الخفيف وقد دست يديها في جيبي بنطلونها

خصلات شعرها البني تتطاير حول وجهها وكتفيها بحرية ونعومة

" هذه إن لم تدركها سريعا وتبعدها عنها فستصبح عما قريب

تسير خلفها في الأعلى ، وهذا بعض من الكثير طبعا ولا تقل

مستقبلا أني لم أحذرك "

سحب الهاتف من بين أصابعه دون أن يعلق ، ودون أدنى تردد

أو تفكير رماه تحت قدميه وداسه بحذائه بقوة عدة مرات وبعدة

ضربات قوية متتالية متجاهلا الذي صرخ بصدمة بجانبه ثم

انحنى لحطامه ورفعه وشد طرفه بقوة لينقسم لنصفين وأخرج

الشريحة منه ثم رماه ووضعها له في راحة يده قائلا ببرود

وناظرا لعينيه

" في المرة القادمة حين تطلب من جواسيسك أن يلتقطوا مقاطع

سخيفة لتلك الفتاة نبههم أن لا يظهر أحد آخر معها فيها "

ضم رواح أصابعه في قبضة واحدة ووجهها ببطء جهة فكه

وقال شادا على أسنانه وهو يضغط قبضته عليه رغم أنه لم

يتحرك بسببها قيد أنملة

" قسما لولا أني لا أريد لتلك التعيسة أن تصبح أرملة أيضا

بسببي لكنت قتلتك الآن "

أبعد تيم يده عنه وفتح باب السيارة وجلس في الكرسي قائلا ببرود

" تحرك لا وقت أمامنا لسخافاتك "

وأغلق الباب بقوة فنظر له من النافذة وقال بسخرية

" سخافات !! حسنا لعلمك فقط ابن زوجة قريبك ذاك المدعو

كين لم يتركها لوحدها اليوم وأحدث بها ضجة بين رفاقه في

الجامعة وأنت تركض خلف مهامك القاتلة تلك "

نظر له نظرة سوداء قاتلة ومد يده لمقبض الباب وكان سيفتحه

فقفز رواح للخلف وقال مبتسما ورافعا كفيه للأعلى

" هيه تيم لا دخل لي بذلك ولا تنسى بأني ابن عمتك ووحيدها "

أبعد نظراته الغاضبة عنه وقال ببرود

" ستصعد السيارة لنغادر أم أغادر وحدي ؟ "

ضحك ذاك من فوره وركض حولها قائلا

" لا طبعا أعرفك مجنون وتفعلها "


جلس في كرسيه خلف المقود وانطلقت بهما تلك البروش

السوداء الرياضية فورا تسابق السيارات أمامها تجتازها كما

تسابق الهواء حولها ، قال رواح بعد وقت لأنه يعلم بأنه في

وجود الجالس بجانبه الآن إن لم يتحدث هو لن يتحدث أحد

" لم أخبرك ... وقاص استلم في مكتبه ملف قضية سلسلة

الجرائم الأخير في ميرتون "

وتابع بضحكة يتحكم في حركة المقود ببراعة

" الحمقى يريدون عمدا إلصاق التهمة بمتطرفي المسلمين

وكأنه لا مجرمين في العالم غيرهم وكل ما سعى وقاص لتحقيقه

بمساعدة جهاز البحث الجنائي والشرطى لم يعجبهم والحجة

أن المدعي العام من أصل عربي !! شلة حمقى بالفعل "

همس الجالس بجانبه بنبرة لم يخفى فيها الضيق عاقدا حاجبيه

" وهل هذه المرة الأولى ؟ هم شوهو صورة الإسلام كما

يخططون وانتهى "

نظر له بطرف عينه وابتسم بمكر من تبدل طبعه البارد فجأة قائلا

" هذا الاستياء لن يكون سببه هذا الخبر بالتأكيد فلا تقتل المدعو

كين ذاك بسببي "

همس الذي نظر للنافذة متجاهلا له

" معتوه "

فانطلقت ضحكة رواح عالية ليقطعها صراخه المتفاجئ ما أن

قطعت تلك السيارة البيضاء الفاخرة طريقهما بالعرض ولولا

تحكمه السريع بالمكابح لكان اصتدم بها ، مرر رواح أصابع

كلتا يديه في شعره ما أن ارتدا للخلف وتوقفت السيارة لا تفصلها

سوى إنشات عن تلك السيارة البيضاء يسمع الشتم الهامس

للجالس بجانبه فقال بحنق يمسد قفا عنقه بألم

" سحقا من هذا الأخرق المجنون ؟ "

وما أن أنهى عبارته تلك انفتح باب تلك السيارة ونزلت منه

ذات الشعر الناري القصير الذي تطاير مع حركة الهواء ، ذات

الثياب الأنيقة الفاخرة والكعبين العاليين التي أغلقت باب السيارة

ووقفت مقابلة لهما تكتف يديها لصدرها تنظر مبتسمة بمشاغبة

للجالس مقابلا لها في السيارة أمامها والذي شتم هامسا ما أن رآها

" سحقا لك ولها "

نظر له رواح بصدمة وقال

" هل أعلم ما علاقتي أنا بكل هذا ! "

فتح تيم بابه وقال بحنق نازلا من السيارة

" غادر أنت وسألحق بك بعد أتخلص من هذه "

ثم أغلق الباب وتحرك نحو تلك السيارة نظرات الجالس خلف

المقود تتبعه بصدمة حتى وصل للتي طوقت عنقه بذراعيها فورا

ورفعت جسدها على رؤوس أصابعها لتطبع قبلة سريعة على
خده وقد ابتعد عنها سريعا ليتحرر من ذراعيها ودار حول تلك

السيارة وفتح بابها وركبها وقد لحقته تلك الانجليزية من فورها

وجلست خلف المقود مغلقة الباب خلفها وانطلقت بالسيارة بالسرعة

التي ظهرت بها ، شغل رواح سيارته مجددا وتحرك من هناك متمتما

بابتسامة ساخرة

" سحقا للرجل ... سيرى ما هذا الذي وضع نفسه فيه وما

عواقبه وهو يترك زوجته برفقة تلك المجنونة الرائعة "



*
*
*
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 01-11-17, 08:15 PM   المشاركة رقم: 525
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,050
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7095

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيتامين سي المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر (الجزء الثاني) للكاتبة الرائعة / برد المشاعر

 



*
*
*

طرق الباب مجددا متأففا بغضب ونظر لساعته قبل أن يكرر

الطرق متلاحقا هذه المرة حتى انفتح الباب وخرجت منه التي

كانت تلبس سترتها وهي خارجة وتمسك مقبض حقيبتها بفمها

وما أن أمسكتها بيدها قالت بضيق تنزل السلالم خلفه

" لم تترك لي وقتا ولا لشرب فنجان قهوة ما كل هذا الاستعجال ؟ "

وقف والتفت لها فوقفت فجأة حتى كادت تقع وقال بحدة

" أوقات عملي لا يمكن تقليصها ولا تأخيرها آنسة غيسانة

عليك فهم هذا من الآن وصاعدا ، وها قد علمت وقت مغادرتنا

فكوني جاهزة قبله بوقت "

كانت ستتحدث لكنه قاطعها بأن أشار بإصبعه خلفها قائلا بأمر

" أغلقي باب شقتك فورا لما تركته مفتوحا ؟ "

نظرت خلفها قبل أن تعود بنظرها له قائلة بسخرية امتزجت بالحدة

" ومن سيسرق الكنز المدفون فيها وليس بها سوى ثيابي ؟ "

أشار مجددا قائلا بغضب

" غيسانة تغلقيه فورا أو لن يكون رد فعلي طيبا أبدا "

تأففت في وجهه وعادت أدراجها قائلة بغضب

" أجل يحق لك فأنت سيد هذه العبدة حاليا "

تجاهلها تماما ونزل السلالم ما أن أغلقته وقد عادت ناحيته

وقالت بضيق وهي تسير خلفه شبه راكضة لتجاري سرعته

وهو يتجه جهة سيارته

" بما أنك كنت تعلم أني سأأخرك لما لم تذهب بمفردك اليوم

حتى أعلمتني بموعد مغادرتنا بدلا من تركي هكذا أواصل

مسيرة الجوع لليوم الثالث على التوالي "

وصل السيارة وفتح بابها والتفت لها حيث أصبحت أمامه تماما

وقال بضيق مماثل

" تعلمين سلفا أني أخرج مبكرا من الليلة التي قضيتها في الشقة

أم أن نومك الثقيل حتى الظهيرة لا يترك لك المجال للشعور بأي

شيء ؟ اليوم ستستلمين راتبك مقدما وأحذرك يا غيسانة من

الاستهتار في صرفه لأنك ستكملي باقي الشهر جائعة حينها "


وركب مغلقا الباب خلفه بقوة متجاهلا صراخها الغاضب من

خلفه فدارت حول السيارة وركبت وقالت ما أن تحرك بالسيارة

" وكيف سيكون هذا ؟ راتبي للأكل ولا مطبخ في ذاك الجناح

الضيق ؟ ظننت أنه بإمكاني استخدام مطبخ الشقة ؟ "

أدار المقود ليدخل شارعا فرعيا وقال ببرود

" شقتي أعيش فيها لوحدي ويستحيل أن نتشارك في مطبخها

وراتبك يكفي حسب اعتقادي ، وما أعلمه أنك لا تجيدين الطبخ

فما هذا الذي ستعدينه في مطبخي أم ستأكلين المعلبات التي

أشتريها ؟ "

نظرت له بحقد ولم تستطع قول شيء فهذا ما كانت تصبوا له

فعلا أما الآن فلن يبقى من راتبها شيء إن هي أنفقت منه

على الوجبات يوميا ، قالت تنظر بطرف عينها لنصف وجهه

المقابل لها

" وجبة الغداء يوفرها مطعم الشركة أليس كذلك ؟ "

أوقف السيارة عند الإشارة وقال بذات بروده القاتل ينظر

أمامه ويضرب بأصابعه على المقود

" بالتأكيد لكنه يخصم من رواتب الموظفين وأنتي ستعاملين

كواحد منهم ولك الخيار كالبقية وطبعا بعد أن تقرئي لائحة

رسوم التكاليف "

شدت على أسنانها بغيظ لا يمكنها ولا التعبير عنه ، أسوأ قرار

كان ذاك الذي اتخذته حين قبلت بذاك العقد المزيف وأوقعت

نفسها في كارثة لن تسامحها عليها ما عاشت ، نظرت له مجددا

وقالت باستياء ما أن تحركت السيارة

" هل يعقل أن أنزل للأسفل إن أردت كوب قهوة ؟ أي ظلم هذا ؟ "

أوقف السيارة في الموقف الخاص بالشركة ونظر لها وقال وهو

يخرج المفتاح منها

" ليست مشكلتي ولا تنسي الخروج ليلا ممنوع "

نظرت له بغضب وما أن فتحت فمها لتتحدث رفع هاتفه لأذنه

ودخل في مكالمة مع أحدهم ونزل من السيارة تاركا إياها تشتعل

في صمت لا يمكنها ولا التنفيس عنه فنزلت أيضا وضربت الباب

بكل قوتها وركلتها بقدمها بغضب وزاد اشتعالها رؤية الذي كان

يأخذ حقيبته من الكرسي الخلفي يمسك ضحكته على حركتها

الغاضبة تلك فشتمته هامسة ثم تحركت تتبعه حتى دخلا من باب

الشركة الزجاجي فوقفن موظفات الاستقبال فورا لدى رؤيته

والنظرات الفضولية تحدق بها فاقتربت حتى أصبحت ملاصقة

له ورفعت أنفها بكبرياء أمام تلك النظرات التي كانت تغضبها ،

ولتزيد النار حطبا أدخلت يدها في ذراعه وأمسكت بكم سترته

وما أن نظر لها بسبب حركتها تلك ابتسمت له ابتسامة كرتونية

واسعة فسحب ذراعه مدعيا النظر لساعته وهما عند المصعد

ثم مد يده ليدها وأمسكها ففغرت فاها من الصدمة وكانت المفاجأة

الأعظم أن وضع مقبض حقيبته فيها وتركها تهوي بها للأسفل مع

فكها السفلي وأدار ظهره لها ونظر جهة المصعد الخاص وضغط

زره وتركها للبركان الذي يغلي داخلها والذي زاده كتم أولئك

الموظفات لضحكاتهن ما أن رأين ما حدث فشعرت بجسدها

بأكمله يرتجف غضبا لن تستطيع التعبير عنه ولا حين يصبحان

لوحدهما بسبب ذاك العقد الذي وقعته بنفسها وكتبت ساعة

موتها معه


*
*
*
أبعدت اللحاف عن جسدها وغادرت السرير فلم تستطع النوم

أبدا والموجودة بعيدا عنها هناك غاضبة منها ، جمعت شعرها

في جديلة جهة كتفها الأيمن وأمسكت غرتها بمشبك صغير

فتحررت منه بضع خصلات معانقة جبينها وحاجبيها ، توجهت

لباب الغرفة وفتحته بهدوء وخرجت بدون حذاء حفيف خطواتها

الخافتة لاحتكاك جوربها بالأرض يكاد يسمع في ذاك المنزل

الساكن تماما فالوقت متأخر ولا أحد يتحرك فيه غيرها فعليها

جلب الهاتف لتتصل بوالدتها به لأنها لن تعرف صاحب الرقم

وخاصة في هذا الوقت فستجيب فورا وما أن تجيب عليها سيكون

بإمكانها شرح الأمر لها بل وترجيها لتسامحها ولتفهمها بأنها

لن تكررها مجددا ، تكره أن تزعجها هذا الوقت لكن لا حل

أمامها غيره فإن اتصلت بها صباحا ستكون في الجمعية ولن

تجيب عليها وهذا الوقت ستكون فيه مستيقظة لتصلي وتقرأ

وردها قبل صلاة الفجر ، وعدها عمها صقر أن يأخذها لكن متى

ما وجد وقتا وإن كان كما قال سيحاول أن يكون قريبا فهي تستبعد

أن يكون قبل يوم أو يومين لأنه لن يتفرغ لست ساعات فقط ليأخذها

ويرجع هنا ، وصلت بهو المنزل وأخدت الهاتف وحملته في حضنها

وعادت أدراجها بخطوات أسرع هذه المرة فما أن تذكرت حديثه عن

جنية قد تكون سكنت المكان وقت غيابهم شعرت بقلبها سيخرج

من بين أضلعها من الخوف ، دخلت الممر مسرعة وقفزت صارخة

دون شعور منها ما أن وجدت ذاك الجسد أمامها مباشرة وكاد

الهاتف أن يقع من بين يديها ويتحطم ، وضعت يدها على صدرها

وتنفست بقوة عدة مرات حتى كادت تبكي من ذعرها وقالت بصعوبة

" يا إلهي ... لقد أفزعتني "

وتراجعت للخلف لازالت يدها على قلبها تتنفس بقوة وصعوبة

هربا من الذي كان يتقدم نحوها حتى أصبحا في مجال الضوء

الخافت لبهو المنزل فأنزلت رأسها تعض طرف شفتها حين

اكتشفت أن الواقف أمامها بقميص داخلي بدون أكمام وبنطلون

قصير لم يتجاوز ساقيه يتنقل في المنزل هكذا وكأنه منزله !

بل ما هذا الذي جاء به من هذه الجهة والممر الجنوبي هو

الأقرب لغرفته وقدومه من ممر غرفتها معناه ضعفي المسافة

أو يزيد ؟

" من هذا الذي تتسللين ليلا من أجل محادثته ؟ "

رفعت نظراتها المصدومة له حين وصلتها عبارته الساخرة تلك

وكان نظره على الهاتف الذي تحضنه بقوة كي لا يقع قبل أن

تنتقل لعينيها فتسرب الحنق مع أوردتها حتى اشتعل في حدقتيها

الزرقاء وقالت بضيق

" اطمئن فلن أتحدث مع صديقي الانجليزي زعيم المافيا ذاك "

تحرك نحوها وقد دس يديه في جيبي بنطلونه فتراجعت للخلف

خطوتين وما أن حاول التحدث قالت بحنق مقاطعة له

" لن أسمح لك باتهامي مجددا ولا تنسى بأنك من رفض أن أخبر

والدي وأنا على استعداد لفعلها فورا "

ارتد رأسه للوراء ورفع ذقنه ناظرا لها فهذه المحتالة الصغيرة

ليست كما يبدوا عليها وتيقن الآن من أن دماء والدها تسري

في عروقها بقوة ، هذا ولم يعرف والدتها بعد ليعلم ما جمعت

منهما فها هي تهدده مجددا بأن ما يملكه ضدها لا أهمية له

وقد يتحول لسلاح ضده في أي وقت ، ابتسم بسخرية قائلا

" أنا لم أتهمك كان مجرد سؤال بديهي فإن قابلك والدك

لسألك مثله "

ضمت الهاتف لحضنها أكثر وقالت بضيق " بل تتهمني وفي

كل مرة وكل شيء وسبق وأخبرتك بأنها كانت مرة وحيدة "

رفع يده ومرر أصابعها على فكه وصولا لعنقه حتى تخللت

شعره ونظره على عينيها التي تسدل رموشها فوق حدقتيها

الزرقاء الصافية تتجنب النظر له ... يستغرب أنها حتى الآن

لم تحاول أن تبرر له موقفها وسبب ما فعلت وما دفعها لذلك

فلا يمكنه أن يصدق أن ابنة مطر شاهين تتربى على الرذيلة !

لو أنها كذبت وقالت بأنه من أرسلها هناك لهدف معين لكان قد

يصدقها أو أن يدخل الشك قلبه على الأقل لكنها فضلت الصدق

ولازالت تتمسك به حتى الآن رافضة أن تصوغ أي أكذوبة ولا

تفسير لذلك سوى أنها تتستر على أحدهم ولا تريد إخباره هو عنه ...

ابنة والدها حقا والدمية الجميلة كما يسميها جدها وقد صدق

فعلا فلم تبدوا أقل من دمية بتلك الجذيلة والخصلات المعانقة

لجبينها وملامحها الفاتنة الطفولية ، شد على فكيه ورفع نظره

بعيدا عنها ثم قال

" حسنا لما لا نعقد اتفاقا ؟ "

رفعت نظراتها المستغربة له فالتقت بنظرته الهادئة الموجهة

لحدقتيها مباشرة مما جعل دقات قلبها تزداد الى درجة مرعبة

فهي لم تعد تأمن هدوء هذا الرجل أبدا .. لم تعرف الرجال ولم

تدخل عالمهم المعقد من قبل وتشعر بالفعل بأنها أجبن من أن

تواجهه بقوة تشبهه فهو يفوقها في كل شيء حتى في سنوات

عمره وخبرته في الحياة لكنها لن تستسلم ولن تشعره بأنها

ضعيفة ليستغل ذلك وستتمسك بتلك القوة وإن كانت زائفة

ومجرد قشور فهي خسرت ثقته في جميع الأحوال بل خسرته

بجميع تفاصيله وهذا أكثر ما بات يؤلمها وليست تفهم لما كل

هذا الشعور القاسي بالألم والضياع !

" هل يستلزم الجواب كل هذا الوقت من التفكير ؟ "

زمت شفتيها بحنق من نبرته الساخرة ومن ثقته بنفسه ..

ذاك الوسيم المغرور المتعجرف ، ثبتت نظرها على عينيه

وهمست بجمود

" أحاول أن أفسر ما تقول "

مد سبابته لجبينها ودفعها منه برفق وقال بابتسامة

" هل سيفعلها هذا العقل الصغير حقا ؟ "

أبعدت يده عنها بضيق فها هو يستغل كل تلك العبارات ضدها ،

قالت بذات ضيقها

" أجل وقد قرر أنه لا اتفاق بيننا أبدا ولا يحق لك محاسبتي

ووالدي يمكنني شرح الأمر له وحده وسأرضى بعقابه مهما

كان قاسيا "

دس يديه في جيبيه مجددا ومال نحوها قليلا وقال

" حسنا وماذا بشأن ذاك الخاتم ؟ "

تراجعت خطوة للوراء وقالت بحزن

" ذاك يخص شخص أحبه كثيرا وقد مات من وقت قريب "

وعضت طرف لسانها وقد شعرت أن موقفها يزداد سوءا عن ذي

قبل وهي ترى تلك النظرة السوداء في عينيه الداكنتين وليست

تفهم لما تلك النظرة الغاضبة وما الذي قالته يغضبه ؟ لكنها لن

تفسر له أبدا فليفعل ما يحلو له وليظن بها كيف يشاء ، أخرج

يده من جيبه يمسك في أصابعها شيئا ما وقد رفعه أمام
وجهها قائلا

" وهذا ؟ "

نظرت له بصدمة ما أن اكتشفت بأنه خاتم الزواج الخاص

بوالدها والذي أحضرته معها من منزل والدتها ، أجل كيف نسيت

أمره وبأنه كان في يدها حين دخلت المكتب ؟ قال حين طال

صمتها وتحديقها به بين أصابعه

" هذا أيضا يخص شخصا ميتا ؟ "

خطفته منه بسرعة وقبضت عليه بقوة تضم قبضتها لصدرها

قائلة بضيق

" لا تقل هذا قسما إن مات صاحبه أن أموت "

كانت عبارتها تلك ما كسر باقي الجبل الجليدي بل ما حطمه

نهائيا وقد أمسك ذراعيها بيديه مقربا لوجهها منه متجاهلا

نظرة الخوف في عينيها وهمس من بين أسنانه

" ستصيبينني بالجنون حتما يا ابنة مطر ... أقري الآن بالحقائق

جميعها وكاملة أيضا "

فعرفت حينها بأنها تمادت كثيرا فقد كان ثمة لمعان خطير في

عينيه الباردتين جعل قلبها ينتفض بشدة وأعلنت الإستسلام فورا

فهي من الغباء أن فكرت بأن تخوض حربا ضد رجل مثله

بأسلحتها الضعيفة وموقفها السيء أساسا ، بلعت ريقها

وهمست بخوف

" هذا يخص والدي والآخر مربيتي فأبعد يديك لأنك تؤلمني "

سمعت حينها صوتا أشبه بتنهيدة ارتياح تسربت من تلك

الأضلع والصدر العريض بلغت من الرقة ما جعلها ترتاب أن

تكون من نسج خيالها وقد أبعد يديه عنها ومرر أصابعهما

خلال شعره للخلف وكأنه يبعدهما لأبعد نقطة عنها وتراجعت

هي للخلف عدة خطوات تنظر جانبا حيث الخطوات البطيئة

التي كانت تقترب من مكانهما فاقتربت منه مجددا ودفعته

من صدره بيدها بقوة هامسة

" غادر هذا والدي "

فتراجع سريعا جهة الممر الذي خرج منه لكنه لم يغادر كما

طلبت بل اتكأ بظهره على الجدار يديه في جيبيه يسند إحدى

قدميه للخلف ثانيا ركبته وينظر جانبا حيث تقف متجاهلا

إشارتها بأن يغادر يخفي الظلام المحيط بنصف جسده العلوي

ابتسامته على تكرارها لإشارتها حانقة لتعمده البقاء فقررت

أن تغادر أيضا بما أنه يتعمد أن يفعل ذلك لكن الذي خرج من

هناك لم يترك لها مجالا لتفعلها وقد وصلها صوته من خلفها

قائلا باستغراب

" تيما !! "

فتنهدت باستسلام وأشارت بأصابعها مهددة الذي ما يزال

واقفا هناك قبل أن تلتفت للذي نظر فورا لما بين يديها فقالت

من قبل أن يسأل

" أردت الاتصال بوالدتي لأنها قد تجيب فهي لا تعرف رقمه "

أنهت عبارتها تلك وتمنت أن رمته خلفها ليصيب رأس ذاك

المتطفل فلعله يرتاح الآن بعد أن علم الحقيقة ، قال الواقف

هناك بعد صمت لحظة وبجديته المعهودة

" سأتصرف بخصوص اجتماع عمي صقر وسأطلب منه أن يأخذك

لها فلا داعي لإفزاعها باتصالك هذا الوقت "

أنزلت الهاتف من حضنها ونظرت له بين يديها قائلة

" شكرا لك أبي "

أولاها ظهره وقال مغادرا

" لغرفتك إذا ولا تنسي حجابك وأنتي تخرجين منها مجددا حتى

يغادر قاسم من هنا "

مدت شفتيها بعبوس ووضعت الهاتف عند أقرب طاولة لها

وعادت جهة الممر الذي خرجت منه وما أن ظهر لها الذي

لم يغادر مكانه نظرت له بضيق وابتعدت في سيرها قرب الجدار

الآخر وهمست بحنق ناظرة له

" هل ارتحت الآن ؟ "

وما أن أنهت عبارتها تلك ركضت هاربة ما أن تحرك الواقف

هناك جهتها قائلا بابتسامة

" تعالي هنا لنرى "


*
*
*

ارتمت على الأريكة متنهدة بتعب تنفخ الهواء من بين شفتيها

بقوة تشعر بأنه سيغمى عليها من شدة التعب والإعياء فلم

تجلس دقيقة منذ وصلا إلى هنا والساعة الآن أصبحت الرابعة

ونصف مساء وتلك المضطهدة جعلتها تقوم بنصف عملها

وصعدت ونزلت بين الأقسام بعدد ضعف الساعات التي مضت

بثلاث مرات أو يزيد ولولا المصعد الخاص بالإدارة لكان عليها

صعود السلالم أو النزول منها كلما وجدت المصاعد العامة مغلقة

كي لا تتأخر هذا غير البحث مع تلك الفاشلة بين الأوراق والملفات

ولولا أن أوقفتها عند حدها لكانت استغلتها لتقوم بجميع أعمالها

وهي جالسة ، لا تفهم لما لا تتصل بموظفيهم لجلب ما تريد كما

يفعل البقية أم أن تلك الحرباء تفعل ذلك عمدا لتبعدها أو لتتعبها ؟

نظرت ناحيتها وكما توقعت كانت تنظر لها تلك النظرة الحقيرة

الكارهة وكأنها شوكة غرست في حلقومها فجأة ... أجل وما

ستتوقع من سكرتيرة عديمة أخلاق مثلها فجميعهن متشابهات

أول ما ستفكر فيه الحصول على رب عملها أو بالأحرى ماله

إن لم تحصل عليه هو ... هه تلك الفاشلة لا تعلم بأنه عربي مسلم

معقد متحجر متعجرف لن تحصل منه على شيء أكثر من عبارة

( صباح الخير كلاولديا ) التي يهديها لها كل صباح .

انفتح باب مكتبه وخرج منه يحمل سترته في يده فقفزت واقفة

فيبدوا أن يوم عملها الشاق سينتهي أخيرا ، أغلق باب المكتب

وقال ناظرا للتي وقفت من خلف مكتبها فور خروجه

" سأخرج لتناول الطعام يمكنك أخذ قسط من الراحة ولتأكلي شيئا "

أشارت له تلك برأسها بحسنا من فورها بينما نظرت لهما الواقفة

هناك ببلاهة ... يخرج ليتناول الطعام !! ألم ينتهي عملهم بعد ؟

حسنا وماذا عنها فهي لم تتناول شيئا أيضا ومديرة قسم المحاسبة

المتعجرفة تلك رفضت أن تصرف لها أي مبلغ قبل انتهاء يوم دوامها

الأول حسب القوانين طبعا ، راقبت نظراتها الذي تحرك من هناك

حتى مر قربها قائلا

" هيا جيسي أم لا تريدين الأكل ؟ "

نظرت حينها للواقفة هناك نظرة ماكرة وابتسمت بشر على تلك

النظرات الحارقة التي أرسلتها سكرتيرته نحوها فقد تركها تخرج

لتأكل وحدها أو تتصرف في نفسها بينما هي سيأخذها معه ويبدوا

أن تلك الفاشلة لم يسبق لها أن حضت بوجبة طعام برفقته ، رفعت

سترتها وحقيبتها ورفعت أنفها متعمدة وغادرت خلفه فهذا جزائها

على ما فعلته بها ولولا يقينها من أنها لن تصدقها وستسخر منها

لاعترفت أمامها وإن مكرهة بأنه خطيبها لكن ما سيكون موقفها

وهي تخبرها بذلك وبعينيها تراها تعمل كمرافقة له ؟ دخلت معه

المصعد وقالت مبتسمة

" وأخيرا وقت راحة ، أنتم إلى أي وقت تعملون ؟ ما أعلمه

أن دوام الشركات ينتهي عند الخامسة أو السادسة ؟ "

قال الواقف أمامها ناظرا لأضواء أرقام المصعد التي تهبط تنازليا "

ونحن دوامنا كذلك فهي قوانين موحدة لكن المدير وسكرتيرته

حالة استثنائية دائما إن كان ثمة أعمال مهمة لا تؤجل ونحن

مقبلون على مشروع مهم لشراء معمل طباعة "

تنهدت بضيق متمتمة

" تعني أياما أكثر من العمل المضني ؟ "

قال مبتسما بسخرية

" وماذا رأيت من الأعمال المضنية ؟ لازال هناك رحلات

العمل والحفلات والسهر على العقود والصفقات حتى الصباح "

نظرت له بصدمة وقد منعها باب المصعد الذي انفتح حينها

من الحديث وقد خرج منه من فوره فتبعته حتى وصلا سيارته

وما أن صعدت وأغلقت الباب حتى قالت بضيق

" وما علاقتي أنا بكل ذلك ؟ تركني شقيقي كخطيبة لك وسافر

وليس كعاملة لديك "

قال ببرود وهو يتراجع بالسيارة للخلف

" كنت كذلك وأنتي بنفسك من اخترت أن تغيري من موقعك

في حياتي فلا تلومي إلا نفسك يا غيسانة "

ضربت بقبضتها على فخذها وقالت بغضب

" أنت خدعتني واستغليت الوضع ومطر أخطأ حين رماني في

عهدة رجل لن يعاملني مثله مطلقا "

نظر لها مبتسما بسخرية قبل أن ينظر للبوابة التي خرجت

السيارة منها وقال

" هل باتت معاملة مطر لك سابقا تعجبك ؟ عجبا منك يا غيسانة "

أبعدت شعرها الذي تطاير مع الريح ما أن أسرع بالسيارة على

الطريق وقالت بضيق

" كان يعاملني كشقيقة يحبها على كل حال ، صحيح أن أفكارنا
ومعتقداتنا لا تتشابه وخلافاتنا كثيرة لكن ذلك لم يجعله يعاملني

يوما كعبدة لديه أبدا "

قال بضيق أيضا هذه المرة ونظره على الطريق

" أراد لك الأفضل لكنك ناكرة للجميل وإن عاد الآن مسئول

عنك أقسم أنك ستعودين كالسابق وأسوأ وستتذمرين منه طوال

الوقت لأنك امرأة برأس فارغ تريد فقط ما يخدم مصالحها

لا يعنيك كيف ولا لما حتى أنك وبكل غباء وقعت عقد عمل

دون التفكير في العواقب ولم تسألي نفسك من يكون رئيسك

ذاك وما قد يفعله بك فقط لأنك أردت الهرب مني لا يهم كيف

ولا إلى أين ، هذا هو تفكير النساء المتحررات السخيفات "

شعرت بأنه طعنها في مقتل درجة أن أخرسها تماما لكن بعض

الحقائق تكون أسوأ من أن يعترف المرء بها وسرعان ما بحثت

عما تطعنه به وبالطريقة الأمثل فقالت بحدة

" إن كانت زوجتك السابقة امرأة كهف جاهلة عاشت كجارية

لديك تضحك لك بكل بلاهة فقط لأنك منحتها ابتسامة رضا فهذا

لا يعني أنك تسعدها كثيرا بذلك يا .... "

أمسكت فمها بيدها وقد شعرت بأسنانها تحطمت جميعها درجة

أن دموعها نزلت دون إرادتها بسبب كل ذاك الألم تنظر بصدمة

ليده التي لازال يرفعها بعد ضرب فمها بظهرها بقوة وقد صرخ

وكأنه يهددها بضربها بها مجددا

" لا تتحدث واحدة مثلك عن تلك المرأة التي قدمت الكثير لي

دون أن تنتظر مقابلا مني ، من تحدت ظروفها وظروفي فقط

لتهبني عائلة واستقرارا وأنا أعيش وسط أناس ليسوا من قبائلي

ولم يتقبل أغلبهم وجودي بينهم ، من تحملت المرض والجوع

والمعاناة رافضة رجوعي كي لا أموت مقتولا ... لن تساوي

ولا ظفرها يا غيسانة أتفهمين ذلك "

كانت يدها لازالت على فمها ترتجف كارتجافه تحتها من الألم

ولازالت دموعها تنزل دون توقف ، تعلم بأنها تهورت وأخطأت

في ذكر تلك المرأة لكنه من أجبرها على ذلك وها هو لازال

يهينها بل وضربها أيضا وهي من لم تمتد يد رجل عليها سابقا ،

نظرت باستغراب للطريق التي سلكها والتي أدخلتهم للحي الذي

يسكنون فيه بدلا من المطعم الذي كان يفترض بأن تأكل فيه بعد

كل هذا الجوع والإعياء ! أوقف السيارة أمام باب البناية وقال

بذات غضبه

" انزلي هيا ولشقتك فورا لا أريد رؤيتك لباقي اليوم أو ارتكبت

فيك جرما ولا تخرجي يا غيسانة من الباب أو قسما أتاك مني

ما لم تريه سابقا "

نزلت فورا وضربت الباب خلفها ودخلت البناية راكضة لازالت

تمسك فمها وعبراتها التي فاقت صبرها وتحملها لكل شيء .


*
*
*


تبع بنظره الخادمة التي مرت بجواره تحمل ذاك الكيس الكبير

المنفوخ عاليا لتتمكن من السير به مستغربا مما يجري هنا

وفي هذا الصباح الباكر فعاد أدراجه وتبعها صاعدا السلالم

خلفها حتى وصل ممر غرفة والديه ودخل خلفها الغرفة التي

دخلتها ووقف ينظر مستغربا المكان والخادمتين مع والدته

في تلك الغرفة التي لم تكن موجودة سابقا وقد أصبحت مجهزة

تجهيزا كاملا وكأنها غرفة ملوك ، نظر للتي انتبهت لوجوده

بعد إغلاقها للخزانة المليئة بالثياب الجديدة وقال

" أمي ما هذه الغرفة ولمن ؟ "

مسحت يديها بالمنديل المعقم قائلة

" ليمامة طبعا "

نظر لها بصدمة تجاهلتها كما تجاهلته وانشغلت مع الخادمة

التي دخلت للتو وبدأتا في وضع ذاك الغطاء المحشو بالقطن

على السرير ... ليمامة وهنا وتجهزها بنفسها مع الخادمات !!!

حتى أنها ذكرت اسمها دون حتى أن تقول زوجتك ! اقترب منها

حتى وقف خلفهما يديه وسط جسده وقال

" ولما غرفتها هنا وممر غرفتكما رفضت سابقا أن يكون فيه

أحد ولا ابنتيك ؟ "

قالت وهي تعدل الوسائد البيضاء المطرزة بالخيوط الزهرية

" أجل كان من حقنا في كل هذا المنزل الواسع جهة هادئة تخصنا

والآن أريد يمامة قربي هنا "

قال بضيق ولازال يمسك خصره ناظر لها منشغلة عنه تماما

" لو لم يكن لديك ابنتان لعذرناك بممارسة الأمومة عليها ....

لما لا تضعي جهازا ليزر أيضا ينذرك إن مر أحدهم من

هنا لغرفتها ؟ "

وقفت والتفتت له ونظرت له تلك النظرة النارية الغاضبة التي

يعرفها جيدا والذي تخصه بها وحده دائما لأنه الوحيد الذي

يوصلها لتلك المرحلة المتقدمة من الغضب دون أن يهتم

للعواقب التي يعلم بأنها ستسقط على رأسه ، أمسكت وسطها

بيديها مثله أيضا مقابلة له الند بالند وقالت لمن حولهما

" أتركونا وحدنا "

فخرجن ثلاثتهن فورا وأغلقت آخر واحدة الباب خلفها فقالت

حينها بحدة

" أعتقد أن أمر الفتاة لا يعنيك يا أبان وأنك بلسانك قلت بأنك

لا تريدها وبأنها حجة وها قد أسقطها من على عاتقك فأنا

المسئول الوحيد عنها ما أن تدخل هذا المنزل ولا رأي ولا قرار

لك فيما يخصها سواء كانت غرفتها هنا أو في أي مكان

ولعلمك فقط بأن هذه المرة الأخيرة التي ستدخلها فيها وتحت

أي سبب كان وسأريك أي أمومة هذه التي سأمارسها عليها "

لوح بيده وقال بضيق وكالعادة دون اكتراث لغضبها

" أعتقد أن الطابق الثالث صمم ليكون منزلين لي ولغيهم يفتح

سلالم كل واحد منهما على الطابقين حتى السفلي وبه ثلاث

غرف فلن يقترب منها الغول أبان ومكانها هناك أفضل من

أن تضايق غيهم أو تتضايق من وجوده "

كتفت يديها لصدرها وقالت ببرود

" غيهم غرفته ستنتقل للأعلى أيضا أما أنت فقد اخترت أن

تستقل في طابقكم منذ وقت ويمامة ستكون هنا وانتهى النقاش

في الأمر "

أمسك خصره بيديه مجددا وقال بذات ضيقه

" وأي نقاش هذا الذي ابتدأ لينتهي وأي دور لي فيه أساسا ؟

أعتقد أن عقد الزواج سيشمل اسمي معها وليس أنت ومن

دون وجوده لا شيء سيأتي بها هنا فرجاء يا أمي أ.... "

قاطعته بغضب رافعة سبابتها أمام وجهه

" قسما أن تدخل هنا وإن زوجتها لوالدك ونقاش في الأمر

لا أريد فلا تجعلني أقسم بشيء سيندم عليه كلينا مستقبلا ،

سبق وقلت لا تريدها وبمحض إرادتك ولن تفكر مجرد التفكير

أن تجبر تلك الفتاة على ما لا تريده أتفهم ؟ "

نفض يديه وقال بغضب مماثل

" ومن قال هذا يا أمي فأنا أعلم منك بصغر سنها لكن أن

تهمشيني وهي زوجتي ولا قرار لي فيما يخصها فأمر لن

أرضاه أبدا "

صرخت فيه من فورها

" قل الآن أنك ترفض الزواج منها يا أبان وأرح رأسك ورأسي "

سكت تماما ولم يعرف ما يقول فما سيكون موقفه مع يمان

إن هو رفضها الآن ؟ ثم هو لن ينسى أبدا دموعه وسعادته

بخلاصه وخلاصها يكفيه أنه رفض مساعدته له وأن يعمل معهم

رغم كل إلحاحه الشديد ، يبدوا أن الواقفة أمامه تعلم ذلك جيدا

وباتت تتخذ أساليب قتال جديدة فهو أكثر من يعرفها فلم يكن هذا

رأيها سابقا وكان عليه أن يتزوجها رغما عنه كما كانت تقول ،

طرقات على باب الغرفة قطعت كل ذاك الجو المشحون بينهما

حين تحدث ذاك الصوت الرجولي وقد انفتح الباب ببطء قائلا

" أمي "

وفتح ذاك الباب على اتساعه كاشفا عن صاحب ذاك الجسد

الطويل ببذلة الطيران الخاصة ونظر لهما ومقبض الباب لازال

في يده وقال باستغراب

" ما بكما تتشاجران أمي ولمن هذه الغرفة ؟ "

نظرت له ولازال تنفسها الغاضب يخرج قويا فعلم أن أمرا

سيئا جدا حدث وأسوأ منه قد يحدث إن لم تهدأ ابنة شاهين

الحالك تلك حتى أنها لم تستقبله بذاك الحضن وتلك النظرة

الفخورة والابتسامة المحبة كعادتها حين يرجع من رحلاته

التدريبية رغم أنه هذه المرة تغيب لفترة أطول من سابقاتها

فأهم ما في هذه المرحلة هو اكتساب أكبر عدد من ساعات

الطيران في الجو لأنها من سترفع درجته ككبتن طيران ، سحبت

نفسا حادا ونظرها لازال مركزا على عينيه وقالت بجمود وإن

كانت أنفاسها الغاضبة لازالت تخرج كالإعصار

" قل أنك تفعلها الآن يا غيهم وتتزوج من التي رفضها شقيقك "

نقل أبان نظره بينهما بصدمة بينما دخل هو مقتربا من والدته

وأمسك رأسها وقبله وقال

" أتزوجها يا أمي وكانت من تكون فقط لا تغضبي فجميعهن

نساء الواحدة تأخذ مكان الأخرى أما أنتي فلا أحد يأخذ

مكانك أبدا "

نظرت حينها للذي لازالت نظراته المصدومة تحدق بهما وقد

قال من فوره وبحدة

" أمي ما هذا الذي تنويان فعله ؟ ماذا ستقولون لوالد الفتاة ؟

غيرنا اسم العريس ! "

ضربت كفيها وقالت بحنق

" نقول له ابننا ظهر أنه طفل ولا كلمة له فزوجها للآخر وامسحها

في وجه والدته "

قال بغضب

" لن تضعيني في هذا الموقف مع صديقي يا أمي ، لن أسمح

بذلك أبدا وأبعدي ابنك عن كل هذا والفتاة سأتزوجها

وانتهى الأمر "

تجاهلته ونظرت جهة غيهم وقالت ناظرة لعينيه ويدها تمسح

على ذراعه

" استحم أنت الآن وسأرسل لك الطعام لغرفتك بني لتنام

بعدها وترتاح "

وخرجت من هناك دون أن تضيف شيئا نظرات غيهم تتبعها

حتى غادرت ثم نظر للذي كان يكتف ذراعيه لصدره ناظرا له

بغضب وقد قال من فوره

" في المرة القادمة أبرز شهامتك بعيدا عما يخصني يا ابن والدتك "

حرك رأسه بيأس منه وقال بجمود

" لست أعلم كم مرة سأشرح لك بأن إغضابها لن تجني منه شيئا

سوى تردي وضعك مع الجميع وأولهم من عرشه فوق السماء

وأنك ستخرج خاسرا في حرب أنت فيها الأضعف ووالدك يقف

في صفها دائما "

وتابع بابتسامة ساخرة

" ثم أين خططك الرائعة تلك ؟ ظننت أني ما أن سأصل سأجدك

خلصتنا من ذاك الزواج كما تقول وليس لأجد عروسك في انتظاري "

خرج حينها بخطوات غاضبة قائلا

" بل هنيئا لي ولك بمستقبل ترسمه والدتك كيف تشاء "

حرك الواقف هناك رأسه بعجز وخرج أيضا لازال يمسك قبعة

الطيران تحت ذراعه وتوجه جهة ممر غرفته


*
*

خرج من مبنى المحكمة وتخطى عتبات بابها الرخامية المرتفعة

مبتعدا عن المارة الداخلين والخارجين من ذاك المكان الذي لا

يتوقف عن استقبالهم ، وقف أمام سيارته ونظر للورقتين في يده

فها هو وثق اليوم طلاقين لامرأتين ليس يعلم ما سيكون مستقبل

كل واحدة منهما بعد هذا اليوم وهل سيصل به الأمر لأن يندم على

كل هذا يوما ما خاصة من سعى بنفسه لطلاقها ؟ التفت للخطوات

خلفه وكأن ذاك الشخص قرأ تماما ما كان يفكر فيه ولم يكن سوى

من وقع على إحدى الورقتين بنفسه وقال فورا ناظرا لعينيه

" لم أكن أريد قول ما سأقوله الآن قبل أن أوقع ورقة الطلاق

كي لا تظن أني سأقول ذلك فقط لأغير من قرارك ، وفقط لنكون

على بينة من أجل المستقبل فابنة عمتك هي من دمرت حياتنا

معا بغرورها وأنانيتها ومن أجبرني على الزواج بأخرى لأنه

ما أن تعسر وضعي المادي قليلا وتوقعت أن أفلس حولت حياتي

لجحيم ولولا الأولاد ما أبقيتها معي يوما بعدها "

رفع عمير الورقتين وقال

" ابنة عمتي لم تعد زوجتك ولا يحق لك أن تتحدث عنها لا بالخير

ولا بالسوء وما كان بينكما يجب أن يدفن حيث كان فأنا لن أسمح

أبدا بذلك وعمتي يوم طلبت مني إنصافها أنصفتها بما أرضاك

أنت وبموافقتك كي لا أظلم أحدا منكما "

ابتسم الواقف أمامه ابتسامة جانبية وقال

" وهذا ما أعرفه عن رجال مطر شاهين لكن تذكر فقط ما سأقول

وما وعدت أنت به وما أنا واثق منه فإن فكرت ابنة عمتك في

التضحية بطفلاي من أجل مطامعها وتخلت عنهما بسبب أنانيتها

أن أبنائي لن يتربوا إلا عندي وما تركتهم إلا لأنك من سترعاهم

ولأنك وعدت بأنه بإمكاني رؤيتهم متى أردت وأنا اخترت أن

يكونا لدينا بالتناوب أسبوعين بأسبوعين وإن كرهوا يوما الذهاب

معي سأتركهم من نفسي لها "

مد عمير يده له فصافحه ذاك شادا عليها وقال

" وهكذا يفكرون الرجال الحقيقيون يا قصي وبما أنها من طلب

الطلاق سقط حقها في المطالبة بأي شيء وأنا بالفعل لا أريدك

عدوا لي بل أن أكسبك صديقا فتبقى والد أبناء ابنة عمتي اللتان

لا أحد لهما غيري "


*
*
*
*
سحبت الكرسي وجلست ووضعت حقيبتها تنظر للتي جلست

مقابلة لها عند إحدى طاولات مقهى الجامعة وقد رمت حقيبتها

أيضا وتنهدت قائلة بضيق

" ما كل هذا ؟ ست ساعات في محاضرتين متتاليتين مملتين !

لا أسوأ من كين سوى موادكم ماريه بالله عليك ما الذي فهمته

مما قيل فيهما ؟ "

اتكأت بذقنها على راحة يدها وتمتمت ببرود

" لا شيء طبعا وكأني لم أعرف الإنجليزية حياتي "

أخرجت ساندرين هاتفها من حقيبتها بعد رنينه ونظرت لشاشته ثم

قلبته على الطاولة بعدما غيرته على الوضع الصامت وقالت

" لقد تأخرت عنهم قليلا هذا هو السبب وصديقات كين أولئك

سيساعدنك بالتأكيد "

رفعت غرتها بأصابعها وتنفست بتعب هامسة

" أتمنى ذلك "

وهذا جل ما كانت تتمناه وتعلق أمالها عليه فتغيير سير دراستها

وتأخرها قليلا عن الالتحاق بالجامعة سبب لها مشكلة كبيرة

فهي لا تعلم شيئا تقريبا عن أساسياتها هذا إن استثنت الأرقام

والعمليات الحسابية المعقدة لأنها كانت تبدع في فكها وحلها دون

عناء لكنها شعرت فعلا بأنها في دوامة والأساتذة يشرحون دون

توقف ولا لأخذ نفس والأسئلة ممنوعة وليس على لسان كل

واحد منهما سوى عبارة واحدة من حين للآخر

( ابحثوا عن هذا في الكتب الخارجة (

ويرفعون عن عاتقهم طبعا مهمة شرح ما يعتبرونه ليس من

مهامهم ولن يستطيع الطالب فهم أي محاضرة قبل أن يبحث عن

كل تلك التعقيدات أي أنه لا جدوى منهم سوى في نقل المحاضرة

فقط ، كين أخبرها أنه مع الوقت ستتأقلم مع نظام الجامعة وطرق

أساتذتها وسيصبح كل شيء سهلا وهذا ما وجدته فعلا فهو كان

يعلم على ما يبدوا بأنها لن تفهم شيئا مما سيقال اليوم لذلك طلب

من تلك الفتاة تحديدا صاحبة النظارات الطبية السميكة أن تعيرها

جميع مذكراتها ومسودات المراجع في أقرب وقت ممكن فهو

وفوق تسلمه مهمة تعريفها بالمكان شبرا شبرا حتى أنهم قاموا

بزيارة الغرف الخاصة بالإذاعة الطلابية هناك ومطابع الجريدة

وتجليد الكتب ومشاريع التخرج بحث لها عن أهم وأنبغ الطالبات

اللآتي درسن قبلها ومن أبدين استعدادهن الكامل لمساعدتها ،

نظرت للتي عادت للجلوس بعد مغادرتها لجلب القهوة وقالت

وهي تأخذ الكوب الورقي منها

" لما شقيقك ترك المنزل وغرفته ما تزال هناك ؟ "

رفعت ساندرين كتفيها وقالت وقد بدأت بتحريك القهوة المخفوقة

في الكوب بالملعقة البلاستيكية ونظرها على ما تفعل

" كين يفكر كجميع من يعيشون هنا ... الاستقلال والحرية ومواجهة

تقلبات المستقبل بقوة ليثبت لنفسه أنه قادر على أن يعتمد عليها

فقط لذلك اختار الخروج من المنزل رغم أن والدي لم يكن راض

أبدا عن ذلك لكنه استسلم نهاية الأمر "

قالت الجالسة أمامها بفضول

" هل يقيم هنا في سكن الطلاب ؟ "

حركت رأسها بالنفي ووضعت الملعقة جانبا قائلة

" والدي رفض ذلك كان خائفا عليه من أن يقع فريسة لأسباب

الانحراف خاصة أنه غادر منذ كان في التاسعة عشرة لذلك اختار

له بنفسه أين سيقيم وطبعا كان ذاك شرطه ليوافق على مغادرته "

ثم رفعت كوبها ورشفت منه وهمهمت بتلذذ قبل أن تضعه مجددا
قائلة

" طلب من تيم أن يسمح له بمشاركته شقته وكانت تلك أول

محاولات والدي الفاشلة للتقرب من ذاك الكنعاني "

نظرت لها باستغراب وهمست

" يقيم مع تيم ؟ "

حركت رأسها بالنفي فورا وقالت

" أخبرتك أنها محاولة فاشلة فزوجك رفض بطريقة تعد لبقة

أمام طباعه وكرهه لنا وأرسله ليشارك شخصا آخر شقته وكان

صديقا له قد وافق والدي عليه فورا لكن ذاك الشاب غادر بريطانيا

منذ وقت قصير وأصبح كين مضطرا للبحث عن شريك آخر لدفع

إيجار الشقة حتى يتخرج وحينها سيكون بإمكانه العمل في مكان

جيد وبراتب ممتاز فهذا ما توفره الشهادات الممنوحة من هذه

الجامعة "

نظرت لكوبها قبل أن تعود بنظرها لها قائلة

" ولما رفض أن يقيم معه ؟ هو ليس فرد من عائلته على كل حال "

حركت كتفيها قائلة

" لم يكلف نفسه شرح أسبابه ولا أحد يعلم لما "

وتابعت بنبرة ماكرة تنظر لها بطرف عينها وهي ترتشف من

كوب قهوتها

" يبدوا أنه لديه صديقة ما يرفض أن يفتضح أمرها "

وضحكت فورا على التي شرقت بالقهوة وبدأت بالسعال

فمدت لها بكوب الماء قائلة بضحكة

" أمزح ماريه فلا تموتي هنا وأسجن بسببك ، ثم اطمئني أجزم

بأن ذاك اللوح البارد لم يعرف امرأة في حياته "

أخذت الكوب منها وشرب منه وقالت بضيق وهي تضعه بقوة

على الطاولة

" مزاحك سخيف هل تعلمين ذلك ؟ "

ضحكت من فورها وكانت ستتحدث لولا علا رنين هاتفها مجددا

فنظرت للمتصل وقلبته مجددا دون أن تجيب فقالت

الجالسة أمامها

" لما لا تجيبين على هذا الشخص الذي يتصل بك من وقت ؟ "

رفعت كوب قهوتها قائلة ببرود

" لن أجيب عليها تلك الهازانية الحمقاء وسأعلمها درسا لن

تنساه أبدا كي لا تبيع صديقتها من أجل هازاني أحمق مثلها "

نظرت لها باستغراب وقالت

" هي من الهازان أيضا ؟ "

وضعت الكوب وأومأت برأسها إيجابا وقالت بضيق

" أجل للأسف وكنت غبية حين عقدت صداقة حمقاء معها

ونسيت بأن تلك الدماء الخائنة تجري في عرقها "

تمتمت الجالسة أمامها ببرود تنظر لكوب قهوتها

" توقفي عن نعتهم بالخونة ساندي أو أنا من ستغضب منك "

تأوهت من فورها قائلة

" عذرا ماريه لم أقصد اهانة زوجك "

وتابعت تكتم ضحكتها

" ونسيت أنها ابنة عمه أيضا "

رفعت نظرها لها وقالت مستغربة

" عمه !! "

شربت آخر ما في كوبها وقالت

" أجل ولديه ابن وإبنة وهو الوحيد من أعمامه الذي فر ولم

يصلبه ابن راكان أمام الناس ، ولديه عمة أيضا هي زوجة

لابن ضرار سلطان صاحب إحدى أكبر شركات صنع الطائرات

والطيران في بريستول وطبعا جميعهم في عداد الموتى بالنسبة

له ووالدي معهم ، وهذا بالإضافة لوالده "

نظرت لها هذه المرة بصدمة لم تفق منها بسهولة وقد همست

بحروف بالكاد تسمع

" والده على قيد الحياة !! "

حركت رأسها بنعم وقالت

" أجل فر أيضا من الموت الذي كان سيلحقه لأراضي الحالك

وعاش هنا ويملك أيضاً إحدى كبرى شركات صنع الورق

والأدوات المكتبيه والهندسية في لندن وجامعتي يتعاقدون كثيرا

مع شركته تلك وأسمها بات مشهورا فيها كما الحال مع

جامعات عدة "

حركت رأسها بعجز عن استيعاب كل هذه الحقائق التي تستغرب

أساسا كيف استوعبها عقله ما أن وجدها هنا أمامه ..!

قاطع أفكارها تلك رنين هاتفها في حقيبتها ففتحتها وأخرجته

ونظرت لشاشته قبل أن ترفع نظرها للجالسة أمامها تنظر لها

بفضول وقالت

" هذا تيم !! "

ضحكت من فورها وقالت

" عليك أن تراجعي جميع تصرفاتك اليوم فثمة خطأ سيوبخك عليه

بالتأكيد "

نظرت لها بضيق فقالت تمسك ضحكتها

" لا تجيبي وأخبريه أنك كنت في المحاضرة "

نظرت للهاتف ولإسمه في شاشته وأغرتها الفكرة فلينتظر

وليجرب شيئا من التجاهل الذي يعاملها به ، عاد الهاتف

للرنين مجددا فهمست الجالسة أمامها مبتسمة

" إن اتصل بي سأخبره بأنك في مقهى الجامعة "

نظرت لها بحنق ولم تستبعد أن تفعلها هذه المجنونة فالتهور

يسري في دمائها ، تنهدت بعمق وفتحت الخط تراقب إشارة

الجالسة أمامها بأن تفتح مكبر الصوت لتسمع معها لكنها

تجاهلتها بحركة رافضة من رأسها ووضعت الهاتف على أذنها

ليصلها فورا ذاك الصوت الرجولي العميق الجاد

" مرحبا ماريا "

شعرت بتلك الضربات الحمقاء في قلبها تتصاعد تدريجيا

ما أن سمعت صوته وعبارته تلك فها هو هذه المرة رحب بها

على الأقل وتذكر أصول اللباقة ، تاهت الحروف مع أنفاسها

المضطربة قبل أن تجيب بل ولم يعطها من في الطرف الآخر

وقتا لتصيغ تلك الكلمات وقد قال دون أن ينتظر ردها أكثر

" هل أنتي في الجامعة الآن ؟ "

همست فورا

" أجل"

قال مباشرة

" كيف كانت محاضراتك اليوم ؟ "

قالت بعد تردد لحظة

" جيدة نوعا ما "

وصلها صوته فورا

" ما تعني بنوعا ما ؟ هل من مشاكل واجهتك هناك ؟ "

مررت أصابعها في شعرها للأعلى وقد أخفضت رأسها حيث

كانت تتكئ بمرفقها على الطاولة تنظر لحقيبتها تحتها وقالت

" وجدت بعض الصعوبة في الفهم لأني لم أ ...... "


قاطعها من قبل أن تنهي حديثها

" قد تحتاجين لدورة لتعلم المبادئ أولا ماريا أليس كذلك ؟ "

زمت شفتيها وقبضت أصابعها لا شعوريا على الهاتف وقالت

" يبدوا لي ذلك ثم ثمة طالبات هنا أبدين استع ....... "

قاطعها مجددا

" سأهتم بأمر إلحاقك بدورة مسائية مدتها أسبوعان وستكون

كافية ، أين أنتي الآن ؟ "

مطت شفتيها بحنق ولو كان أمامها الآن لخنقته لا محالة ،

قالت ببرود

" في مقهى الجامعة "

وصلها صوته الحانق فورا

" لما تقوليها هكذا ماريا ؟ "

شدت أصابعها في شعرها حتى آلمها من شدة غيظها منه وقالت

" تيم لما تقف لي على الكلمة ؟ أنا أجبت على سؤالك فقط "

قال وكأنه لم يسمعها

" من معك هناك ؟ "

دست عينيها في راحة يدها التي لازالت تتكئ بمرفقها على

الطاولة تعض طرف شفتها بقوة آلمتها غيظا ليس منه فقط

بل ومن نفسها وصمتها عنه حتى الآن فلن تتخيل أنه اهتماما

منه مطلقا فقد يولي اهتماما بالقطة التي تنام أسفل منزله أكثر

منها ، قال مناديا حين طال صمتها

" ماريا .... "

تنهدت بعمق وقد حررت شفتها وقالت بجمود

" مع ساندرين فهي اختارت أن تكون معي اليوم لأتعرف على

المكان ، هل ثمة سؤال آخر ؟ "

سمعت بوضوح تنفسه القوي دليل تمسكه بالصمت عن الصراخ

الغاضب في وجهها وقال

" حدثني عم والدك اليوم بخصوص سيارة لك "

شعرت بغصة مؤلمة في عمق قلبها من قوله عم والدك بدلا من

عمي أو حتى عم والدتي ولا يمكنها لومه على نبذه للجميع فهي

أكثر من عايشت ما عاناه ووالدته وما حدث معهما فكم ناما

جائعين وكم تحمل المهانة والسب والشتم من الجميع وكم رأت

الأسى والحزن في عينيه على حالتها وعن عجزه عن فعل أي

شيء ليوفر لها علاجها على الأقل وتعترف بأنه لا يحق لأحد

الآن أن يعترض على نبذه لهم وكل واحد منهم يعيش هنا

مرفها متجاهلين تلك التي ماتت بسبب المرض والإهمال ،

تنفست نفسا عميقا وهمست

" أخبرتني ساندرين عن ذلك "

قال من فوره

" ما رأيك أنتي في هذا ؟ "

لوت لسانها داخل فمها تمنع نفسها عن قول تلك العبارة التي

تعلم بأن ثمنها سيكون توبيخا معتبرا منه ، فمنذ متى كان يأخذ

رأيها في شيء يخصها ؟ قالت بكل ما استجلبته من هدوء

" لا يمكنهم تكريس وقتهم لإيصالي للجامعة دائما فلكل واحد

منهم عمله المرتبط به ولست أرى الحافلات ولا سيارات

الأجرة حلا "

قال من فوره

" لا بأس إذا لكن الاستهتار ممنوع ماريا والخروج بها ليلا

ممنوع منعا باتا وتحت أي سبب كان ولن يركب معك فيها غير

عمك أو زوجته وابنته "

سوت جلستها وهي من أعلنت عليه الحرب هذه المرة وقد

قالت بضيق والدموع بدأت بملئ عينيها المحتقنتان غصبا وأسى

" تيم لا أفهم لما تقيد نفسك فعلا بفتاة لا تريدها درجة أن تحاول

جعلها تكره كل شيء حولها لتكرهك أنت "

أنهت جملتها الحانقة تلك تسحب الهواء لرئتيها وأشاحت

بوجهها جانبا متجاهلة التي صفقت لها بصمت مشجعة

تمردها الأول عليه وأغمضت عينيها بشدة ما أن وصلها

صوته الغاضب

" لا احد يجبرني على تحمل أمر لا أريده ماريا أتفهمين هذا ؟

أعيدي هذا الكلام مجددا وسيكون لي حساب آخر معك "

شدت على أسنانها بقوك وغضب ورمت الهاتف على الطاولة

متمتمة بضيق

" المتعجرف أغلق الخط في وجهي"

ضحكت الجالسة أمامها من فورها ولم تهدأ من ذاك الضحك

إلا بعد وقت وقالت

" ما الذي كنت تتوقعينه منه مثلا ؟ أن يقول لك لا بالله

عليك لا أريد أن تبتعدي عني"

نظرت لها بضيق ووقفت وحملت حقيبتها وقالت تدس

الهاتف فيها

" ها قد انتهت قهوتك فلنغادر من هنا فهذا المكان بات

خانقا بشكل مقيت "

وقفت تلك من فورها وحملت حقيبتها أيضا وغادرتا معا

على صوتها قائلة بنزق

" لست أفهم لما يعكر لك ذاك الهازاني مزاجك وأدفع أنا الثمن ؟ "




*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
(الجزء, المشاعر, المطر, الثاني)،للكاتبة, الرااااائعة/, جنون
facebook



جديد مواضيع قسم قصص من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t204626.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
Untitled document This thread Refback 27-06-17 09:03 PM


الساعة الآن 01:18 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية