لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > الروايات العالمية > روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية


أرسين لوبين , سر عقد اللؤلؤ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف الحال إخواني وأخواتي أعضاء المنتدى؟؟ إن شاء الله بخير؟؟ من زمان وأنا أتمنى أنزل رواية ولكن للأسف لا يتوفر السكنر، وعشان كذه قررت أكتب

موضوع مغلق
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-08-06, 11:52 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عاشقة روائع ارسين لوبين


البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7482
المشاركات: 699
الجنس أنثى
معدل التقييم: Cherry عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 13

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
Cherry غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
افتراضي أرسين لوبين , سر عقد اللؤلؤ

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف الحال إخواني وأخواتي أعضاء المنتدى؟؟ إن شاء الله بخير؟؟
من زمان وأنا أتمنى أنزل رواية ولكن للأسف لا يتوفر السكنر، وعشان كذه قررت أكتب القصة بنفسي وأنزلها فصل فصل... وأتمنى تعجبكم...
رواية سر عقد اللؤلؤ لأرسين لوبين... مجموعة قصص قصيرة متسلسلة كل فصل منها يمثل واحدة..
وأترككم مع الفصل الأول..

الرواية بصيغة كتاب
http://www.liillas.com/vueleve/ser%2...arsinlopin.pdf



سر عقد اللؤلؤ

دق جرس البهو بالقصر الكبير الذي تقطنه البارونة أسرمان بحي سان جرمان، وسرعانما أقبلت خادمة وفي يدها رسالة وقالت:

بالباب رجل يقول إن سيدتي استدعته للحضور في الساعة الرابعة.
فضت البارونة المظروف وأخرجت منه بطاقة عليها هذه الكلمات:
"مكتب بارنيت وشركاه للاستعلامات المجانية"
- أدخلي هذا السيد إلى مخدعي.
كانت فاليري الجميلة ، كما كانوا يدعونها منذ ثلاثين سنة، امرأة ضخمة ناضجة، ترتدي ثياباً أنيقة وغالية وتصبغ وجهها بعناية فائقة مما جعلها تحتفظ بنضارة كبيرة.. تنم ملامحها عن كبرياء، وأحياناً عن قسوة وفي أغلب الأحيان عن سذاجة لا تفتقر إلى الفتنة.. وهي زوجة المالي الكبير أسرمان، وكانت تزهو بما ترفل فيه من ترف، وبعلاقاتها وبقصرها ، وبكل ما يحيط بها، وكثيراً ما كان الناس يلومونها بسبب بعض مغامراتها الفاضحة، بل إن زوجها كان على وشك أن يطلقها في وقت من الأوقات.
مرت أولاً بغرفة البارون أسرمان ، وهو رجل متقدم في العمر معتل الصحة واضطرته الأزمات القلبية إلى ملازمة الفراش منذ أسابيع وسألته عن أخباره ، ورتبت الوسائد خلف ظهره وتمتم مستفهماً:
ألم يدق الجرس ؟ قالت:
نعم إنه ذلك المخبر السري الذي نصحوني أن ألجأ إليه كي يجلو لنا غموض قضيتنا ، ويبدو أنه رجل مشهور ...
قال المالي: هذا حسن .. إن هذه المسألة تثير قلقي ، ولا أفهم فيها شيئاَ.
خرجت فاليري من الغرفة وقد ازداد قلقها هي الأخرى ، ومضت إلى مخدعها ، ووجدت فيه رجلاً غريب المظهر ، طويل القامة ، عريض الكتفين، متين البناء ، يرتدي سترة طويلة سوداء، أو بالأحرى تميل إلى الإخضرار، طلق الوجه ، حلو الملامح، لا يزال شاباً ولكنه خشن البشرة. عيناه باردتان ساخرتان، خلف مونوكل يضعه تارة فوق عينه اليمنى وأخرى فوق عينه اليسرى، تتألق عيناه بمرح صبياني... سألته:
مسيو بارنيت؟
انحنى نحوها. وقبل أن يسعفها الوقت لكي تسحب يدها طبع عليها قبلة في احترام... ثم قال:
- جيم بارنيت ، في خدمتك يا سيدتي. ما إن تلقيت رسالتك حتى أسرعت بالمجيء .
بدا عليها الذهول والتردد في طرد الدخيل.. ولكنه واجهها بذلك المرح الذي يتميز به رجال المجتمع ذوي الخبرة بأصول المجاملة بحيث لم يسعها إلا أن تقول:
قيل لي إنك بارع في حل القضايا المعقدة.
ابتسم في صلف وقال:
إنما هي موهبة لدي . فإنني أستطيع أن أرى في وضوح ، وأن أفهم.
كان صوته حلواً ، حاسم اللهجة، ومسلكه ينم عن تهكم خفي وسخرية مغلفة. كان يبدو شديد الثقة بنفسه وبمواهبه بحيث يوحي لمن يستمع إليه بمقدرته غير المحدودة ، وأحست فاليري لأول وهلة أنها تخضع لنفوذ ذلك الرجل الغريب ، الفظ المظهر، والذي يقول عن نفسه أنه رئيس وكالة خاصة للاستعلامات والتحريات ، ورأت أن تعامله بالمثل فقالت:
- لعل من الأوفق أن نتكلم أولاً عن الشروط.. أسرع يقول:
- هذا أمر لا داعي له على الإطلاق .
ابتسمت بدورها وقالت:
- ومع ذلك فأنت لا تعمل لاكتساب المجد؟
- إن مكتب بارنيت يعمل مجاناً يا سيدتي.
بدا عليها الإستياء وقالت:
- كنت أود أن نتفق بيننا على شيء من التعويض أو المكافأة على الأقل.
قال وهو يضحك في استهزاء:
تعنين بقشيشاً!.. أصرت قائلة:
ومع ذلك فلا أستطيع أن ...
- أن تظلي مدينة لي؟ .. إن المرأة الجميلة لا تدين بأي شيء لأي رجل . وأردف على الفور ، ربما للتخفيف من جرأة تهكمه:
- ولكن لا تخشي شيئاً يا سيدتي البارونة.. مهما يكن من أمر الخدمات التي سأؤديها لك فسوف أتدبر أمري بحيث لا يخرج أي منا مديناً للآخر.
ما معنى هذه الكلمات الغامضة؟ هل في نية هذا الرجل أن يسدد حسابه لنفسه؟ وماذا ستكون طبيعة هذا السداد؟
أحست برجفة من الضيق ، واصطبغ لونها .. الحق أن مسيو بارنيت هذا يوحي إليها بقلق غامض غير بعيد عن ذلك الإحساس الذي يحس به المرء أمام سارق يسطو على المنازل ، كما مر ببالها خاطر عجيب ... يا إلهي !.. نعم، خطر لها أنها ربما تواجه عاشقاً اختار هذه الطريقة الغريبة لإقتحام منزلها .. ولكن كيف تعرف ؟ وفي كل الحالات ، كيف تتصرف؟ تنازعها الخجل والإستسلام والأمان في نفس الوقت ، وأحست بأنها على استعداد للتسليم له بكل شيء .. ولهذا فما أن سألها المخبر عن الأسباب التي دفعتها إلى طلب المساعدة من مكتب بارنيت حتى تكلمت دون لف أو دوران، وبدون أية مقدمات ، كما طالبها بأن تفعل ... ولم يكن الحديث طويلاً ، فقد بدا مسيو بارنيت على عجل من أمره .. قالت:
كان ذلك يوم الأحد الأسبق ، كنت قد دعوت بعض الأصدقاء للعب البريدج ، وأويت في تلك الليلة لغرفتي مبكرة، ونمت كعادتي.. ولكن الصوت الذي أزعجني في نحو الساعة الرابعة.. في الرابعة والدقيقة العاشرة بالتحديد ، تبعه صرير ، بدا لي أن باباً يقفل.. وكان ذلك صادراً من مخدعي ... قاطعها بارنيت قائلاً:
أي في هذه الغرفة؟
وانحنى بارنيت في احترام، وهو يقول:
ناحية تلك الغرفة؟
- أجل.. وهي متصلة بغرفة نومي من ناحية، ومن ناحية بالطرقة التي تؤدي إلى سلم الخدم .. وأنا لا أخاف ، ونهضت بعد لحظة.
فقال:
- نهضت إذن؟
- نعم ودخلت، وأضأت النور. لم يكن هناك أحد ، ولكن هذه الفترينة كانت قد وقعت بكل محتوياتها من أشياء وتحف وتماثيل ، وتحطم بعضها. ومضيت إلى زوجي ، وكان يقرأ في فراشه ، ولم يسمع شيئاً .. وأحس بالقلق الشديد فقرع الجرس يستدعي رئيس الخدم الذي بدأ أبحاثه على الفور، وهي أبحاث تابعها منذ الصباح قوميسير البوليس.. سألها بارنيت:
- والنتيجة؟
- لم يكن هناك أي أثر يدل على دخول أو خروج الشخص.. كيف دخل وكيف خرج؟ .. هذا أمر غامض ، ولكنهم عثروا ، تحت وسادة، بين بقايا التحف على نصف شمعة وملقاط صغير ذي مقبض من الخشب، قذر جداً . ولما كان قد أقبل سباك بعد ظهر ذلك اليوم لإصلاح حنفيات الحوض في دورة المياه الملحقة بغرفة زوجي ، فقد استجوبوا صاحب المحل ، واعترف بأن المثقاب يخصه ، وعثروا لديه على النصف الآخر من الشمعة و..
قاطعها بارنيت قائلاً:
- الأمر مؤكد إذا من هذه الناحية.
- نعم.. ولكن يناقضه أمر آخر مؤكد أيضاً ومحير حقاً فقد أثبت التحقيق أن العامل استقل القطار السريع المنطلق إلى بروكسل في الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه، وأنه وصل هناك في منتصف الليل ، أي قبل الحادث بثلاث ساعات.
- عجباً .. وهل عاد ذلك العامل؟
- كلا .. وإنما عثروا على آثاره في مدينة إنفرس حيث راح ينفق المال بغير حساب.
- وهل هذا كل شيء؟
- نعم تماماً .
- ومن الذي قام بالتحقيق؟
- المفتش بيشو.
ظهرت إمارات الفرح الشديد على ملامح بارنيت وقال:
- بيشو؟.. آه ، هذا الرجل العظيم!.. إنه من أعز أصدقائي يا سيدتي البارونة، وقد اشتركنا في العمل معاً كثيراً .
- الواقع أنه هو الذي حدثني عن مكتب بارنيت.
- لأنه لم يصل إلى نتيجة طبعاً ؟
- هو ذلك.
- هذا العزيز بيشو!.. سيسرني أن أؤدي له خدمة.. ولك أنت أيضاً يا سيدتي البارونة.. صدقيني .. لك أنت على الخصوص.
ومضى إلى النافذة ، واعتمد عليها بجبينه، وبقي بضع لحظات يفكر وهو ينقر بأحد أصابعه على لوح الزجاج ويترنم بلحن راقص. وتحول أخيراً إلى مدام أسرمان وقال:
- وخطر لبيشو طبعاً ، ولك أنت أيضاً يا سيدتي أنه كانت هناك محاولة للسرقة.
- نعم .. محاولة لم تثمر لأننا لم نكتشف ضياع شيء .
- لنفرض ذلك . ولكن مهما يكن فقد كان لهذه المحاولة هدف معين ولا بد أنك تعرفينه، فما هو؟
أجابت فاليري بعد تردد يسير:
- لا أعرف!
ابتسم المخبر السري ثم مد إصبعاً ساخراً إلى قطعة من القماش تحيط بالمخدع، فوق العامود، وسألها كما لو أنه يسأل طفلاً أخفى شيئاً:
- ماذا يوجد تحت هذه القطعة؟
أجابت مذهولة:
- لا شيء .. ما معنى هذا؟
قال مسيو بارنيت في لهجة جدية:
- معناه أن أشد المفتشين سذاجة يلحظ أن أطراف هذه القطعة المربعة من القماش مستهلكة شيئاً ما ، وأنها تبدو في بعض المواقع متفرقة عن العامود بفتحة، وأن هناك ما يحمل على الظن بأن هناك خزانة مخبوءة في هذا المكان يا سيدتي البارونة.
سرت رعشة في بدن فاليري، إذ كيف استطاع مسيو بارنيت أن يخمن مع هذه الأدلة الغامضة ، وفجأة رفعت قطعة القماش وكشفت بذلك عن باب صغير من الصلب وعالجت في انفعال الأزرار الثلاثة لقفل الخزانة وهي تشعر بقلق شديد .. ورغم أن النظرية كانت غير معقولة، فقد تساءلت إن لم يكن ذلك الرجل الغريب قد سرقها أثناء الدقائق القليلة التي بقي فيها في الغرفة لوحده.
وأخرجت من جيبها مفتاحاً وفتحت الخزانة.. وما كادت تفعل حتى تنهدت في ارتياح، فقد كان بداخل الخزانة عقد رائع من اللؤلؤ ، أخذته ونظرت إلى بارنيت وقد اطمأنت.. ولكن بارنيت انفجر ضاحكاً وقال:
- الحق أنه عقد رائع وجميل ولا يستغرب أن يسرقه اللص.
نظرت البارونة إليه مشدوهة وقالت:
- وكيف تسنى له سرقته ؟ إنه حاول طبعاً ولكنه باء بالفشل .
- هل أنت واثقة مما تقولين يا سيدتي البارونة؟
- طبعاً . فالعقد في يدي، والشيء المسروق يختفي كما تعلم.
- بل قولي إن في يدك عقداً ، ولكن هل أنت واثقة من أنه عقدك الأصلي، وأن له قيمة ما ؟
- طبعاً ، فقد عرضته منذ أسبوعين على أحد تجار المجوهرات، وقد قدره بنصف مليون فرنك.
- منذ أسبوعين؟ .. أي قبل الحادث الذي وقع في هذه الغرفة بخمسة أيام .. صحيح أنني لست متأكداً ، لأنني لم أفحص العقد بعد، ولكنني أشعر بالإرتياب.. أفلا تشاركينني شعوري؟
لم تنطق البارونة لأنها لم تعرف فيما ترتاب، ولكنها أحست بقلق غامض، ونظرت إلى العقد الذي في يدها في شيء من الحيرة.. وتحقق لها فجأة أنه أخف من عقدها الذي تعرفه.. ولم تلبث أن لاحت عليها إمارات الفزع وقد بدت لها الحقيقة فجأة ، وقال بارنيت:
- نعم، نعم، لقد أوضحت لك الحقيقة، والأمر واضح كما ترين، فإن الرجل الذي اقتحم غرفتك لم يسرق وإنما استبدل شيئاً بشيء، وبذلك لم يختف من الغرفة أي شيء.. ولولا أنه اصطدم بالفترينة فسقطت وصدر منها ذلك الصوت لما استيقظت ولما انكشف الأمر أبداً.. وما كنت لتعرفي أن العقد البديع الذي تتزينين به ما هو في الواقع إلا عقد مزيف لا يساوي أكثر من بضعة فرنكات.
ولزم بارنيت الصمت لحظة، ولكنه لم يلبث أن قال محاولاً أن يصل إلى هدفه بأسرع ما يمكن:
- وصلنا الآن إلى أهم نقطة في الموضوع، وهي أن عقد اللؤلؤ اختفى ، ولكن لا يجب أن نتوقف عند هذه النقطة.. وعلينا الآن أن نحاول الإهتداء إلى نقاط أخرى ، وأن نمحص كل شيء بدقة، وعليه فلنفترض أن زوجك رغم مرضه استطاع في تلك الليلة أن يجر نفسه من غرفته حتى هنا، وأنه استخدم الشمعة والمثقاب الذين نسيهما العامل قبل انصرافه، وأنه فتح الخزانة وقلب الفترينة، وأنه هرب خوفاً من أن تكوني قد سمعته .. أفلا يبدو كل شيء جلياً وواضحاً حتى الآن؟ .. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن لا يكون هناك ما يدل على دخول أو خروج أي شخص.. ومن الطبيعي أيضاً أن تكون الخزانة قد فتحت دون أي اغتصاب وأنه رآك خلال السنوات التي حظى فيها بالدخول إلى مخدعك ، وأنت تفتحين الخزانة مراراً وتكراراً ، ولاحظ طريقة معالجتك لأرقامها وكيف تفتحينها.
بدا أن النظرية الصغيرة أفزعت فاليري الجميلة، وكانت تصغي إليه كما لو أنها ترى كل ما حدث وتتذكر. وقالت في ذهول:
- أنت مجنون، إن زوجي لا يستطيع.. إذا كان قد جاء في تلك الليلة أحد فلا يمكن أن يكون زوجي.. إن هذا مستحيل.
ولكن بارنيت أردف قائلاً:
- هل كانت هناك نسخة مقلدة من عقدك؟
- نعم !صنع زوجي بدافع الحرص نسخة مقلدة منه منذ أربع سنوات.
- ومع من هذه النسخة؟
أجابت في صوت خافت جداً:
- معه هو!
اختتم مسيو بارنيت حديثه قائلاً في مرح:
- هذه النسخة المقلدة هي التي تمسكين بها بين يديك الآن .. إنها هي التي استبدلت بعقدك الحقيقي .. وهو الذي أخذه .. ولكن لأي سبب.. إن ثروته تضعه فوق كل الشكوك ، ولا بد لنا أن نواجه أسباباً شخصية.. كالإنتقام مثلاً، أو حاجته إلحاق الضرر بك أو ربما معاقبتك، أليس كذلك؟ إن إمرأة شابة وجميلة يمكن أن ترتكب بعض الحماقات، حماقات مشروعة حقاً ولكن قد يحكم عليها الزوج بشيء من القسوة.. وأرجو أن تعذريني يا سيدتي البارونة ، فليس لي أن أتدخل في أسراركما الزوجية، وإنما علي فحسب أن أبحث عن عقدك.
صاحت فاليري وهي تتراجع خطوة إلى الوراء:
- كلا، كلا. كانت تشعر بالذهول من ذلك الشيطان الذي استطاع في بضع دقائق من الحديث ، ولحظات من التهكم ، وبطريقة مخالفة لكل قواعد التحقيق، أن يكتشف بسهولة عجيبة كل الأسرار التي تحيط بها، وأن يريها بطريقة ساخرة الهوة التي يقودها القدر إليها، ولم تعد تشعر بأي رغبة في سماع صوته الساخر، وعادت تقول في إصرار:
- كلا... انحنى أمامها وقال:
كما يحلو لك يا سيدتي، لم يكن في نيتي أن أزعجك، وأنا هنا لكي أؤدي لك خدمة، وإذ بلغنا هذه المرحلة فأنا مقتنع أنك تستطيعين إعفائي من مساعدتك خاصة وأن زوجك لا يمكنه أن يخرج، وإنه ليس من الحماقة بالطبع لكي يعهد بالعقد إلى أي شخص، وأنه لا يزال يحتفظ به مخبوءاً في مكان ما من غرفته.. وبالبحث الدقيق يمكنك العثور عليه.. ويبدو لي أن هذه المسألة قد أصبحت من اختصاص صديقي بيشو.. ولكن لي كلمة أخيرة .. إذا حدث واحتجت إلي فاتصلي بي بالتلفون بالمكتب مساء اليوم من التاسعة إلى العاشرة.. ولك تحياتي يا سيدتي.
ومن جديد قبل يدها دون أن تجرؤ على إبداء أي مقاومة ، ثم انصرف ووهو يسير متبختراً في ارتياح، وأقفل الباب خلفه.
***
وفي نفس المساء طلبت فاليري المفتش بيشو، وبدا أن وجوده المستمر في قصر أسرمان شيء طبيعي، وبدا المفتش القدير وتلميذ جانيمار المشهور بحثه الدقيق في جميع أرجاء البيت، في الغرفة وفي دورة المياه، وفي المكتب بالذات.. وكان العقد مؤلفاً من ثلاثة صفوف من اللؤلؤ، وهو بهذه الصورة لا يمكن إخفاؤه ، وخصوصاً عن رجل قدير مثله ... ومع ذلك فبعد ثمانية أيام من البحث والتدقيق ، وبعد ليلي كان ينتهز فيها تناول البارون منوماً يقوم بنفسه بتفتيش الفراش وما يوجد تحته ، ثبطت همته، وأعلن أن العقد لا يمكن أن يكون موجوداً في القصر.
فكرت فاليري أخيراً في أن تلجأ إلى مكتب بارنيت رغم نفورها من بارنيت نفسه، وأن تطلب معونته.. ماذا يهمها لو أنه قبل يدها أو دعاها بالبارونة العزيزة لو أنه يبلغ الهدف.
ولكن حدث فجأة حادث ليس بالحسبان ، وقلب الموقف تماماً ففي آخر أصيل ذلك اليوم أقبل أحد الخدم مسرعاً وأبلغها أن زوجها تعرض لأزمة شديدة وأنه قد تهالك خائر القوى فوق أريكة بجانب باب دورة المياه وأنه يكاد يختنق وتدل سحنته المقلوبة على أنه يعاني آلاماً مبرحة.
واستولى الخوف على فاليري واتصلت بالطبيب ، ولكن البارون تمتم قائلاً:
- فات الوقت .. فات الوقت.
فقالت: كلا . أقسم لك أنك ستكون على ما يرام.
حاول أن ينهض ، وقال وهو يتمايل نحو دورة المياه:
- أريد ماء.
- ولكن الدورق مملوء أمامك يا صديقي.
- كلا ، كلا. لا أريد هذا الماء.
- ولماذا هذه النزوة؟
- أريد أن أشرب الماء الآخر .. من هذا الصنبور..
ثم وقع وقد خارت قواه.. وفتحت الصنبور الذي أشار إليه ، ثم مضت لكي تأتي بكوب ، ملأته وناولته إياه.. ولكنه رفض أن يشرب.
وخيم صمت طويل، وأشار إليها بأن لديه ما يريد أن يقوله لها فانحنت فوقه، ولكن لا ريب أنه خشي أن يسمعه الخدم لأنه قال:
- اقتربي أكثر.. اقتربي.
تردد كما لو أنها خشيت ما سوف يقول.. ولكن نظرة زوجها اتخذت سمة آمرة أجبرتها أن تذعن فجثت بجواره وألصقت أذنها بفمه تقريباً . وهمس بكلمات غير مفهومة استطاعت أن تخمن معناها بكل جهد:
- عقد اللؤلؤ .. يجب أن تعرفي قبل أن أرحل .. أنت لم تحبيني أبداً وتزوجتيني بسبب ثروتي.
احتجت غاضبة ، إزاء هذا الإتهام القاسي في هذه الساعة الخطيرة ، ولكنه أمسك بمعصمها وعاد يقول في غموض كما لو أنه يهذي:
- بسبب ثروتي ، وقد برهنتي على ذلك بسلوكك ،فأنت لم تكوني زوجة مخلصة، ولهذا أردت معاقبتك،و أنا أعاقبك في هذه اللحظة بالذات، وأشعر بسرور كبير .. ولكن يجب أن يقع ذلك ، وقبل أن أموت، لأن اللآلئ ستختفي.. إنك لا تسمعينها الآن وهي تسقط وتمضي مع التيار.. آه يا له من عقاب يا فاليري.. القطرات التي تسقط.. القطرات التي تسقط!
وخارت قواه ، وحمله الخدم إلى فراشه .. وأقبل الطبيب بعد قليل، وأقبلت أيضاً ابنتا أخ له، متقدمتان في السن، علمتا بما يعانيه، ولم تتحرك أي منهما من الغرفة بعد ذلك.. وبدا عليهما الإهتمام بكل حركات فاليري والاستعداد للدفاع عن الأدراج والدواليب ضد كل محاولة.
ومات البارون أسرمان قبل بزوخ الفجر ، دون أن ينطق بكلمة أخرى. ووضعت الأختام على كل الغرف ، وعلى المفروشات بناء على طلب ابنتي الأخ ، وبدأت مراسم الجنازة الطويلة والسهر.
وبعد يومين أقبل محامي البارون ، وطلب مقابلة فاليري على حدة . وكانت ملامحه تنطق بالخطورة والحزن وقال لها:
- إن المهمة الملقاة عليّ عصيبة يا سيدتي البارونة، وأريد الفراغ منها بأسرع ما يمكن، مؤكداً لك مسبقاً أنني لم أوافق على الضرر الذي يقع عليك، ولكنني اصطدمت بإرادة حديدية لا تلين، وأنت تعرفين إصرار مسيو أسرمان ، ورغم كل ما بذلت من جهد.
توسلت إليه فاليري قائلة:
- أرجوك أن تتكلم يا سيدي.
- إليك الأمر إذن يا سيدتي. إن بين يدي الوصية الأولى لمسيو أسرمان ويرجع تاريخها إلى عشرين سنة ، يوصي لك فيها بكل شيء كوريثة شرعية وحيدة.. ولكن يجب أن أقول لك أنه عهد إلي في الشهر الماضي بتحرير وصية أخرى يترك فيها كل شيء لابنتي أختيه.
- وهل معك هذه الوصية؟
-بعد أن قرأها لي وضعها في هذا المكتب، أراد أن لا يطلع عليها أحد إلا بعد أسبوع من وفاته.. ولا يمكن أن ترفع الأختام قبل هذا التاريخ.
أدركت البارونة الآن لماذا نصحها زوجها ، قبل بضع سنوات في الوقت الذي وقعت فيه المشاحنات بينهما، أن تبيع كل مجوهراتها وأن تشتري بثمنها عقداً من اللؤلؤ .. وحيث أن العقد مزيف، وأنها ستحرم من الميراث فلن تكون لها أية ثروة ، ولن يكون لها أي مورد.
وفي اليوم السابق لرفع الأختام، توقفت سيارة أمام محل متواضع بشارع دي لابورد عليه هذه اللافتة:
"مكتب بارنيت وشركاه مفتوح من الساعة الثانية إلى الثالثة" استعلامات مجانية
وهبطت من السيارة امرأة ترتدي ثياب الحداد ، ودقت على الباب فقيل لها أن تدخل.
ودخلت، وسمعت صوتاً تعرفه ، يقول من غرفة داخلية يفصل بينها وبين المكتب ستارة .
- من القادم؟.. أجابت:
- البارونة أسرمان.
- آه ، معذرة يا سيدتي البارونة.. تفضلي بالجلوس. سأحضر حالاً.
انتظرت فاليري أسرمان وراحت تتفحص المكان .. كان عادياً تقريباً ، ليس به غير منضدة ومقعدين، والجدران عارية.. لا ملفات ولا أية أوراق. والشيء الوحيد الذي يزين الغرفة جهاز تلفون ، وبجواره بعض أعقاب السجائر الفاخرة، ويفوح من المكان رائحة رقيقة وأزيحت الستارة، وبرز من خلفها جيم بارنيت، خفيف الحركة، وعلى شفتيه ابتسامة. نفس السترة الطويلة المستهلكة، وربطة عنق جاهزة ومربوطة بغير إحكام، ونفس المونوكل في آخر شريط أسود.
أسرع بالانحناء فوق يدها وقبل القفاز ثم قال:
- كيف حالك أيتها البارونة. هذا شرف كبير لي.. ولكن ما الخبر؟ هل أنت في حداد ؟ أرجو أن لا يكون الأمر خطيراً .. آه .. يا إلهي، ما أشد شرودي! إنني أتذكر.. البارون أسرمان، أليس كذلك؟ يا لها من كارثة . لقد كان رجلاً ظريفاً جداً ، وكان يحبك كل الحب. والآن؟ .. إلى أين كنا وصلنا؟
وأخرج من جيبه نوتة صغيرة تصفحها ثم قال:
- البارونة أسرمان.. هو ذلك.. إنني أتذكر.. اللآلئ المزيفة!.. والزوج السارق.. إمرأة جميلة.. بل جميلة جداً.. يجب أن تكلمني في التلفون.
وأردف يقول في ألفة متزايدة:
- حسناً يا سيدتي العزيزة.. إنني ما زلت أنتظر مكالمتك التلفونية.
تحيرت فاليري مرة أخرى إزاء سلوك ذلك الرجل.. وبدون أن تظهر كامرأة فجعها موت زوجها ، أحست رغم ذلك بمشاعر شاقة زاد من صعوبتها القلق من المستقبل ومن بشاعة الفاقة.. وكانت قد قضت خمسة عشر يوماً قاسية، تتخيل فيها الدمار واليأس بكوابيس حافلة بتبكيت الضمير والفزع والإنزعاج، ما زالت آثارها تبدو على ملامحها.. وهاهي تجد نفسها الآن أمام شاب مرح ، ساخر، لا يبدو أنه يفهم الموقف تماماً .
ولكي تكسب الحديث اللهجة المناسبة، روت له الأحداث بكل هدوء ووقار متحاشية انتقاد زوجها، وأعادت عليه كلمات المحامي، فقال المخبر وعلى شفتيه ابتسامة استحسان:
- حسن.. حسن جداً ل هذا مترابط تماماً .. إن من دواعي السرور أن أرى أن هذه المأساة العاطفية قد دارت بكل نظام وترتيب.
سألته فاليري وقد ازدادت حيرتها:
- من دواعي السرور؟
- نعم . وهو سرور لا ريب أن صديقي بيشو قد شعر به، لأنني أظن أنه شرح لك.
- ماذا؟
- ماذا تقولين؟ أعني أنه لا ريب شرح لك عقدة المكيدة، ولغز الموضوع ألا ترين أن الأمر غريب ومضحك؟.. لا ريب أن بيشو ضحك ما شاء له أن يضحك.
وراح بارنيت يضحك من قلب خلي، ثم قال:
- آه .. حكاية صنبور المياه! وإنها لحكاية جميلة.. ولكنها دبرت بكل إحكام. وأعترف لك بأنني أدركت الحقيقة حالاً .. وعندما حدثتني عن عامل سباك رأيت على الفور العلاقة بين إصلاح الحوض وخطة البارون أسرمان وقلت في نفسي: إن هذا لغريب ، ففي نفس الوقت الذي استبدل فيه البارون العقد الصحيح بالعقد الزائف ، أعد مخبأً أميناً للآلئ الحقيقية، فقد كان ذلك ضرورياً بالنسبة له ، أليس كذلك؟ فلو أنه سلبك اللآلئ لكي يلقيها في نهر السين كشيء لا قيمة له يراد التخلص منه ما كان ذلك ليكون إلا نصف انتقام ، ولكي يكون ذلك الانتقام كاملاً وتاماً ، ورائعاً ، كان لا بد له من الإحتفاظ باللآلئ بجواره وأن يضعها في مخبأ قريب لا يمكن الوصول إليه وهذا ما حدث.
كان يبدو على جيم بارنيت أنه يلهو كثيراً ، واستطرد وهو يضحك:
- وهذا ما حدث بفضل التعليمات التي أصدرها للسباك.. وأخالك تسمعين من هنا الحديث الذي دار بين البارون والسباك:
اسمع يا صاحبي، افحص هذه الأنبوبة التي يتفرغ منها الماء من الحوض.. إنها تهبط حتى العامود وتمتد من دورة المياه الخاصة بي في انحدار يكاد لا يلحظ، أليس كذلك؟ حسناً . سوف تخفف هذا الانحدار وترفع الأنبوبة من هذا المكان قليلاً بحيث تحدث نوعاً من تجويف مسدود يمكن أن يبقى فيه شيء عند الحاجة، وإذا فتح أحد الصنبور فسوف يجري الماء ويملأ ذلك التجويف ويجرف الشيء الذي فيه معه هل تفهم يا صاحبي؟ نعم؟ حسناً . إذا كان الأمر كذلك فاثقب لي ثقباً في هذا المكان من الأنبوبة، عند الحائط على أن يكون قطره نحو سنتيمتر وبحيث لا يراه أحد تماماً ، في هذا الموضع.. هذا رائع .. والآن سد هذا الثقب بهذه السدادة الكاوتشوك.. هكذا .. حسناً جداً يا صاحبي.. لم أعد بحاجة الآن إلا أن أشكرك، وأن يبقى هذا الأمر بيننا سراً .. اتفقنا؟.. ولا كلمة واحدة لأي أحد.. الصمت التام.. وإليك ما يكفل لك أن نستقل قطار بروكسل الليلة، وهاك ثلاث شيكات يمكن أن تقبض قيمتها هناك .. شيك كل شهر.. وأنت حر في أن تعود بعد هذه الشهور الثلاثة.. والوداع يا صاحبي.. ثم يشد على يده.. وفي الليلة التي سمعت فيها الصوت الذي أيقظك من النوم ثم استبدال اللآلئ الحقيقية بالأخرى المزيفة في المخبأ المعد ، أي في التجويف الذي أحدثه في الأنبوبة .. هل تفهميني الآن؟ وإذ أحس بأنه يوشك أن يموت استدعاك وطلب منك كوباً من الماء.. كلا .. ليس من الماء الذي في الدورق وإنما من الصنبور.. وأطعته أنت ، وهذا هو العقاب الرهيب الذي أوقعته على نفسك، وبيدك أنت بالذات، فقد فتحت الصنبور وجرى الماء وجرف معه اللآلئ .. وتمتم البارون عندئذٍ في حماس واهتياج: هل تسمعين؟.. إنها تسقط.. إنها تسقط في الظلمات.
***
أصغت البارونة في صمت واضطراب .. ومع ذلك ، ففضلاً عن فظاعة القصة التي سمعتها والتي تظهر فيها كل تلك القسوة وكل الكراهية، وكل الحقد الذي أحس به زوجها نحوها تذكرت شيئاً آخر استخلصته من الحقائق بدقة مخيفة وقالت:
- إذن فأنت كنت تعرف؟ كنت تعرف الحقيقة؟.. أجاب:
- عجباً !.. أليست هذه مهنتي؟
- ولم تقل لي شيئاً؟
- كيف هذا؟ ولكن أنت أيتها البارونة التي منعتني من أن أقول لك كل ما أعرفه وما كنت أوشك أن أحيطك به علماً ، وصرفتني في شيء من القسوة. وأنا رجل كتوم بطبعي فلم أصر.. ثم كان لا بد لي من أن أتحقق.
تمتمت فاليري:
- وهل تحققت؟
- أوه .. كان ذلك بدافع الفضول.
- متى؟.. في أي يوم.
- في نفس الليلة بالذات.
- تلك الليلة؟.. هل استطعت دخول البيت والشقة؟.. وكنني لم أسمع.
- إنني اعتدت العمل دون أن يصدر مني أي صوت.. ولم يسمع البارون أسرمان شيئاً هو الآخر.. ومع ذلك.
- ومع ذلك؟..
- لأنني أوسعت الثقب بالأنبوبة.. ذلك الثقب الذي أدخل منه زوجك العقد .
ارتجفت وقالت:
- إذن.. إذن.. فأنت قد رأيت؟
- رأيت؟
- اللآلئ؟
- كانت اللآلئ موجودة.
عادت فاليري تقول في صوت خافت مكتوم:
- إذا كانت هناك .. فقد استطعت إذن أن تأخذها؟
اعترف ببساطة:
أظن يا سيدتي أنه لولاي ، أنا جيم بارنيت، للحقت بالمصير الذي أراده لها أسرمان يوم موته.. ذلك المصير الذي وصفه لك. إنها تسقط.. إنها تسقط في الأعماق.. ولأفلح انتقامه.. وإنها لخسارة فهو عقد جميل .. وتحفة لمن يحتفظ به.
لم تكن فاليري من النساء اللواتي ينفعلن ويخضعن للغضب بسهولة وذلك حتى تظل محتفظة بهدوئها ووقارها .. ولكن الغضب تملكها بشكل جنوني في تلك اللحظة، بحيث أنها انقضت على بارنيت وحاولت الإمساك بخناقه قائلة:
- هذه سرقة .. ما أنت إلا أفاق .. كنت أشك في ذلك.. أفاق ومحتال.
أبهجت كلمة محتال الشاب وتمتم:
- محتال.. هذه كلمة جميلة..
ولكن فاليري لم تتوقف ، بل راحت تذرع أرض الغرفة جيئة وذهاباً وهي تهتز من فرط الغضب. وقالت:
- لن أسكت على هذا .. ستعيده إلي على الفور وإلا أبلغت البوليس.
هتف يقول:
أوه يا للمشروع البغيض! كيف يمكن لامرأة جميلة مثلك أن تعامل مخلصاً وأميناً هذه المعاملة الجافة؟
هزت كتفيها وقالت بلهجة الأمر:
- عقدي!
- عجباً ولكنه تحت تصرفك. هل تظنين أن جيم بارنيت يسلب الناس الذين يشرفونه باستخدامه؟.. هذا عجيب! وكيف يكون من أمر مكتب بارنيت وشركاه الذي تقوم شهرته على استقامته ونزاهته المطلقين؟ إنني لا أطالب عملائي بأي شيء ولو أنني احتفظت بعقدك فإنني أكون لصاً محتالاً في حين أنني رجل شريف ها هو عقدك يا عزيزتي البارونة.
وقدم لها كيساً من القماش يحتوي على اللآلئ ووضعه فوق المنضدة، دهشت البارونة، وأمسكت بالعقد الثمين بيدها المرتعشة ولكنها خشيت فجأة أن يكون في الأمر حيلة ما لأنها أسرعت نحو الباب دون تردد.
فضحك بارنيت وقال:
- أراك على عجل من أمرك يا سيدتي.. أفلا تفحصين حبات اللؤلؤ أولاً ؟ مائة وخمسة وأربعون لؤلؤة.. وكلها موجودة. وهي اللآلئ الحقيقية هذه المرة..
قالت فاليري:
- نعم، نعم. إنني أعرف.
- وهل أنت واثقة؟ هل أنت واثقة أنها نفس اللآلئ التي قدر ثمنها بخمسمائة ألف فرنك ؟
- نعم. إنها هي بنفسها.
- هل أنت متأكدة؟.. قالت دون تردد:
- نعم.
- ما دام الأمر كذلك فإنني أشتريها منك.
- تشتريها مني؟.. ما معنى ذلك؟
- معناه أنك الآن وقد أصبحت بدون ثروة فسوف تضطرين إلى بيعها. ومن الأوفق أن تبيعيها لي، فأنا أعرض عليك أكثر مما سيعرضه غيري . أعرض عليك ما يوازي قيمتها عشرين مرة، فبدلاً من خمسمائة ألف فرنك، فإنني أعرض عليك عشرة ملايين . آه .. آه!.. أراك وقد بهت، فإن عشرة ملايين مبلغ ضخم.
- عشرة ملايين؟
- تماماً .. وهي القيمة التي يقدر بها ميراث مسيو أسرمان.
توقفت فاليري أمام الباب وقالت:
- ميراث زوجي؟ .. إنني لا أرى العلاقة.. أوضح الأمر.
قال جيم بارنيت في هدوء وهو يضغط على كلماته:
- إن التفسير بسيط ويكمن في بضع كلمات. عليك أن تختاري بين عقد اللؤلؤ وبين الميراث.. رددت دون أن تفهم:
- عقد اللؤلؤ والميراث؟..
- هو ذلك فهذا الميراث كما قلت لي مرتبط بوصيتين: الأولى في صالحك والثانية في صالح ابنتي الأخ العجوزين. وهنا تملكان ثروة طائلة وشريرتان، كما لو كانتا ساحرتين.. فإذا لم توجد الوصية الثانية تصبح الأولى نافذة المفعول.
تمتمت في صوت أصم:
- يجب أن ترفع الأختام غداً وأن تفتح أدراج المكتب، والوصية فيه.
قال بارنيت مزمجراً:
- الوصية فيه. أو ليست فيه. وأعترف في تواضع شديد أنها ليست فيه.
- هل هذا ممكن؟
- ممكن تماماً .. بل يكاد يكون أمراً مؤكداً ، فإنني أتذكر في الواقع أنني في الليلة التي تبادلنا فيها الحديث، أنا وأنت، عندما أتيت لجس أنبوبة الحوض انتهزت الفرصة لكي أقوم بزيارة لغرفة زوجك العزيز، وكان غارقاً في النوم.. قالت وهي ترتجف:
- وهل أخذت الوصية؟
- يبدو ذلك .. وأظن أنها مكتوبة في هذه الورقة بخط رديء .
وبسط ورقة مدموغة عرفت فيها خط مسيو أسرمان وقرأت ما يلي:
"أنا الموقع أدناه، المالي جوزيف أسرمان ، أقر بأن زوجتي لا يمكن أن تطالب بثروتي وذلك لأسباب خاصة تعرفها هي وإنني.."
ولم تكمل فقد اختنق صوتها ، وتهالكت فوق المقعد وقد خارت قواها وتلعثمت قائلة:
- إنك سرقت هذه الورقة.. لا أريد أن أكون شريكة.. يجب أن تنفذ إرادة زوجي المسكين.. يجب ذلك.
أبدى جيم بعض الحماس وقال:
- آه ما أجمل هذا الذي تقولين، يا صديقتي العزيزة.. الواجب هنا، في التضحية، وأنا أقرك تماماً، لا سيما أنه واجب شديد القسوة، لأن ابنتي الأخ المذكورتين غير جديرتين بأي اهتمام، وأنت نفسك التي تضحين بنفسك بسبب أحقاد مسيو أسرمان.. ولماذا؟.. أبسبب بضع تفاهات صدرت منك في سبابك تقبلين مثل هذا الظلم؟ فاليري الجميلةتحرم نفسها من الترف الذي تستحقه وتضطر لأن تعيش في الفقر والفاقة! مهما يكن فإنني أهيب بك أن تفكري جيداً في الأمر أيتها البارونة .. فكري في الأمر وفي نتائجه الممكنة .. إذا اخترت العقد ، وأعني أن لا يكون بيننا أي سوء تفاهم، إذا خرج العقد من هذه الغرفة فإن المحامي سيتلقى غداً هذه الوصية الثانية وتحرمين من الميراث، وإلا..
- وإلا.
- وإلا فلم يعرف أحد بأمر الوصية الثانية، وترثين أنت كل الثروة.. عشرة ملايين تؤول إليك بفضل جيم بارنيت.
***
كان الصوت ساخراً .. وأحست فاليري بالضيق والإختناق . عجزت عن الحركة كفريسة وقعت بين يدي ذلك الشيطان.. لم يكن هناك أي مقاومة مستطاعة، فهي إذا لم تترك العقد فسوف تصبح الوصية الثانية علنية، ومع مثل هذا الخصم لم يكن هناك أي أمل ولن يقبل أبداً .
وقضى جيم بارنيت لحظة وجيزة خلف الستارة.. وكان من الجرأة بحيث عاد بعد برهة وقد دهن وجهه بمادة دهنية وراح يمسحها شيئاً فشيئاً كما يفعل الممثلون عندما يتنكرون.
بدا لها عندئذٍ بهيئة أخرى ، أصغر سناً ببشرة جميلة صحية وقد غير عقدة ربطته برباط أنيق واستبدل السترة الطويلة المستهلكة بجاكيت على أحدث طراز، وتصرف كرجل لا يمكن أن يخونه أحد أو أن يشي به. كان واثقاً من أن فاليري لن تجرؤ أبداً على أن تذكر كلمة من كل ذلك لأحد، ولا حتى للمفتش بيشو، وأن سره سوف يصان.. وانحنى نحوها وقال وهو يضحك:
- يخيل إلي أنك ترين الأمور الآن بصورة أكثر وضوحاً .. وهذا أفضل. وعلى كل حال فمن ذا الذي يمكنه أن يعرف أن البارونة أسرمان تتزين بعقد زائف.. لا أحد من أصدقائها أو صديقاتها، بحيث أنك تكسبين معركة مزدوجة، فتحتفظين في نفس الوقت بثروتك الشرعية وبعقد لن يشك أحد في حقيقته .. أليس هذا جميلاً ؟ أولا تبدو الحياة أمامك بصورة أكثر إمتاعاً .. الحياة الجميلة المثيرة بلهوها ومرحها وحلاوتها حيث يمكن أن تقومي فيها بكل الحماقات التي يستحقها سنك.
لم يكن في نية فاليري أن تقوم بأية حماقات ، فرمت جيم بارنيت بنظرة حافلة بالحقد والغضب ، وخرجت رافعة الرأس وتركت فوق المنضدة الكيس الصغير الذي يحتوي على العقد.
وقال جيم بارنيت يحدث نفسه وهو يعقد ذراعيه في سخط:
- وهذه ما يسمونها امرأة شريفة!.. يحرمها زوجها من الميراث لكي يعاقبها على مباذلها ولا تحفل بإرادته الأخيرة.. هناك وصية، ولكنها تخفيها، ومحام تخدعه.. وابنتا أخ تسرقهما.. ويا له من شيء منفر وفظيع وما أجمل القيام بدور المنتقم الذي يعاقب ويعيد الأمور إلى مكانها الحق.
ووضع بارنيت العقد في خفة في مكانه الحق ، أي في جيبه، ثم ، وبعد أن فرغ من ارتداء ثيابه ووضع سيجاراً فخماً بين شفتيه والمونوكل فوق عينه، غادر مكتب بارنيت وشركاه.
***
نهاية الفصل الأول

 
 

 

عرض البوم صور Cherry  

قديم 31-08-06, 12:15 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عاشقة روائع ارسين لوبين


البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7482
المشاركات: 699
الجنس أنثى
معدل التقييم: Cherry عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 13

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
Cherry غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Cherry المنتدى : روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
افتراضي الفصل الثاني

 


رسالة غرام من الملك جورج



الرواية علي شكل كتاب
http://www.4shared.com/file/3522345/8c44a030/___.html

لمن يشكو الحجب

httpS://www.4shared.com/file/3522345/8c44a030/___.html

طرق بعضهم الباب بينما كان مسيو بارنيت ، بمكتب بارنيت وشركاه يغفو فوق مقعده، في انتظار عميل، فقال:
- ادخل.
وعندما رأى الوافد الجديد صاح قائلاً:
- آه . المفتش بيشو! .. جميل جداً منك أن تزورني .. كيف حالك أيها الصديق العزيز؟
كان المفتش بيشو يختلف في المظهر، وفي المسلك، عن النمط المألوف لرجال البوليس، فقد كان مفرط الأناقة يعنى بعقدة رباط عنقه وينشي ياقة قميصه.. كان شاحب الوجه، طويل القامة، نحيف الجسم، بادي الضعف ولكن له ذراعان ضخمان ورأس قوية يبدو كما لو أنه استعارها من أحد أبطال الملاكمة، وعلقها كيفما اتفق على جسده بوزن الريشة.. وكان فخوراً به على كل حال، ويرتسم على ملامحه مرح صبياني دائم، ونظرته لا تخلو من الذكاء والحدة. وأجاب على سؤال بارنيت:
- مررت بك في طريقي، ولما كنت أعرف عاداتك المنظمة، فقد قلت لنفسي: آه . هذه هي الساعة التي يستجم فيها جيم بارنيت، وإذا أنا توقفت..
أكمل جيم بارنيت عبارته قائلاً:
- لكي اسأله المشورة.
اعترف المفتش بيشو الذي كان يدهشه ذكاء بارنيت فقال:
- ربما.
ومع ذلك فقد بدا عليه التردد.. فقال له بارنيت:
- ما الخبر إذن؟.. هل تبدو لك الاستشارة صعبة؟
ضرب المفتش المنضدة بقبضته ضربة قوية وقال:
- الواقع أنني متردد إلى حد ما، فقد اتفق أن اشتركنا معاً في العمل ثلاث مرات، في تحقيقات عويصة، أنت بصفتك مخبراً سرياً وأنا بصفتي كمفتش بوليس، وخيل إلي في المرات الثلاث أن الأشخاص الذين طلبوا معونتك، ومنهم البارونة أسرمان بالذات يفترقون عنك وهم يشعرون نحوك بضغينة ما.
قاطعه بارنيت قائلاً:
- كما لو أنني انتهزت الفرصة ومارست معهم الإبتزاز.
- كلا . لا أريد أن أقول هذا.
ربت بارنيت على كتفه وقال:
لا تنس أيها المفتش شعار المكتب:" استعلامات مجانية".. حسناً، أقسم لك بشرفي أنني لم أطالب عملائي بأي شيء ، وأنني لن أقبل منهم شيئاً أبداً.
تنفس بيشو في ارتياح وقال:
- أشكرك .. أنت تعرف طبعاً أن ضميري المهني لا يسمح لي أن أتعاون معك إلا ببعض الشروط، ولكن الواقع ، واسمح لي أن أكون متطفلاً، ما هي موارد المكتب؟
- إن كثيرين من رجال الخير يمولونني ، وهم يريدون الاحتفاظ بالسرية.
ولم يصر المفتش بيشو، في حين استطرد بارنيت:
- والآن يا بيشو.. أين وقعت القضية التي أتت بك إلي؟
- على مقربة من مارلي.. قتل رجل اسمه فوشيريل, فهل سمعت عنه؟
- في شيء من الغموض.
- لا يدهشني ذلك فإن الجرائم لم تهتم بهذه الجريمة بعد ، رغم غرابتها الشديدة.
- إنه قتل بطعنة سكين ، أليس كذلك؟
- نعم.. بين كتفيه.
- وهل هناك بصمات أصابع على السكين؟
- كلا.. لا ريب أن مقبض السكين كان ملفوفاً بقطعة من الورق، فقد وجدناها بين الرماد.
- أليست هناك أدلة أخرى؟
- ولا دليل واحد.. لا شيء غير الفوضى.. الأثاث مقلوب، وأحد أدراج المكتب مكسور، ولكن لم نتمكن من معرفة سبب كسره أو ما الذي أخذه القاتل.
- وعلام أسفر التحقيق؟
- إن رجال التحقيق يقومون الآن بعمل مواجهة بين السيد ليبوك، وهو موظف متقاعد، وبين أبناء العم جودو الثلاثة.. وهم ثلاثة من أسوأ الأشرار، مهورون بالسلب والنهب وسرقة الدجاج والطيور.. وكل من الجانبين يتهم الآخر ، وذلك دون أي دليل، بارتكاب الجريمة.. هل تريد أن نمضي بالسيارة لحضور الاستجواب؟
- هلم بنا.
- ولكن لي كلمة أخيرة يا بارنيت.. إن المسيو فورميري الذي يقوم بالتحقيق في القضية يريد لفت الأنظار إليه للفوز بوظيفة في باريس، وهو قاسٍ دقيق وحساس، لن يطيق دعاباتك وتهكماتك التي يحلو لك أن توجهها إلى رجال العدالة.
- أعدك يا بيشو أ أعامله بما يليق به من احترام.
***
في منتصف الطريق بين بلدة فونتين وغابة مارلي، يقوم وسط قطعة من الأرض بيت صغير من طابق واحد، منخفض الجدران، وبه بستان متواضع للخضر يعرف باسم الكوخ كان يقطنه قبل ذلك بثمانية أيام كتبي قديم يدعى فوشيريك، لم يكن يغادر مملكته الصغيرة من الزهور والخضر إلا لكي يمضي، من وقت لآخر، إلى باريس للتنقيب عن الكتب على أرصفتها.. وكان معروفاً بشدة بخله وثرائه، رغم أنه كان يعيش عيشة متواضعة.. لم يكن يستقبل أحداً أبداً، فيما عدا صديقه ليبوك الذي يقطن في فونتين.
وكان قد تم إعادة تمثيل الجريمة واستجواب السيد ليبوك.. وكان القضاة يتجولون في الحديقة عندما هبط جيم بارنيت والمفتش بيشو من السيارة .. وقدم بيشو نفسه لرجال الشرطة الذين يحرسون البيت، فسمحوا له بالدخول، فمضى ومعه بارنيت، وانضما إلى قاضي التحقيق ووكيل النيابة في اللحظة التي توقفا فيها بجوار أحد الجدران. وبدأ أبناء العم جودو الإدلاء بأقوالهم.. كانوا ثلاثة من الرجال الأجلاف الذين يعملون في المزارع لمن يريد استخدامهم، لا يجمع بينهم شيء غير تعبير ماكر وعنيد على وجوه متنافرة.. وقال أكبرهم:
- نعم يا سيدي القاضي.. إننا أسرعنا هنا لنجدة القتيل.
- وهل كنتم قادمين من فونتين؟
- ونعم وكنا عائدين إلى العمل في الساعة الثانية ونتحدث مع الأم ونيز بالقرب من هنا عندما بدأت الصرخات، فقلت: هناك من يستغيث، والصوت صادر من "الكوخ". وكنا نعرف أن مسيو شوفيريل يقيم فيه يا سيدي القاضي، فأسرعنا ووثبنا فوق السور رغم قطع الزجاج التي تعلوه ، واجتزنا الحديقة.
- وأين كنتم بالتحديد عندما انفتح باب البيت؟
قال جودو الأكبر وهو يتقدم الجماعة إلى قطعة منبسطة من الأرض:
- هنا بالذات.
قال قاضي التحقيق وهو يشير إلى الدرجتين اللتين تؤديان إلى البهو:
- أي على بعد خمسة عشر مراً من السلم.. ومن هذا المكان رأيتم؟
- مسيو ليبوك نفسه.. رأيته كما أراك الآن.. كان يسرع بالخروج، كما لو أنه ينشد الفرار.. وعندما رآنا أسرع بالدخول من جديد.
- هل أنت واثق من أنه كان مسيو ليبوك؟
- كل الثقة.. وأقسم على ذلك.
تحول القاضي إلى الشابين الآخرين مستفهماً، فأقسما بأنهما رأيا مسيو ليبوك بالذات.
- ألا يمكن أن تكونا قد أخطأتما؟ .. قال الأكبر:
- إنه يقيم بجوارنا ، في فونتين منذ خمسة أعوام، بل إنني ذهبت إليه باللبن مراراً.
أصدر القاضي أوامره، ففتح باب البهو، وأقبل من الداخل رجل في الستين من عمره، يرتدي ثوباً من الكتان المحبوك، وعلى رأسه قبعة من القش، له وجه باسم ومتورد.. وقال أبناء العم الثلاثة في وقت واحد:
- مسيو ليبوك.
وتكلم وكيل النيابة فقال:
من الواضح أنه لا يمكن أن يقع أي خطأ من هذه المسافة وأن أبناء العم جودو الثلاثة لم يخطئوا في شخصية الهارب.. قال القاضي:
- بالتأكيد . ولكن هل يذكرون الحقيقة؟.. وهل رأوا مسيو ليبوك حقاً؟
ودخل الجميع البيت، وانتقلوا إلى قاعة فسيحة بدت جدرانها كأنها مكسوة بالكتب.. ولم يكن بها غير بضع قطع من الأثاث: منضدة كبيرة، تلك التي انكسر أحد جوانبها، وصورة بالحجم الطبيعي وبدون إطار لفوشيريل نفسه.. رسم تخطيطي بالألوان، كما لو أن رساماً فاشلاً قد حاول أن يبرز شخصية الرجل.
وعلى الأرض تمثال بالحجم الطبيعي للقتيل.
وعاد القاضي يقول:
- ألم ترى يا جودو مسيو ليبوك ثانية عندما دخلت؟
- كلا . وإنما سمعنا أنيناًينبعث من هنا فأسرعنا على الفور.
- إذن فقد كان فوشيريل لا يزال على قيد الحياة ؟
- أوه.. كان في حال ميئوس منها بالطبع.. راقداً على صدره والسكينبين كتفيه.. وجثونا بجواره.. كان المسكين ينطق ببعض الكلمات.
- وهل سمعتموها ؟
- لم ينطق إلا بكلمة واحدة رددها أكثر من مرة فقد قال:"مسيو ليبوك"، ومات وهو يتلوى .. وجرينا عندئذٍ في كل مكان، ولكننا لم نجد لمسيو ليبوك أثراً.. ولا ريب أنه هرب من نافذة المطبخ، وكانت مفتوحة، ثم مضى من الطريق الضيق الذي يغطيه الحصى حتى بيته.. وذهبنا عندئذٍ، نحن الثلاثة إلى مركز الشرطة، وروينا ما حدث.
ألقى القاضي بضة أسئلة أخرى.. وأوضح من جديد التهمة التي يوجهها أبناء العم الثلاثة نحو ليبوك.. ثم تحول إلى هذا الأخير، وكان مسيو ليبوك قد أصغى إليهم دون أن يقاطعهم، وحتى دون أن يزايله هدوءه، أو أن يبدو عليه أي تأثير.. بل على العكس، فيبدو أن أقوال أبناء العم جودو بدت له من الحماقة والغباء بحيث لم يبد بها أي اهتمام، كما بدا له أنها لم تحدث أي تأثير في رجال العدالة هم الآخرون.. وسأله القاضي قائلاً:
- أليس عندك ما تقوله يا مسيو ليبوك؟
- لا جديد عندي.
- أما زلت تؤكد؟..
- ما زلت أؤكد ما تعرفونه مثلي يا سيدي القاضي، وأعني الحقيقة.. أن أهلي فونتين الذين استجوبتموهم أكدوا لك أن مسيو ليبوك لا يبرح بيته أبداً أثناء النهار، فإنهم يأتونه بطعام الغداء من الحانة ويمضي وقته من الساعة الواحدة حتى الرابعة في القراءة أمام نافذته، ويدخن غليونه. والجو كان صحواً في ذلك اليوم. كانت نافذتي مفتوحة، وقد رآني خمسة أشخاص، كما اعتادوا أن يروني كل يوم من خلال سور حديقتي.
- إنني استدعيتهم لاستجوابهم آخر النهار.
- هذا حسن .. سيؤكدون لك ما سبق أن أدلوا به، وهو أنني لا أستطيع أن أكون هنا وفي بيتي في وقت واحد، وسوف تتأكد يا سيدي القاضي أنهم لم يروني أخرج من "الكوخ" .. وأن صديقي فوشيريل لا يمكن أن يكون نطق باسمي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن أبناء العم الثلاثة لئام وأوغاد بناءاً على ذلك.
- وترد إليهم تهمة القتل، أليس كذلك؟.
- أوه . هذا مجرد افتراض.
- ومع ذلك، فإن الأم دنيز، وهي امرأة مسنة تجمع الحطب، تقول أنها كانت تتحدث مع أبناء العم الثلاثة في اللحظة التي ارتكبت فيها الجريمة.
- كانت تتحدث مع اثنين منهم، فأين كان الثالث؟
-كان واقفاً خلفها.
- وهل رأته؟
- إنها تظن ذلك. ولكنها ليست متأكدة.
- من الذي يثبت لك إذن يا سيدي القاضي أن ابن العم الثالث لم يكن واقفاً وراءها، وأنه هو الذي ارتكب الجريمة؟ ومن الذي يثبت لك أن الاثنين الآخرين لم يثبا فوق السور لنجدة القتيل وإنما لكتم صوته والإجهاز عليه.
- إذا كان الأمر كذلك فما الذي يحملهم على اتهامك أنت بالذات؟
- انني أملك أرضاً صغيرة للصيد، وأبناء العم جودو لصوص صيد متمرسون، وقد ألقي القبض عليهم مرتين متلبسين واليوم ينتقمون مني بتوجيه الإتهام إلي حتى لا يتهمهم أحد بارتكاب تلك الجريمة.
- هذا مجرد افتراض منك، ولكن لماذا يقتلونه؟
- لا أدري.
- ألا يمكن أن تعرف ما الذي سرق من الدرج؟
- كلا يا سيدي القاضي.. إن صديقي فوشيريل، وهو لم يكن ثرياً كما يقال، وقد أودع مدخراته في أحد البنوك، ولم يكن يحتفظ بشيء لديه.
- ألم يكن يحتفظ بأي شيء ثمين؟
- كلا.
- وكتبه؟
- ليس لها أية قيمة، كما يمكن أن تتأكد من ذلك بنفسك.. وكان يندم على ذلك، فقد كان يود لو أن يكون لديه بعض الكتب النادرة والمجلدات القديمة.. ولكن لم تكن موارده تسمح له بذلك.
- ألم يحدثك قط عن أبناء العم جودو؟
- أبداً .. ورغم رغبتي الشديدة في الانتقام لموت صديقي المسكين، فلا أريد أن أقول شيئاً قد يبعد عن الحقيقة.
واستمر الاستجواب .. وضيق قاضي التحقيق على أولاد العم الثلاثة في الأسئلة.. ولكن المواجهة لم تأت بأية نتيجة.. وبعد أن أوضح رجال التحقيق بعض النقاط، انتقلوا إلى فونتين.
كان بيت مسيو ليبوك يقع في أطراف المدينة، ولم يكن بأكثر أهمية من "الكوخ"، ويحيط بالحديقة سور مرتفع.. ومن خلال القضبان الحديدية للباب العمومي يرى المرء، بعد بقعة مستديرة من الأرض الخضراء بيتاً من الطوب، مطلياً باللون الأبيض، وبينه وبين الباب العمومي من خمسة عشر إلى عشرين متراً تماماً كالكوخ.
وطلب القاضي من مسيو ليبوك أن يجلس في نفس المكان الذي كان يجلس فيه في يوم الجريمة، فجلس أمام نافذته، وفوق ركبتيه كتاب، وغليونه بين شفتيه.
لم يكن في هذه الناحية أيضاً أي خطأ ممكن، فإن كل عابر يمر أمام الباب ويلقي نظرة إليه لم يكن يسعه إلا أن يرى مسيو ليبوك بكل وضوح. وأكد الفلاحون الخمسة أقولهم بحيث أن وجود مسيو ليبوك في بيته ما بين الظهر والساعة الرابعة لا يمكن أن يرقى إليه أي شك، كوجوده بالذات أمام قاضي التحقيق في هذه اللحظة.. وقد أعرب رجال البوليس عن حيرتهم أمام وكيل النيابة وقاضي التحقيق.. وانتهز بيشو الفرصة وقدم لهذا الأخير صديقه بارنيت على أنه مخبر سري على قدر كبير من الذكاء والموهبة. ونظر قاضي التحقيق إليه ملياً ثم قال:
- هذه قضية معقدة أيها السيد، فما رأيك؟
وقال بيشو وهو يأتي بحركة يذكره بها أن يكون مجاملاً:
- نعم ، ما رأيك؟
وكان جيم بارنيت قد اشترك في التحقيق دون أن ينطق بكلمة واحدة. وقد سأله بيشو أكثر من مرة، ولكنه كان يكتفي بهز رأسه ويتمتم ببضع كلمات غير مفهومة، وأجاب في رفق:
- هي معقدة جداً في الواقع يا سيدي القاضي.
- أليس كذلك؟ والواقع أن كفتي الميزان متعادلتان بين المتهمين، فهناك، من ناحية الدليل القاطع بأن مسيو ليبوك لم يبرح بيته في أصيل ذلك اليوم، ثم أن قصة أبناء العم الثلاثة تبدو من غير شائبة، من ناحية أخرى.
- من غير شائبة حقاً. فعلى اليمين أو على اليسار هناك بالتأكيد مؤامرة ومهزلة ولكن أهما من ناحية اليمين أم من ناحية اليسار.. أتكون البراءة في جانب أبناء العم الثلاثة، اللصوص الأشرار، ذوي الوجوه الشرسة الضارية، أو يكون الجاني هو مسيو ليبوك البشوش المتورد الوجه والهادئ الرزين.. أم يجب التسليم بأن وجوه كل المتهمين مطابقة للدور الذين قاموا به فيكون مسيو ليبوك بريئاً وأبناء العم جودو الثلاثة هم الجناة؟
قال مسيو فورميري في ارتياح:
- صفوة القول أنك لم تحرز أي تقدم مثلنا.
قال بارنيت في توكيد:
- بل الوقع أنني أحرزت تقدماً كبيراً.
عض قاضي التحقيق شفتيه وقال:
- أطلعنا إذن على ما توصلت إليه.
- لن أتردد في ذلك في الوقت المناسب.. وإنني أطلب منك اليوم يا سيدي القاضي أن تستدعي شاهداً جديداً فقط.
- شاهد جديد؟
- نعم.
سأله مسيو فورميرى وهو شديد الحيرة:
- وما اسمه؟.. وما عنوانه؟
- لا أعرفه.
- إيه.. ماذا تقول؟
بدأمسيو فورميرى يتساءل إن لم يكن المخبر السري الذكي والموهوب يسخر منه.. وأحس بيشو بالقلق.. وأخيراً انحنى جين بارنيت نحو مسيو فورميرى وأشار بإصبعه إلى مسيو ليبوك، وكان يقف بعيداً عنهم ويدخن غليونه في هدوء، وأسر إليه قائلاً:
- في الجيب السري لمحفظة مسيو ليبوك بطاقة من بطاقات الزيارة، بها أربعة ثقوب وعليها اسم الشاهد وعنوانه.
ولم يتردد المفتش بيشو وبدون إبداء أية حجة حصل على محفظة مسيو ليبوك وفتحها، وأخرج منها بطاقة بها أربعة ثقوب متباعدة، وبها هذا الإسم: الآنسة اليزابيث لوفنديل، وعنوانها مكتوب بالقلم الأزرق "فندق فندوم" بباريس.
نظر قاضي التحقيق ووكيل النيابة إلى بارنيت في دهشة.. وتألق وجه بيشو في حين صاح مسيو ليبوك بدون أي انزعاج:
- يا إلهي !.. لكم بحثت عن هذه البطاقة، وبحث عنها صديقي المسكين فوشيريل.
- ولماذا كان يبحث عنه؟
- آه. الحق أنني لا أعرف يا سيدي القاضي.. لعله كان بحاجة إلى العنوان المكتوب عليها.
- وهذه الثقوب الأربعة؟
- هي ثقوب أحدثتها بمثقاب لكي أشير إلى النقاط الأربع في لعبة الايكارتيه، وهي لعبة من ألعاب الورق كما تعرفون. وقد ربحت فيها أربع نقط واضطررنا إلى تأجيل بقية اللعبة، فثقبت البطاقة لكي أتذكر المواضع الأربعة عندما نستأنف اللعب من جديد.. ولا ريب أنني وضعت هذه البطاقة في محفظتي سهواً مني.
كان التفسير يبدو معقولاً تماماً، وطبيعياً.. وقبله مسيو فورميرى بحماس، ولكن بقيت هناك نقطة، وهي كيف استطاع جيم بارنيت أن يخمن وجود هذه البطاقة في الجيب السير بمحفظة رجل لم يسبق له أن رآه من قبل!..
لم يوضح بارنيت هذه النقطة أبداً. وإنما ابتسم برفق، وطلب في إصرار استدعاء اليزابيث لوفنديل.. واستجابوا لطلبه.
***
لم تكن الآنسة لوفنديل موجودة في باريس، ولم تأت إلا بعد ثمانية أيام ولم يتقدم التحقيق خلال ذلك الأسبوع، رغم أن مسيو فورميرى تابع أبحاثه بإصرار تسبب فيه جيم بارنيت.. وقال المفتش بيشو لهذا الأخير، بعد ظهر ذلك اليوم، وهم مجتمعون في الكوخ:
- إنك أثرت سخطه بحيث أنه قرر أن يرفض معونتك.
- هل يجب أن أنسحب؟
- كلا، فهناك جديد.
- في أي معنى؟
- أعتقد أنه اتخذ قراراً.
- هذا أفضل.. لا ريب أنه اتخذ القرار الخاطئ .. سوف نلهو.
- أرجوك بارنيت.. شيء من الاحترام.
- شيء من الاحترام واللامبالاة.. أعدك بذلك يا بيشو.. إن مكتب بارنيت يعمل بالمجان.. ولكنني أؤكد لك أن صاحبك مسيو فورميرى يثير أعصابي.
كان السيد ليبوك ينتظر منذ نصف ساعة. وهبطت الآنسة لوفنديل من السيارة، ثم أقبل مسيو فورميرى وكله نشاط وحماس وهتف يقول على الفور:
- صباح الخير يا مسيو بارنيت. هل تأتينا بأنباء جديدة؟
- ربما يا سيدي القاضي.
- حسناً . وأنا أيضاً لدي أنباء.. ولكن يجب أن نفرغ أولاً من شاهدتك، وبأسرع وقت ممكن، فهي لن تأتينا بأية فائدة، وكل هذا مضيعة للوقت.
كانت اليزابيث لوفنديل فتاة متقدمة في السن، وخط المشيب شعرها تدل ثيابها على أنها لا تهتم بمظهرها وتتكلم الفرنسية كما لو كانت فرنسية المولد، ولكن بذلاقة بحيث يجد المستمع إليها صعوبة في فهم ما تقول.
وما أن دخلت حتى أسرعت تقول بدون أي مقدمات:
- مسكين مسيو فوشيريل.. قتل.. رجل طيب جداً، وغريب الأطوار، تريد أن تعرف إذن إذا كنت أعرفه.. ليس كثيراً .. التقيت به مرة واحدة فقط.. أتيت لأعقد معه صفقة.. أردت أن أشتري منه شيئاً، ولم نتفق على السعر، وكان يجب أن أراه بعد أن أستشير إخوتي، وهم أناس معروفون، وأصحاب محلات مشهورة للبدالة في لندن.
حاول مسيو فورميرى أن يوقف هذا السيل الجارف من الكلمات فقال:
- وما الذي كنت تريدين شراءه يا آنسة؟
- ورقة صغيرة.. صغيرة جداً، وقديمة ومصفرة بحيث تبدو كورقة من أوراق البصل.
- وهل لها قيمة؟
- قيمة كبيرة بالنسبة لي.. وقد أخطأت إذ قلت له ذلك.. ولك أن تعلم يا عزيزي مسيو فورميرى أن أم جدتي، دوروتي الجميلة قد عشقها الملك جورج الرابع نفسه، وأنها احتفظت برسائل الحب الثماني عشرة التي تلقتها منه في ثمانية عشر مجلداً من كتاب طبعة ريتشاردسون، رسالة في كل كتاب. وعند موتها وجدت أسرتنا المجلدات فيما عدا المجلد الرابع عشر الذي اختفى وفيه الرسالة الرابعة عشر، وهي أكثر الرسائل أهمية لأنها تثبت أن دوروثي الجميلة قد أخلت بواجبها قبل مولد ابنها الأكبر بتسعة شهور. وإنك لتفهم الآن أيها الطيب مسيو فورميرى مبلغ سعادتنا بالعثور على تلك الرسالة، فإنها تثبت أننا من سلالة الملك جورج، ابن عم الملك الحالي، وتتيح لنا المجد والألقاب.
وتنهدت إليزابيث لوفنديل، واستطردت في سرد محاولاتها مع مسيو فوشيريل:
ثم إننا بعد ثلاثين سنة من البحث والإعلانات علمنا أيها الطيب مسيو فوشيريل أن بعض الكتب بيعت في أحد المزادات العلنية من بينها المجلد الرابع عشر من كتاب ريتشاردسون .. وأسرعت إلى الشاري، وهو صاحب مكتبة على رصيف فوليتير، فأحالني إليك لأنه باعك المجلد المذكور أمس.
وقال لي مسيو فوشيريل الطيب:
- هذا صحيح.. وأراني الكتاب فقلت له:
- ستجد الرسالة الرابعة عشرة فيه، تحت الغلاف.
وفحص الكتاب فاصفر لونه وقال:
- كم تدفعين ثمناً لها؟
رأيت عندئذٍ أنني كنت حمقاء، فلو لم أتكلم عن الرسالة لاستطعت الحصول على الكتاب مقابل خمسين فرنكاً.. وعرضت عليه ألفاً فراح يرتجف وطلب عشرة آلاف، فقبلت، ولكنه فقد عقله، وفقدت عقلي أنا الأخرى، كما يحدث في المزاد فقال عشرين ألفاً ثم ثلاثين وأخيراً طالب بخمسين ألفاً، وصاح يقول في جنون وقد جحظت عيناه خمسين ألفاً.. لا ينقصون صلدياً واحداً, وبذلك أستطيع أن أشتري كل الكتب التي أريدها.. خمسين ألف فرنك..
وأراد دفعة على الحساب على الفور، شيكاً.. فوعته بأن أعود فألقى بالكتاب في درج هذا المكتب وأغلقه بالمفتاح وتركني أنصرف.
وأتمت إليزابيث لوفنديل قصتها ببضع نقاط لا جدوى منها لم يهتم بها أحد.. وكان هناك شيء لفت اهتمام جيم بارنيت والمفتش بيشو، وهو أن مسيو فورميرى توترت ملامحه، وكان واضحاً أنه أصبح يشعر بانفعال شديد وبفرحة غامرة.. وهمس أخيراً في صوت أصم وفي عجرفة كبيرة:
- أفهم من هذا يا آنسة أنك تنشدين المجلد الرابع عشر من الكتاب.
صاحت الإنجليزية في حماس كبير:
- هل هذا ممكن ؟
- ها هو . ولكن رسالة غرام الملك جورج لا توجد به، وإلا لوجدتها. ولكنني سوف أعثر عليها لأنني اهتديت إلى الكتاب الذي تبحثون عنه منذ مائة سنة ما دام سارق الكتاب لا بد أن يكون سارق الرسالة في نفس الوقت.
وراح مسيو فورميرى يمشي جيئة وذهاباً بعض الوقت ويداه خلف ظهره وهو يتذوق انتصاره المسبق. وفجأة ربت بأصابعه على المكتب في رفق وقال:
- إننا نعرف أخيراً الدافع إلى القتل.. كان هناك من يصغي إلى حديث الآنسة لوفنديل ومسيو فوشيريل، ورأى هذا الأخير وهو يضع الكتاب في الدرج. وبعد بضعة أيام قام ذلك الرجل بجريمة القتل للحصول على الكتاب ولكي يبيع فيما بعد الرسالة رقم 14.. فمن كان ذلك الرجل؟ كان واحداً من أبناء العم جودو.. وقد كنت أشك دائماً في أن الجاني واحداً منهم. وأثناء تفتيشي بيتهم أمس لاحظت فجوة بين أحجار المدفأة، فوسعتها ووجدت فيها كتاباً كان من الواضح أنه أحد كتب فوشيريل.. والمعلومات التي قدمتها لنا الآنسة لوفنديل والتي لم نكن نتوقعها تؤكد اشتباهي تماماً. سأصدر الآن أمراً بإلقاء القبض على أبناء العم الثلاثة بتهمة قتل وسرقة مسيو فوشيريل واتهام مسيو ليبوك.
ومد يده إلى مسيو ليبوك في زهو واحترام، فأفاض هذا الأخير في شكره.. ثم اصطحب الآنسة لوفنديل إلى سيارتها برفق، وعاد بعد ذلك إلى الآخرين وهتف يقول:
- أظن أن هذه القضية ستثير ضجة كبيرة، وستتيح لمسيو فورميى الطموح الإنتقال إلى باريس.
وبدأوا المسيرة نحو بيت أبناء العم جودو حيث أصدر القاضي أمره بإلقاء القبض عليهم.. وكان الجو صحواً. وراح مسيو فورميرى يتقدم، يحيط به مسيو ليبوك وبيشو وجيم بارنيت، وقد ترك العنان لابتهاجه وزهوه وقال في صوت ساخر:
- أرأيت يا عزيزي بارنيت. سارت القضية على أحسن ما يكون، وبطرقة مخالفة لتوقعاتك، لأنك والحق يقال كنت معادياً لمسيو ليبوك.
قال بارنيت:
- الحق أنني أعترف يا سيدي القاضي بأن تلك البطاقة اللعينة قد خدعتني تصور أنها كانت موجودة فوق أرضية غرفة مسيو فوشيريل عندما واجهنا مسيو ليبوك، وأن مسيو ليبوك اقترب منها ووضع قدمه اليمنى فوقها بكل بساطة. وعندما انصرف، انصرف بها وهي ملصقة بحذائه، وانتزعها في الخارج ووضعها في محفظته.. وبعد أن انصرف لاحظت أن كعب حذاءه ترك في الأرض آثار أربعة ثقوب متباعدة، وأن السيد ليبوك أدرك أنه نسي تلك البطاقة فوق الأرض، ولم يشأ أن نعرف اسم وعنوان إليزابيث لوفنديل والواقع أن الفضل يرجع إلى تلك البطاقة في..
انفجر مسيو فورميرى ضاحكاً وقال:
- ولكن هذه أمور صبيانية يا عزيزي بارنيت، ويا لها من تعقيدات لا جدوى منها. وكيف أمكن أن تضل هكذا؟ إن أول مبدأ من مبادئي يا بارنيت أن أتجنب المتاعب، وأن أكتفي بالحقائق التي نجدها أمامنا دون أن أحاول تطبيقها بأي شكل على أفكار مسبقة.
وكانوا يقتربون من بيت مسيو ليبوك، في طريقهم إلى بيت أبناء العم جودو. وأمسك مسيو فورميرى بذراع مسيو بارنيت واستطرد في حديثه الودي عن الوسائل البوليسية.
- إن خطأك الوحيد يا بارنيت هو أنك لم تسلم بتلك الحقيقة البسيطة. وهي عدم إمكان وجود نفس الشخص في مكانين مختلفين في نفس الوقت. كل الحقيقة هنا، فإن مسيو ليبوك، وهو جالس يدخن أمام نافذته لا يمكن أن يقتل في نفس الوقت مسيو فوشيريل في بيته.. انظر.. إن مسيو ليبوك يسير خلفنا، أليس كذلك؟ وها هو الباب الحديدي العمومي لبيته على بعد عشرة أمتار منا .. حسناً.. إن من المستحيل تصور معجزة بحيث يمكن أن يكون مسيو ليبوك خلفنا الآن وأن يكون جالساً في نفس الوقت أمام نافذته.
ولكن مسيو فورميرى توقف مذهولاً، وأطلق صيحة دهشة.. فسأله بيشو:
- ما الخبر؟
أشار فورميرى بيده إلى البيت وقال:
- هناك... هناك.
رأى من خلال القضبان الحديدية للباب، على بعد عشرين متراً أمام نافذة البيت.. مسيو ليبوك، مع أنه كان في نفس الوقت واقفاً معهم على الرصيف.
رؤيا مخيفة، تثير الهلع.. شبح مخيف.. وتشابه غريب فمن ذلك الرجل الذي يقوم هناك بدور السيد ليبوك الذي يمسك مسيو فورميرى بذراعه.
فتح بيشو الباب، وراح يركض. وانطلق مسيو فورميرى هو الآخر نحو الصورة الشيطانية للسيد ليبوك وهو يناديه ويهدده.. ولكن بدا أن الصورة لم تتأثر ولم تتحرك ما دامت لا تزيد عن لوحة من القماش كما تحققوا منها بأنفسهم! لوحة في إطار النافذة.. صورة بالحجم الطبيعي لمسيو ليبوك وهو جالس يقرأ ويدخن، تماماً كلوحة مسيو فوشيريل.
واستدار مسيو فورميرى.. كان مسيو ليبوك البشوش المتوردالوجه يقف وراءه.. ولم يكن قد استطاع الصمود أمام تلك الضربة المفاجئة فانهار، كما لو أن مطرقة أصابته على أم رأسه، وراح يبكي في غباء ويقول:
- فقدت عقلي.. وضربته دون إرادة مني.. أردت أن يقاسمني المبلغ ولكنه رفض.. وعندئذٍ فقدت عقلي.. وطعنته على غير إرادتي.
وسكت وخلال الصمت الذي تبع ذلك دوى صوت جيم بارنيت، حاداً وقاسياً وساخراً، وهو يقول:
- ما رأيك أنت الآن يا سيدي القاضي؟ إنه لعصفور جميل هذا الرجل! لقد أعد خطته بكل مهارة بحيث يستطيع أن يثبت أنه كان بعيداً عن مكان الجريمة، إذ كيف يخطر لمن يمر أمام بيته ويرى صورته من النافذة أنه ليس ليبوك وإنما صورة له بالحجم الطبيعي.. إنني ارتبت في أمره منذ أول يوم، وعندما رأيت صورة فوشيريل.. أفلا يمكن أن يكون نفس الرسام قد رسم صورة للسيد ليبوك هو الآخر؟ لقد بحثت ولم يطل بحثي لأن ليبوك كان واثقاً من أننا من الغباء بحيث لا يمكن أن نهتدي إلى الحقيقة.. ووجدت الصورة ملفوفة في المخزن تحت أكداس من الأدوات المهملة.. وكان من السهل علي أن أضعها أمام النافذة منذ قليل بينما كان يمضي إلى لقاءك.. وهكذا ترى أنه يستطيع أن يكون في "الكوخ" وأن يجلس أمام نافذته ويدخن غليونه في نفس الوقت.
وكان جيم بارنيت عنيفاً، وصوته الحاد يقطع المسكين فورميرى تقطيعاً.
- ترى، ماذا عساه ارتكب في حياته من عمل شريف.. وما أجمل حيلته في استيلائه على بطاقة الآنسة لوفنديل بواسطة كعب حذائه.. ثم ذلك الكتاب الذي دسه بعد ظهر هذا اليوم في مدخنة آل جودو.. وكنت أتبعه عن كثب والخطاب الذي أرسله إليك من غير توقيع والذي جعلك تنقض على بيتهم. يا لخبثك يا مسيو ليبوك.. إنك أضحكتني كثيراً بوجهك البشوش النظيف.. قبحك الله!
امتقع مسيو فورميرى, وبذل جهداً كبيراً لكي يتمالك نفسه ونظر إلى ليبوك ملياً ثم قال أخيراً:
- لا يدهشني هذا.. نظرة زائفة ووجه مجامل.. يا لك من وغد.
واستطرد يقول وقد عصف به الغضب فجأة:
- نعم، وغد، وسأمضي بك من أقصر طريق.. ولكن إلي بالرسالة أولاً الرسالة رقم14. أين هي؟
تمتم ليبوك وهو لا يستطيع المقاومة:
- في جوف الغليون المعلق لصق الحائط بالغرفة التي إلى اليسار.. لم أفرغ الرماد من هذا الغليون والرسالة موجودة بداخله.
أسرعوا بالدخول إلى الغرفة.. ووجد بيشو الغليون، وأفرغ الرماد منه ولكنه لم يجد أي شيء بداخله.. لم تكن هناك أية رسالة، الأمر الذي أثار دهشة واضطراب السيد ليبوك، وضاعف من غضب مسيو فورميرى بحيث صاح:
- كذاب ومحتال ونصاب وقاتل.. آه، تأكد أنك سوف تتكلم غداً أيها الوغد، وأنك سوف تعيد إلي هذه الرسالة.
ولكن عيني بيشو التقتا في هذه اللحظة بعيني بارنيت, وكان هذا الأخير يبتسم.. وضغط بيشو على قبضتيه في عنف وقد فهم الآن أن لمكتب بارنيت وشركاه طريقة خاصة للتعامل مجاناً.. وعرف كيف يستطيع جيم بارنيت أن يعيش عيشة مترفة رغم أنه لا يطالب عملاءه بأي صلدي نظير خدماته.
واقترب منه وهمس:
- إنك لقدير حقاً، وإن عملك هذا لجدير بأرسين لوبين.
قال بارنيت في سذاجة:
- ماذا؟
- أعني استيلائك على الرسالة خلسة من الجميع.
- آه، هل خمنت ذلك؟
- طبعاً.
- ماذا تريد.. إنني أجمع خطوط ملوك فرنسا.
***
بعد ثلاثة شهور من ذلك استقبلت إليزابيث لوفنديل جنتلماناً وجيهاً جداً قال لها أنه يستطيع أن يأتيها برسالة غرام الملك جورج الرابع نظير مبلغ زهيد، مائة ألف فرنك!
وكانت المفاوضات شاقة، واستشارت إليزابيث إخوتها وهم أكبر تجار للبقالة في لندن، فماطلوا في البداية ورفضوا ثم وافقوا أخيراً.
وقبض الجنتلمان الوجيه المائة ألف فرنك، واستولى في نفس الوقت على شاحنة حافلة بأنواع البقالة.. ولم يدر أحد كيف تمكن من الاستيلاء عليها..
***
نهاية الفصل الثاني

 
 

 

عرض البوم صور Cherry  
قديم 01-09-06, 07:47 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عاشقة روائع ارسين لوبين


البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7482
المشاركات: 699
الجنس أنثى
معدل التقييم: Cherry عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 13

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
Cherry غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Cherry المنتدى : روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
افتراضي

 


لعبة الباكارا

عندما خرج جيم بارنيت من المحطة كان المفتش بيشو ينتظره، وأخذه هذا الأخير من ذراعه وهو يقول:
- أسرع لا يجب أن نضيع دقيقة واحدة، فقد يتفاقم الموقف ما بين لحظة وأخرى.. قال جيم بارنيت في شيء من المنطق:
- يخيل إلي أن الضرر يكون أعظم لو أنني عرفت ما هو الموقف، فقد أتيت بناءاً على برقيتك ومن غير أن أعرف أية معلومات.
قال المفتش:
- هكذا أردت.
- إذن فأنت لم تعد تتوخى الحذر مني يا بيشو.
- بل إنني أتوخى الحذر منك دائماً يا بارنيت، ومن وسائلك في تسوية أمورك مع عملاء مكتب بارنيت... ولكنك في هذه المناسبة لن تحصل على شيء يا عزيزي، فلأول مرة سوف تعمل بالمجان حقاً.
وراح جيم بارنيت يصفر، وقد بدا أن هذا الإحتمال لم يزعجه.. ونظر بيشو إليه شزراً وقد استولى عليه القلق فجأة، وكأنه يريد أن يقول له.. لو أنني أستطيع الإستغناء عن خدماتك يا صاحبي.
وبلغا الساحة.. وكانت هناك سيارة تنتظر، رأى بارنيت فيها سيدة جالسة يبدو الحزن في وجهها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وشفتاها متوترتان من فرط الإنفعال.. وفتحت الباب على الفور، وقام بيشو بواجب التعارف فقال:
- جيم بارنيت يا سيدتي، وهو الرجل الوحيد الذي، كما قلت لك في مقدوره أن يساعدك.. السيدة فوجيريه، زوجة المهندس فوجيريه الذي يوشك أن يواجه بتهمة.
- أي تهمة؟
- تهمة القتل.
صفق جيم بارنيت بلسانه بين شفتيه، فقال بيشو باستياء،
- أرجو أن تلتمسي العذر لصديقي بارنيت يا سيدتي، فكلما بدت له القضية خطيرة كلما أحس بالإرتياح.
وكانت السيارة قد انطلقت نحو أرصفة روين، وانعطفت إلى اليسار وتوقفت أمام بيت كبير يشغل الطابق الثالث منه النادي النورماندي.. وقال بيشو:
- هنا يجتمع كبار التجار ورجال الصناعة بروين والأماكن المجاورة، لقراءة الجرائد ولعب البريدج أو البوكر، وعلى الخصوص يوم الجمعة لأنه يوم البورصة.. وحيث أنه لا يوجد في ساعة الظهيرة هذه غير الخادمات فسأستطيع أن أروي لك ما حدث في هدوء.
كانت هناك ثلاث قاعات كبيرة بطول الواجهة مزودة بالأثاث والرياش والسجاجيد الفاخرة، وتتصل بالقاعة الثالثة منها غرفة صغيرة على هيئة قبة تؤدي نافذتها الوحيدة إلى شرفة كبيرة تطل على أرصفة نهر السين.
فجلسوا ثلاثتهم ومدام فوجيريه على مبدة.. وقال بيشو:
- منذ بضعة أسابيع إذن، في يوم جمعة، بعد أن تناول أربعة من أعضاء النادي العشاء راحوا يلعبون البوكر. كانوا أربعة أصدقاء.. من كبار رجال صناعة النسيج بماروم وهي مركز مصانع الغزل والنسيج، على مقربة من ردين.. ثلاثة منهم متزوجون ولهم أولاد وحاصلون على أوسمة وهم ألفريد أوفار، وراوول دوبان، ولويس باتينيه، أما الرابع فأعزب وأصغر سناً ويدعى ماكسيم تويلييه.. وفي نحو منتصف الليل انضم إليهم شاب آخر يدعى بول إرستين، وهو ثري وتدر عليه ثروته إيراداً كبيراً يسمح له بأن يعيش عاطلاً بدون عمل.. وكانت القاعات قد بدأت تخلو من روادها شيئاً فشيئاً، فبدأ الخمسة يلعبون الباكارا.. وكان بول أرستين معروفاً بغرامه وبراعته في هذه اللعبة فقام بتوزيع الورق.
وأشار بيشو إلى إحدى النوافذ وقال:
- كانوا يلعبون هنا، على هذه المنضدة.. وكان اللعب هادئاً جداً في البداية، عادياً وبدون اهتمام كبير، ولكنه لم يلبث أن اشتد واحتد شيئاً فشيئاً عندما أمر بول أرستين أن يأتوهم بزجاجتين من الشمبانيا.. وبدءاً من تلك اللحظة بالذات انقلب الحظ من صالح بول.. حظ عجيب غير عادل مثير ومحنق.. كان بول أرستين يربح في كل دور في حين يخسر الباقون الذين استولى عليهم الغيظ فراحوا يضاعفون المراهنات.. وليس هناك أي جدوى من أن أسعب في هذه الناحية، فقد كانت النتيجة أن رجال الصناعة الأربعة خسروا كل ما معهم في الساعة الرابعة صباحاً، خاصة وأنهم كانوا قد جاؤوا بأموالهم لدفع أجور عمالهم، وكان ماكسيم تويلييه مديناً دين شرف لبول أرستين بمبلغ ثمانين ألف فرنك فوق خسارته.
وأخذ بيشو نفساً طويلاً ثم استأنف قصته فقال:
- وفجأة وقع أمر مفاجئ.. أمر مفاجئ حقاً، ويجب أن أعترف بذلك، سهله بول أرستين بمجاملته ونزاهته المفرطة، فقد قسم المبلغ الإجمالي لأربعة أقسام مطابقة لخسائر زملائه، ثم قسم كل قسم منها إلى ثلاثة أقسام أخرى وعرض عليهم أن يلعبوا الأدوار الثلاثة الأخيرة.. وخسر بول أرستين في المرات الثلاث، وقد انقلب حظه. وبعد ليلة من النضال لم يكن هناك رابح أوخاسر، ونهض بول أرستين وهو يقول:" هذا أفضل.. فقد شعرت بالخجل شيئاً ما، ولكن سحقاً إن بي صداعاً شديداً.. ألا يريد أحد أن يأتي ويدخن سيجاراً معي"، ومضى إلى الغرفة الصغيرة .. وانقضت بضع دقائق، بقي الأصدقاء الأربعة خلالها يتحدثون في مرح عن مراحل اللعبة التي انتهت، ثم قرروا الرحيل واجتازوا القاعة الثانية ثم الأولى وقالوا للخادم الذي يقوم بالحراسة والذي كان يغفو في البهو:" لا يزال مسيو أرستين هنا يا جوزيف، وسوف ينصرف بعد قليل"، ثم خرجوا، كانت الساعة قد بلغت الرابعة والدقيقة الخامسة والثلاثين. وكانت سيارة ألفريد أوفار في الإنتظار فعادت بهم إلى ماروم، كما يحدث كل يوم جمعة.. وانتظر جوزيف، الخادم، ساعة ثم أحس بالتعب من نوبته الليلية فمضى إلى بول أرستين ووجده جثة هامدة في الغرفة الصغيرة.
وتوقف المفتش عن حديثه مرة ثانية.. وكانت مدام فوجيريه قد ظلت مطرقة برأسها إلى الأرض حتى هذه اللحظة.. ومضى جيم بارنيت مع المفتش إلى الغرفة الصغيرة المنعزلة وفحصها، ثم سأل:
- وعلام تستند هذه القصة؟
- على الإيضاحات التي أدلى بها الرجال الأربعة الذين كانوا هنا.
- ألا يمكن أن يكونوا أخطأوا؟
- كلا.. إن أقوالهم متطابقة تماماً.. وهم من رجال الصناعة المعروفين، رجال متزنون، يعرفون ما يقولون ويزنون أقوالهم جيداً.
- حسناً.. والآن إلى الهدف مباشرة يا بيشو.. ماذا أسفر عنه التحقيق؟
- تبين أن بول أرستين تلقى ضربة عنيفة على صدغه من آلة حادة صرعته على الفور.. لم يكن هنالك أي أثر للمقاومة فيما عدا أن ساعة بول أرستين تحطمت عند الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والخمسين، أي بعد عشرين دقيقة من انصراف اللاعبين.. لم يكن هناك أي أثر يدل على السرقة، فالخاتم والأوراق المالية كانت موجودة.. ولا أثر للقاتل الذي لم يستطع الدخول أو الخروج من البهو لأن جوزيف لم يغادر مكانه.
- لا يوجد أثر إذن؟
تردد بيشو ثم قال:
- بل هناك أثر صغير وخطير جداً، ففي أصيل اليوم أشار أحد زملائي لقاضي التحقيق أن شرفة هذه الغرفة تقع على مسافة منخفضة جداً من شرفة بالطابق الثالث لبيت مجاور.. وانتقلت النيابة إلى ذلك البيت، ويقيم في الطابق الثالث منه مهندس يدعى فوجيريه كان متغيباً منذ الصباح، وقادت مدام فوجيريه رجال التحقيق إلى غرفة زوجها. واتضح أن شرفة تلك الغرفة مجاورة للغرفة الصغيرة بالنادي.. ويمكنك أن ترى ذلك بنفسك يا بارنيت.
اقترب بارنيت وقال:
- متر وعشرون سنتيمتراً تقريباً .. من السهل عبوره.. ولكن لا شيء يثبت أن ذلك حدث.
- بل هناك شيء.. فبطول الدرابزين صناديق من الخشب معدة لوضع الزهور وما زالت تحتفظ بترابها منذ الصيف الماضي. وبتفتيشها عثر في أحدها، وهو أقربها، تحت قبضة خفيفة من التراب على قبضة أمريكية. وقد تحقق الطبيب الشرعي أن إصابة القتيل مطابقة تماماً لشكل تلك القبضة، ولم يكن عليها أي أثر لأي بصمات لأن المطر لم يتوقف عن الهطول منذ الصباح.. ولكن التهمة تبدو دامغة، فإن المهندس فوجيريه رأى بول أرستين في الغرفة المضيئة فاجتاز الشرفة وارتكب جريمته ثم أخفى أداة الجريمة.
- ولكن لماذا يرتكب هذه الجريمة؟ هل كان يعرف بول أرستين؟
- كلا.
- إذن؟
أبدى بيشو إشارة من يده وكانت مدام فوجيريه قد اقتربت وراحت تصغي إلى أسئلة بارنيت.. وكان يبدو أنها تبذل جهداً كبيراً لتتغلب على دموعها، وأنها تعاني من فرط السهر.. وقالت في صوت مختلج:
- أنا التي سأرد على سؤالك أيها السيد.. وسأفعل ذلك في بضع كلمات وبصراحة تامة، وسوف تفهم دون أي مشقة.. كلا.. لم يكن زوجي يعرف بول أرستين، ولكنني كنت أعرفه.. التقيت به مراراً في باريس عند إحدى صديقاتي، وقد غازلني على الفور، وأنا أشعر نحو زوجي بمحبة كبيرة ولدي شعور عميق بواجباتي كزوجة، وعلى هذا قاومت الميل الذي شعرت به نو بول أرستين.. ولكنني رضيت أن أقابله في مرات مختلفة في الضواحي والأرياف..
- وهل كتبت له؟
- نعم.
- والخطابات بين يدي أسريه؟
- بل مع أبيه.
- مع أبيه الذي يريد أن ينتقم لابنه بأي ثمن ويهددك بأن يسلم تلك الخطابات للبوليس؟
- نعم.. وهذه الخطابات تثبت طبيعة علاقتنا البريئة، ولكنها تثبت أيضاً أنني كنت ألتقي به دون علم زوجي، وأحدها يحتوي على هذه العبارات:" أتوسل إليك يا بول أن تلتزم جادة العقل فإن زوجي شديد الغيرة وعنيف جداً، وإذا ارتاب في سلوكي فلن يحجم عن شيء"، وهذا الخطاب سوف يعطي للموقف تفسيراً جديداً، أليس كذلك؟ فستكون الغيرة هي الدافع الذي يبحث عنه البوليس ويفسر الجريمة واكتشاف سلاحها أمام غرفة زوجي بالذات.
- ولكن هل أنت واثقة يا سيدتي أن مسيو فوجيريه لم يكن لديه أي شك؟
- كل الثقة.
- وبالنسبة لك فهو برئ؟
أسرعت تقول على الفور: أوه دون شك.
حدق بارنيت في عينيها ملياً، وأدرك أن اقتناع تلك المرأة قد أثر على بيشو إلى حد أنه، رغم الحقائق، ورغم رأي النيابة، ورغم كتمانه المهني، قد صح منه العزم على مساعدتها.
وألقى بارنيت بضعة أسئلة أخرى، وبعد أن فكر طويلاً قال:
- لا أستطيع أن أعطيك أي أمل يا سيدتي، فالمنطق يقول أن زوجك مذنب، ولكنني سأحاول، مع ذلك، أن أكذب المنطق.
توسلت إليه المرأة قائلة:
- امض لرؤية زوجي فربما تسمح لك أقواله..
- لا فائدة من ذلك يا سيدتي، إن معاونتي لك لن يكون لها أي دافع إلا إذا اعتقدت منذ البداية أن زوجك برئ، وإذا وجهت أبحاثي إلى هذه الناحية.
وانتهى الحديث، وبدأ بارنيت العمل على الفور، ومضى برفقة المفتش بيشو إلى والد القتيل وقال له دون لف أو دوران:
- مسيو أرستين، كلفتني مدام فوجيريه بمساعدتها.. أما زالت لديك النية في تسليم النيابة الخطابات التي كتبتها لابنك؟
- اليوم بالذات أيها السيد.
- ألا تتردد في توريط وهلاك المرأة التي أحبها ابنك أكثر من أي امرأة أخرى؟
- لو أن زوج تلك المرأو قتل ابني فيؤسفني ذلك من أجلها.. ولكنني سأنتقم لابني.
- انتظر خمسة أيم أيها السيد.. سأكشف القناع عن القاتل القيقي يوم الثلاثاء القادم.
خمسة أيام استخدمها بارنيت بطريقة أثارت حيرة المفتش بيشو، فقد استجوب وجند الكثيرين من الموظفين الثانويين، وانفق الكثير من المال.. ومع ذلك فلم يبد ارتياحاً كبيراً وكان، خلافاً لعادته، صموتاً وحاد المزاج.
وفي صباح يوم الثلاثاء زار مدام فوجيريه وقال لها:
- استطاع بيشو أن يحصل من النيابة على إعادة تمثيل مراحل تلك الليلة، ولا بد من حضورك وحضور زوجك، وأرجو أن تلزمي الهدوء مهما يحدث وألا يثيرك أي شيء.
تمتمت: هل هناك أمل؟
- أنا نفسي لا أدري.. إنني أتصرف أنا وبيشو، كما سبق أن قلت لك، بناءاً على اعتقادك.. أعني ببراءة مسيو فوجيريه، سنحاول اثبات هذه البراءة استناداً إلى نظرية ممكنة.. ولكن سيكون الأمر شاقاً.. افتراضاً على أ،ني لو وضعت يدي على الحقيقة فيمكن لهذه الحقيقة أن تفلت في آخر لحظة، أليس كذلك يا بيشو؟
كان وكيل النيابة وقاضي التحقيق من الرجال المدققين الذين يبنون آرائهم على الحقائق الملموسة، ولا يحاولون تفسيرها بآراء مسبقة.. فقال بيشو:
- إنني أخشى أن تدخل معهما في نزاع، وأن تسخر منهما بسهولة يا بارنيت فقد منحاني الحرية لكي أتصرف كما يحل لي.. أو بالأحرى، كما يحلو لك أنت، فلا تنس ذلك.
أجابه بارنيت: أنا لا أبدي أية سخرية أيها المفتش إلا إذا كنت واثقاً من الإنتصار، والحال ليس كذلك اليوم.
***
كان هناك أناس كثيرون يزحمون القاعة الثالثة. وراح رجال العدالة يتبادلون الحديث فيما بينهم على عتبة الغرفة الصغيرة بالذات، حيث دخلوا ثم خرجوا منها بعد لحظات.. ورجال الصناعة الأربعة ينتظرون، ورجال الشرطة يروحون ويغدون، ومسيو أرستين والد القتيل يقف وحيداً، وكذلك الخادم جوزيف.. ووقف مسيو فوجيريه وزوجته في أحد الأركان، وكان متجهم الوجه، تدل ملامحه على القلق.. وكانت هي أشد شحوباً عما كانت، فقد أصبح معلوماً أنه تقرر القبض على المهندس.
خاطب أحد رجال التحقيق الرجال الأربعة فقال:
- ستقوم النيابة أيها السادة بتمثيل ما حدث مساء يوم الجمعة.. فليتكرم كل منكم بالجلوس حول منضدة الباكارا في نفس المكان الذي كان يجلس فيه تلك الليلة، وستقوم أنت يا مسيو بيشو بدور الموزع، في نفس المكان الذي كان يجلس فيه مسيو بول أرستين. هل طلبت من هؤلاء السادة إحضار نفس عدد الأوراق المالية التي كانت معهم في ذلك اليوم؟
أجاب بيشو بالإيجاب، وجلس في منصف المنضدة.. وجلس ألفريد أوفار وراوول دوبان على يساره ولويس باتينيه وماكسيم تويلييه على يمينه وكانت هناك ست مجموعات من أوراق اللعب.. وقطع بيشو الورق وقام بالتوزيع.
وحدث شيء عجيب.. فقد كان الحظ حليف الموزع كما حدث في ليلة المأساة، وربح بيشو بكل سهولة، كما فعل أرستين فبينما كان يسحبورقة ثماني أو تسعة كانت الخسارة من نصيب الآخرين وظل الأمر كذلك حتى انتهى الدور الأول.
كان هذا الإستمرار يبدو آلياً، وإذا جاز لنا القول، بدا كأن هناك شيئاً غامضاً، مما أثار الحيرة، خاصة وأنه كان تكراراً لحقيقة سبق لهم أن عانوا منها.. وارتبك ماكسيم وأخطأ مرتين، فعيل صبر بارنيت وأخذ مكانه بالقوة، وجلس على يمين بيشو.
وبعد ست دقائق لأن الأحداث كانت تسير بسرعة، كانت نصف الأوراق النقدية التي أخرجها اللاعبون الأربعة من محافظهم قد زحمت المفرش الأخضر، أمام بيشو، وبدأ ماكسيم تويلييه، بواسطة جيم بارنيت، يخسر بكلمة شرف.. دائماً التكرار الصحيح لما سبق أن حدث.
وتسارع الإيقاع، وبلغ اللعب نهايته القصوى.. وفجأة فعل بيشو كما فعل بول أرستين، فقد قسم أرباحه أربعة أقسام مطابقة لخسارة كل من اللاعبين الأربعة، ومنحهم فرصة المغامرة بكل شيء.
تابعه الغرماء ببصرهم وقد تأثروا في الظاهر بذكرى الليلة المفجعة.
ووزع بيشو الورق ثلاث مرات.
وثلاث مرات بدلاً من أن يخسر كما حدث مع بول أرستين، فقد ربح بيشو وسرت الدهشة بين الحضور.. لماذا لم يجانب الحظ بيشو كما حدث مع بول أرستين؟ وإذا كان الحظ لم يتخل عن بيشو كما فعل مع بول أرستين، فهل معنى هذا أنه لم يتخل عن بول أرستين في ليلة المأساة وأنه ظل يربح حتى النهاية؟ وهل يجب الإعتقاد أن هذا التحول قد دبره بارنيت وبيشو لكي يبينا كيف تمت اللعبة الحقيقية بين اللاعبين الخمسة ليلة المأساة؟
ونهض بيشو كما سبق أن نهض أرستين، وطبقاً للدور الذي يقوم به وضع في جيبه رزم النقود الأربع ثم اشتكى من صداع كما فعل بول أرستين ومضى إلى الشرفة وهو يشعل سيجارته.
ورأوه من بعيد، عبر باب الغرفة الصغيرة.
وبقي الأربعة الآخرون جامدين، لا يتحركون في مقاعدهم، متوتري الوجوه.. الأربعة.. أي دوفا ودوبان وباتينيه.. وجيم بارنيت الذي أخذ محل ماكسيم تويلييه.
ونهض جيم بارنيت بدوره، وقد أفلح في أن يكسب وجهه وسحنته هيئة ماكسيم تويلييه الذي أضناه اللعب وأرهقته الخسارة وقام بدوره.. كان ماكسيم شاباً في الثلاثين من العمر، وذقنه جرداء ويرتدي نظارة ذهبية من نوع العوينات على أنفه، بادي المرض والقلق.. بدا جيم بارنيت هكذا. وتقد إلى الغرفة الصغير في بطء، وفي خطوات آلية، يرتسم على وجهه تارة تعبير قاسٍ وشرس، وتارة أخرى تردد وخوف.. تعبير رجل قد يقوم بتنفيذ عمل فظيع، أو ربما الهرب كجبان قبل أن ينفذ ما ينوي عليه.
لم ير اللاعبون وجهه.. ولكن رآه رجال التحقيق.. وشيعوا بأعينهم جيم بارنيت، الممثل الذين يخضعون لسلطانه، ولم يفكروا إللا في ماكسيم تويلييه اللاعب الخاسر الذي يمضي لملاقاة غريمه الرابح، الذي يمضي لملاقاة بول أرستين حامل رزم الأوراق النقدية الأربع.. لأي غرض يمضي إليه؟ كان وجهه يفضح بلبلة ذهنه.. هل سيتوسل أم يأمر أم يهدد؟ عندما دخل الغرفة الصغيرة كان هادئاً جداً.
وأغلق الباب خلفه.
إعادة تمثيل المأساة .. مأساة وهمية أو حقيقة.. كانت حية، وانتظر الجميع في صمت.. وانتظر اللاعبون الثلاثة هم الآخرون وعيونهم معلقة على الباب المغلق الذي يدور خلفه ما دار في ليلة المأساة والذي لم يكن خلفه جيم بارنيت والمفتش بيشو الذان يقومان بدور القاتل والقتيل، وإنما ماكسيم تويلييه وبول أرستين اللذان يتشاجران.
ثم، بعد دقائق طويلة، خرج القاتل من الغرفة، وهل يمكن أن ندعوه بغير هذه الصفة.. وألم يكن في الواقع هو ماكسيم تويلييه.. عاد إلى أصدقائه وهو يترنح والذعر في عينيه.. وكانت رزم النقود الأربع في يده، وألقى واحدة منها فوق المنضدة ودس الثلاث الأخرى بالقوة في جيوب الثلاثة الآخرين وهو يقول لهم: تفاهمت مع بول أرستين وكلفني بأن أعيد إليكم هذه النقود فهو لا يريدها، فهلموا بنا ننصرف.
***
وانتهت التمثيلية واعتدل جيم بارنيت وعاد.. جيم بارنيت من جديد. وعلى بعد أربع خطوات منه كان ماكسيم تويلييه الحقيقي، يعمد على ظهر مقعد وقد اصفر لونه وانقلبت سحنته.. وقال له جيم بارنيت:
- هكذا حدث الأمر يا مسيو ماكسيم تويلييه، أليس كذلك؟ لقد أعدنا تمثيل الجريمة بكل تفاصيلها، وأجدت القيام بالدور الذي قمت أنت به في تلك الليلة، أليس كذلك؟ ألم تقع الجريمة هكذا؟.. جريمتك؟
بدا كأن ماكسيم تويلييه لا يستطيع أن يسمع، فقد أطرق برأسه، وتخاذلت يداه، وغدا أشبه بتمثال، أقل نفخة قد تؤدي إلى وقوعه، وترنح كما يترنح الرجل السكران، وتهالك فوق مقعده.
وعندئذ انقض جيم بارنيت عليه وأمسك بتلابيبه وقال:
- أنت تعترف، أليس كذلك؟ لا يمكن أن يكون الأمر قد حدث بغير ذلك، ومهما يكن فأنا أملك كل الأدلة، وأستطيع أن أثبت أنك كنت تحمل دائماً تلك القبضة الحديدية، ثم أن خسارتك في اللعب أفلستك تماماً.. نعم.. إن تحرياتي أثبتت أن أعمالك كانت كانت على شفا الهاوية ولم تكن تستطيع سداد ديونك في مواعيد استحقاقها.. وكان معنى ذلك إعلان إفلاسك.. وعندئذٍ ضربت ضربتك.. ولم تعرف ماذا تفعل بالقبضة، فوثبت إلى الشرفة المجاورة وأخفيتها في أحد الصناديق.
ولم يكن بارنيت بححاجة إلى كل ذلك الجهد، فإن ماكسيم تويلييه لم يبد أي مقاومة، فقد حطمه ثقل الجريمة الفظيعة التي ارتكبها، والتي يحمل عبئها منذ أسابيع، وراح يتمتم، رغماً عنه وبدون أي وعي، كمريض يحتضر، كلمات الإعتراف.
وامتلأت القاعة بالضجة، وانحنى قاضي التحقيق فوق المذنب وراح يسجل الإعتراف اللا إرادي.. وأراد والد بول أرستين أن ينقض على القاتل، وراح المهندس يصرخ غضباً.. ولكن أصدقاء ماكسيم كانوا هم الأكثر غضباً، وخصوصاً أكبرهم سناً وأكثرهم شهرة، وهم ألفريد أوفار فقد راح يرميه بأقذع الكلمات.
- ما أنت إلا مجرم.. حملتنا على الإعتقاد بأن ذلك المسكين رد لنا أموالنا في حين أنك سرقتها بعد أن قتلته.
ورمى بربطة النقود في وجه ماكسيم تويلييه.. واستولى السخط على الإثنين الآخرين، وراحا يدوسان الأوراق المالية.
***
وعاد الهدوء شيئاً فشيئاً، ونقلوا ماكسيم تويلييه إلى غرفة أخرى وهو مغشي عليه تقريباً، والتقط بارنيت الأوراق الماليه وناولها للمحققين. وسمع هؤلاء لمسيو فوجيريه وزوجته بالإنصراف، وكذلك لوالد بول أرستين، ثم هنأوا جيم بارنيت لذكائه.. وقال هذا الأخير:
- كل هذا، أعني انهيار ماكسيم تويلييه ما هو إلا الناحية المبتذلة في المأساة، والغرابة فيها أنها تبدو كما لو كانت مأساة غامضة جداً، في حين أنها ليست إلا حدثاً عادياً تسبب فيه شيء آخر، ورغم أن هذا لا يخصني.
وأمسك وتحول إلى رجال الصناعة الثلاثة الذين كانوا يتحدثون في صوت خافت، واقترب منهم وربت على كتف مسيو أوفار برفق وقال له:
- هل تسمح لي بكلمة يا سيدي؟
- بخصوص؟
- بخصوص الدور الذي قمت به أنت وصديقاك يا سيدي.
- ولكننا لم نقم بأي دور على الإطلاق.
- لم يكن دوراً فعالاً بالطبع.. ومع ذلك فهناك بعض التناقضات المزعجة.. ويكفيني أن أشير إليها، فأنتم قد أعلنتم في صباح يوم الجريمة أن لعبة الباكارا انتهت في النهاية لصالحكم، وهو ما ألغى خسارتكم وجعلكم تقررون الإنصراف بهدوء.. ولكن هذا الإعتراف تنقضه الحقائق.
هز مسيو أوفار رأسه وقال:
- الواقع أن هناك سوء فهم، والحقيقة أن الأدوار الثلاثة الأخيرة ضاعفت خسارتنا.. ونهض بول أرستين وتبعه ماكسيم تويلييه وهو يبدو رابط الجأش إلى الغرفة الصغيرة لكي يدخن سيجارة في حين أننا بقينا ثلاثتنا نتبادل الحديث.. وعندما عاد، ربما بعد سبع أو ثماني دقائق، وقال لنا أن بول لم ينظر إلى هذه اللعبة كما لو كانت جدية، وإنه إنما كان يشرب الشمبانيا ويلعب لمجرد اللهو والتسلية وأنه متمسك بأن يعيد إلينا نقودنا ولكن على شرط ألا يعرف أحد بذلك أبداً. ونتيجة اللعبة ستعتبر، إذا ما تحدث عنها أحد كما لو كانت للتعويض الحق للخسائر التي لحقت بنا.
صاح بارنيت:
- وقبلتم مثل ذلك العرض؟.. هدية لا يبررها أي شيء. وإذ قبلتموها لم تذهبوا لتشكروا بول أرستين، المعروف بأنه مقامر محنك ومعتاد على الربح والخسارة يتنازل عن حظه بكل سهولة؟.. يا لها من أمور غير معقولة ومستبعدة.
- كنا في الساعة الرابعة صباحاً، وأذهاننا تغلي، ولم يترك لنا ماكسيم متسعاً من الوقت للتفكير ثم، لماذا لا نصدقه، ما دمنا كنا نجهل أنه قتل وسرق.
- ولكنكم عرفتم في صباح اليوم التالي أنه قتل.
- هذا صحيح.. ولكنه قتل بعد رحيلنا، وهو الأمر الذي لم يغير شيئاً من إرادته التي عبر عنها.
- ألم يتطرق إليكم الشك في ماكسيم تويلييه لحظة واحدة؟
- وبأي حق؟.. إنه واحد منا.. وأبوه كان صديقي، وأعرفه منذ طفولته، كلا.. إننا لم نشتبه في شيء.
- هل أنت على يقين من ذلك؟
وتابع بارنيت هجومه على الفور فقال في هدوء:
- الواقع أن كل هذه القضية يسيطر عليها عنصر نفسي من الثقة التي توحون بها.. لم تكن الجريمة لتقع حقاً إلا من الخارج أو من الداخل. ولكن التحقيق اتجه على الفور إلى الخارج بسبب جوهري وهو أنه لا يمكن الإشتباه في مجموعة الشرف والنزاهة التي يتكون منها رجال الصناعة الأربعة الأثرياء والحاصلون على الأوسمة والمشهورون بالسمعة الطيبة.. لو أن واحداً منكم، ولو أن ماكسيم تويلييه لعب القمار بمفرده مع بول أرستين لارتقت إليه الشبهة بلا ريب.. ولكنكم أربعة لاعبين.. ونجا ماكسيم مؤقتاً بصمت الأصدقاء الثلاثة، فلم يتصور أحد قط أن ثلاثة رجال محترمين ولهم مكانتهم يمكن أن يكونوا شركاء.. ومع ذلك فهذا ما حدث، وهذا ما خمنته أنا على الفور.
أجفل ألفريد أوفار وقال:
- ولكنك مجنون أيها السيد.. أنكون شركاء في الجريمة؟
- أوه، إنني لا أقول ذلك، فإنك كنت تجهل بالطبع ما كان ينوي ماكسيم تويلييه أن يفعل في الغرفة الصغيرة عندما تبع بول أرستين.. ولكنك كنت تعرف أنه ماضٍ إليه وهو في حالة ذهنية خاصة.. وعندما خرج كنت تعرف أن شيئاً ما قد حدث.
- لم نكن نعرف شيئاً.
- بل كنتم تعرفون.. فإن جباناً كصديقكم لا يقتل من غير أن تحتفظ سحنته بتعبير من الخوف و الجنون.
- أؤكد لك أننا لم نر شيئاً.
- لم تشاؤوا أن تروا
- ولم؟
- لأنه أعاد إليكم المبالغ التي خسرتموها.. نعم.. إنني أعرف أنكم أثرياء أنتم الثلاثة، ولكن لعبة الباكارا أخلت بتوازنكم ومثل جميع المقامرين خامركم إحساس بأنه سلبكم نقودكم وعندما أعيدت إليكم تلك النقود قبلتموها من غير أن تريدوا معرفة الطريقة التي حصل صديقكم عليها. تمسكتم بالصمت في يأس.. وفي صباح اليوم التالي.. والأيام التي تلته، بعد اكتشاف الجريمة، حرص كل منكم على عدم اللقاء بالآخر من فرط خوفكم من معرفة ما يدور في ذهن كل منكم.
- هذه مجرد افتراضات.
- بل يقين تأكدت منه بتحقيق دقيق قمت به في محيطكم فإن اتهامكم لصديقكم يعني الإعلان عن ضعفكم ويلفت النظر إليكم، وإلى عائلاتكم، ويلقي بالظلال على ماضيكم المشرف الذي لا يشوبه شيء.. فإن معنى ذلك الفضيحة، فلزمتم الصمت وخدعتم بذلك العدالة، وأمنتم صديقكم منها.
ألقى الإتهام بكل عنف.. وأخذت المأساة بعداً أليماً بحيث أن مسيو أوفار تردد لحظة.. ولكن جيم بارنيت غير مجرى الحديث فجأة بأن راح يضحك ثم قال:
- ولكن اطمئن أيها السيد.. إنني أفلحت في القضاء على صديقكم ماكسيم بأن زيفت اللعبة الأخيرة وجعلته يشهد جريمته ولكنني لم أكن أملك أية أدلة ضده، كما أنني لا أملك أدلة ضدكم، وأنتم لستم من أولئك الناس الذين ينهارون بسهولة، خاصة وأنني أعود وأقول أن اشتراككم غامض، وغير منطقي، ويدور في منطقة لا يمكن للعين أن تراها. ولهذا فليس هنالك ما تخشونه.. ولكنني..
وازداد اقتراباً من محدثه، ووقف وجهاً لوجه أمامه وقال:
- ولكنني أردت أن لا تنعموا بالأمان أو الراحة، فمن فرط تمسككم بالصمت والنباهة بلغ بكم الأمر أنتم الثلاثة إلى أن تتناسوا اشتراككم الإختياري تقريباً.. كلا.. لا يجب أن يكون هذا.. تذكروا دائماً أنه لو أنكم منعتم صديقكم من أن يتبع بول أرستين إلى الغرفة الصغيرة فإنه ما كان ليموت.. وعلى هذا تدبروا أمركم مع العدالة أيها السادة.
وأخذ جيم بارنيت قبعته، وقال لقاضي التحقيق دون أن يعبأ باحتجاجات الرجال الثلاثة:
- كنت قد وعدت مداد فوجيريه بنجدة زوجها، كما وعدت والد بول أرستين بأن أكشف القناع عن الجاني، وقد أنجزت وعدي وانتهت مهمتي.
***
شد رجال التحقيق على يد جيم بارنيت في غير حماس.. ومن المحتمل أن مرافعته لم ترق لهم كثيراً، وأنهم لم يكونوا على استعداد لمجاراته في هذه الناحية.
وقال للمفتش بيشو عندما لحق به على البسطة:
- إن الرجال الثلاثة يتمتعون بحصانة كبيرة ولا يمكن حتى التفكير في استجوابهم، فهم من كبار البرجوازيين المعروفين بسمعتهم الطيبة، وثرائهم الطائل، ثم أنهم من أعمدة المجتمع، ولا أملك ضدهم غير شكوكي واستنتاجاتي، ولا تجرؤ العدالة على أن تمسهم بسوء.. ولكن ذلك لا يهمني، فقد أنجزت مهمتي على أحسن ما يكون.
وافقه بيشو قائلاً:
- وبكل شرف.
- بكل شرف؟
- أجل. فقد كان بمقدورك أن تلتقط بكل سهولة الأوراق المالية في طريقك.. وقد خشيت ذات لحظة أن تفعل ذلك.
قال بارنيت في وقار: من تظنني أيها المفتش بيشو؟
ثم خرج من البيت، ومضى إلى البيت المجاور حيث شكره الزوجان فوجيريه بحماس كبير.. وبكل وقار رفض مكافأتهما، كما قابل بنفس الوقار المكافأة التي عرضها عليه والد بول أرستين وقال: إن مكتب بارنيت يعمل بالمجان، وفي هذا قوته وأصالته. إننا نعمل من أجل المجد.
وسدد جيم بارنيت حسابه في الفندق، وأصدر أوامره بأن تنقل حقيبته إلى المحطة.. ولما كان يفترض أن يعود بيشو معه إلى باريس فقد أخذ طريقه عبر الأرصفة، ودخل مبنى النادي. وتوقف في الطابق الأول وهو يرى بيشو يهبط.
كان يهبط مسرعاً.. وعندما رأى بارنيت صاح في لهجة غاضبة: ماذا فعلت بالأوراق المالية؟
رد عليه بارنيت في براءة: أية أوراق؟
- تلك التي أمسكتها بين يديك عندما كنت في الغرفة الصغيرة وأنت تقوم بدور ماكسيم تويلييه.
- كيف هذا؟ ولكنني أعدت الرزم الأربعة.. وأنت بالذات قد هنأتني على ذلك منذ لحظة أيها الصديق العزيز.
صاح بيشو:
- لم أكن أعرف ما عرفته الآن.
- وماذا عرفت؟
- أن الأوراق المالية التي أعدتها زائفة.
وازداد غضب بيشو وأردف يقول: ما أنت إلا لص. آه، هل كنت تظن أننا سنسكت على ذلك؟ سوف تعيد الأوراق الحقيقية، والآن فوراً، فإن الأوراق الأخرى زائفة، وأنت تعلم ذلك تماماً.
واختنق صوته، وراح يهز جيم بارنيت بعنف وغضب، ولكن هذا الأخير انفجر ضاحكاً، ثم قال:
- آه يا للأوغاد! لا يدهشني هذا منهم.. إذن كانت الأوراق التي ألقوها في وجه ماكسيم زائفة. يا للأوغاد! يأمرونهم بالمجئ بأموالهم فيأتون بأوراق زائفة.
صاح بيشو وقد خرج عن طوره: ولكن ألا تفهم أن هذه النقود ملك لورثة القتيل.. لقد ربحها بول أرستين، ويجب على الآخرين أن يعيدوها إليهم.
لم يعد لمرح بارنيت أي حدود وصاح: آه، هذه ثالثة الأثافي.
صرخ بيشو: أنت الذي سرقتهم. نعم، أنت الذي قمت بعملية الإستبدال.. أنت الذي أخذت النقود.. أيها الوغد.. أيها النصاب.
وعندما خرج رجال التحقيق من النادي رأوا بيشو يلوح بيديه من غير أن يصدر منه صوت، وهو في حالة من الهياج الشديد، وأمامه جيم بارنيت، معتمداً على الجدار وهو لا يتمالك نفسه من فرط الضحك، وعيناه مغرورقتان بالدموع وهو غارق في نوبة من الضحك.
***
نهاية الفصل الثالث

 
 

 

عرض البوم صور Cherry  
قديم 06-06-08, 10:05 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
روح ليلاس
عضو فخري


البيانات
التسجيل: Jun 2007
العضوية: 32520
المشاركات: 38,328
الجنس أنثى
معدل التقييم: vueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسي
نقاط التقييم: 7978

االدولة
البلدUnited_States
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
vueleve غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Cherry المنتدى : روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
افتراضي

 

الفصول الثلاثة الأولى من الرواية ملف (word)

للتحميل الرابط التالي

http://www.liillas.com/vueleve/%c7%e1%dd%d5%e1%ed%e4%20%c7%e1%c7%e6%e1%20%e6%c7%e1%cb%c7%e4 %ed%20%20%e6%c7%e1%cb%c7%e1%cb.rar

 
 

 

عرض البوم صور vueleve  
قديم 06-06-08, 10:19 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
روح ليلاس
عضو فخري


البيانات
التسجيل: Jun 2007
العضوية: 32520
المشاركات: 38,328
الجنس أنثى
معدل التقييم: vueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسيvueleve عضو ماسي
نقاط التقييم: 7978

االدولة
البلدUnited_States
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
vueleve غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Cherry المنتدى : روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
افتراضي

 

 
 

 

عرض البوم صور vueleve  
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أرسين لوبين, رواية سر عقد اللؤلؤ, سر عقد اللؤلؤ, سر عقد اللؤلؤ أرسين لوبين
facebook



جديد مواضيع قسم روايات أرسين لوبين والروايات البوليسية
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 02:59 AM.


مجلة الاميرات  | اية الكرسي mp3  | القران الكريم mp3  | الرقية الشرعية mp3  | شات جوال 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية