لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





|[ فعاليات منتديات ليلاس]|

.:: الفعالية 1 ::.

.:: الفعالية 2 ::.

.:: الفعالية 3 ::.

.:: الفعالية 4 ::.

.:: الفعالية 5 ::.

.:: الفعالية 6 ::.



العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

قصص من وحي قلم الاعضاء قصص من وحي قلم الاعضاء


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-02-20, 02:14 PM   المشاركة رقم: 1316
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو راقي


البيانات
التسجيل: Aug 2015
العضوية: 300973
المشاركات: 620
الجنس أنثى
معدل التقييم: simpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 475

االدولة
البلدBahrain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
simpleness غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : simpleness المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقِ امْرَأة / بقلمي

 



الهَدوء يَتَسَرَّب إليهم شَيئًا فَشيء بعد العاصفة التي قَدِمَ بها ناصِر.. على الأَقل ظاهِريًا كان الهدوء جَلي.. لكن بعضَ القُلوب كان يَعتلج بين حُجراتها القَلق.. كَقلب نُور.. وجِنان. نُور بالطَّبع تُفَكِّر بالناجي من خيانة البَحر.. أَمَّا جِنان، فَغِيابُ فَيْصَل أَحاكَ في صَدرها هَواجِس لَم تَكُن سِوى كائنات طُفيلية تَقتات عَلى صَبْرها. نَظَرت لشاشة هاتفها المُرْتاح وَسط حضنها، لا وجود لِرَد على مُكالماتها ولا رسائلها. قَلَبت الهاتف من جَديد مع عروج زَفْرة من صَدرها إلى الهواء.. ثانيتان وعادت ورفعته لتتصل إليه مَرة أخرى. الرَّنين مُتواصل دون جَواب حتى انقطع لترتفع يَدها بارْتباك لِجانب وَجْهها. لَيْلى الجالسة مُقابلها لاحظت حالها.. أَخفضت كوب الشاي مُسْتَفسِرة: جِنان شنو فيش؟ صاير شي؟
نَظَرَت إليها بانْتباه.. ضَمَّت شَفتيها للدَّاخل بقلّة حيلة قَبْلَ أن تُرْخيهما لتُجيب بتردّد: مو صاير شي.. بس فيصل طالع من الصبح وللحين ما رجع
عُقدة خَفيفة تَوَسَّطت حاجبيها: تصدقين ما انتبهت! انشغلت مع نُور وما انتبهت إنه من طلعته ما رجع "سَألتها باهْتمام" ما قال لش وين راح؟
حَرَّكت رأسها: لا ما قال "وهي تَمس جانب جَبهتها بحيرة" وكل ما اتصل له ما يرد.. حتى كتبت له في الواتس اب بس يبين مو داخل من الفجر
ناصر الذي لَفت انتباهه الموضوع عن الجهاز اللوحي الذي كان بين يديه؛ اسْتنكرَ وهُو ينظر للساعة المُشيرة للعاشرة والرُّبع مَساءً: يعني وينه من الصبح للحين! إذا عنده شغل على الأقل يكتب ويخبرش "سَألَ" متأكدة ما قال لش وين رايح؟
أَكَّدت: والله ما قال لي.. أَصْلًا من قعدت من نومتي الصبح ما شفته.. كان طالع أساسًا "كَوَّرت يَدها بتماسك ناقَضَ التَّصدع الذي هَزمَ ملامحها" ما عليه خل يطلع.. من زمان ما طلع.. بس يقول إنّه بيتأخر.. يرد عَلَي.. مو جذي حاقر!
جَنى التي بَثَّ حَديثهم خَوفًا في نفسها البريئة تساءلت بخفوت: بابا شنو فيه؟
أَجابتها جِنان بمحاولةٍ لاحتواء خوفها وتَبديده: ما فيه شي ماما.. بس ننتظره يجي
جَنى التي كانت تجلس على يَسار عَمَّتها نُور تُلاعب الصغير وتتأمله؛ التَفت لها جُود بابْتسامة وهي تُمسك هاتفها وتقول: أفا عليش جوجو اللحين بتصل له وبزفه.. ليش جذي يخلي بنته تخاف عليه
ابتسمت الطفلة بخفّة في الوقت الذي رَفعت فيه جُود هاتفها لأذنها.. عَلا حاجِباها بعد ثواني مُسْتنكرة: سوَّاه مشغــول!
قالَ ناصر بعصبية طَفيفة: يعني يا يرد يا يرجع.. شهالحركات بعد! كلش مو ناقصين
لَيلى التي بَدأ يتكاثر القَلق في جَوْفها على ابنها قَبَضَت على فخذه وهي تهمس بعينين تُشيران لجَنى: اهدا ناصر.. لا تخوّف جَنى
رَدَّ بنبرة الصوت ذاتها وبملامح مَعقودة: شلون اهدا وهو حضرته له جم شهر منقلب حاله؟ شدراني في هالليل هو شوضعه!
نَهرته ونبضها يتحفّز: لا تقول جذي.. إن شاء الله ولدي ما فيه إلا العافية
التَجأت جِنان لهاتفها مُجَدَّدًا: بشوفه مرة ثانية يمكــ
قاطَع جُملتها صَوْت المِصْراع الذي كان يُفتح في الخارج.. التَفتت لنور التي قالت بهدوء: صوت الشَتَر.. يعني وَصل
شَبكت جِنان كَفَّيها اللتين جَمَّدهما كُل من القَلق والانتظار.. شَدَّت عليهما وهي تتنفس بفمٍ مَفتوح.. تَركت الهاتف جانِبًا ثُمَّ وَقَفت وأَلمٌ يَتَمَكَّن من ساقيها إلى قَدميها.. وكأنَّ عظامها استوت حَديد يَطرقه الأَلم. خَطت ناحية المَدخل ببطء وهي تَسْتشعر تَمركز الثِقل كُلّه في يسار صَدرها.. فَوْقَ ذلك المخلوق النابض.. ازْدَردت ريقها عندما تَجَلَّى أَمامها بصورته الكاملة.. بصورته السليمة.. أسدلت الرَّاحة جِفْنيها وزَفيرٌ مُشَبَّع بنصف قلقها غادرَ صَدرها.. زادت من سُرعة خطواتها وهي تُعاتبه بزعل: فيــصل إنت ويــنك.. خَوَّفتني عليــ
شَهقة خافتة فَرَّت من حنجرتها على إثر احتضانه المُفاجئ لجسدها.. فهو أحاطَ خصرها بكلتا يَديه وبحركة خاطِفة رَفعها لمُستواه مُقَرَّبًا وَجههُ منها ليُقَبِّلها.. إلا أَنَّها تَداركت الأمر على عَجل وأَطبقت يَدها على فَمه بعينين تنضحان بالصَّدمة؛ في اللحظةِ التي صَرخت فيها جُود وهي تُشيح مُغمضة: فيــصلــوووه يا قليــل الأدب
تَطَلَّعت لعينيه بعينيها المُتَّسعتين تطلبان منهُ تَفسيرًا للحركة غير اللائقة التي كان سيقوم بها، هَمست باسْتنكار
والموقف المُحرج تَسَلَّقت حرارته وَجهها: فيــصل شفيــك!
نَقَلَ بصره من وجهها المُحْمَر للجالسين خَلْفها.. ابتسمت شَفتاه من وراء يدها وهُو يَهبط بها للأرض.. أَخْفَضَ يدها ثُمَّ أحنى رأسه مُقَبِّلًا خَدَّها بخفّة قَبْلَ أن يتجاوزها إليهم.. كانت والدته تنظر لهُ بابْتسامة جانبية وحاجب مرفوع.. أما والده فَقد وَبَّخه ببرود: شفيك إنت نسيت نفسك! ما تستحي على وجهك!
تَنحنحَ بإحراج وبظاهر سَبابته مَسَّ أسفل أنفه وهُو يَقول ببحَّته: اعذروني ما انتبهت
جَلَسَ على الأَريكة بجانب ابنته وهُو يَضمها إليه وجُود عَلَّقَت: نعيمًا
اتَّسَعت ابتسامته وبيديه مَسَح على شَعره الذي قَصَّره بالطريقة التي اعتاد عليها.. ولحيته التي خَفَّفها. التَفتَ لوالدته التي تَساءلت: وينك من الصبح؟
أَجاب بعدَ أن استنشق نَفَس عَميق: والله رحت واجد أماكن.. رحت البنك أشوف الشغل اللي قطعته.. رحت حلقت مثل ما تشوفون.. رحت الجيم.. وو
ابتَسمَ وعيناه ترنوان لِجنان التي لا تزال واقفة حيثُ تَركها، تَتأمَّله على وقع طُبول نَبضاتها المُحتَدِمة. ازْدَردت ريقها الجاف من نَظرته المُبَطَّنة برسائل عدّة اسْتصعبَ عليها فَك شيفراتها.. كانت تُريد أن تسأل عن معانيها لكن الخَجل إلى الآن لَم يُحرِّرها. حَرَّك بصره منها إليهم عندما استفسرت والدته: ووشنو؟ شفيك سكت؟
بَلَّلَ شَفتيه ثُمَّ أَجابَ بهدوء مُشَرِّعًا أَبواب السَّماء في صَدر جِنان: ورحت المحكمة وانفصلت عن ياسمين
ارْتَفعَت حواجبهم بمُفاجأة وجود عَقَّبت تلقائيًا بَفرح: وأخيـــرًا
شَزرها والدها فانكمشت في مكانها دون أن تمنع ابتسامتها من أن تطال عينيها.. تساءلَ الوالد بجديّة: شنو صار بالضبط؟ ومن متى مقرر هذا القرار؟!
أَجابَ بتحفّظ: التقينا وتفاهمنا وشفنا إن هذا القرار الصح.. ارتباطنا كان غلط والحمد لله طلعنا بأقل الخسائر
أَنهى جُملته تَزامنًا مع مُغادرة جِنان للأعلى.. تَعَلَّقَ بَصره بطيفها وذاكرته تعود به لتلك الليلة.

،

وَصَلَ للشقة حيثُ تَنتظره.. عندما دَخل هاجَمهُ شُعور الغُربة.. شُعور عدم الانتماء.. وكأنَّهُ جَذْر باغتَتهُ الحَياة وحَملته على جنحي هوائِها وأَلقته في أَرْضٍ لَيست أَرْضه وأجَبرته على التَّكيف معها. لكن فَيْصل.. لِنَكن صادقين.. أو لِتَكن أَنتَ صادِقًا مع نَفْسِك.. هَل فعلًا الحياة هي التي اقتلعتكَ من أَرْضكِ لأخرى لا تنتمي إليها؟ أَم أَنَّك أنتَ الذي تَشَعَّبت إلى أَرْضٍ أُخرى وأنتَ تعلمُ يَقينًا بعدم قُدرتك على البقاء بين تُرابها.. فهي في النهاية ليست أَرْض الجِنان وإن تَسَرْبَلت بالياسَمين. بَعدَ أن سَلَّمَ بخفوت جَلَسَ أَمامها دُون أَن يُدني بطرفه إليها.. وهي كذلك.. بَقِيا لأكثر من خَمسِ دَقائق يُحَدِّقان في الأَرْض التي تَحَوَّرت إلى كِتاب حَوى قِصَّتهما.. مُنذُ أَوَّل لِقاء حتى هذه اللحظة.

: كنت من البداية أنـ ـا

رَمَشَ بانْتباه ثُمَّ رَفَع رأسه إليها.. كانت لا تزال تُشاهد الأَرْض بعينيها الرَّطِبَتين. كَرَّرَت وهُو يُنصت لكلماتها باهْتمام: أنـا اللي تسبَّبت بهذا الخَراب "ارْتَفَعت من قَلْبها تَنهيدة مُرْتَجِفة وهي تُكْمِل" احتجت فترة طويــلة.. وشجاعة كَبيرة.. عشان أقدر أقتنع بهذي الحَقيقة وأعترف بها "وبلوعة طَغت على نَبرتها حتى أغارت كلماتها" أنا حبيــ ـتك بكل ما فينـ ـي "رَفعت البَصر إليه مُواصِلة بحَسرة" وإنت ما حبيتنـ ـي بكل ما فيك
أَغْمَضَ وملامحه تهترئ أكثر من ذي قَبْل.. هَمَسَ بلَحْنِ اعتذار ضَجَّ بين جَنبات رُوحه: والله ما قصدت جرحش.. والله
تَنَشَّقت وبظاهر كَفّها مَسَحت إحْدى الدَّمعات المُشاغبة خَدَّها الزَّهري وهي تُعَقِّب: أدرري.. إنت جرحتني بس ما كان قصدك تجرحني.. أنا تسبَّبت في جرحك لي بغبائــ ـي "عاتبته والعَين تَذرف نَدمًا عَتيقًا للتو يَصحو من سُباته" ليـش حَزَّتها ما صديتني؟ ليش سمحت لي أنجرف معاك؟ ليــش استغليت حبّـي لك عشان تقهر زوجتك وتشعلل غيرتها؟ ليش فيصل؟ ليــــش؟
انْحَنى ظَهره ويداه التجأتا لشعره تنثران بعضًا من ارتباكه.. زَفَرَ بحرارة ناتِجة عن الأوار المُشتعلة لِزَمن داخله قَبْلَ أن يُجيبها باسْتسلام: لأنّي جبان.. خفت أواجه مُشكلتي معاها.. مع جِنان.. خفت من الوَجع اللي مُمكن تخفيه كلماتها.. خفت فيصل الواثق من نفسه ينكسر.. الانكسار شي مُرعب بالنسبة لي.. وإنَّ يكون من جِنان.. فهذا كان صعب عَلَي.. واجد صَعب "وبمرارةٍ من ذاته وعليها" وللأَسف.. بعد اللي صار بيني وبينش.. تقوقعت على نفسي ورضخت لجبني وما حاولت أصَلّح الأمور "تَشَدَّق ساخِرًا من نَفسه" إنتِ كنتِ أشجع مني.. اتخذتين هالخطوة عشان نتفاهم
مَرَّرت عَدستيها على وجهه باسْتغراب لَم يُلاحظه هُو المُشيح بعينيه.. كانت تظن أَنَّهُ على عِلم بقدوم جِنان إليها.. لكن الآن اتَّضحَ لها أَنَّ لا خَبر لَديه. مَرَّرت لسانها على شَفتيها قَبْلَ أن تَنطق بصعوبة والكلمات تَخِز قَلْبها المُنهَك: احنا اثنينا غلطنا.. اثنينا استغلينا هالعلاقة لأمور تخدمنا وتشبع طمعنا.. راحت مننا شهور.. وأنا.. أنـ ـا مو مستعدة إنّي أخسر بعد.. أي يوم زيادة
تَصافقت أهدابه وشَخص بَصره المُتعلّق بكفّيه المُتشابكتين.. اضطربت أَنفاسه وَقَلبه تَحَفَّز لِما بَعد هذه الجُملة.. نَظَرَ إليها ونَبضاته تَملأ دواخله من سُرعة توالدها.. تَساءَل بتردّد يقف على عَتبةِ الأَمل: يَعــني؟
انشغلت في مُقاومة الشَّهقات المُتكوّمة في حَلقها.. مما أَدى لانتصار الغَمام المُتَكتل فَوْقَ عَيْنيها؛ فارْتَطَمت الدَّموع بخدَّيها وهي تُجيب لِتَقطع خَطيئة حُبِّها من رَأسها: يعنـ ـي.. صار وقت.. انفـ ــصالنـ ـا

,

هَرَبت إلى الشقة.. لَم تَسْتطع أَن تَقِف بَعد الذي نَطق به.. أَحسَّت بأنَّها سَيُغشى عليها من رَوْعة الخَبر الذي هَبَطَ عَلى رُوحها كَقَمَرٍ مُنير في لَيْلة مُظْلِمة.. أو كَشمسٍ دافئة بعد عَصْرٍ من جَليد.. أو كمَطَرٍ زلال يَغمر الأَرْض مُنْهِيًا يَبابها. احْتضنت وجهها المُشْتَعِل كَجسدها من شِدّة انفعالها.. دائِمًا ما كانت النار وحَريقها مُوْجعَيْن.. لكن الآن.. الآن هي تَشعر بلذّة هذه النار.. نار تتقد بحماسٍ وتنتقل بين دمائها بمُتعة. أَغْمَضت وهي تَبْتسم بسعادة لا حدود لها وجواها يُرَدّد مع كُل نبضة.. الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله. أَزاحت جِفْنيها بخفّة عندما أَقْبَلَ عَليها. ارْتَعَشَ كَيانها لِحضوره.. فلقد كان هُو.. هُو فَيْصل.. ذاك الذي أَحَبَّته.. وكأَنَّهُ عائدٌ إليها من حَرب خاضها مع ذاته.. حَرْبٌ خَضَعَ في نهايتها مُفْسِحًا المَجال لذاته بأن تُقَيَّد بها.. أكثر وأكثر. ابتسمت إليه ورائحته التي عَطَّرت جَوْفها قبل قَليل ها هي تَمشي إليها معه. تَوقَّفَ أَمامها دُون أن تُفارق عَيناه عَيْنيها.. وقَبْلَ أن تنطق بحرف.. انْحنى إليها مُسْتَهِلًّا القُبلة التي مَنعتها. ابتعدَ بعد دقائق ليُعانق مُقلتيها الهائمتين فيه.. هَمَسَ ببحّته الجذابة ضاحِكًا: صرت أقدر أميّز دموع الفرح
ضَحكَت وهي تحتضن وجهه بكلتا يَديها والدموع بلا إرادة منها تنهمر.. هَمست لهُ بجذَلٍ وسعادة وامِضة: خــلاص.. انتهى التعب؟
أَكَّدَ بانْشراح وأنفه يُداعب أنفها: انتهى التعب حَبيبتي.. انتهى التعب جِناني



مُذ دَخلَ جَرت إليه ودُموع الاغتباط تنسكب على وجهها المُبْتَسِم بفرحة مَبتورة.. احْتَضنته وهي تهمس بكلمات مُرتعشة: شــفــ ـت.. شفت عبّود.. دم عمّـ ـار ما راح هَدر.. دَم حَبيبي بو عبد الله ما راح هَدر.. القاتل بياخذ جزاه.. والدنيا كلها عرفت إنّ عَمّاري مات في سبيل وطنه.. شــفـــت؟
احتضنها بدوره وهو يرد بابْتسامة: اي يا عُمري شفت.. وعزيز اتصل وخبرني.. وقريب راح يعدمون القاتل
أَغمضت ولسانها يَلهج بهَمسات الشُّكر والحَمد لله.. رَفعت رَأسها تَسأله: دريت عن طلال
هَزَّ رأسه: اي.. كلمني رائد.. وأنا اتصلت لطلال وتطمنت عليه
أَبعدها عنهُ قَليلًا وبقي يُحيط كتفها بذراعه عندما اقتربَ منهما والداهما.. سَلَّمَ ثُمَّ أَطْرَقَ لنصف دَقيقة قَطعها سؤال والده: يُبه عبد الله في شي؟
تَنحنحَ مُسْتَعِدًّا لإطلاق قُنبلته التي سَتربكهم.. مَرَّرَ لسانه على شَفتيه قَبْلَ أن يَرْفعَ عينيه ليقول بثباتٍ ظاهري: أنا قَرَّرت أسافر مع زوجتي أمريكا.. باجر الصبح طَيَّارتنا وراح نستقر هناك.. على طول
شَعَرَ بتصلُّب جَسد شَقيقته الذي أَعقبهُ ابتعادها المادي عنه.. لكنّه لَم ينظر إليها.. فهو كان يُصارع مُحاولة انحراف بَصره عن وجه والدته الذي شَحِب.. وَوجه والده المأهول بالاستنكار والذي نَطَقَ بعلو: شنو هالقرار المُفاجئ! خططت لكل شي ورتبت.. واللحين جاي تقولها لنا جذي.. بكل برود.. جنه الشي عادي.. ما جنك بتهاجر لآخر الدنيا من غير حتى ما تشاورنا!
أَخفضَ بصره وهو يَرد بخفوت: يُبه أنا آسف.. مو قصدي أتجاهل وجودكم.. بس أدري إنكم ما راح توافقون لو قلت لكم.. وأنا أحتاج.. أحتاج هالابتعاد
هذه المرة غيداء هاجمته من بين غَصَّاتها المُتراكمة وسط حلقها: ابتعـ ـد.. روح أي مكان تبي لفترة.. لا تشوف رقعة وجوهنا لين ما ترتاح.. بس مو تسافر أمريكا.. لاا وبعد يا ليتها سفرة.. إلا هجـ ـرة!
كَرَّرَ وعيناه تعودان للوالدين: آسف "اسْتطرَدَ" أنا جاي أسلم عليكم
تَمتم والده وهُو يَمسح عن وَجهه آثار صَدمته: لا حول ولا قوة إلا بالله "التَفتَ لزوجته بلومٍ مُبَطَّن" قولي شي يا بلقيس.. قولي شي يا أمّـــه
كانت تنظر لعبد الله باسْتقامة كان انعكاسها انحناء.. وعَيْناها المُتَوَسِّعتان التَمَعَ وَسطهما دَمْعٌ كان يُهَدِّد بالانقضاض على وجنتيها.. لكنّها تماسكت.. بصعوبة بالغة تَماسكت لتنطق بنبرة هَزَمها النَّشيج: خـ ـ ـلاص.. عفتنـ ـا يا عبد الله
ازْدَرَد آلامه ليقول: يُمّـه.. ترى أنا سامحتش.. إذا كان هذا بيريحش.. فتأكدي إني سامحتش
ابتسمت بأسى مُتَهكِّم: بـس على الرغم من سماحك ما تقدر مو بس تشوفني.. ما تقدر حتى تقعد معاي في نفس الديرة
تَراجعَ للخلف خطوة ولسانه لَم يَبرحه الاعتذار: آسـف.. بس ما أقدر.. والله ما أقدر
قالت وهي التي لا وجه لها لتُطالبه بالبقاء: على راحتك.. روح ارتاح واترك وراك عايلة مَذْبوحة
زَمَّ شَفتيه بضيقٍ اعتلج في صدره مع بِحار آلامه.. العَجز يُكَبِّله.. هُو حاديه.. هُو الذي يُقَرِّر عنه.. فلا دَخلَ لعبد الله الذي يُقَدِّس العائلة. حَرَّكَ رَأسه.. نَظَرَ يَمينًا.. لتلكَ الشقيقةِ نَظر.. لَم تَهنأ بفَرحٍ مُسْتَمِر أَبدًا.. ها هَي العُتمة تعود لتطرد ما زارها من ضياء.. عاتبتهُ بالعينين.. أأهون عَليك؟ أتهون هذه الشقيقة الوَحيدة؟ أَقادرٌ قَلْبكَ على فراقها وفراق طَيريها؟ ستحرقني الشَّمس من بعدك أخي.. سَتكويني وسَتُذيب قَلْبي من الانتظار.. أوليسَ أنتَ الظِّلال؟ وعَضُدكَ ذاك، كَيفَ سيواصل الحَياة دون سِوار أصابعي؟ لَم تَكُن بهذا الضعفِ عبد الله.. لا يُليق بكَ هذا الانهزام.. ولا يُليق بكَ غير بياض السَّلام.. لا راية الاستسلام.



ما الأُم؟ رَحْمٌ بسُكنى تسعةِ أَشْهُر؟ رُوحٌ باتّساع أَرْواح؟ أم قَلْبٌ بحُبٍ خُرافي لا يَخضع لأي قاعدة؟ من هي الأُم؟ يُقال الأُم هي التي "رَبَّت" لا تِلك التي "أنجبت".. لكن.. أليسَ هذا إجحافٌ في حَقٍّ تِلكَ التي حَملت جَنينها وَهْنًا على وَهن؟ لكن أَيضًا.. تِلك التي رَبَّت، تَضحياتها لا يَسعها الكَوْن ولا يَسْتوعبها. فإذن.. المُقارنة هُنا قَد تكون مُعَقَّدة وظالمة في أحوالٍ كَثيرة. لذلك يُفَضَّلَ ألا يُسْأل هذا السؤال.. على الأَقل أمام الأُمَّين.. التي رَبَّت.. والتي أَنجبت. بَحثَ عنها كثيرًا.. لِدقائق بَحثَ عنها إلى أَن وَجدها عند المَسْبح.. واقفة عَلى بُعد خطوتين منه.. تَتَأَمَّل سَطحه الشَّفاف وبذراعيها تَحْتضن نَفسها.. وكأَنَّها تَعيشُ شِتاءً نَفسي.. تُصارع لَسعات جَليده بينها وبين ذاتها المُحتفظة بآثارٍ للسعاتٍ سابقة. تَقَدَّمَ إليها.. اسْتَقَرَّ خَلْفها مُلْصِقًا صَدره بِظهرها.. وبذراعيه أحاطها؛ هُو الرَّبيع المُتَعَكِّز على فُتات يَنعه. هي ما أن أحاطتها لَمسته الدافئة وأنفاسه العَطِرة؛ حتى طالتها رَعْشة خَفيفة ذَكَّرت رَئتيها بالتنفس.. فارْتفع صَدرها لتنفذ منه شَهْقة قَصيرة تُشْبه تلك التي تُفارقه بَعد النَّجاة من الغَرق. انكَمشت في حِضنه ويداها تَشُدّان على ساعديه، وبِهَمسٍ لهُ لَحنٌ كَئيب ومُنحنٍ بخَيبة: أَحس إنّي قسيت عليها بكلامي
ضاعفَ من احتضانه إليها يُخبرها بأنَّهُ معها.. سَيسمعها ويفهمها. تَنَهَّدت وهي تُرجع رأسها للخلف ليستند إلى كَتفه.. وذاكرتها تعود بها للساعات الماضية.

،

اللقاء الأوَّل بَعد الحادِثة.. اللقاء الأَول دون أن يُطْبِق على أَنفاس الاثنتين ثِقل وجود سُلطان.. لَم تتسنى لها مُقابلتها في المَشفى بعد إفاقتها من الإغماء.. فبعد أن طَمأنهم الطّبيب.. غادرت مُباشرة برفقة يوسف وملاك.. دُون أن تَسَأل عنها.. عن هذه الأُم.. فاتن. قَبَضَت يَديها فَوْقَ فَخْذيها المُتلاصِقَين.. كانت بحركتها هذه تُحاول أن تُسَيْطر على رَجفتها التي أَبلت حَواسها.. لكن بلا فائدة.. فالرَّجفة تتضاعف ثانية بعد الأخرى.. وكأَنَّ سَماء راعدة قَد احتكرتها. أَغمضت وهي تَشد أصابعها المُحْمَرَّة.. ومن فَمها كانت تنفث زَفرة ساخنة من بين شَعب الزَّفرات التي أَحرقت جَوْفها. ازْدَردت ريقها وهي تَشعر ببخارٍ يَعلو من جَسدها المأهول بالعَرَق.. فَتحت عَيْنيها قَبْلَ أن تَرْفعهما للأُنثى الباكية.. الأُنثى الغريبة.. الأُنثى التي تَتشارك معها بعضًا من ملامحها.. وبعضًا من كروموسوماتها.. دمائها.. ورُبما أمراض وراثية لا تعلمها. هذا من الناحية التكوينية. أما من ناحية المَشاعر.. من ناحية القَلب ونبضاته.. العَقل وأفكاره.. الرُّوح وأحاسيسها.. الذاكرة وماضيها.. الدفء والحَنان والحُب واللطف والقلق والخوف والارْتباط العاطفي.. كُل ذلك يُشَكِّل صَفحات فارغة في كِتاب الأُم.. التي أَنجبت. لا تَشعر ناحيتها بأي شعور.. بأدنى شعور. فَأنتَ إما أن تَحب إنسانًا وإما أَن تَكرهه. لكن أُولئك الذين لا تملك لهم ذاكِرة خاصة في عقلك تحتفظ بلحظاتكم معًا.. ولَم يَسْبق أن تَلَهَّفَت شَوْقًا لهم.. ولَم تَمُت إحدى نَبضاتك في سَبيل الخَوْف عَليهم.. فإلى أي فئة يُصَنَّفون؟ لِفئة الناس الذين لا حُب لَهم ولا كُره عَليهم.. ما يعني أَنَّهم لا شيء.. أي أَنَّها هي.. أُمّها.. فاتن.. هي لا شيء!
نَظَرت لوالدتها التي قالت بمَلق: يُمّه حُور كلمي أمش.. سولفي معاها.. المسكينة جاية تتطمن عليش
أَطالت النظر دون أن تَتحرَّك أهدابها وفي عقلها الأفكار تحوم بشعواء دون أن تلتقط فِكرة واحدة. دقيقة ومن ثُمَّ حَرَّكت عَدستيها لفاتن.. تَطَلَّعت إليها وهي تَتَأمَّل خرائط الدَّمع المرسومة على وَجْنتيها.. عَيْناها الداميتان.. اللتان تُناديانها بهمسٍ مُتردّد.. ورَجفة رُوحها المُتَّضحة في أَنفاسها المُتذَبذبة. رَشَّحت صَوْتها.. حاولت.. فعلًا حاولت أن تُخرِج صَوْتها رَقيقًا.. لكن وعلى الرغم من مُحاولاتها.. ارْتَفَعَ من حنجرتها صَوْتٌ فَج.. لَهُ أطراف جارِحة: أنا بخير.. بس.. أَنـا.. آسفة.. سامحيني.. بـس.. ما أقدر.. أتقبلش بسهولة "شَدَّت يَديها وهي تَرى كيف لُطِمَ وَجه فاتن بصدمة.. لكنّها أكملت بغصّة وعيناها تُرسلان لها نظرات قِلّة الحيلة" أنــ ـا مثلش... كنت ضحية.. بس أنا ما كنت في عمر كنت أقدر أفهم فيه اللي حواليني.. "أشارت لوالدتها" ما استوعبت الدنيا إلا وهذي أمي.. وهي فعلًا أمي.. ما يهمني دمي يتطابق مع دم من.. لأنّي ما عرفت أم غيرها.. وهي ما عرفت بنت غيري.. وثنتينا مارسنا أدوارنا بأحسن صورة.. مشاعرنا كانت لبعض.. ما أقدر في يوم وليلة أحوّل هالمشاعر لإنسانة غيرها. أنا عمري تسعة وعشرين سنة.. وسنين عمري كلها مرتبطة بهذي الأم.. من ناحية ذكريات ومشاعر ومواقف "كَرَّرت" أنا آسفة.. بس ما أقدر أكون لش البنت اللي تبينها.. لش احترامش.. ولش الحق إنش تشوفيني وتكلميني.. وتعامليني بمثل ما تحبين.. بس أنا ما أقدر أقابلش بالمثل.. ما أقدر أمثل دور البنت.. يمكن في المستقبل تنبت في قلبي محبة لش.. بس مُستحيل تاخذين مكان أمي.. لأني ما عرفتش كأم.. إنتِ شخص غريب بالنسبة لي "وَقَفَت وجفناها يرتخيان هَرَبًا من سَطْوة البؤس الذي قَرفص على ملامح فاتن المخذولة.. أَرْدفت ببحّة والدموع تنهمر على خَدّيها بضجيج" أنـا كلش آسفة.. بس ما أقدر.. والله ما أقــ ـدر
ومن ثُمَّ أطلقت العنان لقدميها فارةً من المَجلس؛ كَقاتِلٍ ذَبَحَ الأَمل الوحيد الذي كانت تقتات عليه رُوح أُم ثَكلى.

,

تَقَوَّسَ كَتِفاها من ثِقل جَبَلِ البُكاء الذي حَطَّ فَوْقهما.. ناداها بحَنان وهُو يُمَرِّر باطن يده على ذراعها الباردة: حُور يا عُمري
استدارت إليه بوجهها الصارخ فيه الضَّياع.. ومن بين عَبراتها قالت: أحس إنّي جرحتهـ ـا.. جرحتها يُوسف.. والله.. والله حسيت وكأني رَميتها من السما لين الأرض.. من غير أي رَحمة "أَشارت لنفسها تستجدي تَفَهّمًا" بس أنا ما أعرفهـ ـا.. ما أحس ناحيتها بولا شي.. ولا شــي
احْتَضَن وَجْنتيها بِكَفّيه وهُو يُخفض رَأسه ليُقابل بوجهه وَجهها المُتَوَرِّم من البُكاء.. وبهمسٍ مُطبطب هَمسَ: حُور حبيبتي إنتِ.. لا تفكرين بهالطريقة.. إنتِ اللي سويتيه صح.. كلامش صَح.. وهي أكيد راح تتفهمش.. أكيد راح تنصدم في البداية وبتحس بضيق.. بس بعدها بتتفهم وضعش.. صدقيني.. الغلط إنّش تجبرين نفسش تبحرين معاها في علاقة تدرين إنها جذب ومجاملة وشفقة.. واهني يمكن صدق تزعل عليش لأنش عيشتينها في وهم "احتضنها مُرْدِفًا وكَفّه تَمسح على شَعرها المَسْدول" لا تقسين على نفسش ولا تلومينها.. إنتِ معذورة.. موقفش صعب.. لا تحاولين تضغطين على نفسش خوفًا من إنش تجرحينها.. ولا تحاتين "ابتسمَ بحُب هامِسًا بعذوبة" حُور أَرَق من إنها تجرح أحد "أَبعدها قَليلًا ليُعانق عينيها بعينيه ناصِحًا بلُطف" إنتِ اللي عليش حبيبتي إنش تمشين خطواتش بهدوء.. خطوة بخطوة.. لا تستعجلين مشاعرش.. أكبر خطأ إنش تطالبين مشاعرش بفوق طاقتها.. النتيجة جدًا سيئة.. واهني احتمالية الجرح تكون كبيرة
هَزَّت رَأسها وبحديثه هذا استوعبت أَنَّهُ قَبْلَ أن يَنصحها، كان يُعرّي ذاته التي أَرْداها ضياع المشاعر حتى اضطربت. أَخذت تَمسح دُموعها وهُو ساعدها بيديه.. قالت وهي تُشير للمنزل: خلنا نرجع البيت
هَزَّ رَأسه وأحاطَ كتفيها ليمشي معها للداخل.. ضَرَبَ على جَبينه وكأنّه تَذَكّر: نسيتيني شنو كنت أبي أقول
التفتت إليه مُتسائلة: شنو؟
ابتسمَ بسعة: ملاك وافقت على محمد والليلة العقد
شَهَقت وقدماها توقفتا عن المشي وهي تهتف: احـــلف
ضحكَ: والله.. بس عاد من غير عرس ولا فستان
تَهَدَّلت ملامحها بإحباط: ليــــش عاد
ارْتَفعَ حاجبه وابتسامته تَميل: أحس إن السالفة عنـــاد
عَقَّبَت بغيظ: ما تكون ملاك إذا ما عاندت



يَدهُ قابضة عَلى جانِبَي المَقعد بقوَّة نَفَرت بسببها عُروقه واحْمَرَّت منها مَفاصله.. كان يَضغط على مَسْنَدي الذراع وعَيْناه تُحَدِّقان في ساعده وجُملتها الأخيرة تَطِن عند أَذنه.. تَنخر في رأسه.. وتَلْتوي كحِبال حَوْل قَلْبه. أَغْمَضَ وهُو يَكِز على أَسْنانه لِيَظهر لهُ من خلف سِتار عَيْنيه وَجهها والدَّموع تُبَلِّله.. ارْتَجفَ فَجأة وَوجْهي طَيْراها يُباغِتانه.. نَظرة والدته الكَسيرة.. وخُطوط التَّعب المَحفورة على جَبين والده. أَبهذه البساطة يَتخلى المَرْء عن عائلته؟ أَبهذهِ البَساطة يَتَمَكَّن من أَنفسنا النُكران؟ نُكران تِسعة أَشهر وسنين من الصَّبرِ على التربية.. نُكران ليالي السَّهر وساعات الخَوْف من خَطَرٍ أو مَرض! ما بِكَ عبد الله؟ ما بِكَ سَلَّمتَ حَياتك لِيَدِ ريحٍ عابِثة؟ كَيْف اسْتَطَعت أَن تنحني للاستسلام بكُل سهولة؟ بل كَيْفَ سَمحت للاستسلام بأن يَهزمك! أَيُعَقَل أنَّ هذا أنت؟! عبد الله الذي لو سَقَطَ لَاتَّكأ على الأَرْض وهي مأهولة بأشواكٍ مُعَرْقلة ونَهض.. يَمسح الدَّم ويَمضي في طَريقه واليَقين في قَلْبه يُوَجِّهه لخلاصٍ أكيد.

: عبد الله شفيك؟

التَفَتَ بجانب وَجْهه ناحيتها وهي سَألت من جديد بقلقٍ من ملامحه: شفيك عبد الله؟ وجهك مو طبيعي!
لَم يُجِبها.. هُو أَخذَ يَتَنَقَّل ببصره على الرُّكاب الذين إلى الآن يَدلفون للطائرة باحثين عن مقاعدهم.. أَلقى نظرة على المُضيِّفات المُهتمات بالتنظيم.. قَبْلَ أن يَنظر لزوجته الحائمة حَوْل ملامحها علامات الاستفهام. وَجَّهَ بَصره للأمام ويَداه تُضاعفان من قَبْضهما.. قَبْلَ أن يَرْتفع صَدره كاشِفًا عن استنشاق عَميق أعقبهُ زَفيرٌ أعمق.
نادته: عبد الله!
وَثَبَ واقِفًا وهو يَنطق بكلمة واحدة: قومي
علا حاجِباها بتعجّب: شنــو!
كَرَّر وهُو يَلتقط حقيبة الظهر من الخزانة العلوية: قومــي
تَساءلت وهي التي لَم تفهم: ويـــن!
بجديَّة تامة أَرْهبتها وأجبرتها على الارتجاف داخليًا: راح ننزل.. خلاص ما في سفر
جاءت لتطلب تَفسيرًا لكنّه أَمسك بيدها وأوقفها لِيَجرّها من خلفه دون نقاش. وعند باب الطائرة حَدَثت مُشادات بينه وبين المُضيفة ومُساعد قائد الطائرة إلا أَنَّه استطاع في النهاية الفرار إلى الخرطوم حتى خَرج إلى قاعة المطار.. لَم يَسأل عن الحقائب ولَم يفَكِّر فيها حتى.. كان فقط يُهرول وهي من خلفه.. يَدها في يَده.. وقدماها تُحاولان ألا تتعثران من مَشيته السريعة. هُو كان يَمشي وكأنَّهُ سَهمًا يَطير إلى هَدفه.. إلى موطنه.. إلى عائلته.. إلى أصْله. كان سَيُسافر هَرَبًا من سَطوة الوَجع الذي استحكم منه.. وللتو.. وهُو على مَقعدِ الطائرة.. اسْتوعبَ أَنَّ بسفره أو بهجرته؛ هُو سَيسْلخ ذاته عن انتمائها.. أَي أَنَّهُ سَيعيش بين غَياهب وَجَعٌ أزلي.



تَلَفَّتَت وهي تَتَفَحَّص بعينيها المَساحة الشاسعة التي أَرْكَن فيها السَّيارة.. رَنت إليه بشكٍ يَملأ عينيها، والجواب يَعترك في حَلقها إلا أَنَّها أرادت أن تتأكَّد: هذي.. أَرْضك؟
ابتسمَ ويَداه تَنخفضان عن المِقْود، وبهمسِه المَبحوح أجاب: لا
عَقَدت حاجِبيها وهي تُدير النظر من جديد إلى المكان، قَبْلَ أن تعود إليه وباستنكار: بس نفس المنطقة!
هَزَّ رأسه بالإيجاب: اي صح.. بس هذي مو أرضي "وابتسامته تتسع لتصل إلى عَيْنيه لتلتمع وسطهما" هذي أرضنا كلنا.. أنا وإنتِ وجَنى
ضَحكَت وهي تستوعب مقصده: أعترف إنّك خوفتني وخليتني أتحبط شوي.. شكيت إنّك بعتها من غير ما أدري
ضَحكَ: ما استخفيت للحين
جَنى التي كانت تتكئ بساعديها على مَقعديهما تَساءلت: بابا يعني هذا بيصير بيتنا بروحنا مالنا؟
أَكَّد: ايــه حَبيبتي "ونبرته يَغمرها التشويق" وراح تكون غرفتش كبيـــرة.. أكبر من الغرفة اللي في بيت بابا ناصر
اتَّسعت عيناها بانبهار وحماس وعقلها البريء بَدأ يُصَوِّر ويَرسم لها شكل هذه الغُرفة الكبيــرة. نَظَرَ لِجنان المُطْرِقة وكَفُّها مَبسوطة على بطنها.. سَألها: في شنو تفكرين؟
رَفعت بَصرها إليه وابتسامة يُشاكسها اللهو أمالت شَفتيها، قالت والمَكْر في نظراتها: تراك بعد غلطان "أكملت وهي ترى عُقدة حاجبيه" الأرض.. أو البيــت.. بيتك وبيتي وبيت جنى "ضَغطت على بطنها" وبيت الحلوة اللي اهني
ارْتَخَت ملامحه وتَجَمَّدَت عدستاه على بطنها.. أما جَنى فقالت بتفكير: الحلوة؟ يعني بنية "شَهقت بفرحة عارمة وسؤالها يَعلو" مــامــا يعني البيــبي بنيــة؟
ضَحَكت لفرحتها وحماسها وهي تؤكد: اي ماما.. البيبي بنية "لَوَّحت أمام وجه فيصل الساكن" شفيــك يا الأخ.. وين رحت؟
أَرْجع الصوت في حنجرته قبلَ أن يُجيب ببحَّة مُتضاعفة: قاعد أحاول أستوعب
نظرت له بطرف عينها: وهــا.. استوعبت ولا للحين؟
عَضَّ على شَفته السُفلية وهُو يُضَيِّق عَيْنيه ويَهز رأسه.. اعْتلت ضحكتها من ردة فعله وجَنى تُشاركها الضحكة دون أن تفهم شيء.. سَخرت منه من بين ضحكاتها: كَسرت خاطري
عَقَّبَ وكُلِّه يَبتسم.. لَيس فقط شفتيه: اي اضحكي اضحكي.. أنا اللي الله يساعدني "قَرَصَ ذراعها مُوَبِّخًا بمُزاح" كفاية إنتِ وجنى لاعبين بقلبي لعب.. بعد بتجيبين وحدة ثالثة تعاونكم؟
ضَربت يده ثُمَّ مَسحت على مكان فعلته وهي تقول: شدخلني أنـا! إنت اللي تحدد إذا كان بنت لو ولد
ضَحكَ والسعادة تتداعى لتستوطن عينيه وملامحه: أدري أدري.. بس جنان وحدة ويا الله قادر أستحملها.. شلون لو كان منها نسختين؟ شناوية على قلبي؟
رَفعت ذقنها تتصنع الغرور: أبيك تهيم فيني أكثر وأكثر
تَنَهَّدَ ومشاعر طفولته، مُراهقته وشَبابه تَسْتريح وللمرة الأولى بين كلماته بجُرأة وعَفوية: والله هايم يا بنت الحلال.. من زمان هايم.. من زمــــاااان
هَمَسَت ونَبضها يَتسربل بثوب الحُب المُطَهَّر من خطايا الماضي: أحبــك
شاركتها جَنى: وأنا أحبك بابا
ضَحكَت جِنان وهُو ضَحك وذراعيه تحتضن الاثنتين: وأنا أحبكم وأحب جِنان الجديدة
ارْتَفعَ حاجبها: خلاص يعني قررت يكون الاسم مُشتق من اسم جِنان؟
ابتسمَ وبثقة تَهواها: طَبــعــًا.. لأن جِنان هي الأَصل
تساءلت والخَجل يَرْوي خَدَّيها: ومن متى وهي الأَصل؟
لَم يُجِبها، هُو حَرَّكَ عَينيه لابنته طارِحًا عليها سؤال: بابا جنى.. لو ماما جِنان كانت شَجرة "وهو يَبتسم" مثلًا شجرة توت.. وأنا أَرضها.. تتوقعين من متى وهي تزرع داخلي؟
أجابت بعدَ تفكيرٍ عَميق: من أول ما الله خلقها
اتَّسعت ابتسامته وهَمس مُسْتَفسِرًا من جِنان: أقنعش الجواب؟
حَلَّقَت من جَواها تَنهيدة أوزعت بين أوصالها رَجفة لَذيــذة.. هَمست بابتسامة أَوْشَت بمكنون قَلْبها: مقتنعة من زمــاااان



يتبع

 
 

 

عرض البوم صور simpleness   رد مع اقتباس
قديم 03-02-20, 02:15 PM   المشاركة رقم: 1317
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو راقي


البيانات
التسجيل: Aug 2015
العضوية: 300973
المشاركات: 620
الجنس أنثى
معدل التقييم: simpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 475

االدولة
البلدBahrain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
simpleness غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : simpleness المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقِ امْرَأة / بقلمي

 



الصَبابة تَزداد ساعة بعد ساعة.. يَعتقد أَنَّهُ سَيموت من فَرْطِ شَوْقه إذا انقضت ساعة أُخرى دون أن يَراها.. نعم هُو مُشتاقٌ إليها كَثيرًا.. لا يستطيع أن يَنكر ذلك.. ادَّعى تَجاهلها في الأَيام الماضية.. فَقط ليَسْتفزها.. لكنَّها لَم تُكن تُقابله إلا بابْتسامتها الناعمة.. وهَمسات عَيْنيها التي تُقسم لهُ في كُل لحظة أَنَّها تُريده.. تُريده فعلًا هذه المرة.. هُو بَسَّام.. بغض النَّظر عن ماضيها وعن التباسات رُوحها. زَفَرَ بإرهاقٍ نَفسي وَجسدي وهُو يَحشر المفتاح في القفل.. لَم يَنعم بنومٍ مُتواصل مُذ عادت إلى الشقة.. حتى وهُو مُعتكف في أريكته السُّهاد لَم يَبرحه.. يَجثم فَوقَ جِفْنيه لِيُوهمه بأنَّه مُسْتَعِد لِموته الأَصغر.. لكن ما إن يغمض عينيه.. حتى تنهال عليه الأَفكار والأسئلة والمواقف وَوَجْهها.. وآه من وَجْهها.. فاكِهة ماضيه وحاضره المُحَرَّمة. دَلفَ للشقة المُتَّخِمة بالسّكون.. الأَضواء جَميعها مُغلقة عَدا ضَوْء واحد في غرفة الجلوس. خَطى نَحو غرفة النوم.. دَفعَ الباب المَرْدود وعدستاه تتحركان على أَرجائها بتفحّص.. السرير فارغ.. وسرير طِفله أيضًا فارِغ. تَفَقَّد دورة المياه ولا أحد.. وقَبْلَ أن يخرج من الغرفة ألقى نظرة على خزانة الملابس.. ملابسها كانت هناك.. كما كان هاتفها يَسْتريح على منضدة السرير. إذن لَم تعد لمنزل والدها.. مَسَحَ على صَدره مُهَدِّئًا رَوْع قَلْبه.. لا تنسى بَسَّام.. لا تنسى أَنَّها تُريدك كما تقول. بَحثَ في الغرف الأخرى وفي دورة المياه الخارجية.. وكذلك لَم يَجِدها. اسْتَقامَ جَسده ويداه تُحيطان خصره.. بانت وَسط حاجِبيه عُقدة تَدِل على استغرابه من اختفائها.. قَبْلَ أن تتهدَّل ملامحه بإنكار.. تَعَلَّقَ بَصره بباب مكتبه المُوْصد.. لا مُستحيل.. مُستحيــل.. لا يُعْقَل أَنَّها هُناك.. ليس لها عَمل في مَكتبه.. كما أَنَّهُ لا يَسمح لها بدخوله.. لا يُريد لخباياه أن تتعرى أكثر أمام غرورها. أَسْرَعَ الخُطى ليفتح الباب بقوّة وَعَجل حتــ ـ ـ... يا إلهي! ارْتَفعَ صَدره بحركةٍ واحدة نَتَجَ منها استنشاق عَميق لكُل هواء الغرفة.. ولَم يَنخفض بعدها.. كما لَو أَنَّهُ حَبَسَ الأنفاس قِسْرًا لِتُعينه على احْتمال هذا الوَجع.. الجَميل.. الجَميــل جدًا! لا تزال يَده مُتَشَبِّثة بالمِقْبض إلا أَنَّ الرَّجفة كانت قد تَمَكَّنت منها لتمضي إلى باقي جَسده المُتصلّب. ابْتَسَمت بتلعثم وهي تُحكم من مسكتها لصغيرها الذي استنفرَ مُذ دَخل والده.. قالت بنبرة خَفيفة: أأ.. أدري.. أدري تستاهل أكثر.. بس هذا اللي قدرت عليه
لَم يُعَقِّب.. لَم يَنبس ببنت شفة.. ظَلَّ على جموده وبَصره لَم يُفارق وَجْهها الذي تَصبغه حُمْرة شَهِية.. تناسقت مع المساحيق الخفيفة جدًا التي كانت تتزين بها. أَشارت للصغير برأسها: ترى يبيك.. شوفه شلون ميّت عليك
أَخيرًا تَحَرَّك مؤكِّدًا على بقائه حيًّا.. تصافقت أطراف أهدابه بالتوالي مع انتقال عدستاه لطفله.. وانخفضَ صَدره مُسَرِّحًا الزَّفرات. تَرَكَ المِقْبض ثُمَّ زَحَفَ بقدميه ببطءٍ شديد ثُمَّ تَوقف.. مُتَردّد وخائف.. خائف منها عَلى ذاته.. يَكفي ما في ذاتي من حُب يا حَنين.. فلا قُدرةَ لي على سَكَرٍ جَديد.. يُعْمي بصيرة القَلب ويُذْهِب رَجاحة عَقلي.
نادته وأمارات الألم تُشاغب سَلام ملامحها: بسّام تعال له الله يخليك.. للحين ما تعودت أوقف لمدة طَويلة
أنهت جُملتها ثُمَّ مالت بتعب وهي تتمسّك بالمقعد الجانبي للمكتب بيد.. والأخرى تشد بها على طفلها. هُو اسْتوعب حالها فهرولَ إليها والتقطَ الطفل بذراع وأحاط خصرها بالأخرى. كان سَيُجْلِسها لكنّها تَمَسّكت بساعده: لا أبي أوقف.. بس خل ايدك عشان أستند عليها ويخف الحمل اللي على رجولي
أَطاعها بصمت وظَلَّ مُمسِكًا بها.. كانت قَريبة جدًا.. وجهها قَريب.. عيناها قَريبة.. أنفاسها قَريبة.. وعطرها قَريب. بصعوبة استطاع أن يُشيح عنها دون أن يَتأمَّلها على هوى قَلْبه.. ابتسمَ لطفله الذي ضحك بسعادة بريئة وهُو يَشد أنفه البارز إليه بكفّه الصغيرة.. ضَحكَ بخفّة وهُو يُبعدها عنه ويَخفضها لفمه ليُقَبِّل باطنها.. ارْتَفعَ حاجباه وابتسامته تَميل بإعجاب للبذلة السوداء الرسمية التي كان يرتديها.. أنيق جدًا هذا الحُسين.

: شرايك فيه؟ "وبتردّد" وفينـي؟

تَقَلَّصَت الابتسامة وانطَفأ الوَميض الرَّهيف الذي كان للتو يَعْبر سَماء مُقلتيه.. وَجَّه العدستين إليها.. حاولَ وبجهد استطاعَ أن يُعرّي صَوته من قلنسوة الدفء ليهمس بسؤال: ليـش؟
والحيرة تنتثر على ملامحها والضيق يَلتهم صَوْتها: لأنّي ما أدري شلون أراضيك.. ما أدري شلون أعوضك! فاتني وقت المُراضاة ووقت العِوض.. وأنا اللحين ما بيدي شي أسويه يخليك تصدق إنّي تغيرت، إنّي أبيك.. بس أعرف.. أعرف إنَّ البداية الجديدة تحتاج بياض.. تحتاج صفحة بيضا "ابتسمت بخفّة وبنعومة أكملت" تحتاج فستان أبيض
ارْتَعَدت دواخله ولوهلة شَعر بأَنَّهُ سَيُغشى عَليه.. لماذا تُحادثه هكذا، كما تُحادث الجنة ساكِنيها؟! وهي.. هي كانت الجَنَّة.. وهذا الشلال الأبيض المُنهمر على جَسدها يَرْوي عَطشه.. والله يَرْويه.. كان فُسْتانًا حَريريًا أنيقًا وبَسيطًا.. يَنسدل مُبرِزًا أنوثة جَسدها الذي يَحفظه عن ظَهر قَلْب. كانت حُورية.. مَلاكًا.. حَمامة بَيْضاء تنتظر منهُ جَناحين. التَفَتَ لابنه الذي كان مشغولًا بالعَبث بقُبّة قَميصه، ثُمَّ عادَ إليها.. إلى وَجْهها. ازْدَرَد ريقه بصعوبة وهو ينتقل بين ملامحها.. حاجبيها مرسومَيْن بدقّة كما خلقهما الله.. عيناها يَحْتويهما كُحلٌ أدعج سَمحَ لعَسل عَدستيها أن يتبختر بصفائه.. أنفها الصغير.. خَدَّيها المُزهرَين.. وشَفتيها المُرَصَّعتين بلونٍ زَهري فاتح. شَعرها كانت قَد ثَبَّتت جانبه الأيسر بمشابك ذهبية ناعمة جدًا.. وجعلت الجانب الأيمن يَتأرجح إلى أن يُلامس كَتفها وجزء من ظَهرها. لا يعتقد أَنَّهُ رَأى شَعرها وهو بهذا الطول من قَبْل.. يُليق بها جدًا... وخصلاته أَيْضًا مُغرية جدًا.. لذلك تَركت ذراعه خصرها لتعلو يده إلى شَعرها ليتخلله بأطراف أصابعه.. وقَبْلَ أن ينجو بنفسه من حُسْنها.. التقطت يَده.. احْتَضنتها بكلتا يَديها وبرقّة قطرات النَّدى أخذت تُقبِّل باطنها.. من أعلى أصابعه حتى رِسْغه. ناداها بصوتٍ أَجِش اخترق حجرات قلبه ليهمس: حَنيـــن.. ما أقدر أتحمل هجر جَديد
شَدَّت على يده بَحْنو امتصتهُ عروقه وهي تنطق بصدقٍ تَجَلَّى في عينيها: ما راح يكون في هجر.. صدقني بسام.. لأنّي أنا بعد تعبت.. عرفت إن هذي مو حياة.. العناد والغرور كله ما يفيد.. الحياة تنازلات.. والغرور مثل ما قلت ضعــ ـف "أَغمضت ببؤسٍ والضجر يُعربد أسفل عينيها" وأنا تعــبت.. تعبت من الضعف.. ما أبي أتنكر خلاص.. خلني أتعرى قدامك.. خلنــي.. لأني أدري إنّك راح تتقبلني مهما كانت نواقصي "أَبْصَرت ليَرى ملوحة الدمع وهي تَغشى عسلها.. وبابْتسامة هَمست" وتقبّلك هو اللي راح يقويني وبيخليني أتغير للأفضل
رَفَعَ حاجِبه يَتصنع الإشاحة بذاته عن اعترافها العَذب: يعني أفهم من كلامش إنش تبينا نستمر عشان نفسش؟
اتَّسَعت ابتسامتها وحاجبها يُنافس حاجبه في الارْتفاع، همست له وأصابعها تُداعب شعيرات ذقنه: ترى فاهمتك ها.. تبي تستفزني بكلامك عشان تنهي النقاش واتأجل السماح "حَرَّكت رأسها كطفلة رافضةً خِطّته" بس هالمرة لا.. ما في خلاص إلا إذا أعلنت سماحك لي "قَبَّلت ذقنه بخفّة ثُمَّ تنهدت بوله قَبْلَ أن تهمس وعيناها تهفوان لعينيه" وحشتني بسّام.. والله العظيم وَحشتني.. مــ ـآآآه
أَغْمَضت عَيْنيها مُتَوَجّعة من يَد حُسين التي قَبَضت على خصلاتها ليَشَدّها بكامل قوّته.. اتَّسَعت عيناها عندما اعتلت ضِحكة بَسّام وكأنّهُ يَتشفى بها.. قالت بقهر: بدل لا تضحك شيل إيده عن شعري.. بيقطعــــه
رَفَعَ حاجبيه قائِلًا باسْتمتاع: خلـــه.. ياخذ حق أبوه منش
بنبرة بكاء: حرام عليك بسّــام والله يعوّر "تَمَسَّكت بكف طفلها بكلتها يديها تُحاول أن تُطلق سراح خصلاتها وهي تتوسّله" ماما حسّون حبيبي إنت.. عمري ماما هدني.. هدني حبيبي.. حسّووون
لكن الطفل كان يَشد أكثر وهي التي لم تعد تتكئ على بسّام تقهقر جسدها فسقط بتعب على المقعد؛ لينحني بسام ناحيتها بسبب يَد حُسين الرافضة فكّها. ارْتَفعَ صوت قَهقهته على طِفله الشرس وهي وَبّخته: بسّــام لا تضحك وتخليه يضحك.. بعدين بيحسبها لعبة وكل مرة بيسويها
عَضَّ على شفته يُحاول كتم ضَحكته.. فلقد أشفقَ عليها.. وجهها احتقن وعَرُق من مقاوماتها. أمسك بيد ابنه.. وبصعوبة استطاع أن يُفرّق أصابعه عن شعرها دون أن يؤلمه. تَنَفَّسَت الصّعداء وبسرعة أخذت تُمَسّد رأسها الذي كان ينبض من الألم.. نَظَرت لصغيرها وهي تُثني حاجبيها بزعل.. وبعتاب طفولي: جذي حسّون تسوي في ماما؟ هذي جزاة الحمل والسهر والرضاعة؟
ضحكَ الصغير وكأنَّها كانت تُلاعبه.. ابتسمت إليه وهي تهز رأسها من شقاوته.. لكن ابتسامتها ذَوت عندما هَمسَ بسّام وعيناه تتأمَّلان بعض من خصلاتها المقطوعة وهي بين قبْضة حُسين: يمكن كان يبي يحتفظ بذكرى من شعرش.. جديلة، تحتويه في ليالي شوقه
رَدَّت بذات الهمس وهي تنظر له من مكانها: هذي هي بكبرها عنده.. خل يرحم روحه ويطفّي نيران شوقه
ابْتَسمَ بإحباط: يخاف بعد ما تنطفي ما يلقى غير الرماد
أكَّدت: راح يلقى أكيد.. الحياة تتطلب جذي.. شوية رمادية.. وشوية ألوان
تَقَوَّست شَفتاه بتقييم قَبْلَ أن يُعَلِّق: أشوف صرتين واقعية
مالَ رأسها وهي تبتسم بجذل: الواقعية أريح للروح وللقلب وللعقل بعد "ضَيَّقت عينيها وهي تُكمل" بس ما يمنع إنّي أحلم شوي
اسْتَفسَر باهْتمام ونبضه يَقِف على العَتبات مُتَرَقِّبًا: وشنو حلمش؟
تَأمَّلتهُ لثواني قَبْلَ أن تتمسك بذراعي المَقعد.. ضَغطت على نفسها ووقفت وهُو بعفوية أحاطها بذراعه.. اقتربت وهُو أَيْضًا اقترب.. أرْخت كَف على كتفه.. وكَف على ظهر ابْنها، ثُمَّ هَمست والرَّجاء حادي نظراتها: إننا نستمر.. أنا وإنت.. نترك كل شي ورا ظهورنا ونبتدي حياة جديدة.. حياة بيضا مع ولدنا.. مو بس عشاني وعشانك.. عشان ولدنا بعد "وبنبرة منخفضة عَبرت من بين شِفاه مُبتسمة" وعشان بعد.. أولادنا الجايين
مَسَّ زاوية شَفته بطرف لسانه خافيًا ابتسامته.. تنحنح ثُمَّ سَألَ: تبين بعد عيال؟
هَمْهمت بالإيجاب ثُمَّ أفصحت: أتمنى الله يرزقنا بولد أو بنت بعد.. ما أبي حسّون يعيش وحيد.. مثلي
هَمَسَ ويَده تُدنيها منه: فكرة مُغرية
تهجت حُروف اسمه: بـَسّـَام
رَدَّ وهُو يُبعد خصلاتها عن خَطر ابنه: نعم
بخجل قالت وهي تُرْخي طَرْفها: أدري إنّك سامحتني.. لأنّك أحن مني عَلَي "ناظرته بتوسّل" بس الله يخليك قولها.. أبي أسمعها عشان يرتاح قلبي
كَشَفَ عن تنهيدة تمازجَ فيها حبه الطاغي باسْتسلام ذاته.. نَثَرَ على جبينها قُبلات خَفيفة ناعمة ومُتلاحقة؛ قَبْلَ أن يَهمس: على إنّي أبي قلبش يتعذب زيادة عشان يمكن يذوق اللي ذقته.. بس ما عليه.. بريحه "أَلْصَقَ جبينه بجبينها.. استنشق كلاهما عِطر الآخر لتتبادل رُوحيهما الروائح.. ثُمَّ هَمَسَ بِجُل وجوده" مَسْموحة.. مَسْموحة يا كِــل بسّام



نَظرت للمكان من خلف زُجاج النّافذة.. سَألت وهي تلتفت إليها والاستغراب يَتّضح على ملامحها: ليش جايين اهني!
ابتسمت وبتحفظ قالت: انزلي وبتعرفين ليش "مَرّرت عدستيها على وجهها بشك فكرّرت بضحكة" انزلــي
نزلت من المركبة ووقفت دون حَراك تتأمّل المبنى الضخم والمألوف لذاكرتها.. قالت وهي تُلاحق الناس المُتجهة لإحدى القاعات: ما سمعت إن في معرض هالفترة "أردفت وكأنّها تذكرت" أووه لحظة.. جنه اللحين موسم معرض الحدائق؟
هَزّت رأسها بالإيجاب على عَجل: اي اي معرض الحدائق "أشارت للأمام" امشي خل ندخل
ابتسمت بخفّة وهي تخطو وتقول: مع إنّي ما أحبّه وما أحب أجواءه المُملة.. بس ما عليه.. يمكن أشوف شي "أَفصحت عن تنهيدة كَئيبة قَبْلَ أن تُضيف" وبعد تغيير جو.. يمكن أنشغل شوي عن هم عبد الله وسفرته
ارْتفعت زاوية شَفتيها بابتسامة خَبّأت سِرّها وهي تُعَقّب: بتشوفين أشيــاء مو بس شي
ضَيَّقت عينيها: ترى أنا مو مرتاحة لهالطلعة جميلة
سَكتت دون تعقيب أو تعليق على جُملتها.. وعندما عَبرتا البوَّابة التي تُفضي للقاعة الكَبيرة المُمتلئة بالزّائرين؛ تَباطأت قدما غيداء حتى توقفتا عن المشي.. لتقف بكامل استغرابها تُوزّع نظراتها على المكان.. التفتت لصديقتها بتساؤل.. فعَضَّت جَميلة على شَفتها السُفلية وكأنَّها في ورطة قَبْلَ أن تقول بحذرٍ تقتطعه ابتسامة: هذا المعرض السنوي.. للفنون التشكيلية
ارْتَفعَ حاجِباها بمُفاجأة وهي تعود ببصرها إلى المكان.. اللوحات مُنتشرة بطريقة احترافية ومُريحة للعين.. الناس كثيرون ولكن الهدوء يُزَيّن وُجودهم.. الألوان وتصميم المكان يَتناسق مع أفكار عقلها الفنانة.. المكان ببساطة كان يُليق بأجواء غيداء المُميزة. لذلك التفَتت لجميلة بابْتسامة واسعة وهي تستنكر: ليش ما قلتين لي من البداية إن بنجي اهني!
زَفَرت بارْتياح من الابتسامة وأجابتها بصدق: خفت ما توافقين
عُقدة خفيفة: وليش ما أوافق.. أحب هالأشياء أنا
هَمْهَمت قَبْلَ أن تُفْصِح بتردّد: لأن احنا مو بس جايين جذي
وهي التي لم تفهمها: يعني شنو؟!
أمسكت بساعدها لتجرها خلفها: تعالي
تَبِعَتها وعلامات الاستفهام تطفو فوق رَأسها.. حاولت أن تُحَلّل الجملة التي نطقت بها لتفهم معناها ولكنّها فَشِلت.. وهُناك.. أمام تلك اللوحة الخاصة.. أمام لوحتها.. تَهَدّلت ملامحها بصدمة فَغرت منها فاهها. تَسَمَّرت عيانها على لوحتها التي رَسمتها في الذكرى الثانية لوفاة زوجها الحَبيب.. عَمَّار. لوحة كان لها شِقّين.. شق عُلوي.. وآخر سُفلي.. وكانت ذراع لرجل مجهول تُشغل الشق العلوي ومن بين أصابع يديه الخمسة قَد نَبتَت أشجار بأوراقٍ مُخضرة.. كانت تلتقط ثمارها يَد الذراع الأنثوية المُمتدة من الشق السفلي.. وهذه الذراع الأخيرة.. كانت تُحَلّق حول رِسْغها حَمامتَان لهما لونٌ أبيض مَلائكي. تَقَدّمت بانشداهٍ وانغماسٍ تام في تفاصيل لوحتها.. تَوقَّفَت أَمامها.. رَفعت يَدها المُعرقلة اتّزانها رَجْفة الموقف الغريب، الأَشبه بحُلمٍ بَعيد.. وبلُطْفٍ ولينٍ وبحنانٍ لَم يُنهه الفِراق.. ولَم يَهرمه الزَّمن؛ مَسَّت بأطراف أناملها ذراعه.. وبخفَّة مرَّرتها عليها حتى لامست أصابعه.. وكأنّها فعلًا أصابع حَبيبها. شَرقت بشهقتها.. وانتفضت وسط عينيها دمعتان.. اضطرت أن تحبسهما بين أجفانها.. فلا المكان ولا الزمان ولا الأشخاص مُناسبين. استدارت لجميلة التي نادتها بهمس: غيداء "أحاطت عُنقها ببطاقة تحمل اسمها وهي تُوضّح بذات الهمس" هذي عشَان تدل على إنش مُشاركة
عَقَدت حاجبيها وهي التي لا يزالَ وعيها مُغَيّب من سَكرة اللحظة: شنــو!
أشارت بطرف عينها للتي كانت تقترب من مكان وقوفهما: إنتِ مشاركة في المعرض.. وهذي اللي جاية أستاذة خلود.. وحدة من لجنة التحكيم "تراجعت للخلف ببطء مُردفة باعتراف" وترى هذي فكرة عزيز من البداية "لوَّحت بيدها وابتسامة واسعة استفزت غيداء تشد شفتيها" بـــاي
أسرعت تُناديها وهي تشعر بأنّها هوت بها في مأزقٍ وهربت: لحــظة جميــلة
كانت ستتجه إليها لتوبّخها.. لكن المرأة التي قابلتها اضطرتها للتراجع.. تسارعت نبضاتها بتوتّرٍ وهي تشعر بموجة حارة تصفع جلدها البارد.. اقشعرَ جَسدها من الرّبكة عندما سَلّمت عليها المرأة.. شَدّت من قَبْضتيها وفي داخلها تُحاول التّشبث بما بقي من ثقتها المُتكوّرة على نَفسها لزمن.. واستطاعت فعلًا أن تتزن وبقت واقفة معها تتناقشان حول اللوحة ومفهومها. وعلى الجهة الأخرى كانت تُراقبها جميلة بسعادة عارمة وهي تلتقط صورًا لها أثناء تحدّثها مع المُحكّمين ومع متذوقي الفن والهواة.

: ها.. شنو الأخبار؟

أَخفضت الهاتف وهي تنظر إليه وابتسامتها تكاد أن تصل إلى رَأسها.. ضَحكَ وشاركته الضحكة وهي تقول مُبَرّرة: شسوووي.. مستااانسة "أشارت لغيداء" شوفها شلون
ابتسمَ وهو يعود ببصره لتلك التي كانت تُجاهد ارتباكها الواضح في حركة يديها العشوائية.. وفي الخَجل المُرتوي منه خَدّيها. التَقَت عَيْناها بعينيه.. لَم تُشِح.. فأومأ لها بتحية.. فَرَدّت هي بنظرة تنطق امْتنانًا وحبور.. نَظْرة أَرْضت ذاته ورَفرفت من أجلها نبضاته براحة عَميــقة.

: يا ليتك خطبتها

ابتسمَ وهو يرنو إليها، وبحاجبين مرفوعين قال: ما أبيها
انكمشت ملامحها من ردّه الجلف: تراك ما تستاهلها
ضَحكَ: شُكرًا.. وأدري إنّي ما أستاهلها "عَقَدت حاجبيها وهو أكملَ بإسهاب وبصره يعود لغيداء" ما يستاهلها إلا اللي ملك قلبها وروحها وتفكيرها.. وما في غير عمّار الله يرحمه.. أنا ما أنكر.. تمنيتها لي بعد ما قابلتها.. وكل مقاوماتي قدّام أمي كانت تمثيل.. بس كان هذا المفروض اللي يصير.. لأنها وفيّة لزوجها.. وفيّة لحُبه ولذكراه.. وأنا مُستحيل أسمح لنفسي إنها تتعدّى على هذا الوفاء ولو بمجرد خطبة هي أساسًا ما راح توافق عليها.. أنا أهم شي عندي إنها هي بخير وعيال أخوي وحبيبي بخير.. كان لازم إنها تتجاوز خوفها والقوقعة اللي ساجنة نفسها فيها.. والحمد لله إنها قدرت "نَظَرَ لجميلة وبابتسامة جانبية قال" إنّ قاتل عمّار ياخذ جزاه.. وإنهم يعيشون حياة طبيعية وهَنيّة.. هذي أقصى طموحاتي.. أما الخطبة.. فهي رزق ونصيب من الله
تنهدت هي التي اندمجت مع سيل كلماته العَذب.. أحاطت ذراعه بكلتا يديها ورفعت رأسها إليه.. تَأمّلته بحُب أخوي عَميق وهي تسَأله بابْتسامة ناعمة: واللحين إنت مرتاح؟
ضَحكَ وبصدق عَبّرَ: أحس إنّي بطيـــر من الراحة
رَفعت حاجبيها: وهذي أقصى طموحات أمي "انتبهت للرَّجل الذي توقّف أمام غيداء.. هَتفت باستنكار" عبــد الله!
تَلَفّت عزيز: مــن؟
وَضَّحت وهي تترك ذراعه وتُشير لعبد الله: عبد الله أخو غيداء اهني "نظرت لساعة هاتفها" المفروض اللحين طيارته مثل ما قالت غيداء!

,

ابتسمت بجذل: مَشكورة أستاذة هذا من ذوقش.. وشرف لي أن أُقَيَّم من قِبِلش
صافحتها ثُمَّ ابتعدت باتّجاه فنان آخر.. وهي استدارت لِظل الواقف على يسارها لتنفذ من جواها شَهْقة كانت كَفيلة بأن تُقهقر جَسدها بمفاجأة.. بَسَطت كَفّها على صَدرها وهي تهمس بصوتٍ ابتلعته رياح الدَّهشة: أخــوي
احتضن يَديها بكلتا يَديه بِشدّة حانِية وهمسهُ تعاضَد فيه الأَسَف مع العَطف: يا بعد روح وقلب وحياة أخوش إنتِ
نَطَقت والأَملُ يَقِفُ مُتَرَقِّبًا على قارعة وجهها: شلـ ـوون!.. ليـ ـ.. .ـــ ـما راح.. تروح؟
ابْتَسَمَ لها بكُل الحُب المُتشعب في ذاته: ما راح أروح
حَلَّقت من قَلْبها ضِحكة أَسَرَّت ناظِرَيه.. ومن بوّابتيها تهافتت الدّموع للعبور كزغاريد فَرْحٍ وبَهجة.. قالت بصدق ويداها تَضغطان على كَفّيه: أبي أحضــــنك
ضَحَكَ: المكان غير مُناسب كلــش
اسْتَفسرت وهي تمسح الدموع بظاهر كَفّها: شدراك إنّي اهني؟
أَجابَ بابتسامة واسعة: اتصلت لأبوي وقال لي "وبمُشاكسة أوشى لها" وترى هو اللي عَطى عزيز وأخته اللوحة
اتَّسَعت عيناها: لا ما أصـــدق! ولا جاب لي طاري
رَفعَ حاجبيه: مُفاجأة
هَزَّت رَأسها وهي تضحك قَبْلَ أن تستطرد بسؤال: ليش غيّرت رايك عن السفر؟
وتنهيدته تسبقهُ لتشرحه: الموقف اللي صار.. وصدمتي.. والضياع اللي حسيت فيه.. ما خلوني أفكر بعقل.. استعجلت في قراري بطريقة مجنونة.. ويوم قعدت على الكرسي في الطيارة.. بديت أستوعب اللي سويته "أَكْمَلَ بصِدْقٍ وَلَجَ كشَمسٍ بدفئها الحَنون إلى روحها" أنا مُمكن أبيع الدنيا كلها.. وأترك كل شي وراي وأمشي.. بس مُستحيل.. مُستحيــل أتركش غيداء.. الله خَلَق هالظهر عشان يكون وراش سند
أغمضت عَيْنيها وتَلَفَّظت بوَجْسٍ مَغْمور بمشاعر أخوية كانت في أقصى عنفوانها: حَبيـــبي عبد الله.. الله يخليك لي ولا يحرمني منك
ابتسمَ لها: ولا يحرمني منش أم عبّود
أَبْصَرت لتُقابله بالابتسامة ذاتها.. لحظات وانحرف نظرها للمشهد الذي خَلْفه.. تَقَلَّصَت ابتسامتها وهي تُناديه بتوَجّس: عبد الله "أكملت وهي تُعيد بصرها إليه" زوجتك شكلها تعبانة
عَقَدَ حاجبيه ثُمَّ استدارَ بتساؤل ليصْطدم قَلْبه بحالها.. قالَ سَريعًا: بروح أشوفها
مَشى ناحيتها بخطوات واسِعة ونبضاته تستعر بقلق.. كانت مُتَمسِّكة بالحائط بيد.. والأُخرى مَبْسوطة فَوق بَطْنها.. وكأنَّها تشعر بإعياء. التَقطَ ذراعها بيده وهو يتساءَل باهْتمام: مَروة شنو فيش؟ بشنو تحسين؟
لَم تُجِبه ولَم تَرْفع طَرْفها إليه.. كانت مُعَلِّقة بَصرها بنقطة عشوائية وجُل حواسها مُنتبهة للشعور الغريب المُتكاثر داخلها والذي لا تعرف ما هُو! شَدَّ على ذراعها والخَوْف بَدأ يَدُب في نفسه: مــروة تبين نروح المستشفى؟ حاسة بشي مو زين؟ "ناداها بنبرة أعلى" مــــروة
رَفعت رَأسها إليه فبان وَجهها بالكامل.. مَرَّر عدستيه عليه.. كانَ شاحِبًا.. وعيناها غائِرتان للداخل وكأنَّهما تُخفيان شيء. نَظَرَ لشفتيها الجافتين عندما همست بأنفاس مخطوفة: ولا شي.. ما فيني شي
زَمَّ شَفتيه ومن ثُمَّ رَفع عينيه لعينيها.. هَمَسَ وهو يَجرّها بلُطف: تعالي
غادرَ معها القاعة إلى المقاعد المصفوفة خارجها.. أجلسها على إحداها ثُمَّ دَلف للقاعة من جَديد. دَقيقتان وعادَ إليها وفي يَده قنينة ماء.. قَرْفَصَ على الأَرْض عند ساقيها مُنادِيًا: مَرْوة
أُلْجِمَ لسانه ولَم يَستطِع أن يَنطق كلمته التالية.. فهي أَخفت وجهها بيديها مُسْتَهِلَّةً سمفونية بُكاء حَزيــنة أَصابتهُ بالدَّهشة. تَنْحَب وكأَنَّها تَنعى نَفْسَها.. تُعَزِّي فَقدها.. وتُطَبْطِب على وَجعها. أَشْياء كَثيرة كانت تَعْتلج بطريقةٍ مؤلمة في رُوحها.. كما لَو أَنَّ الدُّنيا وهي تُحيك لها ثَوْبَ السّعادة سَهت وتَركت إبرها تتكسّر بين الثوب غير المُكتمل.. وبين الرُّوح التائقة. هذا الأَلم الذي كان يَخزها.. يَنخر في صَدرها.. يؤكّدها لها مع مرور كُل ثانية أَنَّها أَخطأت.. جــدًا أخطأت. ناداها من جديد والحيرة تُجَعِّد ملامحه: مَــرْوة!
قاطعتهُ من جَديد وهي تُبعد يَدها لتَظهر لوحتها بألوانها المُختلطة باعْتباطية تُثير الكآبة والبؤس.. اعْتَرفت بكلماتٍ مُتَعَثِّرة: مــا كنت أبي.. أروح.. ما كنت أبي أسافــ ـر "رَفعت قِلّة الحيلة كَتفها وهي تُكمل والدّموع سَلاسل تتدلى من أهدابها" بس وافقت أجي معاك.. لأنّي أنا.. أنا سبب هالقرار.. أنا سبب.. ضياعـ ـك.. وأنا اللي انتزعتك من جذورك "حَرَّكت رَأسها بأسى والنَّدم يُقَطّع جَسدها أشلاءً.. ليس فقط أصابعها" سَمّمت حياتك.. دمّرتها.. ويوم قلت لي.. تبي تبدا من جديد.. قلت لازم أروح معاه.. لازم أنا بعد أنزعني من جذوري وأدّمر حياتي.. أحرم نفسي من أبوي وخواتي.. وقبر أمــ ـي "تَردّدت الشهقات في حنجرتها مُرْدِفة بصراحة" بس أنا مابي.. مــاااابي أروح.. ما كنت أبي هالسفرة.. ما كنت أبيها بهالطريقة! واللحيــ ــن.. إنت غيرت رايك.. وأنا أحس روحي اللحين.. قدرت أتنفس
تَطَلَّعَ إليها مُطَوَّلًا وهو لا يعلم بماذا يُعَقِّب على حَديث نَفسها الذي عَرَّتها أمامه.. لذلك تَركَ للتنهيدة مُهِمّة التعقيب.. قَبْلَ أن يَفتح قنينة الماء ويَمُدّها إليها بهمسٍ انتثرت عليه قزع من جليد: اشربي
تناولتها منه.. رَفعتها برجفة لترتشف منها القليل. قالت بغصّة وهي تُشاهد أفول حَوَر عينه عن سماء عينيها: عاقبني "كَرَّرت عندما تعَلَّقت عدستاه بزُمرّدتيها المُشَوّش اخضرارهما" عاقبني.. عبـ ـد الله.. أستاهل أي عقاب منّك
قالَ بعدَ لحظاتٍ من التَّأمل في وجهها المُلتهب من الاحمرار: يكفيني هالعذاب اللي تعيشينه.. هذا أفضل عقاب بالنسبة لي
نَطَقَت وهي تتمنى لَو أَنَّها تحفر كلمتها على جُدران ذاته المنحوسة: أنا أحبـــك
ابتَسمَ بمرارة استطعمتها في حَلْقها: وأنا للأسف أحبش
ارْتَعَشَ ذقنها فَضَمَّت شفتيها للداخل لألا تُباغتها آه من حرارة الطعنة التي غافلَ بها قَلْبها.. ازْدَرَدت ريقها قَبْلَ أن تَتساءَل بقُنوط: يعني.. ما في أمل.. تسامحني؟!
هَمَسَ بسوداوية كادت أن تُعمي يَقينها: لو عبد الله الطّيب.. المسكين.. للحين عايش.. فعادي.. مُمكن في يوم يسامحش
تَركت القنينة بجانبها لتحتضن كَفّيه بيديها وعينيه بعينيها.. هَمَسَت برجفة أحاسيسها: لو سمحاك يبي مني انتظار خمسين سنة.. راح أنتظره.. بس أهم شي.. إنــت معاي "وبرجاءٍ كانَ مِرْسالًا من دواخلها" لا تتركني عبد الله.. طلبـــتك.. لا تتركنـ ـي
شَدَّ على يَديها بمَلَقٍ أَذابَ الباقي من دمعها المُتَجَمِّد في مؤقها.. وبرقة لا تُليق إلا بعبد الله "الطّيب المسكين.. السَّمح" قَبَّل باطنهما.. قُبْلتان كانتا مُوافقة على البقاء.. موافقة على قَرانٍ أَبدي.. وموافقة على تَقييد ذات.




يتبع

 
 

 

عرض البوم صور simpleness   رد مع اقتباس
قديم 03-02-20, 02:17 PM   المشاركة رقم: 1318
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو راقي


البيانات
التسجيل: Aug 2015
العضوية: 300973
المشاركات: 620
الجنس أنثى
معدل التقييم: simpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 475

االدولة
البلدBahrain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
simpleness غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : simpleness المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقِ امْرَأة / بقلمي

 



شَرَعَ الباب لِيَتَسَمَّر أَمام من طَرقه.. حتى أَنَّهُ كان يَأكل من شَطيرة في يَده، إلا أَنَّهُ تَوَقَّفَ عن مَضغ اللُّقمة مَشْدوهًا بالكائن الذي أَمامه. كانت مُسْتَنِدة بجانب جَسدها على إطار الباب ويُسراها مُمسكة بحبال حَقيبتها.. وعَلى شَفتيها كانت تَزهو ابتسامة جَذَّابة يُحِبّها قَلْبه. هَمَسَت بضحكة: شفيك انصدمت؟
رَمَشَ لمرَّاتٍ مُتتالية وبظاهر كَفّه مَسَّ فَمه قَبْلَ أن يُنَبِّش عن صَوْته ليُجيب بنغمة الذهول: لاا.. بس ما توقعت إنش تجين!
دَخلت وهُو أغلق الباب وعَيْناه لَم تُفارقانها.. استفسرت بذات الابتسامة بعدَ أن ألقت جَسدها على الأريكة: وليش ما توقعت؟ هذاك إنت اهني.. لو ماكنت تتوقع جان ما جيت على أمل جيّتي
هَزَّ رَأسه وهُو يقترب: صَح.. بس بعد.. تفاجأت
رَبَّتَت على المكان بجانبها: انزين تعال
وَضَعَ الشَّطيرة في الطَّبق، ثُمَّ نفَضَ يَديه مع جلوسه مكان ما أشارت تمامًا.. هَمَسَ بانتباهٍ لها بنبضٍ مُتَوَجِّس: قـولي
نَطَقَت والابتسامة تتسع حتى طالت تجاعيدها المنقطة المُحيطة بعينيها: رحت لحُور.. قعدت معاها ومع أُمها.. وتكلمنا.. كانت صريحة معاي.. واجد صريحة
عَقَّبَ بانشراح: زيـــن.. واجد زين
أَيّدته بإيماءة: اي واجد زين.. بس بعد ما طلعت من عندها صحت.. واجد صحت "أَرْدَفت وهي تُبصِر اهتمامه" وأنا سبب هذا الصياح.. لأنّي كنت رافعة سقف توقعاتي.. طول هذي السنين كنت أحلم وأتخيل تفاصيل لقائي مع بنتي.. الحميمية والمحبة والدموع والأحضان وحتى القُبل اللي بطبعها على وجهها وأياديها.. لكن اللقاء خَيَّبني.. خَيَّب أحلامي.. لأنه واقع.. البنية ما تعرفني.. توها تعرفني من قبل فترة.. توني انوجدت في حياتها.. قبل أنا شخص غير موجود بالنسبة لها.. وما تعرف غير هالأم اللي ربتها وكبّرتها وعاشت حياتها معاها.. فأكيد ما بتتقبلني بهالسهولة.. وأكيد ما بتحس تجاهي بأي إحساس.. وأبدًا ما تنلام.. وأنا تفهمتها.. وحاليًا أنا مرتاحة واجد.. شعوري يفرق عن الشعور اللي كنت أحمله في صدري بثقل بعد ما طلعت من عندها "ابتسمت ببهجة ملأت عينيها" اللحين أحس وكأنَّ داخلي حمامات تطير.. راحة تسري بسلاسة ما بين صدري وقلبي وروحي... أهم شي أنا أدري إنها عايشة في هالدنيا.. وإنها حولي.. وإني أقدر أشوفها وأكلمها وقت ما أبي.. بس متضايقة من شي واحد "أَرْدَفت بصراحة" متضايقة إنّي ما قدرت أكون أم.. ما عشت الأحاسيس بحذافيرها.. ما خضت مواقف وتجارب.. ما صــرت أم "ويدها تنزح إلى يَده لتطوقّها" عشان جذي.. أنا أبي عيال
أَرْفَعَ التَّعجب حاجبيه مُكَرِّرًا: عيــال!
قالت بتفكير: أو إن كلمة عيال توحي إنهم واجد؟ يعني.. ولد.. أو بنية.. أو توأم "ابتسمت برِضا عن هذه الفكرة" اي يا ليت توأم.. ولد وبنية
أَشاحَ عنها وجذعه يميل للأمام مُتناولًا شَطيرته.. وبتهكّم عَلَّقَ وهُو يُقَرّبها من فَمه: اي لأن الموضوع واجد سهل
تَقَوَسَّت شَفتاها بإحباط.. مالَ رأسها وهي تَلومه: رائد ليش هالتشاؤم عاد! عمري ثلاثة وأربعين.. بعدني صغيرة يعني.. فيني عيال بإذن الله
ضَحَكَ بكتمة وهو يَجترع ما في فمه بسرعة.. مَرَّرَ لسانه على شَفتيه ثُمَّ قال ووجهه يلتفت إليها: إنتِ وين راح مخش؟ ما قصدت جذي.. أقصد إن محد من أهلي يدري بزواجنا.. فطريقنا طويل.. على ما نقول لهم.. وعلى ما يهاوشوني.. وأمي تعصب عَلَي.. وعلى ما يسامحوني وأمي ترضى عَلَي وعليش.. بعديـــن يجي موضوع العيال
وَسَّعت عينيها باسْتنكار: وليــش هالطوالة! أنا ما يدخلني رضوا ولا ما رضوا.. بكوّن أسرتي على كيفي "سَحبت من يَديه الشطيرة وهي تُرْدف بقهر وبطرف عينها ترنو إليه" لا تقعد تتحجج وتحط لي ألف عقبة.. بحمل يعني بحمل.. مو على كيفك
تَأمَّلها بابْتسامة جانبية كانت تنهل من عَذب العاطفة الرَّقيقة المُسْتأنِسة وَسط مُقلتيه.. قدومها هذا.. جلوسها.. وحديثها العَفوي.. وأمنيتها الشَّبيهة بالحمامات البيض.. أكثر بكثير مما تخيل.. وأحلى بكثيـــر. قَضمت من شطيرته وأخذت تمضغ ببطء بفكرٍ سارح.. قَبْلَ أن تقول وعيناها للأسفل: يا ليت والله أحمل بتوم.. ولو الله ما كتب.. بعد ما أولد بفترة.. على طول بنجرب بعد.. يمكن يجينا بيبي ثاني
نَظَرت إليه تُريد أن ترى ردة فعله على حديثها.. كانَ مُتَّكِئًا بذقنه على يَده ويَتَطَلَّعَ لها بعينين ضائقتين وابتسامة خَفيفة.. هَمَسَ بعدَ ثواني: تصدقين.. كنت أظن إنش لو جيتين.. ما راح تطلبين غير الطلاق
ابتسمت وبصراحة: لفترة قَريبة كانت هذي خطتي.. بس اكتشفت لو إني طلبت منك تطلقني بكون إنسانة استغلالية وقليلة أصل "دَنت منه هامِسةً بحُب لطالما كانت تَدفنه تحت أكوامٍ من تجاهل" هذا غير إنّك نصيبي.. الإنسان اللي تلاءمت معاه على الرغم من كل الاختلافات.. صحيح زواجنا ما كانت أسبابه طبيعية.. بس أنا وإنت نقدر نتممه ونخليه زواج طبيعي.. في النهاية ما لك إلا أنا وأنا ما لي إلا إنت
مَرَّر بَصره بحَنو عليها وهُو مُلتفت بجُل حواسه لها وللنجوم الوامضة بزهو من على شُرفة الأهداب.. أَبعدَ يَده عن ذقنه ليَهديها إلى خَدّها الناعم.. مَسَح عليه بإبهامه برقة بالغة ومن رُوحه ارتفعت كلمات طَغت عليها المشاعر حتى أَصْبحت بكماء؛ لا تُنطَق إلا من خلال العَينين. أمسكت بيده وبهدوء قَرَّبتها من شَفتيها لتطبع في بطانها قُبْلة نَحتت على خطوطها أحاديث كُل اللحظات التي قَيَّدتها قِسْرًا.. بقُبلتها اعترفت لهُ بما أخفته.. عَرَّت قَلبها.. وبَثَّت رُوحها بين أوصاله لتمتزج مع رُوحه.



أَتاها لَيْلًا.. وكأَنَّهُ اسْتَغَلَ حُلكة السَّماء لِيُواري سَوْءَةَ فِعلته.. والليْلة هي أَتَتهُ وعَباءة الليْل سِتْرًا لِحَرَجها. آه كَيف خَذَلْتك؟ طَرحت على نَفسها هذا السؤال وهي تَقِفُ عَلى بُعد بِضع خطواتٍ من مَكان جُلوسه. جاثِمٌ بِجَسده الرَّجولي على الرَّمل الناعم.. مُشَرِّعًا رجليه وطاوٍ رُكْبَتيه؛ لِيَتَّكئ بساعديه فَوْقهما.. وبِكَفِّه اليُمنى كانَ مُمسِكًا يُسْراه؛ إيحاءً إلى وِحدته. تَقَدَّمت بهدوء.. قَدماها تَعبران الرِّمال بِخفّة حتى لا تُعَكِّر صَفْوه.. هذا إن كان هُنالك صَفو! تَوَقَّفَت عندما أَصْبَحَ البُعد يُساوي لَمسةٌ واحِدة أَجَّلتها.. فهي فَضَّلت أَن تَتَأَمَّل البَحر وأمواجه التي تَتهدهد بسلاسة.. مَدًّا وَجزر.. وكأنَّها تَعزف مَقطوعة يُسْتحال أَن يكِلُّ المَرء من رَتابتها. ظَلَّت لدِقائق تَحْرس ظَهره.. عَيْنٌ على البَحرِ والقَمَر.. وعَيْنٌ وقَلْبٌ عليه. لا تدري فيمَ كان يُفَكِّر.. في مأساته.. خذلان أَحبّائه.. خَسارته لقاربه العَزيز.. أم في عُطوب ذاته؟ في المُجْمَل نُور.. داخل هذا الرَّجُل أَثْقال كان لا بُدَّ أن تَتَوزَّع عليكما أنتما الاثنين.. ولكنَّكِ تَراجعتِ.. عندَ أولِ خَطأ تَراجعتِ وأَشَحتِ عنهِ لتُقابِليه بِوَجه الحَياة الدَّميم الذي قَضَى سَنوات عُمره هارِبًا منه.. في صَحْوه ونَوْمه. ما فَعلهُ حَرام.. لا غُبار على هذه الحقيقة.. لكن.. لكن...

: ما كنت بس إنت السبب

اسْتدارَ إليها مَفْزوعًا بنصف جَسده.. لِوَهْلة ظَنَّ أن أحلامه أَشْفَقت عليه وأَرْسَلتها إليه كائنًا من خَيال.. لكن هذه التي أَمامه لَيست خيال.. فَيَدُها التي حَطَّت على كَتفه كانت مُشَبَّعة بدفءٍ يَصْعُب على البَحْرِ ونسائمه الباردة أن تَنهبه من خطوطها. أَكملت وهي تقعد بجانبه وعيْناها تُلازمان لَوْحة الطبيعة: أنا وإنت تسببنا بهذا الخطأ.. مثل ما إنت قَرَّبت مني بالحرام.. أنا بعد سمحت لك بهذا القرب "ارْتَعَشَت من لفحة الهواء الذي نَفَذَ إلى صَدرها ببرودته وهي تَقول بأَسَفٍ على ماضٍ عَكَّرَ طُهره سَفاسف أفعالها" قعداتي معاك.. خلوتنا وإن كانت بين الناس.. ما كانت بريئة.. لا المشاعر ولا الكلام ولا حتى النظرات كانت بريئة.. استغلالي لانشغال أهلنا عشان أجيك غرفتك أوقف عند دريشتك.. أَبث فيك إحساس وتبث فيني إحساس حلو.. يَخدّر حواسنا من غير ما ندري إنّه يسيّرنا للحظة اللي يستوي فيها الغلط.. اللحظة اللي نرتكب فيها حرام كنّا معميين عيوننا عنّه.. وكأنّنا واثقين إننا أقوى من إبليس.. إبليس اللي سمحنا له يجمّل لنا العلاقة الغلط "مالت شَفتاها بابْتسامة أَنثرت الكآبة عليها حُزْنًا وهي تُرْدِف بهمس" لا نتوقع إذا غرقنا في وحل أخطاءنا وتجاوزاتنا وتعدّينا لحدود الله؛ إنّنا بنعرض عن ارتكاب الحرام إذا تسهَّل لنا طريقه.. اللي يقول للحرام لا.. هذا إنسان عاش طول عمره يجاهد نفسه وشهواتها.. قلبه ما انشغل عن ربه.. ربه اللي كافأه بقوة إيمان تخليه يواجه المغريات ويقول لها لا.. يقول للحرام بكل ثقة لا "وبخَيْبة غَمرت مُقلتيها وصَوْتها" لكن أنا وإنت ما جاهدنا.. ما جاهدنا الحُب الغلط.. سَمحنا له يسيطر على أفكارنا وأفعالنا.. متناسيين إن في يوم راح ننلسع منه.. عشان يمكن.. نتعلم!
أَرْخَت بَصَرها.. تَأمَّلت أَذيال المَوْج وهي تَدْنو منهما.. تُشاكسهما وكأنَّها سَتُبَلِّلَهما.. لكنَّها تُراوغهما لتعود مُجَدَّدا لحُضن البَحر. التَفَتَت ومَضت عَيْناها لِوَجهه بالتوالي مع اجْترار أنفاسها لِشَهقة الرَّوْع.. فَوَجهه كانَ مُحَمَّلًّا بأكفانٍ حَوْت سَعادته.. راحته.. وأَمله. وَجْهٌ مَكْدود.. مَحزون.. مُحْبَط ويائسٌ من الحَياة. وَجْهٌ انحفرت فيه خُطوط التَّعب كما لَو أَنَّها هُنا نَشَأت وتَرَعْرَعت. وَجْهٌ كان كُل شيء عَدا طَلال. لَولا الاخضرار الوَهن الحائر وَسط رَمادِيَّتَيه لما صَدَّقت أَنَّ هذا هُو طَلال نَفْسُه.. زَوْجها وحَبيبها ووالد طِفْلها. تَرَكت يَدُها كَتفه لتعلو قَليلًا إلى عُنقه.. زَمَّت شَفتيها اللتان تَقَوَّستا من اتّكاء العبوس على وجهها.. مَسَحت بإبهامها المُرتعش على خَدّه وعيناها تُراقبان تيه الدّمع وسط مُقلتيه والذي أَجْبَرها على هَلِّ الدَّمعات. احْتَضنته والشهقات تتنازع في صَدرها لتخترق حَلْقها مثل أنفاسٍ تُحاول النجاة من الاختناق.. انتحبت وهي تَسْتمع لهمسه المُنكسر: نُـ ـور.. أنا كنت عايش.. عشانش بس.. واللحين أنا عايش عشانش.. وعشان ولدنا.. لو تتركوني.. ما أضمن لكم إنّي أبقى حـ ـي
أَبعدت رأسه لتنظر له من خلف فَيْضها وتقول بحدّة مُرَقَّعة: لا تقـــول جذي.. لا تقــــ ــوول! إنت راح تبقى.. راح تربي ولدك.. ما راح تخليه يتبهذل مثل ما إنت تبهذلت.. ما راح تسمح إنّه يذوق العذاب اللي ذقته.. ولا يتوجع الوَجع اللي توجعته.. لأنَّه أغلى عندك من نفسك
رَفَعَ كتفه بقلّة حيلة: إذا بتتركيني ما أوعدش إني أبقى.. أدري راح أموت من أي عارض يواجهني
هَزَّته بيديها الضَّعيفتين وملامحها تنعقد بغضب: ما راح تموت.. مــا رااح تمووت.. وأنا.. ما راح أتركـ ـك "أكَّدت والعَين في العَين" والله.. صدقني
سَألَ وآخر أمَل في قَلْبه مُتَأهِّبًا لقُبلة حَياة تُنعشه: مسامحتني؟
ابتسمت من بين دموعها: من زمــــ ـان
بادلها الابتسامة بأخرى للتو تَتعافى وهو يحتضنها بكلتا ذراعيه.. هَمَسَ في أُذنها برجاءٍ أخير: نــور.. أبدًا.. أبدًا لا تتركيني
تَنَهَّدت وهي تَعلم أَنَّ أمانه قَد خُدِش، أَجابته بنبرة غَلَّفتها بكُل ما تملكه من صِدق؛ لعَلَّها تُوْثِق قَيْد ذاته: والله.. والله ما راح أتركك طلال.. والله
أَحاطها بقوّته المُتبقية.. دَفَن وَجهه بين عُنقها وكتِفها.. يا الله كَم اشتاق لرائحتها.. كم اشتاقت أنفاسه للمَبيت هُنا.. لا يَعلم كَيْف استطاع أن يَعبر طريق فِراقها دُون أَن يخسر نفسه.. هُو لو مات بسبب ذلك الغرق.. لا يعتقد أَنَّ تلك ستكون مُفاجأة.. لأنَّ حياته ومنذ الأَزل مرهونة بوجودها قربه. ابْتَعَدَ كلاهما عن الآخر عندما وَصَلهما صَوْت بُكاء.. وَقفت نُور باسْتجابة وهي تَرى والدها يَقِف عند الباب الذي يُفتح على مَقعد صَغيرها الباكي.. اتَّجهت إليه وطَلال من خلفها يمشي ببطء.. قال والدها عندما انحنت على الطفل: توه يصيح.. أتوقع جوعان
هَزَّت رأسها مؤكدة وهي تُراقب مُلاحقة فَمه المُتَلَهِّف لإصبعها القَريب: اي جوعان
ثُمَّ دارت إلى الجهة الأخرى لتركب بجانبه وترضعه.. في حين التفتَ ناصر لطلال الواقف ببصرٍ مُنخفض وذراعه اليُمنى خَلْفَ ظَهره. تَنَحْنَحَ قَبْلَ يَقول وهُو يُشير لسيَّارته: تعال اركب معاهم
نَظَرَ إليه.. نَظْرة اسْتَشَفَّ منها ناصر ما يجول داخله.. فَتَحَ فمه لينطق: أنا آسـ
قاطعه وهُو يَفتح له باب الرَّاكب بابْتسامة: تبي تركب قدام لو ورا معاهم؟ "عَلا حاجبه وابْتسامته تَتّسع" تَرى ناصر مشتاق لك أكثر مما تتصوّر
تَطَلَّعَ إليه بعدم استيعاب للحظات، قَبْلَ أن يَضحك بخفّة وهو يخطو إليه قائِلًا والْتماع عَيناه يبزغ من جَديد بعد أن اندثر: وأنا بعد مشتاق له وااايــد
تَوَقَّفَ أمامه.. تبادلا نَظرات لَم تَتَبَدَّل منذ أكثر من ثلاثين عامًا.. نظرات كالقطع الأثرية.. تزداد جَمالًا وروْعة كُلَّما عَتَّقها الزمن. أحاطَ ناصر كَتفيه.. شَدَّه له واحتضنه بمشاعر أبويَّة خاصّة رَمَّمت ما أُفْسِدَ في رُوحه.. رُوح طَلال. أَشارَ ناصر للسيارة مرة أخرى ليركب طَلال ويَنضم لأسرته الصَغيرة.. الأُسرة التي حَفَرَ الأرْض.. هَدَّم الجِبال.. وتَسَلَّقَ المُنحدرات ليِفوز بها. التَفت للوراء بعد أن اسْتَقَرَّ في مقعده.. ابتسم ببهجة عظيمة وعيناه ترتويان بمنظر زوجته وهي تُسْقي طِفله.. مَدَّ كَفَّهُ لها بِطَلب فأراحت يَدها وَسطها.. ضَغَطَ عليها بَحنو قَبْلَ أن يَرْفعها لشفتيه ويَطْبع قُبلة أَزهرت في باطنها. أَخْفَضَ بَصره مُنتبهًا لحركة ناصر الصغير.. أزاحت نُور الغطاء الذي يسترها بعد أَن رَتَّبت ملابسها.. ابتسمت وهي تَرى كيف حَرَّك رأسه جهة والده.. ظَلَّ يَتَأمَّله وهو يَرمش بنعاس شَهي أذاب فؤاد طَلال المُتَيَّم به.. دقائق بَسيطة وغَفى الطِّفل.. وآخر ما رآه كان وَجْه الأَب الذي على قَدر حِرْمانه كان يَمتلك بَحْرًا من حِنان لا نِهاية له. هَمَسَت نُور برقّة وهي تنهل من عَذب ملامحه الأبوية: مو قلت لك إنّك بتكون أَحَنْ أبو في الدّنيا؟
اتَّسَعت ابتسامته وجُملتها أَنارت في صَدره الشَّمس التي حَلَّقت بطيور فَرحه إلى السماء.. حيثُ لا حدود للسعادة.



عَشْرُ دَقائق من الصَّمت المُطْبِق.. لَم يَعبر فَمهما الصَّوت.. على الرَّغم من ازْدحام الحَديث في صَدر كُلٍّ منهما. أَرْبعة وعشرون ساعة مَضت على عَقد قرانهما الذي تَهَلَّلت منه أسارير هاينز.. البارحة في مِثْل هذا الوَقت تَمامًا أَصْبحت حلاله من جديد.. عادت لِعصمته.. عادت الجنَّة لِخراب ذاته. هي رَفضت مُلاقاته بعد العَقد وفَضَّلت أَن تَبيت في منزل أخيها.. وهو عادَ وحيدًا لشقته.. ليس وَحيدًا تمامًا.. كانَ مُحَمَّلًا بحقائبها. كما أنَّها رَفضت حفل الزواج رَفضًا تامًا قاطِعًا.. ولَم تَقبل بأي نِقاش من أي أحد.. وهذا ما أثارَ في نفسه العديد من الأسئلة.. لماذا؟ لماذا رَفضت؟ زَعل.. عِقاب.. عِناد.. أم ماذا؟ التَفتَ إليها للحظات.. وَجهها مُشيح باتّجاه النافذة.. عادَ ببصره للأمام.. ثَبَّت يَده على المِقْود.. زَمَّ شَفتيه ثُمَّ أَرْخاهما ليهمس: ليش؟ "أدارت وجهها إليه باسْتفهام فأَكْمَلَ والحَسرة لحنُ كلماته " ليش رفضتين العرس.. ليـــش!
عَلا حاجِبُها.. وَوَسطَ المُقلتين سَبحت سُخرية مُسْتَفِزة.. عَلَّقت: أووه.. الواضح إن الموضوع مضايقك ومسبب لك أزمة!
شَدَّدَ على كلماته: مـلاك.. أنا أتكلم بجدية
رَكلت السُخرية عن ملامحها لتستقبل تَبَلّد كان أكثر استفزازًا مما سَبقه: أنا بعد أتكلم بجدية.. مستغربة ليش رفضي مو عاجبك!
شَرَحَ لها: لأنّش بنية.. وكل بنية تحلم بهذا اليوم.. تحلم بالفستان الأبيض.. ظروف زواجنا الأول ما ساعدت.. بس هالمـ
قاطعته بحدّة تراشقت عليه من عينيها سِهامًا: هالمرة شنو؟ شنو اللي تغيّر هالمرة؟ هذا أنا وإنت مثلنا اللي في المرة الأولى.. ما تغير شي.. بعدنا أغراب عن بعض.. بعدنا كل واحد متقوقع على أسراره وعلى جروح ماضيه.. شنو اللي فرق هالمرة عن ذيك المرة؟
شاهدها بنظرة مُسْتنكرة قائِلًا: مـلاك شقاعدة تقولين! شنو يعني شنو اللي فرق عن ذيك المرة! واجد أشياء فرقت وواجد أشياء تغيرت عـ
قاطعته مُجَدَّدًا بصوتٍ انعجنَ فيه الغَضب بغَصَّة الخيبة: مــا تغيَّـــر شي.. ما تغيَّر شــي محمد.. وإنــت اللي أثبت لي إن ما تغيَّر شي "وبحرقة ألهبت جلدها" بطلاقــ ـك لــي.. أثبت لي إن ما تغير شي.. وإني ولا شي في حياتك
أَغْمَض بَأسى من كلماتها الأخيرة.. أَبْصَر بنظرٍ للأمام، هَمَسَ ولسان حال ذاته يُلَقِّنه حقيقة شعوره: أنا طلقتش.. لأنش كـل شي في حياتي.. كــل شي
اخْتَلَجت الأنفاس في جَوْفها فارْتجفَ صَدرها مُنذِرًا بالفيضان.. فالدّموع التي أَصمَتتها عنوة لأسابيع طويلة.. ها هي تَتَمَرَّد عليها لتتفجر من حواسها.. قالت والشهقات تتنازع في حلقها: كـ ـل شـي في حياتــ ـك وطلقتني! كل شي في حياتك وهمشتـ ـني جني طاولة أو كرسي بتستغني عنهم متى ما تبي.. من غيـ ـر أي حوار أو تفاهم! "صَدَحَ نَحيبها من بين كلماتها وهي تواصل والبُكاء يُبلل مدائن وجهها بغزارة" كــل شــي في حيــاتــك وأنــا للحيـــــ ــن.. للحين ما أدري.. شنــ ـو صار معاك ذيك الليلة! شلــ ـون نجيت.. وشلون ما تضررت.. ووين رحت فترة غيابك!
أَفْصَحَ بصدق دَعمتهُ تَنهيدته المُرْهقة: ما توقعت إنش تبين تعورين قلبش باللي صار
التَفتَ إليها عندما قالت بعزم: بــس أنــا أبــي هالعوار.. أبيـــه.. لأننا اتفقنا راح نتشارك كل شي.. إنت سمحت لي أطِّلع على سر ماضيك.. وأنا سمحت لك تقرب مني.. تقرب مني على الرغم من جرحــ ـي "هَزَّت رَأسها تنفي بحُزنٍ كَئيب" ما كنت خايفة منّك.. ما خفت إن قربك ممكن يضاعف من جرحي.. لأني أدري إنّك ذايق وجع الجرح فوق الجرح "وبقهرٍ ارتعشَ من حِمله صوتها" ما توقعت إنّي بنصدم منّـ ـك.. بتاخذني للغربة وبتتركني مطلقة وأنا مثل المـ ــجنونــ ـة حابسة نفسي في الكوخ أنتظـ ـرك
استدارت عنه مُعتدلة في جلوسها وبيديها أَخفت وجهها سامِحة للنواح بأن يَعبرها بلا قيود.. لن تَجبر نفسها على ابتلاع الغَصَّات.. لن تُبْكِم الآهات ولَن تَصنع من الصَّبرِ سَدَّا يَتَصَدَّى لبحارها. لقد أَضْناها التَّعب وأَسْرَفَ في تَشْويه قَلْبها.. هي بَدأت تَفقد الشعور بباقي جسدها وكأنَّ أعضاءها لا وجود لها.. كُل الشعور انطوى بين حجرات قَلْبها حتى باتت من شِدّة هَرمه؛ هي من تُبْقيه على الحَياة لا هُو. هَمَست من خلف يديها والصوت قَد اختنق من غَزو الألم: كنت أظن إنّك راح تعوضني.. راح تكون لي جتف الرجَّال اللي فقدته.. طـ ـول عمري ما كان وراي سند.. من بعد موت أبوي أنــ ـا وأمي اللي كنا نسند يوسف.. وأنا ما ألومه.. ولا أقلل من تضحياته عشاننا.. بـس أنا شلته أكثر مما هو شالني.. أجبرت نفسي إنها تخلع ثوب الرقة والنعومة ودلع البنات.. عشان أكون قوية.. عشان ما انكسـ ـر.. لأن أخوي المريض يحتاجني.. ويوم إنت جيــ ــت.. توقعتك بتكون لي الجتف اللي انحرمت منه.. وإنّي راح أراكم حزني على حزنك ونخفف الثقل الجاثم على صدرونا "وبكَمَدٍ أَضحى منه البُكاء رَماديًا مُوْحِشًا" بـس إنت خيَّبتنـ ـي.. خيَّــبــتــنــي
وبانْتهاء فَصْل عِتابها تَوَقَّفت السيارة أمام المبنى الخاص به.. تَرجلت منها دون أن تُلقي عليه نظرة ومباشرة عبرت الباب المؤدي للشقة.. لتتركه غارقٌ وَسط البحر الذي أَفرغتهُ على رُوحه.. ووسط وَحل النَّدم المُتخبطة فيه ذاته. مَسَحَ على وجهه بكلتا يَديه والزفرات تتصاعد بحرارة من قَلْبه.. إلى متى سَيُسْجَن في المتاهات؟ إلى متى سَيمشي في طُرقاتٍ مُظلمة طَلَّقتها الشمس؟ متى سيرسو عند شاطئ النجاة ومتى سَيلعق شَهد الحياة؟ متى مُحمَّد؟ مَتى سَينتهي الفَقد؟



اطْمَأنَّت على والدتها وتَمَنَّت لها نَوْمًا هَنيئًا قَبْلَ أن تتجه لِغُرفة نَوْمها.. دَلفت لتجد زوجها جالِسًا على المَقعد أَمام مرآة التسريحة. لاطفت شَفتيها النَّدِيَّتَيْن ابتسامة ناعِمة امتزجت بروعة مع نُجوم الحَنان التي تَلألأت وَسط مُقلتيها. مَشَت إليه بخطواتٍ هامِسة.. اسْتَقَرَّت خَلْفه وابتسامتها تَتَّسع تَفاعُلًا مع بُزوغ ابتسامته. حَطَّت بَكَفَّيها على كَتفيه وبرقّة مَسَّدتهما وهي تَنظر لعينيه وهُما مَشْغولتان بتأمّل وَجهه؛ وكأنَّه يَتعرف على مَلامحه الجَديدة، المُسْتأنِسة. انحنت قَليلًا وأخفضت رَأسها لتهمس في أُذنه: مرتاح صح؟
التَفتَ إليها بخفّة.. وبَدل أن يُجيبها أَهْداها قُبْلة مأهولة بجُل مَشاعره. ابتعدَ قَليلًا ليهمس بسؤال: إنتِ شنو رايش؟
استنشقت نَفسًا أَرعشهُ قُرْبه اللذيذ، ثُمَّ أجابت بهدوء: رايي إنّك مرتاح راحة عمرك ما حسيت فيها
هَزَّ رَأسه مؤكِّدًا ومن أعماق قَلْبه أضاف: راحة بظل طول عمري أشكر ربي عليها.. الكل عرف إن أبوي رجال ما خان دينه ولا وطنه.. وإختي رجعت لزوجها.. وأمي انزاح الهم عن قلبها
أَرْخت على كتفه قُبْلة تَغلغلَ دفئها لذاته المُتعافية، قَبْلَ أن تهمس بسعادة حَلَّقت في رُوحها كحماماتٍ عادت لسماء مَوطنها الأُم: الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله على اللي كان وعلى اللي بيكون
كَرَّرَ من خلفها: الحمد لله
استقامت في وقوفها دون أن تبرح يداها كَتفه.. استأنفت تمسيدها قائلة بحَنو: لها وحشة ملاك
ابتسَمَ: غيابها يأثر بسرعة "وبدُعاء" الله يتمم على خير ويسعدهم
أَمَّنت: يا رب "وبضحكة" عاد هي الله يهديها لو تترك عنادها شوي
بثقة قال: مردها بتلين.. إختي وأعرفها.. ما تقوى على زعل حبايبها.. فراح تحن عليه بسرعة
رَفعت حاجبيها: أتمنى
أَشارَ لدرج منضدة السرير: حُور واللي يعافيش اعطيني دواي
أَوْمَأت لهُ بطاعة وهي تترك كتفه لتتحرّك إلى الدرج.. فَتحته ثُمَّ تناولت شريط الدّواء الذي كان مركون فوق أوراقٍ أثارت فضولها. أخذتها وهي تتجه إليه بالشريط وتتساءَل: يوسف شنو هذي؟ "وباستغراب" كأنهم تذاكر؟!
وَقَفَ مُقابلها وهو يَسحب من يدها الشريط بصمت ودون أن يرفع عينيه.. أخرج القرص ثُمَّ وضعه تحت لسانه وحُور تَنظر إليه بحاجبين مرفوعين. كَرَّرت سؤالها بصيغة ثانية: يوسف ليش هالتذاكر موجودة؟
أَشارَ لفمه قاصِدًا عدم قدرته على الحديث ما دام القرص أسفل لسانه.. فعادت هي لتقرأ التذاكر مرارًا وتكرارًا.. الوِجهة واضحة.. والمسافرون كذلك. اختلجَ طَرف جِفْنها الأَيسر جرّاء شَهقة المُفاجأة التي صَدَحت بين حجرات قلبها.. وبهمسٍ طَغى عليه التَّأثر: راح نروح.. بيت الله!
ابتَسمَ ونُورٌ أَقسَمت أَنَّها أَبصرته يَشق طَريقه من عَيْنيه أَضاءَ ملامحه: اي.. راح نروح بيت الله.. راح نروح نعتمر.. أنا وإنتِ وأمي وعمتي
حُلمها الذي لامَسَ عَنان الواقع دَفعها لاحتضانه بقوّة عَبَّرت من خلالها عن امتنانها وشُكرها العميقين.. وبهمسٍ تَأصَّل فيه الحُب الطاهر: حَبيبي يُوسف.. حَبيـــبي
تَشَبَّثَت به ورَأسها يَتوَسَّد كَتفه.. في مَشْهَدٍ خالهُ الزَّمن عِناق الرُّوح للرُّوح.. آآه.. ما أجمل الرَّاحة وما أزكاها وما أشهاها. جواها تَخفَّف من جَميع أعبائه الثقيلة حتى أَصْبحت تشعر بأنَّها تُحَلِّق هُناك.. وَسط السّماء المُنَّزهة من الأوجاع. أغمضت وهي تبتسم مُطْرَبةً بعذبِ كلماته: إن شاء الله بنروح نطوف.. نطهّر روحنا ونغسّلها.. نسعى ونصلي ونشرب ماي زمزم.. وعند الكعبة ندعي من رب العالمين إن يرزقنا الذرية الصالحة
شَدَّدت من عِناقها إليه وحُلمها المُتلهف أَرْكبها على ظَهره سامِحًا لها بأن تُلقي نَظْرة على رِحاب ذلك البيت العَتيق. مات والدها ولَم تعبر عَيناها دمعة واحدة حُزْنًا عليه.. دفنته الشُرطة ولا تعلم أين قَبره.. ولا تعلم هل صَلُّوا عليه أَم أنَّهُ نالَ عِقاب انتحاره ولَم يُخَفَّف على روحه بالصّلاة.. حتى العزاء لَم تُقِم عَليه.. فمن الذي سَيأتي ليُعَزِّيها! لكن والدتها عاتبتها.. بشدّة عاتبتها قائلة "مهما كان يظل أبوش".. نعم هُو أبي.. دَمي واسمي لَن يَنكران ذلك أبدًا.. لكنّها لَم تستطع أن ترتدي ثَوْب الحُزن.. ولو حاولت سَيكون مُرَقَّع بالشفقة. لكن وعلى الرغم من ذلك كُلّه.. وعلى الرغم من خَيبتها به.. إلا أَنَّها سَتدعو إليه.. سَتزور حَرمًا وستطوف كعبة وسَتسعى بين الصّفا والمروة لتدعو إليه.. فَهو في النهاية قَد مات.. وانقطعَ عنهُ عَمله مُخَلِّفًا ورائه حُور ولا غيرها؛ ابنة صالحة تدعو إليه.



كعادته.. يَحنيه فَقدُ ذاته.. يَطعنه.. يُهَشِّمه ويُزعزع بقاياه.. ومن ثُمَّ.. وببرودٍ يُنافس شتاءٍ قارص.. يَنكَبُّ على مركباته.. يُصَلِّح ما بها من عَطب.. يَجْبر كَسْرها ويَبُث فيها الحياة.. لتصبح صالحة للاستخدام.. وهُو.. هُو متى سَيصبح صالحًا للاستخدام؟ هذه الغربة متى سَتعتقه؟ فَلَقد سَئِمَ من الإحساس الذي يُشير إليه بالغَريب.. نعم هُو غَريب.. غَريبٌ على هذه الدُّنيا منذ أكثر من ثلاثة عَشرِ عامًا.. إلى الآن لا يعرف كيف يَتَكَيَّف مع لحظاتها.. فمشاعره مُتخبّطة.. خطواتها مائلة وردود أفعالها اعْتباطية.. يُقابل الحُزن كما يُقابل السعادة.. أتراحه لا تختلف عن أفراحه.. كلاهما يَملك اللون نفسه.. رَمادي تعتليه أدخنة صَعَّدتها نيران وجوده.. كَعينيه تمامًا.. عينيه اللتين يحتكرهما غَبَشٌ كَئيب. لَم يَلْحق بها عندما غادرت السيارة.. هُو قَصدَ مرأبه بآلية.. تناول أدواته وحَشَرَ جَسده أسْفل إحدى المَرْكبات المُعَقَّدة المَرض.. فهو بمعالجته لمثل هذه المركبات يُرْضي ذاته قليلًا.. قليلًا جدًا.. كما لو أنَّهُ يُرَبِّت على صَبرها ويُخبرها بأنَّ لكُل عُقدةٍ حَل. يا الله.. نظر لساعة معصمه.. بقيت ساعتان على أذان الفجر.. سَيُكمل عَمله لساعةٍ أخرى ثُمَّ سَيلجأ للصلاة.. يحتاج أن يُصلي.. يحتاج أن يَعبر الفَجر على سَجَّداته.. وأن يُطَهِّر جواه من دماء جروحه بالدَّعاء. انخرطَ في عَمله ومسامعه تُعيد شريط عِتابها للمرة التي لا يعلم.. تُريد أن تعرف ماذا حَلَّ به تلك الليلة؟ كيف نَجى وكيف خرج سليمًا مُعافى؟ آه من تلك الليلة.. ففيها اقتربت الذات من مُصافحة يَد المَوْت.. يَد الخلاص.. لكنَّهُ أبى أن يَترك الغلبة لشيطانه.. أَبى أن يخسر دُنياه وآخرته.. فهو كان قادرًا على الفرار من بين يدي المَوْت المُدَبَّر.

،

يتبع

 
 

 

عرض البوم صور simpleness   رد مع اقتباس
قديم 03-02-20, 02:19 PM   المشاركة رقم: 1319
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو راقي


البيانات
التسجيل: Aug 2015
العضوية: 300973
المشاركات: 620
الجنس أنثى
معدل التقييم: simpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 475

االدولة
البلدBahrain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
simpleness غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : simpleness المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقِ امْرَأة / بقلمي

 



الوَقتُ يَجري نَحْو الانفجار.. نَحْو المَوت.. الثواني تَطُن في أُذنه لا بل في قَلْبه.. نَبضاته تستغيث وذلك الوَجْه الذي يَنتظره بَدأ الزَّمان يُبَدّد ملامحه.. أهي النهاية؟ لا مُحَمَّد.. لا.. لَم تستلم ولو لمرة على الرغم من شقائك وتمرغك بطين الوِحدة الآسن.. فكيف تستسلم الآن وَقد وَطأت قدماك أَرْض الجَنَّة؟! وكذلك.. كذلك أنت تستطيع أن تَفُك هذه القيود.. لقد تدربت على فكاكها حتى وأنت في قاعٍ عَميق لبركة ماء.. وأنت الآن تتنفس بسهولة.. والرؤية واضحة بالنسبة لك لأنك على السطح.. فالفكاك أسهل وأسهل.. لكن تحتاج إلى مُساعدة.. مُساعدة أي شي نحيف وصلب يُمكن أن يَلِج في القفل. تَلَفَّتَ يُمنةً وشِمالًا.. نظَر لما ورائه ولما أمامه.. وهُناك.. على بُعد بضعة سنتيميترات كانت تتَوَسَّد الأرْض المظلة.. تلك التي أعطاه إياها شيرمون قبلَ مغادرته صباحًا. قَدَّرَ المسافة بينه وبينها.. نَظَر لرجله.. مَدَّ اليُمنى لكنّها لَم تطالها.. لذلك اسْتدارَ لجانبه الأيْمن ليَمُد رجله اليُسرى وهو ينحني للأرض بقدر استطاعته.. كازًّا على أسنانه وضاغِطًا على أعصابه حتى أن عروقه نَفرت عند صدغيه وعُنقه. وأخيرًا استطاع أن يَمسَّها بِكَعَبِ قدمه الذي ثبّته على جزء منها، وبهدوء أخذَ يَسحبها إليه إلى أن أوصلها لأعلى صَدره.. أخفضَ رَأسه وبأسْنانها حاولَ أن يستخرج أحد أسلاكها.. كان يَعمل والعَرق يَعبر من كُل مسامات جَسده.. وَجهه صَفعه الاحمرار.. وأنفاسه السريعة تصادمت حتى اختلط الشهيق بالزفير.. ألقى نظرة على الساعة.. ثمانية وأربعون ثانية.. عادَ ببصره لمُهِمّته.. أسنانه بدأت تُؤلمه من الاحتكاك الخاطئ.. وقماش المظلة أقسى مما توقع.. ونبضه تَضَخَّم حتى باتت النبضة الواحدة كصخرة عملاقة تهوي من قلبه مع كُل ثانية. قَرَّرَ أن يُغَيِّر طَريقته.. قَرَّبَ المظلة ليديه المُقَيَّدَتين حتى أمسك بأحد طَرفيها.. ومن ثُمَّ أخذَ يَشد القماش للأسفل بمساعدة كبيرة من أسنانه.. وبعد عناءٍ ثَقَبَ السلك القماش فالتقطهُ بطرف شَفتيه ونجحَ في جَر جزء منه للخارج. بقيت تسعة وعشرون ثانية.. أَسْرعَ وحَشَر السلك في القفل وحركات يَده تَسْترجع تعليمات التدريب قبل سنوات.. ثلاثة وعشرون ثانية.. والمحاولات في استمرار والنبضات لا زالت تُغادر القلب لتنتحر. عَيْنٌ على الساعة.. وعينٌ على القفل.. خمسة عشرة ثانية.. العَرق كَوَّن خرائط على ملامحه.. عشر ثواني.. الأنفاس تحوَّرت لصفير قطار يُنذر بالوداع.. سَبع ثواني ووو تـــِك.. فُكَّ القَيْد ولا مَجال للتفكير.. فهو بحركتين وَقفَ ليُهَشِّم زُجاج إحدى النوافذ بجسده الذي قَفزَ برشاقة عالية.. سقوط على بِساط الثلج ومن ثُمَّ زَحْفٌ سَريع استعدادًا للانفجار الذي دَوى ضجيجه وبينه وبين الكوخ مترٌ واحد. استدارَ للكوخ وهو على الأَرْض البيضاء.. ضاقت حَدقتاه وهُو يَتَأمَّل الضوء المُنبعث من الانفجار.. ضوء مُشِع تباينت ألوانه ما بين الذهبي والأحمر والبرتقالي وبعضًا من الأرجواني.. ضوء أنار السماء الداكنة في هذه الحلكة وأنارَ وجهه محجوب المعالم.. ضوء انتظرَ إلى أن خَبى شُعاعه حتى يَفر ويمتزج بظُلمة الفَجر دون أن يُخَلِّف أثَرًا.

,

بَكت كَثيرًا حتى أَنَّها صَيَّرت من مِياه عَيْنيها بِحارًا وأنهارًا شائبة.. إجهاض الدموع جَرحَ عَيْنيها وأَرْهَقَ أَجْفانها التي أُطْبِقَت طَلَبًا للراحة.. ذَوت طاقة جَسدها وهَزمها التَّعب.. أَرْخَت عَضلاتها وغَفت.. لساعاتٍ غَفت.. الغفوة كانت مُزعجة.. مَملوءة بحوارها الأخير مع محمد وبحواراتٍ ماضية.. صور لمواقف قديمة جدًّا سَطعت فجأة في عقلها الباطن.. ووالدها.. رَأت والدها للمرة الأولى منذ فترةٍ طَويلة جدًا.. كان هُو يُوقظها.. بوجهه المُتسربل على الدَّوم بابْتسامة هي أَصْل النقاء.. ناداها بعذبِ صَوْته المعقود بين ثناياه دفءٌ مُميز هُو حِكْرٌ على الآباء: مَـلاك بابا.. قومي حبيبتي.. افتحي عيونش للدنيا وقومي.. يلا مـلاك
كعادتها.. أو كعادة طفولتها القصيرة معه؛ أطاعته.. فَتحت عَيْنيها ببطءٍ حَذِر.. لِوَهلة ظَنَّت بأنَّها إن أَبْصَرت سَتراه أمامها.. بِوَجهه الحَبيب.. لكن ما للأموات في الدُّنيا وهم مُكتفيين بالجَنَّة؟ سَقَطت على خَدِّها دَمْعة وَحيدة مَسحتها بطرف يَدها وهي تهمس بارْتعاش: الله يرحمك يُبه
اعْتَدلت جالسة.. تَفَحَّصت الغرفة بعينيها.. ليس هُنا.. لا تعتقد أنَّهُ في الشقة أصلًا. سَحبت حَقيبة يدها ثُمَّ استخرجت منها الهاتف.. اختارت التطبيق الذي هَجرته فترة الفراق.. عَقَدت حاجبيها وهي تَبحث عنه بين الصور.. لا أثر له.. رَفعت عينيها ناحية الباب.. هل اختار النَّوم في غرفته السابقة؟ حَرَّكت كَتفيها.. رُبما. تركت الهاتف وغادرت السرير إلى دورة المياه.. تأفف بضجر وهي ترى انعكاس ملامحها في المرآة.. وجهها تُهَيّجه حُمرة خَفيفة.. أجفانها متورّمة وأنفها مُتَوَرّد قليلًا.. والعبوس قَد نَشَر خطوطه على الأرجاء. لَم تُسهب في التأمل.. استحمت بماءٍ دافئ لنصف ساعة وعقلها مشغول بذلك الإنسان. تشعر أنَّ دواخلها تخففت بعد البكاء.. مما يعني أنَّها جاهز لمواجهة جديدة. سَترت جسدها المُبلل برداء الاستحمام قَبْلَ أن تَلف خصلاتها بمنشفة صَغيرة. خرجت باتجاه إحدى حقائبها.. بطحتها على الأرَض ثُمَّ فتحتها. وفي أثناء اختيارها للملابس اصطدمت يَدها برفيقها لعشرين عامًا.. صندوق قضية والدها. تركت الملابس واستخرجته.. تَأمَّلته وهي تحتضنه بين يديها.. بعد انتحار سلطان وانكشاف كُل شيء أفرغته من محتوياته عدا المفتاح الغامض.. كما أنَّها وضعت فيه قصاصة لخبر براءته الذي نُشر في جميع الصُّحف. فَتحته.. تناولت القصاصة.. قَرأت الخبر من جديد وهي تتأمل صورة والدها القديمة جدًا.. كان شابًا هُنا لَم يتجاوز عمره الخامسة والعشرون.. صورة سلطان المُجرم.. إضافة إلى صورة انترجن الخادمة والسائق اللذين سُجنا بعد إصدار حُكم المحكمة. أعادتها مكانها ومن ثُمَّ التقطت المفتاح.. قَلَّبته في راحة يَدها.. وَجدوه مَنسيًا في مكتب والدها بعد مقتله.. لا يفتح أي قفل لا في المنزل ولا في المعمل. أمسكت بمؤخرته.. رَفعته بالقرب من عينيها.. تَفَحَّصته جيِّدًا وسؤال واحد يعلو داخلها: أيُّ قِفْل تَفْتح! وَجَفَ قَلْبها عندما صَدحَ السؤال.. ملاك.. ليس شَرطًا أن تكون الأقفال ملموسة.. وليس شَرطًا أن تفتح المفاتيح الأبواب.. هذا المفتاح كان مُلقى في مكتب والدكِ.. في مسرح الجَريمة الذي كان في الوقت نفسه مسرح حَل القضية.. إذن.. أعادت تقليبه في يدها.. إذن المفاتيح قَد تكون حلول.. قَد تكون المطرقة التي تهدم جَبل الفِراق.. وقد تكون حَبْلًا للوِصال. أعادته لمكانه على عَجل وهي تتناول ملابسها.. ارتدتها سريعًا ثُمَّ غادرت الغرفة.. بحثت عنهُ في الشقة لكنهُ لَم يَكن هناك فاضطرت أن تهبط للمرأب للتأكد. ثواني وكان الباب يُشْرَع لتدلف. وَقفت بقدميها الحافيتين.. دارت بعينيها على المكان الفارغ وعُقدة بين حاجبيها لَم تكتمل بسبب ظهوره المُفاجئ من أسفل إحْدى المركبات. تَراجعت للخلف بخوف ومن حنجرتها فرت شهقة خَفيفة.. تنفست براحة عندما استوعبت أنَّه هُو. كان مَشْغولًا بتنظيف يَده بالخرقة، أو بالأحرى كان يُشغل نفسه عنها.. عن هيأتها الأنثوية التي افتقدتها رجولته طوال مُدة الحِرمان.. لكنَّها كان مُصِرة على رَيِّه من نَهرها.. فهي هَمست ببحة مُتسائلة: ليش طلقتني.. وبعدها رجعتني؟
رَمى الخِرقة على المنضدة خَلفه.. مَسح جانب وجهه بظاهر كَفّه ثُمَّ رَفَعَ عينيه. تَعَثَّرت أَنفاسه بحُسْنها الفطري المُنَزَّه من كُل ما هُو مُصْطَنع.. ازْدَردَ ريقه وبَصره يَمَسَّها بِحَذر.. من شَعرها المُبلل المُستريح على كتفيها وأعلى ذراعيها.. وَجْهها الأَسْمر المُزْهَر الخَّدين.. السَّماء المُخْتَصرة على هَيأة عَيْنين؛ المُظَلَّلتين بأهدابٍ تُحاكي كثافة الأشجار.. أنفٌ ما هو إلا مُسْتراح لأنفاسٍ استنفذتها الرحلة الخيالية من العينين إلى الشَفتين؛ مَنبع السَّكرِ والانتشاء. كانت ترتدي كَعادتها ثوبًا قطني قَصير.. تَتَوسطه صُورة لأرْنب كَبيــر أبيض يأكل جَزَرة.. وأخيرًا وَصَل لساقيها لينتهي إلى قَدميها الحافيتين. عادَ للأرنب.. لَم يَمنع نفسه من التَّبسم وهي استنكرت: ليش تبتسم! ما قلت شي يضحك "وهي تُغَلّظ صوتها لعلّه يُنصت للجدية فيه" ليــش طلقتني وبعدها رجعتني!
رَدَّ بهدوء وعيناه تُلازمان سَماءها: قلت لش في السيارة.. طلقتش.. لأنش كـل شي في حياتي "أَكْمَل عندما لَمح الاستفسار في عينيها؛ بإفصاحٍ وتعرية تامة" خفت ارتباطي فيش يعرضش للخطر.. الرئيس للحين ما مات.. آستور شاك إن اللي حصلوه محترق في الكوخ هو الرئيس.. بس مو متأكد.. وأنا نفرت من الحياة اللي بتخليني عايش معاش طول عمري وايدي على قلبي.. انتظر اللحظة اللي أفقدش فيها.. إذا مو بسبب الرئيس.. بسبب باقي الأعضاء المنتشرين في كل العالم.. أتوقع إني مدام كنت معروف لشيرمون.. فعادي أكون معروف لهم.. وإنتِ أقرب شخص لي.. فعشان يعذبوني بيضرونش
خَرَجَ صَوْتها بثباتٍ نَجى من أنقاض الضعف: ومــن كلّفك تقرر عني الطريقة اللي أبي أعيش فيها حياتي؟ شلون أعيش ومع من! مو على كيــفك محمد
تَنَهَّد ليقول وهو يَسْتجدي تَفَهُّمًا: كنت خايف أفقدش
طَوَت كَفَّها على خصرها وبعقدة حاجبين: مدامك خايف تفقدني ليش رجعتني؟ هــا؟ ليش رجعتني وخليتني عرضة للخطر؟
أَجابها بصراحة ضَمَّدت جِرْح قَلْبها: لأني ما أقدر.. ما أقدر أعيش من دونش.. يمكن تشوفين السبب أناني بس هو الحقيقة.. اي أنا كنت خايف.. وللحين خايف إنّش تنضرين بسببي.. بس عندي خوف أكبر من هالخوف.. خايف لو ظليتين بعيدة يلتفت قلبش لغيري.. تكونين جنة رجال ثاني.. تعيشين معاه وتجيبين منه عيال.. خايف لو جاني الموت التفت ما أشوف وجهش ولا أشم ريحتش بين قلبي وأنفاسي "ابتسمَ بألم" ملاك أنا ما كنت عايش قبلش.. والله ما كنت عايش.. كنت أشوف الدنيا بنظرة وحدة ما تتبدل.. لون واحد ما يتغير.. بس من أول لحظة شفتش فيها.. عرفت إن عيوني عندها نظرة تقدر تشوف فيها الابتسامة.. ابتسامتش بالنسبة لي شمسي الجديدة اللي نورت لي الطريق
أكملت بغصِّة والدمع يغشي عينيها: الطريــ ـق اللي اخترت إنّك تواصل فيه بدوني
وهُو يَتَقَدَّمَ منها بهدوء: كنت أعتقد إنّي أقدر.. ما كنت أدري إنَّ اللي يرتوي عقب عطش سنين مُستحيل يعوف الماي بعد ما يلقاه
سَخرت وخَجَلٌ تعتقد أن لا داعي له أرخى طرفها: جنة وشمس وماي وشنو بعد؟ شوي وتقول أنا الفصول الأربعة!
ابتسمَ وهو يَقِف أَمامها بعد أَن نَسَفَ المسافات.. هَمَسَ بنبرة حَلَّقت من جرح ذاته: ما بجذب لو قلت اي.. إنتِ بالنسبة لي الفصول الأربعة.. باختصار.. إنتِ بالنسبة لي الحياة
كَرَّرت من جديد: وعلى الرغم من إنّي الحياة قررت تتخلى عني "زَمَّ شَفتيه بأسفٍ تطاير بين أهدابه وهي أرْدفت بعينٍ تسيل" ما عطيتني حق الاختيار.. سمحت لنفسك تقرر عني.. حرمتني منّـ ـك وكسرت قلبي ببرود يعوّر.. والله يعوّر محمد.. أسابيع أنتظرك ما أدري إنت حي لو ميت.. وبعدها ترجع لي وتقول لي طلقتش! وبعد ما تنتهي عدتي تقرر إنك تخطبني "تهكَّمت" لا ومصدّق نفسك.. تبي عرس وتبيني ألبس لك أبيض!
هَمَسَ: آسف
مَسحت أنفها بظاهر كَفّه قَبْلَ أن تسأله بملامح غائمة: وشنو المطلوب مني؟ أقول لك سامحتك؟ "عَقَدَت ذراعيها على صَدرها وهي تُشيح بوجهها عنه وتقول" مو مقبول اعتذارك
مَرَّر بصره على الظاهر لهُ من وجهها.. نَظَرَ مَلِيًّا لِشَفتيها ثُمَّ نَطَقَ بهمسٍ مُسترخٍ: تصدقين.. ما أذكر متى كانت آخر بوسة جمعتنا
تَصَلَّبَ فكِّها واتَّسعت عيناها مُندهشة من جملته غير المتوقعة.. التفتت إليه وعلامات الاستفهام تُحاوط وجهها.. وَبَّخته برجفة: هــــ ـــي إنت.. ترى.. مو قاعدة أتطنز
قالَ وكأنَّهُ لَم يَسْمعها: لكن تدرين.. ما راح أسوي شي من غير رضاش.. ومدامش زعلانة بعد
تَنَهَّدت بتعب: محـــمد
بوجْسٍ حائر: شنو ملاك؟ والله مو داري شسوي في عمري.. اللي أعرفه إن راحتي عندش.. وراحتش عندي.. فخلي الأمور ترجع مثل قبل عشان اثنينا نرتاح
أَطْبَقت شَفتيها وعَيْناها تَسْبحان وَسط الضياع المُغرق مُقلتيه.. تستطيع أن ترى تعبه بوضوح.. بل هي مَسَّته وامتزجت معه من قبل.. حتى أَنَّها أجبرته أن ينكأ جرحه باعترافاته لها.. وقاست عمقها وضَمَّدتها بحنانها الذي أسبغتهُ على ذاته بِسَخاء.. فلماذا تحرمهُ الآن من كُل ذلك؟ لماذا تتشبث بعنادها من أجل استفزازه؟ كفاهُ فَقد وكفاهُ تيه وكفاه أوجاع. هو أخبركِ أنَّهُ كان خائف وخوفه يبدو منطقي.. لكنّه تراجع عندما اكتشف أنَّ لذاته خوف أكبر.. وأنتِ كذلك ملاك.. كنتِ خائفة أن يُغافل الموت واحدًا منكما وهو محروم من الآخر.. والآن أنتما معًا.. الأنفاس عادت لمخدعها.. العين سَلَّمت على العَين.. والنار تُنادي بقُربٍ يُطفئها. ازْدَردت ريقها ثُمَّ همست: ما قلت لي.. شنو صار معاك.. شلون طلعت قبل لا ينفجر المكان.. وشلون ما تضررت؟
شَرَح ببساطة: استعنت بالمظلة اللي كان عاطني إياها شيرمون واستخدمت السلك اللي فيها عشان أفك القيد.. آستور سبق ودربني على هالشي.. وطبعًا طلعت قبل لا ينفجر النزل.. بس شفت الانفجار.. وما انضريت منه.. بس "أزاح بلوزته عن كتفه الأيسر مُرْدِفًا" شيرمون أطلق عَلَي اهني "أشارَ للجرح" الرصاصة مرت لمست جتفي بس ما استقرت فيه
زَفَرت التباساتها ويداها المُرتجفتان مَسحتا على وجهها المُنفعل.. نَظَرت لهُ وفي العين آخر سؤال: واللحين.. شنو مصيرنا.. أنا وإنت؟
أَجابها باتكالٍ وتسليم: مصيرنا في إيد الله.. أخذت عهد على نفسي إنّي ما أقلق ولا أفكر ولا أحاتي.. اللي بيصير خله يصير.. مدامنا مع بعض
أكملت عنه بابْتسامتها المائلة التي يَعشق: واثنيننا متعودين على الجروح.. ما بيقدر يهزمنا جرح زيادة
احْتَضَنَ قَمر وَجْهها هامِسًا بلحن المحطة الأخيرة: ما صارت تهمنا الجروح.. وإن صار وأوجعتنا بنقدر نتحمل وجعها.. لأنّه متوزع على الروحين
عانقت بكفّيها ساعديه لتهمس لتلك الذات المنكوبة: محمد.. أنا كنت ولا زلت راضية فيك.. راضية بماضيك وحاضرك ومستقبلك.. راضية بأي جرح أو تعب أو عذاب بيجيني بسبب إنّي باقية معاك "ومن قُعر روحها تَوَسَّلت" فأرجــوك لا تحاول مرة ثانية تبعدني عنك عشان تحميني
ابْتَسَمَ لها بحُبٍ أبْصَر النور على يديها وكيانه يَهمس بخضوعٍ شاعري: وأنا راضي بهذا القَدَر.. لأنه من ربي.. ولأنه مقيّد ذاتي فيش







*تَمَّت بإذن الله وتَيسيره

 
 

 

عرض البوم صور simpleness   رد مع اقتباس
قديم 03-02-20, 02:54 PM   المشاركة رقم: 1320
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو راقي


البيانات
التسجيل: Aug 2015
العضوية: 300973
المشاركات: 620
الجنس أنثى
معدل التقييم: simpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداعsimpleness عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 475

االدولة
البلدBahrain
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
simpleness غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : simpleness المنتدى : قصص من وحي قلم الاعضاء
افتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقِ امْرَأة / بقلمي

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا مستند فيه الجزء الأخير.

تفضلوا:


https://docs.google.com/document/d/1...it?usp=sharing

 
 

 

عرض البوم صور simpleness   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مُقيّدة, امْرَأة, بقلمي, حوّل, عُنُقِ
facebook



جديد مواضيع قسم قصص من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 01:29 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية