لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > الروايات العالمية
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

الروايات العالمية الروايات العالمية


رحلة الخلود وثورة السلام /سناء كامل أمين /مصر

الإهداء أراها بداية ثورة في العالم أجمع : فأرجوكم أيها البشر ناشدوا معي السلام

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-02-12, 05:41 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Feb 2012
العضوية: 236400
المشاركات: 3
الجنس أنثى
معدل التقييم: سناءكامل أمين عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 10

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
سناءكامل أمين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : الروايات العالمية
افتراضي رحلة الخلود وثورة السلام /سناء كامل أمين /مصر

 

الإهداء
أراها بداية ثورة في العالم أجمع :
فأرجوكم أيها البشر ناشدوا معي السلام















( رحلة الخلود وثورة السلام )

بقلم / سناء أمين

( 1 )

تقاربت الرؤس المنكسرة ، وتساقطت الدموع من عيني خلود الخضراوين ، وأغرقت وجهها القمري الخمري اللون ، وإنتفض جسدها الممشوق ، النابض بشباب متفجر الأنوثة ، ودارت ببصرها في أرجاء دارها القديمة الحزينة ، التي لا تحتوي إلا علي الفقر ، لكنها غنية بالحب الذي يجمع بينها وبين الأب الحاني ، عم فاروق أبو العز ، الذي تٌشبهه إبنته في ملامحها الجذابة ، وعينيها الخضراوين ، وكذلك يجمع الحب بينها وبين الأم أمينة عبد الدايم ، ذات الوجه المثلثي ، خمري اللون ، وعينيها السوداوين ... التي تتساقط منها الدموع هي الأخري ، والتي يبدو من ملامحها أنها تقارب الستين عاماً ، مع أنها تناهز الخمسة والأربعين فقط .... تبكي الأم حزناً من قرار سقط فوق رؤسهم فجأة ، فأفقدهم توازنهم وسقطوا خشية الرد بالرفض ، فقد جاءهم قرار من حاكم القرية الجبار برغبته في الزواج من خلود أبو العز ... فصرخت خلود رافضة هذا البيع .... رافضة هذا العذاب ... لكن صرختها لم تجرؤ علي الخروج من حيذ دارهم بالقرية المسكينة .... وقالت وهي تبكي : يا إلهي ... لا أريد الزواج منه ، لا أريده ، ولا أطيقه ... فلماذا ترغمونني علي الزواج منه ....؟!
الأم ... ومازالت دموعها تتسرب من وراء إرادتها .... رغماً عني يا إبنتي كما تعرفين ، ورغماً عن أبيكي أيضاً .. فمن منا أو من الناحية كلها يقدر علي تكسير أوامر العمدة ... شفيق البلطيمي ... إنه جبار ، مفتري .... ثم وضعت يديها فوق رأسها المثقلة بالهموم ، وتحجرت الكلمات في حلقها وتحجرت الرغبات والأماني ....
و صمتت ...خلود صارخة ... حرام عليكم .... إفعلوا شيئاً ، لا بد من حل لا يمكن تُلٌقيِا بإبنتكم الوحيدة إلي التهلكة هكذا لماذا كل هذا الضعف .... وكل هذا التخاذل ، هو لا يذلنا بشئ ، لا حق له عندنا ، فلماذا كل هذا الجبن ؟ إفعلوا شيئاً .... مواصلة البكاء... إفعلوا شيئاً .....
الأب .. يحاول الوقوف .. تحمله قدماه برعشة يكاد يُخفيها من وراء جلبابه ، ثم يقف مهتزاً ، متحجرة دموعه بمقلتيه ، زاد عمره السبعين بسبعين عاماً أخري عجزت الكلمات عن الخروج من فمه ، عجزت إرادته عن النطق ... إبتعد عنها بخطوات ثقيلة .... ثقيلة ، منكس الرأس ، الذي شاب أعواماً وأعواماً فوق المشيب .... تقدم بثقل لم يعهده بقدماه نحو حجرته يئن قلبه من الحسرة والذل ، ولم ينطق إلا صمتا وألماً وتحاول الأم هي الاخري اللحاق بزوجها المهزوم ، وتنسرق من جوارها الي الدخل ، تجلس بجوار زوجها الذي تكوم بأحدي أركان الحجرة ، مرتجفاً ، يتمني الموت ويكره أنفاسه المتلاحقة لأنها دليلاً علي وجوده المهزوم ، دليلاً علي إرادته المعدومة ، وكرامته المهدورة ، ورجولته المذبوحة . ...... وتنظر خلود حولها فلا تجد أحداً، فتقرر الهرب .
وبعد ساعات طوال ، ثقيلة ، مرت برتابه مريرة ، كأنها عمر ُ ُ طويل ُُُُُُُُ ًُ .... حل المساء ، وبدأت تنفيذ ما نوت عليه منذ ساعات مريرة مضت عليهم جميعاً ......
تركت منزل أبيها وفرت هاربه بعيد إلي الحقول ، لاتعرف أين تروح ، ولا أين المفر ، لبستها حيرة أكثر ألما من حيرتها وهي بدار أبيها ، أحاطتها حسرة غصت قلبها الأخضر ، فأين تفر بعد خروجها ولكن رغم الأنين والحسرة ، كانت تشعر أن هناك بصيص نور يهديها لطريق ما .
كانت هناك عين حبيب تُراقبها من بعيد ، تتمني لها أن توفق في رحلتها الصعيبة ، وكان ينوي اللحاق بها لُيساندها ولكن قبل أن يصلها ويطمأنها أنه بجوارها .
تعثرت بأحد رجال العمدة... شفيق البلطيمي ..... الذي لحق بها وأراد إعادتها إلي القرية ، ولكنها قاومته بشدة وعنف ، ولكن نظراً لضخامة حجمة فهو يشبه ( الخنزير ) بمعني الكلمة ، في قوته وغبائه ... أمسك بها وانهال عليها ضرباً مبرحاً ، لكن فجأة ظهر الحبيب الصامت بسكين كانت بيده ، وصرعه بعدة طعنات متلاحقة ، وبغضب لم يعهده هو في نفسه من قبل ، وكان جسده المفتول العضلات ينتفض ، تشع النيران من عينيه السوداوين ، الساحرتين ... يلتهب وجهه المثلثي ، خمري اللون ، جميل الملامح .
وتهوى خلود علي الأرض ، ولكن يلتقطها الحبيب أمان المصري ... مسرعاً محتضناً جسدها المنتفض ، ويحوطها بزراعيه الحانيتين ويقبل رأسها الملتهب وتسكن هي منذوية بأعماق أحضانه للحظات قليلة ، جميلة ، هادئة ، رغم الحدث ...
تتمني فيها الموت قبل أن تفيق .... تتمناه بجوار قلب الحبيب ، بين زراعيه ، تلفحها أنفاسه الدافئة ، المتلاحقة ، تهدئ من روعها ..... تسمع دقات قلبه التي أمتزجت بدقات قلبا المفجوع .. تتمني الرحيل بين أنفاسه .. تتمني السفر إلي أعماقه .
تتمني الوصول إلي جنته التي يملًكها ولا يستطيع أن يهبها إياها .... تتمني أن تحتضنه باقي عمرها .... تتمني أن تتوقف دقات قلبها الغارقة بحنينه الآن ..... تتمني أن تلوذ بهذا الصمت إلي صمته ، فينطق هو بحبه منادياً الرحيل .
ولكنها .... تفيق بعد لحظات ، قد غرقت فيها بحنانه بأعماق حبه الذي لا يوصف ، تشبعت من تلك اللحظات بإُرادة صلبة ، تستطيع بها مواصلة بقية عمرها ، مهما طال ، من خلال ما منحته لها تلك اللحظات الملهمة بجبروت الحب ...
نظر أمان المصري . بكل حنينه إليها ، ودار ببصره مسافراً ذهاباً وعودة بملامحها الفاتنة ، وأحاط وجهها بيديه وقبلها فوق جبينها ثم قال : هيا ياصغيرتي فالتكملي ما بدأتيه .... .
خلود : تهز رأسها .رافضة . باكية .. قائلة : لم يعد ينفع الهرب ... فلقد فات الأوان ، ولن أتركك هنا وحدك ، تواجه مصيراً أصعب مما كنا فيه ..... .
أمان : لا عليكي ... سوف أدفنه هنا ، ولن يعرف أحداً ماجري .. هيا .. هيا .. أرجوكِ ، قبل فوات الآوان .
خلود : لا .. لم أعد أستطيع الرحيل ، بعد ما سمعت دقات قلبي .. دقاتك ... وبعد ما أرتوت أنفاسي ، بأنفاسك .... وصارحت حياتي ، أيامك ...... و صالحت آهاتي ، آهاتك ....... وعشقت عيناي ، قسماتك ..... و أقترنت أعوامي ، بأعوامك ..... وبعد ما زاد الحنين من لهيب أشواقي ، أشواقك ....... فلا تتركني أرجوك ، ولا تبتعد عني ، كي لا أموت من شدة إشتياقي إليك ..... فلقد جعلتني في تلك اللحظات ، أطير وأَحلق في السماء ، لأهمس للسحاب، وأقطف النجوم ، وأصادق القمر وأَداعب الشمس من بعيد ، خوفا من أن أزيد لهيبها بأشواقي إليك ....
لقد جعلتني أري الشمس في هذا الظلام الدامس وأشعر بدفئها ، فلا تتركني مهما كان المصير أرجوك .... أرجوك يأمان .......
أمان : أتوسل إليكِ ، لا تَعزبينني ..... وهيا إرحلي قبل أن يأتي رجال العمدة ..... ويأخذونكِ ....
خلود : لا .. لن أترك مكاناً أنت فيه ......... .
..و لن أعيش بأرض لا ترتوي بعرقك الطاهر..... ولن أري شمساً لا تراها .... ولن أسمع زقزقة طيور لا تسمعها ..... ولن أرتوي من منبع لا يرويك ...... ولن أستمع لأَناس لا يتحدثون معك .... .
أمان : إذن هيا نرحل معاً ، كي تستريحي في رحيلك .
خلود : وقد فرحت للحظة ، ثم قتلتها الصدمة في نفس الوقت ، ولم تكتمل سعادتها ، حينما تذكرت للحظة والده العاجز ...... الحاج حسين المصري .... الذي يناهز الستين ، ويلازم الفراش ، نظراً لأنه قد أصابه العجز الكامل الذي كان سببه العمدة شفيق فتذكرت ما لا تنساه ، وصَعِقٌت عندما تذكرت أبيه ، قائلة لنفسها : يإلهي كَنت للحظات قد تخيلت نفسي سعيدة ، وظننت أنني سوف أحيا الحب كما ينبغي ، عندما أحتضنت حبيبي ، ظننت أنها البداية ..
لم أكن أعلم أن بداية لأعترف بحبي هي مكمن نهايته ... يا إلهي ... هل ترحمني وتخفف عني وطأة هذا الشعور ..
وعم حسين الذي دافع ذات يوم عن القرية بأكملها ، وواجه بنفسه جبروت وعنفوان العمدة شفيق البلطيمي ، ورجاله الكثيرين وسلطانه وثرائه.
يعيش عم حسين في القرية نفسها التي يعيش فيها العمدة وأعوانه ... ولكن والد عم حسين وهو والحاج عبد الحميد المصري ... كان رجلاً قوي وثرياً جداً يمتلك معظم أرض القرية ، وكان كبيرها وكان رجلاً خيراً ، يحبه الجميع .....وذات يوم ، نظر حوله فوجد أن لديه ولداً واحداً هو عم حسين ، وكذلك حفيداً واحداًً هو أمان ...فأراد أن تكون القرية كَلها إخوة لولده ..... فقام بتوزيع معظم أملاكه وأرضة علي أهالي القرية وأقاربه وترك لولده بعض الأفدنة وفرح الجميع بذلك وعم الخير والرخاء أرجاء القرية ...
ولكن .... كان هناك أحداً لا يحب الجميع ، ولا يرغب في الخير لهم ، غار جداً مما فعله والد عم حسين .... وأراد أن ينتقم لشره ، فتحرش به ذات ليلة وهو عائد من سفر خارج القرية ، ودارت مشاجرة عنيفة إستطاع في البداية عم حسين أن يلقنه درساً لا يَنسي ..
لكن رجال العمدة شفيق أحاطوه ، وعندما وجدوا أن كبيرهم قد سقط فوق الأرض من شدة ما ألحقه به عم حسين ، أحاطوه وتكاثروا عليه . وكسروا له كل عظم جسدة الطاهر ، حتي أصابه العجز التام ..... لكن إرادة الله كانت في أن كتب له عمراً جديداً كما قال أهل القرية البسطاء ، اللذين تحسبهم أغنياء من شدة التعفف ...
واللذين لم يقدروا علي مواجهه العمدة ورجاله ، واستطاع بجبروته أن يستحوذ علي كل قطعة أرض كان قد وهبها (الحاج عبدالحميد ) إلي أهل القرية قبل وفاته بأيام .... وكانت الكارثة .... فلم يقدر أحد علي مواجهة عم حسين بما حدث ، خاصة أنه حزين علي فقدان والده وعلي نفسه المدمرة ..
ولذلك أخفوا عنه ما فعله البلطيمي معهم حتي لا يصاب الرجل بشلل في قلبه ، كما أصاب جسده .... ومرت أعوام كثيرة والكل مازال يخفي حقيقة ما حدث حتي جاء يوم وبدأ يتعافي ، ويسأل عن أحوال أهل القرية وفهم ماكان يخفيه عنه أهل قريته ، وعندما علم بذلك حزن حزناً شديداً وطلب من الجميع إخفاء هذا السر عن ولده أمان حتي لا تقتله نار الإنتقام .....
والأن .... بعد ما تذكرت خلود كل هذا في لحظات مرت عليها كأنها الدهر كله .... فهي تعرف مالا يعرفة أمان الآن ...... فقالت والحزن يتقطر دماً من قلبها : هيا يا أمان نعود إلي القرية قبل أن يكتشف أحد غيابنا .....
فقال : مازلتي عنيدة كما كنتي دوماً في الصغر .........
هي : أنا أعلم أيضاً مدي حبك لي ، وحنانك ........ كما أعلم أيضاً مدي حبك العظيم لوالدك الكفيف ، خاصة أنك الوحيد الذي يرعاه ، بعدما توفيت والدتك ، وأصبحت أنت العائل الوحيد ، بعدما هجرت عائلتكم القرية ، وسافرت بعيداً في بلادً بعيدة عن البلطيمي .... والآن .... لا تطلب مني البحث عن الذات ، وترك الآخرين بلا رحمة ، أنا لست بهذه الأنانية ......
ثم تكمل بعدما أقتربت منه ووضعت يديها لتحتضن وجهه الجميل ...أنا أعلم أنك تَريد الزواج مني .... لكن هي الظروف ....التي تمنعك .... مختنقة بعبراتها ... لعن الله تلك الظروف ....
أمان : يمسك بيدها ويقبلها ... مكملاً .... والأمل بعيد في تحسين الأحوال والمعيشة ، وأنتي تستحقين أفضل حياه وأفضل معيشة .... ولكن ... كيف أوفرها لكي وأنا عاطل ،لا أعمل ، ومازلت مرهوناً بالقرية خوفاً من أن أترك والدي بمفرده ، وكما تعلمين فالأرض لم تعد الزراعة بها تكفي نفقاتها في السنة ، بمعني أن المحصول لا يسد تكلفة زراعتة .... يا إلهي .. لم تعد الأرض تَعين أصحابها ، بل نحتاج إلي من يُعيننا عليها ... فمنذ عام 2005 م والأحوال تسوء من سيئ إلي أسوأ ،وحال الفلاح المصري تزداد سوءاً كل يوم ...وكما قال المثل ( المنحوس منحوس ) .
زمن عجيب ... والأيام حالكة أمام أعيننا ولا أمل في طلوع الشمس أبداً ... .
خلود : وقد سرحت بخيالها بعيداً ثم قالت : منذ الصغر ... كنت كل صباح مبكراً ..... وبعد صلاة الفجر ، أذهب مسرعة إلي الشرفة ، لأراك من خلفها ..... وأنت خارج إلي الحقل ....
كنت علي يقين أنك نراني كما أراك ، وتشعر بما أشعر به ، وتحدثني من أعماقك ، كما أحدثك ..... لكن ... كنت أتعذب كثيراً كلما تقابلنا بالصدفة ، وأجدك لاتنطق إلا السلام ..... ورغم ذلك ... كان سلامك ... يفرحني ويكفيني .... لكن هو الحب بل هو العشق ، الذي يُريد المزيد دوماً.. . عندما كانت تتقابل نظراتنا ، كنت أُجيب علي كل ما يدور بخلدك من أسئلة عني وعن أحوالي ....
لقد حدثتك كثيراً من أعماق صمتي ، كما كنت أنت تحدثني بنظراتك ، وأنفاسك المتلاحقة كلما رأيتني ، أو كلما شعرت بقربي منك من خلف النافذة التي تَُطل علي منزلك ....
أمان : متنهداً ، يقبل يدها ثانية ويحتضنها بيديه ويغمض عينيه محتضناً ملامح وجهها الجميل . ثم يقول : كنت كلما رأيتك أتحدث معكِ بقلبي عن كل أحلامي ، وأمالي ، في يقظتي ومنامي ، وكنت أظن أنني أَخفي عشقي عنكِ وعن الآخرين ... لكن مهما حاولت جاهداً ... للحب بريق ورائحة لا يمكن التستر عليهما .. فالحب إحساس لا يضاهيه أي إحساس آخر ....
والآن : أتوسل إليكِ هيا أرحلي ، وسوف ألحق بكِ أنا وأبي فيما بعد ... فلقد قتلته حتي لا يرجعك إلي شفيق الذي يُريد الزواج منكِ عنوة .. هذا المغتصب .......
خلود : لا .. لو هربت ستدخل أنت السجن ...
أمان : وما الفرق ... نحن في سجن كبير منذ ثلاثون عاماً ..... طالما هذا الظالم مازال هو المتحكم الوحيد بالقرية .
خلود : باكية : ربما لو تزوجته ، لن تَسجن .
أمان : لا عليكي ..... سوف أدفنه هنا .... هيا إهربي .. فلقد بدأ النهار يقترب منا ..
هي : حتي لو دفنته ... سوف يعرف شفيق أنك الوحيد وراء إختفاء رجله .
هو : صارخاً ... لا يهم .. هيا أرجوكِ ولا تَعذبينني ...
هي : باكية .. لن أخرج من القرية ولن تخرج أنت ولا حتي أبيك ... فهي قريتنا نحن ، من قبل هذا الغاصب .
هو : وقد يأس وأنعقد لسانه ..... وسقطت نظرته فوق الأرض ، منهمرة منها الدموع ، وسقط راكعاً علي رَكبتيه ، يهذ رأسه ألماً ..... وارتمت هي بجواره راكعة علي ركبتيها ، محتضنة رأسه الحبيب بزراعيها ، وأخذا في البكاء الصامت المدوي بقلبهما ، ولا يسمعه إلا الله ، وأمطرت رأسه بقبلاتها الحارة ، المغموسة بالدموع والألم وقلة الحيلة ....
وعندما رفع رأسه متجهاً بنظراته إلي السماء ... يناجي ربه في صمت جميل ، طالباً منه الخلاص ، وفي إيمان متدفق ، تقابلت نظراته الساحرة من عينيه السوداوين المضيئة رغم حزنهما ، تقابلت بنظراتها الحزينة التي يَضيئها هذا البريق الساحر يلونها الأخضر الصافي .... ، الذي يعبر عن مدي عشقها لأمان .... أمان ... الذي يمنحها الأمان رغم فقره ، ويمنحها الحنان السخي رغم قلة حيلته ويمنحها السعادة التي ترفعها حتي السماء طائرة تَحلق لتهمس للسحاب ، وتتحدي الصعاب وتَشعرها بإنسانيتَها ، وتري نفسها جميلة ، ملاكاً هائماً بين النجوم يبحث عن الملاذ ...
وقالت : أنا لست بهذه الأنانية ....طالما ضحيت أنت من أجلي منذ الصغر ، وجاء دوري أنا الآن وهيا نعود إلي والدك ، فهو يحتاجَنا بشدة ،وأراه الآن يشعر بكل ما يحدث معنا . ويراه مع أنه كفيف ..... لكنه يرانا بقلبه ....
أمان : عرفتك طوال عمري الثلاثون ، ولكن أراني الآن لا أعرفك .... ما هذه الصلابه ؟!!
خلود : ليست صلابة ، بل هي جزء من حبك ...، وعطاياك ..، وليست شدة أو قسوة ، بل رداً لجزء من حمايتك ، وحنانك الفياض .... .
هو : لا أريد رداً ، بل أَريد أن أستريح ، أَريد أن أطمئن عليكِ ... حرامُُ عليكِ تَعزبينني .... أرجوكِ إرحلي رغماً عني .... إرحلي حباً مني .. إرحلي حتي لا يغتصبك هذا الجبار المفتري ...
هي : كَل شئ يهون من أجلك .... كل شئ يهون إلا بعدك ..... ياحبيبي كل هذا الألم ضئيل ... كل هذا العذاب قليل ، لا يساوي شيئاً طالما أنت حبيبي ....
وفجأة ..... سمعا أقداماً تقترب منهما في الظلام فقالت : أتسمع ، فالهم يهرول مسرعاً نحونا وها هم زبانية الجبار قادمون ، رجال البلطيمي ... ونظرت إليه راجية ألا يتكلم معهم ، لأنهم أقوي وأكثر في هذا الزمان المقلوب ..... فنهض واقفاً ينتظر المواجهة ، ولكنها سبقته قائلة : هيا يا رجال أحملوا هذا الحيوان إلي صاحبه .... فلقد قتلته لأنه كان يُريد أن يعتدي علي ، مع أنه كان يعلم أنني سوف أكون زوجة كبيره ، وولي نعمته ، فتعجب رجال البلطيمي ، ولكنهم حملوه ، وأخذوه ...
لكن ... سقط منها قلبها الطاهر بين يدي الحبيب وهي تسلم عليه ، وودعته بنظرة يملؤها الحزن والأمل في لقاء آخر ربما يكون أفضل في زمن أفضل من هذا الزمان ....


” ” ”



( 2)

عاد أمان إلي داره تحمله قدماه الثقيلتين بصعوبة بالغة ، وقد تحجرت بمقلتيه الدموع ، وتحجرت بنفسه الرغبات ، وتحجرت بقلبه الكلمات ..... ولكنه في النهاية عاد ، ودخل حجرته ، وشعر به الأب المريض ، الذي لايتحرك من فراشه ... وناداه ... ياولدي ...... فأتجه أمان نحو حجرة أبيه ، مسيراً لا مخيرً ، دون أن يدري ، تسرقه السكين التي قتل بها أحد زبانية الجبار ، كما سرقته الدنيا من محبوبته ، وسرقت محبوبته منه ... نعم ياأبي .......
الأب : ماذا بك يا ولدي ؟ !!
أمان : متعجباً .. إنك لم تراني يا أبي ، فكيف عرفت أن بي شيئاً ؟!!
الأب : ياولدي أنت قلبي الذي يسعي فوق الأرض ، وعيني التي تري ، ونفسي التي تشعَر .... وأنا أولاً وأخيراً أب ، وأري بإحساس الأب ، وأشعر بأنك في ضياع زائد عن الحد ... فماذا جري ؟!! قل ولا تخفي عني شيئاً .. أرجوك ... .
أمان : يرتمي بين زراعيه ... باكيا ... لقد ضاعت مني ياأبي ...ضاعت مني الدنيا كَلها ، وأنا مستسلم ، ضعيف ، عاجز عن فعل شئ ... ضاعت خلود إلي الأبد .. وسلمت نفسها بنفسها للجبار ... البلطيمي .. فداءً لي ، من أجلي ضحت بنفسها ... من أجلي قتلت روحها ، وشنقت أحلامها ، بعدما كانت تنوي الفرار ، كان هناك فرصة لها في الهرب ، لكنها فضلت سجن نفسها بدلاً من سجني أنا .... هل رأيت ياأبي ... لقد ضحت من أجلي ولم أَضحي من أجلها ، سجنت روحها من أجل إطلاق سراحي ، كي أستطيع كفالتك كما ينبغي ، فكرت فيك وفي ، ونسيت نفسها .... كرهتها ، وأحبتنا ... يا إلهي ... ما كل هذا العذاب .. رافعاً رأسه إلي السماء ....ياربي .. ألا تراني ... ألا ترحمني .. ألا ترفق بي ، إني عبدك ... ضعيف ... بائس ... لا حيلة لي ... فهل قلة حيلتي هي ذنبي ، أم أنك لم تَنهي إمتحانك بعد ؟ .. يإلهي لا تنساني ... ولا تتركني وحيد، أو خذني عندك .... ثم أنهمر في البكاء ثانية ... . وأرتمي برأسه فوق ركبتي أبيه .... وتنهد الأب حزناً ، وبدأ يتحسس رأس ولده الملقاه بين ركبتيه ... إهدأ ياولدي ، فربَك كبير ، ورحمته واسعة ، وأستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، وهيا لنصلي الفجر ، وندعوه أن يلطف بنا ، وندعوه بالفرج القريب ..... ثم سمعا أذان الفجر الله أكبر .. الله أكبر ... أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمد رسول الله .. حي علي الصلاة .. . حي علي الصلاة .. حي علي الفلاح .... حي علي الفلاح .. .. الصلاة خيراً من النوم .. الصلاة خيراً من النوم .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله ... وبعد صلاتهما .. أتجه الأب برأسه وإحساسه ناحية ولده قائلاً : تعالي ياولدي أوصلني حجرتي ، أريد أن أطلعك علي شئ ......
فقام أمان ، وأتجه ناحية أبيه وساق به المقعد المتحرك ، ناحية الحجرة ... وطلب منه الأب أن ينصت له جيداً ، فما سوف يقصه عليه لم يسمعه من قبل ، مع أن كافة القرية تعلمه جيداً ...
إسمع ياولدي إن ميراث جدك الذي كان قد وزعه علي كافة أهل القرية البسطاء ، نهبه شفيق البلطيمي ... ومعه رجاله الفاسدون منذ ثلاثون عاماً ، وما أعاني منه من عجز وعمي ، هو كان سبباً فيه ، نتيجة لعراك شديد قام بيني وبينه عندما كنت أَدافع عن أهل القرية قبلما يستحوذ علي أراضيهم..
وعندما سقط أمامي علي الأرض أشار إلي رجاله الكثيرون ، فتجمعوا فوقي وأنهالوا علي بالضرب المبرح ، حتي تم تكسير كل ضلوعي ، وفقدت بصري
أمان : وقد بدأ عليه شدة الذهول ... ياإلهي ... ياإلهي ... ياإلهي يا أبي ... كل تلك الأعوام وأنا غافل ... كل تلك السنوات الثلاثون التي هي عمري ... لماذا لم تحكي لي كل هذا من قبل ...؟ صارخاً ... باكياً ... لماذا ياأبي ... لماذا ؟!! .
الأب : إهدأ يا ولدي ... كنت مازلت صغيراً ... متهوراً ولم أحكي لك الآن كي تتهور .... ياولدي لقد جاء اليوم الذي نرد فيه الأعتبار .... ولقد جاء يوم أتخاذ القرار ... وجاء الإذن بإنهاء هذا الجحيم .... وعموماً ... كل شئ ، بأوان ... ولقد جائتني الرؤية بضرورة إعلامك بالحقيقة وكما قلت لك من قبل ... كل شئ بأوان ...
أمان : صارخا ً... أي أوان ... حرام عليكم .... لقد نشأت بينكم ثلاثون عاماً ، تساوي عمر الفراعنة من طول فقرها ومرها ، جعلتموني فيها كالحيوان الأصم والأعمي ، لا يفهم ولا يري ولا يسمع..
هل هذه هي الرجولة التي تمنيتها لولدك ؟ هل هذه هي الحياة الكريمة التي عشتها بين أهل البلد ؟ الكل يعرف إلا أنا ... إذاً خلود هي الأخري تعرف ... يا حسرتي ... ياليتني لم أعرف يا ليتني مِتَ قبل هذا وكنت نسياً منسياً ... اليوم فقط تَصارحني ... تقتلني بهذه الحقيقة المرة ... وبهذا العمل ياأبي أنت لم تَنجب رجلاً ، بل بغلاً كبيراً ، سامحك الله ..... سامحك الله ياأبي ...
الأب : إهدأ يا ولدي ... أرجوك ... وسوف تعرف لماذا اليوم فقط صارحتك بالحقيقة ....
أمان : صارحتني لكي تَعطيني السبب الكافي لأقتل الجبار .... خاطف حبيبتي ، وقاتل أبي ... وقاتلي أنا أيضاً .... ، لقد دمر حياتنا ... وسرق قوتنا .... وجعلنا أموات رغم أننا نتنفس ... لن يحيا ساعة واحدة بعد الآن ...
الأب : لا تهذأ بعجزي يا ولدي ، وأسمعني للنهاية وبعدها قرر ما تَريده ، ولن أمنعك ....
أمان : هل يوجد أكثر مما قلته ؟!!
الأب : نعم ياولدي ... فدورك جاء الآن ، ودورك الحقيقي ليس فقط أخذ ثأر أبيك ، بل إعادة الكرامة للبلد وأهله ، وأنت فقط قادر علي ذلك ، ولكن ليس بطريقتك المتهورة هذه ....
أمان : كفانا يا أبي تريث ...... كفانا صمتاً ..... كفانا جبناً ..... ألا تري ما ألت إليه الأمور في البلد ... ألا تسمع عن أحوال الناس ، الذين يصطفون طوابير بالساعات من أجل رغيف خبز ملوث ليأكلونه .... أو من أجل أسطوانه الغاز التي نعاني في الحصول عليها مع العلم إنه يهدي الغاز مجاناً إلي الأعداء ... الإسرائيليين ..... ألم تعرف أن نصف أهل البلد لا يجدون قوت يومهم .... بمعني أن أكثر من40% في مصر تحت خط الفقر .... وحالة الغلاء المتزايد بجنون وبغباوة مفرطة .... ألم تسمع من أحد أصحابك أن كل أولادهم بعد ما أنهوا فترة تعليمهم ، يجلسون بالبيت شباباً وفتيات ، عاطلين وعاطلات ، لا يجدون العمل المناسب أو حتي شبه مناسب لهم .... ومن يجد عملاً فيكون أجره علي الأكثر300 جنيه ... هل في عام 2011 م مبلغ كهذا يكفي نفقات شهراً كاملاً مع هذا الغلاء ....هل تعلم أن كيلوا اللحم وصل إلي أكثر من 60 جنيه ؟!! إن الشباب في هذه الأيام لا يملكون إلا الوحدة .... الوحدة التي كادت تقتلهم ، كل يوم آلاف المرات ... ألم تسمع بالتلفازعن الشباب المسلم الذي ينتحر حرقاً ، في هذه الأيام من شدة الجوع .... والحرمان ، والكبت ؟ ألم تسألني يوماً لماذا معظم فتايات القرية عانسات ؟ أتعرف ياأبي أنه منذ عام 2009 م حتي بداية 2011 م عدد المنتحرين المسلمسن والأقباط وصل حوالي 60 منتحراً في مصر ... ألم تسألني يوماً ماذا يحدث بالكنائس ... ؟ .. ومن له المصلحة في قتل أخواننا المسيحين ولماذا ؟!! ألم يسألك أحد أصحابك لماذا فقط البلطيمي ورجاله هم أثرياء هذا البلد .... وهذا الثراء الفاحش . الذي يقدر بالمليارات .... ؟ ومن أين ...؟ !! من قوت أهل مصر ، البسطاء الذين يعانون من الجوع والفقر ولم تعد أي أسباب للرزق الحلال .. .. ألم تقلق حينما سمعت بالتلفاز عن جيرننا الذين نتقاسم معهم مياه النيل ... لماذا تراجعون في أتفاقيتهم معنا ، بخصوص حصة المياه ..؟
وعلمت أن عدوتنا الإسرائيلية هي التي تَغني لهم الآن ، ونشأت بينهم الصداقات وقامت المشاريع ... ألم تسألني أين نحن من كل هذا ؟!! ... ولماذا أبتعدناعن أخواتنا ، وجاراتنا الشقيقات ؟
الأب : مصدقاً علي حديث ولده ... نعم يا ولدي ... ولهذا كله قررت أن تبدأ أنت بالصحوة ، واليقظة المطلوبة ، ولكن إعلم أنك بمفردك لن تفعل شيئاً ، لذا يجب أن تتعاون مع شباب أهل البلد ، الذين قتلتهم الوحدة ، واشغلوا أنفسكم بشيئ عظيم ، بدلاً من الضياع أو اليأس أو الإنتحار .
أمان : أتعلم يا أبي أن العمدة شفيق يَريد الزواج للمرة السادسة من خلود ...؟
الأب : مصدوماً ... يا إلهي ... لا يجوز ياولدي .... هذا الزواج باطل .... باطل ... وإستدرج في الحديث بتعجب ... قائلاً .. مع أن هذا الرجل كان في بداية حياته يًراعي من حوله ... وكانت له مواقف بطولية في القرية وأنشأ المصانع وأقام مشاريع رئيسية بالبلد وعمل بها الكثيرون ....
أمان : إلا المسئول عن الرعية .... فالراعي خطأه بخطائين ، بل أكثر ، وجرمه هو نهاية حياته من بعد نهاية عمله كمسئول ... وهذا الرجل زاد تكبره ، ويبدو أنه نسي نفسه ، ونسي فقراء بلده ... ألم تسمع عن ثروته التي بالمليارات ....سواء في داخل مصر أو خارجها ..... ألم تعرف أن كل من حوله عمل ثروات كانت قادرة علي سداد ديون مصر وتزيد ... منذ سنوات ؟ كفانا يا أبي جبناً وتخاذل ، وكبتاً ... ولا بد لهذا الرجل أن يكف عما يفعل ، وعن جبروته ، واستهتاره بنا ... ثم أين كل زيجاته السابقات ، خلال الخمسة عقود الماضية . لقد قَتِلن ، ولم يجرؤ أحد علي نطق نصف كلمة .... عنهن ، أو عن تلك المرحلة من حياته ؟ .. .. لماذا يخشاه الناس هكذا ... ؟ ... لماذا كلما حاول أحد أن يسأل فقط .. يهاجمه بمنزله زوار الفجر ... من رجاله ... ثم يختفي هذا الذي سأل أو حاول السؤال ... إلي الأبد ... أتعرف ياأبي من هم .... زوار الفجر ....؟ !!
الأب : يا ولدي . الكل يخاف علي أولاده ، وعلي لقمة العيش ...وهذا هو مكمن نقطة ضعفنا .
أمان : وأين أولادكم .. أولقمة عيشكم هذه .. ؟!! .. لقد قتلتهم الوحدة ... وأصبحوا يبحثون عن لا شئ لإشغال وقت فراغهم .... منهم من أختار الإنتحار ... ومنهم من أستسهل التوهان ، وأصبح يتعاطي المخدرات ، بداية بما يسمي ( البانجو والحشيش ) ... ثم يندرج حتي قاع الهاوية .... ومنهم من أنهي مراحل تعلمه ثم جلس أمام جهاز الحاسب الآلي ( الكمبيوتر ) يراسل باقي فئته من الشباب إما سلباً أو إيجاباً ... وزاد الفساد بالبلد وعمت الفوضي وأتدمر الإيمان ولكن هناك شباب تعلم وتقدم ومازال ينتظر الأمل يشرق بشعاع نور من أي أتجاه ... المهم أنهم يفكرون ويتحاورون ويحاولون وربما جاء اليوم الذي فيه سيبدأون ... وبالعمل يحققون ما كانوا له يتمنون ...
وفجأه .... سمعا منادياً ينادي ... أمان ... ياأمان .... يا باشمهندس ... فينتبه أمان إلي الصوت قائلاً : إنه صديقي محمود ..
الأب : إذهب ياولدي وأدخله .... وأشركه معنا في الحوار ..
أمان : يتقدم نحو الباب ويفتحه .... تعالي يا محمود .....
محمود : السلام عليكم يا أخي الكبير ... ( مبتسماً )
أمان : وعليكم السلام ... تقدم يا محمود ... أبي يَُريد الحديث معك .
محمود : عم حسين المصري يحدثني أنا ... ما كل هذا الشرف .
عم حسين : تعالي يا محمود يا ولدي ...
محمود : يدخل حجرة عم حسين ، وقد ارتسمت علي وجهه نفس إبتسامته العزبة ، ولمعت عيناه ذات اللون العسلي بوجهه الخمري مستطيل الشكل ، ونطقت ملامحة الجذابة بجرأة الشباب ... يناهز من العمر 25 عاماً خمسة وعشرون عاماً كباقي الشباب الذين يجلس معهم أمان ، تندرج أعمارهم تحت الثلاثين عاماً .... وهم يجلسون كل ليلة يتسامرون ، ويتناقشون في أمور قريتهم التي تزداد سوء كل يوم ، ويطرحون ما يحدث علي الساحة العالمية في البلاد من خلال رسائل بعضهم لبعض ... وهو موقع إجتماعي علي الحاسب الآلي يسمي ( الفيس بوك ) ....
عم حسين : علمت أن لكم زميل قد انتحر منذ عدة أيام ....
محمود : وقد تذكرة فجأة .. بحزن تغيرت به نبرة صوته ، وتحولت كافة ملامحة ، وارتسمت حزناً وكآبه ... وقال إنه آخر شاب حتي الآن ، ومن كثرة ما تكررهذا المشهد الحزين بدأنا نتعود عليه ....
الأب : لا يجوز يا ولدي ... أنتم شباب مسلم ، تقي ، تعرفون الله ورسوله وتؤمنون بهما فلا تستسهلوا اليأس ، واتحدوا مع أخوانكم المسيحين الشجعان ، وأستغلوا قوتكم وشبابكم في شئ مفيد ....
محمود : وقد لمعت عيناه .. صحيح يا عمي ... لقد جئت اليوم إلي أخي الكبير ..الباشمهندس أمان ... الذي لم يعمل بعد بالهندسة ..... بمعني أنه عاطل مثلنا ، ولكنا نعتبره كبيرنا وسنداً لنا .. جئت له اليوم مبكراً ... لأن أحد أصدقاءنا أرسل لي رسالة علي ( الفيس بوك ) ....
عم حسين مقاطعاً : ما هذا : ( الفيس بوك ) ... ؟!!!
محمود : هو موقع علي الإنترنت .. نتراسل فيه ، ونتحدث مع بعضنا البعض من خلاله ...
أمان : موضحاً أكثر .... بمعني ياأبي مثل مكتب بريد في كل منزل ... يرسل الخطابات كل ٍ علي عنوانه ...
الأب : متفائلاً : ماشاء الله .... إذن العالم بهذا الإختراع .. ( النت ) أصبح قرية صغيرة ....
محمود : مبتسماً .. نعم ... لكن لا تنسي يا عمي أن قريتنا تقع في قلب العالم وهي قرية كبيرة ولها وزنها ومع ذلك يملؤها الفقر ....
الأب : رافضاً بشدة ... لا يا ولدي .. أنتم لستم فقراء ، بل أنتم أغنياء هذا الزمان ، طالما وصلتم بالعلم إلي هذه الدرجة من التقدم والرقي والتحضر ، لكن ينقصكم العمل ، نعم ... بقي العمل ...
أمان : متدارك لحديث محمود ، في أوله .... ماذا أرسل لك صديقك يا محمود ...؟!! ، وما تحوي هذه الرسالة ...؟!!..
محمود : لقد قال لي أن باقي أصدقاءنا قرروا الخروج غداً إن شاء الله الموافق 25 يناير 2011 م ... إلي الجبل الكبير والأعتصام فيه ، والمطالبة بعمدة جديد ، يكون واحد منا .. غير البلطيمي ، يكون من أبناء البسطاء ، المدنيين ، يعبر عن أهدافنا ، واحلامنا ، ومطالبنا ...
أمان : فرحاً يالله ... هذا حلم جميل ، طالما حلمت به .
الأب : غير مصدق من الدهشة ... مبتهجاً ... يا إلهي لو تحقق هذا ... لو ... هذا أمل بعيد ولكن من الممكن تحقيقة ...
محمود : مكملاً لحديثه ... من خلال رسائلنا علي ... ( الفيس بوك ) وافق ألاف الشباب والشابات علي الخروج معنا غداً الموافق 25/1/2011 م إلي الجبل الكبير ، هناك بقلب البلد
الأب : يا الله ... كنت أنوي طلب هذا منك يا أمان ولكن كنت أعتل هم الشباب الذين سيخرجون معك ... والآن في نفس اللحظة التي أتحدث فيها عن ذلك ، يأتي رأي الشباب بالموافقة ... يا الله ...يا الله .. أكمل بدايتنا علي خير .. حقق حَلمنا ، وكلل جهودنا بالنصر والنجاح .... ياربي .. يا كريم ، أنت من أوحيت لي بذلك وليكن النصر من عندك ...
أمان : منتبهاً فجأة ، لكن خلود يا أبي ... خلود كيف سيكون موقفها مما يحدث ... لابد أن تأتي معنا ، ولكن كيف وهي بقصر البلطيمي ..؟!
الأب : نعم يا ولدي ... لابد من وصول صوتنا إليها ... وليخرج الشباب من قلب القرية صارخنا ببطلان زواجها من البلطيمي .. ولكن أخشي عليكم من مواجهة رجاله الأشرار ... فهم مسلحون ، وأنتم عَزل ، ليس بأيدكم شئ ، أخشي عليكم من هذا الصراع ، الذي سيحدث ... لكم الله يا أولادي .. لكم الله ....
محمود : لا تخف يا عماه ، فنحن أُناس متعلمون ، ومتحضرون ، وسيكون خروجنا سلمياً ، ولن نبدأ قتال مع أحد ....
عم حسين : بحيرة .. يا ولدي خروجكم ... وحده .. للشوارع أكبر مواجهة ، وأكبر جرم لكم من وجهة نظرهم ... هؤلاء الجبابرة ..
أمان : وقد أعتلي وجهه سحابة حزن من شدة خوفه علي أبيه ، وما يمكن أن يحدث له جراء خروجهم بالثورة ....وفجأة سمعوا طرق باب بشدة متلاحقة ... عم حسين .. خير يارب ... من هذا الطارق ... ؟
محمود : أهم زوار الفجر ؟ !!
أمان : يتقدم مسرعاً ، ويفتح الباب ، وإذا به عم فاروق أبو العز وزوجته ... والد خلود ... وقد أنتابتهم الرجفة والحيرة وقالت الأم : خلود هربت يا أمان ...
أمان : إهدأي يا خالتي ... خلود هنا ، ولن تهرب أبداًً ...
الأم : وقد سقطت من شدة الإعياء فوق الكنبه التي خلفها بالصالة ... يا إلهي ... إذن أين هي ؟!!
وأكمل الحاج فاروق والد خلود ... أين هي يا أمان ... أجيبني ... أين هي ؟! ... أين هي يا حاج حسين .. أريحونا حرام عليكم ....
عم حسين : إهدأ يا فاروق ... خلود حية ترزق ، لكنها بقصر العمدة شفيق .
الأم صارخة : يالهف قلبي علي أبنتي ... كيف ... ولماذا ... وبيأس كأنه تحدث نفسها قالت : هكذا إذا لن تعود لنا أبداً
الأب صارخاً : كيف يأخذها دون زواج ..هذا جنون ... هذا لا يجوز أبداً ثم إنها لا تُريد الزواج منه ... هذا باطل ... باطل ... صارخاً .. باطل ...
أمان : لا تخف ياعمي ، سوف أَعيدها إليكما ، بل ستعود لنا جميعاً .. كَلنا يا عمي ... أتفهمني ... جميعاً بإذن الله تعالي .. هيا يا محمود لنقابل الشباب ، ونحرر خلود ، ونخبرها بما سيحدث غداً .. إن شاء الله ....

” ” ”





( 3 )

خرج الإثنان متجهان ناحية المقهي الكبير بالبلد ، وقد تجمع في إنتظارهما عشرات الشباب الغاضب ، تغلي بداخله رغبات وآمالاً مكبوتة ، حزينة ..... السلام عليكم أيها الشباب ..
رد الجميع : وعليكم السلام يا باشمهندس أمان ....
تعالي يا محمود .... إجلس بجواري ... ثم أكمل أمان ... علمت من محمود أنكم أعلنتم علي الموقع الإجتماعي ، الإعلان عن ثورة حقيقية .
غداً يوم 25 يناير لهذا العام 2011 م فهل أنتم جادين حقاً في هذا ؟!....
فرد أحد الشباب : نعم يا باشمهندس .. فلقد فاض الكيل ، ولن يحدث لنا أسوأ مما نحن فيه غارقين ، من جهل وفقر وحرمان وقال آخر : سوف ننادي بالحرية ... وإن شاء الله ، سيكون شعار ثورتنا هو ( كرامة ـ حرية ـ عدالة إجتماعية ) وإبتسم أمان إعجاباً وتفاؤلاً ـ الله ـ الله ـ أخشي من أن أكون مازلت أحلم .... فرد آخر من الشباب لا ياصديقي ، فهذه ليست أول محاولة كما تعلم ، لكنها سوف تكون الأخيرة ، التي سوف نبدأ من عندها الحرية والكرامة بإذن الله تعالي .. فرد الجميع بكل حماس .. بإذن الله .. بإذن الله
فدار أمان ببصره بين جموع الشباب محاولاً أقناع نفسه أن ما يراه من شباب وفتيات ، وما يسمعه من أقوال تُقشعر لها الأبدان ،هو حقيقة واقعة ، وليس حلماً جميلاً وفجأة تذكر حبيبته خلود ، وتغيرت ملامحه سريعاً ولاحت الأحزان بوجهه الجميل ، وقد أسود جبينه العريض وأنكمش ، بعدما تذكر حبيبته ، وما سوف يحدث لها لو لم تنجح هذه الثورة ، كما تذكر والده الكفيف ، وكيف سيكون مصيره عندما يشترك مع هؤلاء الشباب الثائر ......
ولكن ..... قطع هذا الصمت المتفجر بداخله ، صوت جمع من الشباب والفتيات يتحدث في نفس واحد قائلين : نحن نعفيك من الخروج معنا غداً يا باشمهندس أمان ، نظراً لموقفك الرائع مع أباك ومع خلود ، فأنت حارسهما معاً، ولن نزيد موقفك عداوة مع البلطيمي ونظامه ...
فرد أمان : رافضاً هذا الرأي ، ومصراً علي الجهاد معهم ، مؤكداً أن البلطيمي لا يعرف بعد أنني أنضم إليكم ، أو أنني من المؤيدين لكم منذ زمن بعيد .... وأنني أول من عاني وتجرع المر أعواماً ، سواء منه أو من نظامه الفاسد ، أعوانه ... تلك البطانة العفنة التي نهبت أرض مصر ووزعتها وتقاسمتها سوياً ، وباعوا ماشاء لهم وما سمحت به الظروف ، بعدما كان جدي قد وزع هذه الأرض علي الفلاحين البسطاء في 9/9/1953 م بعد الثورة العظيمة في 1952م التي قامت علي ذلك النظام المستبد البائد ، ومنذ ذلك الحين ، والكل يعاني ولم أكن أدري مدي معاناتهم الحقيقية ، لأنه همش دورنا جميعاً كما همش إنسانيتنا ، حتي جاء هذا اليوم الذي إكتملت فيه الحلقة المفرغة ، وعَلمتُ من أبي أن ما نحن فيه ، من ظلم وفقر ، وفساد ، له جذوره منذ ثلاثون عاماً.... وهو يستفحل ، حتي فاحت رائحته علي العالم أجمع ، والكل ينادي بالحرية والتغير في صمت وخوف ، داخل سجناً كبيراً .... أسماه مصر ...... ولكن لامجيب ولا مبالي ... فهذا البلطيمي أخشي أن يكون بالغباء الذي يبدو عليه ... ... فهذا الرجل مغرور لدرجة أنه نسي الله فأنساه نفسه ، وصنع تمثالاً لفرعون آخر جديد ، هو وولده ، ويُريده أن يرث حكمه ... فهل هذا يجوز ؟!!... مع كل هذا الظلم ، وهذا الفساد والجوع ، الذي ينهش قلوبنا قبل بطوننا وبطون صغارنا ... وكل هذا الضجر ، والمرار الذي يلتهب بداخلنا يوماً بعد يوم ... وهذا اليوم لم نعد نستطيع فيه الصبر ، لأن الصبر نفسه ضاق منا ، ومن برودنا وإستسلامنا , ومن ذلك الكم الهائل من اليأس الذي غمرنا ، ومن الإحباط الذي نتلاطم مع أمواجه ظناً منا أننا مازلنا أحياء ...
فرد الجميع : بصوت جهورى ، وفي نفس اللحظة : لا .. لا ... لن نموت بعد اليوم ... نحن مازلنا أحياء ... نحن مازلنا أحياء يا باشمهندس .. .
ورد محمود : بعد ما وضع الجريدة التي كانت بيده ، ونهض واقفاً.. صارخاً : وبإذن الله سوف نتنفس نسيم الحرية معاً ... الشعب وأنت يا أمان .....
وفي هذه الأثناء كان هناك مُتلصيصين من رجال العمدة منتشرون في كل مكان ، كلاً يتلصص بطريقته ، ثم يذهب مسرعاً ليبلغ شيخ الخفر ، الذي يقوم هو بدوره ويبلغ البلطيمي ... والكل يعرف من هو شيخ الخفر ، ذو الصوت الجهوري ، والشخصية المتبلدة الحس ، لا يعرف معني الرحمة أو الإنسانية ، الكل يهابه ... هو ومن حوله ، الكل يخشي حتي مجرد الحديث عنه ، حتي رجاله المحيطين به ، ويعملون من أجله ، وأجل نظام البلطيمي ، فهو حينما يغضب ، يظهر جبروته علي ملامحه وتقسيمات وجهه ، التي لا وسامة فيها أبداً ... بوجهه المستطيل ، الكبير الحجم ، وشاربه العظيم ، وصلعته التي يخفيها ببعض من شعره في جانب رأسه وتبرز عينيه السوداوين برودة إحساسه ، ولا تُنم نظراتهما علي أن بهما حياة أبداً ، هذا هو كبير رجال البلطيمي ، ورجل الأمن الأول لديه ... إنه ( وزير الداخلية ) ... الذي جاءه أحد رجاله في هذا اليوم ، الذي قرر فيه الشباب القيام بثورة ، وتم الإعلان عنها علي الموقع الإجتماعي بالنت وعلم الجميع ، وجاءه ليخبره بذلك ، وهو أن الشباب في البلد قد أعلنوا عن قيامهم بثورة في يوم 25 / يناير لهذا العام فضحك بغباوة وغرور ، وقال : ( دعهم يلعبون ) .
” ” ”
( 4 )

وفي تلك الساعات ، التي كانت تمر ببطء شديد ، جلست خلود داخل حجرة واسعة ، بقصر البلطيمي ، ورغم إتساع هذه الغرفة ، إلا إنها كانت لا تستطيع التنفس ، وتشعر بضيق علي صدرها ، تكاد تختنق ولكنها شعرت أن هناك شيئاً ما قد مات بداخلها ، فلم تعد تحزن بل تعدت شعورالحزن بمراحل ، إن ما تشعر به الآن ليس هو باليأس ، ولا بالغضب ، وأنما هناك شيئاً ما يغلي بداخلها ، أذاب هذا الغليان إحساسها بالخوف فلم تعد تكترث ، بل فاض الكيل ، وعزمت علي المضي سعياً وراء الحرية ، وها هي تنهض واقفة ، تتجه نحو باب الغرفة وتفتحه ، ولكن فجأة تجد أمامها العمدة ... شفيق البلطيمي ... فنظرت له بحنق وغضب شديد .. فرد نظراتها ببرود وغرور مستحكم ، ويبدو من ملامحه أن عمره يفوق الثمانين عاماً ، ولكن مازال يبدو عليه أيضاً آثار قوة من الماضي ، فهو ذو طول وعرض ملفتان ، كأنه رجل عسكري وتبدو من ملامح وجهه المستدير إنه كان رجلاً طيب في الماضي ، ببشرة بيضاء ، لا تنم عن شئ ، وإنما بداخل سواد عيناه شيئاً ما غامض ، لا يعلمه إلا الله ، ... ولكنه علي كل الأحوال ... هو شيئاً سئ ....
ثم قال : أين أنتِ ذاهبة أيتها الجميلة ... ؟!! فبصقت خلود بكلماتها بوجهه الذي تكرهه بشدة قائلة : إلي أهلي ، ولن يمنعني إلا الموت .... فرد بنفس الغرور الذي يصاحبه قائلاً : إهدئي ياحلوة ، وقُصي عليا ما حدث بينكما أنتِ وأمان في تلك اليلة ، وبعدها نري هل تذهبين إلي أهلك ، أم لا ؟ ثم أنكِ قيد الأعتقال ...
فقالت : لا عجب في ذلك ... فالاعتقال عندك أنت ورجالك ، شيئاً عادي ، تفرضوه علي أي شخص ، وفي أي وقت تشاءون .. قانون طوارئ ... لا يعلم سره إلا أنتم ... لكن لا تنس إنتقام الله ...
فرد : قاظم غيظه .. هيا ياحلوتي ... ماهي حكايتك مع أمان ؟ ... أمانك.. كما تُسمينه .. أترين ، أني أعلم عنكِ أشياءً قد لا تعلمينها أنتِ عن نفسك ...
فقالت : بكل ثقة وغضب لم تعهده بنفسها من قبل ... أمان هو حبيبي ومصدر أماني ... هو سندي وملاذي .. هوحبي وفؤادي هو مصدر أمن بلادي .
فقال : وقد بدأ يظهر علي ملامحه الغضب الشديد .... : أمان هذا فرداً في بلدي ، أتحكم فيه وأأمره أن يفعل ما اُريد ، وإن أَبيَ تٌفتح له أبواب الاعتقال ..أتفهمين .. فقالت : لا أفهم ، ولن أفهم قانونك بعد اليوم ، لقد فاض الكيل ، وأصبح الموت عندنا أسهل من شربة ماء ...
فهيا أٌقُتلني إن شئت ، حتي أستريح ، فلقد نجحت أنت ونظامك في أن جعلتمونا نكره وطننا بعدما كرهنا أنفسنا ، ظناً منا أنه وطنكم أنتم فقط ، لقد أرغمتموننا علي الهجرة لنخدم في أوطاناً آخري بعيدة عن وطننا الحقيقي ، لقد نجحتم في نزع روح الحرية من قلوبنا ، فهنيئاً لكم وطناً فارغاً ، خاوياً من الحب ، لا يسكنه إلا أتباعك ومن لم يستطع الفرار من المغلوبون علي أمرهم ، من شعب مصر ، ولكن ..... لكن ..... إحذر شباب المستحيل ... شباب الضياع طوال ثلاثون عاماً هي عمرهم ..... إحذر ثوار الصبار ... إحذر شباب لا يخشي ( أُمنا الغولة ) ... ولا ( أبو رجل مسلوخة ) ... إحذر شباب ولد ليجد نفسه مسئولاً عن مستقيلاً مجهول الهوية ، غامض ، لا يملكه له الأب ، ولا الأم ، وإنما مستقبلاً بيد المغتصبون ، الذين هم رجالك الفاسدون ..... هيا أقتلني كي أستريح .... شفيق وقد نفذ صبره من جرأتها قائلاً : راحتكِ أو عذابك بيدي أنا .... أنا ... أتسمعين ...
خلود صارخة : كفاك غروراً ... ودعنا وشأننا .
وفجأة .. سمعا نداءً من الخارج ، مع دوي إطلاق رصاص .... خلود ... خلود .... إين أنتِ يا خلود ... إتركها يا بلطيمي.. لا يحق لك الزواج منها ... زواجك منها باطل .... باطل ...
فصرخت خلود : أبي ... إنه أبي ... وهرولت مسرعة جدا نحو باب القصر , ولكنها وجدته جثة ملقاه علي درجات السلم ، وصرخت .. لا ... لا ... أبي .. لا أيها الخونة .. حرام عليكم ... أبي ... لماذا قتلوك يا أبي ... هل لأنك قلت لا ؟ ...هل لأنك قلت الحقيقة في وجوههم السوداء ؟ أم لأنك أقتحمت بجرأة قصرهم العالي .. ؟ .. قتلوك الظلمة ... وإنهالت تُقبل جثته ، غير مصدقة أنه لفظ أنفاسه الأخيرة بهذه السهولة ، وتلك السرعة ...
وسريعاً ما حملها رجال العمدة إلي داخل القصر ، وكذلك جثة والدها ، وأغلقت الأبواب وكأن شيئاً لم يكن .

” ” ”






( 5 )

وفي ذات الوقت كان أمان يشعر بما يحدث مع خلود ، فلقد أبلغه رسول قلبه أن حبيبته في ضيق شديد ، وبدأت تنهال عليه الوساوس بالشر كله ... فنظر إلي السماء يناجي ربه قائلاً في نفسه : ياربي الطف بنا جميعاً ، ولا تنسانا ... لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت ، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا علي القوم الكافرين ... صدق الله العظيم .. وأدركه الأب قائلاً : ماذا بك ياولدي .. هل حدث شيئاً ؟!!.. فرد أمان بحيرة : إنها خلود يا أبي .. خلود لم تأتي حتي الأن ، ولابد أن أذهب لإحضارها مهما كانت العواقب ...
ففزع الأب قائلاً : لا يا ولدي ، لم يحن ميعادك بعد لمواجه البلطيمي ...
فصرخ أمان : كفانا جبناً يا أبي ، منذ سنوات طوال ، ونحن ننتظر ، حتي ضاق الصبر ن صبرنا ، وفر منا هارباً ... كفاناً .. لقد فاض الكيل وانسكب ، والدم يغلي بعروقي ، ولم أعد أحتمل المزيد ، دعني أفعل شيئاً واستريح ، وليكن ما يكون ... وخرج هائماً علي وجهه ، تتلاطمه رياح الشتاء المتربة ، وتلدغه قطرات المطر الغزيرة ، وتزيد من حرارته وغليانه ... هرول كثيراً ، وجري طويلاً، حتي كاد أن يصل إلي قصر العمدة بشمال القرية ، ولكن في ذات الوقت ... كانت خلود قد قامت من مكانها واتجهت ناحية باب القصر الخارجي ، تسير مذهولة تسرقها السكين ، لا تسمع ولا تري إلا خطواتها الثقيلة ، المبهمة ، تقودها دون إدراك ناحية القرية . وقد خرجت الأوامر بألا يتعرض لها أحداً .....
وسارت كلما تقدمت بخطواتها بعيداً عن القصر ، تتباطئ أنفاسها ، وتنهار قواها ، وتكاد تسقط علي الأرض ... حتي لاح لها من بعيد الأمل يهرول نحوها ، لاح لها الحب ينادي قلبها ، وقد ارتعب خوفاً عليها ، وكان يهرول طائراً بقدماه ناحيتها ، بعد ما وقفت تتمايل وكادت تسقط ، فقذف أمان بروحه قبل قدماه ، وفي أقل من لحظة التقطها قبل أن تسقط فوق الأرض ..... وغابت عن الوعي ، وحملها بين زراعيه ، وسار بها يقتله القلق ، ولا يدري ماذا حدث معها ، لكنه ظل يقذف بقدماه التي سابقت الريح ، حتي وصل إلي دارها ، وكانت المفاجأة فقد وجد مئات البشر من أهل القرية يجتمعون متلاحقين أمام منزل خلود ...
كانوا يُريدون الذهاب إلي قصر البلطيمي لإحضارها ... لكنهم فوجئوا بقدومها مع أمان ... هذا البطل .... فهتفوا جميعاً .. يحيا أمان المصري ... يحيا أمان المصري ... وتحيا خلود وأمان .... ثم بدأوا يتساءلون عن الحاج فاروق أبو العز والد خلود ... أين هو ؟!!... أين أباكِ ياخلود ؟.. هل قابلتيه ؟.. قال صوت شبيه ...جاراً لها أجيبي يا ابنتي ... فبكت ، وانهارت تماماً ، ففهم الجميع ومن قبلهم أمان ، أن أباها قد حدث له مكروهاً عظيماً ... وفجأة هدأ الجميع ، وسمعوا صوتها متحشرجاً ... لقد قتلوه ... قتلوه الخونة ...
وصعق أمان مع الجميع من هول الصدمة ، وقال ضجراً ..: يا إلهي ... لقد زاد فجرهم ، وطغي كفرهم ، واستفحل أأصبحت أرواحنا رخيصة إلي هذه الدرجة ؟ .. ألا تساوي شيئاً في قانون دنياهم ؟...
ألا نستحق العيش معهم ؟ لا يوجد مكان لنا ولا وطن في هذا البلد .. أهي بلدهم حقاً ونحن الغرباء ، أم نحن ضعفاء ، جبناء ... لا نساوي لقمة العيش الملوثة التي يقذفون بها إلينا ، بعد ما تشبع كلابهم .. ياإلهي أين المفر ، ومتي الخلاص يا ربي ... متي ؟ صارخاً متي ؟....
فهتف الجميع : بكل حزن وغضب إهدأ يا أمان ، وهيا بنا نحضر جثة عم فاروق .
وفجأة حضرت الزوجة صارخة ، مع جمع من نساء القرية .... يا لهف قلبي ... قتلوا زوجي وحبيبي ... كان هنا منذ ساعات قليلة ... كان يصرخ منادياً علي ابنته ...
كان يصرخ رافضاً هذا الواقع الملعون ... كان يدب بقدماه فوق الأرض ... كان معنا .. كان معنا ... كان ... كان ... حسبي الله ونعم الوكيل فيك يابلطيمي ، وفي رجالك .. يارب أجعله بقدرتك يتجرع مرارة الحرمان يارب يشرب من نفس الكأس .. كأس الهم التي نسقي منها جميعاً .. الموت علينا حق وعليهم وجب ، والظلم لا يرضيك يا ربي ... وما دام الموت عندهم بهذه السهولة ،إذن يحيا الموت ، ولن نعيش يوماً بلا كرامة بعد الآن ، ولن نخاف ثانية ، ولنذهب جميعاً لإحضار جثة زوجي الغالي ، حتي لو متنا جميعاً ....
وفجأة : رفع أمان يده في وسط الزحام صارخاً : أطمأني يا خالتي ... مازال بالبلد رجال ، رغم كل ما يفعلوه أتباع البلطيمي ، ولنذهب لإحضار الجثة وليحدث ما يحدث .
وبصعوبة بالغة وقفت خلود وقالت موجهة حديثها إلي أمان : لم يأتي دورك بعد يا أمان ، وإذا قاتلت معنا فمن سوف يرعي والدك وباقي الشباب ...
لكن أمان لوح بيده رافضاً ثم قال : الله ... الله هو المعين يا خلود ، ولا تنسي أن أبي نفسه لو كان يقدر لسبقنا جميعاً للأخذ بثأر عمي فاروق ...
فرد أحد الرجال : معها حق ياولدي ، فأنت دورك مع شباب البلد ، فهم يحتاجون توجيهاتك ورعايتك ...


ولاح من بعيد وجه الحاج حسين المصري والد أمان ، يساعده علي دفع مقعده إلي الأمام شاب من أهل القرية ، ثم بدأ يقترب شيئاً فشيئاً ، والكل مترقب وصوله ، وبدأ يهدأ الجميع ، وأسرع أمان ومعه محمود ليقابلاه ، ثم أخذ أمان يدي المقعد وبدأ يدفعه بوالده .... وعندما وصلوا إلي المكان المحتشد بالناس ، قال والد أمان ، أنا سأكون أولكم عند إحضار جثة أخي وجاري ... ثم أكمل والحزن يتفاطر من عينه ، وأولكم في دفن جثمانه الطاهر ، وأولكم في التوجه إلي الجبل الكبير ، ليسمع العالم كله صوتنا ونحن نطالب بالحرية ، ونحتج ضد الفقر والبطالة والغلاء والفساد الذي عم البلد ... بل ونطالب برحيل حكومة ورجال البلطيمي ، هؤلاء الفاسدون ، ولنسمي هذا اليوم بيوم الغضب ، وسوف يكون هذا اليوم وهو يوم 25 يناير 2011م مواكباً لإحتفالات عيد الشرطة .
وفجأة : صاح الجميع ونحن معك جميعاً منذ هذه اللحظة .
ثم طغت صرخات لإحدي النساء وهي قادمة من بعيد ، علي أصواتهم العالية ، واقتربت وهي تلهث ، وفي حالة من الرعب شديدة ، فقابلها جمعاً من الحشد الموجود ، متسائلبن عما بها ..
فقالت وهي تبكي : إنها جثة عم فاروق ، وجدتها ملقاة في مياه النيل ، وتركت رجالاً من أهل القرية ينتشلونها من المياه ، فتحولت أنظار الجميع قبل أقدامهم ناحية مياه النيل ، ليحملوا جثة عم فاروق ، رافعين أياديهم إلي السماء ....
لا إله إلا الله .... لا إله إلا الله .... يسقط الظلم وأصحابه ويحيا الموت لأحبابه .... ( إرفع صوتك .. قول للناس .. إحنا كرهنا الظلم خلاص ) و.. ( نموت .. نموت ويحيا الوطن ).

” ” ”










( 6 )

كانت الدعوة ليوم الغضب قد بدأت بمبادرة من بعض الحركات الاحتجاجية ، والقوى السياسية المعارضة ، بعد ثورة تونس ، واستجاب للدعوة جماعة الإخوان المسلمين ، وحركات كفاية وشباب 6 إبريل ، والاشتراكيين الثوريين ، وعدد من الأحزاب وبدأ المتظاهرون احتجاجاتهم قبل الظهر ، من التحرير وبلاق الدكرور , وميت عقبة ، وأرض اللواء ، وإمبابة ، والمطرية ، وشبرا، وميدان مصطفي محمود بشارع جامعة الدول العربية ، وكورنيش النيل بالقاهرة .
وشهدت محافظات الغربية ، الشرقية ، دمياط ، الإسماعلية والدقهلية ، البحر الأحمر ، أسيوط ، بني سويف ، أسون والقليوبية ، الفيوم ، شمال سيناء ، السويس ، كفر الشيخ ، والبحيرة ...... مظاهرات مماثلة .
وانتشرت منذ الصباح الباكر سيارات الأمن المركزى ، والسيارات المصفحة ، وعربات الإطفاء , وسيارات الإسعاف في معظم الميادين ، والشوارع الرئيسية بأنحاء الجمهورية ، وتم إغلاقها بالحواجز الحديدية ، وقوات مكافحة الشغب .
وانتشرت الألاف من رجال الأمن بالذي المدني والعسكري ، وأحاطو ا بالمتظاهرين في بداية اليوم ، ثم بدأوا في تفريقهم بإستخدام خراطيم المياه ، والقنابل المسيلة للدموع ، والطوب والحجارة .
لم ينسوا ولن يستغنوا عن اساليبهم المختلفة في التعامل مع الثوار المحترمون ...
ووقعت اشتباكات محدودة في بعض المناطق بالقاهرة والمحافظات ، إنتهت بإصابة عدد من المتظاهرين ، وإعتقال آخريين ، كما أصيب عدد من رجال الأمن . ورغم التواجد الأمني ، الذي قدرته المصارالأمنية بنحو 30 ألف شرطي في مناطق وسط القاهرة وحدها ، فإن المتظاهرين نجحوا في إختراق الحواجز الأمنية في عديد من المناطق ، أبرزها أمام دار القضاء العالي والمهندسين وميدان التحرير .
الذي تحول في ساعة متأخرة من نهار الثلاثاء ، 25 يناير ، إلي ياحة تجمع فيها المتظاهرون ورابطوا في الميدان وسط حصار أمني كثيف ، حتي الفجر من اليوم التالي للثورة .
وردد المتظاهرون هتافات ضد النظام الحاكم منها ( تونس هي الحل ) و ( مصر زي تونس ) و ( يسقط كل فاسد ) و( لا للجوع ، لا للفقر ، لا للبطالة ، لا للغلاء ) .
وهكذا إنطلقت مظاهرات ( يوم الغضب ) في المحافظات وخرج الألاف للتعبير عن رفضهم الأوضاع السياسية وإرتفاع الأسعار ، وقلة الأجور ، ورفعوا لافتات تُطالب برحيل الحكومة ووزير الداخلية ( حبيب العادلي ) ولا ننسي الدور الرئيسي والممتاز لجماعة الإخوان المسلمين في كل محافظة ، وكان من المطالب الواضحة التي اتفق عليها الجميع هي رحيل الحكومة ، ومنع التعذيب في أقسام الشرطة ، وإلغاء جهاز أمن الدولة ، وإلغاء نتائج انتخابات مجلس الشعب ، ومنح الحرية للمواطنين كما رفعوا لافتات تندد بالتوريث ، والتعذيب ، وإلغاء قانون الطوارئ ، وفي نفس الوقت أصدرت الأجهزة الأمنية تعليمات مشددة إلي أصحاب محال النت بمنع أرسال أي صور أو مقاطع فيديو ، والتأكد من شخصية المترددين عليها بأنهم ليسوا من أوساط الصحفيين أو الناشطين .
وفي مدينة السويس قام أثنان من المواطنين بسكب البنزين علي نفسيهما وحاولا إشعال النيران في جسديهما ،أثناء مظاهرة السويس ، والتي شارك فيها نحو 5 ألاف مواطن إلا أن أجهزة الأمن قامت بمنعهما ، وكانت المظاهرات بدأت في ميدان الإسعاف بحي الأربعين ، بعد الظهر ضد البطالة وغلاء الأسعار ، وتقييد الحريات وقانون الطوارئ ، وشهدت المظاهرات تواجداً أمنياً مكثفاً ، وخرجوا في مسيراة تجوب شوارع المدينة .
حمل المتظاهرون لافتات مكتوباً عليها ... ( دولة مدنية واحدة ضد دعاوي الطائفية ) و ( ثورة في تونس ، ثورة في مصر ) و ( حتي لا ننسي بوعزيزية ... عاش نضال الشعب التونسي ) .. بوعزيزية .. ذلك الرجل الفقير الذي أشعل النيران في جسده يأساً وإعتراضاً علي واقع تونس المرير وكان إحراق بوعزيزية لنفسه .. الشرارة الأولي لثورة تونس .
أما نحن كمصريين فالنيران تُحرق قلوبنا وعيوننا وآذاننا قبل ألسنتنا منذ ثلاثين عاماً .
كما رددوا هتافات : ( تونس ـ تونس ، شدي الحيل .. خلي حكومة مصرتفوق ) و( التغيير مشروع ... مشروع .. ضد الفقر وضد الجوع ) .
وفي الإسكندرية ، نظم المئات من القوي السياسية والمواطنيين ، مسيراتيين بمنطقة العصافرة ، استجابة للدعوة التي أطلقها عدد من النشطاء علي الإنترنت ، للمطالبة بزيادة الحد الأدني للأجور وربطها بالأسعار، وإلغاء قانون الطوارئ ، وإقالة وزير الداخلية ( حبيب العدلي ) .
وكانت الهتافات تُردد ( يا أهالينا . يا أهالينا ، أنضموا لينا قبل الدورمايجي علينا ) ، و ( انجازات وراء انجازات .. خالد سعيد مات في أيديهم ) ، و ( عايزين حكومة جديدة .. إحنا بقينا علي الحديدة ) ، و( إرفع صوتك قول للناس ... إحنا كرهنا الظلم خلاص ) .
ومن هذا اليوم وفي نهايته كانت مصر كلها تستعد لحدث عظيم ،حقيقي لا يعلمه إلا الله ، لكن الشعب كُله ،كان يشعر أن شيئاً عظيماً قد حدث بالفعل ، ربما هو تلك الولادة المتعسرة بمعني كلمة ( لا ) ، لا للظلم والفساد ، لا لكم أيها الأوغاد مغتصبوا مصر الحبيبة .. . والكل مترقب ، الثائر ، وكذلك الفاسد ، والذي يتأرجح بين الأمرين ، وراكبي الموجات .
الكل يترقب ، ومن أهم الشخصيات التي لها دور رئيسي وغامض في نفس الوقت هو الدكتور محمد البردعي .. المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، ومؤسس الجمعية للتغير، قال هذا الرجل : إن خروج الشباب المصري إلي الشوارع أمس ، بمثابة بداية لعملية تاريخية ، مضيفاً أن الشعب المصري أدرك أنه لابد أن يحمل مصيره علي يده ، وأوضح في حوار له مع مجلة ( دير سبيجل ) الألمانية ، في أول يوم الثورة في 25 يناير 2011م أن المصريين لأول مرة في تاريخهم الحديث , يصحون علي استعداد للنزول إلي الشوارع بشكل حقيقي ، مؤكداً أن ثقافة الخوف التي يزرعها النظام تحطمت لديهم .
وقد وصل الشعب المصري إلي مرحلة اللاعودة ، وأن احتجاجات 25يناير .. بمثابة كرة الثلج التي يمكن أن تتحول إلي إنهيار جليدي ، وأن العالم العربي يشهد حالياً البوادر الأولي من ( الربيع العربي ) ، وينبغي علي المصريين أن يكونوا قادرين علي تحقيق ما حققة التونسيون . وأكد أنه يؤيد احتجاجات هذا اليوم ، موضحاً أنه يدعم أي مطلب للتغيير السلمي ، مؤكداً أن تجاهل النظام دعوته لإجراء اصلاحات جعل الخروج إلي الشوارع هو الخيار الوحيد .
وقال أُناشد الرئيس .. حسني مبارك .. عدم السماح بتصعيد الوضع وينبغي أن يحترم الحق العالمي لحرية التظاهر .
وأرجع البرادعي سبب عدم مشاركتة في الاحتجاجات التي جرت اليوم ، إلي عدم رغبتة في سرقة الأضواء من الشباب الذين دعوا لذلك اليوم ، مؤكداً أنه أيدهم بكل السبل المتاحة . ونبه البرادعي إلي أنه من الممكن أن تواجه مصر مرحلة من عدم الاستقرار ، مشيراً إلي أن الحرية لها ثمن ، موضحاً أن الجميع في مصر بدءاً من الشيوعيين إلي جماعة الإخوان المسلمين يتفقون علي أن الاستقرار هو الهدف .
وطالب بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة ، والسماح بتعديلات دستورية ديمقراطية ، تسمح بإجراء انتخابات حرة ، فضلاً عن رفع قانون الطوارئ ، مؤكداً أنه دون هذه الإجراءات فإن النظام لن يتمكن من البقاء .
ولفت البرادعي إلي أنه لابد من التوقف عن تشويه صورة الإخوان المسلمين ، مضيفاً : ( القول إن الخيار الوحيد يكمن في القمع في عهد مبارك ، أوالفوضي من قبل المتطرفين الدينيين ، أمر غير صحيح ) في الوقت نفسه ينتقد جماعة الإخوان المسلمين البرادعي ، لغيابه عن المظاهرات ، وقالوا إنه كان يجب عليه أن يكون وسط الشعب ، حتي يدفع الشباب للمزيد من الوقفات الاحتجاجية وكان يمكن أن يعتذر لوسائل الإعلام عند الحديث ويترك الساحة للشباب ، إذا كان لا يُريد أن يسرق الأضواء .
وعدم مشاركته أمر يسئ له كثيراً ، وكان عليه أن يكون قدوة للشباب خصوصاً أن التغير دائماً يكون بتضحيات ، وبعدم مشاركته يُطفئ أملاً كبيراً يراهن عليه الكثيرون .
وفي هذا اليوم أيضاً ( يوم الغضب ) وهو اليوم الأول للاحتجاجات لم يسلم أيضاً من الأذي العديد من محرري الصحف ، وخاصة صحيفة ( المصري اليوم ) في مختلف الأماكن وخاصة في ميدان التحرير .
كما تم اغلاق الشوارع المحيطة بوزارة الداخلية من قبل الأمن ، وكان سكان المنطقة يعيشون في معسكر أمني ، علي حد قولهم .


” ” ”











( 7 )

وفي اليوم الثاني للمظاهرات ، قال مؤيدي جمال مبارك لرئاسة الجمهورية خلفاً لوالده ... نحن نطالب بـ ( حفظ الجميل للرئيس ) ، وأصدر تحت عنوان ( مصر بتناديك ) لدعم وتأييد ترشيح أمين السياسات جمال مبارك لانتخابات الرئاسة ، بياناً نددت فيه بالعودة للتظاهر ، وطالبت المصريين بحفظ الجميل للرئيس مبارك ، علي حد قولهم .
وأكدت الحملة أنها تعد لمؤتمر ضخم في أسوان لدعم وتأييد جمال مبارك ، وأكد البيان أن ثورة تونس التي أسفرت عن تغيير نظام الحكم ، لا يمكن أن تحدث في مصر ، لأن الوضع في مصر مختلف ، حيث قيد النظام التونسي حرية التعبير ، ونفي المعارضيين الحكم للخارج .
وأضاف البيان أن مصر تعيش في كنف حرية تعبير بلا شك عبر وسائل الإعلام المختلفة ، ومصر تعيش أزهي العصور الديمقراطية وكل شئ واضح ، والحكومة تعمل في النور، والديمقراطية أساس الحكم . هكذا كان رأيهم ...
ولكن سوف تُسفرالأيام القادمة بإذن الله ، عن مفاجأت عجيبة ، لم يتخيلها عقل وسوف تتلاشي الجماعات المؤيدة إلي الأبد ، هؤلاء المغلوبون علي أمرهم ، هؤلاء الذين كانوا يسقون العشب من أجل ورودهم وطموحاتهم ، كما قال المثل .... ( لأجل الورد ينسقي العُليق ) . وليس حبا ًفي جمال مبارك أو مبارك نفسه .


” ” ”

ورغم كل النفي الرسمي لإمكان أن يتكرر في مصر ماجري في تونس ، ووصفهم بأن ما يحدث من احتجاجات في مصر ( كلام فارغ ) .
إلا أن الواضح أن حكومة مصر تحركت بسرعة البرق لمنع العدوي التونسية من أن تنتقل للجسد المصري .
ففي أقل من أسبوع كانت الحكومة قد تراجعت عن سلسلة من القرارات التي كانت قد تبنتها ودافعت عنها قبل الانفجار التونسي . فقد تم تأجيل مشروع قانون الوظيفة العامة لأجل غير مسمي ، وهو المشروع الذي كان سيهدد أرزاق العاملين بالقطاع العام ، والجهاز الإداري للدولة ، خصوصاً المؤقتيين منهم . ورغم أن مشروع القانون كان في الأصل تنفيذاً حرفياً للروشتة البائسة لصندوق النقد الدولي ، التي تهدف لتقليص التوظيف في القطاعين العام والحكومي في هذا الأسبوع نفسه أعلن وزير البترول عن تعيين كل خريجي هندسة البترول ، وتراجع كذلك وزير التربية والتعليم عن القرارات التي كان قد اتخذها ، وعلي رأسها قرار تأجيل صرف مكافأة الامتحانات .
وفي الأسبوع نفسه ، تم ( تجميد ) اللائحة الجديدة للعلاج بالمستشفيات العامة ، واللائحة سيئة السمعة كانت تُمثل إلتفافاً حول العلاج المجاني للفقراء ، بينما تفوق أسعار العلاج بها أحياناً أسعار الخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة . وفي نهاية الأسبوع كانت وزارة الري تُعلن عن مشروع قانون الري الجديد ، بل قررت أن تضيف لذلك المشروع تعديلات تُقضي بتحميل المستثمرين في الأرض الجديدة تكلفة تشغيل المجاري المائية وصيانتها . كما قررت الحكومة تأجيل التصور النهائي لجهاز الخبز المدعم ، إلي ما بعد انتخابات الرئاسة المقبلة .
ثم راحت الحكومة تدرس بشكل جاد زيادة الحوافز المادية للعمال في قطاع الصناعة ، قبل انتخابات الرئاسة بما في ذلك القطاعات الخاسرة ، التي يعمل بها عدد كبير من العمال ، كقطاع الغزل والنسيج .
وهكذا يبدو أن الحكومة المصرية شعرت لأول مرة بأن شيئاً ما عظيماً سوف يحدث ، ولأول مرة تشعر قبل أن تري ، تتحسس الأمور إذ ربما تستطيع الوصول إلي هدف ، لكنها لم تعرف ، ولن تعرف إلا بعد فوات الأوان ، أن الشعب المصري خرج بكل طوائفه ، وبدون توجيه من أحد ، وبدون قيادة عظمي ، أو رأس مدبرة ... خرج الكل متفق علي هدفٍ واحداً ، وهو الإنفجار ، وليكن ما يكون .

” ” ”

وفي الأيام الثلاثة الأٌخري بعد يوم 25 يناير ، كانت المظاهرات سلمية ، ولم يقدم أي محتج علي أي عمل غير الهتافات ورفع اللافتات المنددة بالظلم والفساد ، والفقر والحرمان من الكرامة ومن قبلها رغيف الخبز .
في اليوم الثاني وهو يوم الأربعاء 26 يناير 2011م ، قامت ألاف من قوات الأمن بإلقاء القنابل المسيلة للدموع بكثافة بعد منتصف الليل ، علي نحو عشرة ألاف متظاهر بميدان التحرير ، حسب التقديرات الحكومية وفرقتهم وطاردتهم عبر الشوارع الفرعية ، وإزدادت الاحتجاجات بمحافظة السويس ، وأخذت بعض المناطق تأخذ شكل حرب شوارع تحت تنظيم المناضل . حافظ سلامة ـ ( قانون القواعد الشعبية للمقاومة في حرب إكتوبر ) .
مع الساعة التاسعة ، نجح المتظاهرون في تجميع بعضهم من مناطق آخري من قلب العاصمة ، كما قامت السلطات المصرية بمنع موقعي الفيس بوك ، التويتر ـ وكرد علي ذلك تم إختراق مواقع وزارة الداخلية المصرية والحزب الوطني الديمقراطي ، والموقع الرسمي لرئاسة جمهورية مصر العربية وتعطيلهم .
وكانت حصيلة اليوم الثاني ، وصل عدد الضحايا إلي 7 شهداء ... ومازال استمرار تجاهل الحكومة المصرية والشرطة للأحداث مستمراً .
وفي اليوم الثالث الموافق الخميس 27 يناير 2011م ، بدأت صباح اليوم الثالث عدة مظاهرات في مدينتي الإسماعلية وطنطا ، فقد انطلقت تعزيزات أمنية إلي محافظة الإسماعلية وبدأت تظاهرات أمام ( مجمع المحاكم ) في مدينة طنطا بلغ عدد المتظاهرين فيها حوالي 5000 شخص ، وقد أقتحم متظاهرون في صباح اليوم نفسه بوبات وزارة الخارجية المصرية ، وأضرموا النار في عجلات السيارات في شوارع البلد ، كما تابعت المظاهرات والاحتجاجات الظهور في عدة مدن أُخري ، بما في ذلك السويس وشبين الكوم ، وغيرها ... وفي ذلك التوقيت إختفي الشاب الرائع .. وائل غنيم . بنهاية اليوم الثالث ، وقامت الحكومة المصرية بقطع شباكات الإنتر نت عن مصر وبدأت بعض التعليقات الرسمية عن المظاهرات ، وإن كانت تتسم بالتهجم والاستنكار ، ورفض موقف المتظاهرين ، ودعت القوى الشعبية إلي جمعة الغضب ، بعد الخروج من المساجد ، ودعت الأقباط للتجمع في الكنائس ثم الخروج في وقت واحد ...

” ” ”

وفي اليوم الرابع ، الجمعة 28 يناير 2011م ( جمعة الغضب ) في حدود الساعة الواحدة ليلاً بدأت موجة من الأعتقالات الواسعة لعشرات من النشطاء السياسين في صفوف جماعة الإخوان المسلمين ، بصورة غير مسبوقة ، وفي صباح اليوم التالي إصدرت وزارة الإتصالات أمراً . بوقف خدمة الأنترنت والرسائل القصيرة ( sms ) ، والإتصالات عبر الهواتف المحمولة في جميع أنحاء الجمهورية المصرية .
وبدأت صلاة الجمعة تظاهرات شعبية واسعة في عدد من المدن المصرية ، فخرج مئات الألاف في أغلب المدن المصرية ، كالقاهرة ، الإسكندرية ، السويس والمنصورة والإسماعلية ، ودمياط والفيوم والمنيا ودمنهور ومحافظة الشرقية وبور سعيد ومحافظة شمال سيناء .
وأطلق الأمن في القاهرة القنابل المسيلة للدموع ، واعترض رجال الأمن المتظاهرون في محاولة لمنعهم من الوصول إلي ميدان التحرير ، كما أطلقت القوات الأمنية ، الرصاص المطاطي علي المتظاهرون قرب الأزهر ، ولاحق رجال أمن بملابس مدنية المتظاهرون ، وقاموا باعتقال بعضهم ، إلا أن جموع المتظاهرون واصلت تظاهرها وبدأ المتظاهرون بالتوجه إلي القصر الرئاسي ، وهم يهتفون يسقط الرئيس المصري ، كما أمتدت المظاهرات إلي مناطق أُخرى في البلاد ، كمدينة نصر شرقي القاهرة ، وفي هذا اليوم ( جمعة الغضب ) وبعد صلاة الجمعة مباشرة وبعد ترديد الدعاء خلف الإمام ، صاح صوتٍ بعيد وهو جالس علي الأرض قائلاً : يسقط .. يسقط حسني مبارك .. وتلقائياً وبدون تردد بدأت الهتافات تعلوا ... يسقط .. يسقط حسني مبارك ومن هنا .. جاء نداء الشعب يُريد إسقاط النظام .. بأكمله . ومع عصر اليوم كان المتظاهرون قد نجحوا في السيطرة بالكامل علي مدينتي الإسكندرية والسويس ، فقد تم إختراق جميع مراكز الشرطة في الإسكندرية واضطرت قوات الأمن في آخر الأمر إلي الانسحاب من المدينة ، بعد الفشل في قمع المتظاهرين .
أما في مدينة السويس فقد سيطر المتظاهرين علي أسلحة قسم شرطة الأربعين ، واستخدموا القنابل المسيلة للدموع ضد رجال الأمن ... ( البادي أظلم ) .
بينما شاعت أنباء عن سيطرتهم علي المدينة وطرد قوات الأمن منها .
وتم حرق مقر الحزب الوطني الحاكم ، الواقع في مدينة القاهرة ( الأمانة العامة للحزب الوطني الرئيسي بالقاهرة ) + مقر المجلس القومي للمرأة ، في نفس المبني ...
كما دمرت مقرات الحزب في عدة مدن بما في ذلك كوم أمبو ، ودمياط .
وقام المتظاهرون فضلاً عن ذلك بإتلاف جميع صور الرئيس حسني مبارك في مسقط رأسه ، شبين الكوم بمحافظة المنوفية .
وفي حدود الخامسة بعد الظهر بدأت قوات الجيش بالظهور ... أخيراً جاء دوره .. هذا البطل الذي طالما أنتظرته مصر الحبيبة .
ومنذ هذه الحظة التاريخية المجيدة ، وبإذن الله تعالي سوف يري العالم أجمع من هو الجيش المصري ، ومن هي مصر ، الرائدة منذ القدم . وبدأت قوات الجيش بالظهور في ميادين القاهرة ، وفي الخامسة والنصف ، أعلنت وكالة ـ رويترز ـ أن الحاكم العسكري يُعلن عن حظر التجوال في القاهرة والإسكندرية والسويس لكن بالرغم من ذلك فقد تحدت جموع المتظاهرين حظر التجوال ، وقد أعلنت ـ السي إن إن ـ تباعاً عن خطاب سيصدر عن الرئيس حسني مبارك ، بخصوص المظاهرات ، لكن ثبت بعد ذلك أنه غير صحيح .....
وفي نهاية اليوم نزلت مدرعات الجيش المصري إلي شوارع المدن لمساندة قوات الشرطة ، التي لم تعُد قادرة علي تحمل الضغوطات وحدها .
وبدأت حالات من النهب والسلب ، تقول الحكومة الفاشلة أنها من المتظاهرين ، لكنهم في واقع الأمر ، كانوا من البلطجية ، والمساجين الذين حررتهم وزارة الداخلية بقيادة العدلي الفاشل من أقسام الشرطة ، والسجون العامة ، لترويع المواطنيين وحث المتظاهرين علي التراجع.
ورغم ذلك ... المتظاهرون يقفون بالمرصاد لمحاولة سرقة المتحف المصري ، ويستنجدون بقوات الجيش لانقاذ المتحف ، وأيضاً ظل التظاهر طوال الليل مع حظر التجول .
وهكذا ... كان العدلي بتسريحة للمتسوليين والمساجين والبلطجية يظن أنها محاولة قوية لإنقاذه هو والنظام .
ولكن أفلتت الأمور من يد الحكومة المصرية ، خاصة محافظتي السويس والإسكندرية .
وخرج المتظاهرون من جميع المحافظات بأعداد تقدر بمئات الألاف .
وتم تدمير كثير من مقرات الحزب الوطني وأقسام الشرطة في جميع أنحاء مصر .
واستُشهد عدد غير معلوم من المتظاهرين بأعداد بلغت في بعض التقديرات إلي مائة شهيد ، بالإضافة إلي اعتقال الألاف .
ونتج أيضاً عن ذلك ، انهيار البورصة المصرية مع خسائر بلغت 72 مليار جنيه . وفي هذا اليوم تم دهس سيارة تحمل لوحات معدنية لهيئة دبلوماسية العشرات من المتظاهرين ، وخلفت علي الأقل 15 قتيلاً وعشرات الجرحي ، ووقعت الحادثة في شارع القصر العيني ، بجوارالسفارات الأمريكية والبريطانية ، وهناك تساؤلات عن طريقة تصوير الواقعة ، وتم الكشف لاحقا ، أن السيارة التي أصبحت حديث العامة ، تابعة للسفارة الأمريكية .
وكذلك تم دهس جموع الحاشدين بسيارات تابعة للأمن المركزي ، مما خلف ورائهم الكثير من القتلي والمصابين باصابات بالغة الخطورة .

” ” ”

وفي اليوم الخامس للمظاهرات وهو يوم السبت 29 يناير 2011م أذاع التليفزيون المصري عن خطاب للرئيس حسني مبارك ووعد فيه بحل المشكلات الإقتصادية ، وقام بحل الحكومة مع وعد بتشكيل حكومة أفضل ، وتوفير فرص أكبر للشعب المصري للنمو والرخاء ، وترك مزيد من الفرص والحريات .
وكانت ردة فعل المتظاهرين والمعارضة هي رفض البيان الرئاسي ، بل أعلنت الجمعية الوطنية للتغير أنها ، لن ترضي بأقل من رحيل الرئيس المصري .
ومع بداية النهار بدأت حالة من الهدوء ، ولكن مع تقدم الوقت بدأت أعداد المتظاهرين في التزايد في كافة أنحاء مصر ، ومع منتصف النهار بلغت أعداد المتظاهرين في ميدان التحرير حوالي 50.000 متظاهر ، وظهرت بعض الصور لجنود من الجيش يرفعون العلم المصري مع المتظاهرين .
كما تم تشغيل خدمة الهواتف المحمولة فقط ، مع استمرار وقف رسائل ( sms) والإنترنت في جميع أنحاء الجمهورية .
واستمر العنف في سيناء وصل إلي زروته بتفجير مبني مباحث أمن الدولة في رفح المصرية .
وأعلن التليفزيون المصري بتمديد حظر التجوال ، ليصبح من الرابعة عصراً إلي الثامنة صباحاً .
وتم إقتحام سجن أبو زعبل شديد التحصين في نفس اليوم ، وحدوث اطلاق نار مكثف ، وبدء انتشار شائعات عن تصفية المعتقلين السياسين ، وأعلن التليفزيون المصري عن استقالة أحمد عز أمين التنظيم في الحزب الوطني ، والجيش المصري يتصدي لمحاولة اقتحام مطبعة البنك المركزي المصري .
وحدثت محاولات لاقتحام وزارة الداخلية ، والجيش يعذل بين المتظاهرين ورجال الشرطة ووقوع ثلاث قتلي من المتظاهرين علي الأقل .
ونتج أيضاً ... انتشار العصابات في كافة أحياء القاهرة وكانت تقوم بأعمال السلب والنهب ، مع تجاهل تام للشرطة المصرية لما يحدث ، بل وصلت الأمور لدرجة الإختفاء التام للشرطة ، مع اطلاق الشرطة لكافة المحتجزين بداخل الأقسام ، مع إنتشار دعوات عبر رسائل الجوال للمتظاهرين للعودة لحماية بيوتهم ، تلا ذلك خطاب للسيد إسماعيل عثمان ، المتحدث الرسمي بأسم الجيش ، بأن الجيش سيقف ليتصدي لجميع عصابات النهب التي انتشرت ، ورجاء المتظاهرين بالإلتزام بحظر التجوال .
وتم استمرار التظاهرات في بعض المناطق في مصر أهمها ، ميدان التحرير ، رفضاً لتعيين عمر سليمان كنائب للرئيس ، واستمرار للدعوة لتنحي الرئيس المصري ، ثم تلاه حديث لمحمد البرادعي ، يُعلن احترامه للجيش المصري ، ولعمر سليمان ، ويؤكد رفضه لاستمرار النظام وعسكرة مؤسسة الرئاسة .
ودفع الجيش المصري بالمزيد من التعزيزات في مواجهة أعمال السلب والنهب المنتشرة علي نطاق واسع في كثير من مناطق القاهرة والإسكندرية والسويس ، وتفيد الأنباء بأن الجيش ألقي القبض علي عدد من الخارجين علي القانون ، بينما شرع سكان الأحياء في تشكيل لجان شعبية وفرض أطواق أمنية لحماية أنفسهم وممتلكاتهم ، بعد بدء سريان حظر التجوال الجديد في القاهرة وكل محافظات مصر .
وسادت حالة من التوتر الأمني والتمرد في عدداً من السجون المصرية ، خاصة في ليمان طره ، وأبوزعبل و القطا ، وتحدث مراسلوا الجزيرة عن سقوط قتلي وجرحي فيها .
وذكرت .. رويترز.. أن ثمانية من نزلاء سجن أبو زعبل قتلوا برصاص الأمن ، وأن 123 آخرين أُصيبوا أثناء محاولتهم الهروب من السجن ، وقد قالت مصادر أمنية أن نحو ألف شخص فروا من أماكن الإحتجاز في أقسام الشرطة ، واقتحمها محتجون ونهبوا وأحرقوا أغلبها .
وذكر مراسل الجزيرة أن قوات الأمن اقتحمت سجن الفطا بدلتا مصر وتحدث عن عشرات القتلي ، كما تحدث عن تمرد بسجن أبو زعبل الذي يضم سجناء سياسيين وأشار إلي أطلاق نار علي المعتقلين .
وكانت جملة الشهداء في أيام الغضب المصري تعدت الـ 102 شهيد ، و1500 جريح مدني ، 1000 شرطي ، ومن بين القتلي رئيس مباحث سجن الفيوم ، اللواء محمد البطران وعدد من مساعديه ، وسط أنباء متضاربة عن ملابسات قتلهم .

” ” ”

وفي اليوم السادس ، الأحد 30 يناير 2011 م مازالت المظاهرات في ميدان التحرير مستمرة ( الاعتصام ) وتحد لحظر التجوال ، وقبضت القوات المسلحة علي 3113 ، خارج عن القانون ، وتقديمهم للمحاكمة العسكرية وفي ذلك اليوم أيضاً تم هروب السجناء من معظم سجون مصر وخروج السجناء السياسيين بعد الهجوم علي السجون من الخارج ، ومن أبرزهم قيادات الأخوان المسلمين ، الذين تم القبض عليهم ليلة جمعة الغضب ، ورجل الأعمال الشهير ، هشام طلعت مصطفي .
وأصدر مسئولاً أمنياً رفيع المستوى أوامره لجميع قطاعات وزارة الداخلية بإخلاء مواقعهم ، والإنسحاب من الشوارع ، والمقار ، ونقاط التفتيش والمرور وترك أقسام الشرطة ، في الوقت الذي كشف فيه شهود عيان عن قيام عناصر أمنية بإحراق عدد من أقسام الشرطة .
وقال مصدر أمني إن هناك جهه أمنية تابعة لوزارة الداخلية فرضت كلمتها علي خطة الوزارة ، وقررت الانسحاب ودعم سيناريو الفوضي ، وإطلاق سراح المساجين والبلطجية ، والمسجلين خطر ، والمساعدة في أعمال التخريب والنهب عبر غض البصر عنها .
وأضاف المصدر أن هناك روحاً انتقامية تُسيطر علي عدد من القيادات الأمنية , بعد الأحداث الدامية التي أنتهت بانسحا ب قوات الأمن أمس ، مشيراً إلي أن هؤلاء القيادات يحاولون بث الروح إلي صغار الضباط ، لدفعهم إلي النزول إلي الشارع لممارسة انتقام عشوائي ضد الجماهير ، والممتلكات العامة وسط شائعات قوية سرت مساء أمس ، بإصدار أوامر بالتعامل بالرصاص الحي مع الجماهير .
وكان انسحاب شرطة المرور من الشارع جزء من سيناريو الفوضي ، الذي يتبناه عدد من قيادات الداخلية .
وفي ذات الوقت رأينا عبر الفضائيات الشاب المصري الذي نظم حركة المرور طوال اليوم ، وقد تكرر هذا المشهد مع شباب ورجال كثيرون وفي أماكن مختلفة كما شاهدنا اللجان الشعبية التي تحمي بلدنا مصر .
وبينما دعا الجيش في بيان له المواطنيين إلي التصدي للمخربيين وحماية مصالح الأمة ومصالحهم ، ودعا الجميع إلي الإلتزام بقرار حظر التجوال ، الذي تم تمديده ليبدأ من الرابعة عصراً حتي الثامنة من صباح اليوم التالي ، واصل آلاف المتظاهرين حشودهم في الشوارع ، سواء في القاهرة أو المحافظات ، معربين عن تصمينهم علي البقاء في الشوارع ، ومواصلة الاحتجاج حتي يسقط النظام ـ حسب مطلبهم ـ ونظم المتظاهرون في ميدان التحرير جنازة حاشدة لقتيل سقط في ظل اشتباكات بينهم وبين قوات الأمن أمام وزارة الداخلية ، استخدمت فيها قوات الأمن الرصاص الحي .
وبينما تزايدت عمليات الهجوم علي أقسام الشرطة والمقار الأمنية في القاهرة والمحافظات ، تزايد تواجد البلطجية في الشوارع عبر فرض الإتاوات علي المارة ، واقتحام العقارات والمساكن في عدد من المناطق .
وقدم د ـ أحمد نظيف أمس ، استقالتة حكومته بعد اجتماع طارئ بالقرية الذكية ، غاب عنها المشير محمد حسين طنطاوي ، وزير الدفاع ، وأحمد أبو الغيط ، وزير الخارجية ، وحبيب العادلي وزير الداخلية ، وانس الفقي وزير الإعلام .
كما كلف مبارك الفريق أحمد شفيق بتشكيل الحكومة الجديدة .
ومن المواقف المشرفة لأشخاص داخل النظام ولكن مختلفون ، اللواء أحمد رمزي مساعد وزير الداخلية لقطاع الأمن المركزى ، فقد رفض تنفيذ تعليمات بضرب المتظاهرين بالنار وسحب قواته من ميدان التحرير أثناء المواجهات مع المتظاهرين في يوم جمعة الغضب بشكل مفاجئ ، وترك الساحة لجموع الغاضبين ، عقب تلقيه تعليمات من وزير الداخلية ، بإطلاق الرصاص الحي علي الكتظاهرين ، في خطوة أعتبرها بعض القيادات الأمنية خطأ كبير ، يجب محاسبته عليها ، فيما أعتبرها ىخرون تصرفاً بطولياً .
كانت 4 ساعات فقط ، هي المدة التي سقطت خلالها الشرطة أمام المتظاهرين ، مما أصاب الكثيرين بالدهشة ، خاصة بعد الانسحاب المفاجئ لرجال الأمن المركزي من المواقع ، خاصة وأن القوات المسلحة نزلت لحماية بعض الأماكن المهمة فقط ، مثل مبني الإذاعة والتليفزيون ، المتحف المصري ، وهو ما أدي في النهاية لإنتشار أعمال السلب والنهب لمحال وبنوك وفنادق وأسواق تجارية .
كانت الساعة الحادية عشر صباحاً عندما وقفت قوات الأمن المركزي بجميع تشكيلاتها في أماكن الخدمة المحددة ، للحفاظ علي الأمن ومنع المتظاهرين من العبور إلا من الأماكن المحددة .
واستمرت المواجهات في القاهرة والمحافظات ، حتي الرابعة عصر أمس الأول ، وعندما زادت حدتها ، صدرت تعليمات من وزير الداخلية ( العدلي ) بضرورة تصدي القوات للمتظاهرين بكل قوة ، وكانت التعليمات واضحة وهي ( الضرب في المليان ) لكن مساعد الوزير رفض تنفيذها ، بحجة أن أعداد المتظاهرين كبيرة للغاية ، ومن الصعب التعامل معهم بالأسلحة الحية ، لأنه سيؤدي لسقوط ضحايا بأعداد كبيرة من المتظاهرين والجنود .
من جانبها قالت قيادات أمنية مسئولة إن ما فعله مساعد الوزير خطأ كبير يجب مساءلته عليه ، لأنه سحب القوات دون الرجوع إلي رؤسائه .
وفي ذلك اليوم أيضاً دعا عمرو موسي ، الأمين العام لجامعة الدول العربية كل المصريين إلي العمل علي أحتواء الوضع الراهن ، معرباً عن قلقه الشديد من تطورات الأوضاع في مصر ، وطالب السلطات بضرورة احترام الجماهير ، والسير في طريق الإصلاح .
وحول ما إذا كان سيكون له دور في إعادة الاستقرار خاصة أنه أحد البدائل المطروحة لتولي زمام الأمور في مصر إذا سقط النظام ، قال موسي : كلنا كمصريين نتابع الوضع الراهن بكل قلق ، فالأزمة كبيرة جداً حالياً ، وعلي الجميع أن يعمل علي إحتواء تداعياتها ، ثم بعد ذلك ننظر في أي شئ آخر .
.... وفي نفس اليوم ، أعلن الدكتور خالد سري صيام ، رئيس البورصة المصرية ، تجميد التداول بالبرصة اليوم ( الأحد ) فقط بسبب مظاهرات الغضب في مصر ، وأعلن البنك المركزي تعطيل العمل بالمصرف بالكامل في المدة نفسها التي حددتها البورصة .
ويعد قرار التجميد هو الأول من نوعه في تاريخ البورصة الحديث منذ إنشائها وتطويرها عام 1992 م ، أي منذ 19 عاماً .
كما أعلن الشريف الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي أن أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني الديمقراطي ، قد قدم استقالته من الحزب ، وتم عرضها علي هيئة المكتب وقوبلت .
كما نفي الشريف سفره خارج البلاد .. قائلاً ( أنا موجود واعقد اجتماعات مهمه لدراسة الموقف ) .
.... وفي ذات الوقت كان شباب يوم الغضب يطلقون حملة ( احمي بيتك الكبير ) حتي عودة الأمن العام واحضر الشباب معدات النظافة ، وقاموا بتنظيف ميدان التحرير ، والشوارع المحيطة به من آثار القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي والمطاطي ، ولم يكن أحد يتوقع أن يثور الشعب ثم يقوم وينظف مكانه .. وهذا ما أذهل العالم أجمع وأعاد لمصر قمة حضارتها في الوجود وأعاد لها دورها الفعال كما سبق ... وكانوا يحمون المحال التجارية أيضاً من السرقه والنهب ويطفئون النيران في المطاعم أو الأماكن المشتعلة علي يد البلطجية .
الذين كانوا يقومون بأعمال السلب والنهب الواسعة لعدة بنوك ، والشركات وفناق و( مولات ) ... وكانوا قطاع الطرق يفرضون إتاوات علي المارة ، للسماح لهم بالمرور في سلام ... هذه كانت ليلة الرعب التي عاشها سكان القاهرة الكبري ، أمس عقب انسحاب قوات الأمن بشكل مفاجئ ، كل هذا بسبب قرار فاشل من قيادي فاشل أراد أن ينتقم لمن قال له لا .. لا لوزير الداخلية ... .
وفي هذا اليوم أيضاً .. أيدت القيادات الكنائسية والقبطية مطالب المظاهرات التي خرجت منذ 25 يناير 2011 م الماضي ، وطالبت النظام بإصلاحات جذرية ترضي الشعب المصري ، كما طالبت الشباب بالبعد عن التخريب وعدم إعطاء فرصة للمخربيين لإظهار المظاهرات بشكل سيئ .
... وقال عدد من رموز القوي السياسية والحزبية ، إن حرق المتظاهرين لمقار الحزب الوطني رسالة مهمة تدل علي انهيار النظام ، لأن الكثيرين يعتبرونه رمز الفساد .
وقال منير فخري عبد النور ، سكرتير عام حزب الوفد ، إن مصر تعيش الآن أحداثاً تتطابق مع أحداث حريق القاهرة في 26 يناير 1952 م .
وأوضح سامح عاشور ، النائب الأول لرئيس الحزب الناصري ، أن المتظاهرين يرون مقار الحزب الوطني معاقل للفساد ، كما يرونه المواطنين ، وقال أن حجم الحزب الحقيقي ظهر في هذه الانتفاضة ، وأثبت أنه غير موجود ولن يكون له وجود في الشارع المصري .
وأكد أحمد ماهر ، منسق حركة شباب 6 إبريل ، الداعية لجمعة الغضب ، أن إحراق مقار الحزب الوطني في المحافظات والمقر الرئيس للأمانة ، شئ متوقع ، لأن موجة الغضب موجهة بشكل أساسي للنظام المصري .
..... وطالبت جماعة الإخوان المسلمين بتشكيل حكومة وطنية انتقالية ، وإلغاء حالة الطوارئ ، وحل مجلسي الشعب والشوري ، والدعوة إلي إجراء انتخابات جديدة تحت إشراف قضائي كامل ، والإفراج عن جميع المعتقلين ، وتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في وقائع استخدام العنف ، وقتل المتظاهرين وقالت الجماعة إن هذه المطالب التي وصفتها بـ (أساسية ) ، من شأنها إنقاذ البلاد وإعادتها إلي حالة الأمن .
كما قال الدكتور / محمد بديع ، المرشد العام للإخوان المسلمين ، إن الجماعة مصرة علي الاستمرار في الإنتفاضة السلمية حتي تحقيق المطالب العادلة للشعب المصري .
وتتقدم الجماعة بخالص التحية والتقدير لشباب وشعب مصر لانتفاضتهم السلمية ، ودورهم في حماية المؤسسات والممتلكات العامة والخاصة .
مع جموع الشعب المصري بالتحية إلي الجيش المصري ، صاحب التاريخ الطويل والمشرف ، الذي يمتلك رؤية استراتيجية للحفاظ علي أمن مصر وحماية مكتسبات الشعب ، وتحقيق مطالبه العادلة ، وأن ماحدث هو ثورة تلقائية سلمية وطنية ، ترفض الظلم وتُطالب بالحرية والإصلاح .
واعتبر بيان الجماعة ... من قاموا بعمليات تخريب المحال والاعتداء علي الممتلكات العامة ، والخاصة ، شركاء الجهازالأمني من البلطجية ، الذين سبق أن استعان بهم الأمن ، لقمع الشعب وتزوير إرادته في الانتخابات وقال : إن الشباب هو الذي تصدي بأجساده لحماية المؤسسات العامة من هذا العدوان ، الذي وصفه ( بالهمجي ) في غياب كامل لأجهزة الأمن .

” ” ”

وفي اليوم السابع الإثنين 31 يناير 2011 م استمرار المظاهرات العارمة في أنحاء مصر ، وعشرات الآلاف من المتظاهرين يحتلون ميدان التحرير بوسط القاهرة ، يستعدون لتنظيم صلاة الغائب علي أرواح شهداء الاحتجاجات ، وكان المتظاهرون تحدوا حظر التجوال الذي تم تمديده من الثالثة ظهراً وحتي الثامنة صباحاً .
وواصلوا بقائهم بالميدان للمطالبة برحيل الرئيس حسني مبارك .
من جانبها استانفت قوات الأمن والشرطة الانتشار من جديد في بعض المدن الرئيسية بعد اختفائها طيلة الأيام الماضية ، كما شددت وحدات الجيش إجراءات التفتيش حول العاصمة المصرية ، وعززت انتشارها لحماية المرافق الحيوية ، ومن بينها محطات المياه والكهرباء .
واعتقلت قوات الجيش نحو 50 شخصاً حاولوا اقتحام المتحف المصري بميدان التحرير لنهبه . في حين تعهد الجيش المصري في وقت سابق بالامتناع عن استخدام القوة ضد المتظاهرين .
ودعا المحتجون إلي ( مسيرة مليونية ) يوم الثلاثاء 1 فبراير 2011 م ، لمطالبة الرئيس حسني مبارك بالتنحي .
فيما ذكرت وسائل الاعلام الرسمية إن السلطات أوقفت حركة القطارات في البلاد ، كما دعا المتظاهرون إلي مسيرة لقصر الرئاسة في مصر الجديدة يوم الجمعة 4 فبراير 2011 م .

” ” ”

وفي اليوم الثامن : الثلاثاء 1 فبراير 2011 م ( المظاهرات المليونية ) ـ خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين إلي شوارع القاهرة وغيرها من مدن مصر استجابة لدعوة المعارضة لانطلاق ( تظاهُرة مليونية ) لإجبار الرئيس مبارك علي الرحيل ، فقد غض ميدان التحرير بالمحتجين ، بينما أعلن منظمو التظاهرة أن عددهم جاوز المليون متظاهر .
وتعتبر تظاهرات الثلاثاء الأكبر حتي يومها ، وقدر عدد المتظاهرين في القاهرة بأكثر من 200 ألف متظاهر ، ومن وكالة رويترز ، ومليون من قبل الجزيرة . وقالت وكالة (أسوشيتو برس ) إن تظاهرة اليوم تبدو أفضل تنظيماً من سابقاتها ، حيث يقوم متطوعون بالتفتيش عن مندسين من جانب الحكومة قد يحاولون استثارة العنف .
وتم تقدير العدد الإجمالي لمتظاهرو اليوم بحوالي ثمانية ملايين شخص في القاهرة وسائر أنحاء مصر ، مطالبين بتنحي الرئيس ونظامه عن الحكم .
وكانت السلطات المصرية قد أغلقت كل الطرق المؤدية إلي القاهرة من المحافظات المجاورة ، كما أوقفت كل خدمات السكك الحديدية والحافلات لمنع المتظاهرين من التوجه إلي العاصمة .
في حين خرجت تظاهرات مؤيدة للرئيس مبارك ـ قدرت بالآلاف ـ وفي مناطق آخري من العاصمة ولا سيما حي المهندسين ، وأمام مبني التليفزيون ، وقد أعلنت بعض وسائل الاعلام عن : تسريبات غير بأن النيابة العسكرية قامت بإلقاء القبض علي وزير الداخلية السابق ـ حبيب العادلي .
إلا أن بعض الأوساط الصحفية المسقلة أضافت أنه لم يظهر في الصورة منذ 28 يناير ـ جمعة الغضب .
وفي صباح اليوم أعلنت ـ جوجل ـ عن عمل أرقام هواتف لتسمح للمصريين لبث رسائل إلي ـ توتير ـ دون الحاجة إلي الإنتر نت ، وما إن انتهي خطاب الرئيس مبارك حتي قام المعتصمون في ميدان التحرير بالقهرة ، والشهداء بالإسكندرية ، بالإضافة إلي المتظاهرون بكل المحافظات ، برفض خطابه والهتافات بسقوطه وقد غير وزير الداخلية الجديد شعار الشرطة من ـ الشرطة والشعب في خدمة الوطن ـ إلي ـ الشرطة في خدمة الشعب .

” ” ”


ـ وفي اليوم التاسع ـ الأربعاء 2 فبراير 2011 م ( موقعة الجمل )
.... هتافات في العديد من المدن المصرية ترفض خطاب مبارك ، وتُطالب برحيله ومحاكمته ... ( إرحل ـ إرحل ـ إرحل ) .. ( ل ح رإ ) .. (( اكتبها من الشمال يمكن تفهم )) قال أحد المتظاهرين .. ورفع آخر لافته كتب عليها ( إرحل خنقتنا ) .. و( يا مبارك يطيار ـ الطيارة في المطار ) و ( إرحل قبل الأُكسجين ما يخلص ) .. ظهرتها من تحت الماء .. وتلا ذلك ، بلطجية حاولوا تفرق المظاهرات المناوئة لمبارك في الإسكندرية وبور سعيد بإطلاق الرصاص علي المتظاهرين ، وقد تدخل الجيش لصدهم بإطلاق النار في الهواء ... كما قامت العديد من المظاهرات الشعبية الحاشدة التي تؤيد خطاب الرئيس في عدد كبير من المدن المصرية ، كما تم عودة خدمة الأنترنت في جميع أنحاء مصر ، بعد توقف دام 5 أيام ، كما أعلن التليفزيون المصري عن اعتقال أجانب بحوزتهم اسلحة في العريش ، كما صدر قرار باستمرار تعليق عمل البورصة المصرية حتي يوم الخميس ، وقال رئيس مجلس الشعب فتحي سرور .. أن الدستور يحتاج إلي شهرين ونصف لتعديله ، ومحمد البرادعي يقول إن طلب مبارك تعديل الدستورخدعة للاحتفاظ بالسلطة ، والقوي المعارضة تدعوا إلي مواصلة التظاهر وتقول انها لن تتفاوض مع السلطة ما لم يغادر الرئيس سدة الحكم ، والجيش يحث المواطنين بالعودة إلي منازلهم .
ـ كما رفعت لافتات مناوئة لأبرز وجوه المعارضة ـ محمد البرادعي ـ الذي شارك في التظاهرات المطالبة برحيل الرئيس المصري والتي أوقعت 300 قتيل ، بحسب أرقام غير مؤكدة نقلتها الأمم المتحدة ، منذ اندلاعها ، واتهم المتظاهرون رجال الشرطة بلباس مدني ، باقتحام الميدان والاعتداء علي المحتجين علي حكم مبارك ، وعرض بعض المتظاهرين هويات شرطة سقطت من المقتحمين .
ـ وقد تراشق الطرفان بالحجارة في معارك كروفر ، وقد استمرت ساعات وساعات ، ورمي مؤيدي مبارك في وقت لاحق قنابل حارقة ، وقطع من الأسمنت علي المعتصمين في ميدان التحرير من علي أسطح البنايات المجاورة للميدان ، وكانت قوات الجيش قد رفضت التدخل ولكنها أطلقت النار في الهواء لتفريق المتظاهرين ، كما حاول بعض المؤيدين لمبارك اقتحام الميدان علي ظهور الخيل والجمال ، أو علي عربات تجرها الخيول ، وهم يلوحون بالسياط والعصي ، وسرعان ما تحولت بعض الشاحنات إلي حواجز بين المتراشقين بالحجارة ومع استمرار سقوط الضحايا تحول ميدان التحرير إلي موقع لعلاج الجرحي ... وبعد بدء سريان حظر التجول ، استمر اعتصام المحتجين في ميدان التحرير وبدأ بعضهم في إزالة آثار المصادمات ، وكان عدة آلاف في ميدان مصطفي محمود في القاهرة للتعبير عن تأييدهم لمبارك ، وحدثت اشتباكات بالعصي والحجارة بين المؤيدين والمعارضين في ميدان مصطفي محمود بمنطقة المهندسين ، وتبادل المحتجون رسائل علي توتير بأنه تم جمع أعداد كبيرة من أعضاء الحزب الوطني للإحتشاد في ميدان مصطفي محمود وبالقرب من ميدان التحرير ، وأن رجال أعمال تابعين للحزب الحاكم جندوا بلطجية للاشتباك مقابل 400 جنيه للشخص الواحد ( 68 دولار تقريباً ) كما شوهد بعض المتظاهرين يتقاضون مبلغ 200 جنيه مصري ، وأكد أحد المتظاهرين أن هناك تجمعات أُخري مؤيدة لمبارك في أحياء أُخري مثل شبرا والعباسية ومدينة نصر .
وفي هذه الأثناء ظهر من بعيد محمود صديق أمان ... أراد أن ينقل الصورة بقلمه وكاميرته بصفته صحفي صادق ... وعندما رآي هؤلاء المؤيدين قال في نفسه وسط كل هذا الزحام ـ ( الغلابة في مصر كثير والكل يلهث وراء الجنيهات القليلة ليطعم صغاره فقط إن استطاع ... وحسبي الله ونعم الوكيل فيك يامبارك ... فلقد جوعتنا .. والأن تُريد أن تشتري الغلابة بجنيهاتك القليلة وليخرجوك من هذه الورطة ) ... كما صور من أمام مبني التليفزيون الذي يبعد حوالي كيلو متر واحد عن ميدان التحرير ، حيث يحتشد مؤيدو الرئيس مبارك .
وتجمع نحو 500 شخص ، وقد رفعوا لافتات كُتب عليها ( نعم لمبارك ، من أجل الاستقرار ) . ( ونعم لرئيس السلم والحرب ) و ( لن نكون عراقاً آخر ) ...
وفي الميدان وقف محمود من بعيد ينظر تجاه مدرعات القوات المسلحة ميتسماً ويتذكر ما عاناه مع رفقائه في الضياع ويتذكر كلمات الشاعر الحزين علي هذا الواقع .... سيدي الشاعر فاروق جويدة ،

قائلاً :
أرجوك ياسيدي .... أترك لنا هذا العالم
وقال أيضاً ...
ـ وأمة في ضلال القهر قد ركعت ....
محمية الرأس للسياف تمتثلُ ....
ـ في كل يوم لنا جُرح يُطاردُنا ...
وقصة من نآسي الدهر تكتملُ ...
ـ من ذا يصدق أن الصبح موعدنا ..
وكيف يأتي وقد ضاقت بنا السُبلُ ....
ـ قد كان أولي بنا صُبحاً يُعانقنا ....
ويحتوي أرضنا لو أنهم عدلوا ...
ـ عمري هموماً وأحلاماً لنا سقطت ..
أصابها اليأس والإعياء والمللُ ..
ـ يا أيها العمر رفقاً .. كان لي أملاً أن يبرأ الجرح ..
.. لكـن خـاننـــي الأمل ...
ـ ففي خيالي شموخاً عشت أنشده ..
فرحاً تغنت به أمجادُنا الأُولُ ...
ـ لكنه العار يأبي أن يفارقنا ...
ويمتطي ظهرنا أيانا نرتحلُ ..
ـ ياأيها الجُرح .. ناراً أنت في جسدي ..
وجرحُنا العار .. كيف العار نحتملُ ...
ـ لم يبرح الدم في يوماً مشانقها ..
حتي المشانق قد ضاقت بمن قتلوا ُ...
ـ في أي شيئاً أمام الله قد عدلوا ...
وكُلهم كاذباً .. قالوا وما فعلواُ ....
ـ هذا جبان .. وهذا خان أمته ..
وكلهم في حمي الشيطان يبتهلُ ..
ـ من يوم أن مذقوا أعراض أمتهم ...
وثوبها الخزي والبهتان والذللُ ...
ـ عار علي الأرض .. كيف الرجس ضاجُعها ...
كيف أستوي عندها العنيين والرجلُ ..
ـ في أي شيئاً أمام الله قد عدلوا ...
وكلهم كاذباً .. قالوا وما فعلواُ ...
ـ هذا جبان ..وهذا باع أمته ...
وكلهم في حمي الشيطان يبتهلُ ...


” ” ”

وتذكر محمود صوت شاعره جويدة وهو يصرخ قائلاً ...
ـ أحلامنا لم تزل في الطين نغرسها ..
إن يرحل العمر ماللحلم ترحيل ..
ـ مادام الأسد خلف النهر نسأله ...
هل ينجب الطهر أفكاً أو أباطيل ...
ـ أطلق أسود الوغي للنهر تحرسه ُ ...
لن يحرس النهر بعد اليوم تضليلُ ...
ـ لن يقتلوا الشمس مهما غاب موعدها ...
إن مذقوا الشمس لن تخفوا القناديل ُ ...
ـ مازلت في العين ضوءاً لا يفارقنا ....
فالكل يمضي وتبقي أنت يانيل ...

” ” ”

وفي اليوم التاسع ... الأربعاء 2 فبراير 2011 م ( موقعة الجمل ) .. وفي بداية هذا اليوم .. بدأت الهتافات في العديد من المدن المصرية ، ترفض خطاب مبارك ، وتُطالب برحيله ومحاكمته .. ورفعت لافته كُتب عليها ( إرحل بقي أيدي وجعتني ..) و( إرحل .. إرحل .. إرحل ) .. وتلا ذلك بلطجية حاولوا تفريق المظاهرات المناوئة لمبارك في الإسكندرية وبور سعيد بإطلاق الرصاص غلي المتظاهرين ، وقد تدخل الجيش لصدهم ، بإطلاق النار في الهواء ، كما قامت العديد من المظاهرات الشعبية الحاشدة ، التي تؤيد خطاب الرئيس في عديد من المدن المصرية ، كما تم عودة خدمة الأنترنت في جميع أنحاء مصر ، بعد توقف دام 5 أيام ، كما أعلن التليفزيون المصري عن أعتقال أجانب بحوزتهم أسلحة في العريش ، كما صدر قرار باستمرار تعليق عمل البورصة المصرية حتي يوم الخميس .
ويقول فتحي سرور في هذا اليوم أن تعديل الدستور يحتاج إلي شهرين ونصف ، ويرد محمد البردعي قائلاً : إن طلب مبارك لتعديل الدستور خدعة للإحتفاظ بالسلطة .
وإندلعت الاشتباكات نهار الأربعاء حين حاول أنصار الرئيس مبارك دخول ميدان التحرير ، وفي وسط العاصمة بالقوة ، في محاولة منهم لإخراج الألاف من المحتجين الذين يعتصمون هناك ، منذ أيام ، داعين إلي تنحي الرئيس .
وقد تراشق الطرفان بالحجارة في معارك كر و فر ،استمرت ساعات . وبحسب رويات شهود العيان ، رمي مؤيدوا مبارك في وقت لاحق بقنابل حارقة ، وقطع من الأسمنت علي المعتصمين في ميدان التحرير ، ومن علي أسطح البنايات المجاورة ، وكانت قوات الجيش قد رفضت التدخل ، ولكنها أطلقت النار في الهواء في محاولة منها لتفريق المتظاهرين .
كما رفعت لافتات مناوئة لأبرز وجوه المعارضة . محمد البرادعي ـ الذي شارك في التظاهرات المطالبة برحيل مبارك ، والتي أوقعت 300 شهيداً بحسب أرقام غير مؤكدة ، نقلتها الأمم المتحدة منذ اندلاعها ، واتهم المتظاهرين رجال الشرطة بلباس مدني بأقتحام ميدان التحرير والأعتداء علي المحتجين علي حكم مبارك ، وعرض بعض المتظاهرين هويات شرطة سقطت من المقتحمين .
وفي بداية الاشتباكات حاول بعض المؤيدين لمبارك اقتحام الميدان علي ظهور الخيل والجمال ، أو علي عربات تجرها الخيول ، وهم يلوحون بالسياط والعصي ، وسرعان ما تحولت بعض الشاحنات إلي حواجز بين المتراشقين بالحجارة ، ومع استمرار سقوط الضحايا ، تحول ميدان التحرير إلي موقع لعلاج الجرحي .
وبعد بدء سريان حظر التجول ، استمر اعتصام المحتجين في الميدان ، وبدأ بعضهم في إزالة آثار المصادمات .
وكان هناك عدة آلاف في ميدان مصطفي محمود في القاهرة للتعبير عن تأييدهم لمبارك ، وحدثت اشتباكات بالعصي والحجارة بين المؤيدين والمعارضين في ميدان مصطفي محمود بمنطقة المهندسين ، وتبادل المحتجون رسائل علي توتير بأنه تم جمع أعداد كبيرة من أعضاء الحزب الوطني للإحتشاد في ميدان مصطفي محمود بالقرب من ميدان التحرير ، وأن رجال أعمال تابعين للحزب الوطني جندوا بلطجية للاشتباك مقابل 400 جنيه للشخص الواحد ( 68 دولار تقريباً ) كما شوهد بعض المتظاهرين يتقاضون مبلغ 200 جنيه مصري ، وفي هذا الخضم حث عمر سليمان .. نائب الرئيس مبارك ، جميع المتظاهرين علي العودة إلي منازلهم ، والتقيد بحظر التجول ، من أجل استعادة الهدوء قائلاً : إن الحوار مع القوي السياسية مرهون بانتهاء الاحتجاجات في الشوارع .

” ” ”


وأظهرت موقعة الجمل في هذا اليوم مدي سزاجة وسطحية البلطيمي وأنهم عبارة عن نفر من الخفراء حول عمدتهم ..
ـ ماذا تبقي من ضياء الصبح في عين الوطن
والشمس تجمع ضوءها المكسور والصبح
الطريد رفات قديس يفتش عن كفن .
ـ النيل بين خرائط الزمن اللقيط يسير منكسراً علي
قدمين عاجزتين .. ثم يطل في ثأم ويسأل عن السكن
ـ يتسول الأحلام بين الناس .. يسألهم ُ
وقد ضاقت به الأيام .. من منا تغير وجه هذه
الأرض .. أم وجه الزمن ......
ـ في كل يوماً .. يشطرون النهر ... فالعينان هاربتان في فزعاً
وأنف النيل يسقط كالشظايا والفم المسجون
أطلال وصوت الريح يعصف بالبدن ....
ـ قدمان غائرتان .. بطناً جائعاً .. ويداً مكبلة وسيفاً اخرساً ..
باعوه يوماً في مزاد بلا ثمن .
ـ النيل يرفع راية العصيان في وجه الدمامة .. والتنطع والعفن
ـ ماذا تبقي من ضياء الصبح في عين الوطن
ـ الأن فوق شواطئ النهر العريق .. يموت ضوء
الشمس .. تصمت أغنيات الطير .. ينتحر الشجر .
ـ خنقوا ضياء الصبح في عين الصغار ....
.. ومذقوا وجه القمر ....
ـ باعوا شباب النهر في سوق النخاسة ..
..أسكتوا صوت المطر ..
ـ في كل شبراً وجه ثُعبان بلون الموت ..
ينفث سُمه بين الحُفر ...
ـ في كل عين وجه جلاد يُطل ويختفي
ويعود يزأر كالقدر ...
ـ صلبوا علي الطرقات أمجاد السنين الخُضر
باعوا كل أوسمة الزمان البكر عمراً أو تراباً أو بشراً
ـ أتُري رأيتم كيف يولد عندنا طفلاً
... وفي فمهه حجر .

” ” ”

وفي اليوم العاشر ... الخميس 3 فبراير 2011 م
في فجر هذا اليوم ، وفي حوالي الساعة الرابعة والنصف فجراً ، وكما كان متوقعاً .. بدأ هجوم آخر من البلطجية علي المعتصمين بميدان التحرير ، من جهه ميدان عبد المنعم رياض ، ومن فوق كوبري السادس من أكتوبر ، وكان الهجوم الأكثر وحشية علي المعتصمين هناك ، حيث تمثل الهجوم في سيارات تمر من أمام الميدان بها بلطجية يطلقون النار عشوائياً من المدافع الرشاشة بكثافة غير معهودة ، مما أدي إلي سقوط حوالي 7 شهداء ، والكثير من الجرحي ، ولكن مع بداية ظهور الخيوط الأولي من ضوء النهار انتهي هذا الهجوم الوحشي ، وقد قيل أن الجيش أطلق الرصاصات في الهواء لإرهاب البلطجية .
وقالت وزارة الصحة أن ثلاثة أشخاص قُتلوا وأكثر من 1500 جرحوا يوم الأربعاء .
وأصدر النائب العام ـ عبد المجيد محمود ـ قراراً بمنع سفر أحمد عز ـ أمين التنظيم السابق بالحزب الوطني ، ووزير الداخلية السابق ـ حبيب العادلي ـ ووزير الإسكان السابق ـ أحمد المغربي ـ وجاء القرار بتجميد حسابات المصارف لهؤلاء ، كما شمل القرار عدداً آخر من المسئولين .
وفي حوار لرئيس الوزراء الجديد ـ أحمد شفيق ـ قال : أنه لا يُريد لدولة بنت 200 عام ـ يقصد الولايات المتحدة الأمريكية . التدخل في شئون مصر ، الدولة العريقة ، وقال : هذه الأحتجاجات ثبتت صورة سيئة للمصريين خارج البلاد .
ورفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها ( أرحل قبل الهواء ما يخلص ) .. و ( إرحل يعني أمشي ) ..
ووقف محمود كعادته رغم الزحام والصخب .. مبتسماُ بحزن علي يقين أن النصر قادم لا محالة رغم الألم والحسرة وتذكر أشعار حبيبه فاروق جويده ..
قائلاً :
ـ من أرتجي والعار يسكن أمة ..
كفنتُها في المن سنواتِ ...
ـ من منقذي .. والدم بين عروقنا يغلي ..
.. بنار الحقد واللعناتِ ...
ـ إني سئمت النصح من كُهانها ..
.. مابين عهداً كاذباً وعظات ِ ..
ـ كانت هنا يوماً بلاد ً هاجرت ..
.. لمواكب الطغيان والظلمات ِ ...
ـ هي أمة سكبت رحيق شبابها ..
.. وشردت شيخاً بكل شتاتِ ..
ـ هي أمة باعت صهيل جيادها ..
.. للراكعين علي حذاء طغاةِ ..
ـ هي أمة حكمت زمام شعوبها ..
.. بالموت والنيران والصفقات ِ..
ـ عار علي الوطن العريق تساقطت ..
.. فرسان بلا غذوات ِ...
ـ وغداً قبيح الوجه يحمل سيفه ..
.. متعذر الأحلام والخطواتِ ...
ـ أين الطريق وقد تراخي عذمُنا ...
... واسود وجه الكون في نظراتيِ ...
ـ إني كرهت الركد خلف هواجسي ..
.. وأضعت في الزمن البغيض حياتي ِ ..
ـ خمسون عاماً .. خمسون عاماً عشت أصرخ أمتي ..
.. ومواكب الشهداء بالعشرات ِ ..
ـ خمسون عاماً والطغاة فوارس ..
.. خاضوا الليالي الحُمر في الحاناتِ ..

” ” ”

وفي اليوم الحادي عشر .. الجمعة 4 فبراير 2011 م (( جمعة الرحيل ))
جمعة الرحيل ، هو يوم الجمعة ويوم الحقيقة ، وفيه ..أعلنت قوي المعارضة في مصر هذا اليوم .. بيوم الزحف لإسقاط مبارك ، في المقابل دعا المؤيدون لنظام مبارك إلي مظاهرات في نفس اليوم . . وأطلقوا عليها ( جمعة الأستقرار ) أو ( جمعة الوفاء ) .
كما منعت السلطات المصرية وزير التجارة السابق رشيد محمد رشيد من السفر خارج البلاد ، وقد قال رشيد ليس لي علم بهذا الأمر ، وأنه الآن في خارج البلاد ، حيث يوجد في دبي ..
اشتراك مثقفون ، منهم عضو مجلس الشعب السابق ـ حمدين صباحي ، والفقيه الدستوري يحيي الجمل ، والروائي .. علاء الأسواني .
وكان هناك ترحيب وتأييد لعدد كبير من المتظاهرين لحمدين صباحي كممثل لهم .
ومن جهه أخري التزمت حكومة أحمد شفيق بوعدها بعدم التعرض للمظاهرات ، وابطال حركات الحزب الوطني ، واختفاء البلطجية والعنف الذي حدث قُبيل ذلك من ثورة 25 يناير .
وفي هذا اليوم أيضاً .. وجه الداعية المصري الدكتور ـ محمد الصغير .. العامل في الأزهر الشريف ، رسالة إلي الرئيس مبارك .. عبر قناة العربية ، أكد فيها أن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وافق علي الرضوخ لمطالب ثوار لم يكونوا علي حق ، وقال : ( لا يراق من أجلي دم في الإسلام ) ، واستدرك قائلاً : إن الجماهير التي خرجت ما أكد . رئيس الوزراء المصري ـ أحمد شفيق ـ ونائب الرئيس ـ عمر سليمان ـ وأضاف الصغير ، الذي كان في زيارة للإمارات ، أري أن الرئيس يجب أن يتوج القرارات التي اتخذها بقرار الرحيل حقناً لدماء المسلمين .
كما قام الجيش المصري بخفض مدة حظر التجوال ليبدأ من الساعة السابعة مساءاً حتي الساعة السادسة صباحاً .
” ” ”

وفي هذا اليوم ... ظهر من بعيد الصحفي محمود وهو يتوضئ وتصب له الماء فتاه مسيحية ، يظهر الصليب علي يدها منقوشاً باللون الأخضر ....
وتذكر ثانياً أشعار صديق أيامه الصعبة الشاعر فاروق جويدة يقول :
تاريخنا القتل والطغُيان والدجل ...
من ألف عام أري الجلاد يتبعُنا ....
وابتسم حزيناً ... وشكر الفتاه وتركها تصب ُ لأخ آخر كي يتوضئ ليصلي في الميدان مع رفاقه ... ذكر ثانية صوت شاعره الحزين ... رغم الضجة من حوله قائلاً :
أماه ... لا تخجلي مني أتيتُكِ عارياً ....
أماه لا تخجلي مني أتيتُكِ عارياً ....
سرقوا ثيابي في الطريق ...
.. أنا لم أعد طفلاً لألقي بعض عريي في يدكِ وتضحكين ...
.. أن أعد طفلاً فأسبح بين أخطائي وأنتِ تسامحين ........
ـ لا تخجلي مني أتيتُكِ عارياً .....
.. أُخفي عن الطرقات .. عن نفسي .. عن الأيام ما لا تعلمين ..
ـ لا تخجلي مني .. فعُزي بعض عُريك .. أه يا أماه .... ....
.. ما أقصي زماني .. صارت الأفواه من وحل وطين ....
ـ منذ أفترقنا .. والقطار يدور بي عام بعام ......
.. آه لو تدرين كم عصفت بأيامي محطات القطار ...
ـ كم دارت الأيام يا أمي وزيف الليل يحملُنا إلي دجل النهار...
.. أماه أتعبني الدوار ....
.. والأن جئتُك والقطار يلمني بعض البقايا ....
.. وثيابنا سُرقت وعُدنا مثلما كنا عريا ........
ـ منذ أفترقنا والقطار يدور بي عام فعام .....
.. عشرً في عشرً ثم عشرُ ضائعات .......
.. مازلت أذكر عندما انطلقت وراء الأفق ...
.. أصوات تُبشر عاد عهد المعجزات ...
.. قالوا وقالوا يوماه .... قالوا بأن
.. الفقر يقتل في النفوس عفافها..
.. والناس تدفنا البطون .......
.. صاحت جموع الناس فاليحيا البطون .....
.. قالوا بأن الصبح حقاً لا يضيع .. والأرض ملكاً للجميع ...
... صاحت جموع الناس فاليحيا الجميع ...
.. قالوا خراب الأرض في أبناءها والله وحد
.. بيننا في الرزق ... في الأنساب .. في صمت القبور ..
ـ صاحت جموع الناس فالتحيا القبور .... !
.. قالوا لنا ... قالوا لنا الكثير .. بين الحدائق ..
.. كانت الأشجار تعلوا مثل ضحكات الصغار ....
.. والحلم بين ملاعب الأطفال يلهو كالنهار ...
ـ سألوا علينا في القطار ...
.. أعمارنا ... أخطائنا وصلاتنا وصيامَنَا ...
ـ سألوا علينا الماء كيف يكون ملمس جِلدنا ...
ـ سألوا علينا الطين كيف يكون عمق قُبورنا ....
.. فحصوا مع الخبراء نبض عقولنا ...
ـ سألوا علينا الليل .. كيف نهيم في أحلامنا ....
ـ سألوا علينا الصمت ... كيف يكون دفء نساءنا ...
ـ سألوا علينا .. كيف نبكِ .. . كيف نضحك ...
.. كيف نصرخ ... كيف ننس حُزننا ....
.. لقد أستباحو سرنا ... لن يتركوا شيئاً لنا ..
ـ ومضي القطار يوماً فيوماً .. والقطار يدور بي عام فعام
وإذا انطلقت .. همــست شـــــيئاً ...
أو عطست .. يقال دعك من الكلام ...
ـ في كل يوم ٍ ألمم الأشلاء قبراً تحت قطبان القطار ...
.. والبعض منا يختفي ... وإذا سألت يقالُ مات ...
.. وليــس في المـــوت إخـــتيار ...
ـ صوت القطار يدور في عجلاته .. وصفيره يعلو ويعلو حولنا ..
.. من مات .. مات .. من مات .. مات ..
ـ حملوا البنادق ذات يوم خلف أستار الظلام ...
.. فرأيتهم كالنار تحرق كل أسراب الحمام .....
.. وذئابهم تعوي وأشلاء من الأشجار والأزهار ...
تصرخ كالحطام ... أبراج قريتُنا رأيت ترابها
يــعلوا ويــعلوا ثم يسكت في الزحام .....
ـ وســـألتهم ما ذنب أســـراب الحمام ....
.. قالوا قضاء الله .. لا تسأل .. ولا تسمع حقير الشأن صفصطة العوام
ـ ونظرت حولي في القطار .. طارت عيون الناس خوفاً ..
.. خلف أشلاء الحمام ... وقطارنا يمضي علي نفس الطريق ...
.. وصغيره يعلو ويعلو حولنا .. من مات ..مات .. من مات .. مات ..
ـ حملوا البنادق ذات يومٍ .. خلف أطفالٍ صغار
.. قطعوا أصابعهم وطارت في السماء ثيابهم ......
.. وهوت بقايا في التراب ..
.. يتساقط الأطفال في الأوحال .. في البرك الصغيرة كالذباب .
ـ وسألتهم ماذنب أطفالًُ صغار ....
.. فأتي إليا الصوت يصرخ بالجواب ...
ـ هل ينجب الذئب الحقير سوي الذئاب ...
.. لا تتركوا الأشجار تكبر وأقطعوها ..
.. قـــبل أن تـــعلوا الرقاب ...
.. وقطارنا يمضي علي النفس الطريق .. وصفيره يعلوا ويعلوا
حولنا .. من مات .. مات .. من مات .. مات
ـ ومضي القطار والعمر يدفن بعضه بعضاً
.. عشرٌ حياري ثم عشرًُ للأسي
وختامها عشرًُ الأماني الضائعات ..
.. فالعمر أصبح بين أيدينا بقايا من زمان ..
ـ ونظرت حولي لم أجد أحداً يبادلني الكلام ..
.. فالناس ماتوا .. أو أُصيبوا بالجنون ..
ـ وسألت نفسي أين نحن ومن نكون .. ؟
.. ومضيت أصرخ في القطار ... الجنة الخضراء ..
والفقراء والجوعي .. وحُلم الأمس .. صيحات البطون
والناس حولي يضحكون ..
.. ورأيت أعينهم كالبركان يحصلني ويكبر ثم يكبر
.. ويحتويني ثم يحملني الدوار ..
.. وتداخلت في العين ألوان الصور
النمل يعبث في ثيابي والدماء تسيل من رأسي ..
وأفواج الذئاب تحيطُني .. والناس حولي يضحكون
ـ ألقيت نفسي فوق قضبان القطار
.. ومضيت أصرخ كيف ضاع العمر في هذا الدمار
ـ جُثث الضحايا والأماني الضائعات علي دروب الأنتظار ..
.. والجنة الخضراء والأحلام والجوعي وصيحات السكون ..
.. والـــــناس حولي يضحــــكون ...
ـ ومضيت أجمع بعض أشلائي وأوقف في القطار
ـ مازال يجذبني القطار .. وتجمعوا حولي وصاحوا ..
.. ظل عابدين الفريق ..
ـ خلعوا ثيابي .. أحرقوها في الطريق .. ورأيت نفسي
عارياً .. أخذت أجمع بين ضحك الناس أشلائي
وهم يتساءلون .. قد كان يوماً عاقلاً
.. قد كان يوماً عاقلاً ... مضيت ياأماه أجري
ثم أجري .. ثم أصرخ في جنون ....
فلقد نسيت الأسم والعنوان يا أمي
ـ تراني من أكون .. سرقوا ثيابي .. أحرقوها
.. ثم راحوا يضحكون ....
ورجعت وحدي بالجنون .. رجعت وحدي بالجنون .. ..


” ” ”

وفي اليوم الثاني عشر .... السبت 5 فبراير 2011 م
في هذا اليوم وفاة الصحفي المصري ـ أحمد محمد محمود ـ متأثراً بإصابته أثناء تظاهرات يوم 29 يناير .. وهو صحفي يعمل بجريدة الأهرام .. وفي هذا اليوم أيضا ... وضع وزير الداخلية السابق ( العادلي ) وثلاثة من قيادته تحت الإقامة الجبرية ... والأمن المصري يعتقل مدير مكتب الجزيرة بالقاهرة ـ عبد الفتاح فايد ـ ومعه ـ أحمد يوسف ، وإقصاء جمال مبارك والشريف من الحزب الوطني ، وتعين ـ بدراوي ـ أميناً للحزب الوطني .
كما تقرر إعادة تشغيل خدمة الرسائل القصيرة ( sms ) بعد توقف دام 9 أيام ، كما حدث تفجير يستهدف أنبوب الغاز بين مصر والأردن في الصباح الباكر لهذا اليوم .
وإسرائيل تُعلق مؤقتاً وارداتها ، وقررت مؤقتاً وقف وارداتها من الغاز الطبيعي المصري بعد الهجوم الذي أستهدف الأنبوب .. لمدة أسبوع بعد التفجير .
كما قدر خبراء اقتصاديون من الشرق الأوسط أن ثروة عائلة الرئيس مبارك بنحوا 70 مليار دولار أمريكي ، تتركز غالبيتها في أرصدة في بنوك بريطانية وسويسرية ، وعقارات في لندن ونيويورك ، ولوس أنجلوس ، فضلاً عن إمتلاكها مساحات راقية واسعة في مدينة شرم الشيخ علي شواطئ البحر الأحمر .
ً وقالت صحيفة ( الغارديان ) البريطانية في تقرير نشرته مساء الجمعة عن ثروة عائلة مبارك .. أنه وبعد ثلاثين عاماً في موقع الرئاسة ، وأكثر من 60 عاماً في الخدمة العسكرية .. كان للرئيس مبارك صلاحيات واسعة في ما يتعلق بعقود الاستثمار التي تُدور علي البلاد أرباحاً بملايين الجنيهات المصرية ، وأن معظم هذه الأموال كانت تُرسل إلي خارج مصر ، وتودع في حسابات بنكية سرية ، ويتم إستثمارها لاحقاً في شراء بيوت وفنادق راقية .
ووفقاً لتقرير إخباري نشرته صحيفة عريبة .. لم تصفح ( الغارديان ) عن جنسيتها .. فإن لمبارك أملاكاً في مانهاتن ، وبيفرلي هيلز ، ووصفت الصحيفة جمال وعلاء أبناء الرئيس بأنهما من أصحاب المليارات ، وأبانت وقفة إحتجاجية خارج منزل فاخر يملكه جمال في ( بلغرافيا ) وسط لندن ، عن شهيه العائلة تجاه امتلاك الأماكن الغربية الأثرية القديمة .
وظهرت في هذا اليوم تقارير حول محاولة اغتيال عمر سليمان ، ولكن مصدر أمني ينفي .
ومبعوث أوباما أكد أن مبارك يجب أن يبقي في السلطة لتوجيه التغيرات .
ومازال ميدان التحرير يزدحم ساعة بعد ساعة بالوافدين والمعتصمين ومازال محمود بين جموع البشر ، يتغني بأشعار صديقه الشاعر فاروق جويده يتراقص الأمل أمام عينيه بأسماً

ـ إرحل وعارك في يديك ..
.. إرحل وفشلك في يديك
ـ إرحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
ـ إرحل فأنا لا أري في الشعب فرداً واحداً يهفوا إليك
ـ لا تنتظر طفلاً يتيماً بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك ..

” ” ”

وفي اليوم الثالث عشر 6 فبراير 2011 م ...الأحد ( أحد الشهداء ) من أسبوع الصمود .
أول أيام أسبوع الصمود ، أعلن المتحدث الرسمي بأسم الحكومة المصرية ، مجدي راضي . الأحد ..أن جلسة الحوار التي عقدت بين نائب الرئيس سليمان ، ومجموعة من ممثلي المعاضة والشخصيات الهامة ، انتهت إلي التوافق علي تشكيل لجنة لإعداد تعديلات دستورية ، في غضون شهور ، والعمل علي إنهاء الطوارئ وتشكيل لجنة وطنية للمتابعة والتنفيذ وتحرير وسائل الإعلام والاتصالات وملاحقة المتهمين في قضايا الفساد ، والتقي نائب الرئيس سليمان بمجموعة من قوي المعارضة بينهما ممثلون عن جماعة الإخوان المسلمين وبمشاركة حزب الوفد الليبرالي وحزب التجمع اليساري ، وممثلون عن البرادعي أبرز المعاضين لمبارك ، لإيجاد حل للأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد ، كما رفض سليمان مطلب المعارضة ، بقيام مبارك بتفويض سلطاته إلي نائبه .
كما طلب بعض الشباب من سليمان أثناء الاجتماع الذي عقد الافراج عن ـ وائل غنيم ـ وفي مساء اليوم تقرر الافراج عن ـ وائل غنيم في يوم 7 فبراير 2011 م وهو اليوم التالي لهذا اليوم مباشرة في الساعة الرابعة عصراً .
كما تمسكت جماعة الإخوان المسلمين بمطالبها وهي رحيل الرئيس مبارك .
وفي محاولة حكومية لإعادة الحياة إلي طبيعتها وهو ما قد يعني تهميش المظاهرات ، استأنفت البنوك المصرية عملها بشكل تدريجي الأحد ، في حين حاول الجيش المصري فتح طريق للسيارات بميدان التحرير الذي يحتشد فيه المتظاهرون .
ويوصف التحرك الحكومي في هذا الصدد بأنه أول اختبار حقيقي لإمكانية السيطرة علي قوة دفع الاحتجاجات ، أما القيادي في حركة كفاية ـ أحمد بهاء الدين شعبان ـ فقال إن طلب رئيس الوزراء المصري ـ أحمد شفيق ـ ببقاء الاعتصام في ميدان التحرير وعودة الحياة بشكل طبيعي إلي أنحاء البلد الاخري ، هدفه التعويل علي عامل الزمن لتأكل حركة الاحتجاجات ، وقد أدي ألاف المتظاهرين صلاتي الظهر والعصر في الميدان ، ثم أقمت صلاة الغائب علي أرواح الشهداء ، من قتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن المصرية منذ انطلاق الثورة الشعبية يوم 25 يناير 2011 م ، كانون الثاني الماضي .
وفي وقت لاحق أقام المسيحيون قداساً شهده آلاف المسلمين . . وقد ردد المتظاهرون الشعارات التي غدت مألوفة ، والتي تُطالب بإسقاط النظام وتنحي الرئيس مبارك عن الحكم ، وبذلك نفذ المتظاهرون اليوم ماسموه ( يوم الشهيد في أسبوع الصمود ) في وقت يستمر فيه توافد المتظاهرين إلي ميدان التحرير ، كما تواصلت الاحتجاجات في مدينة الاسكندرية ثاني أكبر المدن المصرية .
وتجمع المتظاهرون الذين زاد عددهم في ساعات المساء عن ربع مليون أمام مسجد القائد إبراهيم ورددوا شعارات مناهضة للحكومة وطالبوا باسقاط النظام وتنحي الرئيس مبارك .
وتشهد المدينة مظاهرات شبه يومية منذ الخامس والعشرين من الشهر الماضي ، وفي المنصورة انطلقت مظاهرة ضخمة قُدر عدد المشاركين فيها بنحو ربع مليون أيضاً ، كما نشرت علي موقع الانترنت صور لاشتباكات بين المتظاهرين وبين قوات الشرطة في مدينة المنصورة وقعت اليوم الثالث من فبراير ، كما شهدت مدن المحلة الكبري والزقازيق وطنطا وبني سويف وأسيوط ودمنهور والعريش مظاهرات حاشدة مطالبة برحيل الرئيس مبارك ، رغم محاولات منع وتخويف من قبل مجموعات مرتبطة بالحزب الوطني الحاكم ، كما صنع المتظاهرون دروع بشرية لحماية ميدان التحرير ، وقال أحمد ماهر المنسق العام لحركة ( 6 إبريل ) التي كانت من بين أبرز الأطراف التي دعت إلي الإحتجاجات للجزيرة نت ، إن الشباب المشاركين في التظاهر يجمعون علي عدم الثقة في النظام ، مؤكداً أن الأمر أكبر من مجرد احتجاجات ، وأضاف نحن نتحدث عن تغير حقيقي للنظام بالكامل ودستور جديد ، نتحدث عن مجلس يضم مدنيين وعسكريين ... نتحدث عن حكومة إنقاذ مش ( تسيير الاعمال ) .
كما شدد المنسق العام لحركة كفاية ـ عبد الحليم قنديل ـ علي أن الهدف هو إسقاط مبارك ، معتبراً ـ أن أي حوار في هذا الوقت لا يخدم الانتفاضة الشعبية ، وقال قنديل للجزيرة ، إن الأمر تحول إلي ثورة شعبية حقيقية يجب أن لاتكون موضع حوار أو تفاوض ، مشيراً إلي تغير موقف الإخوان المسلمين بالدخول في الحوار مع الحكومة .
وذكر أن جماعة الإخوان لم تُهيئ للثورة وإنما ساعدتها وأضاف أن الجماعة أخطأت في توقيت الحوار ، كما أعتبر أن قوة الجيش الموجودة حالياً تملك تنحية مبارك ، علي أن تشكيل حكومة انتقالية وكانت مطالب الشباب تتركز في :
1ـ رحيل الرئيس .. بمعني التنحي عن السلطة تمهيداً لتقديمه لمحاكمة عادلة ، عما أرتكب طوال سنوات حكمة الـ 30 ـ من إنتهاكات للقانون والدستور وحقوق الإنسان بوصفه المسئول الأول ، عن كونه رأس النظام ومحاسبته عن مصادر ثروته وأفراد عائلته .
2ـ حل مجلسي الشعب والشوري لثبوت تزوير الانتخابات التي اجريت مما يجعل بقاءهما غير دستوري ولا معني لقيامهما باجراء تعديلات دستورية في ظل الطعن في شرعية وجودهما
3ـ تولي السيد رئيس المحكمة الدستورية العليا رئاسة البلاد لفترة طبقاً لمواد الدستور الحالي .. يتولي خلالها الإعلان عن تأسيس جمعية وطنية لوضع دستور جديد للبلاد علي أن يترأس هذه الجمعية الفقيه الدستوري الدكتور ـ يحيي الجمل ـ ويتم بعدها دعوة الشعب للاستفتاء علي الدستور لإقراره
4ـ تشكيل حكومة انتقالية لتسيير الأعمال يشارك فيها كل قوى المعارضة الوطنية .
5ـ تولي الجيش حفظ الأمن والحفاظ علي الممتلكات العامة والخاصة .
6ـ تولي الشرطة العسكرية مهام الشرطة المدنية لحفظ النظام في البلاد .
7ـ عزل قيادات الشرطة ومدراء الأمن .. وقيادات أمن الدولة والأمن المركزي ووضع ضباط وجنود الشرطة تحت تصرف الشرطة العسكرية .
8ـ التحفظ علي المسؤلين السابقين ومنعهم من السفر تمهيداً لمحاكمة عادلة .
9ـ تجميد أموال المسؤلين وأُسرهم لحين معرفة مصادرها .
10ـ الإعداد لانتخابات رئاسية وتشريعية وفقاً للدستور الجديد ، حال الانتهاء منه بعد اقراره من الشعب في استفتاء عام .
رفع طفلاً صغير لافته كتب عليها ( إرحل بقي رجلي وجعتني ) ورسمت الأعلام علي الوجوه ..

” ” ”

وفي اليوم الرابع عشر ـ الاثنين 7 فبراير 2011 م ( اليوم بعد العاصفة ) وفيه أعلن الجيش المصري عن تقصير فترة حظر التجوال ليصبح من الساعة الثامنة مساءً إلي السادسة صباحاً ، كما تم الافراج عن ـ وائل غنيم ـ وعن بعض المعتقلين .
كما قامت النيابة المصرية بالتحقيق في مزاعم بمسؤولية وزارة الداخلية عن تفجير كنيسة القديسين ، والعادلي يتهم كبار مساعديه بالتسبب في انهيار الشرطة .
كما اجتمع ـ حسني مبارك ـ بالحكومة الجديدة في مقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة ، وحضر الاجتماع نائبه عمر سليمان والدكتور أحمد شفيق رئيس الوزراء والدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب وصفوت الشريف رئيس مجلس الشورى ، ووزير الدفاع والانتاج الحربي حسين طنطاوي ، بحسب وكالات الأنباء ، ودخل الاعتصام الذي يقيمه مناهضو الرئيس المصري في ميدان التحرير ، الإثنين يومه الرابع عشر ، ومنع المعتصمون الجيش المصري من فتح أهم مجمع حكومي في ميدان التحرير ، رافضين بذلك عودة الحياة الطبيعية إلي هذا الشريان الحيوي في قلب القاهرة ، مصريين علي إبقاء الضغط علي السلطات بالتوازي مع الحوار الذي أطلق الأحد بين الحكومة وعدد من الشخصيات وممثلين الأحزاب المعارضة ، وخرج بعض المعتصمين من ميدان التحرير وأقاموا حاجزين بشريين علي طرفي المدخل الخلفي للمجمع الحكومي ، مانعين الموظفين من الدخول إليه ، ووقف عشرات الموظفين وراء أسلاك شائكة للجيش بإنتظار تطور الوضع ومعرفة ما إذا كانوا سيتمكنون من دخول المجمع .
ولا يزال المعتصمون يتواجدون حول الدبابات المنتشرة علي مداخل الميدان لمنع عناصر الجيش من أي محاولة محتملة للتقدم داخل الميدان مقدمة لإخراجهم ، أو لإزالة العوائق التي وضعوها علي كل المداخل لمنع أنصار الرئيس مبارك من التقدم داخله
من جانب آخر هاجم مجهولون صباح اليوم الإثنين ، مقر قطاع الأمن المركزي بحي الاحراش في مدينة رفح المصرية ، وأطلقوا باتجاهه قذائف ( آر بي جي ) ماسفر عن إصابة ضابط ومواطن بجراح ، وذكرت بعض وكالات الأنباء أن الهجوم استمر ساعتين متواصلتين استخدم فيه المهاجمون إضافة إلي قذائف الـ ( آر بي جي ) أسلحة مختلفة ، وهاجموا ثكنات الجنود ، فيما تدخل أفراد من قبيلة ( الارميلات ) المصرية إلي جانب قوات الأمن ، وأسفرت الاشتباكات عن إصابة نقيب شرطة مصري يدعي ـ محمد نبيل ـ أُصيب بطلق ناري في إحدي ساقيه ، كما أُصيب شاب بدوي من الأهالي يدعي ـ محمد أحمد محمود ـ 20 سنه بطلق ناري في صدره ، وفي سياق آخر أعلن المستشار ـ سري صيام ـ رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلي ، أن المحكمة بدأت في توزيع كل الطعون الانتخابية المقدمة ضد أعضاء مجلس الشعب ، علي دوائر المحكمة لسرعة البت فيها ، وأكد صيام ـ أن الطعون علي الانتخابات البرلمانية ، البالغ عددها ( 1527 ) طعناً موزعة علي 195 دائرة انتخابية ، وسيتم اعتباراً من الأسبوع لمقبل إرسال ما ينتهي من التحقيقات وإعداد التقارير بشأنها إلي مجلس الشعب ، لكي يتولي بدوره اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في الدستور ، بشأن الفصل في صحة العضوية ، موضحاً أن المحكمة ستتولي العمل فيها بصفة مستمرة حتي يتم الانتهاء من كل الطعون .
وفي هذا اليوم أيضاً رضخت السلطات المصرية لإرادة الشباب وأطلقت سراح الناشط المصري ـ وائل غنيم ـ ملهم الشباب في الثورة وقائد ثورة الشباب ، كما قامت شركة ـ نايل سات ـ بإعادة بث قناة الجزيرة .
ورفعت لافته لسيدة شابة كتبت عليها ( إرحل .. إرحل .. وأطمن الفوضي حترحل وياله إرحل )

” ” ”

وظهر من بعيد أمان المصري ينظم المجموعات ويحدد للثوار المتعاونون مع بعضهم البعض أدوارهم في تناغم رائع وحب وسلام لم يسبق له مثيل وتوافق وإتلاف ليس له إلا هدفاً واحداً وهو الحرية والعدالة والكرامة والإنسانية .
وقفوا يحرسون رفقائهم وكل فرد في ميدان التحرير كما يحرسون المكان وكل جزء من بلدهم ، من خلال مراقبته الحانية للأدوار ، حتي أبسط الأشياء وهي تفتيش الداخلين إلي ميدان التحرير ، حتي لا يندس بينهم بلطجي أو حاقد علي الثورة أو عليهم .. أو أجير أرسله معاونون النظام ليفسد ملحمة الحب والسلام وسمع الجميع صوت محمود وهو يقدم زميله في الميدان الإعلامي الفلسطيني ـ جهاد الترباني ـ ليتغني بقصيدة شاعر العرب وحبيب الملايين ـ فاروق جويدة ـ وهو يصرخ قائلاً ..

إرحل ...... ؟
ـ إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
ـ إرحل وحزبك في يديك
ـ إرحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
ـ إرحل فإني ما أري في الوطن فرداً واحداً يهفوا إليك
ـ لا تنتظر طفلاً يتيماً بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
ـ لا تنتظر أماً تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
ـ لا تنتظر صفحاً جميلاً فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك
ـ إرحل وحزبك في يديك
ـ إرحل بحزب إمتطي الشعب العظيم
.. وعثي وأثري من دماء الكادحين بناظريك
ـ إرحل وفشلك في يديك
ـ فعلي يديك خراب مصر بمجدها عاراً يلوث راحتيك
ـ مصر التي كانت بذاك الشرق تاجاً للعلاء
.. وقد غدت قذماً لديك
ـ كم من شباب عاطل أو غارق في بحر فقر وهو يلعن والديك
ـ كم من نساء عذبت بوحيدها أو زوجها تدعو عليك
ـ إرحل إبنك في يديك
ـ إرحل إبنك في يديك قبل طوفان .. يطيح
ـ لا تعتقد وطناً تورثه لذاك الإبن يقبل أو يبيح
.. البشر ضاقت من وجودك ... هل لإبنك تستريح
ـ هذي نهايتك الحزبية .. هلي بقي شيئ لديك
ـ إرحل وعارك أي عار ...
ـ مهما اعتذرت أمام شعبك لن يفيد الاعتذار
ـ ولمن يكون الاعتذار ؟
ـ للأرض .. للطرقات .. للأحياء .. للموتي !!
ـ وللمدن العتيقة .. للصغار ... ؟
ـ ولمن يكون الاعتذار ؟
ـ لمواكب التاريخ .. للأرض الحزبية
ـ للشواطئ ... للقفار ؟
ـ لعيون طفلِ مات في عينيه ضوء الصبح !
.. وإختنق النهار ؟
ـ لدموع أم تزل تبكي وحيداً
.. فر أملاً في الحياة وأنتهي تحت البحار
ـ لمواكب العلماء أضناها مع الأيام غربتها
.. وطول الإنتظار ؟
ـ لمن يكون الاعتذار ؟
إرحل وعارك يبكي في رحيلك
ـ لا شئ يبكي في رحيلك
ـ لاشئ يبدو في وجدوك نافعاً
ـ فلا غناء ولا حياة ولا صهيل
ـ مالي أري الأشجار صامتة
ـ وأضواء الشوارع أغلقت أحداقها
ـ واستسلمت لليل في صمت مخيف
ـ مالي أري الأنفاس خافته
.. ووجه الصبح مكتئباً
ـ وأحلاماً بلون الموت ِ
ـ تركض خلف وهم ِِ مستحيلَ
ـ ماذا تركت الآن في أرض الكنانة من دليل ؟
ـ غير دمع في مآقي الناس يأبي أن يسيل
ـ صمت الشواطئ .. وحشة المدن الحزينة ِ
ـ بؤس أطفال صغار
ـ أمهات في الثري الدامي
ـ صراخ ُ .... أو عويل .
ـ طفلٌ يفتش في ظلام الليل ِ .. عن بيتِ تواري
ـ يسأل الأطلال في فزع .. ولا يجدَ الدليل
ـ سرب النخيل علي ضفاف النيل يصرخ
ـ هل تَري شاهدت يوما ..
.. غضبة الشطآن في قهر النخيل ؟
ـ الآن يرحلُ عن ثري الوادي
ـ تحمل عارك المسكون َ .. بالحزب المزيف
ـ حلَمك الواهي الهزيل ..
ـ إ رحل وعارك في يديك
ـ هذه سفينتك الكئيبة ُ
ـ في سواد الليل تبحر في الضياع
ـ لا أمان .. ولا شراع ..
ـ تمضي وحيداً في خريف العمر .. لا عرش لديك ولا متاع
ـ لا أهل .. لا أحباب .. لا أصحاب .. لا سند .. ولا أتباع
ـ كل العصابه تختفي صوب الجحيم
ـ وأنت تنتظر النهاية .. بعد أن سقط القناعُ ..
.. بعد أن سقط القناع
وبكت الجموع المحتشدة في الميدان من تأثرها بهذه القصيدة الرائعة .. وتأثرها بما فعله هذا الرجل طوال 30 سنه وبكي محمود وأمان والفلسطيني وبكت كل النساء الموجودات واللاتي تُشاهد من خلال القنوات الفضائية كالجزيرة والعربية والـ ( B B C ) وكل فضائيات العالم .. فلقد حظيت هذه الثورة بأكبر تغطية في العالم والكل يدعو الله بالفرج القريب وكشف الغمة الكل يبتهل إلي رب الحب والسلام والعدل والأرض بأن تنتهي هذه الوقفة علي خير وأن يسلم مصر من خطر ما يحوم حولها من ضلِ وضلال .

” ” ”

وفي اليوم الخامس عشر ـ الثلاثاء 8 فبراير ـ ( يوم حب مصر أو يوم . الشهيد بلال ) ..
ظهر موقع يحاول جمع ورصد الحوادث التي تجري في مصر عن طريق ـ الجمع الجماهيري ـ هذه هي المحاولة الثانية لمثل هذا المشروع ، حيث فشلت المحاولة الأولي بعد إنقطاع الإنترنت وتشهد مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد إنقلاباً أمنياً غير مسبوق بعد انسحاب معظم القيادات في المحافظة ، تلا ذلك قيام قوات الجيش المصري بالانتشار في أحياء المدينة ونجحت في السيطرة علي الموقف .
وفي الإسكندرية احتشد آلاف المصريين قرب مسجد القائد ابراهيم وسط مدينة الإسكندرية مطالبين برحيل مبارك .
وشهدت المدينة تظاهرات علي مدي أربعة أيام كانت جميعها سلمية لكن تخللها اضرام النار بمراكز الشرطة .
ورفعت لافتات للتنديد بنظام حكم الرئيس مبارك ( إرحل يامبارك يلا حقك عارك ـ مصر أكتوت بنارك ـ فلم تعد دارك ) كما كتب علي المدرعات والدبابات التابعة للقوات المسلحة ( يسقط ـ يسقط حسني مبارك ) و( يسقط الظالم ) و ( يسقط النظام ) و ( يسقط الطاغية ) كم أبدي كثير من المحتجين امتعاضهم من الموقف الأمريكي تجاه النظام الموالي ، حيث اعتبره الكثير أنه متعاطف معه .
وفي مدينتي المحلة وطنطا بمحافظة الغربية تجمع الآلاف من المتظاهرين الرافضين لاستمرار الرئيس مبارك في الحكم عقب أداء صلاة العصر ، وانطلقوا في مسيرات للمطالبة برحيله فوراً .
ردد المتظاهرون الهتافات المعادية لمبارك وأفراد أُسرته وأكد المحتجون تضامنهم مع المعتصمون في ميدان التحرير بالعاصمة المصرية القاهرة ، كما قرر عدد منهم المبيت أمام ديوان عام المحافظة حتي رحيل مبارك .
شهدت مدينتا السويس وأسيوط تظاهرات شارك فيها الآلاف ، وفي بور سعيد تم حرق مبني المحافظة وقد رحبت جموع المتظاهرين المحتشدة في ميدان التحرير بـ وائل غنيم ـ الناشط الذي ( أختفي ) علي أيدي قوات الأمن المصرية قبل 12 يوماً وأطلق سراحة يوم الثلاثاء .
يعود لغنيم الفضل في تأسيس صفحة في موقع فيس بوك ، لعبت دوراً مهماً في تنظيم الاحتجاجات التي اندلعت في مصر الشهر الماضي .
وقال غنيم في كلمة وجهها إلي الجموع ( لن نتنازل عن مطلبنا في زوال النظام ولن نستسلم ) .
وفي إشارة إلي المحتجين الذين قتلوا علي أيدي الأجهزة الأمنية ، قال غنيم : ( لست بطلاً إن الأبطال هم الذين استشهدوا ) .
ووصلت المظاهرة حوالي 3 مليون متظاهر في ميدان التحرير وأيضاً التظاهر والاعتصام أمام مجلس الشعب والشوري ووزارة الداخلية ، والبرلمان .
وكان هناك اعتصام لبعض العاملين بالتليفزيون المصري وروزاليوسف وبعض الشركات . ووضعت لافته علي بوابة مبني البرلمان في القاهرة تقول ( مغلق حتي إسقاط النظام )

” ” ”

وأطلق الخبراء اسم ( ثورة الجمال ) علي ثورة الشعب المصري بقيادة شبابه ، وذلك إشارة منهم إلي صبر المصريين علي الظلم لسنوات عدة ، قبل أن ينتفضوا ويقولوا كلمتهم التي سجلها التاريخ ويراها آخرون ( ثورة الأمل ) و( ثورة الصبار ) و ( ثورة اللوتس ) وأرها ثورة الحب والسلام ففي الميدان تفجر الحب الرباني بين أبناء مصر المسيحي والمسلم والإخواني والسلفي وكل فئات الشعب بكل طبقاته ، وبين المرأة والرجل .. والشاب والفتاة وبرغم هذا الحشد الرائع بالملايين فلم تحدث حالة تحرش واحدة طوال أيام الثورة الثمانية عشر .. وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي عمق الحب والسلام الذي ولد بين أبناء مصر الخالدة .. العريقة أبد الدهر ويدل علي رعاية الله لها وحفظة لسلامها مهما كانت الاهوال والكوارث الساقطة فوق الرءوس عظيمة ومفجعة ( سلمية .. سلمية ) ....

” ” ”


وفي اليوم السادس عشر ـ الأربعاء 9 فبراير 2011 م ـ ( يوم المطلب ) ـ في هذا اليوم تم نقل مدير أمن الوادي الجديد ومحاكمة ضابط الشرطة ـ أحمد السكري ـ معاون مباحث الخارجية بعد تعديه بألفاظ خارجة علي الأهالي ومقتل أشخاص في مواجهات مع الأمن .
ووزير الثقافة الجديد ـ جابر عصفور ـ يستقيل من منصبه لأسباب قيل أنها صحية ، والمعتصمون بميدان التحرير يبدأون في تصميم وبناء دورات مياه في الجزيرة الوسطي بالميدان .
وحركة صحفيون بلا حقوق ( تطالب الصحفين بالثورة علي رؤساء تحرير الصحف القومية الفاسدين .... وتطهير نقابة الصحفين من النقيب ـ مكرم محمد أحمد ـ وعناصر نظام مبارك شعبياً ... ) وفيه... إرتفاع عدد القتلي في احداث الخارجية بالوادي الجديد إلي خمسة بعد وفاة أثنين متأثرين بجراحهم . ومدوالات في نقابة الصحفين لسحب الثقة من النقيب ـ مكرم محمد أحمد ـ بسبب موقفة من الثورة ـ وآلاف الأشخاص يحاصرون مقر محافظة كفر الشيخ ويدمرون مقر القوي العاملة بها .....
وآلاف العمال في حلوان وكفر الدوار ، وكفر الزيات يتظاهرون ضد الحكومة ، ومتظاهرون في منفلوط يوقفون حركة المرور في طريق مصر أسيوط الزراعي ومظاهرة في ميدان الأربعين في السويس ، تُطالب برحيل مبارك ، وعمال 11 شركة يواصلون الاعتصام هناك ، بسبب تدهور أوضاعهم المادية .
وتأجيل عودة الدراسة إلي المدارس والجامعات أسبوعاً بسبب الثورة ، لتبدأ في 19 فبراير والمعتصمون ينظمون وقفة الجموع في التاسعة من مساء اليوم بمناسبة ذكري الأربعين لشهداء كنيسة القديسيين بالإسكندرية .
وعشرات الموظفين يتظاهرون أمام هيئة التأمين الصحي في شارع الجلاء مطالبين بالتعيين الفوري بعد قضائهم أكثر من 10 سنوات بدون تعيين .
وفيه أيضا ً ....
رئيس الوزراء الفريق أحمد شفيق ينقل نشاطة إلي وزارة الطيران خوفاً من حصار المتظاهرين .
وكذلك ... أعتصام لعشرة آلاف عامل أمام وزارة البترول من شركات مختلفة ( بترو تريد ) و( بتروجيت ) و( إبيسكو ) و( التعاون ) و ( أنابيب البترول ) ، وذلك للتعبير عن مطالبهم الممتدة علي مدار السنوات الماضية ، وهي تطبيق لائحة إدارية واحدة ، وتعين من مر عليه أكثر من عشر سنوات في العمل وتطبيق قواعد السلامة المهنية ، وأكد العاملون أنهم مستمرون في الإعتصام لأنهم لم يتوقعوا عودة سامح فهمي للوزارة ، بعد كل هذه المشاكل .
ـ ولجنة تعديل الدستور التي تضم 11 شخصية قضائية تجتمع للمرة الأولي في مقر دار القضاء العالي ، وموظفو الهلال الأحمر في رمسيس يقطعون الشارع ويحتجون علي عدم تعينهم رغم عملهم لمدة تتجاوز العشرين عاماً ، ومازالوا يعملون بعقود ، واعترض الموظفون علي وعود الهيئات ولم يتم شئ ، ووصل عددهم إلي أكثر من 500 شخص ورفعوا لافتات هاتفين ( معتصمين ـ معتصمين حتي التعين ) وبعض العاملين في مؤسسة الأهرام يوزعون ملف ميدان التحرير عن شباب التحرير بعنوان ( 25 يناير ) يوم ولدت مصر من جديد ، وفي الصفحة الأولي " التحرير " ميدان الحالمين بوطن جميل مع صورة مكتوب عليها " يسقط الطاغية .. " إرحل ياظالم " .
والمتظاهرون في ميدان التحرير يقيمون صلاة الأربعين علي أرواح ضحايا كنيسة القديسين ، ويصلون لشهداء الثورة ، واستقالة أشرف زكي من رئاسة نقابة الممثلين .
وفي هذا اليوم أيضاً ... ظهور قوات الأمن المركزي لأول مرة منذ إختفائها مساء 28 يناير الماضي لتحيط بالمتظاهرين من عمال النظافة في شارع السودان دون أن تحتك بهم وموظفو البريد المتظاهرون في العتبة يطالبون بإقالة ـ هاني محمود ـ رئيس الهيئة وتعين نائبه ـ خالد عباس ـ بدلاً منه ، وكذلك زيادة المرتبات وتثبيت المؤقتين كما تم اغلاق مركز الحركة الرئيسي في رمسيس ، ووضع خروج أو دخول أي شخص إليه ، كما طالب الموظفون بإقالة جميع المستشارين الذين عينوا في الهيئة ب