لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء > القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-10-16, 09:01 PM   المشاركة رقم: 1056
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,105
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7195

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : برد المشاعر المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر / بقلمي برد المشاعر

 




جنون المطر ( الجزء الأول)

الفصل السابع والعشرون والأخير ( الجزء الثاني ))



المدخل ~

بقلم الغالية: نجـ"ـمـ"ـة المسـ☆ـاء

على لسان زعيم الحالك..

تقتلني سكين الغيرة..
افكاري تنهشني حيرة

تحرقني نيرانٌ شبّتْ..
في قلبي زادت وانتشرت

تلك الحسناءُ هوى عمري..
لن يسكن خافقها غيري

لن يلمس احدٌ فاتنتي..
غسق..وحدي..لي انتي

لم اُهزم يوماً لم اهربْ..
لكن معترفٌ اني..صبْ

دعوني فالقلب تمـزّقْ..
مجنونٌ حقاً من يعشق!


******


بقلم الغالية : bella snow



معي خربشات كتبتها مع اختي الصغيرة .. بتمنى تعجبكم ولو شوي
أحببتكِ طفلة منذ أن رأتكِ عيني أيا .... جمال قمرٍ في ظلام قدرٍ أعمى
أخذكِ ابن شاهين مني وصرتِ له ..... وزاد شوقي لكِ وأنيني علا
قلبي يهتف باسمك أيا ... حبا سكن عروقي و دمي ولم يزدني إلا شقاء
تأبى روحي تحتمل بعدكِ ففيه... شقائي و عذابي لذا
سامحيني اذا ارتكبتُ حماقة ... فما أنا إلا عاشق وما على العاشق حرج
أحترقُ بنار شوقي لكِ أيا .... حبا سكن ضلوعي و أبى الرحيل بعيدا لذا
اغفري لي خطيئة ستزيدكِ كرها لي وأنا
احترق بنار حبكِ أيا .. بدرا ساطعا في ليلة ظلماء
غسقٌ أنتِ وما أنا إلا جبران عشقكِ حتى الفَناء
سامحي قلبي وخذيني فداء ... أيا نورا ابتسم اي و انزوى

من جبران إلى غسق

،،،،،،،،،،،،،



اتكأت برأسها للأعلى على جذع الشجرة خلفها وأغمضت عينيها

ليلفح هواء الشتاء البارد قسمات وجهها وشعرت به كلسع النار

عليه من شدة برودته ليشتد وهج خديها وتطايرت خصلات شعرها

التي تحررت من حجابها حين انزلق للخلف ، عضت طرف شفتها

تحضن ساقيها أكثر وسالت دموعها تعبر فوق قسمات ذاك الوجه

الذي تحول لقطعة جليد لجلوسها تحت تلك السماء الملبدة بالغيوم

السوداء القاتمة ولا شيء تحتها سوى الأرض التي لازالت

مبللة من أمطار البارحة .

شهران مرا على تلك الليلة التي لازالت تشعر وكأنها البارحة في

كل يوم مر بعدها حتى اليوم واللحظة ، الليلة التي تعلمت أن تكره

فيها كل شيء حولها وأولهم نفسها ، شهران لم ترى فيهما ذاك الذي

خرج مخلفا دمارا في كل ناحية من دواخلها ووضعها أمام حقيقة

كانت غائبة عنها تمنت أن ماتت وما علمت بها , أن سمعت من

شفتيه أي شيء إلا ما سمعته لحظتها , أن قتلها بيديه قبل أن يغادر

ورحمها للأبد وهو يذبح روحها ويتركها جسد خاوي فارغ وقد

اختار منفاه الدائم والوحيد .... حدوده التي تجهل أن اتساعها فاق

خيال الجميع وفاجئ كل فرد في تلك البلاد ورجاله قد أصبحوا

يقفون عند الحدود الأخيرة للهازان لتصبح تحت حكمه من

أقصاها لأقصاها .

رفعت أطراف أناملها المرتجفة من شدة البرد وثقل كل تلك الذكرى

ومسحت بهم دمعتها التي زادت وجهها تجمدا ثم فتحت عينيها وقد

شعرت بخطوات تقترب من مكانها فدست وجهها في ذراعيها حين

وصلت عندها ونزل صاحبها أمامها وشعرت بتلك اليد على رأسها

تمسح على شعرها برفق ووصلها صوت جوزاء الهادئ " غسق

هل سأجدك هنا كلما غبتِ لوقت طويل ؟ هل تريدين قتل نفسك

بهذا البرد ! أنا لم أتحمله مسافة سيري حتى هنا فكيف

تجلسين فيه كل هذا الوقت ؟ "

شدت ذراعيها على ساقيها أكثر ولم تعلق فتنهدت تلك وقالت

" عمتي تسأل عنك ستمرضين إن بقيت هنا أكثر ثم جلوسك

بهذه الطريقة يضرك فلا تنسي أنك حامل "

خرج حينها همسها الخافت مبحوحا " سأدخل بعد قليل "

وقفت تلك وقالت بإصرار " إذا لن أدخل إلا معك "

وبقت مكانها ذاك تنظر بأسى وقلة حيلة للجالسة تحتها منكمشة على

نفسها تحار كيف تتحمل الجلوس هكذا في هذا الطقس ! تنهدت قائلة

" تعاقبين نفسك أم تعاقبيه بهذا يا غسق ؟ لن تضري إلا نفسك

وطفلك معك "

شدت ذراعيها أكثر وخرج همسها المختلط ببكائها " لم أعد أريد

البقاء معه , أخبروه يطلقني ويرجعني لوالدي , لم أعد أريده "

تنهدت بأسى ونزلت عندها مجددا وأمسكت يدها وأبعدتها قائلة

" ادخلي يا غسق وإن من أجل عمة زوجك التي تعجز عن

الوصول لك بحالتها هذه وبالها منشغل عليك , إن كان

خاطري أنا لا يعنيك فمن أجل خاطرها "

وقفت معها تمسح خديها بظهر كفها وهمست ببحة

" أنتي وهي عندي سواء "

سحبتها معها قائلة " إذا ادخلي هيا لقد تجمدت مفاصلي

من البرد "

وما أن وصلتا للداخل تركتها وتوجهت جهة غرفتها في الأسفل

الغرفة التي عادت للعيش فيها منذ شهرين ولم تعتب قدماها ذاك

السلالم أبدا فهزت جوزاء رأسها بيأس وتوجهت جهة غرفة عمتها

وما أن دخلتها حتى قالت تلك بقلق " ماذا حدث معك يا جوزاء ؟ "

اقتربت منها وجلست على الكرسي ونظرت لها قائلة " دخلت أخيرا

الجو في الخارج تفر منه الحيوانات وهي هناك منذ أكثر من ساعة

ولولا ذكرت اسمك في الأمر ما كانت دخلت "

قالت من فورها " هل تحدثت معها ؟ ما سبب عزلها لنفسها هكذا ؟ "

حركت رأسها بأسى ضاربة كفيها ببعض ولم تستطع إخبار عمتها

أنها ليست المرة الأولى التي تخرج فيها في ذاك الطقس وتعتصم

فيه , قالت بأسى " لازالت تكرر ذات الجملة أن يطلقها ويرجعها

لوالدها ولا يبدوا لي أنها تقول ذلك عبثا "

تنهدت عمتها بعجز متمتمة " هداك الله يا مطر , هل هو مقتنع

حقا بأن ما يفعله صحيح ؟ "

حرجت الكلمات مندفعة من الجالسة أمامها " لو كنت مكانها ما

فعلت أقل من ذلك , أقسم أني أنا التي كنت معهما في الغرفة تلك

الليلة ولا دخل لي بشيء كادت أحشائي تنزل للأرض فكيف بها

هي وهي حامل أيضا "

قالت تلك بحزن " وهل تري أن الذي حدث معها قليل ؟ كادت

تفقد جنينها وحياتها معا لولا لطف الله بها وبنا وكان عمك

موجودا تلك الليلة "

غابت جوزاء بنظرها للأرض وهمست بحيرة " سألتني غسق يوم

اتصلت بالفندق عن خيانة الزوج وضننت أنها أوهام يصورها لها

عقلها وما ضننت أن الأمر قد يكون حقيقيا حتى سمعت صراخه فيها

تلك الليلة وحديثه عن امرأة وعن خيانة له من أحدهم ورجل آخر ظهر

في الحكاية ولم أفهم شيئا من حديثه ذاك سوى أن حديث غسق يومها

كان مبنيا على واقع وليس وهما وبدليل أن حبيبة أكدت لي أن

هاتف الفندق فتح الخط يوم اتصالها "

قالت نصيرة بجيرة أشد " ومن تكون المرأة التي قد يتحدث

عنها أمامها وما علاقة غسق بالأمر ؟ "

هزت جوزاء رأسها بعدم فهم وهمست " لا أعلم عمتي كان غاضبا

بطريقة لم أرى فيها مطر هكذا ولم أتوقع أن يعترف يوما بعشقه

لامرأة ولست أفهم عمن كان يتحدث وقتها ولازالت عبارته تلك

مدفونة في عقلي حتى اليوم وهو يقول ( لي أنا ليست له حتى

دمائها التي تجري في عروقها ملكي ) لم أفهم عمتي من تكون

وعمن كان يتحدث "

قالت بضيق " والآن تقولي كل هذا ! بعد شهرين يا جوزاء "

حركت يديها قائلة بعجز " قلت لنفسي أن الأمر لا يخصني وزوجان

ويجدا لمشكلتهما حلا دون تدخل كي لا تكبر أكثر ولم أتخيل أن

يصل الأمر لأن يفر من هنا ولا يلتفت وراءه وكأنه لا أحد له

وأن تصر هي على الطلاق هكذا "

قالت عمتها بذات ضيقها " على عمه أن يذهب له بنفسه ويجلبه

هنا وعلى جنونه هذا أن يتوقف , إن كان يريد غيرها فعليه تركها

تذهب في حال سبيلها لما يكرهها على الزواج منه ثم البقاء معه "

ضربت جوزاء كفيها ببعض قائلة بأسى " قلبي يتمزق أشلاء عمتي

من جهة على ابناي اللذان عددت الأيام بالدقائق أنتظر لأراهما ولم

يحدث شيء من ذلك ومن جهة على حياة شقيقي التي أصبحت تنهار

وما صدقت أن رأيته يتغير ... لا وبينهما طفل لم يفكرا في مصيره

إن افترقا وهي ابنة صنوان وهو ابن الحالك "

قالت عمتها من فورها " نادي لي عمك بسرعة أنا من ستتصرف

هذه المرة وعلى شقيقك ذاك أن يأتي ويجد لمشكلتهما حلا أو أنا

بنفسي من سأخرجها من هنا وأرجعها لوالدها وليجد طريقة

وقتها لإعادتها منهم "

وقفت جوزاء وقالت باعتراض " ترسليها لوالدها كيف وصنوان

محاطة بجنودنا من كل جهاتها وأوضاعها في اضطراب ملحوظ ؟ "

قالت بجمود " أقسم أن أفعلها إن لم يضع زوجها ذاك عقله في

رأسه وستري ما يمكن أن تفعله هذه العاجزة العجوز "

تحركت جوزاء جهة الباب متمتمة " لا أعلم ما هذا النحس

الذي لا يفارق منزلنا أبدا "


*

*

فتحت الباب وأطلت برأسها مبتسمة بحزن لم تستطع إخفائه وهي

تنظر للجالس على السرير يمسك آخر كتاب أحضرته له وقد

رفع نظره لها فورا وقال مبتسما " أستريا تعالي يا مشاغبة

أين أنتي لم أعد أراك ؟ "

دخلت وأغلقت الباب خلفها واقتربت منه حتى جلست على طرف

منتصف السرير جهة قدميه وقالت " كيف أنت اليوم يا رعد ؟ "

وضع الكتاب جانبا وقال ناظرا لعينيها " أستريا هل ثمة ما

يغضبك مني ؟ ما بك تتهربين مني من أيام ! "

هزت رأسها بلا دون جواب ثم نظرت ليديها في حجرها

وقالت بهمس حزين " حصلت على هاتف والدي أخيرا

واتصلت بهاتف شقيقك "

عدل جلستها ناظرا لها بلهفة وقال " رماح !! هل حقا

أجاب عليك ؟ "

رفعت نظرها له وهزت رأسها بنعم فرفع رأسه للأعلى وأغمض

عينيه وتنهد براحة هامسا " حمدا لله , الحمد والشكر لك يا رب "

ثم نزل بنظره لعينيها المعلقة به تنظر له بشوق تشعر به من الآن

ومن قبل مغادرته وقال " ماذا حدث أستريا هل عرفت أين هو ؟ "

حركت كتفيها وقالت ببرود تهرب بنظرها بعيدا عنه " ما أن أجاب

وأخبرته أن شقيقه رعد بخير حتى انهال عليا بالأسئلة ولم يترك

لي مجالا لا لأسأل ولا لأقول شيئا وحين شعرت بالخطر أخبرته

أن لا يتصل على هذا الرقم أبدا كي لا يكتشف والدي الأمر

وفصلت الاتصال "

قال بحيرة ونظره يتنقل بين ملامحها " وما الذي يحزنك هكذا

أستريا ! ضننت أن شيئا سيئا حدث في اتصالك به "

رفعت نظرها به وتنهدت قائلة " حالتك تحسنت كثيرا والطبيب

قال أنك ستسترد كامل عافيتك خلال هذا الشهر "

ثم قبضت على طرف الغطاء الذي يغطي ساقيه بيدها بقوة وتابعت

وقد ترقرقت الدموع في عينيها العسلية الواسعة " سترحل من هنا

حينها , لقد اعتدت على وجودك بيننا , على رؤيتك كل يوم وعلى

التحدث معك , أنت مختلف كثيرا عن كل الرجال هنا , كنت تعاملني

كامرأة وليس طفلة كما يفعلون رغم أنهم يتزوجون ممن هم في سني

ويزيد قليلا , أنت مختلف عنهم في كل شيء في أمور كثيرة

وأكره أن ترحل وأن لا أراك مجددا "

وتدحرجت دموعها تباعا فتحرك ببطء بمساعدة يديه حتى وصل عندها

ومسح بكفه على خديها مكفكفا دموعها التي ترفض التوقف وقال

بحنان " أستريا يكفي بكاء , لم أرك تبكي قبلا ولا أريد هذا "

فاجأته بأن ارتمت في حضنه وتمسكت بقميصه الصوفي بقوة وتحول

بكائها لنشيج وعبرات قصيرة متلاحقة فتنهد بعجز وضمها بذراعيه

يعلم معنى ما تشعر به الآن ويحسدها على مقدرتها على التعبير عنه

دون أن تقيد نفسها , أبعدها عنه وقال ناظرا لوجهها الذي تنزله

للأسفل تمسح وجنتيها بظهر كفها " أستريا يكفي بكاء أرجوك "

مسحت عينيها بقوة ونظرت له وقالت هامسة ببحة " ليت الزعيم

مطر يحتجزك لدينا لآخر عمرك "

لم يستطع إمساك ضحكته وقال مبتسما " هل يرضيك أنتي

أن نأخذك من عائلتك ونحتجزك في صنوان ؟ "

قالت من فورها " نعم "

نظر لها بصدمة قبل أن ينفجر ضاحكا فوقفت وقالت بضيق

" أحمق ما الذي يضحكك ؟ أنا لا أعرف الكذب ولا أكرهك

مثلما أنت تكرهني وتريد الذهاب بسرعة "

نظر لها فوقه وقال " أنا لا أكرهك أستريا من أين جاء عقلك

بهذه الكذبة ؟ "


قالت بعبوس " بلى ولا يعنيك الذهاب وتركي وأنت لن

تراني مجددا "

هز رأسه بلا وهمس " مخطئة آستريا وكذب عليك عقلك أيضا

أنا لا يمكنني أن أكون صادقا مثلك "

قالت من فورها " ابق معنا إذاً "

قال بهدوء محدقا بعينيها الدامعة " لا يمكنني ذلك والدي يحتاجني

يكفيه ما فقد حتى الآن ... غسق جبران والكاسر ثم أنا "

قالت دون تراجع " أهرب معك إذاً "

هز رأسه بلا وقال بجدية " لا تظهري لي عكس ما ضننت بك

أستريا ولا تكوني طفلة وتفكري كالأطفال , تفكيرك هذا عواقبه

سيئة جدا عليك وعلى التنانيين في الحالك وحتى على صنوان "

غادرت تنفض يدها قائلة بغضب " كاذب تقول بأنك لا تكرهني

وأنت تكذب أكرهك رعد تسمع "

وخرجت من الغرفة والمنزل وصوتها لازال يصله حتى ضربت

الباب خلفها فمرر أصابعه في شعره متنهدا بعجز وتمتم ناظرا لمكان

خروجها " ليته بإمكاني فعلها آستريا لما توانيت عن ذلك لحظة

لكن الواقع سيء جدا وما أتعسني حين رماني هنا لديكم

لأتعرف عليك "

*

*

نزل من السيارة ضاربا بابها خلفه بقوة وتوجه لذاك الباب الزجاجي

المفتوح وما أن دخل حتى استقبله صوت الموسيقى الصاخبة فنظر

حوله ثم توجه يمينا ودخل ذاك المكان الواسع بأنواره المتغيرة قد

وزعت حوله الطاولات وتعالى فيه الصراخ والصخب والرقص

حتى شعر به يضرب في رأسه , جال بنظره طويلا حتى وقع على

الواقفة مع فتاة وشاب منسجمون في الحديث والضحك فتوجه نحوهم

فورا وأمسك بمعصم التي لم تنتبه لوجوده هناك وسحبها معه بالقوة

رغم رفضها ومقاومتها حتى كانا خارج ذاك المكان وما أن شعرت

بالهواء البارد يلفح وجنتيها وذراعيها العاريان ووجدت نفسها في

ظلام ذاك الشارع الذي زينته الأنوار المنتشرة فيه بترتيب سحبت

يدها من يده بقوة وصرخت فيه بعنف " ماذا تريد مني أنت ؟ "

ركز نظره على عينيها وقال ببرود " ماذا تفعلين هنا غيسانة ؟

أعتقد أن مطر شاهين حذرك جيدا من قبل ولا يعلم عن

كل هذا لكان قطع ساقيك "

رمت طرف شعرها الأسود الطويل المموج للخلف وقالت بغضب

" مطر ... مطر , لا علاقة لك بي ولا به ولا أحد له سلطة علي

ثم وإن فرضنا ذلك فما دخلك أنت ؟ لما تخرج لي في كل

مكان كالأشباح ؟ "

" غــ.... "

قاطعته صارخة من قبل أن ينهي كلامه الحاد " جيسي أسمي

جيسي افهم وغادر من هنا حالا أو أحضرت لك الأمن "

أمسك وسطه بيديه وقال بسخرية " جميل أجبرت الجميع حولك

على مناداتك غيسي ثم الآن خطر لك خاطر جديد وتريدينه

جيسي ! يالك من مدعاة للسخرية "

التفتت عائدة أدراجها متجاهلة له فأمسك يدها موقفا لها وقال وقد

أدارها ناحيته مجددا " أعتقد أن شقيقك إن علم عن كل هذا سيعود

لسجنك في منزل الجزيرة مجددا ووقتها لن ينفعك أحد ولا

والدتك تلك "

استلت يدها منه مجددا وهمست من بين أسنانها " لا تهددني

أيها الهمجي البربري أو أقسم أن أختفي مجددا ولن يجدني

لا مطر ولا غيره هذه المرة "

وصرخت وقد أبعدت يدها التي حاول إمساكها بها مجددا

" لا أريد أن أرى عربيا مسلما مجددا أخرجوا من حياتي

أنا ووالدتي كنا في نعيم حتى عرفناكم "

أمسك ذراعها بقوة ساحبا لها جهته حتى كان وجهه في وجهها

وقال من بين أسنانه " لو كنت مكان شقيقك ما تساهلت معك

هكذا بحجة سنك , زوجته في مثل عمرك وعقلها يزن

جسدك بأكمله "

حاولت سحب ذراعها منه تثبت قدميها على الأرض قائلة بحقد

" وأنت في عمره وليس لك ولا ربع عقله بل لا عقل لك أبدا

ثم إن كانت زوجته امرأة كهف تنتظره كل ليلة فأنا لست مثلها

ولا أحد له سلطة علي والقانون هنا يحميني وأقسم أن أبلغ عنك "

ترك ذراعها بعنف وقال بغضب مكتوم " قسما يا غيسانة إن لم

ترجعي لمنزلك الآن أن أحملك على كتفي وأضربك أيضا إن

لزم الأمر "

دفعته من أمامها وفتحت باب سيارته الخلفي وركبتها وضربته خلفها

فركب هو أيضا ضاربا الباب بقوة وتحرك من هناك يسمع تأففها

وتمتمتها الغير مفهومة طوال الطريق حتى وصل بها أمام باب

منزلها ففتحت باب السيارة وقالت من قبل أن تنزل " توقف

عن ملاحقتي أو بلغت عنك ولا تقل أني لم أحذرك "

قال ببروده الذي لا يزيدها إلا قهرا وغيظا " تفاهمي ليس

معك بل مع من أكبر منك "

فنزلت ضاربة الباب بقوة بعدما رمت عليه شتيمة تعلم أنه إن أدركها

بعدها لقطع عنقها قبل لسانها وتوجهت لباب منزلها قائلة بحنق

" أخرق وتافه لا تُقارن بمطر ولا في العمر , ليت لك نصف

ربع عقله فقط "

ورغم ابتعادها كان يعلم ما تكيله له من شتائم حتى دخلت المنزل

وضربت الباب خلفها فتحرك من هناك متأففا وأخرج هاتفه وطلب

رقما معينا لم يجب صاحبه حتى زاده غضبا فوق غضبه وما أن

فتح الخط حتى اندفع قائلا بضيق ونظره على الطريق " هذه آخر

مرة ترسلني خلف تلك الساقطة , تصرف أنت مع ابنة شقيقك

أو أخبر شقيقها يأتي ويجد لها حلا فهو من رفع شعار التعامل

معها باللين كي لا تزداد تمردا وعنادا ولست أرها إلا

أسوء من ذلك "

ضحك ذاك من فوره وقال " الله أكبر هل أشعلت غضب

ابن كنعان حقا !! هي كما قيل عنها إذا "

حرك المقود يمينا وهمس من بين أسنانه " هذه آخر مرة أدخل ملهاً

ليلياً لأخرجها منه , ضع من يراقبها أو افعل ما يحلو لك

وأخرجوني أنا من كل هذا .... وداعا "


*

*


دخل المنزل وما أن تخطى عتبة بابه حتى سمع ذاك البكاء الذي

كان يقترب من هناك وما أن تقدم نحو الداخل حتى ظهرت عمته

من أول الممر تمسك ابن الكاسر الذي كان في بكاء متواصل

فتوجه نحوها ونظر له قائلا " ما به عمتي ؟ "

نظرت له بين ذراعيها وقالت وهي تهزه دون توقف " لا أعلم يا

رماح فهذا حاله منذ ليلة أمس , جلب والدك الطبيب صباح اليوم

لمعاينته لكن حالته كما هي عليه حتى الآن ولست أفهم مما

يشتكي ولم يسكت ولا دقيقة ليأخذ استراحة على الأقل "

ابتسم من جملتها الأخيرة ومد يديه لها قائلا

" هاتي أعطني إياه "

وضعته له في ذراعيه وما أن رفعه حتى قالت تمسك يده

الصغيرة " لا تمسكه هكذا يا رماح ستؤلمه "

قال بضيق وهو يحاول تعديل وضعه " عمتي ما بك معي كلما

أمسكته انتقدت طريقتي ؟ اتركيني أتعلم على مهل "

ابتسمت مبعدة يديها لتتحول ابتسامتها لحزن ما أن ضمه لصدره

بقوة رغم بكائه ودفن وجهه في عنقه فمسحت دمعتها سريعا فالجميع

في ذاك المنزل باتوا يرون فيه ابنهم الذي فقدوه ... ضحكته التي كانت

تملأ المنزل مرحه حيويته وشبابه وكل ما افتقدوه مع فقدهم له , فقرابة

الثلاث أشهر مرت منذ قدوم هذا الصغير وما خشيته من أن يكون سببا

لألمهم جميعا وهو يذكرهم بوالده الراحل تبدد تماما وهي ترى تعلقهم به

ولا يمر يوم على أحدهما إلا ويراه فيه وإن للحظات ويغادر , أعاده لها

بعد سيل من القبلات التي وزعها على وجهه الناعم الصغير متجاهلا

بكائه وفمه المفتوح على اتساعه فأخذته منه وأرخته على كتفها تطبطب

على ظهره وقالت ناظرة للواقف أمامها يغطي ظهر الصغير الذي

انكشف من تحت قميصه " ما أخبار رعد يا رماح ؟ هل من جديد

أو اتصلت بذاك الرقم ؟ "

هز رأسه بلا وقال " لا جديد ما لم يتصل والدي بابن شاهين

ويستعلم منه "

ثم قال وقد نقل نظره له مجددا " اطلبي من إحدى الخادمات

تحمله عنك قليلا يكفيك ليلة البارحة لم تنامي "

مسحت على رأسه وشعره الناعم الخفيف وقالت " الخادمات على

قدم واحدة من الصباح حتى آخر الليل ومجلس والدك يفرغ ويمتلئ

على مدار اليوم فلا ينقصهن تعب وسهر وهن يحتجن لكل واحدة

منهن طوال النهار ليدركن ضيوف والدك "

وتابعت متنهدة بحزن " ماذا بعد نهاية ابن راكان يا رماح ؟

الجميع في صنوان في ترقب وخوف "

أبعد نظره عنها وهمس بشرود " ما لم تقف دباباته وحاملات

الصواريخ على الحدود محاصرا لنا فلا شيء حتى الآن "

هزت رأسها بحسنا وقالت ناظرة لملامحه " الأخبار كثرت عن

رؤية جبران هنا , يبدوا أنه أخرج من دماغه أخيرا فكرة الهرب

للحدود وهجر المنزل والمدينة , هل رأيته وما قال ؟ "

قال مغادرا " رأيته لكني لم أتحدث معه "

وغادر جهة ذات الباب الذي دخل منه فتنهدت بأسى تراقب خروجه

تمسح على ظهر الصغير الذي لازال في بكائه المستمر وتحركت

به من هناك متمتمة وهي تطبطب على ظهره الصغير " يكفي بني

يكفي بكاء ستموت على هذا الحال يا قلب عمتك , ماذا أفعل

لك أخبرني ؟ ما بك حبيبي ما بك ؟؟ "


*

*

" أمسكنا بالخامس سيدي "

سرقت تلك الجملة انتباهه ممن كان يتحدث معهم موليا لهم كل اهتمامه

وانتباهه , يديه في جيوب معطفه الشتوي الطويل وقد رفع ياقته لتحمي

عنقه وأسفل فكيه من ذاك الهواء البارد القوي لوقوفهم قرب بحر تيمور

وأمواجه الهائجة المرتفعة تضرب الصخور بقوة معلنة عن وجودها

وسطوتها ، تيمور حيث أقصى نقطة شمال الهازان وآخر مدينة فيها

ليشهد لهم منظر تلك المياه السوداء الثائرة تحت وهج خيوط الغروب

الضيقة المتسللة من بين الغيوم المتفرقة على أنهم تخطوا كل تلك

المسافة من ثلاثة أسابيع حين وضعوا أقدامهم فيها وحين وقّعوا آخر

ورقة مهادنة واستلموا آخر قطعة سلاح وبدءوا بمحاربة مجموعات

جديدة متمردة تبعت يوما لابن راكان وبقايا تلك الجماعات الإرهابية

المتحصنة في تلك المدن التي عانت مؤخرا من تزعزع كبير في

استقرارها وغاصت فيها بعض القبائل في مشاكل ومخلفات لبعض

الأعمال الفردية ليجد العقد الكثيرة المتشعبة في انتظاره تطالبه بالكثير

من الصبر والحكمة والحنكة التي طالما اشتهر وعرف بها هناك لحل

تشابكها فقضايا الثأر المتأصل كانت دائما نواة لأعظم المشاكل التي

واجهتهم ، وجد الكثير والكثير في انتظاره وهو يستلم باقي ثلثي ذاك

القطر من البلاد ... أموال نهبت قضايا علقت حتى تحولت لكوارث

راح ضحيتها الكثيرين , أيتام سلبت حقوقهم جورا وعائلات عاشت

تحت خط الفقر لأنه لم يتم توزيع الأموال التي كانت تصلهم بعدل

أرامل ومطلقات وأسر تحتهم لم يوفروا لهم ما يقتاتون به يومهم

ومرضى أهملوا درجة الموت وأراض سلبت من أصحابها جورا

وظلما ليجد نفسه ورجاله يربطون ليلهم بالنهار ليس لإمساك كل

أولئك المتمردين ولا الإرهابيين ولا لإعادة هيكلة تلك المدن المدفونة

تحت الإهمال بل لمحاولة نصب ميزان العدل وسط أولئك الناس ليأخذ

كل ذي حق حقه , وتفاجئوا بكم الأشخاص الذين توافدوا على كل مكتب

أنشأوه في كل مدينة وهم يتلقون الشكاوى ويسجلون أسمائهم ضمن من

لم يستلموا من زعيمهم وخزينته قرشا في يوم , فكرسوا جهدهم ووقتهم


لانقاد باقي تلك العائلات من الفقر والجوع ونزلت الطائرات المحملة

بمختلف المؤن لتوزع على الناس في أول مرة بعد اتفاقية أولى موقعة

بخط يده بعد إمساكه تلك البلاد للغذاء مقابل النفط من قبل بعض الدول

المجاورة لأنه أغلق جميع تلك الحقول ما أن استلمها كما فعل في الحالك

ولم تعد تضخ البلاد إلا بقدر معين مقابل أشياء ينتفع بها الجميع حتى يتم

إنشاء منشئات نفطية داخلها وهو حلمه الأخير الذي يتمنى الوصول له

يوما لتسكب تلك الأرض خيراتها فيها فتنموا وتكبر وتزدهر كغيرها

ومثيلاتها من البلدان بل ولتسبقهم بكثير .

نظر له مركزا نظره على عينيه وقال " جيد وما يزال أمامنا الكثير

أهم ما في الأمر أن لا نروع الناس ونفتح أبواب أخرى للشائعات "

وبعد عدة أوامر منه غادر ذاك ونظره يتبعه وذهنه مع ما وكله

لتلك الزمرة ومدى نجاحهم فيما سيفعلونه

" أنت تسير في الطريق الصحيح , الأمور لا أراها إلا في

تحسن ملحوظ "

عاد بنظره للواقف أمامه وقال بجدية " لا أريد أن نطمئن ونغفل

عن أمور صغيرة قد تسبب لنا مشكلات أكبر من حجمها مستقبلا

فلن نستهن بالوضع أبدا "

قال الآخر مبتسما " خطتك كانت ناجحة بشكل مبهر فاق توقعاتنا

جميعا مشايخ الهازان ونراها تسير في الطريق السليم , وأيضا فكرة

دمج من انضموا تحت لوائك مؤخرا مع الناس هنا كانت صائبة جدا

وأفادت في طمأنة الكثيرين وهم يحدثونهم عما لقوه منذ دخلوا تحت

حكمك وسلموا مدنهم لك , لقد ساعد ذلك بشكل لم نتصوره "

قال ونظره ينتقل بين ثلاثتهم " لازال أمامنا دمجهم مع الحالك فكم

أتوق لرؤية ذلك اليوم الذي تنسى فيه الناس عبارة هازان وحالك

وحتى صنوان وأن نكون بلادا واحدة تعريفنا بالقبيلة فقط وليس

ثلاث أقطار ومسميات فوقها "

قال أحد أولئك الواقفين أمامه وبإعجاب واضح " أكثر ما يعجبني

فيك أنك لم تفعل كما حاول الكثيرون فعلها حين ترأسوا بلادا كبلادنا

أول ما حاولوا فعله محو القبيلة ومحاولة دمج الناس في أحزاب سياسية

ونسوا أن ذلك لن يسبب إلا دمارا لكل شيء وتتناحر القبائل في النهاية "

ثبت ياقة معطفه بيده وقال بجدية " القبيلة نسيج قوي ورائع أيضا ومن

السخف محاولة تفكيكه حتى يتلاشى ثم أنا لست رئيسا عليكم تذكر ذلك

جيدا وكل ما سنفعله الآن محاولة تسيير الهازان , أريد كما لي أذرع

وأيدي قوية في الحالك تسيّر الأمور وقت وجودي هنا وأثق فيهم كنفسي

أن يكون كذلك هنا ومن رجال الهازان ذاتهم وبالتدريج حتى يخرج رجالي

من مدنكم لتقوموا أنتم بكل هذا الدور , سنبدأ بقبول المجندين الجدد منكم

سننظم المقرات ونؤسس جهاز شرطة صغير مؤقت وهو مخططي القادم

للحالك أيضا , سنجلب مدربين من الحالك لتدريب الجنود في الهازان

والعكس وبذلك سنبدأ أول عملية دمج ثم ننتقل للمدارس ونتبادل الأساتذة

فالأطباء والممرضين , أريد أن يرى الناس أن من يخدمهم من القطر

الآخر ... من يعلم أبنائهم ويدربهم وحتى يداوي مرضاهم ثم ننتقل

للندوات المشتركة والحوارات الوطنية وسنبدأ بأهم نقطة وهي قانون

عقوبات لخرق الهدن وعمليات القتل الفردية سواء كان القاتل

من الحالك أو الهازان "

قال أحدهم " أرى أن كل هذا تفكير منطقي بل ورائع لكني

أخشى أن يأخذ وقتا طويلا "

نظر له الواقف بجانبه وقال " بل أراه سيكون أسرع مما نتخيل بكثير

فأهم ما في الأمر ثقة الناس بمطر شاهين وهذا ما أراه حدث وبقوة

خاصة مع ما قدمه لهم والباقي سيأتي بالتدريج وأتوقعه في

غضون أشهر قليلة "

قال مطر " هذا أمر لا يمكن فعله بسهولة فثمة من سيصعب عليه

نسيان الدماء والأحقاد لكنه سيحدث وإن بعد حين "

قال المقابل له مبتسما " فكرة التعويض وصندوق دفع الدية قلصت

من مشاكل الثأر بيننا وبينكم بشكل كبير , لقد حسبت حساب كل

شيء وبدقة , أرفع لك القبعة يا زعيم , أمثالك لا أعرف كيف

يسيرون حياتهم الخاصة ! اجزم أنها خالية من الثغر

وهنيئا لأهلك بك "

ابتسامة ساخرة تغلبت على طرف شفته القاسية وأبعد نظره عنهم

قائلا " إذا غدا نلتقي في المقر الذي جهزتموه , أريد جميع من ذكرتم

هناك لن نوقف اجتماعنا حتى ندرس جميع النقاط ونبدأ بعدها

المرحلة الفعلية لتسيير الأمور هنا "

هزوا رؤوسهم بالموافقة وتفرقوا بعدما تصافحوا بودية ولم يبقى غيره

هناك ورجاله المحيطين به على بعد خطوات قليلة يكثفون الحراسة حوله

بتشديد كبير وهو يتنقل داخل الهازان التي لم يضمنوا الأمان فيها بعد وما

كانوا ليتركوه دون حراسة حتى إن كان ليلها كنهارها وكانت أأمن عليه

من الحالك فبإصرار منهم تغلبوا عليه فيه وضعت تلك الحراسة المشددة

حوله وهم مجموعة رجال مدربين أفضل تدريب يرافقونه كظله أينما انتقل

داخل مدن الهازان التي أصبحت تحت حكمه من أدناها لأقصاها ويعمل

بجد على تسليمها لأبنائها ما أن يتم تسيير أمورها ويكون هو المتصرف

في كل شئونها وإن كان خارجها ، تحرك جهة تلك الصخور رافعا يده

في إشارة لمن تحركوا مع حركته فورا ليبقوا بعيدين عنه لكن ذلك لم

يمنعهم من مراقبة المكان بأعين لا تغفل شيئا ، اقترب أكثر حتى أصبح

رذاذ مياه ذاك الموج الغاضب يصل لحدائه الجلدي وأطراف بنطلونه

ومعطفه وغاب بنظره في الأفق البعيد يداه في جيوبه والهواء يحرك

خصلات شعره القصير ومرت تلك العبارة أمام عينه فور ( أمثالك

لا أعرف كيف يسيرون حياتهم الخاصة ! اجزم أنها خالية من

الثغر وهنيئا لأهلك بك )

أخرج يده من جيبه ورفعها أمام وجهه ونظر للمنديل الذي يقبض

عليه فيها بقوة ووقع نظره تحديدا على تلك العبارة من كل ما

كتبت عليه ( أحب الكاسر أكثر من أي شيء )

أبعده منزلا يده ونظر للأفق من جديد ولا يعلم كيف لم يفكر بمنطق

في كل تلك العبارات التي لم يكن اسم ذاك من ضمنها ولا حتى حرف

من حروفه ونعتتهم في كل مرة بأخوتي أو أشقائي ، شد قبضته على

ذاك المنديل أكثر ورحلت به الذكرى لأحداث تلك الليلة العاصفة الليلة

التي عرف فيها ذاك كيف يستغله ويستغل غضبه وحين دخل عليها

الغرفة ووجدها ملتصقة بالجدار تنظر له بجزع لم يرى منه شيئا

من شدة غضبه وهي تحاول التحرك جانبا قائلة بصوت مرتجف

" مطر ما بك ماذا فعلت لك ؟ "

فانفجر فيها كالبركان وهي تحتمي بذراعها على وجهها وتمسك بيدها

الأخرى أسفل بطنها خوفا على نفسها وجنينها منه ولا تعلم أنه قد

يرضى بقطع يده ولا أن يمدها عليها , لن يسامح نفسه ما عاش إن

فعلها سابقا فكيف الآن وهي تحمل طفله ، كان غضبه أسودا لم

يرى معه شيء وتفوه بأمور ما كان عليه قولها وهو يحترق

ولا يستطيع ذكر سبب غضبه الحقيقي ولا سؤالها .

نظر فوقه للسماء التي ازداد لونها القاتم بسبب تجمع الغيوم فيها والهواء

يحرك شعره القصير للخلف متلاعبا بخصلاته كتلاعبه بياقة معطفه

حول وجهه ، كل ما يحاول فهمه واستيعابه سبب ما قاله جبران ذاك

وحقيقته ! لماذا قال ما قال وعلى ماذا استند وما سبب هلوستها باسمه

خصيصا وما سر المكالمة التي كانت بينهما وما ذكره عن إخراجها

من هناك واتفاقهما على ذلك ؟؟ أغمض عينيه برفق لتمر صورتها

أمام عينيه وأول ما تذكره قربها الشديد منه في تلك اللحظات القليلة

التي جمعتهما فوق سرير واحد ، تذكر فورا استيقاظه من نومه ليلا

بسبب قبلاتها لشفتيه وضحكتها الرقيقة ما أن يفتح عينيه ليعود

ويغلقهما هامسا بابتسامة " توقفي عن هذا يا مشاغبة "

ولا تستسلم حتى يفتحهما مجددا ويرعي سمعه وكل انتباهه لها وهي

تتحدث وأصابعها تداعب شعر مؤخرة عنقه لأن النوم جافاها وقد

استفاقت منتصف الليل ولن تتركه يعود للنوم حتى تغفى هي أولا

ليستلم مهمة تغطيتها جيدا ودسها في حضنه كطفلة اعتادت أن

يهتم غيرها بجميع أمورها .

قبض أصابعه بقوة وفتح عينيه ولازال نظره على تلك الغيوم السوداء

وما يكاد يرسل عقله للجنون كيف أن تلك يكون في قلبها رجل آخر !

تنفس بقوة وهمس من بين أسنانه " جبران شراع صنوان ليرميك

القدر أمامي مجددا فقط "

وغادر من هناك عازم على أمر واحد بخصوص ذاك الموضوع

*

*


دخل المنزل الساكن الصامت رغم أن الوقت كان منتصف المساء

أغلق الباب خلفه وتوجه جهة ممر غرفته التي لم يدخلها من أشهر

كما هذا المنزل الذي غادره كسير القلب والروح وأقسم على أن لا

يدخله إلا بعودتها وهذا ما بات متأكدا منه الآن , ما أن سلك الممر

حتى توقف فجأة لظهور عمته أمامه تمسك في يدها زجاجة حليب

أطفال وقد فغرت فاها مصدومة تنظر لوجهه ثم سرعان ما

أمسكت بكم سترته وقالت بابتسامة واسعة " جبران !! "

وضمته لصدرها سريعا قائلة بحزن " ما أسعدها من ليلة هذه

أين أنت بني لقد اشتقت لك يا جبران "

مسح بكفه على ظهرها وقال بهدوء " أنا بخير عمتي وها

أنا أمامك ولن أغادر مجددا "

ابتعدت عنه ونظرت له بمفاجأة وسعادة وقالت " حقا لن تغادر !

هل غيرت رأيك أخيرا ؟ "

أبعد نظره عنها وقال " نعم سأبقى هنا "

ثم نظر ليدها وللزجاجة فيها وقال " هذه تخص ابن الكاسر عمتي ؟ "

هزت رأسها بنعم وقالت بحزن " أجل لابنه "

نظر لعينيها وقال بلهفة " أين هو عمتي أريد أن أراه "

قالت من فورها " غدا تراه بني فما صدقت أن نام أخيرا فهوا منذ

ليلة أمس في بكاء مستمر لم يجدي معه ولا علاج الطبيب حتى

أحضر والدك إحدى العجائز وعالجته بالأعشاب ولم أصدق

أنه سكت ونام أخيرا "

هز رأسه بحسنا وقال ناظرا لعينيها " وما أخبار رعد ؟ "

تنهدت بحزن قائلة " لا أخبار تامة عنه حتى الآن سوى أنه

موجود في الحالك وابن شاهين وعد بتسيلمه لنا "

ابتسم بسخرية وهمس " كاذب هل تصدقونه حقا عمتي ؟ "

نظرت له بحيرة وقالت " وما يضطره للكذب ؟ إن لم يرد تسليمه

لقالها ولن يجبره أحد , وهو إن قال فعل وهذا ما عُرف عنه "

تمتم ببرود " لن يفعلها الآن عمتي وستري بعينك "

سحبته من يده قائلة " أتركنا من كل هذا وتعالى لترتاح في غرفتك

حتى أحضر لك شيئا تأكله , حمدا لله أن غيرت أفكارك المجنونة

تلك أخيرا "

وغادرت الغرفة متمتمه حامدة لله ونظره يتبعها حتى اختفت وقد همس

بابتسامة ساخرة " سأكون هنا وأنتظر عودتها فلن تتأخر كثيرا "

توجه للنافذة وفتحها ليتدفق الهواء البارد منها منتشرا في أرجاء تلك

الغرفة المهجورة من أشهر ووقف أمامها ونظر للسماء المتلألئة بالنجوم

( مؤكد هو من أجاب على الهاتف تلك الليلة فغسق تنام باكرا طوال حياتها

وهو عاد في ذاك اليوم من سفره , وإن كان شخصا آخر من عائلته من

أجاب لكان تحدث , كما وأن الأخبار حوله تقول أنه في الهازان منذ

شهرين لم يغادرها وأنا أكثر من يعرف معنى أن يدخل الشك عقل

رجل فكيف إن كان ذاك الرجل ابن شاهين تحديدا وفي مواجهته

امرأة كغسق يخشى النسيم من جرح نعومة خدها )

مرر أصابعه في شعره يرفع رأسه أكثر وابتسم بانتصار هامسا

" توج انتصاراتك الحربية يا ابن شاهين لتختمها بفشلك المريع

وأنت تطلق زوجتك وهذا ما سيحدث قريبا وقل جبران قالها

وليرجع الحق لأصحابه "

*

*


حركت المكعب بأناملها البيضاء الرقيقة أمام عينيها مرتمية فوق

سريرها تراقب الصور المتقاطعة فيه بشرود حزين , اللعبة التي لم

تفارقها حياتها سوى فترة وجودها هنا وحتى حين دخلت الحالك دستها

في سرج ذاك الجواد وضنت أنها اختفت معه كمنديل الكاسر وكشقيقها

الحبيب ذاك وكجميع أحلامها الجميلة التي تلاشت مع مرور الأيام .

مسحت دمعة تدلت من رموشها وأغمضت عينيها برفق لتهرب من

ذكرى لأخرى أقسى منها وما حدث تلك الليلة يمر أمامها كالشريط

صوت صراخه باسمها وهو يصعد السلالم ودخوله الغاضب للغرفة

وانفجاره فيها لحظة دخول جوزاء راكضة وهي كانت الشخص الوحيد

الذي هجره النوم تلك الليلة بعد سبع ليال نامت فيها وابنيها في حضنها

لتنام بعدها وحيدة في ذاك السرير الواسع الخالي وكانت هي من سمع

صراخه وهرعت مسرعة ولحقت به ودخلت الغرفة خلفه بلا تفكير

ووقفت بينهما ترفع يديها مانعة له عن الوصول لها تحاول التحدث

معه ودون جدوى لأنه لم يكن يسمع سوى صوت نفسه ولا

يرى أحدا أمامه يرميها بتلك الحقائق كالرصاص .

سالت دمعتها مجددا فأمسكت بطرف ملاءة السرير ودفنت وجهها

فيها وهي تتذكر كل تلك العبارات الغاضبة التي رماها بها ( تريدين

معرفة السبب يا غسق ؟ معرفة ما بي وما ذنبك أنتي ؟ تريدين فتح

الجراح وكشف الحقيقة المرة ؟)

رمى يده بعنف وصرخ أكثر لا يفصله عنها سوى جسد جوزاء التي

تمسك به بقوة ليبتعد ( ما رأيك برجل طعن في كبريائه وكرامته ؟

ماذا تتوقعين من رجل انتظر امرأة لأعوام وعاش لها فقط لا ينظر

ولا بطرف عينه لامرأة أخرى ليأخذها منه غيره ليكتشف أنها

فضلت غيره عليه , امرأة داس على كرامته من أجلها تنازل

من أجلها ... عشقها سمعتي عشقها هي وحدها ليكتشف أنها

لغيره أنها باعته بأرخص منه أنها تلاعبت به أنها تخطط

للزواج من غيره وأنها لم تستحق عمره الذي أضاعه

ينتظرها )

دفنت وجهها في اللحاف أكثر وزاد بكائها وعبراتها وهي تتذكر

صوت تلك المرأة التي أجابت عليها في الفندق ولم تجد غيرها لحل

كل تلك الألغاز فيما قال فمن ستكون المرأة التي عشقها وانتظرها

لأعوام وهي تخطط للزواج من غيره وقد أضاع عمره من

أجلها ؟ صرخت تلكم السرير بقبضتها بقوة " وأنا ما مكاني

من كل ذلك ؟ لماذا تزوجني إن كان ثمة امرأة أخرى من

أعوام أضاع عمره من أجلها ؟ "

اشتدت عبراتها وهي تتذكر سؤال جوزاء له يوم كانوا قرب

ذاك الجواد عن أثر ذاك الجرح في عنقه وقد أجابها ببرود

" أمر لا أهمية له وتصفية حساب قديم "

ليربط عقلها الأمور مجددا بسفره وتلك المرأة وغدر امرأة به كما

ذكر فلم تجد سوى تحليلا واحدا وهو شجار بينه وبين من قال أنها

اختارته زوجا وتركته من أجله , مر عليها الوقت وهي في بكائها

ذاك حتى سمعت صوت أذان الفجر فغادرت السرير بخطوات

واهنة حتى وصلت الحمام دخلته وتوجهت للمغسلة فورا وأفرغت

كل ما في جوفها رغم قلته ويدها تقبض على معدتها بقوة حتى شعرت

بروحها ستخرج من جسدها ولازالت تستغرب في ذاك الطفل الذي

لازال متمسكا بالحياة في أحشائها الميتة , توضأت وخرجت

للغرفة صلت الفجر والصبح واتكأت على السرير مجددا تراقب

النافذة المغلقة وانبلاج الفجر من خلف زجاجها الواسع , فكرت

في حياتها منذ كانت طفلة وفي تغيرها القاسي يوم علمت أنها

ليست ابنة من ضنت لأعوام طويلة أنه والدها , أخوتها ليسوا

بأخوتها وعمتها امرأة غريبة لا قرابة تربطها بها سوى أنها

شقيقة زوج والدتها , تذكرت كم كانت حياتها رائعة ومختلفة

كانت تشعر بأنها شخص موجود في هذه الحياة قبل أن تفجعها

الحقيقة وتتحول جميع مشاعرها تلك لفراغ وهي ترى نفسها بلا

هوية , إنسانة عبارة عن علامة استفهام رميت في أرض الواقع

لتبقى لغزا فيها للأبد , وانتهى بها الأمر أن وجدت نفسها في هذا

المكان في عالم ليس عالمها وأناس آخرون ليسوا أهلها ورجل

هابته طوال حياتها وجدت نفسها فجأة أسيرة حضنه تشاركه حتى

مضجعه , رجل ضنت أنه بوجوده قربها قد حضت بكل ما خسرته

سابقا وأغناها عن معرفة حتى هويتها المجهولة لتكتشف أنه مجرد

جلاد ظهر في حياتها ليعلمها درسا آخر قاسيا من الدروس التي

لم تتعلمها بعد ( لا تثقي في رجل ولا تسلميه قلبك ومشاعرك )

قبضت على قماش الملاءة أكثر وهمست بوجع " ليتني ما

عرفتك يوما يا مطر "

طرقات خفيفة على باب الغرفة عادت لربطها بذاك العالم مجددا

ووصلها صوت حبيبة قائلة " سيدتي الفطور جاهز والسيدة

نصيرة تسأل عنك "

قالت بعد برهة ونظرها لازال معلقا بتلك النافذة " لا أريد يا حبيبة

لا رغبة لي في أكل شيء "

سمعت خطواتها تبتعد وما هي إلا لحظات ووصلها صوت عجلات

كرسي عمتها فجلست ترفع شعرها عن وجهها لحظة ما طرقت تلك
الباب ثم فتحته ودخلت ونظرت لها قائلة بلوم " غسق لن أسمح لك

بإهمال طعامك وصحتك أبدا , بالأمس لم تأكلي جيدا واليوم

ترفضين الطعام , أنظري لوجهك في المرأة كيف أصبح

أصفرا وباهتا وكئيب "

قالت تكابد دموعها كي لا تنزل " أريد والدي عمتي ليرحمني

ابن شقيقك , لم أعد أريده أرجعوني من حيث أتيت "

اقتربت من سريرها وقالت ما أن وصلت عندها " غسق ما هذا الذي

تقولينه ؟ هل بعد أن ربطكما طفل واستقرت حياتكما لفترة ترجعا

للصفر ؟ ثم الخيار في رجوعك لوالدك لم يكن بيدك منذ البداية "

لوحت بقبضتها في الهواء قائلة بحرقة " أجل فأنا سجينته منذ البداية

وكوني لم أعترض ليس معناه أني رضيت وقتها , وحين استسلمت

لواقعي وظننته رجلا يستحق أن أضحي بكل شيء من أجله

خذلني فيه "

ضربت بقبضتها على قلبها وقالت ودموعها تتدحرج على وجنتيها

" سلمت له هذا عمتي , وثقت به منحته غسق بأكملها ثم ماذا ؟ جاء

ليعترف لي بعشقه لامرأة أخرى ويحملني ذنب خيانتها له مع غيره

ماذا فعلت له يفعل بي كل هذا ؟ ما ذنبي أنا غير أني أخطأت خطأ

عمري ودخلت حدوده في تلك الليلة ولم يكن في نيتي إيذاء أحد

أقسم لم أنوي أن أؤدي ولا نملة في أرض الحالك لينتهي بي الأمر

هنا وهكذا , من طلب منه أن يتزوجني ؟ من أجبره على ذلك

إن كان يريد امرأة أخرى لم يستطع الوصول لها "

مدت يديها لها فارتمت من فورها في حضنها تكمل بكائها الموجع

فيه وهي تمسح على شعرها بحنان وحزن تقرأ عليها ما تحفظ من

آيات حتى هدأت وخف بكائها واستسلمت للنوم بين ذراعيها وهي من

لم تنم طيلة تلك الليلة ولم يقرب النوم جفونها , عدلتها على السرير قدر

استطاعتها وسحبت الغطاء فوقها وجلست عند رأسها تمسح على شعرها

تراقب ملامحها الجميلة الشاحبة بحزن وعجز عن إيجاد حل يريحها ولو

قليلا , وما أن انتظم تنفسها وغرقت في نوم عمق قبلت جبينها وعدلت

لها الغطاء أكثر وتحركت بكرسيها وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب

خلفها وعادت أدراجها جهة غرفة الطعام ودخلتها فقالت جوزاء

ما أن رأتها " ألن تأتي ؟ "

اقتربت تحرك عجلات كرسيها حتى وصلت للطاولة وقالت

" نامت وذاك أفضل لها الآن وسنجبرها على الأكل فيما بعد "

ثم نظرت لشقيقها الذي قال ناظرا لها " وكيف هي صحتها ؟ "

هزت رأسها بأسى وهمست " ستضر بنفسها على هذا الحال فلن

يتحمل جسدها ولا الجنين بداخلها الضغط النفسي الذي تمر به "

وتابعت متسائلة " يبدوا أنك لم تتصل به كما طلبت منك "

عاد بنظره لطعامه وقال " بلى ومنذ البارحة أحاول معه وإما هاتفه

مقفل أو لا يجيب عليه , أنتي تعلمي الوضع هناك وانشغاله "

قالت بضيق " انشغاله بماذا ؟ هل الهازان تحتاجه أكثر من زوجته ؟

هل اهتمامه بمشاكل الناس هناك أهم من حل مشاكله المعلقة هنا "

بسط كفيه قائلا بنفاذ صبر " وما في يدي أنا وما ذنبي أتلقى

توبيخك كلما رأيتني ؟ "

قالت بذات ضيقها " ذنبك أنك عمه والوحيد الذي يمكنه الوصول

له فاتصل بأحد رجاله يعطيك إياه أو اذهب له بنفسك هناك أو

قسما تصرفت بنفسي "

أخرج هاتفه متأففا وأجرى اتصالا أجاب صاحبه بعد برهة فقال

ما أن فتح الخط " أين زعيمك لا يجيب على هاتفه ؟ "

سكت لبرهة ونظراتهما معلقة به وهو يعقد حاجبيه قائلا

" ومتى ينتهي اجتماعهم هذا ؟ "

هز رأسه بحسنا وقال " حين تخرجوا من هناك أخبره يتصــ ...

لا لا تخبره شيئا بل اتصل بي لأكلمه مفهوم "

ثم أبعد هاتفه وقال وهو يدسه في جيبه " قال أنه في اجتماع مع

كبار رؤوس قبائل الهازان وما أن يخرج سأتحدث معه "

ثم وقف وقال مغادرا " وأنا من سيقتلع عينيه حين يرجع

لأني من تلقى عقاب أفعاله "


*

*

تابع حركة التي كانت ترتب الغرفة في صمت حتى انتهت

وحملت سلة الغسيل لتأخذ ثيابه المتسخة وملاءات السرير

فقال قبل أن تخرج " أين أستريا لم تأتي ؟ "

التفتت له وسندت السلة على وركها وقالت " تساعد والدتي في

المنزل وأخبرتني أن أقوم بكل شيء بدلا عنها , هل من شيء

تريد أن أسالها عن مكانه "

قال من فوره " أريدها هي , هي من تعرفه جيدا فأخبريها تأتي "

حركت كتفيها وغادرت من هناك ونظره يتبعها حتى اختفت ثم نظر

للنافذة ولتلك السماء البعيدة المغيمة بشرود وأخذته أفكاره وسبحت

به في كل ما مر عليه منذ دخل هذه الحدود فأكثر من شهرين مرا

على وجوده هنا سجين هذه الغرفة والسرير لا يعلم عن عائلته شيئا

وليس يعلم فهم رماح رسالة أستريا ومكالمتها أم ضن أنها مجرد

كذبة ؟ ما يريحه أنه علم أن شقيقه بخير وهذا أكثر ما كان يؤرقه

ويتعبه فوق تعبه , حالته أصبحت في تحسن مستمر وبقي أمامه

أسابيع قليلة ويسمح له الطبيب بمغادرة السرير كما أخبره , لا

يصدق أنه نجا من ذاك الحادث المريع وأنهم تمكنوا من إنقاذه

وهم يضعونه في هذا المنزل واكتشف أنهم يتقنون طب الأعشاب

بشكل مبهر قد أذهله وقد وجدوا لأنفسهم حلولا كثيرة لنقص المعدات

الطبية , نزل بنظره للكتاب بجانبه ثم رفعه وفتحه حيث توقف آخر

مرة وقد اكتشف هنا سر انجذاب غسق ورماح سابقا للكتب ولمكتبة

منزلهم فقد وجد في كتب التاريخ متعة لم يتوقعها أبدا , انسجم سريعا

في القراءة وانفصل عن العالم حوله ولم يشعر بمرور الوقت حتى

سمع صوت خطوات تقترب من غرفته ثم انفتح باب الغرفة فنظر

بترقب ينتظر التي ستدخل منه وتحولت نظرته للاستغراب وهو

ينظر للتي دخلت وكانت أول مرة يراها فيها وقد نزعت القميص

الصوفي عن جسدها فورا لتبقى بفستانها عاري الأكتاف والصدر

كاشفا عن بشرتها الناصعة الصافية , كانت بجمال ملفت للنظر

وشعر بني فاتح مموج لكن في نظرتها شيء ما لمحه وكأنها

تحكي عن سواد قاتم في قلبها وبشاعة غريبة داخلها عكس ما

يظهر على خارجها , استغرب دخولها هنا ومن تكون ولا أحد

يدخل ذاك المنزل غير ابنتي الزعيم كما أخبرته أستريا سابقا

وأنه ثمة حراسة عند الباب كي لا يتعرض له أحد أو يدخل

له ومن أجل حمايته فمن تكون هذه ومن أدخلها !!

نظرت لكل شيء حولها قبل أن تنظر جهته وقالت بسخرية

" إذا أنت هو مريض آستي ؟ "

نظر لها من أسفل صعودا حتى وجهها وقال

" من أنتي ؟ "

حركت كتفها مميلة رأسها وأصابعها تتخلل شعرها قائلة بنعومة

" اسمي جوانا ... حسنا ما اسمك أنت ؟ "

عاد لتقييمها بنظراته ولم يجبها فقالت بضحكة رقيقة وتغنج

" ألن تتوقف عن تعريتي بنظراتك ؟ تكفيك واحدة "

نظر لها بصدمة من كلامها فاقتربت منه وجلست على طرف السرير

وقالت تنظر للغرفة " لم تجبني أنت مريض آستي أليس كذلك ؟ "

ابتعد لطرف السرير الآخر رغم ضيق مساحته وقال ببرود

" أجل أنا من تعتني به آستريا وشقيقتها فماذا تريدين "

ضحكت برقة ومدت يدها جهة كتفه قائلة " ما بك مذعور مني

هكذا ؟ اعتبرني آستي ألا ينفع ذلك ؟ "

أمسك معصمها ليبعد يدها لحظة ما انفتح باب الغرفة كاشفا عن

الواقفة خلفه وقد نظرت جهتهما بصدمة فاستلت تلك معصمها

من يده ووقفت تنظر لها بابتسامة ساخرة فدخلت وتوجهت نحوها

بخطوات غاضبة ودفعتها مبعدة لها من هناك قائلة بغضب " ما

الذي أدخلك هنا أنتي ؟ ابتعدي عنه فورا فهو ليس من شاكلتك "

مسدت تلك ذراعها حيث أمسكتها وسحبتها منها وقالت بذات

سخريتها اللاذعة " جميل .. هو من شاكلتك إذا يا سارقة "

وقفت بينها وبين سريره وقالت رامية يدها جانبا " سارقة أفضل

من فــ ... أنا أنزه من أن أقول كلمة مثلها فابتعدي عنه لأنه

أصغر منك وأعتقد أنه ليس من النوع الذي يعجبك "

كتفت تلك يديها لصدرها وقالت ناظرة له من فوق كتف الواقفة

أمامها " آه أجل فهو النوع الذي يعجبك أنتي "

رفعت كلى يديها جانبا وكأنها حاجز بينهما وقالت " لا دخل لك

بهذا المهم أنه ليس النوع الذي يمكنك التلاعب بعقله مثل الواقفان

عند الباب وغيرهم , هو عربي مسلم وأعتقد أنك سبق وجربت هذا

النوع وأتاك منه ما تستحقين فلا تقتربي منه كي لا تهاني مجددا

أمامي "

رمت سترتها الصوفية على كتفيها وقالت بسخرية " المهم أن لا

يكون أهانك أنتي وتركك تقتربين منه آستي الصغيرة الحمقاء "

وتابعت مغادرة " كانت فرصة سعيدة يا عربي ولا أوصيك

على قلب ابنة زعيمنا لا تجرحه وأنت تغادر وتتركها "

وابتعدت ضاحكة حتى خرجت فالتفتت تلك للجالس على

السرير خلفها وقد قال من فوره " من هذه ؟ "

أمسكت وسطها بيديها وقالت بضيق " هذه التي تصطاد الرجال

لتتركهم ضحايا معذبين خلفها ولم يكسر أنفها سوى الزعيم مطر

فلا تكن أنت جروا مثلهم تلهث خلفها لسانك في الخارج ولعابك

يسيل من فمك "

لم يستطع إمساك ضحكته ولم يتوقف عن ضحكه الهستيري رغم

ضربها له بالوسادة فأمسكها منها وسحبها بقوة أوقعتها في حجره

فابتعدت عنه لحظة خروج أنينه المتألم من وقوع جسدها على جسده

المتعب تعدل شعرها وقالت بضيق " أهذا ما كنت تحاول فعله

معها ؟ تسحبها من معصمها وتوقعها عليك "

نظر لعينيها وقال بضيق مماثل " آستريا لا تكوني غبية فأنا لم

أقصد فعل ذلك معك لأفعله معها ، هي من مدت يدها نحوي

وأردت إبعادها "

قالت ببرود " آه أجل صدقتك "

قلدها في نبرتها الباردة الجافة قائلا " أجل صدقي فأنا كنت

مكاني هنا في السرير وهي من كانت مقتربة مني فما

المنطق فيما حدث ؟ "

نظرت له ولجلوسه في الطرف البعيد للسرير على غير عادته

وما أن فكرت قليلا وجدت أن ما قاله صحيح فقالت بريبة

" ماذا قلتما ؟ "

تنهد بضجر وقال بعدم اهتمام " لم نقل شيئا كانت فقط تسألني

عن اسمي "

وتابع بمكر زاحفا ليعود مكانه " ولم تتركي أنتي لنا طبعا

أي مجال لنقول "

أمسكت وسطها وقالت بغضب " أجل اظهر على حقيقتك , أعلم

أنها تعجبك وأنك أحمق كباقي الرجال الذين يتغاضون عن حقيقتها

الظاهرة للعيان لكنكم الرجال جميعكم متشابهون وأنا من ظننت

أن العرب المسلمين كلهم كالزعيم مطر لكني أخطأت "

اتكأ برأسه على الجدار خلفه وقال ناظرا لها بابتسامة على انفعالها

" هي لم تعجبني آستريا , نظرتها تقول أنها امرأة سيئة جدا وأنا

لا أحب هذا النوع ولست أعلم كيف دخلت هنا "

قالت ببرود " أنا أعرف وسأخبر والدي ليعاقب الأحمقان اللذان

في الخارج على لعبها بعقليهما ليدخلاها "

وتابعت ويداها لازالتا تمسكان خصرها " وما النوع الذي

يعجبك إذا ؟ "

عض طرف شفته يمسك ضحكته ثم قال ناظرا لعينيها

" النوع الذي تراه هي غبيا وصغيرا "

احمرتا وجنتيها بشدة وأبعدت نظرها عنه قائلة بابتسامة تغلبت

على خجلها " سأخبر والدي عنك أيضا "

خرجت منه ضحكة صغيرة وأبعد رأسه عن الجدار وقال

بهدوء " آسف تجاوزت حدودي حقا "

جمعت كفيها وقالت مبتسمة بحماس " لا ماذا آسف هذه ؟ ما

صدقت أن نطقت أخيرا , أقسم لو كنت تنانيا لقفزت لحظنك

الآن وقبلتك "

نظر لها بصدمة فعضت شفاها بإحراج وأمسكت خديها وقالت

" آسفة لا أعرف كيف قلت ذلك "

عقد حاجبيه قائلا بحزم " أستريا هل هذا ما تفعلونه أنتم "

شهقت بقوة وقالت بصدمة " ما قصدك بهذا ! أنا لم أفعلها يوما مع

رجل , يفعلها الخاطبان والحبيبان وهناك من لا يلتزم بشيء فتوقف

عن اتهامي بأمور لا نفعلها "

قال بهدوء محاولا تهدئة غضبها " لم أقصد يوما اتهامكم آستريا

أنا فقط لا أريد أن تكوني من ذاك النوع فالاستهتار موجود حتى

لدينا فلا تفهمي كل ما أقوله خاطئا "

كانت ستتحدث فقاطعها " آستريا لا تغضبي مني ككل مرة أقسم

لم أقصد ما فهمته أنا فقط .... كيف أشرحها لك الآن "

تحول غضبها لابتسامة وقالت وقد جلست على الكرسي قرب سريره

" عرفتها وحدي لا تقلها إنها الغيرة "

نظر لها بصدمة فلوحت بيديها أمام وجهها قائلة بضحكة

" لم أقل شيئا .. لا .. لا .. لا .. لننسى كل ذلك "

وتابعت وقد ضمت يديها لحجرها " هيا حدثني أكثر عن الإسلام

لقد أحببت حديثك تلك المرة عنه وبقيت طوال الليل أفكر فيما

قلته لي "


*

*

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع


 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 28-10-16, 09:06 PM   المشاركة رقم: 1057
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,105
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7195

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : برد المشاعر المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر / بقلمي برد المشاعر

 



*

*


أزاحت نظرها من على التلفاز ورفعت هاتفها ولوت شفتيها ما

أن رأت الاسم الذي ظهر على شاشته وهمست وهي تفتح

الخط " فعلها ذاك البربري كما توقعت "

عادت بنظرها للفيلم المعروض على شاشته وقالت مبتسمة لمن

في الطرف الآخر " مرحبا مطر كيف حالك ؟ "

قال من فوره " هل صحيح ما سمعته ؟ "

تنهدت وقالت ببرود " وما الذي سمعته ؟ "

وصلتها نبرته المدججة بالتهديد والتي تعلم عواقبها جيدا " ماذا

قلنا عن النوادي الليلية يا غيسانة وعلى ماذا اتفقنا ؟ "

أغمضت عينها متنهدة بضيق وقالت " قلنا لا أذهب لها مجددا

ولا أغادر المنزل ليلا ولا أستقبل رجالا فيه وأمور كثيرة


تنتزع الروح من الجسد "

وتابعت بضيق وقد فتحت عينيها " لكني مللت من هذا الوضع

واختنقت من التقييد وما كنت أريد الذهاب له لكن صديقتي أصرت

عليا حتى أتعبت لي رأسي , ثم أنا ذهبت برفقتها وليس برفقة

رجل وكلها دقائق وكنت سأخرج من هناك و... "

قاطعها بضيق " والرجل الذي كان معكما والساعة وقتها ؟ لا

تشعريني في كل مرة أنك طفلة أكثر من سابقتها "

نفضت يدها الحرة قائلة بضيق أكبر " ماذا ترك ذاك الهمجي لم

يخبرك عنه ؟ كنت أعلم أنه سيضخم الأمر فهو من يوم خرج

في حياتي جعلها سوداء كشعره "

قال بحزم قاطع " يوم قلت لي أنك تكرهين فرض الأمور عليك وأنك

ستقتنعين بدمائك وانتمائك وبالإسلام يوما لكن دون ضغط ولا إكراه

ضننت أني أستمع لكلام من امرأة عاقلة تعرف ما تقول وليس لإسكاتي
بتلك الكلمات حتى أبتعد وتفعل ما في رأسها , قلنا لا خروج مع رجال

ولا ملاهي ليلية ولا رحلات لوحدك ولا بقاء خارج المنزل بعد مغيب

الشمس وكان كله برضاك وحضور والدتك والمقابل أن أترك لك حرية

اتخاذ قرارك في الوقت الذي تريه مناسبا وأن لا أتعامل معك بقسوة

كتلك المرة التي تذكرينها جيدا وأن لا آخذك من والدتك ولا أخرجك

من بلادك إلا برضاك , وخرقك لشروطي سيكون معناه خرقا

لشروطك أيضا ولن يكون ذلك ظلما مني لك كما أعتقد "

أنزلت كتفيها متنهدة بقلة حيلة وقالت بهدوء ميزته نغمة صوتها

الرقيقة " حسنا آخر مرة أفعلها فقط لا تغضب "

ثم شدت على أسنانها قائلة " وأخبر ذاك البربري المتوحش

أن يبتعد عن طريقي ويتوقف عن مقارنتي بغيري وعن

مراقبتي أو قسما بلغت عنه الشرطة "

قال بحزم أشد " بل سأوكل بنفسي من سيتحقق من تطبيقك

للشروط فلم أعد أثق بكلامك ووعودك .... وداعا "

أبعدت الهاتف عن أذنها حين انقطع الاتصال فجأة ثم رمته على

الأريكة بجانبها متأففة بحنق ورفعت جهاز التحكم تضغط أزراره

تغير القنوات دون تركيز ولم تنتبه ولا للتي جلست بقربها حتى

قالت " غيسي هل كنت تحدثين شقيقك ؟ "

رمت جهاز التحكم ونظرت لها وقالت بحنق " أجل , كنت أحاول

الاتصال به من أيام ولا أحصل عليه وها قد اتصل بنفسه ولم

يترك لي مجالا ولا لطلب المال منه ولن يوافق أبدا بعد الذي

أخبره به ذاك النكرة "

نظرت لها باستغراب وقالت " مال ماذا هذا الذي تريدينه ؟

أين المال الذي أرسله من وقت قريب ؟ "

وقفت وقالت بضيق " انتهى فما تضنيه أنتي مليون يورو ؟ "


وتابعت مغادرة وبذات ضيقها " عليا البحث عن عمل آخر الآن

فليهنأ بها ذاك البربري "

*

*

دخل مغلقا باب الجناح خلفه فرن هاتفه موقفا له وسط ردهته

فتوجه جهة الأريكة وأخرجه من جيبه وجلس وأجاب قائلا من

فوره " حتى الليل لتتصل ؟ ألم أخبر ذراعك اليمين ذاك أن يتصل

بي ما أن تخرج من الاجتماع أم لا يستطيع إلا إطلاعك على

كل شيء ؟ "

وصله صوت تنهده الواضع وقال ببرود " خرجنا في وقت متأخر

وحتى الطعام تناولناه في الداخل ثم انتقلنا لعدة أماكن معا وما أن

وجدت وقتا ها أنا اتصلت بك بنفسي , ما كان ليفعل لك تميم

شيئا وأنا مشغول "

ضرب بمقدمة حدائه على الأرض قائلا ببرود مماثل " ولأنك

متعب لن أطيل عليك , متى ستأتي أم قررت أن تهجرنا للأبد

وأعجبتك الهازان ؟ "

قال متجاهلا تعليقه الأخير " سأزور الحالك خلال أيام ثمة أمر مهم

عليا القيام به في الشرق , هل من مشكلة تواجهك هناك ؟ "

صر على أسنانه قائلا بنفاذ صبر " ثمة مصائب تركتها أنت خلفك

بعيدة عن الحالك جميعها وعليك حلها ففكر في زيارة منزلك

حين ستأتي لمشاغلك تلك "

ساد الصمت من طرفه حتى ضن أنه أغلق الخط فقال

" مطر هل تسمعني ؟ "

وصله صوته هادئا " هل من مكروه أصاب أحدهم ؟ "

قال عمه من فوره " أحدهم من تعني تحديدا ؟ "

اختفى صوته لبرهة قبل أن يقول " غسق أعني طبعا "

تمتم ببرود " جلف كوالدك "

وصله صوته مباشرة " ماذا قلت فلم أسمعك ؟ "

قال ببرود " قلت احضر فورا إن كانت حياة زوجتك تعنيك "

وفصل الخط ما أن أنهى كلامه كي لا يسمع رده وتجاهل اتصاله

بعدها ولم يجب عليه وما أن وقف ليتوجه لغرفته حتى رن هاتفه

مجددا وكان رقما آخر فتح له الخط فورا فقال من في الطرف

الآخر مباشرة " السلام عليكم "

قال مبتسما ووجهته باب غرفته " وعليك السلام مرحبا يا

أيوب ما هذه المفاجأة ؟ "

ضحك ذاك وقال " مفاجأة منتصف الليل "

دخل غرفته وقال مغلقا الباب خلفه وبابتسامة " مرحبا بمفاجأاتك

يا رجل متى ما جاءت , كيف الحال وما أخبار الولدين ؟ "

قال بضحكة " بخير جميعا والولدين بقربي الآن وأعينهم محدقة

بي كالصقور "

ضحك وجلس على السرير قائلا " قل ما شاء الله يا رجل لا تقطع

عنق أحدهما , هل أعطيهم والدتهم ليتحدثا معها لقد ذبلت ما أن

علمت أنها لن تراهما "

وصله صوت ذاك وكأنه يهمس خشية أن تخرج الحروف من

الأبواب " لا بأس عليها هل هي متعبة ؟ "

قال صقر مبتسما " لا وكما أنت تعلم كانت تتوقع رؤيتهما وتعد

الأيام منتظرة والظروف الأخيرة وإلغاء الأمر كان قاسيا

على قلب الأم "

ثم ابتسم لصوت أبان الذي سمعه ثم والده قائلا

" انتظر سأخبره "

ثم قال محدثا له " سأضمن إيصالهما للحدود فهل تستقبلهما

بنفسك وتأخذهما ؟ "

قال بسعادة " وهل تحتاج هذه لسؤال , أخبرني فقط عن وقت

حضورك بهما وستجدني هناك قبلك "

" غدا صباحا هل يساعدك كي يرجعا سريعا ؟ أنت تعرف

حال البلاد "

قال من فوره " وهو كذلك وإن أردته يوما واحدا أعدتهما لك بعد

غد ولا تقلق فمطر سيؤمن عودتهما لك مهما ساءت الأمور

ولنتمنى أن لا يحدث ذلك "

وصله صوته هادئا " إذا اتفقنا وسنخرج بعد ساعتين ونكون عند

الحدود مقربة الفجر "

ضحك لسماعه صرختهما الحماسية وسعادتهما وقال " يبدوا

أنهما أزعجاك وأجبراك على هذا "

قال ذاك مبتسما " بل وهدية نجاحهما هذا الفصل اتفقا عليا وطلبا

زيارة والدتهما , ما كنت أريد أن أمنعهما أبدا لكن الظروف

الأخيرة جعلتني أتريث قليلا "

قال صقر بتفهم " وأنا معك في ذلك ولا تقلق عليهما سيكونان في

أيدي أمينة حتى يرجعا لك , سأتركها مفاجأة لوالدتهما أقسم أن

تجن من سعادتها , هل تأمرني بشيء آخر يا أيوب ؟ "

قال بهدوء " لا شكرا , إذاً موعدنا غدا وسأتحدث مع الزعيم شراع

لتأمين عبوري كما اتفقنا سابقا وأراك عند الحدود "


*

*

ما أن سلمت من صلاتها حتى نظرت للتي جلست من نومها تفرك

عينيها فتوجهت نحوها فورا ضمتها لحضنها وقبلت خدها قائلة

" صباح الخير لأجمل زيزفون في العالم "

تعلقت تلك بحضنها وكأنها ستعود للنوم فيه وهي تمسح على شعرها

بحنان تسألها بتأني عما تريد أن تأكل إفطارا لها فمن عادتها الاستيقاظ

فجرا كما اعتادت مع جدتها لذلك هي أيضا أصبحت لا تنام بعد الفجر

كي تكون تحت ناظريها ولا يصيبها مكروه خاصة وأنها لم تستوعب

بعد كل الأمور التي تشكل عليها خطرا وفي كل الأحوال لن يطمئن

قلبها لتركها وحيدة , أوقفتها وسارت بها جهة المطبخ الصغير للمنزل

ووضعت إبريق القهوة على النار تحاول دمجها في أي حديث كما

طلب منهم الطبيب وتلك تركض حول الطاولة بنشاط طفولي

ركضت خلفها وأمسكتها ضاحكتين وخرجت بها من هناك وأنزلتها

وسط المنزل تنظر لبابه الذي انفتح ببطء وابتسمت بحب وشوق

لرؤية من دخل منه وأغلقه خلفه وترقرقت الدموع في عينيها سريعا

وهي تتوجه نحوه وقد استقبلها في حضنه الذي تعلقت به وقالت

باكية " حمدا لله على سلامتك يا عكرمة ما هذا الغياب

الذي لم نعرفه يوما "

شدها لصدره أكثر وقبل رأسها قائلا بحنان " كان رغما عني

اشتقت لكما يا فاطمة كيف أنتما ؟ "

همست متعلقة به " بخير مادمت أنت بخير "

ثم ابتعدت عنه تمسح دموعها حين انحنى ليرفع التي تعلقت بساقه

وضمها لصدره يقبلها بحنان قائلا " مرحبا بزيزفونتي الجميلة

كيف حالك يا شقية ؟ "

ضحكت تلك وقالت تعدل فستانها الذي يبعثر بسبب رفعه لها

" ليت كل الأطفال في شقاوتها إنها ملاك , لست أعلم كيف

كنت سأقضي الشهران المنصرمان لو لم تكن معي ؟ "

ضم كتفيها بذراعه وسار بهما نحو الداخل وجلس على الأريكة

وزوجته بجانبه وأجلس من يعدها ابنته على فخذه وضحك لسيل

الأسئلة الذي بدأت تلك بطرحها عليه فنظرت له بطرف عينها

وقالت ببرود " الحق علي , في كل مرة أقول أني لن أسالك

عن شيء فعلته وأرجع وأعيد ذات الخطأ "

أنزل زيزفون ودس يده داخل معطفه وأخرج شيئا ما أن رأته

تلك الصغيرة حتى ابتسمت ابتسامة واسعة وهمست بدهشة

" دمية جميلة "

ومدت يديها فورا لأخذها فأخرجها من غلافها الشفاف وحركها

أمام وجهها قائلا " دمية بلاستيكية حقيقية لأجمل طفلة في الهازان "

أخذتها منه فورا وهي من لم ترى سوى الدمى المصنوعة باليد وابتعدت

بها تمسح على شعرها الأشقر تتفحص جميع أجزائها فقالت الجالسة

بجانبه مبتسمة ونظرها على تلك الصغيرة " من أين أحضرت هذه

الدمية والهازان حالها كحالنا وأردى ؟ "

خرجت منه ضحكة صغيرة ونظر لها وقال " شحنة أنزلتها طائرة

فوجئنا بأن نصفها ألعاب أطفال ولك أن تتخيلي وجه الزعيم مطر

حين رآها ونحن من يدفع ثمن كل ما نزل هناك "

أمسكت فمها تكتم ضحكتها وقالت " وكيف يرسلون لكم شيئا

لم تطلبوه ؟ "

ضحك من فوره وقال " أول عبارة صرخ بها ابن شاهين ما أن

رأى ذاك المشهد ( من أخبر أولئك الحمقى أننا نأكل هذه الأشياء ) "

فانطلقت ضحكتها وقالت " كان أخذ له شيئا منها فبما أنه تزوج

سيأتيه أبناء وسيحتاجها لما يرى أنه لا أهمية لها وسيفرح بها

الكثير من الأطفال "

وقف وقال يفتح أزرار معطفه " لا أتخيل أن الزعيم مطر يفتش

وسط تلك الكومة من الألعاب ويأخذ منها !! ذاك المشهد لا

يليق به أبدا "

وقفت أيضا وقالت تنزع المعطف عنه " وما المختلف فيه

أليس بشرا مثلكم ؟ "

طوت المعطف الثقيل على ساعدها ونظرت مبتسمة حيث

نظر للجالسة على الأرض تمسح على شعر تلك الدمية

متمتمة " جميلة ... جميلة "

نظر لها وقال مبتسما " اخترتها خصيصا دمية شقراء

وعينيها زرقاء مثلها "

قالت بضحكة " هل فتشت في كومة الألعاب يا عكرمة ؟

ياله من مشهد يا رجل زعيم الحالك "

انطلقت ضحكته رافعا رأسه للأعلى ثم نظر لها وقال " كل

غضب الزعيم مطر من إهدار المال على تلك الألعاب كما

قال تبدد حين رأى فرحة أطفال الهازان ونحن نوزعها عليهم

لقد تهافتوا علينا يريدون شكرنا وتلقينا من القبلات الصغيرة

ما يكفينا دهرا "

نظرت له بطرف عينيها وهمست " يكفيك دهرا ها ؟ "

خرجت ضحكته رغما عنه وشدها من يدها قائلا

" تعالي أخبرك كم تكفيني "

سحبت يدها منه مبتسمة وتوجهت جهة التي انشغلت تماما

بدميتها قائلة " لا يمكنني ترك زيزفون وحدها إلا نائمة

فاستحم لتتناول الفطور معنا "

راقبهما مبتسما وقد جلست أمامها تسألها عن الدمية التي كانت

في عينيها كحلم لم تتصور أن له كيان حقيقي , قال يفتح أزرار

قميصه " كيف وضعها خلال هذان الشهران ؟ "

قالت ونظرها مشغول معها " أراها تحسنت وإن تحسنا طفيفا

وفي بعض الأمور كان التحسن ملحوظا ... إنها تتطور "

أبعد طرفي القميص وأمسك خصره قائلا بابتسامة " جيد هذا يعني

أن العلاج أعطى مفعولا , لقد حرص الزعيم مطر على توفيره لها

وكان يسألني عنها طوال الوقت وقال بأنه سيقدمها للفحص من جديد

وقت دخول الأطقم الطبية للهازان , لقد حرص أن أكون من ضمن

أول مجموعة ترجع هنا ضمن المغادرين البارحة لأن إجازاتنا

ستكون بالتناوب لرؤية عائلاتنا "

مسحت على شعرها ونظرها على ملامحها وعينيها المنشغلة

بدميتها وقالت " كيف تغادرون البارحة وتصلون فجر اليوم ؟

المسافة من آخر الهازان لهنا تأخذ مسيرة يوم كامل "

قال مبتسما " الزعيم مطر اتخذ خيارا أسهل بالخروج لإحدى الدول

المجاورة لحدود الهازان ثم الطيران للدولة المجاورة لنا ودخلنا من

حدودها وكانت الطريق أيسر بكثير , لحسن حظنا أن إجازتنا

توافقت مع مغادرته من هناك لنكون معه في رحلته القصيرة "

نظرت له وكانت ستتحدث فعقدت حاجبيها وقالت بضيق " ما هذا

يا عكرمة ؟ كم مرة حذرتك أن لا تنسى أنه ثمة طفلة هنا ولا

تنزع شيئا من ثيابك وإن كان قميصا "

ضحك وتحرك من هناك جهة غرفتهما قائلا " قد أكون ضننت

أني سأجذبك لي هكذا , لقد نسيت فعلا ولن تتكرر "


*

*


تسلق الحاجز الصخري يسرق نظره للذي يقلده في صعوده متمسكا

بالنتوءات البارزة فيه حتى وصلا للأعلى وقفز عمير في الجانب

الآخر أولا وتبعه تيم فورا فرفع له يده وضرب ذاك كفه بها فورا

وقال عمير ضاحكا " رائع أنت تتقدم بشكل كبير يا فتى "

ركض تيم من فوره حول الحاجز قائلا " لنفعلها مجددا "

ولحقه ذاك من فورا واستمرا في الصعود والقفز لعدة جولات حتى

تغلب التعب على ذاك الجسد الصغير النحيل المنهك وانهار جالسا

على الأرض فجلس عمير بجانبه مستندان بيديهما خلف جسديهما

على الرمال التي عكست نور انبلاج الفجر وقال عمير مبتسما

" سننتقل للحاجز الثالث غدا وأتمنى أن يأخذ منا وقتا قصيرا

كالسابقيْن "

نظر له تيم وقال " وما سيكون بعده ؟ "

ضحك ذاك من فوره وقال " لما أنت مستعجل هكذا دائما ؟ بعد

ذلك سنتعلم شيئا مختلفا تماما وسندخل على الشفرات وفك الرموز

المعقدة , تلك الدروس سترافقك لأعوام يا تيم وإن أتقنتها

تكون اجتزت أكثر من نصف المسافة "

هز له رأسه بحسنا ونظرته كلها إصرار رغم جهله عما كان

يتحدث عنه فهو لم يسبق وأن قال له عن تلك الأمور شيئا ولا

من باب المعرفة , وقف عمير وقال نافضا يديه من الرمال

العالقة بها " لقد سألت اليوم صباحا عن ماريه ؟ "

نظر له تيم فوقه وهمس " اليوم ؟ "

هز رأسه بنعم وقال " لقد انتقلوا لمنزل والديها كما توقعت أنت "

وقف أيضا ينفض ثيابه ويديه ولم يعلق على الأمر فقال عمير

" وزرت منزل عمها الآخر وأخذت مفتاح منزل جدهم

وأحضرت ما طلبت مني سابقا "

نظر له وقال من فوره " أحضرتها هنا ؟ "

هز رأسه بنعم مبتسما وتحرك بخطوات واسعة قائلا

" الحق بي هيا إنها في الغرفة "

فركض خلفه حتى لحق به ووصلا المقر وعبرا ممرات المبنى

حتى وصلا لغرفتهما ودخلها فورا ووقف ناظرا للصندوق الذي

أخرجه ذاك من تحت السرير وقد قال مبتسما وناظرا له عند

الباب " خشيت أن تعلم عنها من كثرة ما كانت تتحرك داخله "

اقترب منه ونظر لصندوق ثم مد يديه فورا ورفع السلحفاة الصغيرة

الموجودة فيه فنظر له عمير فوقه وقال وقد س يده في جيبه

" ووجدت شيئا يخصك كان مربوطا في صدفتها بإحكام "

نظر له مستغربا وهو يخرج ورقة من جيبه ومدها له قائلا بضحكة

" لم أفهم من الرسالة سوى اسمك , يبدوا أنها تركتها تخبرك أنهم

سيغادرون من هناك "

سحب الورقة منه بقوة وقال بضيق " ومن سمح لك بفتحها ؟

يالك من فضولي ومزعج "

رمى رأسه للخلف ودوت ضحكته الجهورية في الغرفة ثم وقف

قائلا بضحكة " وما المانع وهي شفرة لا يمكن لأحد غيرها فكها "

وتابع متوجها للخزانة ليخرج ثيابه ويستحم " كان عليها أن ترسمها

رسما لكان الأمر أسهل لتفهمه "

أخرج ثيابه والتفت ناحية الذي لم يعلق على ما قال وكان جالسا على

طرف السرير ينظر للسلحفاة الصغيرة وقد أعادها للصندوق فأغلق

الخزانة وقال ونظره عليه " تيم الألسن تتقاذفها هناك "

رفع نظره به فورا وقد تابع بجدية " أنت لن تتخلى عنها مستقبلا

يا تيم أليس كذلك ؟ حين تكبر سيكون الأمر أشد عليها بكثير

هل ستكون عند كلمتك ؟ "

عاد بنظره للصندوق وقال " لن تسلم منهم في كل الأحوال وأنا سبق

وأخبرت الزعيم مطر وقبله والدتي بأني لن أتخلى عنها وسأفعل "


*

*


نظرت لها بعبوس وقربت حاجبيها قائلة برجاء " عمتي يكفي

أقسم لا رغبة لي "

أشارت لها بإصبعها على الصحن وقالت بأمر " بل ستأكلينه كله

أو غضبت منك يا غسق وعليك أن تحذري من غضبي "

ضحكت جوزاء وقالت " أنا أعرف غضب عمتي جيدا فبقدر

ما أنها لا تغضب بسهولة فغضبها أسود مخيف "

نظرت لها عمتها وقالت بضيق " وصوريني لها غول بسبعة

رؤوس أيضا فتجهض لنا الآن "

خرجت ضحكة غسق رغما عنها تكتمها بظهر أصابعها , ضحكة

صغيرة بخيلة ما ضنت أن ستسمعها مجددا فنظرت لها عمتها

وقالت مبتسمة " الله أكبر كم اشتقنا لهذه الضحكة المميزة , سقا

الله أيام كانت تملأ المكان الذي تكونين فيه , قتل الله من قتلها "

وقعت حبة التمر من يدها التي ارتجفت وماتت ابتسامتها الطفيفة

الحزينة تلك فعضت جوزاء شفتها تحذرها وقالت بضيق

" عمتي لا قدر الله ذلك انظري لنفسك وأنتي ترفعين يديك

بالدعاء من تصيبين بها "

عضت تلك طرف لسانها وتمتمت " أنا هكذا دائما في أول

الصباح ... ويحي أستغفر الله "

نظرت جوزاء للتي غابت بنظراتها الحزينة للصحن تحتها ثم نظرت

لعمتها متنهدة بأسى وقالت تغير مجرى الحديث " عمي صقر خرج

من قبل أذان الفجر وهو من قال أنه سيذهب لقيقوان بعد أن يتناول

الفطور معنا ! ما غير مخططه هكذا فجأة ؟ "

كانت عمتها ستتحدث لولا انفتح باب الغرفة وكشف عن الذي كان

خلفه , من لم يتوقعوا رؤيته اليوم وفي هذا الصباح المبكر تحديدا

وأن يدخل عليهم ولازال بالثياب التي جاء بها وبمعطفه الشتوي

الذي وصل طوله لركبتيه وقد همس ونظره عليهم

" السلام عليكم "

أجابتا شقيقته وعمته وقد انتقل نظرهما المعلق به باستغراب للتي

وقفت على طولها منتفضة وتحركت من مكانها حتى كانت خلف

كرسي عمتها تنظر لعينيه المركزة نظرها على عينيها وفي حركة

لم يفهم كانت لا إرادية أم دفاعية منها أمسكت بقبضتها على ثوبها

أسفل بطنها فتغاضى عن إجفالها الملحوظ منه وتقدم بخطواته

للداخل وما أن وصل عند عمته حتى تراجعت الواقفة خلف

كرسيها للخلف مبتعدة حتى كانت عند الجدار القريب من تلك

الطاولة فقبّل رأس عمته وسألها عن
حالها هامسا وهي أجابته

ونظرها معلق به وانتقل نظره لجوزاء التي وقفت وقبلت

كتفه قائلة " حمدا لله على سلامتك يا مطر , ما كل

هذا الغياب عنا ؟ "

همس بهدوء " سلمك الله "

ونظره على التي تحركت من هناك بمحاذاة الجدار حتى خرجت

راكضة فتحرك من مكانه خطوة ملتفتا ليوقفه صوت عمته قائلة

" لا تذهب خلفها يا مطر ... اتركها "

نظر لها وقال عاقدا حاجبيه " ولما لا ؟ لن آكلها ولن أضربها

لا تصوروني ذاك الهمجي المتوحش "

قالت بحزم " لا أحد صورك متوحشا لكن علينا التحدث أولا

وليس وقت حديث معها يا مطر وإن كان وديا "

وقفت جوزاء حينها وغادرت ونظره يتبعها حتى خرجت مغلقة

الباب خلفها ثم عاد به للجالسة خلف الطاولة تجمع كفيها فوقها

وقالت فورا " أعلم ما ستقوله جيدا يا مطر وبأنك لا تحب أن

يتدخل أحد في حياتك ومن يسألك ويملي عليك ما تفعله لكن الأمر

هذه المرة لم يعد في يدك وحدك لقد خرج عن السيطرة يا

ابن شقيقي "

غضن جبينه هامسا " خرج عن السيطرة ؟ "

ضغطت قبضتيها وقالت بضيق " أهذا ما وعدتني به يا مطر ؟

أهذا ما كنت قررت أن تفعله فور عودتك من سفرك ؟ أن تراضيها

وتفعل ما تريد ؟ لم أرى شيئا من ذلك حدث وأنت تعاملها بقسوة

وأمامنا , آخر ما كنت أتصوره أنك أنت مطر شاهين زعيم الحالك

لا تفصل بين خصوصياتك وحياتك اليومية , لقد قتلتها بذلك إن

كنت لا تعلم وأنت تعاملها كنكرة أمامنا "

كان سيتحدث والضيق باد على ملامحه فسبقته قائلة بضيق لا يزداد

إلا شدة " سألتها ولم تقل شيئا سوى أنها لا تعلم سبب تغيرك عليها

أنت يا مطر !! أنت يا من ترفض الظلم وتحاربه ومن اشتهرت بعدلك

في كل منزل من البلاد تظلم الضعيفة المسكينة التي تحت جناحك لا

أحد لها غيرك , كنت تركتها كنت أعدتها لوالدها إن كنت لا تريدها

قسما لو كانت ابنتي ما رضيت بها لها ولو كنت ابني ولن يكون

أغلى منك عندي ما وافقته فيما يفعل "

وتحولت لهجتها للقسوة وهي تتابع قائلة " تنفث نيران غضبك بها

وتهجر المنزل مخلفا ورائك امرأة حامل لا تعلم عن حالها كادت

تفقد حياتها وابنك تلك الليلة ثم تهجرها كنكرة لا تسأل

ولا عن حالها وكـ ... "

قاطعها بضيق " يكفي عمتي "

نظرت له بضيق وكانت ستتحدث فضرب بأطراف أصابع يديه

على صدغيه قائلا بحدة " أقسم أن هذا سينفجر فتوقفوا عن

معاملتي كآلة فأنا بشر مثلكم "

ثم ضرب بقبضته على يسار صدره قائلا بغضب " هنا يوجد قلب

وليس قطعة من حديد , ألا أخطئ كغيري ؟ ألا أمر بضغط كبير يشوش

حتى تفكيري ؟ لما عليا أن أكون ملاكا لا يغفل ولا يزل ولا تدخل أي

هواجس لعقله ولا يتوقف دماغه عن التفكير مرة ؟ أنا لست آلة

فارحموني ولا تتوقعوا مني أن لا أزل أبدا أو أن يبذر مني

ما لا تتوقعونه "

نظرت له بصمت ولم تعلق بشيء وهو يخرج من الباب ضاربا له

خلفه فتنهدت هامسة بأسى " ارحم نفسك يا مطر وتعلم أنت

أن لا تعامل نفسك كآلة "

لحظة دخول جوزاء التي اقتربت منها قائلة بتوجس " ماذا

حدث بينكما ؟ صراخه يسمع من بعيد "

تحركت بكرسيها بعيدا عن الطاولة قائلة " أين ذهب ؟ "

قالت بحيرة " صعد لغرفته ووجه كان لا يمكن وصفه "

تنهدت تلك بأسى قائلة " ستصفو روحه بعد ما قال ويبدوا أن الأمر

أكبر من معرفتنا به فلنتركه لهما يتصافيا فيه بمعرفتهما فيبدو

أنه بدأ يعترف لنفسه أنه تسرع في التفكير وتقدير الأمور"

كانت ستتحدث لولا أوقفها ذاك الصوت من خلفها

" أميييي "

فالتفتت وقد شهقت بصدمة غير مصدقة ما تراه أمام عينيها ونزلت

دموعها فورا وهي تستقبل الراكضان جهتها في حضنها لا تصدق

أنها تراهما أمامها بعدما يئست من ذلك بعد وقوع الهازان جميعها

وتذبذب أحوال صنوان المتوجسين ترقبا , استمرت في ضمهما لها

لوقت ثم نزلت لهما تحضن كل واحد منهما على حده وتقبل وجهه

تستمع مبتسمة لحديث أبان الذي لا يتوقف عن سبب قدومهما الآن

وكيفيته قبل أن يتوجها راكضين لحضن عمة والدتهما التي

استقبلتهما بذراعين مفتوحتين وابتسامة واسعة محبة


*
*

دست وجهها في ركبتيها محتمية بالسرير الذي تجلس خلفه لازالت

تلملم ارتجاف جسدها وجوارحها تكابد الدموع كي لا تتسرب رغما

عنها الواحدة بعد الأخرى رافضها لضعفها الجديد ذاك تكتم ألما في

قلبها تخشى أن يتحول لشهقات يسمعها الجميع , تصورت جرحها

منه كبيرا تصورته غائرا ولا يمكن مداواته لكنها لم تتخيل أن يكون

ألم رؤيتها له بكل ذاك الحجم , أن تشتاق له وأن يتحول شعورها

بالشوق في ذات اللحظة لتمزق في قلبها وألم لا يمكن تحمله , لم

تتخيل للحظة أن كل ذاك الأمان الذي كان يشكله بالنسبة لها يتحول

لشعور بالخوف من جوره وظلمه وقسوته , رفعت رأسها للأعلى

متكئة به على حافة السرير خلفها ونظرت للسقف وقد رفعت شعرها

ممررة أصابع يديها فيه لتسيل تلك الدمعة من طرف عينها , كم تمنت

أنها لم تعرف تلك المشاعر وتجربها معه سابقا , لو أنها لم تحمل له

شعورا رائعا في قلبها ما كان جرحها منه بهذا الحجم وهو يعترف

أمامها بعشقه لامرأة أخرى , طوال الشهرين الماضيين وفي كل دقيقة

وثانية فيهما كانت تسترجع كل ما مرت به هنا من يوم عرفته ورأته

أول مرة , تذكرت كلماته ابتساماته ضحكاته وشغفه وقبلاته , تذكرت

حتى نبرة صوته في كل موقف جمعهما ولم تجد جوابا لما يحدث وما

اعترف به أمامها وأمام شقيقته وهو من سبق وأكد لها بأنه لا يريد

الزواج بأخرى وعجزت عن تفسير الأمر متسائلة إن كانت ماض

عاد للظهور في حياته , أغمضت عينيها بألم لتتسلل الدمعة الثانية

من بين رموشها وهي تتذكر أقسى عبارته الغاضبة تلك على قلبها

( هي لي منذ ولدتها أمها وسيبتعد عنها رغما عن أنفه )

(عشقها تسمعي عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره أنها باعته

بأرخص منه أنها تلاعبت به وأنها تخطط للزواج من غيره

ولم تستحق عمره الذي أضاعه ينتظرها )

وقفت من فورها والتفتت جهة الباب تمسح عينيها بقوة حين طرق

أحدهم عليه طرقات مرتفعة ليست كطرقة عمتها ولا جوزاء ولا

حتى حبيبة فسحبت حجابها المرمي فوق السرير ولفته حول

شعرها لحظة ما انفتح الباب ببطء وتحدث من كان لازال

خلفه " غسق هل أدخل ؟ "

ارتسمت ابتسامة حزين على شفتيها وقالت تمسح

دموعها مجددا " تعالى يا أبان "

فدخل من فوره راكضا جهاتها حتى وصل عندها فمدت يدها

لشعره وحركت أصابعها فيه قائلة " ما هذه المفاجأة الرائعة ؟

كيف حالك يا أبان ؟ "

هز رأسه بمعنى جيد وقال مبتسما " والدتي قالت أنك متعبة

وعلينا تركك ترتاحين لكني أخبرتها أني سأسلم عليك فقط "

جلست على طرف السرير وقالت بابتسامة صغيرة " لست

متعبة وسعيدة حقا برؤيتك ووجدك معي هنا "

ابتسم بسعادة لجملتها تلك ثم نظر حوله للغرفة وقال " لما أنتي

هنا ولست في غرفتك وخالي مطر في الأعلى ؟ "

نظرت ليديها في حجرها فلم تتصور أبدا أن يوجه لها هذا السؤال

كرهت أن تكذب عليه لكن الحقيقة يصعب قولها أحيانا لأنها أكثر

وجعا من تزييفها , رفعت نظرها حيث النافذة بعيدا وهمست

" خالك لم يكن موجودا وهو من شهرين عند الحدود فنزلت

هنا لأكون قريبة من الجميع "

قال بحيرة " لكنه عاد الآن كما قالت أمي !! "

ضغطت قبضتيها ونظرت له وقالت تغير مجرى الحديث بأكمله

" أخبرتني والدتك أنكما لن تأتيا هذا الشهر من الجيد أن الأمور

تغيرت , لقد كانت حزينة جدا "

جلس مثلها قائلا بسعادة " سيسمح لنا والدي بالبقاء لأيام هنا بما

أن خالي مطر لن يهاجم صنوان الآن بعدما وقعت الهازان جميــ .. "

وأغلق فمه بيده لانتفاضها واقفة ونظرة الصدمة التي علت ملامحها

وتذكر تنبيه والدته له أن لا يتحدثا أمامها عما أخفوه عنها طيلة المدة

الماضية كي لا تتأثر نفسيتها أكثر وبما أنها عزلت نفسها ولم تخرج

لمجلسهم لم تعلم بالأمر ولم تكن تتخيل أن سبب غيابه طيلة المدة

الماضية سببه سقوط الهازان دفعة واحدة , قال ناظرا لها بتوجس

" غسق لن تخبري والدتي أني أخبرتك أليس كذلك ؟ "

لكنها لم تجب عليه ولم تنتبه أساسا لما قال وهي تتركه جالسا

هناك وخرجت من الغرفة راكضة

*

*

رمى المشط على الطاولة بقوة بعدما سرح به شعره الرطب ثم عدل

أطراف قميصه السميك رصاصي اللون بأكمامه الطويلة على حزام

بنطلونه الجينز الفاتح وتنفس بقوة مستغفرا الله بهمس ثم نظر يسارا

حيث السرير الواسع ووقع نظره على جهتها الخالية منه وهو متأكد

من أنها لم تنم هناك من تلك الليلة مثلما اختفت ثيابها جميعها من

الخزانة وأغراضها من درج طاولة التزيين , تذكر تلك اللحظات

قبل نزوله ومكالمة المدعو جبران ذاك له , تذكر اللحظات الحميمة

التي بات يراها تتحول لفراغ لن يمتلئ مجددا بسهولة , مرر

أصابعه في شعره ناظرا للأعلى وهمس مغمضا عينيه

" تهورت يا مطر تهورت بما فيه الكفاية "

ثم نظر خلفه بسرعة حيث الباب الذي فتح بقوة فالتفت بجسده ينظر

للواقفة أمامه تمسك يدها بطرفه , نظر فورا لعينيها الدامعة الناظرة

لعينيه نظرة تشبه ليلة ماطرة تاه فيها ولم يعرف طريقه أين , كان

حجابها منزلقا لكتفيها وخصلات شعرها القصيرة حضنت وجهها

الدائري تزم شفتيها وكأنها تقاوم ذاك الجو العاصف في عينيها كي

لا يعصف خارجها , كان مشهدا لم يراه لها من قبل كانت مختلفة

رغم اليأس والأسى والحزن والقهر الواضح في نظرتها الغريبة تلك

وتنفسها الذي يخرج قويا ليثبت كم من عواصف هوجاء تعتمر ذاك

الصدر وتلك الأضلع حد وشوكها على الانفجار , توجه نحوها دون

حتى أن يتساءل عن سبب قدومها له وهي من هربت منه قبل قليل

وكأنه وحش كاسر سيلتهمها ولم يسأل نفسه حتى عن سبب تلك

النظرة التي قد يحتاج لأعوام ليفهم ما تحمله من معاني .

ما أن وصل عندها بخطواته الواسعة تلك مد يده ليدها وسحبها

لداخل الغرفة مغلقا الباب وأوقفها عليه وأمسك وجهها ناظرا

لعينيها التي هاج بحرها الأسود حد الغرق فيه وهمس

" غسق لا تبكي لا تفعليها أمامي "

وهذا ما كانت تريده هي وما كانت عازمة عليه لكنها ما أن

أبعدت شفتيها هامسة مثله " لا تقتل أهلي يا مطر "

حتى تناثرت تلك الدموع متدحرجة فوق وجنتيها المتوهجة فاتكأ

بجبينه على رأسها وإبهاميه يمسحان دموعها وقال " لا تبكي

يا غسق لا تفعليها مجددا "

رفعت يديها المرتجفة وأبعدت يديه عنها فابتعد وقد قالت بصوت

مرتجف " لا تقتلهم لا تلحقهم بالهازان مطر حلفتك بالله "

هز رأسه بلا وقال وقد عقد حاجبيه " لم أقتل الهازان يا غسق

فتوقفي عن اتهامي بالدموية "

علا بكائها ودموعها تعود للجريان على خديها وضربت صدره

صارخة بعبرة " اقتلني قبلهم أو معهم , لا أريد حياة هم ليسوا

فيها , لا أريد أن أفقد الكاسر في كل مرة ... أقسم أني اكتفيت "

أمسك رسغيها لتتوقف عن ضربه وقال بحدة " غسق يكفي أنا

لن أقتل أحدا فتوقفي عن إيذاء نفسك "

صرخت تحاول فك يديها منه " أنت آذيتني أكثر من ذلك

فلعلي أموت وأرحمك مني "

أنزل يديه ولازال رسغيها في قبضتيه وقال بحزم ناظرا لعينيها

" يكفي قلت يكفي ولا تتمني الموت "

اتكأت برأسها على الباب خلفها وعضت طرف شفتها بقوة قبل أن

تنظر لعينيه الناظرة لها بحزم قوي وكأنها تستل تلك الكلمات من

عروقها وقد همست " طلقني يا مطر لم أعد أريد البقاء معك

فكن عادلا وطلقني "

رأت ذاك السواد في عينيه يتحول لبحر علته الغيوم السوداء وقد

ترك رسغيها وأمسك ذراعيها بقوة آلمتها وقال بحدة " أكون

عادلا كيف ومع من وقتها ؟ أي عدل ذاك يا غسق ! "

هربت من النظر لعينيه وأنزلت رأسها للأسفل وحاولت دفعه بيدها

من صدره وخرج صوتها المختلط ببكائها ملئه أسى " عادلا معي

ولو لمرة وعادلا مع نفسك "

هز رأسه بلا وكأنها تره وقال بهدوء " غسق ارفعي رأسك وانظري

لي ولنوضح الأمور جيدا ولا نتهور أكثر "

دفعته بقوة أكبر قائلة بغضب " لا أريد سماع شيء منك لا أريد

تبريرا يقتلني أكثر لا أريد , ستقتلني بالبطيء إن تركتني

هنا أقسم أن أموت قريبا "

ضغط قبضتيه على ذراعيها أكثر قائلا بحزم

" غسق يكفي واستمعي إليا الآن ودعيني أشرح لك "

رفعت يديها وأغلقت بهما أذنيها بقوة صارخة بعبرة " لا أريد

سماع شيء خذني لوالدي وأخوتي واقتلني معهم هناك أخرجني

من هنا الآن , لا أريد أن أعلم عنك شيئا "

ترك إحدى ذراعيها وسحب الكرسي القريب من الباب وجلس عليه

أمامها ناظرا لها للأعلى ولوجهها الذي تخفيه عنه لازالت تغلق أذنيها

بيدها ولازالت في بكائها الموجع , قال بهدوء ناظرا لوجهها ولرموشها

التي تتقاطر منها الدموع المسدلة للأسفل " غسق فلنتحدث علينا

توضيح الكثير , توقفي عن البكاء ولنتحدث بروية "

لكنه كان يعي جيدا أنها لا تستمع له بسبب بكائها ورفضها لسماعه

إن رفع صوته لتسمعه لن يزيد ذلك الأمر إلا سوءا وإن تحدث بروية

لن يجني شيئا وهي في هذه الحالة ولا تراه إلا عاشقا لامرأة غيرها

قد دمره ابتعادها عنه يصعب عليه قول كل الحقيقة لها ويصعب

عليه أكثر تركها هكذا تكرهه , طوق خصرها بذراعيه ودفن وجهه

فيه فأبعدت إحدى يديها وأمسكت بها فمها تكتم شهقاتها الباكية وهي

تشعر بقبلاته حيث ينمو ويكبر طفله الذي لم يجتز شهره الرابع بعد

وكانت تلك أول بادرة منه تشعرها بذاك الرابط بينهما بالذي ينمو في

داخلها قبل أن يقف ويفتح الباب ويغادر المكان في صمت تاركا خلفه

عبراتها التي تبكي كل شيء فيه قد ضنت يوما أنه لها وتبخر

في لحظة غضب منه دمرت كل تلك اللحظات



*

*


مسحت على طرف وجهه مبتسمة بحنان وهو يقول مبتسما

" وأخذنا عمي صقر للقصر العثماني في طريقنا لقد كان

رائعا رغم أن بعضه مهدما "

ثم ضحك متابعا " أبان سقط من فوق الحجارة التي حاول

تسلقها وغضب لأننا ضحكنا عليه "

خرجت منها ضحكة صغيرة وسعادتها لا توصف وهي ترى انفتاح

ابنها الأكبر للحديث أكثر من المرة السابقة وخف تحفظه ذاك كثيرا

رغم أنه لا يقارن بشقيقه الأصغر الذي لا يسكت أبدا , نظرت

جهة الباب ثم نظرت له وقالت " اذهب ونادي شقيقك , أخبرته

أن لا يتأخر وهو قال سيسلم عليها فقط ويرجعها , سيزعجها

بكثرة حديثه الذي لا يتوقف "

وقف وقال بهدوء " ونخرج للخارج أمي ؟ "

قالت مبتسمة " أخرجا أعلم أن ذاك الحصان يشغل

تفكيركما وانتبه لشقيقك يا غيهم حسنا "

هز رأسه بحسنا وكان سيخرج لحظة ما ظهر من كان مختبئا خلف

الباب يخشى من عواقب فعلته بإخبار ما حذرته من قوله واستقبل

شقيقه من فوره خارجا معه ووجده مهربا ومسلكا جيدا له , غادرا

على نظراتها المحبة المشتاقة لهما وإن غابا للحظات ثم نظرت

لعمتها الشاردة بنظرها في الفراغ وقالت " عمتي لا أراك بخير

منذ حديثك مع مطر "

نظرت لها تلك وقالت تحرك عجلات كرسيها متوجهة

جهة الباب " عمك صقر لم يغادر ؟ "

وقفت وتوجهت نحوها وساعدتها في دفعه قائلة " مؤكد في

جناحه وسيكون قرر النوم قليلا فهو غادر قبل الفجر بوقت

ولم يرجع إلا الآن "

هزت رأسها بحسنا وفي نيتها الذهاب له وإن كان يريد النوم

فعليها أن تفهم كل تلك الأمور التي أصبحت تقودها لهاجس

تخشى حتى من التفكير فيه , وصلتا لباب الجناح فنظرت تلك فوقها

وقالت " يمكنك الذهاب واللحاق بإبنيك يا جوزاء لن أعطلك أكثر "

قالت ضاحكة " لا أعلم لما يخبرني قلبي أنك تريدين التخلص مني

كي لا أعلم فيما ستتحدثان "

وما أن التفتت لتغادر حتى وقفت مكانها وقد نظرتا كليهما جهة

السلالم وللنازلة منه تركض باكية بنحيب فوضعت جوزاء يدها

على صدرها بخوف وقالت عمتها منادية " غسق تعالي ما

بك بنيتي ؟ "

وما أن وصلت تلك للأسفل ركضت جهتها حتى جثت على ركبتيها

عند ساقي الجالسة أمامها وارتمت في حجرها تخفي وجهها بين

ذراعيها تبكي بمرارة ويد عمتها تمسح على شعرها قائل بقلق

" غسق ارحمي نفسك يا ابنتي وتوقفي عن البكاء , ماذا قال

لك أبكاك هكذا يا غسق ؟ "

لم تجبها بشيء ولم تتوقف عن البكاء ولا عن النحيب وقد نزلت

جوزاء عندها تمسح على ظهرها تحاول التحدث معها وفهم ما بها

فابتعدت عن حجر عمتها جالسة على الأرض ونظرها معلق بها

عيناها مجهدة من البكاء وخصلات من غرتها علقت في وجنتيها

المبللة بالدموع وقالت بعبرات متلاحقة " سيقتل عائلتي عمتي

سيضرب صنوان أليس كذلك ؟ سيبدأ بتوز حيث عائلة والدتي

وينتهي بوالدي وأشقائي سيذبحني عمتي سيذبحني "

مدت تلك يديها وأمسكت وجهها قائلة بحزم " غسق ما هذا الذي

تقولينه ؟ هو لم يقتل ولا ابن راكان وعائلته ليقتل والدك , مطر

يسعى للسلم أكثر من الحرب صدقيني , لا تستبقي الأمور يا

غسق فهو لم يفكر في ذلك حتى الآن "

ضربت على فخذها براحة بيدها قائلة ببكاء " لكنه قالها سابقا الدم

مقابل الدم والدم مقابل الحرية ويريد توحيد البلاد وإن بالقوة , أخذ

الهازان والدور الآن على أهلي هناك , لماذا أمسكني عنهم ؟ لما لم

يرجعني لهم ؟ أعيدوني لأهلي عمتي أرجوكم أتركوني

أموت هناك معهم "

مسحت على خديها بكفيها الدافئتان وقالت " يكفي يا غسق لن

يموت أحد يا ابنتي يكفي ولا تنسي وضعك وأنــ... "

وقفت وقالت مقاطعة لها بغضب باكي " هذا كل ما يعنيكم ابنه

وما يحدث له ولا تفكرون في أحد غيره "

وغادرت من هناك قائلة ببكاء " أرجعوني لأهلي أو سأموت

ويموت ابنه معي , أرجعوني لهم إن كنتم تخافون عليه حقا "

نظرت لجوزاء التي وقفت على طولها تنظر لها حيث اختفت خلف

ذاك الممر ثم نظرت لها وقالت " لا أحد حسب حساب هذا

اليوم وفكر فيه عمتي فما الحل في كل هذا ! "

هزت تلك رأسها بحيرة ثم نظرت لمكان اختفائها هناك وقالت

" هو يعلم أن هذه ستكون النتيجة منذ البداية ومنذ تزوجها "

والتفتت جهة باب جناح شقيقها وفتحته ودخلت متمتمة

" عليا معرفة الأمر منهما وعليهما التحدث فورا "


*

*

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 28-10-16, 09:09 PM   المشاركة رقم: 1058
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,105
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7195

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : برد المشاعر المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر / بقلمي برد المشاعر

 



*

*


نظر ببرود للذي فتح الباب ودخل وتوجه نحوه فورا قبل يده

ورأسه وقال " كيف أنت يا أبي ؟ "

فنظر له شراع فوقه وقال ناظرا له بحزم " أين كنت يا جبران ؟ "

لم يعرف سؤاله هذا لعلمه أين كان منذ شهرين أم لسبب آخر أم

سؤال عفوي فقط ؟ قال ينقد نفسه من الموقف " كنت حيث تعلم

جيدا أين أكون "

وقف على طوله مقابلا له وقال بحزم " وما أرجعك الآن ؟ "

قال ذاك بضيق " ما ظننت أن رجوعي سيزعجك ! لما تحمل

في قلبك عليا كل هذا الغل وأنا من خسر وسُلب حقه ؟ "

قال شراع بحدة " أي حق هذا الذي تتحدث عنه ؟ حق غيرك

الذي لم يكن يوما لك ! ولعلمك فقط فاختفاء رعد أنت السبب

فيه وإن علمت أنك آذيت حياة شقيقتك أو زوجها خرجت

من صنوان من ليلتها أتفهم "

قبض على يديه بقوة وقال بحنق " هي ليست شقيقتي وتركت

الأمر لله هو يعيد الحق لأصحابه ويعدل في حكمه "

وخرج من هناك من فوره خطواته الغاضبة تسمع وهو خارج المكتب


فوقف رماح وتوجه لوالده وأجلسه قائلا " أبي لا تنسى ما مررت

به وما قال الأطباء , الانفعال ليس جيدا لك فاهدأ لا شيء يستحق

أن نخسرك بسببه "

مسح وجهه بيديه مستغفرا الله بهمس وقال رماح ويده على كتفه

" بما أنه عاد فعلينا أن لا ندفعه للرحيل مجددا ليرجع جبران

الذي نعرفه فلا شيء يؤكد لنا أنه تصرف بحمق حتى الآن "

فك شراع ربطة عنقه قائلا بضيق " لن يكون إلا فعلها وكلام

ابن شاهين منذ يومين يؤكد ذلك "

نظر له بصدمة وقال " تحدثت معه ؟ "

نظر للفراغ وقال بجدية " قال أن رعد لديه وأنه لم يقرر بعد

تسليمه لنا وهو من صرح سابقا بإخراجه للحدود ما أن يجده

وقال أنه إن دخل ابن آخر لي عنده فأعتبر دمه مهدورا لأنه سيقتله

فمن عنى بذلك غير جبران أو أنت اللذان لم تدخلا حدوده سابقا "

قال رماح بحيرة " وما الذي سيجعله يغير كلامه وليس ذاك طبعه !

قد يكون شعر بالقوة بعد انتصاره الأخير وتطويقنا من الجانبين "

همس شراع بحزم " كان موضع قوة طوال الوقت وليست تلك

سياسته وأقسم أن أمرا ما حدث مؤخرا فحتى غسق نعتها بابنة

عمي وليس ابنتك كما كان يقول سابقا "

ثم وقف وقال متوجها جهة الباب " أقسم أن أتبرأ منه وأهدر

دمه بنفسي إن علمت أنه حاول فقط فعلها "


*

*


نظرت للتي توجهت نحوها تحمل صينية الطعام في يديها وما أن

وصلت عندها حتى هزت رأسها بالنفي وقالت " رفضته مجددا

وقالت أنه لا رغبة لها في أكله ويبدوا لي أنها لم تتوقف عن

البكاء لحظة "

تراجعت بكرسيها هامسة " لا حول ولا قوة إلا بالله "

وتحركت من هناك وحبيبة تتبعها قائلة " أين السيد مطر قد يجد

طريقة لجعلها تأكل فهي لم تتناول فطورها جيدا ولا الغداء "

قالت نصيرة متابعة طريقها " عمه قال أنه خارج حوران ولم

يرجع بعد "

وتوجهت جهة الممر الشرقي لذاك المنزل الواسع حيث غرفة تلك

التي ضنت طوال الوقت أنها غريبة عنهم , من اعترفت أنها بغباء

كبير لم تلاحظ كل ذلك وقت وجودها هنا ولم تتخيل أن الحقائق

فضيعة بذاك الشكل , فتحت باب الغرفة ودخلت وتوجهت جهة من

يبدوا أن النوم تغلب على بكائها المستمر ذاك مرتمية على السرير

دموعها لم تجف من وجهها بعد وشعرها قد تناثر على جسدها

وصلت عندها وسحبت الغطاء عليها وأوقفت كرسيها عند رأسها

تمسح على شعرها بحنان وهمست بحزن ونظرها على وجهها

الفاتن الشاحب المتعب " ظلمك الجميع يا غسق , ظلمك

الجميع من يوم ولدتِ ومن قبلها يا ابنتي "

واستمرت في المسح على ذاك الشعر الحريري وقد غابت بنظرها

للنافذة البعيدة بشرود تراقب ارتطام حبات المطر بها وغاب فكرها

لما حدث حين دخلت غرفة شقيقها صباح اليوم وكان قد خرج

من حمامه للتو فقالت ناظرة له " علينا التحدث عن أمر مهم

يا صقر "

قال وهو يلبس قميصه الصوفي " ألا ينتظر ذاك الأمر حتى

أنام قليلا ؟ "

قالت من فورها " لا ينتظر وستنام بعدها حتى تشبع "

جلس على طرف السرير مقابلا لها ومرر المنشفة على عنقه

ليتجنب قطرات الماء النازلة من شعره وقال " حسنا لنرى ما

لديك أهم من نومي وراحتي "

قالت مباشرة " مطر عاد اليوم "

نظر لها باستغراب لبرهة قبل أن ينفجر ضاحكا فقالت بضيق

" ما المضحك فيما قلت ؟ "

قال بعدما أنهى ضحكه " لم أتصور أن يأتي فور مكالمتي له بل

لم أتصور أن قلبه متعلق بها هكذا "

قالت المقبلة له بضيق " أي تعلق هذا وهو عاملها بتلك الطريقة ؟

عقل ابن شقيقك ذاك كيف يعمل ! "

هز رأسه بحيرة وقال " ولي توجهي هذا السؤال وأنا لا أجد له جوابا "

ثم أمسك طرفي المنشفة وتابع بضيق " يوم سألته عن سبب طرده

لحفصة وجلب أخرى غيرها قبل ذهابه للحدود قال بكل برود ( أنا

لم أطردها بل وفرت لها عملا آخر ولتشكر الله أني لم أعاقبها )

وحين أصررت على معرفة السبب قال أنه يرفض وجود

جواسيس في منزله "

تنهدت الجالسة أمامه بضيق بضيق وقالت " جواسيس ماذا هذه

التي يقول عنها ولم يخرج شيئا مما يحدث داخل المنزل لخارجه

ولست أعتقد أن الخادمات يعرفن أسراره الحربية أو يرينه من

أساسه ولا يدخلن لا غرفته ولا مكتبه "

حرك كتفيه قائلا " قلت له كل هذا فقال أنها تتجسس لمن هي تعرف

جيدا من يكون وما تنقل له ولست أفهم شيئا من كل ذلك "

حركت رأسها بعدم اهتمام قائلة " المهم الآن ذاك ليس موضوعنا "

تثاءب وقال " وما موضوعنا ذاك ؟ اختصري يا نصيرة "

قالت بضيق " لن أختصر ولن تنام حتى أعلم وتشرح لي "

وتابعت بجدية " غسق ليست ابنة شرع صنوان فابنة من تكون ؟ " .
*
*
*
مسحت بيدها على طرف وجهها بحنان وقبلت جبينها برفق

هامسة " قلبي أخبرني منذ رأيتك أنك لست غريبة عني يا

قطعة من شقيقي الراحل يا ابنتنا يا غسق "

مسحت على شعرها برفق ونظرها لا يفارق ملامحها الحزينة حتى

في نومها توبخ نفسها كيف لم تفكر في كل ذلك سابقا وهو أمامها

بوضوح الشمس ... قبيلة والدتها وإن جهلت اسمها الأول , دخولها

للحالك وحيدة واختلاف ملامحها الكبير عن صنوان وإن كانت والدتها

من قبيلة غزير , والذي كان أوضح من كل ذلك زواج مطر بها وهو

من كان رافضا الأمر جملة وتفصيلا بل وهي ابنة صنوان متجاهلا ما

ترتب على ذاك الزواج , ورضوخ والدها وعدم اعتراضه أبدا , لا تصدق

أنها لم تلاحظ كل ذلك وشكت الآن فقط من جملته التي قالتها جوزاء والتي

قالها لها تلك الليلة وفي أوج غضبه ( هي لي منذ ولدتها أمها دمائها ملكي

ولا أحد له حق لمسها ولا مجرد اللمس ) لم تصدق أن يكون حديثه ذاك

عن امرأة أخرى وفكرت بما أنه ستكون المعنية بكلامه هي النائمة الآن

أمامها سيكون ثمة سر كبير جزء منه أنها تقرب له وأقرب مما قد

يتصور الجميع والجزء الآخر كان الكارثة وهو ما علمته من صقر بعد

إلحاحها الطويل عليه حتى أخبرها بكل شيء حين علم أنها علمت لا

محالة مهما أنكر فقال مستسلما " تزوجها يا نصيرة , هو زوجها

منذ كانت ابنة الثامنة وهو في الثالثة والعشرين حينها "

فشهقت في وجهه قائلة بصدمة " يتزوجها طفلة !! كيف وبأي

حق وإن كان ابن عمها ؟ "

وكان جوابه المختصر بضيق " بالحق الذي لا أعلمه المهم أنها

زوجته من أعوام وانتهى "

وكانت الحقيقة الأكثر قسوة حين شرح لها سبب إخفاء نسبها عن

الجميع وعنها هي خصيصا وذاك الرجل والثأر بينه وبين والدها

وبمجرد علمه بوجودها سيكون له كل الحق للمطالبة بها حسب

اتفاقهم مع شقيقها شاهين وحسب أعراف قبائل أولئك في الثأر .

قبلت جبينها الصغير مجددا ومسحت على شعرها هامسة

" ما أقوى صبرك يا صقر أنا الآن لا أتحمل فكرة أن أخفي

أنها ابنة شقيقي قطعة مني من دمي وعليا أن أتصرف

وكأنها ليست منا "

واعترفت لنفسها حينها بأن عين الصواب كان في عدم إخبار أحد

وأولهم غسق نفسها بما أنه لا حل مع ذاك المدعو شعيب غيلوان

ارتجف قلبها لمجرد فكرة أن تكون ملكا له وثمنا لثأر لا ذنب لها

فيه وهي من سبق ورأته مرة بشعره الأشعث المخيف ذاك وهيئته

المزرية , وزيادة على ذلك سمعته التي لا تبشر بخير أبدا , ضمت

يديها في حجرها وتمتمت ونظرها على وجه النائمة أمامها وتنفسها

لازال يخرج قويا " حماك الله منهم يا صغيرتي وحفظ لك

والدك شراع وابن عمك كي لا تصلي له يوما "


*

*


أبعدت المرآة التي تمسكها بيديها تخفيه عنها لتنظر لوجهه وأين وصل

فقال مبتسما " آستريا لم أعد أرى إلا وجهك أعيدي المرآة "

ضحكت وأعادت وضعها أمام وجهها ليرى فيها وهو يحلق ذقنه

حتى قال " انتهيت يمكنك إبعادها "

رمتها جانبها على السرير وغادرته من فورها ورفعت عدة الحلاقة

للحمام من أجل تنظيفها وتركت له الماء والمنديل لينظف وجهه وما

أن خرجت أخذت المرآة من يده وقالت وهي تعيدها في الخزانة

" يكفيك نظرا لنفسك هل تريد أن يصيبك الغرور ؟ "

قال ضاحكا " لست بوسامة التنانيين لأغتر وأنا بينهم "

أغلقت الباب وأمسكت وسطها قائلة بضيق " أنت أفضل منهم بل

وأجمل , أقسم أني لم أعرف يوما رجلا مثلك بينهم "

وتابعت ضاحكة من قبل أن يعلق " لا تنزعج من كلامي وأعتبره

مديحا وليس غزلا يا مسلم "

خرجت منه ضحكة صغيرة وقال " سأعتبره مديحا إذاً يا تنانية "

لحظة صمت سادت تلك الغرفة لحظة ما سمعا باب المنزل أغلق

وصوت خطوات تقترب جهتهما فهمست من بين أسنانها

" إن كانت أنجوانا تلك سأقتلها وأقتلك أيضا "

همس مبتسما " وما ذنبي أنا تقتلينني ؟ "

توجهت للباب بخطوات غاضبة وفتحته على اتساعه قبل أن يدير

من كان خلفه مقبضه وشهقت بقوة حين رأت الواقف أمامها بكل

طوله ذاك وهيبته يديه في جيوب معطفه فهمست بصعوبة

" الزعيم مطر !! "

حرك نظره من عليها للجالس على السرير وكان بدوره ينظر له

بصمت فعاد بنظره لها وقال بجمود " كيف حالك آستي ؟ "

بلعت ريقها وقالت " بخير وسررت حقا برؤيتك "

وما أن تحرك ليتقدم للداخل رفعت ذراعيها جانبا لا شعوريا

وقالت مندفعة " أنت لن تأسره يا زعيم أليس كذلك ؟ "

نظر لها مبتسما بسخرية ولم يعلق فهمست بصوت خافت ملأه

رجاء " هو دخل بحثا عن شقيقه وأنت قلت أنك ستخلي سراحه

أنت لن تؤذيه أليس كذلك ؟ "

ركز نظره على عينيها قائلا " لن أؤذيه آستي , ثمة حديث

بيننا علينا قوله وحدنا وسأغادر "

تنفست بقوة وقالت بصعوبة " عدني بذلك "

أمال ابتسامته قائلا " آستريا ما قصتك مع ابن شراع لتفكري

في حمايته من زعيمك ! "

عبست ملامحها وتمتمت " لست سوى ممرضته "

تقدم للداخل قائلا " إذا غادري يا ممرضته وأعدك أني لن أؤذيه "

نظرت للخلف حيث الجالس هناك ينظر لها بصمت ثم نظرت لمطر

قبل أن تغادر مغلقة الباب خلفها وتركتهما وحدهما كما طلب فتحرك

جهة الكرسي الموجود عند الجدار بعيدا عن ذاك السرير وجلس عليه

فقال رعد من فوره " اتركني أحكي لك أسبابي ثم أنا راض

عن حكمك مهما كان وإن أسري وسجني "

شبك يديه مع بعضهما يسند مرفقيه على ركبتيه ونظره للأرض

وقال " أي شقيق هذا الذي دخلت بحثا عنه يا رعد ؟ "

قال من فوره " رماح "

هز رأسه بحسنا دون أن يرفعه وينظر له وقال " وما أدخل

رماح هنا فلست أعتقد أن الكاسر السبب لأنكم كنتم تجهلون

دخوله حتى وصلكم خبر وفاته "

قبض بيده على الغطاء الذي وصل لنصف جسده وقال

" دخل ظنا منه أن جبران تسلل للحدود "

رفع حينها رأسه بسرعة ونظر له نظرة لم يستطع فهمها , لم يتخيل

يوما أن يكون بمفرده معه في غرفة واحدة , أن يواجهه وجها لوجه

فكل من يعرفه يهابه ورغم كل ما يكون من عداء بينهما لا يستطيع

إلا أن يعجب به بأفكاره وبطريقة انتقائه لكلامه بذكائه الحاد وبنظرة

السيطرة والقوة في عينيه , ساد الصمت بينهما طويلا قبل أن يكسره

الجالس على الكرسي قائلا بنبرة صلبة " وما أدخل جبران هنا

وكم بقى داخل حدودي ؟ "

قال ذاك من فوره " لم أقل أنه دخل هو ظن أنه هنا وبعد اختفاء

رماح ظهر جبران وقال أنه لم يجتز خط الحدود أساسا وفقدنا

رماح فدخلت بحثا عنه فلم ينقصنا فقد أكثر ولا مخالفات معك

ونحن في هدنة لكنها الظروف من أجبرتني ولم يكن في

نيتي إيذاء أحد صدقني "

قال متجاهلا كل ما شرح من أسباب لدخوله لأنها لم تعنيه

" لماذا لحق به رماح ولما ظننتم أنه دخل ؟ "

لحظة صمت شعر بها كل واحد منهما أنها دهرا طويلا قبل

أن يهمس رعد قائلا " لنعده أمرا شخصيا يا ابن شاهين

وأنا أمامك افعل بي ما تشاء "

وقف من فوره وقال بحزم " بل كل ما أريده معرفة سبب دخوله

ولحاق رماح به وغيره لن يفيدني في شيء حتى إن عذبتك حتى

مت تحت يداي "

شعر بالقشعريرة تسري في جسده وقال محاولا ثنيه عن معرفة

كل تلك الحقيقة " أعفني من ذلك أرجوك وعذبني أرحم لي "

قبض على يديه قبل أن يرخيهما وتنفس بهدوء ليصل لما يصبوا

إليه أساسا وقال " غسق في الموضوع أليس كذلك ؟ "

نظر له ذاك بصدمة قبل أن يهمس " كيف علمت ! "

تحرك من مكانه حتى كان عند نافذة الغرفة وقال ناظرا من

خلالها وظهره له " شقيقك الأكبر من أخبرني "

ثم التفت له يراقب ملامحه المصدومة وقد حرك شفتيه

بصعوبة قائلا " جبران فعلها !! "

لم يعلق ولم يزح نظره عن عينيه وعظمتا فكيه كانتا بارزتين له

دليل كتمه لغضب قوي يتفجر داخله فهز رأسه قائلا " لا أصدق

لقد جن ذاك الفتي ! لو علم والدي ما رحمه "

كتف الواقف هناك يديه لصدره وقال بجدية " الحقيقة يا رعد

أو لنقل القصة كاملة وستخرج بعدها من هنا كما دخلت "

نظر له وقال " ما الذي قاله لك جبران ؟ "

قال مباشرة " لا أريد ما قاله جبران بل ما ستقوله أنت وأريد

الحقيقة لا شيء غيرها أو كثر هم من سيدفعون الثمن "

قبض رعد على أصابعه بقوة وقال برجاء " لا تؤذي غسق يا ابن

شاهين هي أرق من أن تعامل بقسوة ولا ذنب لها في شيء "

ابتسم بسخرية أقرب للمرارة وهمس بخشونة

" أخشى أن الأوان قد فات "

هز ذاك رأسه برفض وقال " غسق عاشت مدللة بيننا عاملها الجميع

كأميرة وليس أي فتاة , دمعتها كان يُحسب لها ألف حساب في منزلنا

لذلك كانت رقيقة وحساسة وهشة بشكل لا يمكن تصوره لكنها ذات

الوقت قوية حين يلزم الأمر وعنيدة حين تصر على شيء تريده ومنذ

طفولتها كانت حين تغضب غضبا قويا تسجن نفسها تحت سلالم المنزل

أو في الخارج ولا ينجح أحد في كسر غضبها ذاك سوى والدي وقد

كبر طبعها ذاك معها لكنها ذات الوقت طيبة قلب رقيقة وحنونة

يسهل إرضائها مثلما يسهل جرحها وتكتمه "

عاد للجلوس على الكرسي وقال ناظرا له " متى علمت غسق

بأنكم لستم عائلتها ؟ "

قال دون مماطلة " منذ أكثر من عامين بقليل أي حين كانت في

السابعة عشرة "

نظر له باستغراب عاقدا حاجبيه الأسودان الطويلان فقد تصور

من حديث جبران ذاك أنها على الأرجح تعرف أنه ليس شقيقها

منذ طفولتها تقريبا , قال بجدية " ما قصة زواجهما يا رعد فإن

كانا يريدان بعضهما أتركها له الليلة على أن تعيش مكرهة

مع رجل لا تريده "

قال ما قال وهو يعلم حينها أنه لن يقول إلا الحقيقة من أجلها وليس

من أجل أي منهما فقد استشف حبه الأخوي القوي لها , وما توقعه

حدث وذاك قد قال من فوره " غسق لم تعرف جبران يوما إلا شقيقا

لها وكانت رافضة فكرة زواجها منه رفضا قاطعا وقد أخبرت والدي

بذلك لكن تصرف جبران الأناني وهجره للمنزل وعيشه في الحدود

ثم غضب عمتي منها لأنها رفضته جعلها توافق وتضغط على والدي

الرافض للأمر أيضا وكله من أجل العائلة التي عاشت بينهم كعائلة

لها وليس حبا لجبران أبدا , لست أعلم حقيقة ما قاله لك فهو توعد

بإرجاعها منك وقد حاول رماح منعه فرفع سلاحه في وجهه واختفيا

عند الحدود ووالدي هدده بطرده من صنوان إن هو مسك بسوء أو

سعى لإفساد حياة غسق معك ويبدوا أن جنونه قد خرج عن

السيطرة وإن علم والدي لن يرحمه أبدا "

كان عليه قول كل ذلك , أن يدلي بكل تلك الحقائق التي رفض قولها

في البداية بعدما علم أن جبران تحدث معه وبعد أن فهم مما قال أن

الأمور بينه وبين شقيقتهم تلك وصلت لمنحدر سيء جدا بسببه فعليه

أن لا يتركه يكمل ما فعل فهو هنا وطريح الفراش بسبب جنونه وحياة

شقيقته مع زوجها مهددة بالانهيار أيضا ولن يسمح بذلك مهما حدث

راقب الجالس هناك وهو يقف على طوله وفي صمت تام وقد توجه

للباب ووقف ممسكا لمقبضه ثم قال وهو يفتحه " الطبيب قال أنك

استرددت جزءا كبيرا من عافيتك وخلال أسبوع ستشفى تماما

فسيوصلك رجالي للحدود صباح الغد "

وغادر دون أن يضيف أي شيء آخر مغلقا الباب خلفه بهدوء


*

*


نزلت عتبات سلالم المنزل وتمسكت بشالها الصوفي حول كتفيها

بقوة ما أن لفحها الهواء البارد في الخارج وتحركت بخطوات

مسرعة حتى وصلت عند المتوجه نحوها وقالت ما أن

وقفت أمامه " هل تحدثت معها ؟ "

هز رأسه بنعم وقال " ورفضت الدخول "

قالت من فورها " كنت أجبرتها , على حالتها تلك ستموت

في إحدى المرات "

هز رأسه بيأس وقال " صرخت بهستيرية ما أن حاولت فقط فعل

ذلك , على شقيقك ذاك أن يأتي هو من عقدها هو يحلها , ولا

أظنها سترضخ له أيضا فليست تطلب سوى العودة لعائلتها "

كانت ستتحدث لولا صوت باب سور المنزل الذي فتح معلنا عن

دخول سيارة الغائب الوحيد عن المنزل فالتفتت لتلك الجهة التي

لا تظهر من خلف الأشجار قائلة " ها هو عاد أخيرا فلعله

يجد أي حل ليدخلها "

بقيا مكانهما ينظران لسيارته التي اقتربت من هناك وقد أوقفها

حيث يقفان ونزل منها مستغربا وجود جوزاء هنا وعمه معها !

أغلق باب السيارة ولف حولها متوجها نحوهما فقالت تلك ما

أن وقف أمامهما ومن قبل أن يسأل " جيد أنك أتيت "

قال بقلق " ماذا حدث ! هل غسق بخير ؟ "

سبقها عمها قائلا بضيق " لا شيء بها سوى أنها جالسة مكانها

المعتاد في البرد منذ ساعتين ترفض الدخول والحديث وطلبها

طبعا أن تطلقها وترجعها لعائلتها "

كان سيتحدث فقالت جوزاء ممسكة بكم سترته ونظرها معلق

بعينيه " مطر بالرفق عليها فهي ليست أول مرة تفعلها بعد تلك

الليلة وكانت تدخل تحت ضغطي عليها أما اليوم فلم يشفع

عندها ولا عمي صقر فتعامل معها باللين أرجوك "

قال صقر بعد صمتها مباشرة " وإن كنت تعلم أن وجودك لن

يزيد الأمر إلا سوءا فلا تذهب لها فهي ستبكي بهستيرية

وتؤذي نفسها إن حاولت إجبارها "

رفع يده جانبا وقال بضيق " وما أفعل إذا ! أتركها تموت

من البرد كي لا تبكي بهستيرية "

صرخ فيه ذاك من فوره " قلنا تعامل معها باللين وليس تجبرها

فهي بتلك الطريقة ستعيدها مجددا وبعناد أكبر "

أخرج هاتفه من جيبه قائلا " ادخلا أنتما وسأدخلها دون إجبار "

كان عمه سيتحدث فسحبته جوزاء معها هامسة " قال أنه لن

يجبرها فلنتركهما وحدهما "

انصاع لها مكرها وهو يتأفف ونظره على الذي ابتعد وهاتفه على

أذنه يتحدث مع أحدهم ثم سار أمامها قائلا بضيق " لنرى طريقته

تلك وهوا يبتعد بهاتفه وكل ما يشغل باله مشاكله ورجاله "



*

*


أنزل الهاتف من على أذنه وتحرك من هناك حيث يرى من بعيد

الجالسة تحت تلك الشجرة تحضن ساقيها بذراعيها وتدفن وجهها

فيهما في جو لازال غائما بعد نهار ماطر وعلى أرض مبللة باردة

خصلات شعرها تتلاعب بها الرياح الباردة وحديث رعد الذي لم

يتركه لحظة وقت رجوعه من هناك يعود للمرور أمام عينيه الآن

وكأنه أمامه ويعلم أن مشواره معها عاد ليكون طويلا وعليه قول

وإن جزء من الحقيقة التي يخفيها عنها فهو من أخطأ وعليه تحمل

نتائج خطئه ذاك , اليوم فقط اعترف ولأول مرة بغبائه وبتسرعه

واندفاعه وعدم سماعه لصوت عقله الذي كان يقدمه دائما على

انفعالاته ومشاعره وقلبه , لا يصدق كم كان غبيا وهو يسمح

لذاك الرجل باللعب به تلك اللعبة التي أخسرته الكثير , مطر

شاهين من عُرف بذكائه ومراوغته ورجاحة عقله وتفكيره

يفشل فشلا مخزيا أمام من يصغره بأعوام وبكل سهولة

ومن مقابلة وحيدة معه .

ما أن اقترب من هناك وقف ورفع نظره بالشجرة التي تجلس

تحتها وقد أكدت جوزاء وعمه أيضا أنه مكانها المعتاد من مدة

شجرة عمه دجى تحديدا , شجرة والدها الذي لازالت تجهله وكأن

قلبها يخبرها أنها له وأنه من دخلت تلك الحدود بحثا وإن عن أسمه

وهويته , تقدم بخطواته نحوها حتى جلس بجانبها ورفع يده ومسح

بها على غرتها مبعدا لها وقال بهدوء " غسق ثمة من يريد

التحدث معك فارفعي رأسك "

لم يصله أي رد منها ولم ترفع رأسها ولم تتحرك فقرب الهاتف

منها قائلا " غسق والدك يريد التحدث معك هل أخبره أنك

ترفضين التحدث معه ؟ "

رفعت حينها رأسها تمسح وجنتيها المتوهجتان بشدة والمبللتان

بالدموع ترفض النظر له فوضع الهاتف على أذنها من قبل

أن تفكر في مد يدها والإمساك به فوصلها فورا صوت والدها

الحنون قائلا بعتب " غسق ستصبحين أم عما قريب ولازلتِ

تتصرفين بعناد أطفال "

همست ودموعها عادت للنزول تباعا " أبي "

رق صوته فورا ما أن سمع نبرتها الباكية وصوتها الحبيب لقلبه

وقال بحزن " غسق عصيان زوجك من عصياني ومن عصيان

الله قبلي , لا توجد حياة بين زوجين تخلو من المشاكل فكوني

غسق العاقلة التي ربيتها وأفخر بها "

أبعدت خصلات غرتها المتطايرة عن وجهها وقالت ببكاء ونظرها

على الأرض أمامها " ثمة أمور يصعب غفرانها وثمة قلب بين

أضلعي لن يندمل جرحه بسهولة , لا تطلب مني المستحيل أبي

أرجوك فلن أغادر هذا المكان إلا خارجة من هنا أو أموت

مكاني وأرتاح "

قال من فوره " إن كان له مكانة في قلبك فسيسهل عليك نسيان

ذاك الشيء مهما كان , غسق لا تتصرفي بتهور وتنسي أنك

مسؤولة عن روح أخرى داخلك وما تفعليه لن ينفعك في شيء "

أمسكت قبضتها على قميصها بقوة وصرخت ببكاء " أسامح ماذا

وأغفر له ماذا ؟ بل لو لم يكن له في قلبي شيء كان سيكون

الأمر أسهل , لن يفهم أحد ما أشعر به لن تفهموا أبدا "

أبعد الهاتف عنها وأمسك رأسها ودفنه في صدره يدفن بكائها

وعبراتها فيه وطوقها بذراعيه بقوة وقبل رأسها ودفن وجهه

في شعرها قائلا " غسق أعطني مجالا لأتحدث واستمعي

لي ولو مرة "

فتوقف بكائها حتى ضن لبرهة أنها وافقت أخيرا على سماع لولا

ارتخائها بين ذراعيه فجأة فأبعدها عنه فورا يضرب خدها

قائلا بقلق " غسق ما بك ؟ غسق افتحي عينيك "

ولا جواب منها ورأسها مرتمي للخلف ليست تعي شيئا حولها فمرر

يده فورا على نحرها يتحسس نبض عرقها ونبضات قلبه تتسارع

بجنون لم يعرفه من قبل ولم ترجع لمعدلها الطبيعي إلا حين شعر

بذاك النبض الخفيف تحت ملمس أصابعه فضمها لحضنه بقوة

حامدا الله بهمس ثم وقف حاملا لها بين ذراعيه ودخل بها للمنزل

وتوجه لغرفتها في الأسفل وجوزاء وابنيها وعمه وعمته جميعهم

يتبعونه حتى وضعها على السرير فقالت جوزاء بقلق

" ما بها يا مطر ؟ "

سحب الغطاء فوقها قائلا " مغمى عليها فقط سأتصل بالطبيب

فورا بعدما أغير لها ملابسها "

فخرجوا جميعهم حينها تاركين الأمر له واكتفوا بالجلوس في بهو

المنزل حتى حضر طبيب العائلة المعتاد من أعوام ولم يغادروا

مكانهم حتى غادر ودخلوا للاطمئنان عليها فلم يكن معه بالداخل

إلا الذي حملها للغرفة بل ولازمها هناك بعدها وقد طلب الطبيب

حقنها بثلاث قوارير مغذي متتالية تلك الليلة ومراقبة حرارتها

وضغطها حتى الصباح بما أن ذاك رفض أن تنام تلك الليلة في

المستشفى كما أشار الطبيب لتكون تحت المراقبة


*

*



جلست من نومها ونظرت بفزع للذي كان يجلس على طرف السرير

موليا ظهره لها ويسعل بشكل مخيف فقالت ناظرة له " عكرمة

أرى سعالك يزداد سوءا ! ألم تعدني برؤية الطبيب لمعاينته "

قال بصوت متقطع الأنفاس ويده على صدره " مجرد سعال

بسبب البرد لما تضخيم الأمور يا فاطمة ؟ عودي للنوم

فالوقت ما يزال مبكرا "

كانت ستتحدث لكنه دخل في نوبة سعال جديدة حتى ضنت أن

رئته ستخرج معه وراقبته بعينين قلقة وهو يقف مغادرا السرير

حتى دخل الحمام وأغلق الباب خلفه وتوجه للمغسلة فورا واستند

عليها بيده وسعاله ذاك لا يزداد إلا قوة وحدة يشعر معها بأضلعه

ستتهشم ليتلون رخام تلك المغسلة بالدماء التي تناثرت فيه ففتح

صنبور المياه فوقها فورا واستند بالجدار بيد ويغسل بالأخرى بقع

الدماء ثم مسح وجهه وخرج واندس في سريره مجددا متجاهلا

أسئلة التي لم تستطع لا النوم ولا حتى الاضطجاع فسحب

الغطاء فوق رأسه وهمس " أنا بخير فنامي يا فاطمة قلت لك "

فلم تجد حلا أمامها سوى النوم بجانبه وهمست بحزن وقلق تنظر

لقفاه " يا رب أحفظه لي ولصغيرتنا يا رب "


*

*




وقف ببطء بمساعدة العصا التي أعطاها له الطبيب يستمع لسيل نصائحه

وأن عليه إجراء تمارين مكثفة ليعود للياقته السابقة وأن جسده مر بمرحلة

خطرة جدا وتعافى منها وأن لا يجزع من هبوط قدراته البدنية وأن يتحلى

بالصبر ليرجع أفضل مما كان , وهو يستمع له في صمت تام يحاول جمع

حاجياته البسيطة بيد واحدة ولاحظ أن الطبيب يتعمد عدم مساعدته وعلم

أن هذا أول تمرين له لأن من كانت تعتني به طوال الوقت لم تكن تتركه

يفعل شيئا إلا إن أصر على فعله وتغلب على عنادها , من لم يراها اليوم

أبدا طوال ساعات الصباح الأولى وتبدو قررت أن لا تودعه وهي من

صرحت له سابقا بكرهها لدنو هذه اللحظة , رفع رأسه وقال ناظرا

للواقف قربه " شكرا لك أيها الطبيب لن أنسى ما فعلت من أجلي

أبدا , لقد أعدت جسدي الميت للحياة "

ضحك ذاك وقال مادا يده له " اشكر آستريا فهي من كانت أحيانا حتى

الأعشاب تبحث عنها بين صخور الجبال لتحضرها "

ابتسم بحزن وهو يصافح يده الباردة لدخوله هناك قبل قليل ثم خرج يتبعه

حتى كانا في الخارج فأمسك بياقة المعطف الذي أحضرته له ابنة الزعيم

الكبرى ليلبسه ومن قالت أن والدها غادر منذ الفجر حين سألها عنه ولم

يتسنى له شكره وتوديعه , نظر حوله ولحركة البعض هناك تبحث عيناه

عنها ولا أثر لها في كل مكان فنظر حيث الواقفان عند تلك السيارة التي

تنتظره وقال " ثمة من عليا توديعه قبل مغادرتي فهل تنتظرانني

هنا قليلا ؟ "

قال أحدهما " هل أساعدك أو نوصلك بالسيارة ؟ أرى أنك تسير

بصعوبة "

تحرك من هناك قائلا " لا شكرا يمكنني السير لمسافة لا بأس بها "

وتحرك بخطوات بطيئة صعبة يسأل من يمر به عن مكان منزل

زعيمهم حتى وصل عنده وطرق بابه المغلق ففتحته له سيدة لم

يراها من قبل فقال بنفس متعب من جهده في السير كل تلك

المسافة " هل آستريا موجودة ؟ "

هزت رأسها بنعم ونظرت للداخل ثم له وقالت " في غرفتها لم

تخرج منها منذ ليلة أمس , قد تنجح أنت في إخراجها , هيا

تفضل "

دخل خلفها نظره يتنقل في تفاصيل منزلهم بدقة وكأنه يحفرها في

ذاكرته ليختزلها هناك للأبد ويتخيلها كل يوم أين تجلس ماذا تفعل

وأين تعيش , وصلت به لباب معين وطرقته قائلة " آستريا

ثمة ضيف يريد رؤيتك "

وحين لم يصل منها أي رد رفعت كتفيها بقلة حيلة وقالت

" يمكنك الدخول لها "

ثم غادرت من هناك وخرجت من المنزل فمد يده لمقبض الباب

وفتحه ببطء حتى كشف عن الجالسة فوق السرير الواسع الذي

توسط الغرفة تنظر له بصمت وعينان محمرة ومجهدة تؤكد أنها

بكت لوقت طويل , قالت بعبرة لم تستطع إخفائها " لا أريد أن

أودعك لماذا أتيت ؟ "

دخل بخطوات بطيئة قائلا " أتيت لأني أريد رؤيتك قبل مغادرتي

ولأنه لا يمكنني أن أكون قاسيا مثلك "

غادرت السرير مسرعة وركضت جهته وارتمت في حضنه تبكي

بمرارة فمسح على شعرها بيدها الحرة قائلا بحزن " لا أريد

لآخر صورة أخزنها في دماغي لك وأنتي تبكي آستريا "

تمسكت بمعطفه تدفن وجهها في صدره أكثر وقالت ببكاء " تعترف

بأنها آخر مرة تراني فيها وتقول بأنك لست قاسي قلب ! "

أبعدها عنه وأمسك وجهها بيديه راميا تلك العصا أرضا وهمس ناظرا

لعينيها العسلية الواسعة الدامعة " آستريا هل تنتظرينني ؟ "

نظرت له بصدمة لم تستوعب معها ما قال فرطب شفتيه بلسانه

وهمس مجددا " هل تنتظرينني مهما طال بك العمر حتى تتغير

ظروف البلاد ويصبح واقعنا مختلفا ؟ فأنا لا يمكنني إلا أن

أعيش على ذاك الأمل حتى أموت "

هزت رأسها بنعم وابتسامة حزينة صغيرة تغلبت على ملامحها

الباكية وقالت ببحة " متأكدة من أنك سترجع يا رعد وسأنتظرك

طوال عمري "

قبل جبينها قبلة طويلة دافئة ثم نظر لعينيها وقال " وتدخلين

الإسلام من أجلي وقتها ؟ "

هزت رأسها بنعم فهمس مبتسما " إذا آستريا لرعد يوما ما "

خرجت عبرتها الباكية لجملته تلك وتعلقت بعنقه تحضنه بقوة فطوق

خصرها بذراعيه وضمها له بقوة قائلا " لن تأخذ امرأة غيرك مكانك

في قلبي آستريا فإما أن نكون معا أو أعيش وحيدا ما حييت "

تعلقت بعنقه أكثر قائلة ببكاء " أقسم أن أنتظرك وإن لن تأتي

أبدا لأني كنت سأفعلها في كل الأحوال "

ابتسم بحزن وأبعدها عنه يمسح الدموع عن وجهها قائلا" أعلم

أنه غباء مني أن أربطك بوعد كهذا ولست أعلم ظروفنا

ستتغير أم لا "

أمسكت يده على خدها وقالت بحزن ناظرة لعينيه " قد تراني

صغيرة وغبية ومتهورة لكني قسما أحبك يا رعد "


ابتسم وضمها لحضنه مجددا وقبل رأسها قائلا " إن تزوجتِ يوما

مرغمة من غيري فلا تحاولي إخباري آستريا لأني لن أكون

لامرأة أخرى في كل الأحوال "

تمسكت بحضنه بقوة قائلة " لن أفعلها , أقتل نفسي ولا أفعلها فعد

سريعا يا رعد , عد يوما مهما كان بعيدا "


*

*


فتحت عينيها ببطء ثم غطتهما سريعا بظهر كفها تحجب نور

الغرفة القوي عنهما حتى اعتادت عليه عينيها ثم نظرت حولها

وكانت في غرفتها وسريرها فمر كل ما حدث بالأمس أمام عينيها

كالشريط وعلمت أن ما رأته البارحة ليس حلما وهي تستيقظ بين

الحين والآخر لتجد ذاك الجالس على الكرسي قرب سريرها لازال

في مكانه ويسألها فورا ويده تمسح على شعرها ( غسق هل

تريدين شيئا ؟ هل تشعرين بشيء ؟ )

فتحرك رأسها نفيا ويأبى صوتها الخروج لتعود سريعا لذاك الظلام
الذي يسرقها في كل مرة , مررت أصابعها في غرتها ترفعها للأعلى

فتوقفت يدها مكانها حين شعرت بشيء ما شد شعرها فحركت أناملها

وأخرجته فورا فكان زهرة حمراء جميلة من الأزهار الموسمية التي

تنبث في الحديقة بل وزهرتها المفضلة في حديقة منزلهم الواسعة تلك

جلست بصعوبة بمساعدة يديها ليلفت نظرها زهرة أخرى تشبهها فوق

الوسادة قرب رأسها ولم تنتبه لها فرفعتها أيضا تنظر لهما لحظة ما

انفتح باب الغرفة ودخلت منه عمتها تدفع كرسيها وقالت مبتسمة

بحب " صباح الخير لأروع زهرة تمسك زهرتين , من أحضر

هذه الزهور الجميلة لك ؟ "

نظرت لهما في يدها ثم نظرت لها وقالت باستغراب " ألست

أنتي من أحضرها أو حبيبة ؟ "

وصلت عندها وقالت " أنا لم أدخل غرفتك منذ ليلة البارحة ولا

حبيبة ولا غيرها فمطر غادر من هنا قبل قليل بعدما جاء أحد

رجاله بنفسه وخرج معه "

نظرت للزهرتين في يدها ثم وضعتهما على الطاولة فقالت عمتها

ناظرة لوجهها " لا أعتقد أن ثمة من يحب امرأة أخرى يحضر

كهاتين الوردتين صباحا خاصة إن كان ذاك الرجل مطر ؟ "

نظرت لها وكانت ستتحدث والدموع ترقرقت في عينيها فسبقتها

قائلة " غسق عليك فهم الأمر منه بنيتي فدائما ثمة حقائق نجهلها

علينا البحث عنها أو السؤال "

هزت رأسها برفض وهمست بعبرة " ما الذي سيشرحه لي

وسأسمعه منه عمتي ؟ يكفيه قتلا لي "

اقتربت منها أكثر وأمسكت يديها قائلة برجاء " بلى ثمة ما لديه

بما أنه يريد ذلك , لقد أمضى البارحة هنا بجانبك ولم ينم لحظة

أعطه فرصة يا غسق , إن كنت تحبينه فأعطه فرصة ولو

ليشرح لك وتريثي ولو هذه المرة فقط يا ابنتي "

حركت رأسها بحيرة ولم تعرف بما تجيب ودموعها تتقاطر من

رموشها فشدت على يديها أكثر وقالت بإصرار " مطر ليس من النوع

الذي يفعلها ويظلم امرأة معه وهو يريد أخرى فاستمعي له يا غسق

وافهمي منه معنى ما قال وتأكدي من أنه لن يكذب عليك أبدا وأنه

ليس من النوع الذي يخاف من الحقيقة ومن قولها فاسأليه وافهمي

منه قبل أن تحكمي على كلامه الغاضب ذاك "

رفعت يدها ومسحت بها دموعها وشيء ما داخلها يريد الرضوخ لما

قالت لها , حاولت محاربته حاولت قتله لأنها موقنة من أن قلبها هو

السبب فيه لكن ذلك فشل سريعا وفشل كثيرا ما أن تذكرت وجوده

هنا قربها وما حدث بينهما يوم أمس وإصراره على أن تسمعه

وأن تعطيه فرصة ليشرح لها فهزت رأسها بحسنا هامسة

" سأتحدث معه وأفهم منه "

ابتسمت الجالسة أمامها براحة وقالت " بارك الله فيمن رباك يا

غسق , وتذكري أمرا مهما بنيتي أنه ثمة رجال ليس من السهل

عليهم كشفه مشاعرهم خاصة إن كانت مشاعر صادقة وقوية

فصدقيه في كل ما سيقول مهما كان ناقصا ومبهما "

نظرت للأسفل بحيرة من معنى جملتها وهمست " سأحاول عمتي "

ثم رفعت رأسها تراقب خروجها من الباب وحارت في نفسها كيف

هدأت هكذا بعد ليلة البارحة , أمسكت قلبها وهمست بحزن " هذا

هو السبب فما أن رآه ونام في حضنه حتى لان "



*

*

فتح له أحدهما الباب فتمسك به وأنزل العصا أولا رافضا مساعدته له

وشاكرا إياه بهمس ثم أنزل إحدى ساقيه متبعا لها الأخرى وانتصب

واقفا يغضن جبينه يكتم ألمه فلم يتصور أن تتعبه الطريق هكذا ولازال

أمامه طرق صنوان , وعزائه رؤية أهله ومعهم يمكنه أن يطلب منهم

أن يتوقفوا لمرات عدة في الطريق ليمدد ساقيه ويرتاح فقد رفض ذلك

وهو في سيارة رجال ابن شاهين كي لا يعطلهم , تحرك بخطوات

أصعب من السابق حتى كاد يقع فساعدته اليد التي أمسكت بذراعه

والأخرى تمسك بخصره حتى عاد لتوازنه ونظره على السيارتين

هناك خارج الحدود وما أن رأى الباب الذي انفتح ونزول والده منه

شعر بأن الحياة ذبت في عروقه بالفعل وهو يراه يقف على طوله

بدون مساعدة العصا التي غادر وتركه يرتكز عليها , نقل نظره

لرماح ثم جبران الذي نزل من السيارة الأخرى فتحرك بخطوات

متعثرة ليصل لهم فوحده المسموح له حاليا باجتياز ذاك الخط

الحدودي ولا يستطيعون هم الدخول له , اجتاز ذاك الخط الوهمي

الذي قسمت به البلاد من أعوام طويلة وسُكب من دماء أبنائه الكثير

فوقه وشُنت حروب ومعارك لسلب أي شبر من خلفه من كلا

الجهتين قبل أن يظهر قانون الهدن على عهد مطر شاهين من

تسعة أعوام أو منذ استلام ابن شاهين زعامة الحالك ليسعى كل

جهده لإيقاف صنبور الدماء المتدفق على مر أعوام فعُقدت الهدن

المشروطة واتفاقيات تبادل الأسرى بدلا من قتلهم بدماء باردة

وتقلصت مشاكل الحدود بشكل كبير رغم خروقات الهازان التي

طالت أقرب رجاله ورغم المشاكل المتفاقمة داخل كل قطر ليقتصر

الأمر وإن عليها فقط , ما أن وصل عندهم حتى استقبله حضن

والده وضرب على ظهره هامسا " حمدا لله على سلامتك

يا رعد وأن رأيتك سالما "

ربتت يد رماح على كتفه وعلق ضاحكا " قل نصف سالم وهو

كاد يوصل لنا مغيب الشمس بخطواته تلك "

ضحك رعد مبتعدا عن والده وحضن رماح بقوة قائلا " لو رأيت

حالتي منذ أكثر من شهرين لقلت أني الآن حصان , حمدا لله

على سلامتك أنت أيضا ضننت أني لن أراك مجددا "

مسح بكفه على ظهره قائلا بابتسامة " لا تفعلها مجددا وتدخل

خلفي وإن كنت دخلت حقا أتفهم "

خرجت منه ضحكة صغيرة وابتعد عنه وكان دور جبران الآن

فتبادلا حضنا طويلا لاحظ جبران فورا جفاء شقيقه فيه وقد همس

له في أذنه " لولا وجود والدي ما سلمت عليك يا جبران "

ثم ابتعد عنه ونظرا لبعضهما نظرة يفهمها كل واحد منهما .. نظرة

غضب ولوم كبير من رعد ونظرة توجس من جبران الذي كل ما

كان يخشاه أن يكون تحدث مع ابن شاهين وأوضح له الحقيقة وذاك

صدقه , وما أراحه أن رعد يبدوا أنه لا يفكر في كشف كل ذلك أمام

والدهم , ربتت يد شراع على كتفه قائلا " هيا يا رعد أمامك رحلة

أخرى طويلة لن نتركك واقفا أكثر من هذا "

قال رماح " إن كنت متعبا نقضي أنا وأنت الليلة هنا في توز

ونغادر غدا "

هز رأسه برفض قائلا " أريد أن أرجع للمنزل معكم وارى

عمتي لقد اشتقت لها كثيرا "

قال جبران مبتسما " وترى ابنها الجديد الذي يبكي طوال الليل

وترفض إلا لف المنزل به وكأنها تتعمد إزعاجنا جميعنا كي

لا ننام "

نظر له باستغراب ينقل نظرته تلك بينهم ثلاثتهم حتى استقرت

على رماح الذي قال مبتسما بحزن " ابن الكاسر وعمره ثلاثة

أشهر الآن "

نظر له بصدمة ونزلت دمعته فورا وهمس يمسحها بطرف كمه

" حمدا لله على عدله أن ترك لنا شيئا منه نراه فيه "

طبطب شراع على ظهره يحثه على السير معهم قائلا " بل

جميل في عنقي لابن شاهين أحمله له حتى أموت وقد

أضاف له اليوم جميلا آخر "

تحرك معهم ولاحظ ابتعاد جبران وركوبه سيارته ضاربا بابها

بقوة معلنا رفضه لما قاله والده فهز رأسه بيأس منه ومن جنونه

الذي لم يتوقع أن يصل لذاك الحد , ما أن وصل السيارة حتى التفت

خلفه حيث تلك الحدود ونظر جهة الشرق تحديدا نظرة ملأها شوق

وحزن وحنين تدفق عبر شرايينه من الآن فهمس ونظره لازال

هناك " لن أنساك أستريا لن أنساك يا صغيرتي ما حييت "


*

*


" تلفينها هكذا ثم تخرجين أصابعك من هنا ثم .... ياااا انتهيت "

ابتسمت الجالسة أمامه ابتسامة صغيرة هامسة " جيد تبدوا لي

سهلة سأجرب "

مد لها السلك المطاطي فورا وبدأت بلفه حول أصابعها محاولة

تقليد ما فعله منذ قليل فقال ضاحكا " لن تستطيعي فعلها يا

غسق أخبرتك منذ البداية "

جلس غيهم على الكرسي الآخر قائلا " ثمة طريقتين لها يا غسق

وهو يتعمد أن يريك المعقدة فثمة خدعة في الأمر "

رمت السلك عليه قائلة " مخادع أرني الطريقة الصحيحة فورا "

" غسق تعالي "

حولت نظرها سريعا حيث عمها صقر عند باب جناحه الذي

يمسك مقبضه بيده لفتحه له للتو ثم وقفت متوجهة نحوه وما

أن وصلت عنده مد هاتفه لها قائلا " مطر يريد التحدث

معك والاطمئنان عليك "

نظرت للهاتف في يده ثم رفعت نظرها لعينيه فحرك رأسه يحثها

على أخذه منه فمدت يدها له بتردد حتى أمسكته فدخل جناحه

قائلا " اتركيه لديك سآخذه منك فسأخرج بعد قليل "

راقبته بصمت حتى أغلق الباب خلفه ثم نظرت للهاتف في يدها

وتحركت من هناك حتى جلست على الأريكة في طرف بهو المنزل

جهة السلالم ووضعت الهاتف على أذنها فعلت نبضات قلبها بتسارع

رهيب ما أن وصلها صوته الهادئ بنبرته المبحوحة التي تسمعها

عبر الهاتف لأول مرة " غسق هل تسمعينني "

ملأت الدموع عينيها فورا واكتشفت أن مشاعرها ناحيته أكبر

وأعظم من كل ما حدث لذلك جرحها منه غائر وفوق تصورها

رفعت كفها المرتجف ومسحت عينيها قائلة " أجل "

قال من فوره " كيف أنتي الآن ؟ إن كنت تشعرين بشيء

اخبر عمي يحضر الطبيب "

سالت دمعتها مجددا وقالت ببحة " أنا بخير "

وصلها صوته القلق " بخير كيف وصوتك هكذا ! قد أتأخر في

العودة ويخرج عمي من حوران فإن كنت متعبة أطلب منه

البقاء أو أرجع أنا "

عادت لمسح دموعها وهي تسمع نبرة الاهتمام في صوته وتخليه

عن كل شيء من أجلها , أمور احتاجتها طيلة الشهريين الماضيين

ولم تجدها مثلما لم تجده هو وليست تفهم سبب تغيره ما أن رجع

الآن فزاد إصرارها أكثر لمعرفة الحقيقة منه , همست بخفوت

" أنا بخير مطر أقسم لك "

قال من فوره " سأرجع الليلة وإن متأخرا فانتظريني علينا أن

نتحدث يا غسق حسنا "

عادت لمسح الدموع التي غلبتها مجددا وهمست بصوت مرتجف

" إن كان عما قلته قبل ذهابك تلك الليلة فلا أريد فأحيانا يكون

شرح الحقائق أقسى منها هي نفسها "

قال بإصرار " بل سنتحدث فثمة أيضا حقائق شرحها يغيرها

جذريا يا غسق "

سمعت صوت أحدهم يكلمه فقال بصوت منخفض

" أراك الليلة .... وداعا "

وانقطع الاتصال معه فأنزلت يدها والهاتف فيها حتى استقرت في

حجرها تمسح بكف يدها الأخرى عينها وبقايا الدموع العالقة في

رموشها وهمست بحزن " ليت تلك الحقائق تتغير جذريا , ليتك

تفعلها حقا يا مطر "


*

*



دس هاتفه في جيبه عاقدا حاجبيه يستمع بتركيز لأحد أقرب رجاله

الواقف أمامه وهو يتحدث بانفعال كبير حتى تحول لصراخ واقترب

البقية منهما وقد صرخ أكثر يشد ثيابه من على صدره يكاد يطير من

الأرض والسماء لا يصلها " أقسم أن ندمرهم قبل أن يفكروا في تدمير

كل ما صنعناه , ليتني مت قبل أن أدرك هذا اليوم يا ليت "

لفه تميم جهته وأمسك بسترته العسكرية قائلا بحدة وهو يهزه بقوة

" ما هذا الذي تقوله ! من أين لك بهذا الكلام "

أخرج جهازا من جيبه ومجموعة أوراق مدها فورا للواقف أمامه

وشغل ذاك الجهاز ليكشف عن تسجيل لمكالمات متعاقبة جعلت

جميع من كان حوله يبهت في صمت ووجوههم لا يمكن وصفها

يتبادلون نظرات مصدومة بأعين شاخصة تكاد تخرج من مكانها

حتى استقرت على الواقف وسطهم يقلب تلك الأوراق في يده

ويستمع لذاك التسجيل ذات الوقت حتى توقف ذاك الجهاز

مصدرا صوتا لسحب شريط التسجيل فرفع حينها نظره بالذي

لازال يمسكه في يده وقال بصوت فارغ " كيف وصلت لكل هذا ؟ "

ضغطت أصابعه على ذاك الشيء مربع الشكل وخرج صوته تائها

مشتتا ونظره معلق بتلك العينين السوداء التي كانت تنظر له بنظرة

لم يروها يوما في عيني زعيمهم وقائدهم الحربي ذاك " غيابي

السري الشهر الماضي كان من أجل هذا "

أمسك بشر رأسه بيديه قائلا بضياع " حسبنا حساب كل شيء

إلا هذه , وضعنا تقديرات وحلول بديلة لأي خرق إلا

هذا ! ليفهمني أحدكم ما الذي يجري بحق الله "

خرج صوت تميم هامسا ضائعا " يكيدون لنا بل للبلاد بأكملها

هل كان هذا مخططهم من البداية وينتظرون هذه اللحظة ! لحظة

سقوط الهازان وتطويقنا لصنوان ؟ ينتظرون ساعة الصفر لتوحيد

البلاد ليرجعوا ويدمروها أسوأ من السابق بأضعاف ! أقسم أن

تُدمَر على هذا المخطط تدميرا لن تجبره الأيام مهما طالت "

تبعت نظراتهم الذي ابتعد عنهم واعتزلهم جهة شرفة ذاك المبنى

الذي اجتمعوا فيه اليوم عشرتهم لمناقشة بعض الأمور الطارئة قبل

أن تحل عليهم هذه الكارثة , وقف عند سياج الشرفة الحديدي مسندا

مرفقيه عليه ومرر أصابعه في شعره يدفن رأسه بين يديه , منظر لم

يروه له من قبل وهم من اعتادوا على تصرفه في الأمور فورا وإيجاده

للحلول لها في وقت قياسي دون أن يحتاج لعزلة وتفكير , وهم موقنون

أن الأمر هذه المرة أكبر من أن يتصرف فيه لحظتها بل وأعظم مما قد

يتخيل أي أحد فيهم .

أخرج أصابعه من شعره ورفع رأسه ونظر لكفه وللخاتم الفضي

في نهاية بنصره ثم قبض أصابعه بقوة ورفع قبضته لشفتيه وقبل

ذاك الخاتم مغمضا عينيه ثم أنزله لذقنه هامسا بأسى

" سامحيني يا غسق "

ودخل بعدها عائدا للواقفين مكانهم أعينهم محدقة به حتى وقف أمامهم

قائلا بجدية " اجمعوا لي مشايخ الهازان وقادتنا جميعهم , أريد الجميع

عندي هنا صباح الغد ولنتحرك سريعا فلن يحدث ما يدبرون له وإن

دفعت عمري ثمنا لذالك "

تحرك أغلبهم من هناك فورا ولحقهم البقية تباعا بأوامر منه فلم يبقى

غيره وبِشر الذي أمسك كتفه بقوة ناظرا لعينيه نظرة فهمها كليهما

وهو أكثر من كان يفهمه دائما من بينهم جميعا , قال ناظرا لعينيه

" لن تفعل ما أفكر فيه يا زعيم ؟ "

ربت على كتفه وغادر من عنده قائلا " كسرة ظهر لي يا

بِشر وخسارة لا تقدر بثمن لكنها حلي الوحيد "


المخرج ~

بقلم : الغالية سما23

صبراً يا عمي شراع

خبرٌ وصل إلى الأسماع
أحرق ما بين الأضلاع
صبراً يا شيخاً ملتاع
لوعتك لهيبٌ يشتعلُ
نارٌ تحرِقُ لا تُحتَمَلُ
راح الكاسر (قلبُ أبيه)
أصغرُ اخوته أرثيه
أرثي فيه خصالَ حميده
أبكيه سنيناً وأزيده
رجلٌ مغوار وشجاع
صبراً يا عمي شراع
عوّضك الله برماح
ورجالٍ صُلبٍ أقحاح
ولأجله باعوا الأرواح
(وطنٌ تقسمه الأطماع)
صبراً يا عمي شراع

*******

بقلم الغالية : نداء الحق

خاطرة مطر لغــــــــــــــــــــــــــــــسق

أغار عليك من عيني
ومن نسيم يلامس منك
الغرة والمبسم
أغار واحترق بنيران شرقيتي
ورجولتي التي اغتالتها وشايات
حاسدِ
على قدر العشق والهيام الذي أعيشه
لك وبك
كانت نيران غيرتي
يحاورني ويجادلني بأنك كنت قد أحببته
وانك تريدينه مثلما يريدك
وأنك تتحرقين شوقا الى حبكم
وانا المخدوع في حكاية عشقنا
يخبرني قلبي ويلح عليً ان لا اصدق
ترهات حاقد متجبر
ولكن عقلي يصر على الحنث بكل قسم
غليظ كنت قد أقسمته
في انني سأضع كفي فوق جرحي النازف
واعض على صرخة الالم
واكبت براكين نيراني وحمم جنوني الاحمق
انا من كنت مثال للجليد في الصقيع بل واكثر
بحبك اصبحت كموج البحر
موج تضرب موجة
لااعرف طريقا لاطفئ حرقتي
وكل سبيل اليك يقتل
وكل سبيل اليك يقتل


،،،،،،،،،


نهاية الفصل ..... موعدنا القادم مساء الثلاثاء إن شاء الله مع

الخاتمة ومقتطفات من الجزء الثاني ودمتم بكل خير جميعا

كنت ناوية أنزلهم اليوم كلهم لكن ظروفي كانت أقوى مني

والفصل طويل جدا فألتمس من قلوبكم الغالية العذر

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 28-10-16, 09:20 PM   المشاركة رقم: 1059
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,105
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7195

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : برد المشاعر المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر / بقلمي برد المشاعر

 

‏فيتامين سي, ‏زهر التيوليب, ‏Metan, ‏rere87, ‏هدوء العواصف, ‏برد المشاعر, ‏rahmouna, ‏samam, ‏أم مروان, ‏sareeta michel, ‏بوكاا, ‏دودي وبس, ‏no0onah, ‏طوطه1985, ‏عيون سليمان, ‏طُعُوْن, ‏عبق فرح, ‏Aya youo, ‏اسيلة الخد, ‏اثرني احبه, ‏soma libya, ‏الام المثالية, ‏الاميرة البيضاء, ‏سيمفونية الحنين, ‏إحترت أسميني, ‏عين ابوها, ‏طآويني الشووق, ‏زارا, ‏غزلان سلمى, ‏حمرا, ‏وافتخر اني عراقي, ‏نوره نوره نوره, ‏زهرةالاقصى, ‏فاطمة بنت حمد, ‏همس الوجووود, ‏missliilam, ‏مملكة الغيوم, ‏الغلا غير ممكن ينمحى, ‏أسووووم44, ‏الترف المغنج, ‏لينالين, ‏فانيليا شوكلاته, ‏توليب المرج, ‏ديـ*M*ـوم, ‏بيبي بيبي, ‏مالي عزا من دونك


أحلى سلفي مع أحلى أعضاء
قراءة ممتعة لكم....... وردود ممتعة .........لحبيبتنا برد المشاعر

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
قديم 28-10-16, 09:22 PM   المشاركة رقم: 1060
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
متدفقة العطاء


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 80576
المشاركات: 3,105
الجنس أنثى
معدل التقييم: فيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسيفيتامين سي عضو ماسي
نقاط التقييم: 7195

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
فيتامين سي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : برد المشاعر المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: جنون المطر / بقلمي برد المشاعر

 

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 153 ( الأعضاء 47 والزوار 106)
‏فيتامين سي, ‏Metan, ‏فلو, ‏زهر التيوليب, ‏rere87, ‏هدوء العواصف, ‏برد المشاعر, ‏rahmouna, ‏samam, ‏أم مروان, ‏sareeta michel, ‏بوكاا, ‏دودي وبس, ‏no0onah, ‏طوطه1985, ‏عيون سليمان, ‏طُعُوْن, ‏عبق فرح, ‏Aya youo, ‏اسيلة الخد, ‏اثرني احبه, ‏soma libya, ‏الام المثالية, ‏الاميرة البيضاء, ‏سيمفونية الحنين, ‏إحترت أسميني, ‏عين ابوها, ‏طآويني الشووق, ‏زارا, ‏غزلان سلمى, ‏حمرا, ‏وافتخر اني عراقي, ‏نوره نوره نوره, ‏زهرةالاقصى, ‏فاطمة بنت حمد, ‏همس الوجووود, ‏missliilam, ‏مملكة الغيوم, ‏الغلا غير ممكن ينمحى, ‏أسووووم44, ‏الترف المغنج, ‏لينالين, ‏فانيليا شوكلاته, ‏توليب المرج, ‏ديـ*M*ـوم, ‏بيبي بيبي, ‏مالي عزا من دونك

وهذا سلفي مخصوص مع ميشو

 
 

 

عرض البوم صور فيتامين سي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المشاعر, المطر, بقلمي, جنون
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:01 PM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية