لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء > القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء


الرخام الاسود

رواية.....الرخام الأسود * رواية *

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-10-11, 09:30 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2011
العضوية: 231308
المشاركات: 71
الجنس ذكر
معدل التقييم: مختار أحمد سعيدي عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 77

االدولة
البلدAlgeria
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مختار أحمد سعيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي الرخام الاسود

 

رواية.....الرخام الأسود

* رواية
* الرخام الأسود
* الفصل الأول
* تلك هي ليالي الشتاء عندنا في الهضاب العليا ، باردة و ممطرة ، يكشف البؤس فيها عواراتنا وتجاهرنا أيامها بالحرمان ، على ارتفاع 800 م عن سطح البحر، كأننا نتصعد الى السماء ، وسط الجبال الشامخات التي أقسمنا بها في نشيدنا الوطني ، الأودية الموسمية ، كالوشم الجميل على جسد الحسناء و الغابات الجميلة التي تتحدى حرائق البحث العبثي عن الارهاب ، هجرتها القواطع و الأوابد.، و فرضت النزوح على الأهالي ، في هذه الولاية التي أهملت معالمها التاريخية و تجاهلت صانعيها ببديهية حمقاء ، لما تسيس البدو فيها و تحكم الأعراب في رقاب الناس و زمام الأمور، تقود أعراف الموالين القافلة ، و يعرفنا جغرافيوها بأننا في منطقة رعوية لا تجمعنا الا القرى الاشتراكية في المناطق النائية ، حيث يغتال التمدن و تنتهك قيم الحضارة بمفهومها العصري ، و تحول العصرنة المستوردة الى شريط الساحل و الى ولايات تسلط أبناؤها على الرقاب و احتكروا التاريخ و استعبدونا بشرعيات مختلفة ...اما بالحديد و النار ، و اما بالدين ، و اما باللغة ...هكذا تعددت أربابنا لنعيش مسخ الخلاف و الاختلاف تحت لواء الشعب العظيم الذي قتلوه بتهمة الرجعية ، ثم بتهمة الكفر ، و سيقتلونه بتهم آتية كسواد الليل المدلهم ...
فقلت له : سودتها يا صاحبي ، و كاد الكبد أن يتفجر فعد بنا الى بيت القصيد
فقال: ان مأساة خضراء ، صنعها هؤلاء الوحوش ، حتى الصدف كانت ضدها ، أصبر ستتمزق أكثر يا صاحبي ....
سميت ولايتنا ...شقية ..، نسبة الى عاصمتها المدينة الشقية ، أحداث هذه المأساة تجري في ..عين القسوة ..قرية من قرى هذه الولاية ، و ما أكثر العيون في بلدنا ، بداية من عين الفوارة الشهيرة ، وحدها هذه العين التي لا يرتوي منها هذا الشعب ،انها رمز الحضارة و التفتح ، و شهادة مرور التاريخ من هنا ، هكذا يقدس الفن عندنا و يتغير المفهوم الأخلاقي ، هكذا يجب أن نمارس الحضارة و التفتح و نخلد القيم الانسانية و آثارها و مآثرها...هكذا يجب أن نكون... أو لا نكون ...
عين القسوة منطقة زراعية رعوية ، كانت اراضيها كلها تحت مزارعي الاستعمار الفرنسي اخصب الأراضي و أجملها ، يسكنون القرية و لهم في كل مزرعة مساكنا على الطراز الريفي الأروبي أنذاك ، مزينة بأشجار السرو ،رمز الخلود و البقاء و التحدي و فرض الذات ، و كان الأهالي كلهم اما يعملون من طلوع الفجر عندهم الى غسق الليل ، على فرنكات البؤس و الفقر ، أو رعاة تبتلعهم السهوب و الفيافي طوال السنة ، هؤلاء هم من أسس بعد الاستقلال لنظام حول قاطرة النتائج كلها، لتصب في هاوية بعيدة عن كل هوية ، سكنوا مساكن المعمرين و سلكوا مسلكهم في تسيير الريع بعصيهم و عفيون جديد..الشقاء يا صديقي لا يصنعه شيء واحد ...هي ذي الظروف التي تترعرع فيها معاناة خضراء ، ضحية هذه القصة بحوادثها المؤلمة ، و قدر أريد له أن يسقي الضعفاء المرارات ، و تدفع الذات البشرية ثمن بقاءها ، و بقاءها فقط ، آلاما و آهات ، و دموعا ، ذنبها الوحيد أنها جاءت الى الحياة في الوقت الغير مناسب ..هنا في هذا البيت الذي كان يسكنه المسيو صونديرو ، بدأ الشقاء يوما يؤسس لمعاناة انسانية يعجز اللسان عن وصفها ...
كان الليل حينها قد غمر الكون و خيم السكون و هجعت الحياة ، و في مثل هذه الساعة دائما ، ساعة مولد خضراء ، يرتفع ذلك النداء الذي ينبعث من أدغال الصمت ، من عمق ظلام النفس ،يتشكل منه سواد شبح قادم من كل جهة ، كأنها مقيدة فوق هذا السرير الموحش ، المسكون بلعنة شرسة تترصدها ، لا تمل و لا تغفل و لا تيأس ...منكمشة تحت الغطاء تحاول اسقاط تلك السنوات من العمر ، حديدية الأطراف ، في صراع مع هذا الأرق ، يحول الارهاق زفراتها الى أنين ، يخرجها من الخيال الى مسرح الاحتمالات الرهيبة ...فتحت عينيها ، تنفست الصعداء ، نبضات قلبها تكاد تطغى على دقات المنبه التي تطارد الزمن لبلوغ ساعة الاستنفار ، كانت الغرفة مظلمة ، ترد جدرانها صدى الآيقاع بطريقة عجيبة تثير الأعصاب ، مزج فيها السكون بضوضاء النفس اللوامة و حركات العقارب التي تطوي المسافات من العمر في عجالة مفرطة ، تخفي سذاجتها الحدث بالحدث و تنتقل من حال الى حال ، يتداول كل شيء في نفسها و تتعاقب الزوابع ...النقاط اللامعة المضيئة و سط الظلام على شكل دائرة مفرغة ، ينبعث من مركزها شعاعان ، تشير بهما الى الساعة الثانية صباحا ، انها لم تنم أكثر من ساعة واحدة ، و لم يتخلف ذلك الكابوس الذي يطاردها في النوم مثل اليقظة . و بدأت من جديد ساعات العذاب و التأنيب ، يمزق الندم بمخالبه المفترسة الطوية الكتوم ، تتقلب يمينا و شمالا ، تدس رأسها تحت الوسادة ، تتوسدها ، تشد رأسها بين يديها ، تعض على شفتها ، محاولة بذلك أن تدفع تلك الفكرة الجنونية بعيدا بكل ما تملك من قوة ، تصاعدت وتيرة تنفسها وامتزج خفقان القلب بريبة سكون المحيط الذي يحرك النوابض في كل شيء ، استحوذت الروح الشريرة على مجمع الحواس، فانسلت من فراشها كأنها حية انسلخت ، و تسربت من غرفتها الى المطبخ ، حملت خنجرا و خرجت تشد بين أنيابها على ارادة كانت تخونها دائما ، ارادة تكاد تنفلت من حين الى حين ، تمشي على دقات قلبها و الدموع متحجرة في عينيها التي تكاد ان تتفجر من شدة الاختناق ، تشق الرواق تحت ضوئه الشاحب في اتجاه غرفة خضراء ...و لما وصلت أمام الباب التفتت يمينا و شمالا ، انتظرت قليلا ، ثم دخلت و أغلقت باحكام ، أسندت ظهرها اليه تتحسس و تستجمع قواها ، وهي تحدق فيما حولها بدافع غريب، وقع بصرها على صورة خضراء في عيد مولدها الأول ، تحفة فنية صغيرة من متاحف أفريقيا السوداء وسط اطار مذهب على طاولة السرير ، يعكس زجاجه الضوء المتسرب من فجوات النافذة ، فتقدمت و هي ترتعش ، تطوي بخطوات مترددة خمسا و عشرين سنة من العمر في لحظات ، تريد القضاء على ذلك الكابوس الذي يطاردها ، تريد أن تجعل له نهاية في هذه الليلة...أشاحت بوجهها عن الصورة لتقطع شريط الذاكرة ، فوجدت نفسها أمام واقع يتحدى ...انها ممدودة تتوسد ذراعيها ، تعانق ببراءة حلم الحياة ،على ضوء الشارع الذي يتخلل الفجوات و ينعكس على بياض السرير ، تظهر صورة من الظل الأسود ،انها مستلقية على الفراش ...أروع ما أبدعت يد الخفاء في رسم غرفة نوم لملكة الجمال عند الزنوج ، و أمام هذا المشهد المستسلم الآمن الذي تزينه الطمأنينة ، صرخ الواقع في وجه سترة ، صرخة البراءة يتحدى القدر المزيف الذي أريد له ، فبدأ مفعول القلب يحل محل تفكير العقل ، و كأن جسدها تلقى حقنة من منبع العاطفة ، فأحيا مشاعر الأمومة الصادقة التي أريد لها الاغتيال ، و رفضت اليد الانقياد ، فشلت و سقط الخنجر ، وارتشق النصل في قدم سترة فصرخت ، انه سهم الحقيقة التي تستيقظ دائما في آخر لحظة للحسم حتى لا تكون ضحية التزوير ، وانتشلت خضراء من نومها ، و هبت واقفة مستجمعة تستر جسدها باللحاف و تزلزل بصرختها أركان كل البيت ، سقطت سترة على الأرض و قفزت خضراء نحو الزر فأوقدت المصباح ..
* خضراء: أمي ؟!!! ماذا حصل ؟.. ما بك ؟..
* سترة : لا شيء ...لا شيء ، ناوليني الكحول ،أسرعي بعلبة الدواء ...انها في الحمام ..أسرعي ..
* استيقظت كل العائلة على هذا الصراخ الذي مزق الصمت المطبق و تناسقه مع سكون الحركات ، هبوا جميعا نحو غرفة خضراء التي كانت دائما مسرحا للشغب و المناوشات .... هكذا بدأ النزيف يوما في هذه الأسرة ، أحدثته الحقيقة التي ترفض الاغتيال و لا تؤمن بالموت حتى تقتل الافتراء...
* التف حولها الجميع ، وجلست خضراء أمامها ، مرتبكة ، تنظف الجرح و تضمده ،محاولة عبثا ايقاف النزيف ، و لما أغمي عليها حملوها على السرير ، واكتشف الجميع الخنجر الذي كان تحتها ، وساد الموقف نوعا من الريبة و الاستياء ، فأحست خضراء بأنها محل شك و محط نظر، فانتبهت لنفسها ، حملت ملابسها و ذهبت الى الغرفة المجاورة ، و لما عادت و جدتهم قد نقلوها الى المستشفى...
حملت سفطها و خرجت ، وانصفق الباب وراءها ،كأنه طبل قرع للاعلان عن نهاية فصل من عمرها و بداية فصل آخر ...
كانت الشوارع خالية ، تمتد أمامها نحو المجهول ، نحو الضياع الذي تصنعه الليالي الموحشة ، متعبة تتقدم و هي تلعن نظام التبني الذي يصطنع الأمومة و الأبوة الكاذبة، تلعن المنطق الفلسفي الذي يؤمن بالأصل في الأشياء كلها ، و يفرضه حتى على الذات التي ترتكب الجرائم و الحماقات و تتنصل منها ...و خرج من عمقها السؤال الملعون ، السؤال الخزي ، سؤال العار ، سؤال البؤس ...من أنا ؟...كأنني ليلها المظلم ، انها تكرهني لأنني لقيطة !.. لأنني سوداء !.. انها تمارس علي زمن النخاسة و العبودية ...أم لأن ابنها كريم أحبني و يريد أن يتزوجني ؟..ما أتفهني و قد صدقت ...
التفتت ، عبوسا كان الشارع ، تتقدم وسط لسعات البرد القارص ، و زخات المطر اللاذعة ، شارع معظم مصابيحه احترقت و من يصلحها ؟.. ، برك الماء على الرصيف تتلألأ ، تعكس أشعة الضوء الشاحب ، غمامات من الضباب تسوقها ريح القر نحوها ، قالت في قرارة نفسها ..حتى أنت ؟..عندما تأتي أيها الشقاء تأتي بالكل ..
تحاول خضراء اختراق مخازن الذاكرة و ملامسة ما وراءها ، لعلها تسترجع ذلك اليوم الذي صنع بؤسها مقابل لحظات متعة ، ربما بثمن بخس ، أو بدافع حب غموس ، يوم النزوة التي قذفتها في رحم عاق ، جعلها الرقم المجهول في معادلة خبيثة و دنيئة ...و لكن ..
تودع بعيون همعة تلك القرية الهاجعة التي كانت تحتضنها فيها الجدران برفق انبجاس الحجر ، امام اجحاف البشر .. هنا كانت تأوي حينما تكتسحها رغبة البكاء ، أو تعاقب لآتفه الأسباب ، هنا كانت تخفي دميتها لما كانت صغيرة خشية عليها منهم ، هنا دفنت قطتها لما سمموها لأنها سرقت عظما سقط من المائدة ، في هذه الحديقة أشياء كثيرة لا تزال تتذكرها ...و هذه دار عمي المبروك الأسود ، يلقبونه ببامبرا ، ذلك الرجل الرحيم ، آآآه ، عمي بامبرا و هذا السواد الحاني الذي كان يجمعنا ، وكلبه ركس صديقي الوفي ، كلما دخلت عليهم يصعد معي و يلعقني ، يلعب معي كأنه طفل مشاغب ، من هنا كنت أمر الى المدرسة ، زجاجها مكسر و بدون مدفأة يعلمنا جلاد لا يرحم ...المدللة الوحيدة كانت بنت رئيس البلدية ، الحاج قادة ، لا يعرف حتى المكان الذي يجب ان يمضي فية على الوثائق الادارية ... تذكرت عامر، كانوا ينادونه بابن السوداء ، تضحك ، آآآه منه كان هو كذلك ماكر و شيطان ، مغامراته مع المعلم لا تعد و لاتحصى ، صديقاتها البدويات كن يقضين أوقات الفراغ أمام المدرسة ،يأكلن الخبز و اللبن البارد، كانت تتمنى أن تأخذهن معها الى البيت ولكن ...في بعض المرات تفقد شهيتها و تخنقها الرحمة بهم
هذا دكان السنوسي مغلق بخمسة أقفال ، مسكين عمي السنوسي رغم كل هذا الحرص و اليقظة و سرقوه عدة مرات ، دائما أبناء الشافي ، حياتهم كلها سجون ، يقودون جماعة أشرار ، و يا ويح من يبلغ عنهم ، و حتى اذا دخلوا السجن ، هم أول من يخرج..فقدت قدرة مقاومة البرد ، و جرى في جسدها دم بارد ، و بدأت ترتعش من الخوف ، تلتفت يمينا و شمالا ، راودتها فكرة الرجوع الى البيت ، لكن الجرح كان أعمق من معالجته بالعودة ، بالعكس المجهول أرحم ، و من يدري ... تذكرت و هي التي أفنت عمرها في خدمتهم ، تطبخ ، تغسل ، و تنظف ..حملت شقاء البيت منذ طفولتها ، هكذا نشأت ، يحبونها أفرادا و يمقتونها جماعات ، تعرف كل شيء عنهم و لا تعرف عن نفسها شيئا ، يلقبونها باليابسة و هي أخصبهم بدنا و أجملهم رسما ، تضحك غير مبالية بهم ، يكرمهم الأهالي خوفا من أذاهم و لنفوذهم ، يأتونهم بالسمن و الصوف و اللبن و الخضر و الفواكه و خرفان المناسبات ، يتوسطونهم للرشاوي و قضاء حوائجهم ، كان أبوها بالتبني رئيس قسمة الحزب الحاكم ، وحده في القرية تصحو على يديه و تمطر ، انه من قبيلة اولاد سيدي ساد ، التي تمثل الأغلبية في هذه المنطقة ، تعصب الآباء و تشيع الأبناء بالشيوعية الحمراء التي لا ترحم حتى من يخالفهم في اللباس ، أسسوا لعقلية فرنسية بمراس أعرابي ، ظاهره رحمة و باطنه عذاب ، و طال عليهم المثل القائل ..فارس من ركب اليوم ..
انها الآن في بوابة القرية تنتظر القدر الآتي متحدية كل الأعراف ، تتصور مغامرتها مشاهد مختلفة من فصول هذا المجتمع المعوق ، حين يمثل مسرحية اختفائها، و هي كذلك حتى أيقظها ضجيج محرك شاحنة لشركة سوناطراك، شركة البترول الذي يراه الجميع والغاز الذي لا تراه العين المجردة ، أشارت الى السائق فتوقف ، فأسرعت تتسلق السلم ...ألقت نظرة أخيرة على قرية القسوة...
السائق : الى أين أيتها الجميلة ؟
خضراء : الى مدينة أروان .. وتوقفت تنتظر الاذن ..
السائق : أدخلي ، وأغلقي الباب جيدا .. مرحبا بك في عالم الطريق
خضراء : شكرا
كان السائق ضخما ، يتجاوز الأربعين من العمر ، أبيض بشنب أسود كثيف ،و شعر طويل ، عريض الوجه صغير الأنف بمناخر الثعلب و دقيق الشفتين ، يرتدي معطفا أسود من الجلد الخالص ، تحته قميص أزرق بمربعات سوداء ..
أنطلقت الشاحنة تنتفض من عالم السكون و قيود المكان ، كأنها وحش يهاجم الزمن ، مقارنة بالذات البشرية بدت لها الشاحنة كبيرة جدا و مدبر أمرها صغير جدا ..كانت رائحة التبغ الممزوجة برائحة المازوت تعكر الجو الداخلي ، ففتحت خضراء الزجاج دون اذن ، و فتح السائق الراديو..
السائق : القرآن ..صح نومكم في المحطة..
أطفأه ، و أشعل سيجارة ، كثرت حركاته و نظراته و فهمت خضراء أنه يبحث عن رأس حبل للثرثرة ، فبادرته قائلة
خضراء : هل عندك أولاد ؟..
السائق : لست متزوجا ، أفضل حياة العزوبية ، لأنني وجدت في تنقلي هذا عبر هذه المسافات الطويلة متعة ما بعدها متعة ، و الزواج مسؤولية والتزام كبير ، و قيود لا أتحملها ، الحرية عندي أغلى من أن أتقيد برابطة لست واثقا من نجاحها ..
في هذه الأثناء كانت خضراء قد غادرت الشاحنة ، متحدية سرعتها ، تحوم تلك النفس كاليرقاء في عمق التفكير الذي يحاول عبثا اختراق الماضي ، لم تتوصل الى شيء ، سراب و ضبابية ، و لا نهاية تمتد من كل جهة ، تدفع الى الضياع .. و بدت للسائق على تقاسيم وجهها تغيرات الصراع الذي تعيشه فقال
السائق :هل أنت مريضة ؟..
الا أن تناسق اجترار المحرك الذي كان يأكل بعضه بعضا ، و احتكاك الأفكار المتصارعة في نفسها حال دون وصول السؤال الى مداه.. فهمزها..
السائق : هل عندك مشاكل ؟..
خضراء : لا ، لا شيء ، مجرد غفوة من حزن الفراق ..
و حتى تبعد الحديث عن نفسها ، تابعت تقول
خضراء: ما هي الأماكن التي تعجبك في وطننا الحبيب ؟
السائق : تعجبني زيتونة سيق ، و وردة البليدة ، و مياه سعيدة ، و ملأة قسنطينة ، و سروال العاصمة ، و جلباب تلمسان ، و حايك وهران ، و وشم الصحراء ، انني وطني محافظ حتى النخاع ...أهوى كل شيء يربطني بالماضي بالأصل ، بالتاريخ ، حتى الأسطورة أعشقها ...
خضراء : الماضي ؟.. الأصل ؟.. التاريخ ؟.. هذه كلمات عجزت معاجم العالم عن شرحها ،و اثبات حقيقتها و شرعيتها ، أنا لا أومن بها ، لأنها مزورة ، مفبركة ...الحياة هي المستقبل و الماضي هو متعة الحلم عند الأقوياء والكابوس المزعج عند الضعفاء ، المزعج ، نعم المزعج و المفزع .
السائق : رغم هذا أنت تسأليني عن الماضي ، و كل حاضر وليد ماض معين ، و حاضرنا تاريخ المستقبل ، هكذا علمتني مدرسة الحياة ، مدرسة السفر ، مدرسة الطريق الطويل الذي يصل الزمان بالمكان ..
خضراء : الطريق ؟.. الطريق مدرسة المشردين ، و المنبوذين ، و بقايا هذا المجتمع الذي لا يرحم ..
السائق : أظن أن النكران و الجحود قد أصاب منك حظه و أصابك في الصميم ، لا يتعفن الماء الا في البرك ، أما المياه الجارية تمخر الأرض و تشق طريقها في الصخر و منثنى الرابية ،تبقى دائما أطهر و أنقى ..
خضراء : يذكرني كلامك بسبخة وهران و واد الحراش ، انها فضلات أهلها لا غير ، انهما التاريخ الحقيقي لمخلفات البشر ، لأمة تبلع دون هضم ، أمة متنكرة لأفعالها و أقوالها ، هكذا التاريخ الذي تمجده أنت أيها المحافظ ، لا تحاول، لن يصلك صافيا نقيا ، التاريخ يا سيدي فضلات الأمم الحية ، تقتات منها الأجيال الميتة ، و صدق من قال ، ان صدق التاريخ فأنا أكذوبته الكبرى ... خيم الصمت من جديد و انقطع تيار الكلام ، وانفرد كل منهما باجترار كلام صاحبه ..
و قال السائق في نفسه ...ان هذه القلعة السوداء شرسة في النقاش ، لا أظن أنها تفتح أبوابها الحقيقية لأحد ، ذكرته بزنوج أمريكا ، يقال أنهن يتميزن بالأنفة و الزهو ، و الافراط في الكبرياء ...لا شك أنها في حالة متوترة ، أو أنها تعاني من عقدة نفسية ..
السائق: موظفة أنت أو طالبة ؟..هل لي أن أعرف أسمك ؟
خضراء : اسمي بنية ، أعمل ممرضة
السائق: عمل انساني مشرف
خضراء : في وسط الوحوش ، بل أفظع من ذلك ، انها انسانية آلية تطورت فيها آليات الظلم و الجحود ، و..
فقاطعها قائلا
السائق : كفى ، كفى ..توقفي قليلا ، ما هذا التشاؤم يا سوداء الباطن ، انك تعانين من عقد كثيرة ، و كأني بك في عهد النخاسة و العبودية...ألست كالريح المرسلة ، حرة طليقة ، لا يقيدك مكان ولا يحاصرك زمان ؟..
خضراء : آه لو كنت ريحا ... لعصفت بهذه المجتمعات ، و قذفت بها الى الجحيم ، أي حرية هذه التي تتكلم عنها ، حرية الذباب و الحشرات و البهائم ، هذا المفهوم للحرية هو الذي صنع نخاسة العصر واستعبد الجميع ..
السائق : هذه فلسفة و كلام لا يعكس الواقع ، لو كنت فلاحة لمات الناس جوعا ، تشاؤم وانهزام كلي ، أمام تحديات بسيطة و طبيعية يصادفها الجميع و في كل المجتمعات
خضراء : لست فلاحة والناس يموتون جوعا ، و لست حاكمة والناس يموتون مئات المرات ظلما ...و الناس ...و الناس...أما أنت لا شك أنك ابن ما وراء العصر ، أرجوك لا تجعلني أسجل أسفارك في سجلات العبثية ، بالله عليك بأي عين تنظر أنت الى هذا المجتمع ؟..أبهرتكم السطحيات ... خنقها الدمع فسكتت...
و عاد الصمت ليخيم من جديد و يترك المجال لسمفونية الاجترار ،اجترار النفس و الحديد ...يستوي الطريق أمامها و يمتد حتى يدرك الأفق ، ثم تأتي المنعرجات ، الأشجار تمر كأنها تقتلع و يرميها الزمن الى الوراء بكل ما أوتي من قوة ...هكذا تنظر خضراء الى الأشياء ، الزمن في نظرها لا تقهره الا القوة ، قوة السرعة ، و سرعة الحركة ، رغم أنها تقدمنا الى الموت ، و تحدث الاصطدامات و الانكسارات ، الا أن الانسان عازم على الوصول بسرعة على حساب العمر ...هكذا التحمت نفس خضراء بالمسافة و شجون السفر، و دون سابق انذار قفز تفكيرها الى حادثة البارحة ، ماذا سيقولون بعدها ، سيقولون هربت المجرمة ، و يقول آخرون اراحنا الله منها و يقول ...آآآه ،كريم هو الوحيد ، نعم هو الوحيد ... و بدأت مراسم الندم تتشكل في كل مدارك ذاتها ، اغرورقت عيناها و كادت تنهار بالبكاء ، تصارع فكرة العودة الى البيت بأيد فارغة وقلب جريح ...حينها كان البيت مسرحا للتساؤلات ، و حقلا للظنون و الاتهامات ، الكل في الغرفة حول سرير الأم الطريحة ،رؤوس منحنية أثقلتها التساؤلات ، و شفاه تأكلها أسنان الغضب الذي تغذيه الكلمات الملتهبة ، التي تتطاير كالشظايا من كل جهة ...
كانت حينها نونة الشبح ، هكذا ينادونها ، هذه العمة العانس ، واقفة أمام الباب ، تطارد بنظراتها عيون الأم ، كأنها تريد أن تقول لها شيئا ... امرأة طويلة ، بوجه عريض تملأه عيون البوم ، تتابع مجريات الحديث في صمت مريب ، كأنها تخفي وراءها منبع الحدث ، فضولية الى أقصى درجة ، لا تفوتها صغيرة ولا كبيرة ، تساعدها شساعة البيت وكثرة أجنحته على تحركاتها المريبة ، تجدها دائما حيث لا تتصور أن تكون ، وحيث لا يجب أن تكون ، كأنها السراب ، تتصرف ببرودة ، تمر أمامك مر الكرام ، أينما كانت يثير تواجدها اسئلة الشك ، لا تتكلم كثيرا ، عندما تنظر اليها تشعر وكأنك أمام شبح تتصارع في عمقه أرواح متناقضة وملامح الوعيد ، تزرع في نفسك رهبة ممزوجة بنوع من الشفقة والحذر ، ليلة الحادث شاهدتها خضراء في آخر الرواق ، واختفت فجأة ، ولما خرجت كانت تراقبها من شباك الطابق العلوي ... لا يعرف عنها سوى أنها العمة الشقيقة ، كانت هي اللبنة الأولى في تشكيل هذه الأسرة ، تحتفظ بجميع أسرار البيت وماضيه ، لا تقوم بأي شغل ، كأنها السيدة الشرفية للعائلة ، لا يدخل غرفتها أحد ، تعيش في عزلة وهي محور البيت ، تظهر وتختفي بسرعة ، لا يحدد أحد مكانها ... في هذا البيت لا تستطيع أن تجزم أنك وحدك الا وهي معك ، الجميع يتحفظ ، صورة لظل ليس له جسد ...
ثورة : هذا أقل ماكنت أتوقعه ، ان لعنة اللقطاء تطاردها حتى الموت ، سترون ذلك ..
الأم : لقد انتهى كل شيء ، لن يكون لها المكان بيننا أبدا ، قالها الأولون ًالمربي اليه ربي ً هي ذبحت الكلب لا تسلخيه أنت .
ثورة : كنا نحنو على أفعى ، لم أكن أكرهها الا لسواد أفعالها ، انظرو الى ذلك الأبله ، أراد أن يتزوجها ، كم كنت غبيا وساذجا ، وهكذا يعيرون أبناءك بأولاد اللقيطة
الأب : يتزوج من ؟
ثورة : يتزوج خضراء
الأب : خضراء ؟! .. هذا هراء كيف يحصل هذا في بيتي ؟! لماذا أنا آخر من يسمع في هذا البيت ؟
الأم : هون عليك يا حاج مجرد كلام أطفال ، لم يكن من الأهمية بمكان ، وأنت يا ثورة كفى !..لا تزيدي .. كفي عن أذى أخيك
كريم : سأبحث عنها لعلها تكون عند عمي بامبرا
الأم : لا تحاول يا بني ، انها كابوس العائلة وانزاح ، دعنا منها ..فقط لا أريد أن يسمع أحد بهذه الفضيحة ... خضراء سافرت
ظهر نوع من الارتياح على وجه الأم ، كأنها أحطت رحلا ثقيلا ، نسيت جرحها وهمت بالوقوف ، فأعادها الألم الى وضعيتها ، تنهدت وهي تنظر الى السقف وهمهمت ، وأخيرا جاءت النهاية وبتكلفة أهون ...
كريم : ماذا تقولين ؟
الأم : لا شيء أراحنا الله منها
نظر اليها كريم مستغربا كيف تحولت أمه بين عشية وضحاها الى وحش لا يرحم ، ماكان يظن أن أمه تحمل كل هذا الكره لخضراء
الأب : اتركوها ترتاح قليلا ، لقد تعبت كثيرا ، أما تلك اليابسة ، يعني بها خضراء ، فالى الجحيم
انصرف الجميع وبقي كريم ، ولما استوت أمه على فراشها ، وضع على صدرها الغطاء ، وهمس في أذنها قائلا ...
لماذا كل هذه القساوة يا أمي ؟!.. لماذا كل هذا البغض ؟! لماذا ؟ لماذا ؟
الأم : كم أنت طيب يا كبدي ، ليت الناس كلهم كريم ، يسامحون مثلك ، ولكن هيهات هيهات يا بني الدنيا آكل ومأكول ...
خرج كريم يجر الخطى ، وهي تنظر اليه بعين الشفقة ، تنهدت وقالت .. من أجلك ، ومن أجلها ، ليس لي خيار آخر ، لعل هروبها يكون قد حمل معه كل الافتراضات المأساوية التي كانت من المحتمل أن تصيب هذه العائلة ..
وصلت الشاحنة الى محطة الوقود ، تزودت ثم انطلقت ولا يزال السائق يلتزم الصمت وأحست خضراء بنوع من الحرج وهي تنظر الى صاحب المعروف الذي وضعته في قفص ، وبدى على وجهه الانهزام وشعرت في نفس الوقت بقوة تدفعها الى خوض المغامرة بكل ثقة ومواصلة الطريق ، لعلها تكون قد تزودت هي كذلك بعزيمة أقوى ..
الآن انهما على مشارف مدينة أروان ، هذه المدينة الساحلية التي سلبت بشوارعها ومحلاتها وساحاتها ، ومآثرها التاريخية ومراكزها الثقافية وشواطئها الذهبية ، سلبت بهذا الارث الذي تركه الاستعمار الفرنسي عقول مريديها ، هنا ، في هذه المدينة كل منشغل بنفسه ، هنا تذوب كل الفوارق الا فوارق العلم والمال ، لكي تعيش هنا يجب أن تندمج ، ويبقى هذا الوجه الظاهر لهذه المدينة العريقة التي تعاقبت عليها عدة حضارات واحتوت مختلف الثقافات
من هنا تبدأ رحلتي ، هكذا قالت في قرارة نفسها .. لا يزال شيء من الخوف يدفعها الى التردد ، الا أن الأمر قد تجاوز حد التراجع ..
سأعيش الغربة ، أستنجد بالعيادات ولا شك سأجد عملا ، ولا ربما في المستشفى ، لا أحتاج الى سكن .. المهم سأكافح من أجل البقاء ولو بالانحراف ، ليس لي من ألام عليه ، لا ، لا يا خضراء ، سيحميك الرب وليس لك سواه ، ومن بعد ، ذنبي على من أوجدني وضيعني ، سأحاول ..
السائق : ها نحن في مدينة أروان ، مدينة اللهو والطرب والخمر والنساء ، هنا يا آنستي يتنفس التاريخ بثقافاته المختلفة ، ترين موزايك من البشر حسب الأصول ، الروماني ، والبربري ، والبيزنطي ، والتركي ، والعربي ، والفرنسي ، والاسباني ، واليهودي ، و ، و ... كلهم محسوبون على العرب الا القبائل لا يزالون رومان وانظري الى فيزيولوجيتهم بالمقارنة ، الأفارقة يتميزون بالشفاه الغليظة و أنوف عريضة ، المصريون مثلا رغم أنهم بيض الا أنهم أقرب في الوصف الى أغلبية الأفارقة ، أما القبائل هم من بقايا الضفة الأخرى ، ولا يزالون لأنهم لم يندمجوا ...
كثيرة هي الأشياء التي ستكتشفينها خلف الممارسات الغريبة ، مثلا العبيد لايزالون في رقصاتهم الفولكلورية يستعيدون ظاهرة الجلد ، سجلها التاريخ بهذه الطريقة على شكل شطحات روحانية الى يوم الدين ...
دخول البيض معهم تكفير عن هذا الذنب واقتصاص
انها مخلفات الأمم التي مرت من هنا وشكلت النواة الأولى لكيان جديد ، يجمعهم في آخر أعمارهم عند سن التقاعد الاسلام ، انه العربة الأخيرة في قطار الحياة التي تنقل الى القبر ، فلا تتعجبي ، ربما ترين أشياء أخرى وتكتشفين عوالم خفية وطقوس أغرب من الخيال ، فلا تتعجبي ، انك في مدينة أروان ....
خضراء : لأول مرة آتي الى هنا
السائق : اذن كوني حذرة ، هنا يعروك والبوليس ينظر ولا ينقذك أحد ، لأن ماوراء نجاتك فائدة ، واذا كانت باريس مدينة الجن والملائكة ، فمدينة أروان مدينة الجن فقط ، منهم ومنهم وقليل ما هم ...
ستتذوقين التاريخ وتستلذين معانيه وتتحولين من المحافظين ، فاذا كنت من أصول افريقية هنا تستمتعين بذلك ، فأنا مثلا من أصول تركية ، لا نزال تركيبة أساسية في هذا البلد .
على كل حال اسمي سلطان ، تحصلت على شهاد الليسانس في التاريخ من جامعة الجزائر ، وأعمل كسائق في سوناطراك لأنني أحب السفر ، وأحب المال ... ربما يجمعنا الطريق مرة أخرى ونعزف حينها على وتر واحد .
توقفت الشاحنة وقال السائق : لا يسمح لمثل هذه الشاحنات بالدخول الى المدينة ، لا بد أن تنزلي هنا ، هذا أقرب مكان لوسط المدينة ، هناك النقل بأنواعه لكل وجهة تريدين .
لم تجد خضراء ما تكافئ به السائق ، فأهدته ابتسامة خاصة جمعت فيها كل معاني الشكر والامتنان ، نزلت ولما استوت واقفة على الرصيف ، نزعت خاتمها ومدته اليه
خضراء : خذ ، انه من الذهب الخالص
فنظر اليها ، هز رأسه ، ابتسم وتحركت الشاحنة بكل قوة ، أعادت خاتمها في اصبعها ومسرعة ارادت أن تمر الى الرصيف الآخر ، وبمجرد ما ظهرت خلف الشاحنة ، فاذا بسيارة قادمة بسرعة جنونية ، اراد السائق أن يتحاشاها فاصطدم بسيارة اسعاف قادمة من الاتجاه المعاكس وارتطمت بهم سيارة الشرطة التي كانت تطاردها ... كوم من الحديد ولحوم البشر ، لم ينج في الحادث الا خضراء ، نقلت الى المستشفى في غيبوبة تامة ، وضعوها في غرفة منعزلة تحت حراسة مشددة ...
كان النوم برزخيا عميقا ، فضاء أزرقا ، لا بداية له ولا نهاية ، مجرد من الاتجاهات ، ضياع ، سباحة في عمق الماء دون مقاومة ، سكون مطلق حيث يتوقف مفعول الشعور واللاشعور ، يندمج فيه الأنا والذات بالفراغ ، انه اللاشيء ، انه الذوبان والفناء ، كأن هذا الجسد وجد ضالته ، اغتسال وتطهير من الماضي وموت السؤال ...
فجأة هبت نسمة هواء ، ثم أخرى ، وبدأت الأشياء تتشكل ، تتركب ، والحواس تستعيد وظائفها ، وقد تلقى الجسد البارد نفحة من دفء الحياة ، انه يعود من بعيد ، من عمق السفر الآخر
خضراء : آآه .. آآه .. آآه
الشرطي : ألو .. ألو .. سيدي المحافظ ، لقد استيقظت المتهمة
الممرضة : لم تستيقظ بعد ... لقد خرجت من الغيبوبة فقط ، ولا تزال تحت تأثير الصدمة ، لا ندري كيف تكون حالتها النفسية ، على كل حال لن يراها المحافظ قبل الطبيب .. أنصحك أن تبقى أمام الباب
الشرطي : أبدا ، عندي أوامر ، لن أبرح هذا المكان
خرجت الممرضة ، وبعد هنيهة عادت ومعها الطبيب ، جص نبضها ، تفقد الأجهزة ، ابتسم ونظر الى الممرضة ، ابتسمت ، ولما هم بالانصراف دخل المحافظ
المحافظ : آه ، دكتور .. خرجت من غيبوبتها ؟
الطبيب : لا ، لا تزال تحت تأثير الصدمة ، لم تخرج بعد من مرحلة الانعاش
المحافظ : اني في سباق مع الزمن يا دكتور ، والوضع لا يخدمني
الطبيب : لا أسمح لكم بأي سؤال قبل نهاية مهمتي واخراجها من دائرة الخطر
المحافظ : لن نكون ثقلاء ، سؤالين أو ثلاث
الطبيب : أبدا ، انها تحت مسؤوليتي
المحافظ : أي مسؤولية هذه التي تخدم المجرمين
الطبيب : تعالى معي الى المكتب ونتحدث
فراغ كبير يحيط بها ، كأنها ريشة تسبح في الفضاء ، دوران في الرأس ودافع للقياء ، وأوجاع مع كل نابض ، رائحة غريبة تملأ المكان كأنها تخرج من جوفها ، شبح أبيض تتشكل ملامحه وتختفي خلف الضباب ، رويدا رويدا ، تقوم بمجهود أكثر ، تقاوم ، بدأ يتبدد ، ينقشع ، ويظهر وجه امرأة تبتسم ، نعم انها شابة جميلة بلباس أبيض ، يحول الدمع بينهما ، أغمضت عينيها من شدة الألم ، أرادت أن ترفع يدها ، آآه .. آه ..ماء .. ماء
سقطت قطرات على شفتيها الذابلتين ، تلعقهما وتبتلع بصعوبة ، قطرة أخرى ، ثم أخرى ..
خضراء : أين أنا ؟
الممرضة : أنت في المستشفى ، لا تخافي لقد تجاوزت مرحلة الخطر ، لا تتكلمي كثيرا حبيبتي ، ولا تتحركي حتى لا ترهقي نفسك أكثر ، أغمضت عينيها من جديد واختفت ملامح الحياة ، في نوم عميق .. جصت نبضها ، الأجهزة تعمل عاديا ، ليس هناك أي اشارة لخطر ما .. انه الارهاق فقط..
أغلق الطبيب الباب ، وجلس ودعى ضيفه للجلوس فأبى قائلا
المحافظ : ليس الوقت للجلوس والحديث ، أنا بحاجة الى تصريحات ، الوقت يداهمني يا دكتور ، تعقل قليلا
الطبيب : عندما تنتهي مهمتي وتخرج المريضة من دائرة الخطر
المحافظ :المجتمع كله في خطر ، هذه العصابة ان تمكنت من الفرار ستكون ضحاياها بالآلاف ، يستحيل الانتظار أكثر
الطبيب : هب أنها ماتت
المحافظ : كنا نحول اهتماماتنا الى اتجاه آخر ، وحتى الآن هي أقرب الى الحقيقة من غيرها
الطبيب : أنت يا سيدي لا يهمك الا التحقيق ، انها مهمتك ، تريد أن تقوم بها على أكمل وجه ، ورغم كل الصعوبات يبقى لك هامش التحرك واسعا ، أما نحن فليس لنا الخيار، تهاون بسيط وينتهي كل شيء ، اننا نتحدى الموت يا سيدي ، أرجوك لا تحاول ... ومن يدري لعل المتهمة بريئة
المحافظ : ينظر اليه بازدراء .. سآتيك بأمر من النيابة ، مهما كانت نتيجة عملك ، لن تنجو من حبل المشنقة ، وسأتشرف على ما يبدو أن أضعه حول عنقها ، وان ماتت قبل ذلك ، ستدفع أنت الثمن غاليا ..
الطبيب : ستكون مهمتك صعبة للغاية ، يمكن مستحيلة
المحافظ : سنرى ، سنرى ..
خرج المحافظ وقبل أن يغلق الباب ، نظر الى الطبيب ، تبسم وانصرف بكل هدوء ..
الشرطي: سيدي المحافظ لقد تكلمت مع الممرضة
أدخل يده في جيبه ، ينظر الى الممرضة وهو لا يزال يبتسم
المحافظ : تكلمت ؟
الممرضة: نعم .. تكلمت
ولما رفعت بصرها كأنها تراه لأول مرة ، كان وسيما ، تتطاير شرارات الرغبة من عينيه وهو يقترب ، انه فارس الحلم الذي كان يجوب أفق أحلامها منذ زمن بعيد ... سحرها واستسلم كل شيء فيها كأنها سادية
المحافظ: تكلمت ؟ ماذا قالت ؟ ..
لا تزال تنظر اليه ، خدرها بنظرته الثاقبة وانتصرت خشونته الممتزجة بالرقة المصطنعة على تلك الرقة والروح الملائكية ، تنظر الى شفتيه وهي تتحرك ، انها تقول لها ما تريد وبدأت ابتسامة الاستسلام تكتسح وجهها وترسم على المحيا الشغف والاعجاب ، تنبه المحافظ لذلك وحول ذلك التيار الى عمق الشجون الرومانسية فبهتها .. وقال : أتعبناك معنا أيتها الجميلة ، تحملي خشونتنا ، هي الظروف فقط ، لسنا كما تتصورين ، فقط نخفي مشاعرنا ورقة قلوبنا وراء نصوص القانون ، وأحيانا أمام مثل هذا الجمال تخترقنا الابتسامة وتدرك العمق .. نحن ملزمون برفع التحديات .. ساعديني أرجوك .. وضع يده على كتفها فارتعشت وهمت أن ... ثم قالت :
طلباتك أوامر ، سأخرجها من هذا السكوت عن قريب .. كان صوتها قد غشيته بحوحة وارخت حباله..
الممرضة : أرجوك ، لا تخبر الطبيب ، هذه من أسرار المهنة ..
أخرجت هذه كلمة من عمق المكر ،نظر اليها و ابتسم من جديد
المحافظ : هذا رقم هاتفي الخاص ، انني في انتظارك ، شد على يدها بكل قوة ، نظر اليها بعمق ، أكد في سريرتها موعدا ، وانصرف كعادته بكل هدوء ، كانت الممرضة تتبعه بنظرتها كأنه الشمس نحو الغروب ، ترسم في أفق عمرها كل معاني الرومانسية ودخل قلبها في غيبوبة تامة وما هي الا لحظات حتى دخل الطبيب
الطبيب: كيف حال المريضة ؟
الممرضة: آه .. نعم .. نعم .. إنها .. لا تزال ...
الطبيب: لا تخشي شيئا ، عمل الشرطة مروع ، ومعاملتهم خشنة ، ولكن علينا أن نعلمهم كيف يحولون خشونتهم وعنفهم رحمة في خدمة الإنسانية ، عند الأمم المتحضرة ، الشرطي أرحم وأرق من الطبيب ، الشرطي يا بنيتي في الأمم المتحضرة هو ذلك الجراح الماهر وهو يعالج مجتمعه ، لا جلاد سعيد بقطع الرقاب، والقانون عند الأمم المتحضرة يشرع للمساعدة على العيش الكريم والسلام والحرية والأمن والأمان ، ليس موادا لاضطهاد الأمة وذلها واستعبادها ، ان غاية القانون صنع الجنة فوق الأرض ، ولا يعذب بالنار الا رب النار ... نحن نحيي الناس ونمنح لهم الحرية ،هنا تنتهي مهمتنا ومهمتهم تنتهي في السجن أو تحت المقصلة ، نمنح الحياة وهم يمنحون الموت ، وما أكثر أخطائهم والتاريخ يشهد .. القانون لا يرحم إلا الأقوياء ، والا كان كتابا منزلا ...
فالنكن مدرسة لهؤلاء الذين يلهفون وراء الدرجات على جثث البؤس ، انهم بحاجة الى جرعة عاطفة وكثير منهم نشأ محروما من أدنى لمسة ... وأنت أعرف بهؤلاء ...
الممرضة: بحكم عدم التجربة كان الامتحان اليوم عسيرا ، لم أتعود على هذا النوع من المعاملات ، على كل حال المحافظ يظهر عليه طيب ومتفهم
الطبيب: الا معك أنت ، أما معي فكان العكس تماما ، مثل الوحش الذي حيل بينه وبين فريسته ، انهم يتدربون على ذلك ، لا يتركون للعواطف مكانة في نفوسهم ، الذي يعمل في الأمن يبيع أمه وأبوه من أجل ترقية أو رتبة أو حتى كلمة شكر ، لو تعلمين كيف يتعامل الشرطي السويسري والانجليزي والسويدي مع مواطنيه لا تصدقين .. وشتان ما بين يد انسانية حتى اذا ضربت تضرب برفق ، ويد من حديد ..
سكت الطبيب بعد أن تنهد وكأنه يجتر كلماته ، هز رأسه وقال :
ستخرج الليلة من غيبوبتها نهائيا ، بدأت تتحسن بسرعة ، ابقي بجانبها ، سأتغيب الليلة ، يخلفني دكتور آخر ربما الدكتور مراد ، ذلك الشاب الوسيم ...
الممرضة : حسنا ، سأفعل
انصرف وعاد الوضع في نفسها على ما كانت عليه ، ترتبت الأمور ولم يبق سوى هيامها بالمحافظ ، فقررت أن تعمل كل ما في وسعها لإرضائه ... كان الهاتف في الرواق فأسرعت
الممرضة: ألو ، أنا الممرضة ، ستخرج من غيبوبتها الليلة ، أنتظرك بعد منتصف الليل ، كل الظروف مهيئة ..
غربت شمس ذلك اليوم بصعوبة ، أرهقت يد الأمل التي كانت تدفعها .. كان المحافظ في الموعد متبوعا بمساعديه
المحافظ: كيف حالها ؟
الممرضة تكلمت معي ، شربت الماء ، وسألتني أين هي وماذا حصل ، وعادت الى نومها ولا تزال
المحافظ: هل تجاوزت مرحلة الخطر ؟
الممرضة: على ما يبدو ، ستخرج نهائيا من غيبوبتها الليلة ، هكذا قال الطبيب الذي سيكون غائبا كل الليل ، يخلفه طبيب آخر جديد ، تخرج منذ عدة سنوات وعانى ما عانى من البطالة ، انه طيب فوق اللزوم .. يمكنك أن تبقى بجانبها انها فرصتك
المحافظ : لا أنسى لك هذا أبدا
قال هذا وهو ينظر الى خضراء وكأنه ينقش صورتها في ذاكرته ... لم تعثرو ا على أي بطاقة أو ورقة تثبت هويتها ؟
الممرضة: لا ، لا أظن
جاءت بجانبه تزاحمه المكان وتؤكد النفي
المحافظ: هكذا تعمل هذه العصابات اللعينة ، انها من احتياطاتهم الأولية
الممرضة: بدأت أعيش القصص البوليسية التي كنت أقرأها في الكتب وأراها في الأفلام
المحافظ: الواقع أكثر استغرابا وأفضع ولهذا يجب معالجة المرض بالسم
الممرضة: كل الأمراض ؟ حتى مرض القلوب ؟!! انني أتصور دائما الشرطي بدون قلب ، مجرد من العواطف ، بل أكثر من ذلك ..
المحافظ: قولي آلة
الممرضة : حاشاك ، يقولون أنكم تعتمدون على النظرية التي تقول أن المتهم مجرم حتى تثبت براءته ، أما عند الأمم الأخرى فالمتهم بريء حتى تثبت ادانته ، وحتى في القانون الفرنسي القديم الذي هو المصدر الأساسي للمشرع عندنا ، المتهم بريء حتى تثبت ادانته ، و بهذا ما أخذتم من القانون الفرنسي الا ما تجاوزه العصر ، و ما اسقطته التطورات
المحافظ :هذا فيه شيء من الحقيقة، نحن اليوم نعيش تقريبا المرحلة التي كانت تعيشها فرنسا بعد ثورتها ، و بنفس العقليات ، لا نستطيع أن نسابق الزمن و نتعدى الوضع الراهن ، لكل زمن نصوصه ، و اجراءاته ، شعبنا لم يصل درجة الوعي و النضج الذي يفرض علينا أن نشرع له ما تشرع فرنسا لشعبها اليوم مثلا ، جرعة واحدة من الحرية و يبتلعنا بنكرانه و جحوده ، و تجربة التسعينيات أكبر دليل ، ان مجتمعنا يحتاج الى مدة طويلة تحت قيادة قوية تسيره بالوصاية حتى يبلغ رشده ... لا زلنا نعيش نقصا فضيعا و رهيبا في ثقافة العصرنة و و التفتح و قبول الآخر واحترام الحرية الفردية و الحرية الجماعية ، فالجماعة عندنا أشرار ، و الحرية مقيدة ، و الحكم شمولية و استبداد تحت أسماء و مصطلحات الغواية و الغرار ، هذا هو مفهوم المعارضة عندنا ، فكيف يمكن أن نحكم شعبا بهذا التفكير ؟..عندما تزول هذه الظواهر تزول معها هذه القوانين ، لأنها تظهر بحق أنها جائرة ، أما اليوم لا أظن ذلك ، والثورة الفرنسية حررت كل الدول الأوروبية ، و كانت نموذجا عملت به هذه الدول واستطاعت أن تخرج من دائرة التخلف و الانحطاط ، فلماذا لا نعمل به نحن ، هل نحن مثلا أفضل من هذه الدول ؟..
الممرضة: انكم وبكل احترام تحسنون فلسفة المراوغة و الفخوخ لاسقاط طريدتكم ، أكثر من ذلك أنتم متميزون ، فلماذا يقال أن السجون مليئة بالأبرياء و لا يدخلها أصحاب المال و الجاه و النفوذ ، بالعكس ألغيتم الجرائم الاقتصادية التي حطمت البلاد و فتحت الأبواب على مصرعيها للسلب و للنهب و التبذير و احتكار المناصب والتعسف في استعمال السلطة ...
المحافظ: أتريدين من أن نقطع أيدي الجميع ؟
الممرضة : عندما نسمع بسرقة 3200 مليار دينار مثلا بعقوبة سبع سنوات ، لا نرى أشرف من مهنة السرقة و أرحم من السلطة..
المحافظ :نحن لا ندعي الكمال ، و هذه أشياء موجودة في كل الدول ، و المثل الفرنسي يقول ...ليس الممنوع أن تسرق و لكن الممنوع أن يكتشف أمرك ..
قالها و هو يضحك ، و كأنه يريد أن يضع حدا للنقاش ..
الممرضة : أنا لا أصدق أن الشرطي يحب بصدق ، القلب الرحيم لا يملك يدا من حديد
ألمحافظ: هل هذه عقدة أو حساسية اتجاه الشرطة ؟..
الممرضة بكل خبث : انك تؤكد نظريتي
المحافظ : ماذا تعني ؟
الممرضة : أنظر ، انها تتحرك ، انها تريد أن تقول شيئا ...
وضعت يدها على جبينها و قالت بلطف : انها تتحسس
المحافظ : يجب أن تستيقظ ، يجب ..
الممرضة: لا تقلق ، ستفعل ، فقط التزم الهدوء ، انك في مستشفى
المحافظ: لا أحسن الانتظار في مثل هذه المواقف
الممرضة: عقولكم تشتغل ليلا و نهارا ، لا وقت للقلب عندكم ، جردوكم من كل المشاعر الانسانية .
المحافظ: لولا هذه الآلات البشرية كما تسمينها ، لما وجدت لحظة واحدة للعاطفة ، ولعاد عهد النخاسة و أنت الآن في الأسواق نشتريك بثمن بخس
الممرضة : كلمة حق تجاوزها الزمن..
المحافظ : حكم عاطفة
الممرضة: المرأة أنانية في الجانب العاطفي أكثر من الرجل ، آلية في الحب لا شعورية ، انها تقهر العقل لتحظى بالمستحيل ، في بعض الأحيان تدوس كل القيم لبلوغ ما تريد ، بل لبلوغ المستحيل
المحافظ: لو كنت في الجهاز الأمني لغيرت رأيك
الممرضة: هو الكيد والمكر ، انها الوجه الآخر للعصى والعفيون ، ألم يقال أن المرأة ملاك يسكنه شيطان ؟
المحافظ: هكذا نفيت وجود الرجل في كل المجالات
الممرضة: الرجل خلق من أجل المرأة ، وكل عظيم وراءه امرأة
المحافظ: وكل فاشل وراءه امرأة
الممرضة: بمكرها ودهائها ، وهذا جانب من الذكاء
المحافظ: العمل الأمني لا يميز بين الرجل والمرأة ، الذي يهمه هو النتيجة ، الحقيقة ، ولا تهمه حتى الطريقة
الممرضة: أعظم القضايا ماتت مع أصحابها والمجهول المصطنع لا يزال يفرض نفسه ، أنتم من حول الحقيقة الى قضية فلسفية مبنية على النسبية ، هكذا حولها رجال القانون مثلك ...
يقال اذا أعدت بناء بيتك وجدتها لا تزال مجرد كلمات متراصة في جدران
المحافظ: لا تزالين في النظري
الممرضة: انه مجال العقل والحقل العذري
المحافظ: مجرد فلسفة
الممرضة: أم العلوم يا سيدي
المحافظ: كانت أما ، أما اليوم الكمبيوتر بدأ يفكر
الممرضة: وهكذا فرضت الآلة نفسها على المشاعر .. انها نهاية الروح الانسانية
المحافظ: انها السيطرة المطلقة على الأشياء ، وتسخيرها للوصول للحقيقة المطلقة ، الحقيقة التي أتعبت الانسانية عبر أحقاب التاريخ
الممرضة: نتمنى أن لا تجردنا هذه الحقيقة من عواطفنا
المحافظ: لا تخشي شيئا ، قريبا سيصل العلم الى صنع الآلة التي تبكي وتضحك وتحزن في مكان الانسان
الممرضة: وتحب وتكره ، وتنام .... أليس كذلك ؟
هيا يا سيدي هناك غرفة في الخلف باستطاعتك أن تمتد فيها قليلا ، الليل لا يزال طويلا والكلام لا ينتهي ، فاذا حدث جديد أيقظتك ... اتبعني ..
فتحت الباب أوقدت المصباح وقالت :
تفضل سيدي ، النوم أفضل مهدئ للأعصاب
المحافظ: نصف ساعة فقط
امتد على السرير ، وقفت أمام الباب ويدها على الزر ، أطفأت الضوء ثم أوقدته ، أغلقت النافذة ، وقفت على رأسه
المحافظ: لست مريضا
ضحكت وقالت بمكر .. ما فحصتك بعد ..جلست على حافة السرير ، مالت عليه ... لم يحرك ساكنا ، قامت ، أطفأت المصباح وأغلقت الباب وذهبت ... هل خفق القلب في غير محله ؟ هكذا قالت ، ما أبشع الخطأ العاطفي وما أتفه العبثية ...
كانت حينها المريضة قد فتحت عينيها ، تحاول أن تتعرف على هذا المحيط الذي بدى لها غريبا ، لا تستطيع أن تتذكر شيئا ، تترادف عليها الأسئلة ، وبدأت الحيرة تتشكل على ملامح وجهها وهي تنظر الى الممرضة ...
الممرضة: سلامتك
المريضة: ماذا حدث ؟
الممرضة حادث مرور
المريضة: حادث مرور ؟.. لا أذكر !
الممرضة: ما اسمك ؟
المريضة: اسمي ؟ .. اسمي ؟
بهتها السؤال ، انفتح فمها ، وأخذت تنظر اليها ، فاضت عيناها ، انها تختنق ، كانت يدها مقيدة في السرير ، بدأت شفتها ترتعش ، أرادت أن تصرخ وخانها النفس ، فحولتها أنين
الممرضة: أنا ممرضة ، لست شرطية ولا محققة ... يجب أن تقولي ما اسمك وعنوانك حتى نبلغ أهلك ...
تركتها وذهبت لتوقظ المحافظ ، وقف عند رأسها ، رسم بسرعة ابتسامته الماكرة ، وضع يده على جبهتها وانحنى عليها بكل حنو ، يصطنع الرفق ,قال :
أنت الآن أحسن
المريضة: تهز رأسها
المحافظ: ماهي الا أيام وتعودين الى بيتكم ، بالمناسبة أعطينا عنوان بيتكم حتى نتصل بأهلك
أخرج كناشا وقلما واستوى قاعدا أمامها ينتظر الاجابة
ما اسمك ؟
تنظر اليه المريضة بعيون الحيرة ، غريب انها لا تعرف اسمها ، تتساءل يستحيل أن لا يكون لي اسم ، تنظر الى الأجهزة الطبية ،أشياء كثيرة مبهمة تدور في خلدها
المحافظ: نحن نعلم أنهم أقحموك وغرروا بك .. وما أنت الا ضحية أولئك الأشرار ، ولهذا نعول عليك لمساعدتنا للقبض على هؤلاء المجرمين ، الذين أفسدوا البلاد والعباد ، تعاونك معنا يمكن أن يكسبك البراءة ، فحاولي
المريضة: أين أنا ؟ ومن أنتم ؟ لماذا هذا العذاب ؟ ماذا فعلت لكم ؟
انه الضياع ، انه التيه والاحباط ، تحاول فك يدها ورجليها ، تريد أن تنتفض وتقطع هذه الخيوط التي تربطهما بحبل الحياة ... لا تقدر .. تستسلم ...
أتوسل اليكم ، اقتلوني ، أريحوني ، أرحموني ، أرجوكم ، لماذا تعذبوني ... ماذا فعلت لكم ؟
وبدأت الأجهزة تسجل الاضطرابات والتأثيرات السلبية ، و إشارات الخطر تتزايد
الممرضة: أرجوك سيدي ، كفى ...
مذعورة ، تترجى المحافظ وتتوسل اليه للخروج
المحافظ: هذا الانكار الكوميدي لا يخدمك يا آنسة ، من الأفضل لك أن تعترفي ، الأمر ليس بالبساطة التي تتصورينها ..
فاضت عيناها بالدمع وخنقتها العبرات وأنين الوجع ، تمتخض وكأنها تحت صدمة كهربائية ، وتيقنت الممرضة أن المريضة دخلت مرحلة الخطر ، فبدأت تترجى المحافظ كي يتوقف ولكن أسر على متابعة الاستجواب وكأنه يدفعها الى الموت
فقالت : سيدي المحافظ ، اما أن تخرج واما أنادي الطبيب ، ما اتفقنا على هذا أبدا ، الرحمة يا سيدي
- ماذا يحدث هنا ؟
المحافظ : أنا محافظ الشرطة
- مرحبا بك ، وماذا تفعل هنا ، وفي هذا الوقت ؟
المحافظ: أستجوب المتهمة
-هل أذن لك طبيبها بذلك ؟
الممرضة: لقد خرجت من غيبوبتها وقد تجاوزت مرحلة الخطر ، لا أظن أن هناك مانع ...
-هل أذن الطبيب بذلك ؟
الممرضة: لا ، يا سيدي
- سأحيلك على مجلس التأديب وأنت موقوفة عن العمل ، وأنت يا سيدي المحافظ ، عليك بالانصراف حالا ، أنظر المريضة تعاني من وعكة خطيرة ، اتركوني أقوم بواجبي ... هيا ، أرجوك سيدي ..
المحافظ: هذه سابقة خطيرة ، ستكلفك الكثير
-يا سيدي مهمتنا انسانية نتحمل بكل مسؤولية تبعياتها ، عودة المريض الى الغيبوبة أخطر
المحافظ: لا يهمني ، هذه مجرمة تنتظرها المشنقة ، ستعترف بالرغم عنها ، أما أنت ستدفع الثمن غاليا
-أنظر الى حالتها تتدهور شيئا فشيئا .... من فضلك اتركنا نقوم بواجبنا .. موتها لا يخدمك ، أعرف ذلك .. كفى أرجوك
المحافظ: ولا كلمة ! .. رفع يده في اتجاه الطبيب ، ثم أنزلها وخرج يسب الرب والدين، ولما اختلى بها ، أغلق الباب ، وجلس أمام سريرها يسألها :
ما اسمك ؟
المريضة تنظر اليه
-أنا صديقك ، كيف دخلت الى العصابة ؟ أين الحقيبة ؟ لا تزال المريضة تنظر اليه ، كانت الصدمة أكبر من أختها ، وضع الخنجر في رقبتها وقال لها :
من أنت أيتها اللعينة ؟ قولي والا قطعت رقبتك ، تنظر اليه ، تهز رأسها يعني افعل ، تترجاه بعينيها ، افعل ... هو كذلك موتها لا يخدمه
-سأعود اليك في وقت آخر ... لن تفلتي من يدي ، احسبي لي ألف حساب ...
خرج ، وكأن الأرض ابتلعته ، وماهي الا دقائق حتى عادت الممرضة يتبعها رجال من أمن المستشفى
الممرضة : ماذا قال لك ؟
المريضة : نفس الذي قاله لي الطبيب الأول ، ما اسمك ؟ كيف دخلت الى العصابة ، وأين الحقيبة ؟ وأراد أن يذبحني بخنجر كان في جيبه
الممرضة : ماذا قلت له ؟
المريضة : أقتلني ، ستريحني ، فانصرف ، وقال سيعود في وقت مناسب ، هددني.
خرجت تجري الى الهاتف
الممرضة : سيدي المحافظ ، لقد خدعنا ذلك الرجل الذي ادعى أنه طبيب ، انه شخص مجهول .. ألو .. ألو .. سيدي المحافظ .. هل أنت تسمعني ؟
كان المحافظ حينها يعيد قراءة المعادلة ويرتب احتمالاته الجديدة ..
المحافظ : اني أسمعك ، انتظريني ...
قطع المكالمة وقصد المستشفى
المحافظ : اذن ذلك الرجل ليس الطبيب ، ومن تتوقعين أن يكون ؟
الممرضة : أنا ؟ أتوقع ؟ وكيف لي أن أعرف ؟
المحافظ:أنا ما قلت تعرفين ، قلت تتوقعين
الممرضة : هل أنا متهمة بالتواطؤ مثلا ؟
المحافظ: انك تقولين أشياء خطيرة يا آنستي
الممرضة : أقسم ..فقاطعها قائلا ..
لا ، لا ، أبدا .. فقط ، لا يعقل أن أقدم ممرضة في المستشفى لا تعرف كل الأطباء ..المهم ، سنعود الى حديثنا هذا في الوقت المناسب أما الآن ... ماذا قال لها ذلك المجهول ؟
روت له كل التفاصيل وتأكد من المريضة التي كانت ترد بالاشارة ، كانت حالتها متدهورة جدا ... نظر الى الممرضة ابتسم وخرج ..
الممرضة : أرجوك ساعديني ، أنا الآن في ورطة ، قولي أي شيء ، على كل حال لن تخسري شيئا ، لأنه لم يبق لك شيئا ، الشرطة تعرف عنك كل شيء ، تعرف أنك تابعة لعصابة خطيرة ، وأنك عضو فاعل ونشيط ومتميز ، أفحمتيهم نجوت عدة مرات من الاعتقال بأعجوبة ، ولولا الحادث ما كان يكشف أحد عنك شيئا ... لا شك أن نهايتك حبل المشنقة ... نعم المشنقة ... أنت مجرمة ... مجرمة ... مجرمة ..ماذا ستستفيدين من سكوتك ؟
حينها كانت المريضة في طريقها الى غيبوبة أخرى ، فأرادت أن تهزها ولكن يد الطبيب كانت أسرع ، فأمسكها وأخرجها من الغرفة بكل هدوء ، وعاد يتفقد المريضة ، فحص عادي ، أمر ببعض الحقن ، أعادها الى وضعيتها العادية بمسكنات ولما هم بالخروج دخل المحافظ
المحافظ: أظن أن مهمتك انتهت يا دكتور ، ها قد جئت بأمر من النيابة لاستجوابها
الطبيب : هي لك ، تفضل
تقدم المحافظ فوجدها في غيبوبة تحت رحمة الأجهزة الطبية ، تراجع بغيظه يصبه على الطبيب ، ترك له استدعاء رسمي وخرج
نظر الطبيب باشمئزاز الى الممرضة ، أمر بأخرى لتمريضها وخرج ، بعد نهاية الدوام مر الى القسم ، سمعوه وحرروا له محظرا وذهب ، في اليوم الموالي أتى بامرأة سوداء من قسم الولادة ، دخل على المريضة وقال لها :
أمك تريد أن تراك
المريضة : تنظر اليه والحيرة تملأ وجهها
دخلت المرأة تبكي وكأنها هي ، حضنتها برفق وهي تسألها :
ماذا جرى لك يا بنيتي ، ماذا جرى ؟ من فعل بك هذا ؟ وكيف ؟
لماذا لم تخبريهم ليتصلوا بنا ، بحثنا عنك في كل مكان ..
لا تزال المريضة تنظر الى المرأة ، في حيرة ... وتنظر الى الطبيب
الطبيب : انتهت الزيارة من فضلك ، عودي اليها في المساء أوبعد الدوام ، المهم أنك تعرفت عليها ... لا تزال تحت الصدمة ..
المرأة : سنأتي جميعا في المساء ، هوني على نفسك يا بنيتي ، ارتاحي ...
خرجت المرأة السوداء ، ولا تزال المريضة في عالم آخر ، في غربة ، في دنيا أخرى ليس لها أول ولا آخر ، كأنها ولدت من جديد ...
الطبيب : ماذا بك ؟
المريضة: لا أعرفها يا سيدي ... وانفجرت بالبكاء .. أنا لا أعرف هذه المرأة ... لا أعرف أحدا .. بل لا أعرف حتى نفسي !!! أرجوكم ارحموني
تيقن الطبيب من الأمر الذي كان يشك فيه ، هز رأسه بأسف ، تنهد ، و لما هم بالآنصراف تذكر..
الطبيب : تابعوا نفس العلاج ، بعد أسبوع سنحولها الى القسم المختص ،اذا جاء المحافظ اتركوه يستجوبها ، لقد تجاوزت مرحلة الخطر.

الفصل الثاني




دخل كريم الى غرفة خضراء ، لا تزال صورتها فوق الطاولة تحتفظ بتلك الابتسامة النابعة من عمق البراءة ، تتحدى الراهن ،تملأ بنظرتها فضاء النفس ، أخذها ينظر اليها بعيون الشوق الهمعة ، تعيده الى سن الطفولة ، الى قهقهتها ،غنجها ،دلعها ، صوتها الجميل و هي تنشد ، رقطاتها ،تمايلاتها و هي تمشي ، كيف كانت تجري و تختفي خلف الأثاث و تحت الأسرة ، كانت تملأ البيت بالحياة ،حتى العمة نونة اخترقت سكونها ، و كانت تقطف من ثغرها الابتسامات ، عندما كان يضربها ، تبكي ، فاذا صاح كالديك وانفظ بدراعيه غلبها الضحك ، فتمتزج في محياها الدمعة بالسرور ، لترسم أجمل و أروع صورة للبراءة و التسامح ، فاذا سألوها من ضربها تقول باستحياء و خبث ...ضربني زوجي ...فيضحك الجميع ...
لا يزال يذكر كل التفاصيل ، كانت تكبر بسرعة ، تشكلت فيها مظاهر الأنوثة الحالمة ، كأنها وردة تتفتح كل يوم أكثر و تزداد جمالا ...بعد المراهقة بدأ يكتسحها الشرؤد من حين الى حين ، و أمست تحب الاعتزال ، ازدادت جمالا واختفت حيويتها واندثرت قهقهتها و غارت بسمتها ...لا تعرف الفراغ ، من الثانوية أو معهد الشيه الطبي الى المطبخ ، أول من يقوم من النوم هي و آخر من ينام ، تخدم الجميع ، تهتم بالجميع ، و لا يذكرها أحد ، ما رأى أمه يوما حضنتها أو أرفقت بها ، في حين كانت أخته ثورة مثل الأميرة ، الآمرة في كل شيء ، أطيب الأكل اليها و أجمل اللباس لها ، وحدها لها الحق في النزهة و السفر و الذهاب الى البحر و المخيمات الصيفية ...خضراء لا تطلب شيئا ... الغريب في الأمر أنها لا تشتكي أبدا ، حتى عندما تمرض تختفي ، ولا من يسأل عنها ، وحده هو يذهب اليها و يشتري لها الدواء ، في عيد ميلادها هو وحده أيضا الذي يقول لها عيد ميلاد سعيد ، و يقدم لها هدية ، كان بهذا يستعيد لها شيئا من بسمة زمان ممزوجة بدموع أخرى ، تأخذها و تجري كالطفلة الى غرفتها ، الشيء الوحيد الذي كانت تحافظ عليه هو مظهرها ، رغم بساطة ملابسها ، كانت تظهر كعارضة أزياء ، تؤجج نار الغيرة في ثورة التي كانت مثل السلك ،بيضاء بلقاء و حديدية الوجه ، صورة طبق الأصل للأم بلسان أطول و أحد ، توقفت عن الدراسة في الطور الابتدائي لغياباتها المتكررة و تستر ألأم عنها فطردوها ...
الصمت هنا سيد الموقف ، لأن السكون يروي قصيد مآثر خضراء ، ينشدها الوجدان و يعزف لحنها ألم الفراق على ايقاع الزفرات المتتالية ...آآآه و آآآه ..لقد أخذت معها كل معاني الفء و نبضات الأمل ، حتى الساعة توقفت متحدية مسيرة الزمن لتسجل أثر ما كان هنا . لم تأخد من أمتعتها شيئا و هي في مقام العزاء ...فتح الدولاب ،ملابسها مطوية على الرفوف و معلقة ، كانت خياطة بارعة و طباخة ماهرة ، يتصورها في كل بدلاتها ، رشيقة القد ممشوقته ، واسعة العينين ، طويلة الرقبة ، ناهدة الصدر ، ضيقة الخصر ....يوم جاءت بها أمه ، كان لا يزال طفلا ، استغرب لكونها سوداء ، يهز بها المهد و يشد لها الرضاعة ، يساعده على ذلك عمي المبروك بامبرا ، صديق العائلة ، يمزح دائما و يقول ، أنا اليوم شريك معكم بخضراء ، كان هذا الكلام يربك الأم ويتلون وجهها ، ما شعر بانسحابه من العائلة وانقطاع زياراته التي كانت يومية أنذاك ... و تبادرت الى ذهنه فكرة ..و من يدري لعلها تكون عنده ، أو يكون عل علم مكان وجودها ، فخرج مسرعا ...
عمي المبروك رجل أسود ،طويل ، عريض الصدر ، بيضاوي الرأس ، أبيض العينين ، و اسع الفم ، عريض الأنف ، صغير الأذنين ...اجتمعت في وجهه علامات الشقاء ، تغطيها الطيبة و براءة الأطفال ، سهل المراس ، لين الاندماج، طليق اللسان كثير التنكيت ، بارع في رواية الأساطير و كرامات الأولياء و الصالحين ، هكذا كان ريحا مرسلة بكلماته الطيبة طوال حياته ، عندما يتكلم عن نفسه كأنه يسلخ ذاته أو يجلدها و هو يبتسم ، انه الهم الذي يضحك ...
لما دخل كريم عليه كان جالسا ، فقام اليه و أجلسه في مكانه و هو يغمره بالترحيب و يحتويه بتلك الابتسامة اللطيفة التي تبعث في النفس الارتياح و الأنس ، كان عمي المبروك يحضر شاي المساء ، تراه و كأنه الفنان أو الساحر ، يمارس حركات تحت تأثير الهام روحاني لصناعة متعة الفرجة في تحضير الشاي ...
جلس أمام ضيفه و واصل عمله بنفس الوتيرة دون اهمال حفاوة الاستقبال و كرم الضيافة ، هذا الهدوء زرع في نفس كريم بدرة أمل ، فأسرع يفرغ جعبته مرة واحدة و دون مقدمات ...
كريم : هربت خضراء يا عمي مبروك ..
المبروك و بكل هدوء : أعرف ذلك
كريم: أين هي ؟..
المبروك : أردت أن أقول لك ، كنت أنتظر ذلك ، كثر عليها الضغط ، مسكينة خضراء ، لا ظهر لها و لا عصا ، كأنها غصن طفيلي في شجرة وجب قطعه ، صدق أبوك لما يسميها اليابسة ، لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي جاءت بها أمك ، حز في نفسي سؤال و لم أجرأ ، لماذا جاءت بهذه السوداء المسكينة ، كان يظهر لي انذاك تافها ، قالوا أنها وضعت مخلوقا مشوها و مات ، فعوضوها بهذه السوداء ، وكتموا عنها ذلك حتى استعادت عافيتها فاخبروها بالحقيقة ، لم تتقبل في أول الأمر ، الا أن معاملتها لها كانت عكس ذلك ، و الأغرب كانت ترتحصنها بحنو الامومة الحانية ، كنت أحب خضراء كثيرا كأنها ابنتي ، أحن اليها و أذهب اليها كل يوم ، و من كثرة اهتمامي بها شعرت بنمو بذرة البغض و الكره عند سترة أمك اتجاهي ، و لم يهدأ لها بال حتى دبرت مكيدة ، و أحدثت ، سامحها الله القطيعة بيني و بين الحاج ، فأسمعني ما لم أكن أتوقعه منه ، عيرني و هددني ، فانقطعت صيلتي بكم .. كبرت خضراء و توظفت في المستشفى حيث كنت أعمل بوابا ، و تجددت صلتي بها ، فكانت لا تفارقني ، تمنيت أن أخطبها لابني رابح ، لكنني خشيت ردة فعل الحاج ، و صارحتني بتعلقها بك ...كانت تحبك كثيرا ،بقاؤها الى اليوم كان بسببك ، تحملت من أجلك الكثير ولكن ..
كان كلامه يقرع قلب كريم قرعا ، و حف المجلس بهيبة الاخلاص و عظمة الوفاء و صدق التضحية ... كان العطاء كبيرا حتى أعجز الوفاء على مجاراته ، واستصغر كريم كل مواقفه ،و طابت الجلسة واشتد الحنين ، و تدفقت الذكريات كمياه الشلال الباردة تغسل الظن من الشك ، وكانت جرعات الشاي تنزل ساخنة ، تشق في طريقها مهجة الصدر ..
كريم: كأني غريب في هذا البيت ، يحدث كل هذا و لا أحد يعلم !!...
المبروك: انها أرسرار البيوت يا بني ، للنساء فيها شؤون و للرجال خلفيات ...وفي رأي لا تحاول ، لن تصل الى شيء أبدا ..خضراء عقدة القدر لا يعرف حلها الا الله
كريم: لا أستطيع يا عمي ، البحث عنها أصبح بالنسبة لي ضروري و أكيد ، ينتابني شعور غريب و أريد أن أكتشف هذا المجهول الذي يدفع الحدث ، أتمنى فقط أن لا تكون قد انتحرت
المبروك: لا أتوقع هذا ، انها أقوى بكثير
كريم: هل يمكنها ان تذهب الى الخارج مثلا ؟
المبروك : الذي أعرفه أن ذهابها لم يكن ارتجالي
كريم: استسمحك ، أتركك بخير
المبروك: ماذا حدث ، لا بد و أن هناك قطرة أفاضت الكأس
كريم: نعم يا عمي المبروك ، طعنت أمي بخنجر
المبروك : لا !!.. أبدا غير ممكن ، لم تفعلها ، و لا أصدق ..
كريم: انها الحقيقة رأي العين
المبروك: أبدا ، هناك سر خلف الحدث ، خضراء لا تقتل حتى الذبابة ..
كريم: انها الحقيقة المؤلمة يا عم ، و لهذا أنا مقيد و لا أستطيع أن أغامر الآن ، أرجوك لا تفشي هذا السر حتى لا يسمعه أهل القرية فينقلب كل شيء
المبروك : أبدا ..أبدا .. ليتني أستطيع أن أفعل شيئا ..
ذهب كريم و عاد المبروك يبحث عن الحلقة المفقودة ، يسترجع تفاصيل الماضي و مكائد سترة ، حتى ما تساقط منها على هامش المواجهات ...كانت الغرفة واسعة ، مفروشة بالزرابي الصحراوية الحمراء ، بعض الوسائد من الصوف بيضاء كأنها خراف جميلة هنا و هناك ، على الجدار صورة للكعبة الشريفة ، حلم ما أستطاع تحقيقه ، فوقها ساعة قديمة من عهد والده ، تنبهه كلما مر من العمر نصف ساعة ، تتزاحم الذكريات في عمقه و تصارع الابتسامات الكآبة على وجهه ، هو كذلك ذهبت زوجته مرغمة ،توفيت منذ أربع سنوات بالرغم من هذا لا يزال يصنع لأحفاده الفرحة من ألمه و وحدته ، يحكي لهم همومه المضحكة ،أراد أن يقول لكريم الحقيقة ، لكنه أدرك أن الزمن قد تجازها ، و ربما تفسد أكثر مما تصلح و لا تساعد في شيء ، فكتمها ، و من يدري ربما يأتي القادم بنفخ في الحدث جديد ..شق عليه وضعه .
في طريقه الى البيت ، كان كريم مبعثر الأفكار ، يهدده اليأس من جهة ، و يدفعه العزم الى خوض المغامرة ، يحاول أن يجمع ما استطاع من حصى لتمهيد الطريق الذي يوصله الى ما وراء الحدث...ما أقساك يا أمي خلف ذلك الستار .
دخل يجر ذيل الخيبة ..
الأب : أين قضيت يومك ، ما رأيتك طوال النهار
كريم: أبحث عنها
الأب : تتحداني يا كريم ؟..أم هي السذاجة التي ستورطك ...كم أنت أحمق و مغفل ، يا بني لو كانت اليابسة تحبك كما تدعي، ما كانت لتفارق البيت أبدا ، و حتى لو عثرت عليها اليوم ، كيف تثبت براءتها أمام الناس ؟..أين هي الآن ؟.. لقد أصبحت من بنات الشارع
كريم في نفسه : و متى كان للبائسة أب أو أم ، منذ عرفتها و هي تدفع ثمن خطيئة الآخرين ..
ثم قال : الغائب حجته معه ، و من يدري يا أبي يمكن أن يكون قد أصابها مكروه أو انتحرت ...الغضب أوله جنون و آخره ندم
الأب : لا زلت تعيش بالنية الحسنة ، بنات الليل كألسنة الحمير يأكلن الشوك بلذة ..
نظر كريم الى أبيه وكأنه يراه لأول مرة ، يحاول الولوج أكثر الى ذخيرة الشر في ذاته ...
كريم : لا علاقة للزمن بهذه الأمور
الأب :المرأة كالدجاجة تطعمها كل العام ولا تشبعك ليلة ، هكذا قال جدك يرحمه الله
كريم : على كل حال ، أمي ليست كذلك
الأب: أمك من نساء زمان ، كن أمانة في أعناق الرجال ، أما اليوم المرأة حبل في عنق الرجل ، هذه الأصيلة ، أما اللقيطة مثل اليابسة فحدث ولا حرج
كريم: رغم هذا لا تزال المرأة هي الأم والأخت والزوجة و.... وليست خضراء كل النساء وليست النساء كلهن خضراء
الأب: أشغل نفسك بما هو أهم ، واترك هذه التفاهات ، أستاذ مثلك على أبواب المستقبل ومحامي في مقتبل العمر ينتظره الكثير : لما كنت في سنك رغم جهلي ..
وبدأ يعيد سرد حكايات مغامراته وتحايلاته وحيله ، حينها كان كريم قد انتقل الى عالم الافتراضات يحاول الوصول الى المجهول في كل طرح ، وفهم الأب أن ولده لم يعد يستمع اليه فسكت ..وساد الصمت ، فتنهد كريم ، وقام مستترا بابتسامة مجزاة ، وترك الوالد يجتر في نفسه أيام شبابه وزهوه ، يلعن كعادته شيبته وضعفه وهوان أمره ونواهيه ، يلعن وجوده على الهامش بدعوة الحفاظ على صحته ، وهو يعرف أنه لم يبق فيه الا اللسان السليط ، ولكن لا يهم كما يقول المثل ، أقلقهم فقط حتى لا ينامون .. وقبل أن يخرج التفت اليه قائلا
كريم : عمي المبروك يبلغك السلام
الأب : المبروك ؟!
كريم: نعم ، عمي المبروك بامبرا
الأب: أسود القلب لا يتحرك الا في الظلام ... خفاش ، لاشك أنه هو من أفسدها
كريم : ما علاقته بها ؟ ولو كان الأمر كذلك لذهبت عنده
الأب : أنت لا تعرف هذا الصنف من البشر ، يحرقون البيت ، ويبكون مع صاحبه
كريم: هكذا اذا ، هي علاقة أطفال ؟ هذا كان صديق الأسرة ، كنا نعده عما لنا ، شاركنا المسرات والمكاره ، أنا لم أر فيه ما ينافي الأخلاق الفاضلة ، وقد استقبلني بحفاوة بالغة ، كان أطيب ما يكون
الأب: طيب الله لحمه بالنار ، كاد يحطم أسرة بكاملها لولا فطنة أمك
كريم : ماذا فعل ؟
الأب : لا تحاول
كريم : عمي المبروك ؟!
الأب: لا بارك الله فيه وأعماه
كريم: لم نسمع بهذا
الأب: قلت لك لا تحاول
خرج كريم وهو يحاور الأنا ولاتزال خيوط الماضي تتعقد ، وهذه الأسرار جزأها القدر وعسر جمعها ، وفكك الحدث ووضع في كل منعطف نفسي سببا يبرر خلفيات سكوت ضاعت دوافعها ، ولا أظن أن السؤال هو مفتاح هذه الأبواب الموصدة .. ينظر الى أخته ثورة من بؤر الذاكرة بقدر ماضاقت عينيها بقدر ما ضاقت بصيرتها تتطاير منها شرارات الكره محرقة ، الأم كأنها تمثال نحت من الصم لا تؤثر فيه فصول الذوات ، باطنه كظاهره ، يتعامل مع الجميع برطوبته وبريق ظاهره ، العمة حية تسكن دهاليز البيت تتلون بلون الحدث ولا تقول شيئا ، انها العلبة السوداء ، حتى ترتيب الأثاث وألوان والستائر والصور على الجدران كانت تصنع نوعا من القلق وكأن اليد التي مرت من هنا كانت تخفي وراء كل لمسة سر ، ووراء كل شيء ظن ، هذا البيت العتيق من عهد المعمرين تجاوز المائة سنة تظنه لا يزال يحتفظ بظل أصحابه الى اليوم ، تزرع التنافر لتفرض وجودها في وسط هؤلاء الأحياء لتنتقم ، كأننا لسنا نحن ، كم من مرة تحدث بعض الخوارق يستحي أحدنا أن يعيدها ، خوفا من اتهامه بالجبن أو الجنون ، نسر بها الى بعضنا البعض حتى يعرفها الجميع ولا يذكرها أحد .. عندما ننزل الى القبو وكأننا في قبر ، يشعر الداخل كأنه يعيش تلك الأفلام المرعبة التي تسيل العرق البارد في البدن ، نستعجل الخروج متسائلين ماذا حدث هنا ؟ .. غريب ، كثيرة هي خبايا الحدث بين أفراد أسرة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد ، رغم كل الفضول ، لا نزال نجهل الكثير ... هكذا حتى وجد نفسه أمام غرفة مكتبه ، كانت العمة نونة في آخر الرواق فاختفت ، لم يراها منذ ليلة الحادث ...
دخل ، جلس على حافة المكتب ليواصل ذلك المنولوج ، الا أن الحبل الذي كان يربطه بفلسفة هذا الاكتظاظ انقطع مرة واحدة ووجد نفسه يدور في دائرة مفرغة حلقاتها من صنع الصمت الذي يحاصر هذا البيت ، الشيء الوحيد الذي يخشاه الانسان عندما يخوض أي مغامرة أو يريد أن يرفع أي تحد هو عامل الصمت ، لأن وراء كل سكون عاصفة كما يقول المثل ...
يعود الى حديث أبيه عن المبروك وعن خضراء ، يستحظر تلك العدوانية التي تمكنت من نفسه اتجاههما
-ماذا تريد أن تجني من امرأة أنتجتها الخطيئة ؟
-ماذا سيقول الناس عنا ؟
-ماذا تنتظر من امرأة خبيثة الا ثمار خبيثة !
-المفروك ، لابارك الله فيه وأعماه !
-ذلك الأسود ، أسود القلب !
-انها اللعنة التي لا تزال تطاردنا !
كانت هذه الكلمات تتردد في عمق كريم كأنها انفجارات لألغام قديمة زرعتها النيات المبيتة لتفجير ما تبقى من الحقيقة ... تذكر العمة نون فقام يبحث عنها ، في آخر الرواق كان سلم الطابق العلوي ، صعد ، في آخره نافذة تطل على الحديقة ومدخل البيت ، حيث كانت تقضي العمة أكثر وقتها ، هنا لا يأتي أحد ، لا الأب ولا الأم ، مرض الروماتيزم وأوجاع الظهر تحول دون المغامرة ، وثورة لها كل ما تريد في الجناح الأرضي ، بل أكثر من ذلك هي من سمت العمة نونة بالشبح ، انهما لا تتواجدان في مكان واحد أبدا ، تقول لهم دائما لو يموت أبي سأطردها شر طردة ، عندما تسمعها نونة تضحك ملأ فاها ، ثم تنظر اليها بمقت قبل أن تنصرف ، تقول لها دائما. . سنرى من ؟ ..
ذهب الى غرفتها يدق ، لا أحد يرد ..
كريم : عمتي ! عمتي .. ! عمتي ..!
ولما هم بالانصراف ، هاهي ذي قادمة من هناك ، من منعطف الرواق المظلم ، لعلها تكون قد تعمدت هذا الظهور المفاجئ من حيث لا ينتظرها أحد ، فتحت دخلت ، شرعت أبواب النافذة وعادت ، أشارت اليه فدخل ... كانت صورة الجد بين النافذتين أمامه ، بشنبه الطويل وعمامته المبرومة كرزمة حبل فوق رأسه ، برداء قياد فرنسا والسوط في يده ، جوارب حمراء ووسام الشرف الفرنسي على صدره تزينه الأعلام ...
تدفع شفته السفلى العليا ، ترفعها كهامته في كبرياء وعزة ،بجانبه كلب صيد أبيض ، هناك واحد يشبهه ، يا سبحان الله ، كأنه هو ، و لكن لا يذكره ، يحاول ...غير ممكن ،على كل لا يهم ، سيفكر فيه من بعد ..





نسي أنه رأى هذه الصورة بالذات ، على اليمين طاولة من خشب اللوز منقوشة ، أمامها مقعد خشبي بني ، فوقها مرآة كبيرة جميلة ، على يساره سرير ، فوقه صورة صياد بكلابه وبندقيته ينظر الى سرب من الطيور ، ثورية من نحاس ، دولاب كبير يملأ الجدار نقش على الطراز القديم ، هذه الأثاث كلها ، لا يزال يذكرها ، جمعتها العمة نونة في هذه الغرفة ،تركها المعمر الآسباني و كانت في غرفة جده ، صندوق عرائس من الطرازالعربي القديم قيل أنه للجدة يرحمها الله ، متحف يطيل عمر الذاكرة ، جلس على الكرسي ، نظر اليها ويبتسم ..
كريم : لا تزال عمتي تعيش على الزمن الماضي دنيا زمان ، لا شك أن جدي كان يحبك كثيرا ، فأنت الآن تعيشين على ذكراه ، يقول المثل .. عز البنت الا مع أبيها وعندما تفقده عيشها يمرار ... منذ عرفتك وأنت في عزلة كم أتمنى أن أعرف وصية جدي لك ، قال أبي أنك على هذه الحال منذ قتل جدي ، قتله أعراب من أولاد جرجر أمامك من أجل الجزية لفرنسا ، قاتله هجر الى المغرب ولم يعد .. لا زلت تحتفظين بآخر كلماته.. لا يشبهه منا أحد ، اني لأستحي لما أتذكر أن جدي كان عميلا لفرنسا ، خائن أمته ...
قامت ، وقفت أمام الباب وأشارت اليه بالخروج ، ولما قام أدارت وجهها ، خرج وترك الباب مفتوحا ، أحس أنه وضع أصبعه على الجرح .. وقف أمام السلم قليلا ، لم تغلق الباب بعد ... نزل ولا شك أنها لا تزال واقفة في مكانها ، هل هي بداية تدفق الذاكرة ؟! ومن يدري ؟!
عاد الى الصالون وجلس ، أحس بالتعب ، استوى ... ارتخى ، يستمع الى نبضات جسمه ، أغمض عينيه ، فنام .. فتح عينيه ... وجدها قادمة
ثورة: تنام نوم النملة ، أجهدت نفسك يا أخي ولا تزال ، العرق دساس كما يقولون ، والعار عيب على الوجه، يتحدى أيام العمر كلها ، فماذا تريد من دخيلة السوء ، ألا تدري من أي معدن صنعت ، هذه أشياء لا يتسامح فيها الناس ، بهذا تثبت أنك ناقص مروءة
كريم: هل هي التي اختارت أن تكون كذلك ؟
ثورة : وأين ذنبنا نحن ؟
كريم : مادامت هكذا لماذا جاءت بها أمك ؟
ثورة:قال أبي كانت ظروفها قاهرة ، وكادت أمك تفقد صوابها عندما منعوها من رؤية ما أنجبت ، فكانت خضراء الحل الأسرع والأنسب
كريم: فسروا لها التشوه بالسواد
ثورة: هكذا قال أبي ، رغم هذا تأسفت و أصابها احباط ، عاشت مرحلة خطيرة جدا ،رامتها
بصعوبة، و من الفاجعة ما وجدت في ثديها حليب ، لأن الصدمة كانت كبيرة ولم تصدق ، وبعد أن صارحوها كانت خضراء كابوسا ولعنة تطاردها في النوم واليقظة ، زادت حدتها مع مرور الزمن .
كريم: اختلط عندها الحب بالكره ، هكذا كانت تقول دائما ، حسبي الله في المفروك ، تريد المبروك ،كأنه هو من نصح بها ، ثم كانت أمك عنصرية يا ثورة ، هل تعرفين السبب ؟ لأن أجدادك الأوائل كانت خادماتهم سودوات ، كانوا يعاملوهن بقساوة ، انه تواصل الباطل بين الأجيال ...
ثورة : أبدا ، ليس في الوجود أرحم من أمي ، تبكي لأتفه الأسباب ، طيبة تحاصرها الشفقة من كل جهة ، ولولا تسامحها وطيبتها ما كانت تحملت خضراء الى هذا الحد
كريم: أين العيب في خضراء ؟
ثورة : أمي تعرفها أكثر منا جميعا ، هي أقرب الناس اليها ، لا يمكن أن تكرهها بدون ذنب ، مستحيل ، وهل كل شيء يقال ؟
كريم : أكاد أكره كل النساء بما فيهن أمي ، فقد بدأ الشك يساورني حتى في نزاهتها وصون شرفها ، ألا يمكن يا ثورة أن تكون خضراء ...
فقاطعته ثورة : اياك ، واياك ، لا تحاول ، أمك أشرف من كل نساء العالم
كريم: لا ، لا ، أنا أقصد ، بل أريد أن أقول أن وراء خضراء هذه سر كبير ، اني أحاول أن أجمع الشتات والمعلومات حولها ، الا أن لبنات القصة تتنافر وتتناثر قبل بلوغ المراد ، كلما اكتشفت شيئا تعمق معناه والسر لا يزال يخفي السر فأين الحقيقة ؟
ثورة: لا تحاول يا أخي ، هذه طفلة معقدة الأطوار والماضي ، انها لغز منذ ولادتها وستبقى كذلك ، لا تحاول ، لقد عقدها القدر ، من الأفضل لك أن تهتم بما يستحق منك الاهتمام ، انك تضيع وقتا ثمينا من حياتك
كريم: لن أرتاح حتى أصل الى حل عقدة هذا اللغز
ثورة: أنت وشأنك ، لكن ما هو مؤكد أنك لن تجد ما يسرك ، ان مزبلة الماضي انتن مما تتوقع
كريم: هل أنت خائفة ؟
ثورة: ولماذا أخاف ؟ يكفي أني متيقنة أنها ليست أختي
ضحك كريم وقال : تخافين على الميراث ، ذهب أمك ومجوهراتها ، والأرض والمحلات و ...
ثورة : لم أكن أتصور أنك تافه الى هذا الحد ، وبتصرفك هذا ستدفعني الى اغتيالك في نفسي ... أنت .. أنت ..
كانت الشرارات تتطاير من عينيها ، وتصلبت أطرافها وظهرت أسنانها كأنها تشد بها على رقبته ...
فقام ، نظر اليها جيدا وكـأنها تحمل كل عيوب الدنيا ، ثم عاد باشمئزاز الى مكانه وقال لها :
هيا ، اذهبي ...
ثورة: وبعد ، لا أريد أن تشاركني في أمي وأبي لقيطة سوداء
كريم: قولي ، في مال أبي و أمي ، هيا انصرفي خير لي ولك ....
فذهبت بغصتها ، تذكر جده والسوط في يده ، انها لا تشبهه الا في الخلق ، الشيء الذي هو متأكد منه أنه رأى شبيه جده ، ولكن أين ، لا يذكره ، كان جميلا جدا حتى تقول أن أمه من جميلات فرنسا ، يقال عنه أنه كان زير نساء ، يمكن أن يكونوا قد قتلوه من أجل امرأة ، ولم لا ، ماضي عائلتنا مليء بالتناقضات وأول ضحية هي الحقيقة ، ومن كانت ترد طلب القائد آنذاك ، وأي قائد ...
شغلته قصة خضراء عن التحضيرات لفتح مكتبه الجديد ، لقد أدى القسم الأسبوع الماضي وتم تعيينه محاميا لدى المحكمة ، انه الآن الأستاذ كريم .. العباءة السوداء والمحفظة ، انه الآن من المدافعين عن الحق ، المنقبين عن الحقيقة ... يبتسم ، ما أعظمها مهمة لو لم يشوهوها ... كان كريم طويلا لا يعاب وعريضا حد البسطة ، ليس بالجميل الذي يفتن ، ولا بالغليظ الذي ينفر ، اجتمعت في شخصيته الهيبة والطيبة وحسن السلوك ، يعرف كيف يقول الحق وكيف يزهق الباطل بعيدا عن التكلف والتلفيق ، جديته في الدراسة ساعدته على التحكم في سير النقاش ، أبهراللجنة يوم ناقش رسالته ، يتميز بثقة كبيرة في نفسه ، وقرر أن يذهب بعيدا ربما الى منظمة حقوق الانسان العالمية ، ولم لا ... انه العلم والطموح ... هل خضراء هي الباب الأول الذي سيدخل منه الى عالم التحريات ومطاردة الحقيقة ؟ ربما .. انه الآن وسط الدوامة وهو عامل فعال من عواملها ، الى أن يصل اليه أول موكل ، وهذا ليس غدا فسيتفرغ كليا لذلك ، والسؤال المحوري الذي لم يجد له جواب ، لماذا تريد أمه التخلص من خضراء ؟ ولا تريد أن يتذكرها أحد ، نشر صورتها في الجرائد وتبليغ الشرطة عنها هي فضيحة لكل العائلة في وسط هذا المجتمع الذي لا يرحم ، انه شرف العائلة الذي ولا شك ان انتهك ستقتل العصبية العمياء الأب الذي يعاني من عدة أمراض ، السكري ، والقلب ، انها الصفعة التي تضع النهاية له ، وسيقول الجميع وخاصة الأعراب من قبيلتهم ، ذل الحاج ، وقتله ابنه بكلام المدارس ، فماذا أنت فاعل يا كريم ؟ قال الأب ، خضراء سافرت ، هكذا يجب أن يطوى الملف نهائيا ، انها أعظم جريمة يفتتح بها مسيرته القانونية ، ويخون قسمه ، فأين الضمير يا كريم .. ذلك هو الحق يجب أن نضحي من أجله بالباطل حتى ولو كان النفس والنفيس ، مثله مثل الحرية لا يقبل الشريك ولا يحتمل التزوير ... أصبحت خضراء همه الوحيد ، يهيم بها شوقا ، يدخل الى غرفتها كل ليلة ، يجلس ، يستمع الى حديث أشيائها ،ويحمله معه حيثما أرتحل وحل ، وبدأت غمامات الحزن والأسى تغمر البيت ، وكيف لا وكريم هو الولد الوحيد ، ولي عهد الحاج وحامل اسمه والمحافظ على بقائه وخلود ذكره ، وبدأ يعتزل ، ويغيب عن مواعيد الطعام وموائد والسهرات ، مقيد لا يستطيع أن يفعل شيئا ... غارت ابتساماته يقاوم تدفق العبرات وتصلبت عضلات وجهه ، لأن البكاء في عرفهم للنساء ، ونحيب الرجال آهات وتأوهات ، الشيء الوحيد الذي كان يشغله هو تفانيه في عمله ودفاعه عن المظلومين ، أولئك الذين وكلوه للدفاع عنهم ، فكان يرافع ليرفع عنهم ما استطاع من جور وظلم وهضم الحقوق ، يجد راحته في ذلك ، ويتدمر عندما يخسر قضية وراءها رشوة ،أحيل عدة مرات أمام لجنة التأديب لانتفاضه أمامي القاضي عندما تنتهك حرمة القانون ، وتمر بعض الأحكام تحت ابتسامات القضاة ، لحماس هذا الشاب وايمانه بقداسة القانون ، يعجبون به كثيرا ويتمنون له مستقبلا زاهرا ، وذاع صيته واشتد القيد على معصميه أكثر وعندما تعاوده الذكرى ، يذهب الى عمي المبروك لعله ينتزع منه بعض الخفايا ، الا أن المبروك يعرف ذلك ، فكان يتحفظ كثيرا ويحول دائما مجرى الحديث ...
كان في غرفة المكتب دائما كعادته يسهر الى ساعة متأخرة من الليل ، وقبل أن ينام ، يمر على غرفتها تنتعش الذكريات ويتجدد الحدث في ذاته ...
دخلت دون اذن ، جلست أمامه ، لم يرفع رأسه ، لا يزال منهمكا في ترتيب ملفاته ، قال:
مرحبا أمي ، لم تنامي بعد ؟
الأم: وكيف لي أن أنام وأنت في هذه الحالة ؟ هجرتنا ، وجردتنا من الفرحة بك وافتخارنا بك ، وألزمتنا الحزن والآه ، أبوك يئن تحت وطأة تصرفاتك ، يخشى عليك ويخشى أن تتهور وتكشف المستور ، فتضيع هيبتنا ويزدرينا الناس ونتحول أحاديث دنايا القوم وأراذلة القبائل وصعاليكها ، واليوم أنت في العلا يحسب لنا بك ألف حساب ، ما وجدت من وسيلة أواسيك بها سوى أن أعرض عليك فكرة الزواج ، يمكن أن تجد فيها البديل ، بل الأفضل ، ألا تظن أن خضراء انتهى أمرها وأصبحت ذكرى وأثرا لشبح مر من هنا ؟ .. ارحم نفسك يا بني ، أنت لأفضل منها أفضل ، لماذا تريد أن تنزل بالسلالة الى هذا الحضيض ، ما ركع جدك ولا أبوك أبدا ولا ركب الدنايا ، قتل جدك لتصلبه وأنفته وعزته وتحديه الجميع ، وأنت اليوم أكبر ، فأعرض عن هذا واترك الزمن كفيل بتغيير مجاري الحياة ، ان ما نحن عليه اليوم ما توقعناه من قبل أبدا ، كنا نراك وأنت صغير سيد القوم وحكيم الديار ونافذا في السلطة وابن النظام ، فاذا أنت اليوم محام تملأ القضاء همة ، حتى قالوا ، عندما يتكلم الأستاذ كريم وكأن الطير على رؤوس الجميع ، وهذه الهيبة ماصنعتها لك دراستك فقط ، بل هي ميراث وتواصل الأجيال ، كلهم يعرفون ابن من أنت يا كريم ، وما فائدة هذه القراية التي لا تعرفك بنفسك وتنزلك منزلتك ، هؤلاء كلهم أكلوا وشربوا من خيراتنا ، أكرمنا الجميع وساعدنا الجميع ، أينما يدخل أبوك يرفع في الباب وتفتح له الصدور ، يقضي حوائجه ويخرج معززا مكرما ... هناك في البادية لا يتحرك الأعراب الا باشارته ، كل القبيلة تدين له بالولاء ، هو الذي لم يجلس يوما على مقعد ، باستثناء ما قرأه من قرآن في الكتاب وحفظ بعض الأحزاب ، وكان يرافق جدك لكتابة بعض تقارير الأهالي ، فتعلم الكثير ، انها العزة التي نشأت فيها ، فكن في المستوى ...
كان كريم يستمع الى أمه وهي تعيد للمرة الألف مغامرات زوجها ومآثره
كريم: يا أمي ، يا أمي ، كل شيء تغير الا أنت وأبي ، الناس يطيعونكم لأنكم اشتريتم ذممهم ، واكتشفتم أسرارهم ، وتعرفون عنهم مالا يعرفه غيركم ، انه ولاء الخوف يا أمي ، الخوف من الفضيحة ، الخوف من السجن ، الخوف من تصفية الحسابات ، ان نفوذ أبي هو الذي صنع له هذا المجد المزيف وسيزول يوما ونظهر جميعا على حقيقتنا .. المهم لقد تأخر الوقت يا حبيبتي ، غدا نتكلم في الأمر ، أما الآن فهيا بنا الى النوم ، أرافقك الى غرفتك ، ادخلي بهدوء حتى لا يستيقظ أبي
الأم: لا .. أبدا ، لن أخرج من هنا الا بكلمة فصل ! .. يا بني ، يا بني ، أحرقت كبدي والقلب ينزف جرحك ، غير ممكن يا كريم أرتاح وأنت في هذه الحالة ! وكأنك لا تعرفنا ولا نعرفك ، أغيرتك السوداء الى هذا الحد ؟ ، حتى أصبحت تكرهنا !! ، أمن أجل امرأة يا كريم تعاقب والديك وتنتقم منهما ؟ عيب يا كريم ، انها خوارم المروءة وابتذال الشهامة ، أم أنت تمثل علينا لنرحم زلتها ؟ أبدا يا كريم لا تحاول ، خضراء هجرتنا هجر السوء ، لا نريد أن نجاهر به حتى لا نفضحها ونفضح أنفسنا ، وأقول لك أحسن ما فعلت ، و أكيد أنها لن تعود حتى لو وجدناها وحاولنا ذلك .. فابحث عن غيرها ..
كريم: سأفكر يا أمي ، ارتاحي الآن ، زواج الدوام يجب التفكير فيه عام ، كما يقول المثل ..
قامت ، دارت حول المكتب ، وضعت يدها على كتفيه تعانقه ، وفاضت العبرات تتكركب كحبات البرد وهي تقول :
أرجوك يا كبدي ، لا تخذلني ، أتمنى أن أرى ولدك قبل أن أرحل ، انني أقاوم للبقاء والمرض هتك حرمة صحتي ، اني أعاني .. نعم أعاني .. سأموت يا كريم ، وستذكر هذه اللحظة بالذات ...
استوت واقفة ، نظرت اليه ،أراد أن يقوم فأشارت اليه فرجع ، انصرفت ، وغلقت الباب وراءها
أحس كريم بقشعريرة في كامل جسده ، سأموت يا كريم .. سأموت يا كريم ... فزعت كل المدارك ونفخ شعور غريب في نفسه .. فداك نفسي يا أمي ، فداك نفسي ...



















الفصل الثالث


المحافظ: أراك اليوم أحسن
المريضة: الحمد لله
المحافظ: هل باستطاعتك الآن الاجابة عن بعض أسئلتنا ؟
المريضة: تفضل
المحافظ: ما اسمك ولقبك وتاريخ مولدك ؟
المريضة: لا .. لا أعرف ؟
وفاضت عيناها بالدمع وخنقتها العبرات ، كانت شفتها ترتعش تحت أسنانها ، واحمر وجهها رغم سواده ، أخذت تمسح دمعها وتقسم له :
أقسم أني لا أعرف من أنا ، الشيء الوحيد الذي أنا متأكدة منه هو أني لست مجرمة
المحافظ: سنعرضك على طبيب مختص وان ثبت عكس ذلك ستكون الجريمة أكبر ، وستتعرضين لأقصى العقوبات
المريضة: ليتني أعرف من أنا وما بعدها أهون
المحافظ: أتركك الآن ، حاولي ، حاولي أن تستعيدي ذاكرتك ، وها هو الشرطي أمام باب الغرفة ، اذا تذكرت أي تفصيل اتصلي به سآتي على جناح السرعة ، ومن الأفضل لك أن تعترفي وتساعدينا في البحث عن العصابة .. هذا يخفف عنك العقوبة ، ربما البراءة ولم لا ، لعلهم يكونوا غرروا بك وورطوك مثل ما ورطوا الكثير من الفتيات مثلك
المريضة: سأحاول ، ليتني أستطيع
المحافظ: من هنا وبعد الفحوصات الضرورية ان لم تعترفي ستحولين الى السجن ولن ينفعك هذا السكوت
المريضة: ما أصبح يهمني شيء غير معرفة من أنا ، السجن ربما أرحم ، اذا خرجت من المستشفى أين أذهب ؟ وماذا أفعل وماذا أقول ؟..
المحافظ: لا تظني أن السجن فندق ، انه السجن يا آنسة
المريضة: أنا الآن في سجن أفظع
المحافظ: لا تدفعينا لاستعمال أساليب أخرى
المريضة: افعلوا بي ما تشاؤون ، فقط أعيدوا لي ذاكرتي
المحافظ: فكري جيدا
دخل الطبيب : صباح الخير سيدي المحافظ
المحافظ: تضحك
الطبيب: ابتسم لك سيدي المحافظ ، الآن انتهت مهمتي ، افعلوا بها ما تشاؤون ، بعد أسبوع سنرغم على اخراجها من هنا ... ربما نحولها للقسم المختص ، فكونوا في اتصال معه حتى تشرفوا بأنفسكم على التحويل ...
سيدي المحافظ ، انها تداعيات المهنة سوء التفاهم بين الأطباء والشرطة أزلي ، وسيبقى ، فقط لخدمة الانسانية ، فضع نفسك في أي صف تريد ، فخور أنا بوصولي الى هذه النتيجة ، لقد أحيينا نفسا وهي الآن بين أيديكم وبرأت ذمتي ... سيدي على المحبة نلتقي ...
المحافظ: هل أنت متأكد أنها فقدت الذاكرة ؟
الطبيب: هذا ليس من اختصاصي ، لقد عالجناها عضويا ، وهي الآن في أحسن حال
المحافظ: هل كنت تتوقع ذلك ؟
الطبيب: ليست مهمتنا
المحافظ: سنحولها بأمر من النيابة الى القسم المختص ، ثم نتخذ الاجراءات المناسبة ... على كل حال أشكرك ، وأستسمحك ، للضرورة أحكام يا دكتور ، حماية المواطنين تدفعنا بعض المرات الى خسارة بعض الأشخاص الطيبين مثلك ، انها هفوات المهنة .. شكرا ...
الطبيب: العفو
وحولت المريضة الى القسم المختص ، وبعد الفحوص والاختبارات تبين أن المريضة قد فقدت الذاكرة ، ووضعت في السجن لمتابعة حالتها ، تعرض مرة في كل أسبوع على الطبيب المختص لمعالجتها ...تحت رقم 69 هذا الرقم الذي كيفما وضعته تقرأه " تسع وستون " وهكذا أصبحت خضراء رقما مجردا من كل شيء ، فسميت بسوداء 69 الرقم المفقود ، وجدت نفسها أوراق بيضاء يكتبون فيها ما يريدون ولا تستطيع أن تعترض ، يرسمون عليها ما يريدون ، يشطبون ويتركون ، منهم من يكتب برفق ومنهم من لا يرحم ، وتناسوا أن هذه الكتابات ستتفاعل و تتراس لبناء معادلة انسانية جديدة من وحي ألسنتهم وأقلامهم وأحكامهم ... هنا يغتال حق الزمن وحق التجربة وحق المراحل ، كثيرة هي الأشياء التي تنبت معوقة في هذه الذات الجديدة ...
وأدخلت 69 الى السجن ورقة بيضاء ...
كانت القاعة مكتظة بالسجينات كلهن وضعن هنا تحت ذمة التحقيق ، عالم آخر يعيش في الخفاء ، وردت الحارسة الباب وراءها ، كأنه انفجار، تشعر بالرعب والخوف ، تشعر أنك في مقبرة الأحياء وأن الحياة قد توقفت ، وأن الزمن سيتراخى لتبقى في جوفه أكبر مدة ممكنة ، هنا تتخلى عن الكثير من الأشياء مرغما ، وتتحمل الكثير من الأشياء ، هنا تختفي البديهيات ، انها ورشة لحدادة البشر ، هكذا بدأت حياة سوداء 69 ... أفرشة على الأرض ، القمل والصراصير ، والبعوض ، نساء في كل الأزياء يغنين ، يرقصن ، يتشاجرن ، يمارسن أشياء لا يتحملها العقل ، انها مشاتل الادمان ، والانحراف ، السجن مدرسة العصابات وعلب الليل ، انه مملكة الغاب ، لأنه آخر محطة قبل الموت ، فكن ما تريد ، لن تعاقب بأكثر من السجن ، أفظعه الزنزانة ، عادي جدا بالنسبة للمدمنات ، كانت لا تزال في مرحلة النقاهة ، مارسن عليها كل أشكال الاهانة والتسلط ، وماذا عساها أن تفعل ؟...
كاميليا ، اسمها الحقيقي نوارة ، تجاوزت الثلاثين ، موقوفة في قضية قتل وسرقة ، مدمنة لها عدة سوابق
مونيا ، اسمها الحقيقي سلامة ، ثلاث وعشرون سنة ، موقوفة في قضية مخذرات وتزوير وثائق ، مدمنة ذات سوابق كذلك
سوسو ، اسمها الحقيقي سلطانة تسع وعشرون سنة موقوفة في قضية دعارة واجهاض ...
تلكم هي الفاعلات والماسكات زمام الأمور في القاعة ، ألقي عليهن القبض عن طريق الوشاية ، وكأن الأمر فيه تفكير وتدبير ، انهن المايسطروات ، الباقي أغلبهن أدخلن من أجل بعض المخالفات والجنح التي ارتكبنها بقصد أو غير قصد دون الانتباه للعواقب ، لم تراعي المحاضر ظروفهن ولا معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعتهن الى ارتكاب حماقاتهن ، يمزقهن الندم والخوف ، وجدن في تلك الأقراص السحرية مفرا من جحيم الانتظار والأحكام المجهولة ، منهن الميسرات ومنهن من يدفع عنهن خارج السجن ، الأقراص الأولى تقدم مجانا ، أو توضع في القهوة ، انها مهمة مونيا ، بصفتها متطوعة لتقديم فطور الصباح
كاميليا: انظري اليها انها كالصخرة السوداء ، فوقها غراب
مونيا: يا حبيبتي ، انها شامة السجن ومن أجلها أحببناه ، أنا لا أتمنى أن أخرج من هنا مادامت هي
سوسو: تحفة سوداء من حجر
كانت حينها سوداء 69 قابعة فوق فراشها ، كالحمامة بين الأفاعي ، تحاول السيطرة على أعصابها ، في ذلك اليوم قطعت عهدا على نفسها أن تكون كما أريد لها ، ليس لها جلد آخر .. فتحت الحارسة الباب وقدموا اليهن وجبة الغذاء ، عدس بالزيت والماء بزيادة في الملح ، أخذت طبقها وعادت الى مكانها ، كانت سوسو تنظر اليها بطريقة غريبة ، أثارت نظرتها عصبية مونيا ، فجاءتها ، حملت الطبق وأفرغته فوق رأس السوداء ، فأثارت ضجة وضحك الجميع ، أسرعت الحارسات فتحن الباب ووقف الجميع ينظر اليها ... لم تتحرك .. أغلقن الباب وانصرفن وعادت السجينات الى الأكل ، قامت تنفض العدس عن رأسها ، وضعت رأسها تحت الحنفية ، ولما غمرها الماء احتوتها مونيا وبدأ العراك ، مزقت لها ثيابها تحت التصفيق والنقرات والزغاريد للتمويه ، الا أن في هذه المرة أحست بالاهانة وكأن قوة ما نفخت فيها ، فمسكتها من عنقها وأخذت تشد وتشد ، وتوقف الجميع عن التصفيق ، حتى أغمي عليها وقامت الى كاميليا وسوسو فهربتا وراء الأخريات ، وجدت صحنا أمامها ضربته برجلها ومرت ، جلست في مكانها وقالت :
كاميليا آتيني بطبقك
ناولتها طبقها ذليلة وانصرفت
من هنا وصاعدا لا حركة في هذه القاعة ولا سكون الا باذني ... مفهوم ،
رمين على مونيا الماء فقامت مذعورة وأخذت مكانها دون أدنى كلمة ، وبعد الغذاء قالت : أريد أن أنام حذاري من الازعاج
حينها أخذن أماكنهن وساد الصمت لأول مرة في هذه القاعة ...
في المساء ، جمعتهن وسط القاعة وقالت:
هل هناك واحدة منكن تريد مبارزتي ؟ أنا لا أعرف من أنا ، أصبحت في قائمة الأموات لا ماضي ولا مستقبل ، مستعدة للبقاء في هذا السجن الى الأبد ، قادرة على فعل أي شيء يطيل بقائي هنا لأن الخروج لا يخدمني ، قادرة أن أقتل وبكل برودة أعصاب ... قالوا عني أني أنتمي الى أخطر عصابة وأنا أخطر عنصر ، سأكون كذلك ، فالتزمن حدودكن ، لا مخذرات ولا جنس ولا ورق ، حذاري أنتن الثلاث ستدفعن الثمن غاليا ، هذا مادمت أنا هنا ... مفهوم
سكت الجميع ، ثم انصرفن كل واحدة الى مكانها ، وعادت هي الى فراشها تطارد الصراصير ..نفضته ، وأمرت بتنظيف مكانها ...
انزوت مونيا وسوسو وكاميليا في زاوية القاعة يتحدثن
سوسو: يجب أن نتعشى عليها قبل أن تتغذى علينا ، هذه الشرسة السوداء ، لم أكن أتوقع أنها حيوانية الى هذه الدرجة ، كأن الجن سكنها
مونيا: ماذا نفعل ؟ ، مستحيل الحياة بدون أقراص
كاميليا: سأحدث الحارسة ايناس عنها ، ستحولها الى قاعة أخرى
سوسو: مستحيل ، هذه القاعة الوحيدة الخاصة للموقوفين على ذمة التحقيق
مونيا: أنا ألد أعدائها ، أخشى أن تنتقم مني ، يجب أن نجد لها حلا أو مكيدة لاخراجها من هنا
كاميليا: ابتعدي عنها ، لا أظن انها تحاول ، لو توقعت منها هذا لناولتها الأقراص
مونيا: انها فاقدة الذاكرة ، ولن يستفيد منها أحد ، ومن يدفع عنها ؟
سوسو: لو سمع الرئيس بهذه المهزلة لقدمكن جميعا الى حبل المشنقة بثمن بخس ، فتصرفن في الأقراص التي تأتي بها الحارسة ايناس في انتظار ثورة المدمنات
كاميليا: الا هذه ، سنثير انتباه الادارة ، ويقومون بتحقيق ، ونحن أول من يدفع الثمن مرتين ، يجب المحافظة على الحد الأدنى من الأقراص للمدمنات حتى لا يفتضح أمرنا
مونيا: الأمر ليس سهلا ، والرئيس لن يغفرها لنا ، يجب البحث عن مخرج آخر ، يظهر تبليغ الحارسة ايناس هو الحل الأمثل
تلك الليلة جاءت ايناس ، أخرجت مونيا من القاعة ، غابت أكثر من ساعة ثم عادت ، بمجرد ما عادت هرولوا اليها
-ماذا قالت لك
مونيا: لا يتعرض لها أحد ولا تمسوها بسوء ، وتعاملوا معها بحذر ، هذه كانت مع جماعة الحادث وتدعي أنها فقدت الذاكرة ... سنتصرف ، اننا نتابع أمرها باهتمام كبير وسنبعث اليها من يأتينا باليقين .. هكذا قال الرئيس
كاميليا: ألا يمكن أن تكون من الأمن ؟ ، برودة أعصابها وثقتها بنفسها تريبني ..
سوسو: اذا هو الذل والهوان الآن ، ستنتقم منا شر انتقام
مونيا: أظن أن وراءها ثروة من العملة الصعبة ، يمكن أن تعمل أي شيء لتستحوذ عليها ، من مصلحتها المكوث في السجن .. أطول مدة .. انها مطاردة من طرف البوليس ومن طرف العصابة ،.. حذاري لا تورطونا ..سيتصرف الرئيس وعن قريب ..
كاميليا: سأخضعها وأذلها وأستعيد هيبتي مهما كلفني ذلك
سوسو: وأنا معك ، وماذا بعد السجن ، ونحن فيه، هل هي أشجع منا ، وما فائدة السجن الذي لا يضمن تحطيم جدار الخوف ، ويعلمك المغامرة ، ويلقنك الجرأة ، ويساعدك على العناد ...
مونيا: أنظري انها تجمع الأقراص ، يااه ، انهن يطاوعنها ، سأقتلها ..
نظرت اليها باستهزاء وازدراء وأشارت اليها باصبعها ، فتراجعت الى الوراء ، وتقدمت هي
-هيا ، الي بالأقراص
مونيا: أرجوك ، أتركي لي واحدة فقط
-قلت لا ، ودفعتها حتى كادت أن تسقط ، ثم أخذتها من الصدر وهزتها حتى كادت أن ترفعها ...
جمعت كل الأقراص ، وضعتهم في المرحاض وسكبت الماء
-والآن الرجوع الى الجد ، أي مخالفة لقانون المملكة تعرض الى عقاب شديد ، جدع الأنف أو قطع الأذنين ، اسألوا عني العصابة ، لا أسامح ولا أجامل ..
كاميليا: ستخرجكن من عبودية المخذرات الى النخاسة ، لن ترحمكن ...
وبدأت تستعين بالقويات ضد الضعيفات ، بارزتهن الواحدة تلوى الأخرى ، وكلما دخلت واحدة جديدة تستفزها حتى تتصارع معها وتخضعها ... وأصبحت تترأس القاعة رغم معارضة الحارسات ، تحميها ايناس مرغمة ، وأصبحت تشكل خطرا على الجميع ، يدبرن لها المكائد وتنج منها الواحدة بعد الأخرى بأعجوبة
استيقظ الجميع كالعادة على ضجيج الأقفال وانصفاق الأبواب لتناول فطور الصباح ، بعدها جاءت الحارسة:
السوداء !! السوداء !! أنت مدعوة الى الادارة ، هيا أسرعي ...
خرجت تتبعها ، كثيرة هي الأسئلة التي تبادرت الى ذهنها ، هل هي المكيدة كالعادة ، أم التحقيق ، أم عقوبة ... استأذنت ودخلت وراءها السوداء ، لا تزالا واقفتان أمام المكتب ، رفع رأسه ، نظر اليها ، هز رأسه ، ابتلع ريقه وقال:
اجلسي ، لقد عينت لك الدولة محام ، حاولي أن تساعديه للوصول الى الحقيقة ، وهذا من مصلحتك ، أما نحن بقاؤك أو خروجك لن ينقص أو يزيد من ادارتنا شيئا ، والسجن ليس فندقا ولا هو مأوى ...
لم تقل شيئا ، أخذت تنظر اليه ، وراء عيونه الشرسة شيئا من الحنو ، وكأن الرجل في مسرحية ، يقوم بدور لا يتناسب مع مظهره ، تنتظر منه أن يحتضنها ، ويعترف بطيبته ...
كان المكتب فسيحا واسعا ، مكيفا ، حوله أرائك فخمة ومريحة ، نوافذه واسعة للشمس والهواء ، خلفه مكتبة فيها الكتب مبعثرة ، مجلات ، بعض الملفات ، أرضية المكتب مفروشة ، صورة رئيس الجمهورية زادت هيبة المكان ، انه ينظر اليها ، ليته كان يسمع ، هكذا قالت في نفسها ، فاذا بباب جانبي يفتح
- المحامي هنا ، سيدي
- أشار اليها فقادتها الحارسة ، دخلت ، كانت الغرفة ضيقة جدا كأنها زنزانة ، في وسطها طاولة من حديد وثلاثة مقاعد ، جلست بدون اذن ، لم تبال بابتسامة المحامي ، تنظر حولها ، أغلقت الحارسة الباب وجلست وراء الشباك ، جلس المحامي أمامها ووضع محفظته على الأرض على رجل الطاولة
المحامي: أنت هنا منذ متى ؟
السوداء: لم تقرأ ملفي ؟
المحامي: لا شك أن لك ما تقولين أفضل من الملف
السوداء: أنا لا أذكر شيئا ، ظلام ما قبل السجن ، والسجن ظلام
المحامي: هذا تشاؤم مفرط ، وفي هذا السن !
السوداء: يا سيدي ، أنا لا أعلم حتى من أنا ، حسب أقوال الشرطة ، التي ولدتني من العدم ، أنا مجرمة ، أعمل لصالح جماعة أشرار ، يعني عصابة ، أتاجر في المخذرات ، أنا يا سيدي حسب أقوال الشرطة عنصر فعال وخطير جدا ، لما أدخلت الى السجن كنت أذل المخلوقات ، حاولت أن أكون كما أريد لي ، فكان لا بد لي من استعادة مكانتي ، وحقيقة استطعت أن أصنع من نفسي الصورة التي رسمتها لي مصالح الشرطة القضائية ، فلجأت الى العنف واسترجعت شخصيتي ، وأنا اليوم سيدة القاعة ، لا أخفي عليك ، لقد تجردت من كل معاني الضمير ، أفعل بالسجينات ما يريحني ، لا أفرق بين الخير والشر ، وأدركت أنها الوسيلة الوحيدة لفرض النفس في هذه الغابات .. حتى لو خرجت من السجن ماذا أفعل ؟ أين أذهب ؟ ان السجن بالنسبة لي هو المستقر الوحيد ، أشعر فيه بالأمن لأنه مملكتي ، لن أجد أحسن في الشارع ، ولا شك حسب العينات التي تأتي الينا أن خارج السجن ، الناس يعيشون الوحشية بمعناها الواسع وبمفهومها الحقيقي ، على كل حال أنا لا أحب أن أخرج الآن لأنني لم أتمم التربية التي تساعدني على الحياة خارج السجن ... يا سيدي أنا لا أملك الا هذا الجسد المجرد من الماضي لا مستقبل له ، أنا لا أصلح لشيء ، الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تساعدني عليه هو أن تتركني أعيش الحياة التي ألفتها ، ومهما كنت ، أتمنى أن تأتي أنت كذلك لتعيش معنا هنا في السجن حيث تتعلم كيف تتعامل مع هذه الوحوش الطليقة والقائمة على شؤون الناس ، ستتعرف على من يدفع ثمن الأخطاء التي يرتكبها الأقوياء .. السجن يا سيدي بني للضعفاء والمستضعفين كي يتعلموا كيف يتعاملون في الضجيج بعيدا عن السادة ، لأن حق الحياة والعيش الكريم يبقى دائما للأقوى في كل شيء ، أقول في كل شيء ..
القوة تصنع المعجزات يا سيدي ، ان كنت تنظر الى الحياة من زاوية أخرى فأنت مخطىء ، وعليك بمراجعة بياناتك ، هكذا ربانا السجن ، ولا أظن أن الحياة خارجه أرحم .. فقط السجن يعلمك كيف تتسلط على أمثالك وتبتزهم وتزدريهم وتذلهم ليعيش الآخر البحبوحة في أمان ،ان جرائمنا يا سيدي هي الحد الفاصل بين الخط الأسود والخط الأحمر ، لأنها فيما بيننا ، وعندما لا يجد القانون ظهرا يحمله يحملوننا نصوصهم ورسائلهم ... نحن المنبوذون ..
أنظر الى هذا التناقض والنفاق ، صنعوا مني مجرمة ، وهاهم يدافعون عني ، انهم يرحمون ذبيحتهم ، غريب أمر هؤلاء القوم .. ، لا تندهش من كلامي ، انها مدرسة السجن ، تعلمك بالقوة مفعول كل قوة ، اذا أخرجتني لن أرحمك ، لأنك عنصر خطير في معادلتهم ، لأنك توهمني بالعدل وتغرر بي لتبرير أخطائهم .. لن أسامحك
كان المحامي يتابع حديثها باهتمام بالغ ، ليته حمل معه مسجل ، فاذا هي كذلك اليوم وهي فاقدة الذاكرة ، فكيف تكون اذا استعادتها ، سكتت هي وبقي المحامي يتابع حديثها كأنها لم تتوقف عن الكلام ، لم يستطع أن يوقف تدفق هذه الفكرة ولا أن يضع حدا لامتدادها .. صراخ .. أنين .. صياح .. استغاثات ، وفرضت امتدادية الطرح نفسها خارج السجن ، كشفت البؤس في كل مكان ، وأن هذه الوجوه التي تبتسم وتقهقه في الخارج هي أقنعة مجانين ... كادت تنفجر حنجرته من الكبث ، حمل محفظته ، أشار الى الحارسة ، فتحت الباب وانصرف دون أي كلمة ، دخل الى مكتبه ، أغلق الباب باحكام وخلد الى التفكير ، يجتر ما سمع ، وفرضت عليه قراءة جديدة للمجتمع ، ومناقشة هذه القضية بطريقة جدلية مثيرة ، يرافع فيها بطريقة أكاديمية ، انها محاكمة العصر .. الا أن هذا يحتاج الى شركاء من كل مجالات الحياة ، والقضاء عندنا قضاء وقدر .. سيدافع عن س عن هذا المجهول في معادلة غير متساوية الأطراف مهما كلفه ذلك .. وهكذا بدأت مغامرة أخرى ... كتب على الملف س بعد أن رمى كل أوراقه في سلة المهملات .. يجب أن تصنع الفرضيات الحدث الحقيقي ..
عادت الى مكانها ، لم تتفوه بكلمة ، زرعت في نفس الحارسة التي سمعت حديثها نوعا من الحذر ، لم تجرأ أي واحدة على مسائلتها ، لأول مرة تخرج الى الادارة ، وتعود كأنها انسان جديد ، لقد تزودت نفسيتها بشيء ما ، تبحث عنه تلمسه ولا تراه .. مدير السجن ، المحامي ، المكتب ، صورة الرئيس ، عالم آخر ، دنيا أخرى ، كل هذا خلف هذه الجدران العالية وهذه الأبواب الموصدة ، انهم وراء الحاجز تذهب اليهم الأشياء لا يأتون اليها ... تتساءل لماذا لا تكون هي مديرة السجن أو رئيسة الجمهورية ؟ ، ولكن هي كذلك لها مملكتها ، هذه القاعة وشعبها المنحرف الذي تجلت فيه كل تجارب مفهوم الحياة البشرية التي اكتسبها من الحيوان ، ابتداءا من الحرية في القفص ، والحرية من أجل الأكل والأكل فقط ... شيء ما يختلج في صدرها ، هذا المحامي الذي انصرف ولم يقل شيئا ، وهذا المدير الذي كان يخفي في نظرها طيبته ... كلهم يتكلمون خلف الأقنعة لدرجة اختلاط الواقع بالوهم ، الحقيقة بالخيال .. هكذا يضيع الصواب في الذات وخارجها .
خلدت الى قسط من راحة الأقوياء، ويوم ضعفي بينكم لكم أن لا تتنازلوا أيها الضعفاء ، وفي مساء ذلك اليوم جاءت رئيسة الحرس ، كن يلقبنها بالتمساح ، اسمها الحقيقي جميلة ، لكنها بشعة حتى ضاقت منها البشاعة ، متسلطة وعنيدة ، ليس وراءها الا الشر ، دخلت الى القاعة وليس من عادتها ، اختلت بالسوداء ، لأول مرة تظهر على وجهها الابتسامة ، وعم الاستغراب الجميع ، تواصلت ابتسامتها حتى سقطت في العبثية الى حد السخرية ، تحتويها بعين المكر والخبث ، كانت السوداء تستمع اليها بصمت غطى كل المشاعر ، تنظر اليها بعيون تزرع برودة الموت حتى أدركها الصقيع فسكتت ، رفعت يدها ، ردتها الى الخلف وبكل قوة صفعتها ، لم يتعد صداها الوجه ، كانت تنتظرها ، فشدت على نواجدها بكل قوة ، ثم أخرى ، لم تحرك ساكنا .. فانصرفت ، ولما كانت أمام الباب قالت لها سوداء وبكل هدوء ، سأردها عليك في الوقت المناسب
اختفت قليلا ، ثم عادت ، قيدتها تجرها الى الزنزانة..
رئيسة الحرس : سنرى هذه الأعصاب الباردة اذا كانت قادرة على مقاومة البرد والجوع ولسعات الهراوة والمحزمة
رسمت سوداء بسمة الزعماء على شفتيها الخصبة ، فجنت الحارسة ، تتقاذف الشرارات من عينيها وبدى عليها انهزام نفسي فظيع ..
- سأروضك أيتها المتوحشة ، أذلك ، أفركك ، وأذيقك الهوان ، وأسقيك شراب الخزي حتى تركعي ، جميل ، سوداء الملح تستعبد ؟ الا هذا ...
فقالت السوداء: مأجورة على ذلك ؟ افعلي بي ما تريدين ، لن أبلغ عنك أحدا ، فقط سجليها ليوم الحساب ، سأرد لك المعروف مضاعفا ، والسجن أنا فيه وسأبقى ، بعد الحكم نلتقي وسيكون لي معك كلام آخر .. هيا بنا ، الى أين ؟ الى الزنزانة ؟ هيا ... فاذا بايناس تأتي مسرعة ، همست في أذن الرئيسة ، وبدى على وجهها الاستغراب ، سكتت قليلا ، نظرت اليها ، ثم تركتها وذهبت هي والحارسة يتآكل على وجهها الغضب والخيبة والخذلان
عادت السوداء الى مكانها تقاوم رغبة البكاء ، وألزمت كل واحدة منهن مكانها ، زادها الموقف هذا هيبة ، ومكنها أكثر ...
لم تلبث كذلك الا قليلا ، فاذا بالحارسة تعود لتأخذها معها ، في هذه المرة ذهبت مباشرة الى مصحة السجن ، حيث كانت تنتظرها امرأة ، في العقد الخامس ، ليست كنساء السجن ، قصيرة ، عريضة ، تغطي شعرها الأصفر بفولار أزرق فاتح ، ترتدي بذلة كلاسيكية زرقاء ، تحتها قميص أبيض مفتوح ، تظهر في نحرها سلسلة من ذهب ، في أذنيها قرطين صغيرين ، وفي اصبعها خاتم خطوبة لا شك ، جميل ، متزينة بطريقة محتشمة تتأبط سفطا أبيض وتحمل نظارات تظهر خلفها زرقة عيونها كأنها امتداد البحر ، تنظر بعمق ، وتحتوي بابتسامتها القلوب ، بعيدة في حركاتها العبثية ، وكأنها صنعت على المقاس ، وضعت يدها على كتف السوداء ، نظرت اليها جيدا ، تنهدت ، تكاد تضمها اليها برفق ، غمرتها ، فيض من حنان وعطف ورحمة ، دون تكلف ولا اصطناع ... أجلستها وجلست بجانبها وقالت :
أقول لك سر ، ربما لم يقله لك أحد ؟!
رفعت السوداء بصرها اليها ، تكاد تنهار بالبكاء ، تنتظر منها ذلك
-كم أنت جميلة أيتها النحلة الكحلاء ، ما شاء الله عليك ، هل رأيت وجهك في المرآة .. نعم .. نعم أنت فاتنة يا لؤلؤة .. كأنه زواج مختلط ، الأب أبيض والأم سوداء أو العكس ، أولاد هذا النوع من الزواج ، وأكثرهم مثلك ، وخاصة اذا كان عن حب .. نعم .. نعم في الحقيقة أبناء الحب كلهم مثلك ، لأن الحب لا يؤمن بالفوارق والطبقات ... لا علينا ، أنا أنشط في جمعية خيرية اجتماعية تساعد النساء اللواتي عندهن مشاكل ، نحاول معهن اخراجهن من همومهن ، وقد أنقذنا الكثيرات ، منهن من كانت على حافة الانتحار ، سمعنا بك فطلبنا رخصة لزيارتك ، وأعرض عليك صداقتي ، لا شك أنك بحاجة الى التعبير عن أشياء كثيرة تدور بخاطرك ولم تجدي الأذن الصاغية أو الصدر الحاني الذي يسمعك من العمق ، نحن الجمعية الانسانية الوحيدة التي لا تتجسس عليها الادارة ، فكوني مطمئنة أن حديثك مهما كان معلق في ذمتنا ، وهو مجرد الطريق الذي يوصلنا الى منبع الأزمات النفسية والاجتماعية ، ولهذا أتمنى أن تجدي راحتك معي لأنني سأزورك من حين الى حين ، وحتى بطلبك نأتي ، ندردش ، نقول أي شيء ، أعطيك فائدة ، ان الانسان مهما كان لا يتكلم من فراغ ، مستحيل ... ماذا قلت ؟ هل تقبلين بصداقتي ؟..
السوداء: لا أرى مانع
المرأة: جميل ، اذن نحن الآن صديقتان ، ما اسمك ؟
السوداء: السوداء .. الصخرة السوداء
المرأة: هذا اسم السجن ، أريد اسمك الحقيقي
السوداء: لا أعرف ؟ .. نعم لا أعرف من أنا ؟ .. قالت الشرطة القضائية ..
المرأة: لا .. لا .. لا .. لا أريد هذا ، أرجوك ، أعرف كلام الشرطة ، هذا من حقهم لأنهم حماة البلاد والعباد ، ولو صدقوا الجميع لفسد الجميع ، أما أنا وأنت نريدها صداقة بعيدة كل البعد عن المحاضر البوليسية وملفات العدالة ، نريدها انسان مجرد من كل القيود ، لانسان يعيش للانسانية ، نريدها علاقة مبنية على أسس وجدانية بعيدة عن أي هدف الا الهدف الانساني المجرد من كل شيء ... أريدك أنت يا سوداء كما ترين أنت نفسك وكما تعرفينها ، ولهذا أتركك هذه المرة وسأعود اليك لما تجمعين في جعبتك شيئا من القول عن التفكير والتدبير ... أتركك بخير
خرجت المرأة ، وعادت السوداء الى القاعة ، ولا تزال تدفع رغبة البكاء ، أحست بوحشة ما بعدها وحشة ، واكتسحتها غربة الذات .. تبحث في جسدها عن نفسها ، تتوسل اليه ، تترجاه ، توعده ثم تتوعده ... يستحيل أن أكون من العدم ، من الضياع ، لماذا لم يسأل عني أحد ؟ هل أنا مقطوعة من شجرة ؟ من أين أنا والى أين ؟ لماذا نسيت نفسي ؟ وما الذي شغلني حتى ضاعت مني ؟ لماذا تنكرت ؟ أين تلك المرأة التي جاءت الى المستشفى تدعي أنها أمي ؟ .. أين أبي ؟ أين اخوتي وأخواتي ؟ هل تبرأ الجميع مني لأني مجرمة ؟ آه ، نعم .. أدركت الآن ..
كانت دوامة البحث عن الذات تمتطي صهوة كل سؤال فظيع ، يضيع صداه حيث لا تدري ... هي التي لا تعرف الا مدير السجن ، ذلك الرجل الأسود مثلها ، ذلك الأنيق ، في العقد الرابع يبدو من العمر ، ذلك الذي يخفي شيئا من الحنان وراء نظراته ، وبعضا من الحنو خلف كلماته ، ولكن هي مجرمة وهو رجل قانون ، غريب كيف تتناقض الأفعال حيث تتقارب المشاعر ، حتى الآن لا تعرف من أين يأتي ذلك الدافع الذي يسوق مشاعرها الى حضن المدير ، هل هو الحب أم هي قراءة لبوادر رحمة على صفحات البشرة السوداء التي تجمعهما ... أشياء مبهمة تتزاحم في ظلام نفسها ، تدفع عشوائيا جدران الصمت ، تبحث عن منفذ للخروج ، تنصفق ، تتكسر ، تتشكل وتعود ، انها تعيش مخاضا داخليا ، مكبوثا ، يصارع أشياء تراكمت كلها ، تريد الخروج مرة واحدة ، كأنها متفجرات على وشك الشرارة ، تتفاعل حتى تكاد... ثم تجمد الى درجة الصقيع ، ويغمر الذات سكون الموت ، ولا يعود يهمها شيئا ، تكتفي بأنها مجرد جسد تنبض مداركه ، وماذا بعد ؟ .. ربما لو عرفت نفسي أمقتها ..
تعود الى تلك المرأة الطيبة ، ألا يمكن أن تكون ملاك رحمة جاء في صفة بشر ، لأول مرة تحس بذلك الشعور الانساني الذي ينبع من فطرة الخلق والخلق ، لا ينظر اليها من زاوية الذنب ، لا يعرف التوعد ، يعترف بالخطأ ، بل يتجاوزه لأنه من سمة البشر ، لا يفرق بين الأسود والأبيض وبين ...
لماذا هذه السجون ؟ وجرائم الخفاء أفظع ، حيث يدفع البعض عن البعض ، لماذا هذه الأحكام على الظاهر؟.. وما في الباطن أسوأ ، لماذا هي الأشياء الا كما يراها غيرك؟ ... لماذا لا يمكن لي أن أرفض هذا التوظيف لاستكمال مشهدهم ؟... غريبة هي الأشياء تلك و أنا أغرب ! .. كاد رأسها أن ينفجر ... لا تزال القاعة لم تتحرك ، واكتسحت الغرابة وجوه الجميع ، انتبهت ، تنظر اليهم وهي واقفة وسط القاعة ، أسدلت يديها ، بصمت ، أشارت اليهن ، ماذا ؟ ماذا حصل ؟ ... نعم كانت فوق خشبة مسرح الحياة ، لم يكن ذلك مونولوج ، بل كان خطاب راو على الخشبة ... تقدمت احداهن اليها بكل رفق وقالت :
-ما هذا الكلام يا سوداء ؟! قطعت أكبادنا ونزفت القلوب دم الأسى ، انك تعانين كل هذه المعاناة .. ما أتعسك ! وما أتعسنا معك !، كل واحدة منا كانت تشعر وكأنها أنت ، عبرت بما عجزت عنه ألسنتنا ، لقد عايشنا مسرحية من عمق الذات البشرية التي لا تدركها هذه القلوب التي صنعتنا وشوهتنا ودفعتنا ثمن أخطائها وفشل تجاربها ، لتدرك غايتها .. انه الدرس في الانسانية الذي لا ننساه أبدا ... يا حبيبتي نحن معك ...





الفصل الرابع


كان في مكتبه ، يراجع بعض الملفات ليقدمها في جلسة الغد ، فاذا بالهاتف يرن
- ألو .. ألو .. الأستاذ كريم
يحاول أن يتعرف على الصوت .. غير ممكن
كريم: نعم .. من على الخط ؟
-أنا الدكتور مجبر ، رئيس مجلس أطباء المستشفى
كريم: مرحبا دكتور
الدكتور مجبر: سأزورك في مكتبك بعد الدوام ، هل يمكن ؟
كريم: ابتداءا من الساعة السادسة مساءا ، مرحبا بك
الدكتور مجبر: شكرا أستاذ .. شكرا ..
انقطعت المكالمة وعاد كريم يقلب ملفات موكليه ..لا يستطيع أن يركز .. هل الأمر يتعلق بخضراء ؟ .. ! لا ، لا أظن...بعد كل هذه المدة ؟.. اللهم اجعله خيرا ... دفع كرسيه الى الوراء ، مد رجله وطوى الأخرى ، ينظر الى حذائه ، كان عازما على شراء حذاء آخر ، لن يجد فرصة أخرى كهذه ، وقبل أن يقوم قرع أحد الباب ، استوى وأذن له بالدخول ، دخل الرجل ينظر الى كريم بعيون همعة ، وشفة ترتعش ، مرتبك تخنقه العبرات ...
الرجل: شيء فظيع يا أستاذ ، فظيع ، قتلوا زوجتي وابني ، قتلوهما المجرمون ، قتلوهما ببرودة أعصاب وبرودة دم
كريم: من قتلهما ؟ ... تعرف المجرم ؟
الرجل: في المستشفى ، يقتلون فيه بعبثية ... في مصلحة الولادة..
كريم: اجلس ، واروي لي بالتفصيل ماذا حدث ، وأقسم لك أنني سأدافع حتى انصافك ومعاقبة المجرم
الرجل: أدخلت زوجتي في حالة مخاض الى مصلحة الأمومة ، وأنا رجل فقير ، لا أقدر على دفع مصاريف العيادات الخاصة ، والجميع يعلم ما وصلت اليه هذه المصلحة من اهمال وتسيب ، متسببة في الكثير من الوفايات التي بقيت دون عقاب ، وكانت زوجتي وابني ضحيتا تأخر التوليد ، وقد أثبت الطبيب الشرعي أن ابني مات نتيجة خنق وامرأتي من أثر النزيف الحاد ... ها هو ذا الملف الطبي ، حوله الي أحد الممرضين ، ويمكن أن يشهد اذا تأكد من الحماية
كريم: حاضر ، سأقوم بالمهمة بعد أن أطلع على الملف وأتحقق من الجريمة.
أدخل الرجل يده في جيبه ، وأخرج مبلغا من المال ، مده الى كريم فرفضه
كريم: لا ، لا أريد شيئا حتى أتبين وأطلع على محضر الشرطة وأقوال الشهود ، والمتهم ..
أعاده الرجل الى جيبه وقال في أسى :
مابقي للمظلوم سوى الله والمحامي النزيه مثلك يا سيدي ، هكذا قالوا عنك ، وأخشى أن يأتي يوم يفرض على المواطن القصاص لنفسه ونعيش حكم الغاب
كريم: لا ، لا .. لا تخشى ذلك ، هناك قضاء وقوانين وعدالة ... اطمئن ، لا يضيع حق وراءه مطالب ...
خرج الزبون وترك الباب وراءه مفتوحا ، فتح كريم الملف يقلب وثائقه ، عبارة عن شهادات طبية وبطاقة متابعة الحمل ، وأشعة وتقارير طبية للحامل ولظروف الوفاة ، كانت اطلالة روتينية لقضية مكتسبة مسبقا ، لن تقل عقوبة الجاني فيها عن 20 سنة ، هذا بعيدا عن الرشوة أوالمحاباة ، فقط يجب التحري أكثر للتيقن .. وقام لغلق الباب فاذا بمساعده يدخل كالثعلب الماكر ...
كان رجلا قصير القامة ، أنفه كالببغاء بمناخر كفوهتي بندقية صيد ، بعينين ضاحكتين ، طويل الوجه ، أمرد الخدين ، أجعد الشعر أسوده ، رقيق الشفتين تظهر أسنانه قبل أن يبتسم ، يتكلم بسرعة حتى لا يكاد يفهمه الا القليل ، يبتلع الحروف وأواخر الكلمات بلعا ، يبالغ في الادغام ولا يحسن المد ، يبدأ بالساكن ويمضغ المتحرك
المساعد: لا زلت هنا ؟
كريم: نعم ، أنا خارج الآن
المساعد: ما هذا ؟ ، ملف جديد ؟
كريم: نعم ، هذا رجل يدعي أن زوجته وابنه توفيا في مصلحة الأمومة نتيجة اهمال
المساعد: نعم ، سمعت بهذه القضية ، حولت الى العدالة ، المتهم الرئيسي فيها قابلة معروفة ، طالتها الألسنة من كل جهة ، في الحقيقة هي قابلة ماهرة ، تجاوزت سن التقاعد ولا يزالون يحتفظون بها لمهارتها واتقانها واخلاصها في العمل ، قالوا أنقذت الكثيرات من الموت ، يظهر أن ادارة القطاع الصحي ستتولى الدفاع عنها ، لقد أوقفت بالأمس وأدخلت السجن ، ستتصل بك الادارة للدفاع عنها لا شك.
كريم: عندي ميعاد مع الدكتور مجبر في المساء
المساعد: لا شك لأجل ذلك ، ولا مفر لك من الدفاع عنها
كريم: أنا الآن ضدهم ، ولا أستطيع أن أتراجع ،هذا التزام ،سيأتي طلبهم متأخرا
المساعد: لعلك يا أستاذ تمزح
كريم: أمزح ! كيف ذلك ؟ اني أكثر جدية من أي وقت ، وليست من عادتي أن أتخلى عن موكلي
المساعد: أنسيت أننا بصدد التوقيع على عقد مع ادارة القطاع الصحي لتمثيلهم أمام العدالة ؟
كريم: لكن لم أوقع بعد ، وما كان هذا في الحسبان .. الحقيقة أني نسيت هذا الأمر ، انني مرهق في هذه الأيام حد الارتباك ، لقد أجلت كل الملفات التي تحتاج الى دقة وتركيز كبير، تفاديا للهفوات
المساعد: حقيقة ظهر عليك بعض الفتور والتعب في هذه الشهور الأخيرة
كريم: هيا بنا ، الساعة الآن منتصف النهار والنصف ..تتغذى معي ؟
المساعد: لا ، أذهب الى البيت ، عندي ضيوف .
حمل حقيبته وانصرف .
أحس برغبة في الاستحمام ، وليس من عادته ، فدخل غرفة الحمام ، نزع ثيابه ودخل في المغطس ، شعر بنوع من الارتخاء ، يتحسس النوابض في جسده المرهق ، تمنى لو تيسر له الأمر لينام هنا ، ينظر الى شامة سوداء في صدره ... كأنها خضراء في القبيلة ، ابتسم وقال :
أتمنى أن تكوني بخير ، سأعمل المستحيل ... سأعمل المستحيل ، هي قضية وقت فقط وظروف ، يمكن أن يغير الزمن هذه القلوب القاسية وترحمك وترحمني ، فقط تأكدي لن أبدلك ولن أتغيرأبدا ، والأمل نحن نصنعه ، فقط كوني بخير .. كوني بخير ..
لما خرج من الحمام وجد أخته قد أعدت له المائدة ، الا أن الشهية قتلتها رغبة كاسحة للراحة ، أشار اليها بيده أن ارفعي مائدتك ، دخل غرفته ، امتد ، وأغمض عينيه ، يتنفس الصعداء ، أفكاره كالنحل المضطرب ، تلسعه الواحدة تلوى الأخرى ، استوى قاعدا ، شبك أصابعه ينظر من نافذته الى السماء ، كأنه موسم الهجرة ، الطيور تمر أسرابا أسرابا نحو الجنوب ، ونحن لا زلنا في أول سبتمبر ، ظهر له أن كل المخلوقات تحب الهجرة ، تدفعها اليها عوامل مختلفة ، ايجابية أو سلبية ، وتبقى الهجرة رمز الحرية ومغامرة من أجل الأفضل .. قليلة هي الأشياء الجميلة التي تأتي الينا ، ظاهرة البحث عنها في الانسان قضاء وقدر لا مفر منه ، بل حتى في المخلوقات الأخرى، هل خضراء ذهبت من أجل ذلك ؟ ، أم هروبا من الجحيم الذي كانت تعيشه ؟ ...
كانت السماء صافية ، تمر بعض البواسق الصغيرة من حين لآخر ، على أشكال مختلفة ، يحاول أن يقرأها ، أعجزته لمسات هذه اليد المجهولة التي ترسمها ، تسوقها الرياح العليلة ، كالراعي يسوق مواشيه التي تخلفت برفق الى المورد ... لا شك أن السماء ستمطر في هذا المساء ، و لا شك ، و لا شك..و لا شك...
ولما استيقظ ، كانت الساعة الثالثة بعد الزوال ، غسل وجهه ، لبس بذلته ، تعطر وحمل محفظته وخرج في عجالة ، لقد تأخر كثيرا ، دخل المكتب وجد بعض موكليه ينتظرونه ، اعتذر وبدأ يستقبلهم الواحد تلو الآخر ، لما جاء الدكتور مجبر وجده مع آخر زبون ، انتظر قليلا ، لما انصرف دخل ، قام له كريم واستقبله بحفاوة كبيرة أنزله بها منزلته ، الدكتور مجبر ، شخصية في الولاية ، منارة يعرفه العام والخاص ...
هو رجل طويل القامة ، في العقد السادس من العمر ، كبير الرأس غليظ الشفتين ، أسمر ، تحت كثافة حاجبيه عيونا أتعبتها دقة التأمل ، النظر و التروي ، تظهر فيها حدة ذكائه وجديته ، طويل الأطراف ، كأنه يمارس المصارعة الحرة ، لا يزال يحافظ على بنيته ، يعتني كثيرا بمظهره ، حتى لا تكاد تعطيه أكثر من خمسين سنة ، يتحرك بلباقة ورشاقة الكهل ، يتكلم بطريقة الواثق من نفسه وبروح مسؤولية عالية ، الكثير من الناس يقولون أن خروج الدكتور مجبر من المستشفى ضربة قاضية لهذا القطاع ، انه رجل له وزنه ...
كريم: مرحبا دكتور
الدكتور مجبر: أستاذ كريم ، بدون اطالة أومقدمات ، عندنا في مصلحة الأمومة مشكلة كبيرة جدا ، تتطلب منا جميعا تناولها بحذر ، مجرد سقوط سعفة من الطرح ندفع بضحية الى المقصلة ، أعترف لك بأنه خطأ ، ولكنه مهني ، وهذا النوع من الخطأ يقع في جميع المستشفيات ، يعالج بطرق مختلفة حسب الظروف والفاعلين فيه ، الضحية والجاني ، حتى الزمان والمكان لهما نصيب في دفع الحدث ليكون قضاءا وقدرا أوجريمة ، يستحيل يا أستاذ أن قابلة في العقد السادس من العمر ، أفنت عمرها في خدمة صحة المواطنين ، تتعمد خطأ كهذا ، ولهذا أريدك أن تدرس ملف هذه البائسة بطريقة استثنائية ، نساعدك بقناعتنا كمختصين وبشهادتنا التي سنعتمد فيها على المضاعفات والأسباب الحقيقية التي أدت الى الوفاة ، المرأة ليست مجرمة في نظر الطب يا أستاذ ، كل الوظائف والمهن لها هامش أو نسبة مسموح بها من الخطأ
كريم: دكتور مجبر ، مع كل احتراماتي وتقديري لك ولكن أعذرني ، لا أستطيع أن أدافع عن مجرمة زهقت روحين ، مهما كانت الأسباب و الحجج ، هذه المرأة في نظر المجتمع كله مجرمة ، تستحق أشد العقاب ، زيادة عن ذلك ، لقد سبقكم الخصم و وكلني ، سأرافع لصالحه .
الدكتور مجبر: أعرف أن موقفك صعب جدا ، وأعرف أن الأمر أصعب مما يتصوره أي انسان ، ولكن تبقى مسؤوليتنا كبيرة لما نبني أحكامنا على العاطفة أو على ظاهر الأشياء ، ولولا يقيني ببراءتها ما جئتك بنفسي ، وأنت اليوم على موعد بامضاء العقد للدفاع عن القطاع الصحي ، معنى هذا أنت ملزم بذلك طبقا للقانون ، وملزم كذلك كضميرحي لانقاذ روح بريئة من الموت ، أليس القانون جاء لممارسة الحياة مثله مثل الطب ؟ ، أنا وأنت هنا لاحياء الناس ونتحدى الموت الا في قضايا الاجرام ببينة .. أستاذ كريم ، صدقني المرأة بريئة وبحاجة الى رجل مثلك يؤمن بالعدل ويحترم القانون لينجيها من حبل المشنقة ، تخليك عنها جريمة يا أستاذ في حق الانسانية و مهنة الطب ، وسكوت غير مبرر عن حق في الحياة يزهق أمام الجميع ...
كريم: يا سيدي ، أنا لا أتاجر بالأرواح ، و لا بالذمم ، وظيفتي الدفاع لاعادة الحقوق الى أصحابها ، أما الأحكام فهي من اختصاص القاضي ، المهم أن يعوض موكلي عن الضرر ، فاذا ردع المشرع فأين مسؤوليتي في هذا ؟ ، وليس من السهل أن ندافع عن امرأة حكم عليها الجميع قبل محاكمتها ، و أدانها القريب و البعيد ، رغم أن الشارع لا يقيد الشرع الا في مفهوم الجبناء.
الدكتور: لا علينا ، نحن نقبل بتعويض مادي للضرر ، ويمكنكم المرافعة على هذا الأساس ، المهم اسقاط عقوبة السجن ، انها في آخر عمرها و لا نريدها أن تنهي مشورها فيه
كريم: وهذا نصف الاعتراف بالجريمة.
الدكتور: سأكون شاهدا بأدلة طبية ، بأن الخطأ مهني محتمل في كل مستشفيات العالم ، وسأقنع الجميع .. ما رأيك ؟
أدخلت الضحية يوم السبت صباحا ، كان من المفروض أن تلد قبل الساعة الثانية مساءا ، وهي ساعة انتهاء الدوام الأول ، وفي آخر لحظة طرأ عاجل في القاعة الأخرى ، استدعى التدخل السريع للجراح والقابلة ، فاستلزم ذلك وقتا لانقاذها ، في هذه اللحظة بالذات اشتد المخاض على الضحية ، فأسرع الجميع على أنها ولادة عادية ، ولسوء الحظ كان الولد قد حول رأسه الى الأعلى واستوى قاعدا ، مع أنها ولادتها الأولى وجب اللجوء الى عملية قيصرية ، وهكذا كان الجميع في سباق مع الزمن يتحدون المستحيل ، وعملوا ما في وسعهم ، ولكن ويا للأسف حصلت الكارثة ..أعلمك بأننا لا نزال نعمل بامكانيات محدودة جدا ، وهذه القابلة أنقذت العشرات من الأرواح في ظروف أخطر ، ألا يشفع لها هذا ؟.. المهم سأكون حاضرا ، وأتطرق الى الموضوع بتفصيل أكثر .. أستاذ هكذا يكون القضاء والقدر في بعض الأحيان أسرع ..
كريم: أترك لي فرصة لأفكر
الدكتور: الوقت يداهمنا لا تطيل في الأمر
كريم: انني الآن أمام أكثر من اشكاليتين ، التزامي مع الرجل ، العقد معكم ، والمرافعة في قضية ملغمة ، ولست مطمئنا لبراءتها
الدكتور: أتظن أننا نتلاعب بالأرواح ؟ أم ضميركم أعظم
كريم: أبدا يا دكتور ، أنت مطمئن لهذا الطرح لأنه اختصاصك ، أما أنا أتعامل مع النص القانوني الذي لا مكان للعاطفة فيه ، كيف يمكنني أن أجمع عدة عوامل متناقضة للخروج بتركبة منصفة والضحية انسان ؟
الدكتور: وهذا الانسان هو الذي يبقى فوق كل الاعتبارات ، لتوجيه كل العوامل نحو صناعة العدل ، والعدل وحده ... وبعدها كيفما يكون الحكم نكون نحن قد برأنا ذمتنا .. والخطأ سمة البشر ، وحتى القاضي يخطئ في حدود هامش حدده القانون ، والواقع لا يكذب ذلك ، والجريمة هي عندما نتعمد الفعل ، و كثيرة هي النوايا التي لا يعلمها البشر مهما كانوا.
استوى واقفا ، نظر الى الأستاذ كريم بعمق ، مد له يده ، ضغط عليها بقوة وقال: لا تخذلنا ، وستتيقن أنك تدافع عن قضية عادلة أنت أحق بها .. أتركك بسلام
كريم: شكرا دكتور، سأحاول .
خرج الدكتور وبقي كريم ينظر الى مساعده ، وساد صمت تحته اضطراب ... وما وجد كلمة يربط بها ليواصل الحديث ، كان حرص الدكتور على تبرئة المتهمة شديدا ، قبوله الفدية مهما كانت ، انه أرحم من اليقين ، موقفه هذا جعل كريم يعيد قراءة شخصية الدكتور من جديد .. أهذا هو الدكتور مجبر ؟ ، لا شك ان له تركيبة أخرى لم يطلع عليها أحد ، تترادف الأسئلة والأجوبة ... أغلق مكتبه وانصرف ، يجتر كعادته حديث آخر مقابلة .. ويفكر في الحاجة القابلة.
مسكينة تلك الحاجة ،الآن هي في السجن ،على عاتقها جريمتين .. بالمناسبة ألا يمكن أن تكون على علم بماضي خضراء؟.. كيف لم أنتبه لهذا ؟.. أظن أن العقدة أحكمت هنا و بحضورها ، غريب! ، لم يذكرها أحد في كل هذا الذي حدث ، لا شك أن... انها الآن في السجن..
على الحائط كتابات بالعربية والفرنسية ، وتواريخ ورسومات ، النساء جماعات جماعات ، أغلبهن غير مباليات ، بالعكس كأنهن في عرس ، يغنين ويرقصن ، اللهو والمزاح مستمر ليلا ونهارا ، بعضهن يتصرفن أحيانا تصرفات تثير الفضول وتزرع الشك والتساؤل في النفس ، ألفتهن للانتباه ماما ، هي امرأة في العقد الرابع ، قوية البنية ، طويلة الأطراف تبدو أكبر من سنها ، كأنها رئيسة الجوق ، فتيات في مقتبل العمر ، أهملهن المجتمع وأفسدهن السجن ، من كل الولايات ، التفتت الى التي كانت بجانبها وقالت:
- هل لك أهل ؟
الفتاة: مقطوعة من شجرة
القابلة: يعني من الملجأ
الفتاة: نعم .. جريمة ، أليس كذلك ؟على كل حال ليس هناك فرق بيني وبين بنت الأصول ، هنا كلنا سواسية ، وجهين لعملة واحدة
القابلة: انا قابلة في المستشفى أعرفكم جيدا .. ماذا فعلت ؟
الفتاة: قالوا عني بائعة هوى ، و بائعة الخمور بدون رخصة ، تقاتل ثلاثة شبان من أجلي ، مات أحدهم والآخر في غيبوبة والثالث في حالة فرار .. و .. و ..
القابلة: أنت ؟؟؟!
الفتاة: نعم ، أنا ، مستصغرة ؟! هذا وأكثر ، أتمنى أن أكون في يوم من الأيام سيدة قاعة من قاعات السجن ، وأتعلم كيف أدافع عن هوى الشوارع والحدائق ، أقول لك سر آخر ، أتمنى أن أقتل حتى ألمس معنى الجريمة ، لا زلت لا أدرك معناها الحقيقي ، كانت هذه الكلمة ترهبني وترعبني ، أما اليوم والسجن مرقص ، كأني متعطشة للانغماس فيها الى النحر أو أكثر ،.. سأحقق لهم الصورة التي يرسموني فيها
القابلة: لهذه الدرجة تهون عليك نفسك ؟
الفتاة: لست أفضل من ماما ولا ماما أفضل مني ، هي الآن موقوفة للجريمة السادسة ، وخيرة للجريمة الرابعة ، وأم الخير لا تخرج من السجن ، كلنا لنا سوابق ... ومن منا أوفى للسجن وأخلص ؟ .. نشكر الاسلام والثورة على مناسبتهما ، نخرج نتنفس الجريمة ونعود ... أنت ، يظهر أنك لأول مرة تدخلين السجن
القابلة: نعم لأول مرة .. السجن شيء فضيع
الفتاة: قولي الحقيقة ، كم أجرمت من مرة ؟
القابلة: الله أعلم
الفتاة: أنت كذلك تعلمين ، ولكن كنت ذكية جدا ، وهذه المرة خانك شيء ما ، ومن يدري لعلك ستدفعين ثمن كل الجرائم .. على كل حال ستألفين المكان وتتخذين صديقات وتتعلمين أشياء كثيرة ، ان كان في العمر بقية ، أشياء أعماك عنها ما أعمى الحكومة عن جرائمك
القابلة: أنا متهمة بجريمة قتل امرأة ومولودها أثناء الولادة ، ولكن أنا بريئة
الفتاة: الذي يقرر ويعرف هل أنت مجرمة أم لا ، هو الشرطي ، وقاضي التحقيق والقاضي الذي يحكم عليك بالمؤبد أو الاعدام ، كلمتك أمامهم لا تساوي شيئا ، لا زلت أذكر نكتة روتها لنا سجينة خرجت ، قالت أثناء الحرب جاء طبيب يفحص الذين سقطوا في الساحة بعد المعركة ، ومن كثرة الأموات فحص جريحا كان يتألم ويصيح ، فقال الطبيب: خذوه انه ميت ، ضعوه مع الأموات ، فحمله المساعدون فقال الجريح: أنا حي لست ميتا ، فقال المساعدون: وهل تعرف أفضل من الطبيب ، أنت ميت ووضعوه مع الأموات ، والفاهم يفهم ...
انصرفت الفتاة لشأنها تغني وترقص ، تتمايل كأنها جارية في قصر الأمير ، وتركتها في دوامة الرعب والقنوط ، انها في يومها الثالث ، لم تأكل شيئا ، يرقرق الماء وحده في جوفها كالقربة ، وجاء يوم الاستقبال ، كانت في حالة احباط تام وارهاق جسدي زاد في سنها عشر سنوات حتى انحنت ، تقدمت الى الشباك والدموع تنهمر من عينيها ، عائلتها خلف السياج المقابل
الزوج: لا تخشي شيئا ، لقد عينا محاميا بارعا ، انه كريم ابن الحاج لشرف ، ولد سترة صديقتك ، تهز رأسها وتعض شفتها التي ظهرت عليها بوادر الابتسام وقالت تستعطفهم أكثر:
اسمحوا لي ، أتعبتكم ..
الزوج: لا تقولي هذا ، الجميع يسأل عنك
ابتسمت وفاضت عيناها بالدموع من جديد
القابلة: بلغوهم تشكراتي
الزوج: اليك ببعض المأكولات والفواكه ، ستأتيك الحارسة بها ، سنعمل المستحيل لاخراجك من هنا ، وفي أقرب وقت ، عليك بالصبر فقط
رن الجرس وانصرف الزوج والأولاد ، وأدخلت السجينات ، وعادت القابلة الى مكانها تجتر ماضيها ... لماذا لم يأتي المحامي بعد ؟ حتى يطلعني على محتوى ملفي ، أتراهم اقتنعوا باجابتي عن كل تلك الاتهامات التي وجهت الي ؟ ماذا أثبتت التحريات ؟ ما تلك الملفات التي جاء بها رئيس مصلحة الأمومة ؟ ، وماذا قالت القابلة المتقاعدة ؟ ماذا قال المدير ؟ لماذا استجوبوا كل هذا الحشد من العمال ؟ لا شك أنهم سيعذبوني لانتزاع مني ما يريدون من اعترافات ، قالوا أن لهم وسائل جهنمية يعترف بها الجاني عن قتل آدم وحواء ، حتى تتوسع دائرة الرشوة لافقار قارون و ذله ، سيتفطن زوجي لهذا ، ويبذل ما أمامه وما وراءه للافراج عني ، وكريم محامي قدير وشهم ، وما قدمته لهذه العائلة من خدمات لا يعوض بمال منها حادثة خضراء ، وسرها الذي لا يعلمه غيري ، بما بامبرا و نونة الشبح ، سرلا يعوض بثمن ، هذه القنبلة الموقوتة أخشى أنه حان وقت انفجارها ،و ستدفع سترة ثمنا باهضا ، ربما سكتة قلبية ، ذلك هو ثمن الخيانة ، يأتي دائما بآخر الحساب ... سيدافع عني كريم بكل ما يملك من وسائل ونفوذ ، ليس له الخيار ، سترغمه أمه على فعل أي شيء ، نعم ، سيفعل ... كانت تتكلم وتشير بيديها ، فتقدمت اليها ماما ووضعت يدها على كتفيها ، فارتعشت ، حاولت أن تخفي قلقها ، ولكن خانها الصبر ففاضت عيناها وأسندت رأسها على صدرها وهي تشهق .. اني خائفة يا ماما ، اني خائفة
ابتسمت ماما ساخرة ، تنظر الى الأخريات وقالت لها:
لا تخشي شيئا يا ضنايا ، هي أيام قليلة وتتعودين ، الله !! تبكي وأنت في هذا السن يا شيخة !! وماذا يفعل العيال مثلي ؟
القابلة: انه آخر عمري ، هي العاقبة التي تبكيني ، أخشى أن أقضي آخر أيامي في السجن
ماما: لا ، لا تخشي شيئا ، بقاؤك أو خروجك مرهون بحلوة الى القاضي و فدية الى أهل الضحية ، ناس اليوم يتاجرون في كل شيء ، ألم تقولي أنه خطأ مهني ؟! اللهم الا اذا كان هناك قضايا أخرى
القابلة: أخشى من التلفيق ، عائلتنا ميسرة ولم نقع بين أيديهم الا هذه المرة ، سيجردوننا من كل شيء
ماما: لك أن تشتري براءتك بالدينار ، فقط جريمة الكرسي لا تغتفر هنا .
القابلة: المهم أخرج من هنا ، نحن لم نخلق للسجون ، ولا نبخل على أنفسنا بشيء ، نخطئ ونشتري كرامتنا بأي ثمن ، المهم نحافظ عن شرفنا .. السجن شيء رهيب لا يصلح الا للمنحرفين .. أنظري ، أغلبية المسجونات شابات في مقتبل العمر ، ولا فيهن واحدة تجاوزت الخمسين ، لا زلنا نحن نستر عيوبنا ونخشى الفضائح ، أما أنتم تشترون الجريمة وتجاهرون بها بل تفتخرون ، ما كنت أتوقع أن السجن يستر كل هذه العيوب ، وهذه البشاعات .. تجردتم من القيم والأخلاق ، ما كنت أصدق عندما كانوا يقولون لي أن السجن مثل القبر يستر المتعفن ..
ماما: من غيركم فعل بنا هذا ولا يزال ؟ يا أهل الشرف ، هذه التي أمامك اغتصبها طبيب ، وتلك اغتصبها دركي ، والأخرى نافذ والأخرى شرطي ، وحتى كبار المسؤولين ، وكلكم ، تغتصبون الخادمات و تتحرشون بالكاتبات وغيرهن ، نحن يا أيتها الشريفة جرائمكم ، نحن الوجه الحقيقي وراء أقنعتكم ، وعشرات الفتيات اغتصبهن الارهاب الأعمى ، هكذا عندما تنتهون من أكل الفريسة تأكلون بعضكم بعضا ، أنتم من حكم علينا قبل القضاء ، وشوهنا قبل القدر وعوق حياتنا ، ألا تستحي ؟ السجن بنيتموه يا أيتها الشريفة لستر بشاعاتكم وافرازات حماقاتكم ... فلا تحاولي ، يا أيتها السيدة الشريفة ...
بهتتها ، كانت حينها تنظر اليها بعيون الدهشة ... مثل هذه في السجن ! يظهر أنها واعية ومثقفة ، القاضي الذي حاكمها لم يراع أي شيء ولم يأخذ بعين الاعتبار أي عامل ، انهم يحاكمون الناس وكأنهم العبيد والجواري ، بل أكثر من هذا ، أين مسؤولية المجتمع في هذا المصير المفروض؟... لم تعد تسمع كلام ماما ، هي الآن أمامها شفاه تتحرك وأيد ثائرة ، ونظرات تتطاير منها شظايا الغضب وشرارات الكره ... لم تعد تسمع الا أنتم .. أنتم ... أرادت أن تسكتها فدفعتها وواصلت ، كفرنا بكل قيمكم ، وشرعياتكم ، وشرائعكم ، ومقسداتكم ، أنتم من صنع مواطنين من الدرجة الأولى ، وصنع منا العبيد والرجعيين والكفار ، والظلامين ، أنتم وحدكم أبناء هذا الوطن وغيركم طحالب .. أنتم .. اجتمعن عليها وكأنهن أشباح ماضيها ، خرجن من قبورهن لحضور المحاكمة ، وجوه أخرى خلفهن ، أطفال ، نساء ، فتيات، كلهن ملطخات بالدماء ، يحيطون بها ، يتردد صدى كلماتها في عمق رأسها ، وضربات كأنها على الصناجة انتفضت ذاكرتها التي كانت في عمق النوم وأيقظت الضمير ... وضعت يدها على وجهها وانحنت فوق ركبتيها ... لما رفعت ، وجدتهن قد تفرقن ، وحدها ماما أمامها .. نظرت اليها ، ستدفعون الثمن غاليا ، أشاحت بوجهها وذهبت
القابلة: يا هذه ، ما أنا الا حلقة في هذه السلسلة التي تذكرين ، ولو كنت كذلك ما وصلت الى هنا أبدا يا بنيتي ، هوني على نفسك ، لماذا كل هذا الحقد والكره ؟ يكفيني ما أنا فيه ، تريديني أن أدافع عن قدر كتبوا منه بيدي مرغمة ..
ماما دون أن تلتفت: لم نقل لكم أنجبونا ، أنانيتكم هي التي صنعت جيلا تسميه أنت مفككا وغير أصيل لا يؤمن بأي شيء ، لأنكم كذبتم علينا تلك الكذبة ، سميتموها بيضاء في طفولتنا ، وبالغتم حتى أصبحت سوداء ، لم تترك لنا منفذا لرؤية الحقيقة ونتبين ، و الآن نحن على ما نحن عليه ، لن نغفر لكم أبدا ... أبدا ، لقد حكم التاريخ ، فانتظروا لحظة التنفيذ ... انها أقرب ..
انصرفت وتركتها في حالة انهيار عصبي رهيب ، ومن تلك اللحظة اعتزلنها جميعا
وفي اليوم الموالي ، فتحت الحارسة الباب ودعتها ، كانت فرحتها شديدة جدا لما رأت الأستاذ كريم
القابلة: كريم ، ابني ، تأخرت عني كثيرا
كريم: هوني عليك يا خالة وهدئي من أعصابك حتى نستطيع أن نتكلم ، استقرار حالتك النفسية يساعدنا كثيرا على ايجاد مخرج بسلامة ، اجلسي ، لكي أضعك في الصورة
جلست وهي تنظر الى تقاسيم وجهه لعلها تدرك شيئا ... جلس ، نظر اليها ، ابتسم وقال:
مهما تكن التهم الموجهة اليك ، أنت في نظري يا خالتي بريئة ، حقيقة ملفك ثقيل جدا ، واذا لم تساعديني بالصراحة وتخبريني بالحقيقة ، سأقع في متناقضات ، ولا أستطيع أن أدافع عنك لأفتك البراءة مهما عملت
القابلة: أقسم لك أنه كان خطأ مهنيا
كريم: واستبدال المواليد ، والاجهاض ، ووفيات الأطفال ، وموت الوالدات ، وهذه ليست المرة الأولى ، أنت متهمة كذلك بالمتاجرة بالرضع
القابلة:كل هذا ؟! المتاجرة ؟.. من قال هذا ؟
كريم: وأكثر ، اني أنتظر اكتمال الملف ، وبعد مرورك أمام قاضي التحقيق سنتكلم بالتفصيل ، حتى الآن لم تتضح الرؤية جيدا ، سأكون حاضرا في كل الاجراءات ، فكوني قوية ، ودافعي عن نفسك بكل شجاعة ، مر من هنا من هو أكبرمنك تهما وأثقل ، واستطاعوا أن يحصلوا على البراءة لأنهم كانوا حقيقة أبرياء ، سأنصرف الآن وأتركك ترتبين أفكارك حتى نتكلم بدون ارتباك وبموضوعية ، كوني على يقين أني سأدافع عنك حتى آخر نفس، فقط كوني صادقة معي ، وحتى لو حكم عليك سيكون الحكم خفيفا لأننا سنحاول أن نكون صادقين قدر الامكان بعيدا عن التوريط ، وغير متنصلين من مسؤوليتنا .. لا تديني نفسك قبل الحكم بالخوف والقلق
القابلة: سأحاول
كريم: سأعود اليك .. أتركك بخير ..
كعادته ، دخل متأخرا ، جلس على حافة مكتبه يرتب التهم ، ويستجمع أفكاره التي بعثرتها القضية ، قام وجلس على الأريكة ، وضع رأسه على المسند وراح ينظر الى الثريا .. يا لطيف كأنها حبل مشنقة ، هكذا حتى فتح الباب فجأة ، استدار ، انها أمه تحمل طبق العشاء ، وليس من عادتها ، فقام اليها ، أخذه من يديها ، وضعه على الطاولة ، أجلسها وقال:
أنت ؟! لماذا ؟ أين ثورة ؟
الأم: أردت أن أستعيد تلك الأيام الجميلة ، لما كنت في عنفوان شبابي ، أخدمك ، قبل أن أصبح عجوزا .
كلماتها أعادته الى ذلك الزمن الجميل بحضور خضراء ، أراد أن يغتنم الفرصة ، الا أن الوقت ليس مناسبا ، لا يريد تعكير الجو و لفت الانتباه الى هذا العامل الجديد ..
كريم: أبدا ، يا أمي ، لا زالت البركة ، لايزال الحاج يغار عليك .
ضحكت ملأ فاها وابتهجت ، ثم انقلب وجهها فجأة ، وعاد ذلك الوجه العبوس الحديدي ، بلمسات شجونه
الأم: أخبرني ماذا فعلت في قضية القابلة
كريم: هي أول قضية سأخسرها بجدارة ، صدقيني يا أمي اني أشك في براءتها
الأم: لا يا كبدي ، انها أمكم جميعا ، تقف علي دائما في المخاض والوضع ، ساعدتني في ولادتكم جميعا ، يجب أن تفتك لها البراءة مهما كلفك ذلك ، ولا تسمع كلام الناس فيها ، أعرفها ، انها امرأة شريفة ، لكنه الحظ يا بني ، كل تفانيها في العمل لم يشفع لها عندما أخطأت ولأول مرة ... نعم ولأول مرة .
كان يتابع حديثها و الريبة تتزايد ، و الظن يتشكل رويدا رويدا في نظره الى يقين .
كريم: سأحاول يا أمي ، الا أن القضية أصعب مما تتصورين ، لا أخفي عليك انها متهمة بتبديل المواليد الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، مقابل مبالغ مالية باهضة ، زيادة عن الاجهاض وتوليد الأمهات العازبات والتخلص من مواليدهن ، انها تتاجر يا أمي ، أنتظر فقط استكمال الملف حتى أطلع على أقوال الشهود و أقوال الضحايا .. انها جريمة في حق الانسانية ، يعاقب عليها القانون بشدة
الأم: تبديل المواليد ؟ ! الا هذه ، أبدا ، أبدا ، غير ممكن ، لا أصدق .. حسدوها المسكينة ، ولا يزالون يلفقون لها التهم ، وصدقني ليس بيدهم ما يثبت ذلك ..
كريم: يا أمي ، القانون هو الذي يدين أو يبرئ ، شهادتك لا تفيدها أمام القضاء .. أطمئنك أني سأبذل أقصى ما يمكن لاخراجها من هذه الورطة وبأخف ضرر ، هذا اذا كانت بريئة حقا
الأم: أتمنى أن لا تصدق ما يقال عنها يا بني
كريم: حتى الآن هي اتهامات نتمنى أن نجد ما يفندها
الأم: صدقني أنا أمك ، كل ما يقال عنها كذب وافتراء
كريم: أمي أرجوك ، انك طيبة وعلى نيتك
الأم: أتمنى لك التوفيق ، ولكن احرص ، فضلها علينا كبير
كريم: أعدك أنني سأدافع عنها كأنك أنت
الأم: بورك فيك يا بني ، لا تصدق ما يقال عنها ، انها أشرف امرأة عرفتها في حياتي ، نجتني من الموت عدة مرات ، كان المخاض دائما يأتيني عسيرا ، وكانت اصابتي بالقلب تزيد في صعوبة الولادة ، كلكم نجيتم وخرجتم الى الحياة التي تتمتعون بها بفضل تفانيها معي وسهرها علي ، حتى تلك الأفعى السوداء ، و بعد أحمد نصحتني بالتوقف نهائيا عن الحمل ، رغم حرص الحاج عن المزيد .
كريم: الأفعى السوداء ! تعني خضراء ؟
الأم: نعم ، نعم .. آه ..هي قالت لي ذلك ، قالت أنقذتها بصعوبة ، ولما ماتت أمها لم تغفر لنفسها ذلك رغم الأجل والموت الطبيعية ، لقد صامت شهرين وتصدقت بنصيب من المال ، ولا تزال تستغفر الى اليوم
كريم: لو كانت خضراء هنا لساعدتنا كثيرا ، بصفتها كانت تعمل في نفس المستشفى
الأم: ما أعرفه أنا أكثر مما تعرفه خضراء
كريم: لا علينا يا أمي ... سنجد في المستشفى من يساعدنا على كشف الحقائق ، وسنجد من سيشهد لها أو عليها .
الأم: لا تزال الشكوك تساورك ، ولم تقتنع بعد ، أعرفك جيدا ...
كريم: يا أمي ، ملف المرأة ثقيل جدا ، يجب أن أقتنع أنا أولا حتى أعرف كيف أدافع عنها ، هذه قضية تتطلب محامي أكثر مني خبرة وتجربة واطلاعا على خفايا الجرائم ، محام صهرته التناقضات والممارسة الطويلة في معالجة قضايا الاجرام ، ولهذا أفكر منذ الآن في عرض الفكرة على الادارة ، أتمنى أن يعفوني من هذه القضية ، لأنها ستسيئ الى سمعتي ، وفشلي في نظر الناس سيبدأ من هنا ، أنا لا زلت في البداية ، ينقصني الكثير ، والقضاء في وطننا لا يزال برزخا تحت الكثير من الممارسات والمخلفات البائدة ، لا القاضي حر بمفهوم القانون ولا هو مقيد به ، ولا المحامي جريء بالدرجة التي تجعله يعتمد على النص القانوني والدراسات العلمية للمرافعة في قضاياه ... مفهوم الجريمة محدد على الورق فقط ، أما الواقع غير مانتعلمه في الكليات ، هل فهمتي ؟!.. ما أحمقني ! وكأنني أخاطب عميد نقابة المحامين ، أعطيك مثلا بسيطا ، ممكن أنني أتعب وآتي بأشياء كثيرة تثبت براءة موكلي ، ويقتنع القاضي ، ويقدرني في نفسه وتدهشه براعتي ، ولكن يكون قد تلقى شحنة مال أو مكالمة من الأعلى ، فأظهر أمامه دونكيشوتيا أو مهرج أو شبيه ذلك .. بعض المحامين يبرؤون موكليهم قبل الجلسات ، لنفوذهم ومعرفتهم أبواب القضاء الحقيقية التي لا تفتح الا عندما يغلق قصر العدالة أبوابه
الأم: لماذا اخترت هذه المهنة ؟
كريم: وكأنك يا أمي لا تعرفين هذه الأشياء ، انها الهواء الذي يتنفسه أبي في قضاء جوائجه ..
اخترتها يا أمي ظنا مني أنه سيأتي اليوم الذي تحتاج فيه بلادي الى أبناء مخلصين ، شرفاء ، شباب ، أخطأ أباؤهم ، فيأتوا لاصلاح ما أفسدتم لبناء واقامة الدولة ، التي لا تزول بزوال الأشخاص ، انظري أمي الى الشارع ، حتى الأطفال يخربون كل شيء يرمز الى الدولة ، الأشجار ، اشارات المرور ، سياج الحدائق ، مواقف الحافلات ، يكتبون على جدران المراحض العمومية ، على جدران المدارس ، الشباب والمراهقون منهم يمزقون مقاعد الحافلات ،و اللافتات ، يفسدون أي شيء تابع للدولة ، انهم يا أمي يمارسون الرفض بامتياز ، والجميع ينتقم ، من لا يفعل لا ينهي ، هكذا تبدأ الانتفاضات ، كنار التبن ، هذا كله لأن حرب التحرير التي لا تلد ثورة تطهرها من الانتهازيين تبقى ناقصة وتتحول الى وبال على أمتها ... هكذا علمنا التاريخ .. الحمد لله اني أقول هذا الكلام لأمي، والا فمصيري السجن ، حتى لو كان كلامي هذا مجرد انفعال، يعاقب قائله ، لأنه جريمة في نظرهم وخيانة كبرى يحاكم أصحابها في المحاكم الخاصة ، والاعدام هو أخف الأحكام ، جيلكم يا أمي رهيب ، رهيب .. رهيب .. أصعب جيل عرفته البلاد ، زور التاريخ ، سلخ الأمة ، مسح الهوية ، زرع الفتنة التي لا تنام حتى تقسم ظهر الأمة ، وستحتاجين يوما الى جواز سفر للذهاب عند خالك في الشرق أو عمك في الغرب أو صهرك في الجنوب وبتأشيرة ولم لا ؟ زرعتم الحقد والكراهية ودنستم التاريخ ، رفضه هذا الجيل جملة وتفصيلا ، اشتريتم الأيادي والألسنة وقهرتم القلوب وكثرت الخفافيش والفجر بعيد ..
الأم: تقول كل هذا لأمك ؟ سامحك الله يا بني ، سامحك الله
كريم: لأنك أمي ، أقول لك هذا وأكثر ، أقول لك هذا الكلام لأنك في اعتقادي أنت الوطن ، الذي يجب أن يحتوينا جميعا بعيوبنا ونقائصنا ، أتصورك كذلك لأن مصيرك لم يكن أبدا في يوم من الأيام في يدك ولا في أيدينا.
حضنها بكل رفق ، قبلها على الجبين وقال:
مجرد حلم يا أمي ، لا تخشي شيئا ، لا نزال نيام
الأم: فزع قلبي وتكدر ، أخشى عليك حتى من أمك
كريم: أنا أعرف ، لم يسمعني غيرك ، فلا تخشي علي
الأم: شغلتك عن طعامك حتى برد ، أسخنه وآتيك به
كريم: لا ، لا يا أمي ، لا تتعبي نفسك سأفعل وحدي
الأم: أبدا ، دعني ، أحب أن أخدمك بنفسي في انتظار العروس التي ستخطفك مني ، أتمناها محامية مثلك حتى تفهمك
نظر اليها وهي تحمل الطبق وتخرج من المكتب ، كأنها تغادر قاعة عرض ، انغلق الباب وراءها بكل هدوء تدفعه النسمة العابرة من هنا ، وعم الصمت من جديد ، تتساقط شظايا انفجاره على بسيطة العقل باردة ، كأنها قطع من الثلج ، وقف وسط المكتب سارحا يجتر حديثه وينظر الى صورة على الجدار ، ألوان ولمسات يتعدد تشكيلها كأنها السحر ، وتختلف قراءتها من زاوية الى أخرى ..
كريم: سآكل جملا أو فيلا لو قدمتيه لي ، اشتقت الى الأكل من يديك
الأم: تسلم يا بني
وقفت هنيهة تنظر اليه وتحتويه بابتسامتها ثم خرجت ..
تذكر خضراء ، وأطباقها اللذيذة ، تذكر عندما كان يمازحها وهو يقول ، حتى ولو برجلك أنت ماهرة .. وهو يمضغ ويمضغ ..ويمضغ وأبت اللقمة أن تبتلع ، شيء ما سدها ، زاد عليها جرعة ماء وبلعها مستكرها ... أين أنت يا خضراء ... أرجوك كوني بخير اني أقترب ..
في مساء اليوم الموالي ، وكان يوم جمعة ، اجتمعت الأسرة كلها في الصالون ، الأب ، الأم ، ثورة ، كريم ، حتى نونة الغائبة الحاضرة ، لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر شيء على القلب ، ينظر اليها كريم ، يستغرب ، كيف استطاعت أن تجعل الجميع على الهامش ، سكنه هاجس الفضول ، كيف استطاعت أن تطوع هذه السلبية المعلنة ؟ ..
رغم تركيز نظرته اليها ، لم يحرجها ولا ظهر على وجهها شيء ، كأنها تمثال الحديقة ، تحتفظ دائما بنصف ابتسامتها التي تجعلك تقف هنا .. لا تسأل ولا تجيب ، هي رأي الجميع ، يتساءل ، كيف كانت علاقتها مع خضراء ؟ وهل تعرف حقيقتها ؟ وهو كذلك حتى سقط عليه السؤال
الأب: ماذا عن قضية القابلة ؟
كريم: آه .. القابلة ، يحتاج الى شيء من الوقت لدراسته ، ملف متشعب والتهم كثيرة ، يتطلب تحريات وتحقيقات خارج الورق
الأب: ستتحول الى محقق ... بوليس
نظر اليه كريم وقاطعه مواصلا
البحث في ماضي الناس جريمة لا تغتفر ، تصور لو أكتشف أشياء لم يكتشفها البوليس ، هل أسكت عنها لأنها موكلتي ؟ أما شهادة المحيط ، تكاد تتوازن ، الادانة والبراءة لا زالتا بعيدتان
الأب: المحاماة تحتاج الى مكر وخداع وذكاء وجرأة ومراوغة الثعالب ونفوذ .. يا ولدي أدهن السير يسير
فهم كريم قصد أبيه فسكت
الأب: اياك واياك يا ثورة من قراية الحقوق ، يضيع منك كل شيء .. وضحك
ثورة: ما عدت الى الدراسة بالمراسلة لتعلم الثرثرة ، فهذه أنا أحسنها منذ زمان ، الأدبيات كلام فارغ ، سأتحصل على البكالوريوس علمي ، الحقيقة والحقوق في المخابر والورشات ومكاتب الدراسات ، الحقيقة هنا تراها وتلمسها ، ليست سرابا أو تنتظر العالم الآخر لتراها وتلمسها ، نحن العلميون لا ننتظر الآيات بل نصنعها ..
كريم: احذري أن تصنعي صاعقة تدمر العالم فتكون نهاية البشرية قبل أوانها وعلى يدك
ثورة: نستنسخكم ، لا تخشى شيئا ، نصنع مخزونات للخلايا البشرية ، وبعد انتهاء مفعول الصاعقة نستخرجكم
كريم: جميل جدا ، رائع ، أرباب جدد لعصر جديد ، انه جنون البشرية الذي يمكن أن يفسد السماوات والأرض ، وها أنتم بدأتم بطبقة الأوزون ، ما أتفهكم ، وما أعظمك يا ثورة عالمة رسوم متحركة
ثورة: كريم .. يكفي ، تريدني أن أخرج ؟
الأم: يا ثورة ، تأخذين كل هزل جد ، طموحك مشروع ، ولكن للمزاح مكانته في كل جد بين الاخوة
كريم: دعيها ، اذا تعدت المحضور لن أدافع عنها
ثورة: لا أحتاجك ، اختراعاتي تدافع عني وعن نفسها ، واكتشافاتي مهما كانت تخدمني
كريم: وستخسرين الكثير بهذا التفكير ، حتى وأنت في عالم الكارتون ..
الأب: العشاء جاهز يا ثورة ؟
ثورة: نعم ، لا تنتظر الأخبار ؟
الأب: لا ، نتعشى لتنصرف عمتك ونواصل
ثورة: النقاش مع كريم مهزلة ، هو لا يرى المقدس الا في القانون ، أما العلوم الأخرى فهي عبيد لجلالة القانون
كريم: وهذه هي الحقيقة
ثورة: الحقيقة التي يختلف فيها كل الناس
كريم: اذكري لي من خالف من ؟
ثورة: كلام فلسفي لا أطيقه
كريم: ما أطول لسانك وأقصر باع علمك
ثورة: سأدخل الى الجامعة وسترى
كريم: نعم ، جامعة سبيستون .. ابدئي الآن بتقديم العشاء ويومها سنرى ، أنت مملوءة بالحشو الأحمر
نظرت اليه وانصرفت كالزوبعة ، تركت الجميع في حضن الابتسامة الساذجة ، وكأنهم صدقوها
الأب: لا تهدأ حتى تهيج أمواجها
كريم: يا أبي في الثانويات تيارات فكرية ، بقدر ما تفيد تفسد ، هذه التيارات غير مراقبة والصراع الثقافي والاديولوجي يبدأ من هنا ، العلم نور فاذا تجاوز حد العقل يضر أكثر مما ينفع ، فلتكن علمية اذا أرادت ولكن بأفكار نيرة وانسانية بعيدا عن الحديد والنار
الأم: هكذا كنت أنا ، عنيدة ، لكن مع النساء فقط ، أما الرجال فكانت جلساتنا معهم قليلة ، حتى المدرسة في عهد الاستعمار ، واحتراما لديننا وتقاليدنا ، بنوا مدارس للذكور ومتوسطات ومدارس ومتوسطات للبنات ، المعلمون يدرسون البنين والمعلمات يدرسن البنات ، لا زلت أذكر يوم أحرق الحجاب في ساحة الشهداء رمزا لتحرير المرأة ، كان حينها الفاعل يرتدي بذلة صينية ، وكم حز في أنفسنا لما سمعنا بسجن الشيخ الابراهيمي ، رئيس جمعية العلماء المسلمين آنذاك ..
الأب: وبعدها كان ابنه وزيرا للتربية الوطنية
الأم: بعد وفاته
الأب: والله لا أذكر ، المهم كان ذلك
كريم: هذه شهادات يسجلها التاريخ ، يجب أن نحتاط ونتحرى عندما نتكلم في أمور كهذه .
عادت ثورة تحمل الطبق وهي تقول:
تصور أخي كريم لو كان أول رئيس امام ، لكان الوطن كله مساجد
كريم: مساجد أفضل من ثكنات وسجون
ثورة، لا فرق ، الا أن المساجد باقية على حالها والثكنات والسجون تطورت بكثير
كريم: بل تفننت
الأب: يا ثورة ، يا ثورة ، لك الحق في كل ما تقولين الا في شؤون الدين .. مجتمعنا لا يرحم ، لا تجاهري بهذا الكلام ، ذهبت أنا وجدك الى الحج وبذلنا أموالا كثيرة ونحن نتصدق على الفقراء ، ونتوسط للناس في قضاء حوائجهم ، كل هذا لتحافظ أسرتنا على منزلتها ونفوذها ، فلا تضيعي هذا العمل من أجل فكرة أنت غنية عن حملها اليوم
كريم: وربما تتخلين عن هذه الأفكار يوما ، وتتراجعين عندما تتجاوز أفكارك مرحلة المراهقة الثقافية
ثورة: اطمئن لن أتراجع
التفت الأب الى أحمد آخر حبة في العنقود ، وهو يضحك
الأب: وماذا تقول يا أحمد ؟
أحمد: هذه كافرة يا أبي ، كما قال الشيخ حفظه الله ، دهرية ستأكلها النار وهي حية تسعى
ثورة: أدخل وحدك الى الجنة
أحمد: أبي أرجوك ، هذا مجلس نحاسب عليه ، وأنا لا أطيقها .. سفيهة
الأب: لا ، لا يا أحمد ، لا تغضب ، ديننا يحترم حرية الرأي والخلاف ، الدين يا بني يسر ورحمة
أحمد: يا أبي نحن ملزمون بالشرع ، والخوض في مسائل عقائدية يسوقنا الى الكفر عن قصد أو غير قصد ، هي لا تزال لم تتجاوز الثانوية ، وبدأت تؤسس للفكر الجحود ، انها تردد ما لقنها بعض الأساتذة المنحرفين ورفاق السوء ، هذه الدروس الحرة هي في الحقيقة أوكار لنفث السموم .. و
الأب: ثورة يا أحمد ، أنت تعرفها لا تؤمن بما هو فلسفي ، انها تعيش التجربة بالملموس ، تجهل الأدبيات مثل الشعر والقصة والتاريخ ، هذه المواد التي تعتمد على على التلقين والحفظ ، تقول انها مواد يتفوق فيها الأغبياء ، ومن أجل هذه المواد طردوها من المدرسة وأعدناها الى الدراسة بالمراسلة ، واستطاعت أن تثبت جدارتها في العلوم والرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها
أحمد: هؤلاء العلماء الذين نظروا وجربوا ، علماء مخابر الشرق والغرب ، يدخلون الى الاسلام أفواجا أفواجا ، أرجوك يا أبي ألزمها حدها
الأب: احترموا بعضكم بعضا ، الذي يهمني نجاحكم
أحمد: ان شاء الله يا أبي ، دكتوراه في الشريعة الاسلامية من جامعة أم القرى، قالوا انهم يحفزون الطلبة بتسهيلات كثيرة ، ويساعدون طالبي العلم الشرعي ، هذا حلمي يا أبي ولكنه بعيد
الأب: الله ، الله ، هكذا مرة واحدة ... السعودية ، لا تكفيك جامعة قسنطينة
أحمد: أريد أن أرتوي من العنصر ، يا أبي الاسلام جاءنا ، وأنا أريد أن أذهب اليه ، والرجوع الى الأصل فضيلة ، هناك المنبع الصافي ، هناك النص والحس
ثورة: تصبحون على خير ، سأقوم مبكرا لآداء بعض الحركات الرياضية ، يجب أن أرتاح
الأم: أتعبناك يا كبدي ، ليلتك أسعد
ثورة: بركتك يا شيخ أحمد
وانصرفت تضحك ملأ فاها
الأم: عندما تتزوج لا ندري ماذا نفعل ؟
الأب: نبحث عن خادمة
الأم: خادمة في بيتي ! .. أبدا ، الا هذه
أحمد وهو ينصرف: لو بقيت خضراء لكفتكم
الأم: لا تزال هذه اللعنة تطاردنا ، حتى هذا الذي يدعي الاسلام
كريم: لا تقلقي يا أمي ، هذا مجرد كلام
الأم: صرت لا أحتمل حتى اللون الأخضر
ويعود أحمد يتحسر، أعتذر ، لقد نسيت ، هناك فوق المكتبة استدعاء من الشرطة لأبي ، قال انه يخص خضراء ، قلت له أنها ليست هنا ، فقال لي أعرف ذلك ، قل للحاج يأتي الى القسم نحتاجه ...
الأم: الشرطة ! استدعاء ؟ لعلها تكون قد قامت بوقاحة ما ، خذه يا كريم ، الحاج تعبان ، ولا ندري ما وراء هذا الاستدعاء
الأب: هذه هي المهازل التي أخشاها ، والبهدلة ..
أخذ كريم الاستدعاء ، وضعه في جيبه وانصرف ، تركهم في دوامة الأسئلة والتساؤلات ، غريب ، العمة تأخرت الليلة ، وكأنها كانت تنتظر المفاجأة ، ينظر بعضهم الى بعض في مبارزة الظنون .
الأب: لم يبق الا هذا ، الحاج لشرف في مكتب المباحث ، يا فضيحة آخر العمر ، يا بهدلة العاقبة ، أنا ، أنا عند الشرطة ، كل هذا حصيلة حماقتك يا سترة ، ماذا يقول عني الناس ؟

 
 

 

عرض البوم صور مختار أحمد سعيدي   رد مع اقتباس

قديم 24-10-11, 09:34 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2011
العضوية: 231308
المشاركات: 71
الجنس ذكر
معدل التقييم: مختار أحمد سعيدي عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 77

االدولة
البلدAlgeria
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مختار أحمد سعيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مختار أحمد سعيدي المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي

 

الفصل الخامس

أدخلتها الحارسة الى غرفة الاستقبال ، لا أحد فيها ، جلست ، ولما رفعت بصرها رأت صورا معلقة على الجدار ، صور لحادث مرور ، سيارات تداخلت في بعضها بعضا ، جرحى ، شرطة ، مارة فضوليين ، قامت اقتربت ..مؤخرة شاحنة ، شيء فظيع ، امرأة مستلقية على بطنها ، منكشفة الساقين حتى الفخذين ، امرأة سوداء في سنها ، آه ، انها هي في هذه الصورة .. هذه أنا ؟ .. نعم أنا لا شك في ذلك ، ومن هؤلاء ؟ جثة ملقاة هنا وأخرى هناك ، رجال يرتدون مآزر بيضاء بمحامل ، هذه صور المصابين ، لا تعرف أي واحد منهم ، تحاول أن تتذكر شيئا ، لا تقدر ، انه الحادث الذي تكلمت عنه محاضر الشرطة .. عادت الى صورتها هل يمكن أن أكون أنا ؟ .. وهي كذلك حتى دفعت الباب ودخلت ، انها الحارسة .
هيا الى القاعة ، لم تأتي و أجل اللقاء الى الأسبوع القادم
السوداء: أي لقاء ؟
الحارسة: لا يهم ... هيا
لما دخلت الى القاعة ، وجدت سجينة جديدة ، مرت الى مكانها دون أن تكلم أحدا .
الجديدة: تعالي هنا
أخذت تنظر اليها ، امرأة كالجبل قصيرة الشعر ، دائرية الوجه ، عريضة الذقن ، شفاه غليظة ، وأنف صغير ، كبيرة الأذنين ، طويلة الرقبة ، لا يتجانس فيها شيء كأنها مركبة من بقايا أجساد متنافرة ..
امتدت فوق فراشها غير مبالية بها ، واذا بالضربة تأتيها من الخلف على الرأس ، أرادت أن تقوم فأصابتها أخرى في الرقبة ، وواصلت الركلة تلوى الأخرى ، ولما أفاقت وجدت نفسها على سرير العيادة ، لا يزال رأسها يوجعها ، كتفها ، رقبتها ، صدرها ، وكأن آلية أشغال مرت فوقها ، حاولت أن تقوم فلم تستطع ، استوت بصعوبة جالسة ، جاءت الحارسة ، تسوقها الى القاعة ، تبحث عن السجينة الجديدة فلم تجدها ، فانفجر الجميع بالضحك وقالت احداهن:
ستعود في المساء ، عاقبوها من أجلك ، هل تريدين أن تثأري لنفسك ؟
لم تقل شيئا ، وأخذت مكانها ، تناولت عشاءها ونامت رغم الضجيج ...
في اليوم الموالي قابلت المحامي
المحامي: يكذب من يقول لك أنه باستطاعته أن ينجيك من حبل المشنقة ، الحكم مرهون بالاطلاع على حقيقتك واستعادة ذاكرتك ، فقدان ذاكرتك لا يكفي في المرافعة ، لأنهم قبضوا عليك في الحادث متلبسة ، هكذا أنت متورطة ، وكانوا متأكدين أن في العصابة امرأة سوداء ، حملت عدة أسماء بوثائق مزورة ، سقوطك في أيدي الشرطة غنيمة لا تعوض ، وانجاز عظيم في محاربة الجريمة المنظمة ، ولهذا أنصحك بالكف عن المراوغة ان كنت فاعلة ونلتمس لك التخفيف ، أقول هذا الكلام ليس عن قناعة أنك مجرمة ، لكن ليس لي أي شيء أعتمد عليه في الدفاع عنك ، والا ستبقين هنا دون محاكمة الى أجل غير محدود ، وستختفي مع طول الزمن ... هل زارك الطبيب النفساني ؟
السوداء:لا ، زارتني امرأة ، رئيسة جمعية نسوية ، قالت أنها تنتمي الى منظمة انسانية تعتني بمن هن مثلي
المحامي: سيزورك عن قريب ، ولهذا حاولي مساعدته لاخراجك من هذه القوقعة .. هل ضربوك في السجن ؟
السوداء: لا ، شجار مع سجينة جديدة
المحامي: ماذا فعلت الادارة ؟
السوداء: قالوا عاقبوها
المحامي: يا سوداء ، حسني سلوكك في السجن لعله يشفع لك
السوداء: لا تحمل همي يا سيدي ، قم بالذي تستطيع القيام به ، ما أصبح يهمني شيئا ، كل هذا التهويل لا يخيفني ، أنا الآن في عداد الأموات ، لا بداية لي ولا نهاية ، أظن الاعدام بالنسبة لي أرحم ، فقط وضح لي موقفي وتفاصيل قضيتي ، أريدها قراءة جديدة لتقرير الشرطة ، بل كل الملف
المحامي: لك ما تريدين ، سأعرض عليك تفاصيل القضية بالتدقيق ، وأناقشها معك ، فقط أعينيني بالاستعداد والرغبة في المشاركة
السوداء: أعدك ، حتى لو كنت مجرمة ، لا أريد أن أبقى خلف الذاكرة ، لن أرحم نفسي وأترك لها فرصة للهروب من واقع شرها ، سأجعلها تدفع الثمن ، سأساعدك على الادانة ، انهم يبحثون عن اعتراف ، سأوفيهم ما يريدون وأضع نهاية لهذا المسلسل
المحامي: الأمر ليس بالسهولة التي تتصورين ، ماذا تقولين لهم ؟ .. الاعتراف يحتاج كذلك الى أدلة ، والا سيتهمونك بتضليل القضاء ، وهذه جريمة أكبر .. سأساعدك بالتأجيل الى حين ينهي الطبيب النفساني مهمته .. بعدها سنرى .. أتركك الآن ..
خرج المحامي وعادت هي الى مكانها، عادت الى الصور ، عادت الى المكان الذي افترقتها فيه الذاكرة ، افترق فيه الماضي مع الحاضر ، تلك الصور التي غلب عليها اللون الأخضر ، تروي تفاصيل أجساد في وضعيات مختلفة ، أجساد تمردت عنها الروح واستسلمت للصمت ، تتحدى كيفيات السؤال ، هي وحدها من بينهم التي تتكلم ولا تستطيع أن تقول شيئا ، مجرد أجساد من لحم ، لا فرق بينها وبينهم ، تلك المرأة المستلقية ، كأنها ورقة من شجرة الأيام قذفتها رياح اعصار الى عالم الاغتراب ، هذه السيارات الفارهة التي تحولت الى ركام من حديد ، كانت تحمل أناس تدفعهم عزائم مختلفة ، توقف حرصهم هنا ، وتعانقوا واختلطت دماء الأحبة والصحبة بدماء الأعداء على أرضية الزفت السوداء ، اختلط دم الجريمة بدم القانون ، منهم من وكأنه نائم ومنهم من تشوه ، يمارسون كلهم لعبة الصمت ... تسترجع صورهم الواحد تلوى الآخر ، لا تعرف منهم أحدا ، من هو المطارد ومن هو المطارد ، ومن هو القادم على حين غفلة ، حتى ذلك المريض الذي كانت تحمله سيارة الاسعاف قضى نحبه هنا ، لعله كان أقرب ... تبحث في كل واحد منهم لعلها تجد جزءا من ذاكرتها ، فوجدتهم أغرب مما كانت تتصور ، وجوه كلها من ألم ، من أسى ، من ندم ، صنعت نهايتهم المقادير التي لا تميز ولا ترحم ، تبحث أين كانت تجلس ، وبجانب من ، وماهي آخر كلمة قالتها وآخر كلمة سمعتها ، وماذا كانت تنوي أن تفعل ، وحدها تلك المرأة التي ترتدي ذلك المعطف الأخضر التي قالوا لها أنها هي ، لا تزال نائمة في عمقها ، ولا حتى تستطيع أن تسترها ، ليتها تستيقظ وتقول لها من هي ، هذا الجسد الذي لا يعرف نفسه ولا يعرفها ، هذا الجسد الذي ولدت من غيبوبته ، وكأنه رفضها وتبرأ منها وجردها من كل معانيه ، آماله ، أحلامه ، آلامه ، ، ما أراد لها أن تقاسمه مشاعره وماضيه ، احتفظ بكل شيء وسلمها للمجهول يحملها ما يشاء .. هذه المرأة التي شاء لها القدر أن تولد من جديد في السجن ، ربما لتموت ، فاعل حركته الظروف لصنع حدث ما ، سقطت رقما في معادلة عقد كل الحلول ... فأين تجد نفسها في هذه التراكمات التي تحيط بها بمصير في يد غيرها .. تضحك ، أنا عنصر خطير في عصابة ؟ لا أظن ، ان العناصر الخطيرة والفاعلة لا تفقد سر قوتها ، لأنه سبب وجودها ، أظن أن الذاكرة يفقدها فقط الذين يريدون التملص من مسؤولياتهم والتخلص من ماضيهم تحت وطأة الاستعداد النفسي لذلك .. ، أنا تلك التي ترتدي المعطف الأخضر؟ هل يمكن أن أكون كما يقولون ؟ لا أشعر بذلك ..
قضت تلك الليلة في غمار البحث عن الذات في كل شيء ، عندما اقترب الفجر ، جاءتها تلك الغفوة ، لم تتجاوز بعض الدقائق واستيقظت ، لأول مرة تحلم وتتذكر حلمها ، بين الفرح والقنوط ، رأت شبحا يطاردها ، شبح امرأة تريد أن تضاجعها ، امرأة ترتدي معطفها الأخضر ، ولكن كلما قاربت أن تمسكها حال بينهما دخان كثيف ، أو ضباب .. امرأة سمتها هي المرأة الخضراء ، حتى وجهها كان أخضر ، أطرافها ، لباسها ، عيونها ، حتى سفطها كان أخضرا ...
في صباح ذلك اليوم جاءت تلك المرأة الملاك ، صديقتها ، وكأنها غابت دهرا
السوداء: كأنك في سنة
المرأة: هل فكرتي في ؟
السوداء: كيف لا أفكر فيك ، انتظرتك على أحر من الجمر ، حتى ظننت أني رأيتك في حلم
المرأة: هل تختلط عليك الأشياء دائما الى درجة أنك لا تفرقين بين الواقع وما ترينه في المنام ؟
السوداء: المنام ؟ ، أنا لأول مرة أرى حلما وأتذكره
المرأة: جميل ، بدأت تحلمين ، انك على بوابة الخروج من الأزمة
السوداء: الشيء الوحيد الذي لا أريد أن أتذكره هو السجن
المرأة: لماذا ؟
السوداء: لأنني أشعر بسجن آخر في عمق ذاتي ، كاد حديثك في المرة السابقة أن يفتحه
المرأة: من صنع هذا السجن بداخلك ؟ حاولي أن تدخليه
السوداء: أبوابه موصدة والطريق اليه مظلم ، مليء بالبشاعات
المرأة: أرافقك ؟
السوداء: ليتك تقدرين ، ليتك تفعلين
المرأة: هيا حاولي ، سنبدأ من الأول
السوداء: البارحة رأيت امرأة خضراء تحاول أن تضاجعني وأنا هاربة في متاهات يحول بيني وبينها سواد كلما اقتربت مني ، عينيها مثل عينيك ، لأول مرة أتذكر حلما ، كان كابوسا ، الا أنني أحسست بعد يقظتي بالفرحة الكاسحة وكأنني أعدت جزءا مني الى أصله
المرأة: انها حقيقتك ، حاولي أن تستعيدي تلك اللحظات ولا تهربي منها في هذه المرة ، انظري اني معك ، وينزل عليك هسهاس النعاس يباشرك ، يحتويك ، يحضنك ، فوق أرجوحته وتبدأ هدهدة النوم ، وتسافر نظراتك في عمق الزمن الأخضر ، ذلك الزمن الجميل الذي يختفي وراء الهدوء الذي يخيفك ، يحمل معه ذلك الهدوء ، بشائر اللقاء بالمرأة الخضراء ، أنت الآن يا جميلتي تنامين .. تنامين ..تنامين في عمق الرحيل ، تسافرين خلف هذه الجفون المثقلة في عالم البحث عن الحقيقة التي هي هنا ، وراء ذلك الستار من دخان الوهم وأكذوبة الضباب حيث كنت طفلة .. نعم طفلة بريئة تملأ الفضاء بقهقهتها ، وترسم البسمة في كل مكان ، انظري هذه أمك ، نعم أمك ، أنت الآن على صدرها ، أنفك في نحرها تستنشقين عبق مناتحها وتنامين .. تنامين ..وتنزل كذلك الشيء الذي يضاهي في نزوله الرسوب الى عمق الذاكرة حيث تنام الذكريات خلف البشاعات الوهنة ، انه السفر للبحث عن الذات ، اخترقي الوهم ، انه هوان واسمعي نداء الماضي يستغيث بك ، انك الآن أنت .. أنت .. حينها كانت السوداء تستند على صدر المرأة ، ودمعتان تمهد طريق العبرات على الخد الأسود ، تسقي احمرار الشفاه التي كانت تتحرك ببطء ، كأنها تقرأ خواطر العتاب ، تستعيد في صعودها انفجار النفس الطويل .
المرأة بكل قوة .. من أنت وضربت الطاولة
السوداء: أنا .. أنا .. أنا خضراء نعم خضراء ...
فزعت بعيون تكاد تنفجر ، تمسك رأسها بيديها وتصرخ أنا خضراء .. خضراء ، تضمها المرأة بكل رفق وقالت: هوني عليك بنيتي ، ستعرفين نفسك عن قريب ، رفعت رأسها ، تنظر الى المرأة والدهشة تملأ عينيها وقالت: من أنت ؟
المرأة: أنا صديقتك
السوداء: وأنا خضراء ، تلك المرأة التي رأيتها في المنام .. نعم أنا المرأة الخضراء
فقامت المرأة ، قبلتها على الجبين وانصرفت ، أرادت أن تمسك بها أن تقول لها لا تذهبي ، أو تذهب معها ، تتسارع الأحداث في ذهنها وتتصارع ، يعود الشريط بقوة رهيبة ، انها تتشكل من جديد ، هجمت عليها الأجوبة من كل جهة فشدت على رأسها بكل قوة .. ألم ، ضجيج .. شيء ما يخنقها ..وفجأة انطلقت صرختها كأنها صيحة دمار ، سمعها الجميع ، فدخلت الحارسة تجري تتبعها المرأة التي كانت لا تزال تتحدث معها في الرواق .
الحارسة: هيا كفى كوميديا
أخذت تنظر اليها ثم قالت: الى أين ؟
الحارسة: الى الفندق عشر نجوم
فدخل المدير: ماذا يجري هنا ؟
الحارسة: لا شيئ ، مجرد تمثيل .
ساقتها أمامها وانصرفت
المرأة: اختلط عليها الأمر ، انها تعاني ، لقد اختلط عليها الواقع بالخيال ، لما استعصى عليها الأمر لجأت الى الخيال لصناعة نفسها من جديد ... ربما في اللقاء القادم ستكون النتيجة أحسن ، يظهر أننا قطعنا شوطا مهما لاسترجاع ذاكرتها
المدير: أشكرك حكيمة ، حتى الآن هي لا تعرفك ؟
المرأة: لم أقل لها أنني طبيبة نفسانية حتى لا تحتاط ، لا أريدها أن تشعر انني أستنطقها لمعرفة حقيقتها كمجرمة حتى لا تنفر مني ، اني أعتمد على الجانب الانساني العاطفي ووازع الخير ، ربما رفضها لكونها مجرمة هو الذي سبب لها فقدان الذاكرة ، لأنها غير راضية عن نفسها ، انه الهروب من الذات ، ولهذا اني أعتمد على المحادثة الوجدانية للبراءة فيها ، في اللقاء القادم أحاول أن أصدمها بالواقع ..
في مكتب المدير كان المحامي في انتظاره ، جلس الجميع
الطبيبة النفسانية: سأحاول في المرة القادمة تحويل انتباهها الى الواقع أظن أنها تلقت ضربة وكانت تحت تأثير الاستعداد للهروب من ذاتها ، تحت مفعول الندم والخوف وخاصة لما كانت الشرطة تطاردهم ، أو ربما رفضها الاستسلام للأمر الواقع لما يلقى عليها القبض ... يجب اطلاق سراحها واعادتها الى مكان الحادث ، يجب أن ينشأ ذلك الشعور بالحرية والنجاة من العقاب حتى يتحرر الدافع الى ممارسة الفعل ، والعودة الى التمرد من جديد .. هكذا هي النفس البشرية أحيانا ، ساذجة ، تتجرد من كل شيء عند الخطر ، وبمجرد زواله تبرز الرغبة للعودة من جديد .. تلك هي الأمراض الاجتماعية تنام فيروزاتها ولا تموت ، لا يقهرها الا الالتزام المتواصل الذي تصنعه القناعات ، سواء كانت دينية ، أو ثقافة مبدأ انساني
المحامي: صعب اقناع القاضي باطلاق سراحها ، هي الآن في نظر القانون مجرمة حتى يثبت العكس ، سلوكها في السجن يثبت ذلك ويؤكده
المدير: انها عنيفة جدا ومتسلطة
المحامي: فقدان الذاكرة لا أظن أنه يؤثر في السلوك
الطبيبة النفسانية: فاقد الذاكرة في غيبوبة معنوية من المفروض أن لا يتصرف من الماضي ، بل يحاول أن يكتسب سلوكا حميدا ويبني شخصية متجانسة مع المحيط الذي يعيش فيه ، أو يتقوقع على الفراغ الذي يسكنه ، كل حسب استعداداته ، في الحقيقة وجودها في الوسط الاجرامي يشجعها على السير في الخط الموازي لماضيها ، ولا تلتقي معه الا في حالات نادرة ، ستستقر ولا تبحث عن نفسها اذا اقتنعت أنها كذلك
المدير: هذا أمر يخص النيابة ، لأن العزل في حد ذاته عقوبة وأظن أنه لن ينفع ، فقد تجاوزت السنة
الطبيبة النفسانية: لا نستطيع أن نوفر لها الأدنى ؟
المدير: ياحكيمة، هذا سجن وليس مركز صحي أو مستوصف
المحامي: من المفروض أن تكون هناك تسهيلات في الظروف الاستثنائية ، لأن هذا يساعدهم على كشف المجرمين ، والتقرير الطبي أثبت أن
أفراد العصابة تناولوا أقراص مسمومة قبل الحادث بدقائق ، هي الوحيدة التي لم تتناولها ، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا رؤوسا ، ووراءهم شخصية بارزة ، يبقى كيف أقنعوهم بتناولها ، في حالة الخطر ، هذا أمر آخر ، لا يمكن أن يكونوا سذجا الى هذه الدرجة ، وحتى الحقيبة اختفت ، القضية خطيرة جدا ، وخلفياتها لا تزال تثير أسئلة كثيرة ، كانوا ثلاثة رجال وامرأة سوداء ، هكذا جاء في التقرير
المدير: ألا يمكن أن يكون قد نجى أحدهم وأخذ الحقيبة ، أو حضر أحد من العصابة الى الحادث وأخذها مثلا ؟
المحامي: فرقة المطاردة أكدت عدة مرات عددهم ، وكانت تتابع تحركاتهم من المزرعة حتى دخولهم مدينة أروان ، كان من الممكن القبض عليهم ، ولكن الهدف كان الوصول الى رأس الحربة ، الا أن العصابة تفطنت لذلك ، فاشتدت المطاردة وحدث ما حدث
الطبيبة النفسانية: امرأة سوداء ؟ امرأة خضراء ؟ تبتسم ، تهز رأسها ، برقت عينيها في الخفاء .. هناك شيء بداخلي يوحي الي أنها ليست مجرمة ، عندما أنظر اليها ، الى ملامح وجهها ، يديها ، حركاتها ، فيزيولوجيا ، لا يظهر عليها شيء من هذا
المحامي: لا يمكن أن تضيع هذه المواصفات مع فقدان الذاكرة ؟
الطبيبة النفسانية: مع طول الزمن ممكن ، ولكن مباشرة ، لا ، غير ممكن ، سأعود اليها مرة أخرى ، أستأذن
المحامي: أنا كذلك ، عندي التزام الآن ..
خرجوا جميعا وبقي المدير وحده يجتر حديثهما ، القضية أثارت فضوله كثيرا ، وليس من عادته ، حاول أن يصرف نظره الى شيء آخر الا أنه وجد نفسه محاصرة ..
أنا سجان ، ماذا يهمني من أمر السجناء الا خنقهم والتضييق عليهم وجعلهم يشعرون بالعقاب ، لماذا أريد حشر نفسي في أمر لا دخل لي فيه من قريب ولا من بعيد ، السجان جلاد ، لا مكان للرحمة في قلبه ، هكذا علمونا ، والسجان الناجح هو الذي يتمنى أن تكون الأرض كلها سجن ، وهذا حلم كان يراودني ، وهكذا فهمونا ، الملجأ الذي نشأت فيه كان كذلك عبارة عن سجن ، والمدرسة العسكرية سجن ، وتحويلي الى ادارة السجون كان طموحا من طموحاتي ، وها أنا ذا على رأس المؤسسة العقابية التي سموها تمويها اعادة التربية ، هنا يتطلب منا الخشونة وذل الرقاب ... صنعت من أجل هذا ، فماهذا الاحساس الغريب الذي يدفعه شعور بالذنب لأول مرة اتجاه هذه المرأة السوداء ، ما أظنه الا أنه نابع من سواد البشرة الذي نتقاسمه ... سأحاربه وأقضي عليه .. ضغط على الزر ، فظهرت الحارسة ، سارها وخرجت ، ذهبت مباشرة الى القاعة وبدأت تستفز السوداء ، كلمة جارحة ، صفعة ، ركلة ، بزاق ، .. دفعتها ، ولم تشعر السوداء الا وجامع كفها على خد الحارسة بكل ما تملك من قوة ، فوقعت على الأرض كالذبابة ، هرول اليها الجميع ، قامت ، وضعت لها القيود وأخذتها الى مكتب المدير ، تدفعها كما تدفع الشاة الى المذبح .. فأمر بعزلها في زنزانة ..
مر أسبوع على هذه الحالة ولا تزال على حالها ، صدق من سماك الصخرة السوداء ، أعادوها الى القاعة ، كانت انسانا آخر ، وكأنها تدخل السجن لأول مرة ، تبكي ليلا ونهارا ، يتساءل الكثير عما بأغوار هذه الصخرة ، هذا الجسد الممشوق رغم المحن والعيون النجلاء والشفاه الغليظة ... جمال في ضبابية ، أخذ بمجامع فؤاده ، لأول مرة يحس بالحرمان ، يحس بنقص عاطفي فظيع ، يبحث عن الحنان ، عن الدفء ، هذا الشعور الغريب ألقى به في غربة الذات وأدخله الى حقيقة السجن ، يحاول تبديد الظلام الذي يحيط به من كل جهة في هذا العالم الذي دخله ولأول مرة ، بعيدا عن القساوة وخشونة الحذاء ، هذه المعاني الجديدة التي دخلت بها هذه المرأة الى فؤاده غازية ، فحطمت كل القيود ، وحررت لأول مرة الروح الانسانية من أنكال التشويه وبشاعة البذلة ، ولكن ماذا عساه أن يفعل ، انه موظف ، عبد مأمور صادق العبودية ، ليس له الحق في مخالفة القول أو العمل ، الأوامر تأتي من الأعلى وهو دائما في الأسفل .. أغلق مكتبه ونزل الى الزنزانات والقاعات ، لا تسمع الا الهمس .. المدير ... المدير .. وقعقعة الأبواب وانصفاقها ، وقرعات حذائه على البلاط ، كانت خطواته في هذه المرة مثقلة يرد صداها الرواق ، تبعث في نفوس السجناء القلق والخوف وشعور باقتراب بشاعة النهايات ، يتفقد القاعة بعد الأخرى ، يتذكر بعض الوجوه التي مرت من هنا الى المقصلة ، أو حولت أو أطلق سراحها بعد الاستنزاف التام ... حتى وصل الى جناح النساء ، بعض الأسئلة الروتينية للحارسات ، والسجينات ، لم يكن كعادته ، كان حينها يجتر غربة السجن ، كاد يقول لهن ، لجميع السجناء في العالم ، لا تندهشوا العالم كله سجن ، وسكانه في غيبوبة ، كاد يقول لهم ان سجني أعظم وسواد ظاهري ما هو الا انعكاس لما أعانيه من غربة الذات في هذه الدهاليز التي تنبعث منها تصرفاتنا الظالمة التي لا نجد لها تفسيرا .. أما أنت أيتها الصخرة السوداء التي لا نعرف حتى الآن ما وراء هذا الجدار الأسود الذي بيننا وبينك ، حتى لو خرجت ، ستجدين نفسك في سجن أضيق وأسوأ ، ثم تحول الى الحارسة:
لا زالت على حالها ؟
الحارسة: بدأت تشعر بالذنب ، منذ عادت من الزنزانة وهي تبكي ، ولا يزال الجميع يتعامل معها بحذر ، بالمناسبة ، ماذا نفعل بالسجينة التي ضربتها
المدير: لا شيء ، حولوها الى قاعة أخرى ، انتهت مهمتها ، ستخرج في هذا الأسبوع ... غريب أمر هذه المرأة ..
توقف كثيرا في هذه القاعة ، وكأنه ينتظرها تقوم اليه ، ولما تأكد بأنها تعيش في عالم كله بؤس ، غربة الذات والديار ، انصرف بكبرياء منهزم ، وشعرت الحارسة بشيء في نفسه فقالت: ماذا أنت فاعل بها ؟
نظر اليها بشيء من الغرابة وانصرف ، دخل الى مكتبه ، الجو فيه لطيف ومكيف ، نزع معطفه ، علقه ، شمر على ساعديه وجلس ، كان الكرسي مريحا على مقاس جسده ، أخذ سيجارة ، يمتص دخان احتراقها الأبيض ، يبتلعه حتى لا يكاد يخرج ، ويرسله مع الزفير أبيض حتى لا تكاد تراه العين ، والعقل كأنه حاسوب يبحث عن شيء خارج برمجته ، وحار الضمير وخانه التعبير ، يتسائل كيف تحولت آلة قانون مثله الى نفحات تجاوزت كل الأعراف والشرائع وتحدت البناءات الذاتية والتركيبة النفسية لاحتواء انسانة مثل الصخرة السوداء .. هذا الرقم المجهول في عصابة دوخت عباقرة صيادي الجريمة ، وراءها دماء تصفيات وتبيض أموال ، قتل مئات بل آلاف العزائم وتهميش فئات كثيرة من المجتمع وتحويلها الى طاقات وقدرات لاستنزاف الذات البشرية ... هي دائما النافذة الوحيدة ، والزاوية الوحيدة التي ينظر منها مثله ويغض بصره عن المضخات التي تدفع هذه العمالة في سوق الاجرام ، تنظيم كهذا لا يأتي من العدم ، خلق الحدث التشهيري ومحاربته ، كالاختراق تماما ، تعمل به كل الجهات المختصة لتوجيه التيار الدعائي المغرض ، وكم نحن بارعون في صناعة مثل هذه الرياح ، نحرق الدار ونبكي مع صاحبها ... رغم كل هذا يمكن أن لا يحاكموها أصلا ، حتى يدركها النسيان ثم تختفي ولن يسأل عنها أحد مثل ما فعلوا بالكثير من مروا من هنا .. و الزمن أثقل من التراب ... حينها لا ينفعها طبيب ولا محام ، ولا حتى الذاكرة ، نعم الذاكرة ! ... يا ويحها ... يا ويحها .. يجب أن أحذرها ، يجب .. يا ويحها من عودة الذاكرة ... يجب أن أنبهها ، ولكن كيف ؟ أتمنى أن تكون ذكية ولا تقع في قدر التصفية ... البرزخ الذي بين القاعدة والقمة مثلها هو الذي يدفع الثمن في أغلب الأحيان وخاصة عندما يكون الرأس في السماء ، تقطع كل سبل الوصل ، وما أنتن فساد الرأس وما أبشعه مقابل نتانة البطن وما أهونه ، وبمواصفاتها وصفاتها ، ما تكون الا أرنبا في سباق جميع الأطراف ، تنتهي اللعبة ويحسم الأمر في وثبتها الأخيرة قبل الوصول ، ويعود الجميع الى مواقعهم ، كل في رواقه ، حتى يظهر أرنب آخر أسذج .. يبتسم بعضهم لبعض ، ويشير القدح الى القدح من بعيد في انتظار جولة أخرى ... وتستمر الحفلة كما يقول المثل الفرنسي ...









الفصل السادس


وحده أمام الباب ، طويل حتى انحنى ، تملأ علامات الغضب وجهه ، ينظر اليه بعينين ترمي شرارات المقت والازدراء ، برزت فيه كل مظاهر الجهالة ، سلم عليه ، لم يرد ، ولما فتح الباب دخل دون استئذان ، عرفه ، انه صاحب القضية ، انه من ذلك النوع الذي يضر في قوة ويضر في ضعف ، فض ولا يعرف الاستفهام الا بعد الحكم ... هكذا بدأ اليوم عصيبا ، لم يتكلم بعد ، ينظر اليه يرتب أوراقه ، فتح نوافذه وجلس ، لا يزال الرجل واقفا
كريم: تفضل
الرجل: أنا لست هنا لأعاتبك أو ألومك ، صدق من قال: محاميها حراميها ، يكفيكم ما أنتم فيه من حرمات وأكل أموال الناس بالباطل ، وشهادات زور ، و افتراءات ، وتلفيق ومحاباة الظالم ، وتعطيل الأحكام ، قل لي بربك ماذا بقي لكم وقد جردتكم المادة من كل القيم والأخلاق ودستم علينا ... أعطيني ملفي
كريم: اننا الدواء المر يا سيدي الذي لا بد منه ، ورغم حكمك هذا فلا بد لك من محام بهذه المواصفات يدافع عنك ، أما أنا لست كذلك ، أنتم برشاويكم وسكوتكم وأنانيتكم من ساعد على التعفن والفساد .. خذ ملفك ، واحمد ربك أنني أنا خصمك ، ولو كان غيري لمرت فوقك قاطرة قطار لا تعرف الوقوف الا في محطات معينة ، وليس كل أخضر حشيش يا فضيلة الخلق .. أنا ملزم بعقد اداري للدفاع عن القطاع الصحي ، ولكن هذا لا يمنعني من الدفاع عن الحق والوقوف بجانب المظلوم ولو بالسكوت ، فكن مظلوما فقط وسترى صدقنا ونحن نرافع من أجل احقاق الحق ورد المظالم .. من أجل عدالة القضاء ، والعدالة فقط ... أعرف أن فقدانك لزوجتك وابنك ليس أمرا هينا وأني أخطأت معك ، وربما وجودي ضدك يخدمك أكثر ، تفضل خذ ملفك رب ضارة نافعة ..
خرج الرجل وترك كريم في حالة غليان فظيع ، هذه المهنة الشريفة التي دنسها الخبزيون ، أذيال البيروقراطية التي ضربت أطنابها في أعماق القضاء ، وصنعت من الظلم قدرا محتوما ، وتحولت رموز العدل الى أشباح وغربان تجتمع دائما على الجيفة ...
أثار هذا الصراع في ذاته ثورة زادت من حدة الندم على توجهه هذا ، كل شيء أصبح عدوا ومخيفا لهذا الشعب الذي ابتلي بكل الأمرض ، لا يؤمن بأي شيء ، ولا يثق بأحد ، سكنه الشك الى درجة الكفر بكل شيء ، فقد الأمل الى درجة أنه شل فيها من مفعول رد الفعل حتى بأضعف الايمان ، أصبح العدل سفسطة لا يطاق ... الرشوة ، المحسوبية ، البيروقراطية ، قلة الحياء ، فقدت النخبة كل مفاهيمها ، أصبحت كالملوك بمفهوم بلقيس ، هكذا احتدم التوتر في نفسه ، التي كانت تحاول جاهدة أن تدفع باليأس بعيدا ، نخبة مهملة لا تؤمن بالمثالية ، تنسلخ بسهولة ، تثمن حضارة غيرها على حساب مقوماتها وتاريخها وعجزت عن الدفاع عن الارث الحضاري والثقافي لامبراطورية لا تغيب عنها الشمس ، لا تضاهيها أي حضارة عبر التاريخ ، استصغروها فكانوا أصغر .. ولا يزالون ، وصدق من قال سلطان جائر ولا رعية فاسدة ، يكتبون لا يقرأ لهم أحد ، ويتكلمون لا يسمع لهم أحد ، يعيشون الاعتزال والهجرة والشرود الى الأمام ، يجترون افرازاتهم ، تجدهم دائما في آخر محطات الحياة ، يختفون وتمحى آثارهم ولا يذكرهم أحد ، تفاعلوا مع مجد أموات الشرق والغرب ، تواصلوا معهم ، فرحلوا اليهم وهم أحياء ، تطاردهم لعنة الانتماء التي يغتالونها في هذه الأجيال الصاعدة ... تقتلهم في كل منعطف حسرة الرفض .. فما أتعسهم!.. تحكمهم الجهالة مستسلمين ، أو يفرون حيث يتفرجون على شعوبهم وهي تجلد جلد العبيد ، أكبر تضحياتهم كلمات عن بعد ، نعامات القلم وفرسان الخيال ..
لما دخل مساعده ، تركه في المكتب وخرج .. دخل الى محافظة الشرطة ، كالبعوض في حركته ، أغلبيتهم يعرفونه ، سلم عليهم ..
المحافظ: مرحبا بك أستاذ ، كيف حال الوالد ؟
كريم: بخير .. أتيت بخصوص هذا الاستدعاء للوالد
المحافظ: آه ، تفضل ، اجلس ، مرحبا بك ..
أخرج من الدرج ملفا ، فيه برقية ، أغلقه وقال : ليست لدينا المعلومات الكافية ، هذا مجرد تبليغ يأتينا للبحث عن المتهمين الذين هم في حالة فرار ومطاردة ، المهم .. هذا فيما يخص لشرف خضراء ، هي أختك ، كانت تعمل في المستشفى ، منذ متى اختفت ؟
كريم: أكثر من سنة
المحافظ: لماذا لم تبلغوا عنها ؟
كريم: أنت تعرف حساسية الوالد في هذه الأمور ، كان يكون موقفه حرجا جدا أمام القبيلة وفضيحة كهذه يمكن أن تقضي عليه نظرا لحالته الصحية المتدهورة ، لكنه لم يكن يتصور أن تصل الأمور الى الشرطة ، لعلها تهورت وألقوا عليها القبض ، صدقني كانت تتميز بأخلاق فاضلة وسلوك أحسن
المحافظ: يا أستاذ ، أختك متهمة بتهريب المخذرات وتبييض الأموال والتصفيات في أوساط المافيا .. ولا زالت في حالة فرار ، انها أخطر عنصر في العصابة
كريم: مهربة ؟!! لا والله
المحافظ: انها الحقيقة يا أستاذ ، لقد تركت وثائقها في سفط على مائدة حانة في ضواحي العاصمة وفرت ، الدرك والشرطة يبحثون عنها في كل مكان ، بيتكم تحت المراقبة منذ أسبوع ولا يزال ، وهذا الاستدعاء فقط لنخبركم بالأمر ، ونطلب مساعدتكم للقبض عليها ، فبلغونا بأي اتصال ان حاولت ، تعاونكم معنا مطلوب قانونا وحتى شرعا وأنت أعرف بالاجراءات ، لا يزال الأمر في سرية تامة ، الرجاء التحفظ قدر الامكان ... اشاعة الخبر في مثل هذه الحالات جريمة لا تغتفر .. أتأسف ولكن هذه هي الحقيقة .. بلغ سلامي الحار للحاج لشرف ، وقل له الأمر ليس بأيدينا ، ولو كان كذلك فأنت تعرف مكانتك عندنا ... مسكين الحاج لشرف لا يستاهل ، غريب ! ومن بنت بالتبني ...
عاد كريم الى البيت في حالة نفسية مزرية واحباط تام .. لا يكاد يصدق ، الا هذه أيها القدر ، الا هذه ، ثم لماذا ،.. لا يمكن أن يصدق ، خضراء الطاهرة العفيفة مهربة ؟! الا هذه .. ومن يدري لعل الظروف القاهرة وقساوة الشارع صهرت فيها هذا الجانب الخبيث ، لعلها رغبة الانتقام من المجتمع الذي كانت ضحيته ، وتبقى مسؤوليتنا كاملة ونحن السبب ..
كان والده يهم بالخروج ، صرف نظره يمينا وقال: الأمر خطير جدا يا أبي
الأب: ماذا هناك ؟
كريم: خضراء يا أبي .. خضراء
الأب: ماذا فعلت هذه اليابسة ؟
كريم: انها مطاردة من طرف الشرطة والدرك ، لقد اكتشفوا أنها تشتغل مع عصابة في تهريب المخذرات ، الشرطة تبحث عنها في كل مكان ، كان من المفروض أن يداهموا بيتنا ، الا أنهم لما عرفوا أنها غادرت البيت منذ زمان ، واحتراما لسمعتك ومعرفتك للعميد لم يفعلوا
الأب: يا للفضيحة ، يا للعار ، انها الآن تنتقم منا جميعا ، ماذا سيقول عني الناس ، وأهل القبيلة ووجهاء البلدة ، خلاص يا كريم ، سقطت هيبتي ، أنتحر ولا أتركهم يفعلون ..
كريم: حتى الآن لا أحد يعلم ، الشرطة طالبتنا بالتكتم ، بل أمرون ، وطلبوا منا مساعدتهم لالقاء القبض عليها ، يجب أن نبحث عنها ونسلمها للشرطة المحلية لحفظ ماء الوجه وتبرئة ذمتنا أمام الجميع ، وبعد ، يا أبي ، أبناء وزراء وقيادات كبيرة تورطوا في ماهو أخطر ، لماذا تعطي الأمر من الأهمية أكثر مما يستحق ؟
الأب: أين نبحث عنها ؟ ، أين ؟ وأين نجدها ؟ انها تريد أن تقتلني بالعار والفضيحة ، لن تستطيع الوصول اليها أبدا ، يا كريم أبناء الوزراء أخذوا مكانتهم من شرعية الدولة ، وهي التي تحميهم أما أنا مكانتي أستمدها من الشارع والقبيلة ، وحكمهما لا يرحم ، اليد التي ترفعك هي التي تنزلك لما ترى مصالحها في خطر ..
كريم: المحاولة لا تكلفني أي شيء ، وللقدر مسببات .
تلاحق الجميع ، الأم ، العمة نونة ، ثورة ، أحمد ، كلهم في الرواق ، وقع الخبر عليهم كالصاعقة ، تتطاير شرارات الغضب من أعينهم ، وظهر الامتعاض عليهم جليا الى حد الرغبة في الانتقام ، الا الأم ، بدى عليها الارتباك واضحا ، لم تقل ولا كلمة ، ينظرون اليها جميعا بعيون العتاب ، أحرجها الموقف ، فهزت كتفيها وانصرفت متظاهرة بتجاهل الأمر ، دخلت الى غرفتها ، أغلقت الباب وبدأت تصارع دوافع الحنين والبكاء ، تستنجد بتبريرات واهية أمام صدق العاطفة المنبعث من العمق ، من عمق قلب الحنو ، وتخلى عنها كل شيء وظهر واضحا تهورها في ارادة اغتيال الحقيقة من جديد .. ليتها لم تفعل .. وهي كذلك ، واذا بالباب يفتح بكل هدوء ، دخلت العمة نونة ، جلست على الكرسي ، استوت وتربعت الأم فوق السرير تنتظر العمة أن تتكلم ، وحال السكوت واستوطنت الظنون نفس الأم لتتدارك الحقيقة ، وبدأ الرعب يسري في أعصابها باردا حد الارتعاش ولم يطلق الجو الا ابتسامة حنو من فيض عاطفة مكبوتة منذ زمان ، وبدون أن تشعر ارتمت في حضن العمة وانهارت بالبكاء ، أحست العمة بالدموع وهي تحرق ثيابها وتبلل تجاعيد صدرها التي رسمها الزمن ، تضمها بكل قوة ، شعرت برحمة ارتياح تكتسحها ، ولانت الحشرجة التي كانت تخنقها فرفعت رأسها ، مسحت دمعها وقالت لها: كم أنت طيبة يا نونة
نونة: أعرف كل شيء ولهذا أقاسمك هذا الشقاء في صمت
الأم: تعرفين أن خضراء .. ؟
نونة: نعم ، أعرف كل القصة بالتفصيل
الأم: كيف عرفت ؟
نونة: بطريقتي الخاصة
الأم: ومن غيرك يعرفها ؟
نونة: بطبيعة الحال ... المبروك
الأم: المبروك؟ .. هذا هو الرقم الصعب في معادلتي ، وسبب شقائي ومزعزع أركان هذه الأسرة ، دخلها كالشبح نخرها وانصرف
نونة: لست وحدك في هذا العالم ، حماقاتنا نحن النساء كثيرة ، كم من امرأة دمرت بتهورها كيانا بأكمله ، أنا مثلا لولا تهديداتك لأحدثت كوارث أخرى لم يسجل التاريخ مثلها أبدا ، وأنت أعلم بي
الأم: لا أعلم كيف جاءت هذه المصيبة ، توقعت كل شيء الا هذه ، أولادي كلهم يشبهوني ، أثناء الوحم أشعر بغرور كبير ، أعود بكل مشاعري صبية ، أغضب لأتفه الأسباب ، أحب الاسترضاء والدلع ، لا أنظر الا الى نفسي ، يعجبني جسدي ، وألازم المرآة ، وتكثر رغباتي ... كنت أعذب الحاج بطلباتي ... كان يلبيها دون تحفظ وبطيبة خاطر رغم خشونته وغلظته .. والله لا أدري ؟
نونة: أنت الآن مجبرة على التصرف بحذر ، اختاري بين انهيار عاطفة وراءه فضيحة ، ودفن حقيقة هي الآن رميم ، سينتهي هذا الكابوس على يد جلادها بعيدا ، أتمنى لها المشنقة من كل قلبي ، أعرف أن الأمر ليس هينا ، انها فلذة كبدك ، لو تخلصت منها كما فعلت أنا ، لما وصلت الى ما أنت عليه الآن
الأم: ليتني قلت لهم الحقيقة في أول الأمر ... ليتني فعلت .
دخلت ثورة وبدى على وجهها الاستغراب ، لأول مرة تكتشف أمها وعمتها يجلسان هذه الجلسة الحميمية ، أمي في حضن عمتي ؟! غريب !! غريب !!
ثورة: أتمنى أن لا أكون قد أحدثت لكما ازعاجا
الأم: أبدا .. أبدا يا بنيتي ، انه الضعف البشري ، مهما كان سن الانسان في بعض الأحيان يحتاج الى نصيب من العطف والحنان ، نادرا مايجده في المحيط ، وأنا لأول مرة أكتشف في عمتك هذا السيل من الحنو والتحنان ..
كانت حينها ثورة تبحث عن كلام يواكب حديث أمها ، ولكن ضاع منها سياق الخطاب لم تكن تتوقع أبدا الخوض فيه يوما من الأيام ، عمتي هذه القلعة التي أغلقت أبوابها كل هذه السنين ، تفتحها لأمي على مصراعيها وتدخلها الى الحضن برفق الأمومة ؟! ... لا يمكن أن يكون وراء السر الا شيء عظيم ، غريب ! أمي ولا أعرفها ... آه منكن يا نساء زمان ، سواهي ودواهي ... وبدأت الرغبة تدفع الفضول فقالت: أشعلتما نار غيرتي ، وأنت يا عمتي يجب أن تعوضيني كل سنين الجفاء والعزلة ، كدت أنشأ معوقة من نقص حنانك وعطفك ، هاهي ذي أمي أعطتني كل ما تملك من حنو ، وهي الآن تتزود من فيضك .. أحسدها .. أنت عمتي ولست عمتها .. فابتسمت العمة نونة تعلن انهيار الجدار الذي كانت تختفي وراءه وقالت: أمك أقرب الي ، لأنها عاشت ما عايشته في زمن مضى ، زمن الجحيم الداخلي في الخفاء ، يوم كان النساء نار تبن والرجال من لهب ، أمك أعادها هذا الحنين الى حضني ، وحضني اليوم من رماد ، الكل في ذاتي تحت رحمة العد التنازلي يطارد التوقف ، أشعر بهذا ... عندما نخطئ يغفر لنا الجميع الا أنفسنا ، تطاردنا اللعنة الى القبر لأننا أناس لا نقبل الخطأ ، هكذا علمني أبي ، نحن يا بنيتي من قصب الخيزران نتكسر ولا ننحني ، نطوع الدهر ولا يطوعنا الا الموت ... نتحدى كل شيء ونعاند ..انظري الى أبيك ، أنت التي ما أخذت منه الا القليل .. ولعله اختلاط ...
انفتح فم ثورة تنظر الى عمتها ، كأنها تلقت صفعة أيقظتها من غفوة ، بهتتها عمتها ، انها تعيش سقوط آخر المتكبرات ..
ثورة: عرفت الآن لمن كنت تدخرين طيبتك .
ضحكت العمة وقالت: أنتم في غنى عن مشاعري بأمكم وأبيكم ، أما هي فليس لها أحد ، مثلي أعوضها وتعوضني ، لأننا نتقاسم السن والزمن ... والهموم ، الحرية التي تنعمين بها أنت اليوم نحن دفعنا ثمنها باهضا ولا نزال ..
ثورة: أنا لا أصدق عيني ، وأذني ، هل أنت عمتي ؟ ذلك الشبح الذي لا نراه ... هل ما حدث لخضراء فتح باب قلعتك على مصرعيه ، أم هناك سر آخر
العمة نونة: خضراء اللقيطة ؟ صانعة الشقاء الأسود في هذه الأسرة ، انها اللعنة التي أصبحت تطاردنا جميعا، تعددت بشاعاتها وتنوعت ، انها حلقات الرعب من الزمن الماضي المظلم الذي لا يستطيع أن يفك طلاسم وشمه أحد ، .. خضراء يا بنيتي صفحات من الماضي مزقت ورميت في سلة الفضلات ، عندما نذكرها وكأننا ننزل من شموخنا الى المصارف النتنة
ثورة: لا أكاد أصدق ، خضراء هذه الخيبة الكبيرة مهربة ؟!
الأم: لا شك أنهم ورطوها ، وهي على نيتها ، خضراء يمكن أن تفعل أي شيء الا هذه ... قلبي يحدثني ويؤكدلي براءتها ..لا ، لا ، الا هذا .
تنظر اليها العمة بعمق لتنبهها عن هذا الانسياق وراء العاطفة ، أخذت بيدها وقالت:
عندما خرجت من البيت ، لا شك أنها كانت تنطوي على الشر فوجدته ... تستاهل ... وظغطت على يدها
الأم: أنا لا أنفي عنها التهمة ولكن أتعجب من هذا التحول السريع
ثورة: هكذا هي سواد في ظلام .. منذ عرفتها أنانية ومغرورة ، تستغل ضعفها المصطنع وادعائها التمييز ، وتنطوي على رصيد رهيب من الخبث والمكر .. انها قادرة على كل شيء ، لا تستحق الأسف والشفقة ، بديهية هي نهايتها اذا كانت حبل المشنقة ...
نظرتا الى بعضهما وأطرقتا ، خرجت ثورة تاركة الباب وراءها مفتوحا ، وقبل أن تختفي التفتت ، رسمت بسمة ماكرة ، وقبل أن تستوي اصطدمت بكريم ، مسكها من منكبيها والابتسامة لا تزال بادية ، نظر اليها جيدا .. غمزها ، رفع يداه وتركها تمر ، لما تجاوزته تمتمت ، التفت فوجدها قد اختفت ، دخل الى غرفة أمه فوجدها وعمته في جلستهما ، الأم تنظر الى الأرض والعمة تنظر اليها
كريم: أمي وعمتي ؟! ... وبسرعة حول الاستغراب الى مزاح ، يتحاشى النظر الى عينيهما ..
سعيد بهذا الجمع يا عمتي ، أشعر بتحول وانعراج جميل بدأ يبسط رحمته على هذه العائلة ، أتمنى أن يكون باطنه كظاهره .. أخلطت لنا الأوراق خضراء ، ونحن السبب ، دفعناها الى الانحراف بقصد .
العمة: وكيف يكون القدر قدرا اذا لم يصنع هذه التحولات ... من كان يظن أننا نأوي مجرمة .
كريم: حتى أنت عمتي ، مثلك مثل من سكت دهرا ونطق كفرا ، هل نسيت ماكانت تقدمه لك من خدمة في كل حالاتك وخاصة في مرضك ؟
العمة: أنا لا أنكر ذلك ، ولكن يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها ، هي الخادمة وأنا السيدة ، وهل تريدني أن أخدمها ! ..
كريم: خلاص حكمتم عليها ؟ وأنت كذلك يا أمي ؟
الأم: بارك الله في رجل اذا جال ولا بارك الله في امرأة اذا جالت .
كريم: انه التشرد الذي فرضتموه عليها ، انه اجحافكم ونكران الآخر ، حرام يا أمي .. حرام
الأم: يشد قلبك ناصية لسانك ، أنت دائما كذلك ، طيب وسموح .
العمة: لماذا لا تدافع عن كيان هذه العائلة وحرمتها وهيبتها وسيادتها التي تريد خضراء مسخها وتدنيس شرفها ؟ ... منذ كانت فرنسا هنا ونحن أسياد القوم ، تأتي لقيطة مثلها وتـ ...
كريم: كما يمكن أن يجتمع الناس على الشر ، يمكن لآخرون أن يجتمعوا على الخير ، وأنا أدافع عن المظلوم في أي صف كان ، لا يهمني أصله ولا فصله ، يكفي أنه انسان .
العمة: خضراء ظلمت نفسها ، خضراء هي من أصل الظلم ..
كريم: سأذهب الى العاصمة وأطلع على ملفها وأدافع عنها .
العمة: ماذا؟! تدافع عنها ؟! مجنون أنت ؟
الأم: ان قمت بذلك فلا أنت ابني ولا أنا أمك
كريم: مستحيل أن أتركها تلاقي مصيرها وحدها .. ربما يحكمون عليها بالاعدام ... مهما كانت انها العشرة يا أمي ، هل نسيتي خضراء وهي طفلة بريئة تصنع بهجة البيت ، لا زلت أذكر لما كنت تلعبي معها حبوا ، تنبطحين وهي فوق ظهرك ، تطل على وجهك يمينا وشمالا ، تطاردينها على طول الرواق وهي تقهقه وتصرخ ، تصنعين بمداعبتها فرجة ومتعة وسرور نفس .. حتى أدركتنا الغيرة منها أم أدرك النسيان هذه الأشياء الجميلة ؟ أين تلك الرحمة يا أمي ؟ وبعدها ، تحولت الى خادمة ،وحرمتموها من كل حنو وكأنها آلة، فرضت وجودها خدمتها ، كابدت مرارة الحياة وضنك العيش ، كل هذا لا يشفع لها يا أمي ؟ حرام .. حرام ... حرام
الأم: بشرط
كريم: مقبول مسبقا .. لا أتزوجها ..
الأم: نعم ، اذا قبلت فأنا موافقة
العمة: وعد الحر دين
كريم: أعاهدك يا أمي اذا ثبتت عليها الجريمة
الأم: موافقة
خرج كريم ممتعضا من هذه الصفقة التي كانت على حساب مشاعره ، الا أن الآمل في كسب القضية كان أكبر ...هل هي سذاجة العاشقين أم هو الحب الصادق يتحدى و يغامر، و يقاوم ، تدفعه عزيمة الوفاء الروحانية ، القادرة على تحقيق المعجزات ؟..رغم هذا ، فتح الموقف شهية خوض معركة هذا المصير الى آخر المطاف .. و من يدري ؟..انه متيقن الآن أن خضراء بريئة .
تفجرت الذاكرة و خرج منها ذلك اليقين الرهيب الذي سيدمر كل الشبهات و يحطم التهم و يخلصها .. و تبقى عزيمة الحب أقوى من كل العزائم ، تحرر الصبر المكبوث ، و تفجر الشوق أنهارا منصهرة ، ليصنع الحدث الجميل في حلم ملتهب يزين الذات و يفتح أبوابا كانت في النفس موصدة .. وماذا يفعل القضاء عندما يروضه القدر و يغير مهب الريح ما بالنفس في الاتجاه الذي نأمله ، ينقاد و يصب في النهر الذي نريد.. تلك هي المرأة الصالحة ، الصادقة ، نعتنفها كما نعتنق المبادئ و لا يردنا عنها القهر و لا الدهر ..























الفصل السابع


كريم: أنت اليوم أفضل ، أتمنى أن نقطع معا شوطا كبيرا
القابلة: أتمنى ذلك
وبدأ الحوار بأسئلة روتينية ، بديهية الاجابات ، وعادية تبدو ، الا أنها مفخخة وممدودة فوق هاوية الاعتراف ، لم تكن تبدو محرجة في أول الأمر ، الا أن بعد خروج كريم وعودتها الى القاعة ، وأثناء اجترارها لاجاباتها وجدت نفسها قد أعطته كل ما عندها دون أن تشعر ، اكتستها قشعريرة وامتلكها الخوف الذي زال بمجرد أنها تداركت أن ماقالته كان لمحاميها ...
حينها كان كريم في مكتبه يجمع حجارة الدفاع التي أكثرها من تراب القول ، ولا يمكن أن يشتد ويتماسك بها جدار المرافعة لمجرد نزول قطرة واحدة من الحق ... حتى الجانب الصحي لموكلته ليس فيه ما يستند عليه للاحتجاج ، لم يبق له الا عامل الخطأ المهني الذي لا يبرر أكثر من عشرة بالمائة من هذه الأفعال أو أقل ، خاصة فيما يخص التلاعب بالمواليد ، تغيير الولد بالبنت ، واللقيط بالأصيل ، والمعوق أو المريض أو حتى الميت بالصحيح ... مسيرة كبيرة من الجرائم ، ان سكت القاضي عن بعضها فان البعض الآخر تفضحه لعنة القانون المغتصب وانتهاكات الحرمات الانسانية وأرواح الأبرياء التي زهقت بتهاون الجميع ... ملف ثقيل جدا ، تمنى أن يكون قد تورط معها أصحاب نفوذ كبيرة ، الذين يستحيل لمسهم ، انها القوة الوحيدة التي ترهب القضاء في قضايا مثل هذه ، أو يستعملوا الرشوة التي ضربت أطنابها في كل هياكل الادارة من الأسفل الى الأعلى ، بعضهم يشترون أرواح الناس بأبخس ثمن ... لا يزال هو الوحيد الذي يعرف بغباوة الاستقامة وسخافة المثالية ، كل قضاياه التي كسبها أو خسرها هو مقتنع ببراءة أصحابها ، والفضل الكبير يرجع الى ذلك المساعد الماكر ، الذي لا يعرف حتى الآن من أين يأتي بحجج البراءة والاثبات ، هو يعرف كيف يستعمل الحيل والمخادعة للوصول الى الحقيقة ، أو ربما لأنه كان يعمل معهم ، ولا زالت علاقته بهم طيبة ومتينة لدرجة أنهم يساعدونه ، وبينما هو كذلك حتى وجده واقفا أمامه
كريم: كنت الآن أفكر فيك
المساعد: ها أنا ذا ، لا شك أن أمر القابلة هو الذي جعلك تبقى الى هذه الساعة المتأخرة ، انها متورطة حتى الذقن ، وحبل المشنقة متدلي ينتظرها ، لقد أعادوا فتح ملف التحقيق ، تشعبت القضية وتشابكت ، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه ، هو أنهم سيوقفون التحقيق أمام أقدام أي شخصية نافذة ومتورطة ، ويكتفون .
كريم: لماذا ؟
المساعد: انها حصانة النظام ، انه يحمي نفسه من الخارج بالآخرين ومن الداخل للكعبة رب يحميها ، الدفاع عن موكلتك يحتاج الى وزارة دفاع على رأسها ماريشال .
كريم: لا أستطيع أن أتراجع
المساعد: انها كبش الفداء ، وستخسر القضية بطريقة فظيعة ويذهب البريق الذي صنعناه .
كريم: لا تخشى شيئا ، اننا نعيش في مجتمع لا يحسن القياس
المساعد: والا ستكون هذه آخر مكتبنا ، رغم هذا سينال هذا السقوط الحر من وقوعنا
كريم: لأنها قضية يتابعها الجميع
المساعد: الآن بدأت .. أقول بدأت
كريم: لا تقلق ، هذا المجتمع عندما تختلط عليه الأشياء يفقد وسائل التسجيل ، وينسى بسرعة ، لا أظن أن هناك أصدق وأخلص منا ، ولكن لا تزال المكاتب الأخرى تزخر بالزبائن ، وانهم يزاحمونا بالباطل ويكسبون ، سنتجاوزها هذه المرة .. سترى .
المساعد: في نظر القضاء أنت تدافع عن قضايا مفروغ منها ، لا يحتاج صاحبها الى محام كما يحتاج الى وقوف فقط أمام القاضي
كريم: وجودنا وتحرياتنا مهما كانت هي التي صنعت هذا الفاصل ، ولولانا لأصبحت هذه القضايا المفروغ منها مجال مساومات واستبزاز ، نحن ندافع عن الحق ، وأغلب القضايا التي خسرناها وراءها رشاوى ومحسوبيات
المساعد: أرجوك لا تجرنا الى هذا النقاش ، أنا أعرف منك بالخبايا ، ولهذا اشترطت عليك في أول لقاء لنا أن نتجنب الخوض في قضايا الماء الساكن والسواهي والدواهي ، أنت لا تزال في أول الطريق ، لا تزال تحتفظ بما قرأته في الكتب ، والكلية التي يتعلم فيها القاضي ليست الكلية التي يتعلم فيها المحامي ، انها الاتجاهات المتعاكسة ، وستعلمك التجربة الكثير ، وعالم القضاء ليس كما تتصوره ملائكي .
كريم: يظهر لي أنك مدرسة غلقت أبوابها طويلا ، صدقني كنت أنظر اليك بعين الأقل ، واني اليوم أكتشف أنني نظري حد الغباء وأنت تطبيقي حد الذكاء .. مادام الأمر كذلك كيف نجى ضميرك وبقي على قيد الحياة كل هذه المدة ؟
المساعد: لأنني درست ضد التيار المعاكس ، وتخرجت بصعوبة حين كان الصراع سجال ، واخترت مقاعد الأمن لأغلق ولو بابا واحدا لما نحن عليه اليوم ، ولكن كان السيل أعظم ، فجرفني ثم رماني الى الضفة الأخرى ، ولكن بعد اطلاعي على كل الآليات ... لأنني كنت وأنا طالب أومن بهذه المبادئ التي تؤمن بها أنت ، وقد درسنا بعض الأساتذة ، الذين لم يكن همهم الوحيد الخبزة وتسريب التغريب ، فرسخت في نفسي هذه الأفكار ، وأنا أمارس معك هذه المهنة بكل التحفظات في ظلك بعيدا عن العيون التي حولت منابر العلم والقيم الى ساحات للاجحاف والتهريج
كريم: ألامس هذا التحول في كل شيء، بل الانحراف ، وزوال كل كيان يبدأ بالظلم والتصدير
المساعد: أرجوك يا أستاذ ، لا تتكلم في القضاء لأنه حتى الآن قدر ، فأنت الآن كافر ، فضع نقطة واتركنا نرجع الى السطر بل الى الصف .
حسب ما عرفت كلهم متورطون في قضايا مختلفة ، المدير ، بعض الأطباء والممرضين ، وشخصيات نافذة ، سيوقفون التحقيق مرغمين كما قلت لك مادام بين أيديهم كبش الفداء ، وستطوى كل الملفات العالقة التي ألهبت القضية
كريم: يعني مصيرها المشنقة
المساعد: كل الطرق تؤدي الى الحبل
كريم: ما العمل ؟
المساعد: النية أبلغ من العمل كما يقولون ، مثل على جسد الكلمات ، سيكون يوما حافلا بالاستعراضات وينقل المسرح الى المحكمة ، انه كرنفال القيم والأخلاق والمبادئ و و ....
كريم: لا أحب هذا
المساعد: وهل لك الخيار
كريم: ستدفع الثمن وحدها
المساعد: انها من خصال الشعب العظيم ، الشعب الذي يجمعه طبل وتفرقه صفارة .. قال لي أحد المسؤولين يوما: هناك فئة مثلها مثل الكلب ، مادام الخبز في يدك يتبعك ويحرسك ويدافع عنك فاذا انتهى أكلك ، ولهذا لا تتركه يشبع ولا ترمي الخبز من يدك ، لم أفهم هذا حتى مارست المسؤولية
كريم: تصور بشع يعكس الحقيقة المؤلمة .. الآن يجب أن أصارحها وأضعها في الصورة الحقيقية
المساعد: اياك أن تذهب بعيدا ، ثمن القضية باهض جدا
كريم: لا ، لا ، أعطيها المقدار الذي تتحمله ، من حقها أن تعرف ما يدور في أقرب حلقة حولها ... سأتصرف بالتحفظ ، المرأة واعية أن الأمر خطير ، ولا أظن أنها تنتظر البراءة ، لن ألتمس لها أكثر من التخفيف
المساعد: ليس لك الا هذا ، ولا تنتظر الكثير ، ملف الشرطة أسود ، والمسؤول المكلف بالتحقيق أعرفه جيدا ، يحرص كثيرا على هذه القضايا الأرنبية ، انها بالنسبة اليه الورقة الرابحة من الوجهين ولا أظن أنه سيفوت هذه الفرصة ، المهم أن الشرطة قدمت ملفا مدعما بكل الشبهات والأدلة والشهود ، هي لا يهمها الفصل بين الحق والباطل وقادرة على الذهاب بعيدا
كريم: أعرف ذلك ، شرطة اذا نزعت من يدها العصى عجزت عن رؤية غروب الشمس أو شروقها ، مقاساتها كلها جاهزة ومفبركة .
المساعد: أراهن على أن أغلبية المتهمين أبرياء ، والا كيف تفسر تزايد الجريمة والانحرافات والآفات الاجتماعية ... المجتمع كله الآن في حالة سقوط خطير ..
كريم: لأن الجاني والمجرم والظالم الحقيقي لا يدخل السجن ، واذا دخله ترحمه العناية السياسية لابتذال الوظيفة الأمنية
المساعد: العامل الأخلاقي ليس له أي علاقة باختيار رجل الأمن ، أعطيك مثل ، عندما تقوم بمخالفة في قانون المرور ، ألا يمكن لرجل الأمن أن يسجل هذه المخالفة بكل روح أخلاقية ويطالبك بكل احترام أن تدفع ما يستلزمه القانون ؟ .. قادر ، ولكن يجب أن يسبك ويتعنتر عليك ويهينك ويذلك ، وخاصة اذا قمت بأي احتجاج .. انها هيبة الدولة يا صديقي .. هكذا أفهموهم
كريم: عند الأمم المتحضرة ، لا تقوم هيبة الدولة الا اذا حافظت على هيبة الشعب ، ورجل الأمن هو تلك الأم الرحيمة التي تؤدب أبنائها بيد الرحمة وليس بيد من حديد ...
المساعد: انه حكم العضلات الذي يقيد النتاج الفكري والأخلاقي بسطوته وجبروته وغطرسته ... ومن كثرة الكظم أصبح كل الشعب يعيش على الأعصاب ، شرارة واحدة تشعل حريقا على كل المستويات ، بعضهم يتشاجر مع نفسه ، بل مع بذلته أو حذائه ، لو اطلعت على مقاييس اختيار رجل الأمن في انجلترا مثلا أو كندا ، أو سويسرا ، وحتى اسرائيل التي تعتبر دولة دينية متطرفة نازية عنصرية ، تجدها تختار الأخلص لشعبها ولمبادئها ولدينها ، تؤسس أمنها على فضائل أخلاقها واحترام هويتها وانتمائها ، ولهذا تلاحظ هذا التفاني والاخلاص في خدمة الفكر الصهيوني رغم ظلمه وباطله ، واستطاعوا أن يكونوا كيانا قهر ولا يزال يقهر الملايين من العرب ومن ورائهم العالم كله ، يذلهم في المحافل الرسمية والغير رسمية ، لو طلبوا منهم تدمير العالم في سبيل شعبهم لدمروه ، يد رحمة لشعبهم وجلادون لغيرهم ، ألا ترى أن أغلبية علماء الاجتماع يهود ينظرون للعالم كله ، ماذا تفهم من هذا ؟ ...
كريم: ألهذا استقلت ؟
المساعد: لهذا ومن أجل الكثير الذي لم يحن وقت ذكره
كريم: وبعد كل هذه المدة ، وقد اعتليت منصبا ساميا
المساعد: نعم ، خرجت حتى لا أتحول الى انسان آلي ، يمثل به في أفلام أغرب من الخيال ، خرجت يا سيدي لأنني أعظم من أن أضرب الأستاذ الذي علمني ، خرجت يا صديقي لأنني أعظم من أن أضرب الطبيب الذي يعالجني ، خرجت يا سيدي لأنني أعظم من أن أضرب أخي أو أبي أو أمي بيد زميلي ، لأنني أعظم من أن أدافع عن أشخاص لحماية أهوائهم ..
لهذا اخترت أن أكون مساعدا لمحام مثلك ، لا يزال يؤمن حسب ظني ببعض ما تبقى من القيم والأخلاق ... خرجت لأنهم لقبوني بالأبله ، لا أدري ان كنت قرأت هذه الرواية أم لا ؟
كريم: هذا حكم يا حضرة المساعد
المساعد: حكم التاريخ أفظع
كريم: اليد التي تزور التاريخ لا أظن أنها تؤمن به ولا تنتظر منها الا الجلد .. لم أكن أتوقع أنك تنطوي على كل هذا
المساعد: ما جاءت المناسبة للحديث والظروف أنت تعرفها ولو سمعني أبوك لقال لك سيفسدك هذا الثعلب فاطرده .. أشكرك أنك أعطيتني فرصة للعمل معك ، حتى أتمكن من العمل على الغفران لنفسي وارضاء ضميري بالتحري عن الحقائق ، وأنقذ المظلوم من بين مخالب الظالم ، كثيرون هم أولئك المخلصين في الأمن ، تورطوا وندموا ويتمنون أن يجدوا ما يخلصهم من عذاب الانسياق تحت راية العصى والعفيون الجديد ، ويستسمحوا شعبهم وأمتهم ..
كريم: هذه أشياء لا نراها الا في أفلام الخيال
المساعد: ليس لهم خيار ، اما خيانة شعبهم أو خيانة وطنهم كما يقولون ، هكذا جبلوا
كريم: بصراحة لا أرى الفرق
المساعد: هم يفرقون جيدا ، لأن الوطن عندهم لا يتجسد في الانسان بل هو الأرض والسماء ، لا غير .








الفصل الثامن


حمل محفظته وخرج ، كانت أمه تنظر اليه بعين الشفقة ، اختلط عليها الشعور بالأمل والخوف من هذا المصير المجهول الذي تسير نحوه الصدف ، كيفما كانت النتيجة ستكون مؤلمة ... ما كان يجول بخاطره هو غير الذي كان يتبادر الى ذهن أمه ، انه كان متأكدا من براءة خضراء ... ، أم هو العزم على انقاذها والثقة بحاسته السادسة ، كان السفر طويلا ، وحركة المرور ثقيلة جدا ، كلما اقترب من العاصمة كلما اشتد الازدحام ، انها مركزية التسيير وتقييد سلطة القرار التي تعقد المشاكل وتضخم المعاناة ، وتساعد على تكريس البيروقراطية وانتشار الرشوة والاحتيالات ، وتجعل من العاصمة سلة مهملات لقضايا الأمة ، تسمع وترى ولا تحرك ساكنا الا في الحالات الاستثنائية التي تهدد استقرارها ، انها طريقة أخرى في الأسلوب الرهيب الذي تخذر به السلطة شعبها الى درجة تجعل المواطن لا يطلب الا حق الحياة ، والحياة فقط .
في طريقه كان يمر على تلك الأراضي المهملة والمزارع المهجورة ، وأخرى غزاها الاسمنت المسلح ، مساحات كانت للفلاحة أصبحت مسيجة تحيط بها أشجار السرو وأشجار الزينة ، فيها القصور الفارهة ، تحيط بها الورود ... في حين لا تزال آثار الكولون من الفرانسيس والاسبان الذين كانوا يعمرون الأرض آنذاك ، لا تتجاوز ديارهم بعض الأمتار نسبيا ، في أماكن لا تزاحم فلاحتهم ، كان همهم الوحيد خدمة الأرض وتوفير الغذاء لدول الحلف الأطلسي على حساب الأهالي ، فمن هؤلاء الذين أفسدوا هذه الأرض ، التي مات من أجلها الملايين لتنتج خبزا طازجا لأبناء هذا الوطن ، حقيقة عندما تتغير النوايا تتغير الأهداف ، والقضايا يكشف الدهر حقائقها بنتائجها .
دخل العاصمة بشق الأنفس ، كان قد حجز غرفة في فندق متواضع ، أخذ قسطا من الراحة ثم توجه الى محافظة الشرطة ، قسم الشرطة القضائية ، وبعد ساعتين تقريبا حضر المحافظ الذي يتابع القضية ، كان الاستقبال حذرا رهيبا ، غلبت عليه صيغة الأسئلة الملغمة ، ولما قص عليه علاقته بالمتهمة وكيف غادرت البيت بتحفظ قال المحافظ:
هذه التفاصيل كلها تساعدنا على استكمال الملف ، وما يهمنا الآن هو القاء القبض عليها ، بعد ذلك نتحدث ، أما الآن فالأمر لا يزال في السرية التامة ، أنت مطالب بالدفاع عنها ، أما التحريات والتحقيق تبقى من مهامنا نحن ، التهم الموجهة اليها خطيرة جدا ، وآخر مطافها المشنقة ، المؤبد هو حلم صعب المنال ، ولك أن تختار
كريم: هذا حكم
المحافظ: سميه كما تريد ، والمكان هنا ليس للمرافعات
كريم: التجارب أثبتت العكس وفي قضايا أفظع من هذه .. وللقضاة نفحات يا سيدي .. المهم أشكرك على الاستقبال ...
خرج كريم وهو يجتر كلام مساعده ، مر على قصر القضاء ، التقى ببعض المحامين يسألهم عن ظروف عملهم ، ثم عميد النقابة الوطنية للمحامين ، سأل عن قضايا المتابعات ، لا أحد يعلم ، دائرة مغلقة ( الموكل ، القضاء ، البيت ) ، قاعات الانتظار مكتظة ، الوجوه مكفهرة ، مكشرة ترهقها ذلة ، لا تستطيع أن تفرق بين الظالم والمظلوم ، أكثر الجلسات التي كانت مغلقة أصبحت علانية ، تلك هي واقعية القضاء التي كشفت عورات المجتمع المجرد من كل قيمه وأخلاقه وفضائله ، أحس بالبكاء وضيق في حنجرته ، كان يظن أن العاصمة هي حامي حمى ، وحارس القيم ومنبع التحضر والحفاظ على المكاسب الحضارية والثقافية في الذات البشرية ، فوجدها تحافظ على ذلك في الآثار والجمادات وتهمل امتداد التاريخ في أصول الانسان ، ضاعت الأنساب وتساوت الناس كما تتساوى الحيوانات ، أقربهم السمين وأبعدهم الغث ... وحدها الحجارة أصبحت تخلد ذاكرتنا ، تفكك مريع لكل الروابط سوى روابط المصلحة ، تطغى الذاتية بكل أشكالها على كل الأعمال والأفعال والأقوال ، الكل يعيش غربة النفس وغربة المصير .. ساد المظهر على المخبر ، كن فرنسيا في كل شيء أو أنت متخلف أو عدو ، أو أعرابي ممقوت ، تكلم باللغة الفرنسية يسجد لك الجميع ، وحدهم القبائل يعتزون بلهجتهم ويحافظون على عاداتهم وتقاليدهم ويحاولون ادماجها في موكب الحضارة العالمية بكل لغة ، وغايتهم تبرر كل وسائلهم ، أما المحسوبون على العرب انسلخوا ، والحاملين للواء العروبة أغلقت أمامهم كل الأبواب ، موليار ، بالزاك ، فولتير ، فلوبير ، لافون تان ، وغيرهم من رواد الغرب في القرن السادس والسابع عشر ، يصنعون الحدث في المحافل الثقافية ، يمجدون الى درجة العبودية ويقدسون باسم الحضارة الانسانية والتفتح ، والتسامح .. عجزت الأنتليجانسيا العربية على مواصلة المسيرة والخلق والابداع والابتكار ، فاختفت وراء بقايا هذه الحضارات وياليتها كانت معاصرة ، فابتذلت كل ما هو أصيل وتنكرت لكل شيء ، حتى لا تكاد تفرق بين العربي والافرنجي ، ولم يفهموا بعد أن هذه الشعوب ليست بحاجة الى ماركس جديد ، أوستالين جديد ، أو فرانكو جديد ، ميسوليني جديد ، أو كيميل سونج جديد ، كما هي بحاجة الى ابن سينا جديد والفرابي جديد ، والكندي جديد وجابر جديد والخوارزمي جديد والمتنبي جديد والعقاد جديد وغيرهم كثير ... ورواد النهضة العربية المزعومة ، أغلبهم ينتسبون الى جماعة التنوير الفرنسية ، قبلوا روح الابداع في الانسان العربي وحولوه الى أمعة لما تحدتهم اللغة ، وفقدوا السلق ، فميعوا الثقافة وابتذلوا الموروث ، وجردوا سيوفهم لقتل الآباء تحت شعار ، هذا أدب يجب أن يموت ... يحاربون النسب في كل شيء ، يجب أن تكون انسان ولا تستطيع أن تكون انسان الا اذا كنت تنتمي الى الغرب في كل شيء ... تلك هي مظاهر النخبة في العاصمة المدنية التي لا تعترف ببطاقة الهوية التاريخية الا اذا كانت مترجمة .
ولما عاد في المساء ، استلقى على السرير ، وما كاد يطمئن حتى رن جرس الهاتف
ألو ..
المساعد: مساء الخير
كريم: خير أيها المساعد ؟ هل من جديد ؟
المساعد: لقد ألقي القبض عليها في مدينة أروان وسيحولونها الى العاصمة للتحقيق
كريم: كيف عرفت ذلك ؟
المساعد: ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا ؟ ، كان المشهد فلم أكسيون ، قاومت بشراسة ، خسروا أربعة رجال من الشرطة وجرحت سبعة ، ثلاثة منهم في حالة خطرة ، فعليك بالتحول الى مدينة أروان لعلك تجد من يعطيك تفاصيل أكثر ..
ينتظر منه أن يرد ولكن كريم كان حينها في دوامة ، لم يصدق
المساعد: ألو .. ألو .. كريم هل تسمعني ؟
كريم: نعم ، نعم أسمعك .. لا أكاد أصدق
المساعد: وبماذا تفكر ؟
كريم: لا ، لا شيء ، سأذهب الى أروان ، لما أصل أهتف لك ، هل هناك جديد فيما يخص ملف القابلة ؟
المساعد: لا يزال التحقيق متواصلا ، زارني الدكتور مجبر لمعرفة التطورات وامتنعت
كريم: حسنا فعلت ، سأتصل بك من هناك
المساعد: كريم ، الأمر خطير جدا ، اتخذ كل التحفظات ، مصالح الأمن الآن في درجة غليان قصوى فكن حذرا
كريم: سأفعل
انقطع الخط وبدأ كريم يمشي في الغرفة ، يداعب بأصبعيه شفته السفلى ، لأول مرة يشعر أنها غليظة خصبة ، تشبه شفاه خضراء ، يفكر كيف استطاعت أن تتحول الى ماهي عليه ، رغم أنه كان يعرف أنها ذكية جدا ، الا أن الشك كان دائما يميل كفة التفكير ... هي التي كانت تمقت العنف حتى في الأفلام ، كانوا يلقبونها بكبد الملائكة وشامة المستشفى في رقتها وحنانها ورفقها وجمالها ... لعله الواقع المر فرض نفسه ، يجب أن ينقذها مهما كلفه ذلك ، يفكر في الاستعانة بمحام فرنسي ، تحت اشراف المنظمة العالمية للمحامين بلا حدود ، تساند القضايا الانسانية ، يمكنها أن تسيس القضية ، ونحن نريد دائما أن نبرهن للغرب أننا نفكر مثلهم بل ملكيين أفضل من الملك ..وصل مساء ذلك الى أروان ، ذهب مباشرة الى محافظة الشرطة ، قدم نفسه بصفته محاميا وشقيق المتهمة فقال المحافظ: الملف ثقيل جدا
كريم: هل يمكن أن أقابل موكلتي ؟
المحافظ: غير ممكن قبل نهاية التحقيق
كريم: هذا مخالف للقانون
المحافظ: هل تظن أنك تمثل فلما في باريس ؟
كريم: انها أختي
المحافظ: هذا سبب كاف لكي لا تراها
كريم: سأقدم شكوى
المحافظ: لا تحاول ، وكيف عرفت أننا ألقينا عليها القبض ؟
كريم،: كل أروان تعرف ذلك .. متى يمكن أن أراها ؟
المحافظ: قلت بعد نهاية التحقيق
كريم: هل ذكرتموها بحقوقها ؟
المحافظ: وهل تركت لنفسها حق ؟
كريم: كأننا لم ندرس في جامعة واحدة ، هذا استبداد وتعسف
المحافظ: كفى ، أي تصرف سيجبرني على متابعتك ، أنت موقوف ، ضغط على الزر ، فظهر شرطي في الزي الرسمي
المحافظ: ضيف الأستاذ 24 ساعة على ذمة التحقيق ، افتح له محضر واسمعه ..
أخذه الشرطي من ذراعه ، حاول أن يقاوم فنبهه المحافظ: حاول أن تتصرف كرجل قانون ، من حقنا احتجازك أكثر
أخذه الشرطي الى مكتب آخر ، جرده من وثائقه وأمتعته ، سمعه في تقرير روتيني ووضعه في الحجز ... وضع لا يحسد عليه ، وفي الغد جاء المحافظ ، أخرجه أعطاه أمتعته ، أمضى على المحضر وانصرف دون كلمة ، توجه الى المحكمة ، لما دخل على وكيل الجمهورية ، نصحه بالابتعاد عن هذه القضية وخاصة لأنه شقيق الضحية ، ولقد عينت لها الدولة محام ، فاذا أراد الدفاع عنها فله ذلك بعد اتمام التحقيق ، وستحول الى العاصمة .. اعتذر له وتأسف عن هذا التصرف الذي سماه بالغير موضوعي والغير اللائق ، وقال أن الشرطة هذه الأيام تعيش على الأعصاب والهاتف لا يقف من الرن من كل الجهات .. الضغط كبير جدا ..
خرج كريم منهزما ، دخل الى النزل ، وطلب مساعده ، حكى له ما يمكن أن يقال ، الا أن المساعد لم يستغرب
المساعد: سلامتك يا أستاذ ، أتمنى أن تدخل بسرعة ، لا تحاول البقاء هناك ، أنصحك ...
حمل حقيبته ، كان هناك ثلاثة رجال أمام مكتب الاستقبال ، وضع مفاتيح الغرفة ، دفع المستحقات وخرج .
الشارع مكتظ بالمارة ، غريب أمر هؤلاء الناس ، نفس الحركة في كل الأوقات ، من المفروض أن أوقات العمل تكون الشوارع خالية الا من بعض الفضوليين أو المضطرين ، هكذا هي مدن الدول المتقدمة والمتحضرة عند الأمم التي تقدس العمل .
هنا المقاهي ، الحانات ، الحافلات ، المحلات ، كلها عامرة طوال النهار ، خنق في حركة المرورفي كل الأوقات ، الناس في حركة استعجال كاذبة ، تزيف الغنى وتزيف الفقر ، وعمت المظاهر الخداعة وانتهك حرم كل شيء ، شباب يسبون الله نهارا جهارا والأراذلة ينتقدون السلطان وحاشيته وفقد المنطق بديهيته ، الشارع للبداءة والفجور والتصعلك وخوارم المروءة ، فكيف هو حال البيوت ؟ ... يتبرأ هؤلاء من هؤلاء ويتقاسمون الفساد في كل الأشياء ، هذه السلوكات يراها العام والخاص ولا من يحرك ساكنا ، حتى الفصول تنكرت لنا و تركت لنا الا القر و الحر ، ترجل النساء الى درجة الفحولة فأصبحن على رؤوس كل القوائم وأثبتن جدارتهن في الجد والفساد ، وتخنث الرجال حتى أصبحوا في ذيل كل القوائم وأثبتوا جدارتهم في الخبث والفساد ، أعرابيات أوقعن بمظهرهن ساداتنا في كل الهاويات ، وأعراب أوقعوا بمظهرهم النخبة من السيدات ، والكل وجد ضالته ... أف ... أخيرا خرج من عنق الزجاجة ، وحدها الآن الحواجز الأمنية تعكر صفو الرحلة ، لا تصل الى بيتك الا طاهرا متطهرا من كل فكرة نقد أو اصلاح .
حضر الندوة العائلية الجميع ، يروي لهم كريم تفاصيل القضية وما عاناه في سفره ، فقال الأب: وكيف تكون السلطة سلطة اذا لم تفرض هيبتها ؟ ماذا كنت تنتظر ؟ أن يستقبلوك بالطبل والمزمار ؟ وأنت تريد أن تدافع عن مجرمة ؟
أحمد: أتظن أنك تحت حكم داود عليه السلام ؟
ثورة: أليس القانون مطرقة وسندان ؟ والعدل مادة خام يستخرج منها الحق بالانصهار
الأم: يا كبدي ذلك قضاء وقدر ، لا مفر منه ، أظنك اقتنعت أن الأمر أخطر مما كنت تتوقع ، فاتركها لمصيرها ، الآجال تصنع مسبباتها أفعالنا ..
العمة: وقعت في شر أعمالها ، انها تدفع الثمن .. وهل كانت تحلم بنهاية غير هذه ؟..
كان كريم قد تعب من الكلام ، يتابع رد فعلهم بصمت ، يفتعل التجاهل وينتظر فرصة للانصراف ، انه بحاجة ماسة للخلود الى الاعتزال واجترار الأحداث ، بدأ يشعر بخيبة أمل .. أفواه كالمدافع تقصف من بعيد .
- أستسمحكم ، أريد أن أرتاح قليلا ..
وقف ، نظر اليهم جميعا ، الواحد تلوى الآخر ، وجوه مكفهرة ، مشمئزة ، يتطاير منها الغل والبغض والكره شرارات وشظايا ، وحدها الأم تحاصرها الحيرة ، تتكلف المشاعر لهم ، في عينيها الندم الممزوج باللوم والعتاب ، تقاوم بكل ما أوتيت من قوة انهمار الدموع ، ابتسم لها وانصرف يجر رجليه الى غرفة الحمام .
الأب: انه جيل الخيبة ، رجل تهزمه امرأة الى هذا الحد ، آه يا رجال زمان ، كانت النساء كالجوارب ، آخر اهتماماتهم ، فأصبحت اليوم همهم الوحيد ، كأنهم ليسوا من أصلابنا .
نظرت العمة الى الأم وابتسمت ...











الفصل التاسع


وفي الصباح جاء قرار من السلطات القضائية لتحويل السوداء ، لا يعلم أحد أين ، كان هذا الاجراء مفاجئ للجميع ، دخلت الحارسة أمرتها بجمع أمتعتها
الحارسة: انك محولة
السوداء: الى أين ؟ لماذا ؟ ..
الحارسة: لا أعرف ؟
السوداء: هل عرفوا من أنا ؟
الحارسة: أعرفي نفسك قبل
جمعت أمتعتها ، ولأول مرة تقدمت السجينات بمساعدات من ألبسة وأغطية وحتى بعض النقود ، التمسن منها المغفرة ... لم تقل شيئا وفاضت عيناها بالدمع وتبعت الحارسة دون كلمة ، تركت الصمت يخيم على القاعة ، يرسم لمسات الحزن والأسى على الوجوه ، وكأن على رؤوسهن الطير ..
في مكتب المدير شرطيين ، أحدهما يحمل ملفا ، والآخر بيده القيود ، وظهر الأسى تحت ابتسامة الحنو على وجه المدير ، كأنه يقول لها العين بصيرة واليد قصيرة ، نظرت اليه خضراء بجرأة لم تعهدها ، تثاقلت رغم أمرها باتباعهما ، تنهدت بكل هدوء لدرجة أحرجت المدير ، فاختفى الرفق وترك مكانه للخشونة وشرارات العنف ، الا أنها بالنسبة لسوداء جاءت متأخرة ، كان الخطاب حينها قد مر وفعل مفعوله وبلغ الرسالة، رغم كل التحديات وعقم النفوس الجحودة والقلوب التي صهرها القانون حتى أصبحت مقامع من حديد .. الشوارع كالعادة مكتظة ، والحركة الدؤوب في كل الاتجاهات ، يتجهون حيث يشاؤون ، لا قيود ولا حراس ، رغم هذا كانت خضراء تنظر اليهم سجون متنقلة ، تحركها أياد وألسنة خفية .
في قصر القضاء والقدر ، كان وكيل الجمهورية في انتظارهم ، جلست أمامه ، ينظر اليها بعيون الفراسة المصطنعة ، لم يلاحظ عليها الانهزام والمسكنة ، كانت عادية الى أبعد حد ، لم تتجاوز خلاصته جمالها ودقة ملامح وجهها التي تنطق بالبراءة ... فقال: سنحولك الى المستشفى ، وبعد التقرير الطبي اذا لم تستعيدي ذاكرتك سنكون مجبرين بمحاكمتك ، لأن الأدلة كلها ضدك .في هذه الفترة ستكونين معزولة تحت الاجراءات التي يتطلبها العلاج . طوى الملف ، سلمه للشرطي ، وأشار اليه بالانصراف بها حيث أمر ، وضع لها القيود و خرجوا بها.
كانت غرفة المستشفى أسوأ من السجن ، تهيأ لها في أول الأمر أنها في ثكنة ، وفي الأخير علمت أن هذا الجناح كان خاصا بسجناء الرأي بعد التعذيب ، جناح تابع لمصالح الصحة العسكرية .. سكنها الرعب في الأيام الأولى وهي تسمع ما يعانيه المرضى من ضرب وشتم وسب رغم طمأنتها من طرف الممرضة ، وأن هناك مرضى مسكونين بالعنف ، يجب أن يعاملوا كذلك حتى اخراجهم من هذه المرحلة .
كانت الحصص الأولى عبارة عن حوار عادي ، يتكرر أحيانا ، وأحيانا يدفعون بها الى العمق ، كانوا يعاملونها برفق ، أسئلة بسيكوتكنيكية ، ثم جاءت مرحلة الصدمات ، حاولت أن تبقى هنا زمنا أطول ربما تجد مخرجا يساعدها على الخروج من هذا المأزق ، تعرفت في هذه الفترة على طبيبة ، وربطت معها علاقة صداقة حميمية ، كانت تثق بها كثيرا ، كانت أقربهن ، هذه الطبيبة قد حضرت رسالة دكتوراه في الانفجارات النفسية لاعادة الذاكرة ، رفضت اللجنة ايجازتها ، فأرادت أن تجرب اكتشافها على خضراء ، الا أن لا المكان ولا الوسائل متوفرة للقيام بذلك ، وبدأت تخطط لاخراجها من السجن الى بيتها ، يدفعها حماسها لرؤية نتائج تجربتها ، وطيبة خضراء المستسلمة ، واستطاعت أن تنظم عملية فرار السجينة بعد أن ناولتها حبوب منومة ، وضعتها في غرفة في قبو بيتها ، لما استيقظت وجدت نفسها في غرفة جميلة تتوفر فيها كل مستلزمات العيش الكريم ... تتساءل بغرابة أين هي ؟ وماذا تفعل هنا ؟ وما هي الا لحظات حتى دفعت الطبيبة الباب ودخلت ...
الطبيبة: والآن بماذا تشعرين ؟
خضراء: هل أطلقوا سراحي ؟
الطبيبة: عن قريب .. أعجبتك الغرفة ؟
خضراء: جميل جدا ، سرير ، ثلاجة ، مروحة ، مرش ، طاولة كراسي ، كأنني في فندق
الطبيبة: هذه غرفة خاصة لمعالجة الاطارات السامية ، نحن الآن في الجناح السفلي للمستشفى العسكري ، حولناك هنا لكي نوفر لك كل أسباب الراحة والعلاج .. اسمعيني جيدا ، انك تحت مسؤوليتي ، أنت الآن أقرب ما تكوني طليقة وحرة في حدود هذه الغرفة ، لا أخفي عليك ، الطريقة التي سأستعملها معك لارجاع ذاكرتك هي من ابتكاري ولا تزال في مرحلة التجربة ، أتمنى أن تكون نتائجها كما نرجو
خضراء: ستفوزين بدون شك وسأستعيد ذاكرتي ، أنا تحت تصرفك ، افعلي بي ما تشائين ، على كل حال مصيري الاعدام ... على يدك أفضل من يد الجلاد .. شدتها من منكبيها .. نظرت اليها نظرة حنو وشفقة واعجاب ، ثم ضمتها الى صدرها وقالت: لا تخشي شيئا سأكون معك ، ومهما كانت النتائج ، ولا يكون الا خير ... سنبدأ هذا المساء ، أنصحك فقط أن لا تحاولي الخروج من هذه الغرفة ، أغلقت الباب وانصرفت تتنفس نشوة السعادة .
حينها كانت المستشفى في حالة استنفار ، أغلقت أبوابه وحاصرته قوات الأمن من كل جهة ، وجهت أصابع التهم الى العصابة ، وبدأ التحقيق بحثا عن المتورطين ، وصل الخبر الى مقر الأمن الولائي ، فبادر بتعليق صورها في كل مراكز الشرطة والدرك والمكاتب الأمنية ومصالح العبور والموانئ والمطارات والمراكز الحدودية ، هذا الاعلان أربك العصابة ، وبدأوا بتغيير مواقعهم واستراتيجيتهم وخططهم ، من هذه السوداء التي استطاعت أن تتوغل في وسط المافيا ولا يعرفها أحد ، تصدرت صورتها الصفحات الأولى من اليوميات وظهرت على شاشة التلفزيون على أنها أخطر امرأة عرفها عالم المخذرات والتهريب ، وأصبحت مطلوبة حتى من طرف الشرطة الدولية ،وتحولت الأجهزة الأمنية الى ميدان السباق مع الزمن ، وبدأت الاعتقالات العشوائية ، انها فرصة الانتهازيين لاستبزاز البعض وتحطيم نفوذ الشارع والعشائرية ، جمعت اعترافات كثيرة شملت الكثير من القضايا ، سرقات وبعض الحماقات والانحرافات وغيرها ، اعترف الكثير بجرائم لم يرتكبوها ، وتشكلت عصابات جديدة ، جمعتهم العصى لينتقموا بعد خروجهم من السجن ، وهكذا تكون مصالح الأمن قد فككت شبكات خطيرة كانت تنشط في ميدان الجريمة ، يستفيدون قريبا من العفو في المناسبات القادمة، أما على المستوى العالي ، لقد أدى الأمن ماعليه ، وقد ألقي القبض على أخطر مجرمة في حاجز أمني والأخرى في حالة فرار وعيونهم على الجميع ، تقريبا في بلدنا لكل مواطن بوليس يحميه ويحافظ على سلامته وأمنه ، ولكل خمسين تلميذا معلم ، وللآلاف طبيبا وللملايين مختصا ، يروضون كلهم بالعصى يوم الاحتجاج .. ستقع في قبضتهم وتستعيد الذاكرة ، ويقبضون على رأس العصابة وعناصرها .
في مساء ذلك اليوم ، ولما عادت الطبيبة وجدت خضراء قد رتبت الغرفة وجلست تطالع مجلة في علم النفس ، وبمجرد ماسمعت وقع أقدامها هبت الى الباب عانقتها و صاحت :
- لقد استعدت ذاكرتي ، نعم استعدت ذاكرتي
الطبيبة: صحيح ، كيف ذلك ؟ لم ينته العلاج بعد ، لازلنا في الطور الأول
- اسمي خضراء كنت أعمل ممرضة ، أعيش عند أب وأم بالتبني ، وبدأت تسرد قصتها منذ طفولتها
الطبيبة: الوحيد الذي يمكن أن ينجيك من حبل المشنقة هو سائق الشاحنة ، ولكن قد مضى على الحادث أكثر من سنة
خضراء: لا تحاولي ، أسلم نفسي للأمن
الطبيبة: بهذه السهولة ، وكيف يكون مصيري أنا ؟ ولماذا أنت مستسلمة الى هذا الحد ، يجب أن تبحثي عن تبرئتك ، اذا وصلت بين أيدي الشرطة ستكونين كبش فداء ، لا تتصوري أنهم سيعاملوك بنفس الطريقة التي كنت فيها فاقدة لذاكرتك ، ستذوقين كل أنواع العذاب ، هكذا يفتكون الاعترافات ، انها امتدادية الأساليب الاستعمارية ، بعد الاستقلال توقف ضمير السلطة عن التفكير والابداع في كل مجالات الحياة ونقلوا كل شيء جاهز ، انه حكم الآلة المادية التي لا ترحم ، تنكروا لكل شيء وتبنوا الاحمرار حتى اسود
خضراء: انك تخيفيني
الطبيبة: يا خضراء ، اني أعمل في مجال الطب النفسي منذ مدة ، وما تحوله السلطات الأمنية الينا لعلاجه صور مفجعة وشيء فظيع جدا لا يكاد يتصوره عاقل .. أفضل لك الانتحار قبل الوقوع بين أيديهم وخاصة وأنت بريئة كما تدعين ، لأن ليس لديك ما تنقذين به نفسك سوى الاعتراف بجرائم ليس لك حتى القدرة على التفوه بها ، ستكونين ما أرادوا ...
خضراء: ماذا أفعل ؟
الطبيبة: اتركي لي الأمر سأتصرف ، أنصحك أن لا تغادري هذه الغرفة ، فاذا خرجت من هنا فأنا لا أعرفك ... صدقيني يمكن أنك لن تجدي في هذا المكان ما يذكرك بي ، و أصدقك القول ، أنت هنا لست في المستشفى العسكري ، أنت في بيتي ، ولا أحد يعرف أنك هنا ، صورتك في كل مكان ، هربتك من السجن لأقوم عليك بتجربتي ، أنت الآن في حالة فرار .
خضراء: وأنا أصدقك القول أن ذاكرتي استعدتها آخر أيامي في السجن وكتمت الأمر حتى أعرف مصيري
الطبيبة: غير معقول ! .. أنت تمثلين ؟
خضراء: أعاهدك مهما كان الأمر لن يعرف أي أحد عنك شيئا ، واذا اشتد علي العذاب سأنتحر
الطبيبة: غدا الجمعة يوم اجازتي ، سنتحدث بالتفصيل .
انصرفت الطبيبة وهي تفكر في طريقة تتخلص بها من هذا الفخ الذي أوقعت نفسها فيه .
لأول مرة تفكر خضراء بجد في قضيتها وعرفت أن الاستسلام لحكم المشنقة تهور وأن حق الحياة ثمين جدا ، والحياة في حد ذاتها أغلى من أن تزهق روحها مجانا ، تستعيد صور السجينات ، ضحايا يدفعن الثمن مرتين بل مرات ، تقف عند كل واحدة منهن ، لكل واحدة قصة أغرب من الخيال ، انه ثمن الحرية التي يزعمون ، دائما هي التي يتاجر بها ، هي التي تغتصب ، هي متعتهم وموضع انتقامهم ، من المدرسة الى الثانوية الى الجامعة ، من البيت الى الشارع الى أماكن اللهو ، الى المكاتب والمصانع ، انها اللعبة والمتعة التي أدمن عليها الرجال ، انها البضاعة بأبخس ثمن ، يجب أن تدفع الكثير حتى تستطيع أن تندمج حتى الموت ، تباع لها وليس لها الحق أن تموت مجانا ، ما وصلت المرأة الوظائف السامية ، حتى أعطت آلاف النساء كل شيء ، ولم تعد تمتلكن حتى أجسادهن ، انه الطريق الوحيد لترقية المرأة ، تذكرت ما تعانيه المرأة من فساد في المستشفيات والمستوصفات والشوارع ، الجنس ، الخمور ، المخذرات ، الجريمة بمفهومها الواسع توظف فيها المرأة ، انها الملح الذي يعطي النكهة الطيبة لكل الجرائم ، ندمت على عودة ذاكرتها ، تفكر في حالها ، طردوها بكل براءتها ، فكيف لها أن تعود وهي اليوم أكبر مجرمة في العالم ، من يقبل بها ؟ .. وبدى المجتمع في صورته الوحشية ابتداءا من أبيها وأمها بالتبني ، الى ثورة ، الى العمة ، وحده المبروك ، لا يشبههم بطيبته ورقته وحنانه وتسامحه ... كذلك كريم ، ولكن بعد كل هذا سيتغير هو كذلك ، لم يبق له الا هذا الجسد المجرد من كل القيم .. شدها الحنين لأول مرة ، أحست بالدموع تتكركب على خدها كأنها البرد ، حامية فوق خديها ، لأول مرة تبكي برغبة كاسحة تسكب العبرات من عمق العاطفة ، استعادت كل شيء ، أحست أنها خضراء ، خضراء زمان ، ذكرها آذان الفجر بخروجها من البيت في ذلك اليوم الممطر البارد .. يجب أن أخرج من هنا ، مرت على المطبخ ، في الدرج وجدت بعض الدنانير أخذتهم وخرجت .. الى أين ؟ لا تدري ؟...














الفصل العاشر


كان القلق باديا على وجوههم ، توترات ، غضب ، كان الجو مشحونا ، كلهم على الأعصاب .
كريم: أين الوالدة ؟
الأب: في المستشفى
كريم: خير ؟
الأب: وهل تركت لنا اليابسة من الخير شيئا ؟ هل رأيت ؟ هل تأكدت الآن ؟ ، الصحف ، التلفزة ، وألسنة الناس ، منذ أسبوع لم أخرج من البيت .
ثورة:كارثة هذه اللعينة ، أدخلت العار الى الدار
العمة: سوف تقضي على الحاج ، القتل فيها حلال
الأب: كل هذه المصائب جلبتها لنا سترة أمك بهذه اليابسة ، سامحها الله .
لم يقل كريم شيئا ، كان متعبا الى حد الارهاق ، لا يزال مفعول ليلة الحجز لم يختف ، كانت أعصابه أكثر توترا منهم ، يتمالك بصعوبة و يتصرف بهدوء ، وضع محفظته في غرفة المكتب وعاد
الأب: الى أين ؟
كريم: الى المستشفى
الأب: استريح ، انها في طريقها الى البيت مع الممرضة .. استرح أنت ..
ذهب الى غرفته ينتظر عودة أمه ، لم يخبره أحد ، كأنها غفوة أخذته ، استوى واقفا ، فتح الباب يتحسس ، كانت الأم في غرفتها ، دخل قبل جبينها ، وأخذ يدها بين يديه ، جلس بجانبها ينظر اليهم يتوعدون يشمئزون ، يعيرون ، كلهم سخط على خضراء ، أمه كان يظهر على وجهها نوعا من الأسى والحزن ، تريد أن تقول لهم أتركوني وحدي أجتر فاجعتي في خضراء ، قرأ في عينيها انتصار الندم فقال: هوني عليك يا أمي ، مستحيل ، لا أصدق أن خضراء بين عشية وضحاها تصبح مجرمة خطيرة ، لا ، ولن أصدق
الأم: المحب ساذج يا بني ، حديث القلب لا ينجيها
كريم: أتمنى أن تسلم نفسها حتى نستطيع أن ندافع عنها ، هروبها عقد الأمر أكثر ، أظنها أذكى من أن تورط نفسها أكثر ، لا بد في الأمر سر .
رن جرس الهاتف في الصالون ، أسرعت ثورة ورفعت السماعة
- من ؟
- ثورة ، أنا خضراء
- اللعنة ، ماذا تريدين أيتها الشيطانة ، مجرمة ، أفسدت علينا حياتنا .. وماذا بعد ؟ .. ماذا ؟ ، تنتظر الرد .. لا أحد سوى رنين الهاتف ، لقد انقطع الخط .
- كلهم: من خضراء ؟
ثورة: نعم هي الأفعى
كريم: ماذا قالت ؟ أين هي ؟
ثورة: شتمتها وسبيتها
كريم: لماذا ؟
الأم: لماذا ؟
خيم الصمت ، كلهم ينظرون اليها بعيون الاستغراب ، حتى الأب
كريم: كان من الممكن أن أقنعها لتسلم نفسها
ثورة: كلمتنا لتتشفى فينا
كريم: ماذا قالت ؟
ثورة: ألو ، ثورة ، أنا خضراء
كريم: فقط ؟
ثورة: لم أترك لها الفرصة لتقول أكثر
كريم: خطنا مراقب ، لو أطلت معها الحديث لتمكنت الشرطة من تحديد مكانها و القاء القبض عليها ، لا شك أنهم الآن في طريقهم اليها
وهم على هذا الحال حتى رن جرس الهاتف من جديد ، فأسرع كريم
- ألو .. من ؟
- أنا سعاد الممرضة ، صديقة خضراء
كريم: مرحبا
سعاد: لقد هتفت لي خضراء الآن ، وقالت لي بلغي أمي وأبي وكريم أنني سأنتحر ، وقولي لهم سامحوني
كريم: تنتحر ؟ .. أين هي ؟
سعاد: لم تقل لي شيئا أكثر من هذا وقطعت المكالمة ، أنا لا زلت تحت الصدمة ، ماوجدت ما أقول لها ، بهتتني ..آسفة على هذا الخبر ولكن ألحت علي لأخبركم .
وضع كريم السماعة ، كان الجميع يحيط به ، حتى الأم ، نظر الى ثورة نظرة اشمئزاز و تذمر ثم قال: انتهى المسلسل ، لقد انتحرت خضراء ، ارتاحوا الآن
الأم: خضراء انتحرت ؟! بنيتي خضراء انتحرت ؟ ..
وانهارت بالبكاء .. سامحيني يا خضراء ، كنت أشجع مني ، أنا السبب في شقائك وتعاستك ، يا ويلي ما أفظعني ، أنا جبانة .
وهي تضرب صدرها وفخذيها وتلطم وجهها حتى أغمي عليها
الأب: لم ترحمنا حتى وهي ميتة ، انها اللعنة التي تقتلنا جميعا ، كنت متوقعا نهايتها هكذا
العمة: ليس لها أفضل من هذه النهاية الا أنها تأخرت كثيرا ، لو انتحرت قبل الفضيحة ، أما الآن ما الفائدة .. عرفت كيف تموت اللعينة
كريم: التزمي حدك يا عمة ، ماذا تريدون منها ، لم يبق منها شيئا
الأب: انها أختي يا كريم ، عمتك ، أما خضراء فهي لقيطة لا تستحق حتى الذكر ، لقد نالت جزاءها ، انه حكم الضمير يا كريم ، اذا كان قد بقي لها منه نصيب .. التمس من عمتك المعذرة
نظر اليه كريم ، ثم انكب على أمه التي كانت في حضنه ، وهو جالس على ركبتيه ، يرشها بالماء البارد والعطر ، كانت تستعيد وعيها
ثورة: كدت أن تقتلها من أجل اللعينة ، فالتمت بعيدا كالكلب في حضن الشيطان ، اللئيمة
كريم: أرجوك يا ثورة ، لا تدفعيني لتصرف أحمق ، التزمي حدك ولمي لسانك
الأب: كفى ، لقد اختفى الكابوس الذي كان يؤرقنا جميعا ، ماتت موتة الكلاب
كريم: أبي أرجوك ، لقد انتهى كل شيء ، تلك هي وكانت حية ، أما الآن وهي ميتة ؟
أحال الأب نظره الى الأرض واغرورقت عيناه ، يحاول عبثا اخفاء تشقق قساوته وانهيار مشاعره ، شيء ما وخز عمق العاطفة .. فانصرف وتبعته ثورة ، كانت الأم قد استوت على الأريكة فجاءت العمة بكوب من عصير الليمون قدمته اليها باردا بماء الزهر ، شربته ، وانصرفت هي كذلك وتركتها مع كريم في الصالون .. ابتسمت له ، وأخذته من يده تدلكها ، أرادت أن تقبلها فسحب يده وعانقها ، وضعت رأسها على صدره ، كانت لحظات من فيض المحبة والحنان ، أحست بالراحة ، رفعت رأسها ، وجدته ينظر اليها برفق يسع كل القلوب المتألمة وضجر نفوس العالمين ، فأشارت اليه ليقرب منها أذنه وهو يبتسم ، فقالت: كريم يا بني ، أريد أن أبوح لك بسر كتمته أكثر من خمس وعشرين سنة ، لا يعرف حقيقته أحد ، الا عمتك والمبروك والقابلة ، واني أحس أن نهايتي اقتربت ، لعلي لن أصبح غدا معكم ، تفاصيل ما سأقوله لك عند القابلة ، لست على استعداد لاعطائك أكثر مما سأقوله لك .. اني أشعر الآن بتنمل أطرافي السفلى ، شيء ما يصعد معي كأنه الموت
كريم: هوني عليك أمي ، أنت بخير
الأم: لا يا بني انها النهاية .. خضراء أختك
كريم: أعرف ذلك
الأم: كيف عرفت ؟
كريم: أخت بالتبني
الأم: خضراء أختك شقيقتك من أمك وأبيك ، أنظر الى صورة جدك انها نسخة منه ، الا أنها هي سوداء وهو أبيض ، لا أدري كيف جاءت سوداء ، وهذه هي سبب مأساتي وسبب مأساتها ، فتدارك الأمر وأصلح ما استطعت ، وحادثة ذهابها من البيت افتعلتها أنا ، أردت أن أقتلها فانتقم القدر مني ...
صدمة أخرى ، فاجعة أخرى ، تجمد ، كانت حينها أمه تحتضر ..
كريم: أمي .. أمي .. أرجوك أمي ... يارب لماذا ؟ .. لماذا ؟ .. احتضنها وأسرع الجميع ، ولكن التحقوا متأخرين ، لقد فاضت روحها ، جسد هامد تزينه ابتسامة خرجت من أدغال الماضي ، كأنها شعاع ضوء أضاء الوجود .
قام كريم ، ينظر الى أبيه وأخته وأخيه وعمته بعيون الاستغراب ، لا يدري ماذا يقول عن غربة الذات التي عاشتها خضراء كل هذه المدة ، وكان اكتشاف هذا السر أكبر عنده من مصيبة الموت .
تمت مراسيم الجنازة ، وتفرق الجميع ، وكريم يكتم السر كبتا ، ماذا سيكون موقف الأب اذا علم بالخبر ، انه رجل خشن ، فض ، صعب المراس ، لا شك سيطعن في عفاف وشرف الأم ، حتى ثورة لا يأمن شر لسانها والعمة أكثر ، يفكر كيف يثبت براءة أمه ، تذكر المبروك ، يا للهول ، ويا للمصيبة ، ستثبت التهمة عليه ، ولن يبق الأب مكتوف الأيدي ، لا يزال يحمل غطرسة الأعراب ، لن يتبين ، سينتقم منه ، تذكر القابلة التي يمكن أن تفجر القنبلة قبل أوانها ويسمع القريب والبعيد ، ان الدفاع عن القلوب أهون من الدفاع عن الضمائر والقلوب
الأب: منذ ماتت أمك أراك تسرح كثيرا ، غائب عنا ، تتحاشى الجلوس معنا ، كأنك تحملنا أسباب موتها
كريم: أبدا يا أبي ، علاقتي بأمي كما تعرفها كانت جد مترابطة ، لدرجة أنها كانت يرحمها الله تخدمني بنفسها رغم مرضها وضعفها ، لا تنام حتى أدخل ، لا يطيب لها أي شيء قبل أن تراني ، كانت أقرب الناس الي ، ولهذا اني أحس بفراغ فظيع ووحدة قاتلة ، في بعض الأحيان أتمنى أن لا أدخل البيت ، لا يزال طيفها يملأ المكان
الأب: كلنا نحس بذلك ، كانت تحتوينا جميعا ، أفاضت علينا من عطفها وحنانها وحبها من الود والرحمة ماكان ينسينا كل متاعب الدنيا
كريم: أستأذن يا أبي ، أشغال كثيرة تنتظرني
الأب: لا عليك يا بني ، تفضل
انصرف كريم الى غرفة مكتبه ، رتب وثائقه في محفظة وخرج ..
وجد مساعده قد أعد كل الملفات ، حضر المذكرات ، رؤووس أقلام لخطة الدفاع ، ناقشها معه بصعوبة ، لم يكن ابن يومه في ذلك النهار
المساعد: الصراع بين الحق والباطل لن ينتهي
كريم: بدأت أشك في نزاهة كل المحامين ، العدل يا أخي شيء مطلق ، والقضاء والمحاماة وجهين لعملة واحدة ، اذا زور وجه واحد لن تبق صالحة للاستعمال والتداول
المساعد: هكذا أرادوا أن يكون هذا الوطن ، حقل للتجارب الفاشلة في كل شيء
كريم: أنظر الى هذه القضايا الثلاث التي درسناها ، هل تحتاج الى محام ؟! ولكن خوف الناس من ظلم القضاء جعلهم يتحملون الأعباء والمصاريف ، رغم هذا ليسوا مطمئنين على حقوقهم ، بل منهم من يتنازل عن حقه حتى لا يقف أمام القضاء ..
المساعد: كلما كان القضاء مهلهلا تزايدت الأمراض الاجتماعية والآفات ، واختلت كل التوازنات وفسدت كل التوقعات وفشلت كل البرامج ، لأن الانسان هو المحور الأساسي في قيام العدل ، وهم يعتمدون على النص الزاجر وحده ، النص الحافي المجرد من الروح الانسانية ، حتى تظن أن المشرع عندنا انسان آلي من ابتكار وصنع الخيال الغربي
كريم: بهذه التركبة تبتعد المركبة بنا ، وتسير نحو الغرق ، لا يزال الكثير يقول أن القاضي ليس حرا ، يمكن ذلك في بعض الحالات ، أما في البعض الآخر ، هي كلمة حق أريد بها باطل .. عند الأمم المتحضرة القضاء طبيب ماهر وليس جلاد قاهر
المساعد: ماذا حصل ؟ ماهذه القفزة النوعية في التفكير والطرح ؟ أذهلتني ، انك تتعلم بسرعة
كريم: صدقني تعلمت منك الكثير ، انك موسوعة .. أشكرك على الثناء ، اني الآن ذاهب الى مدرسة اعادة التربية .
دخلت عليه والبأس قد بلغ منها حده الى درجة الاستسلام برضى ، وظهر على وجهها عدم الرغبة في الكلام
كريم: طاب يومك ..لم أكن أتوقع أنك ضعيفة الى هذا الحد ، كانت الوالدة دائما تصورك لنا المرأة الحديدية التي لا تكل ولا تمل ، أراك اليوم منهزمة
القابلة: أخطأت كثيرا يا بني في حق الكثير ، لا يهمني الآن الحكم ولا المصير ، ضميري يعذبني ، براءتي أمام المحكمة جريمة أخرى تضاف الى كتابي الأسود ، تستطيع أن تنصرف ، أشكرك على هذا الاهتمام والحرص ، ولكن لن تستطيع أن تفعل شيئا ، لأني قررت أن أعترف بكل شيء ، وبدأت القابلة تسترجع الزمن ، تتكلم من عمق الذكريات ، تنفخ الروح في الحدث نفخا ، كأنها تقرأ تعليقا على فصل من فصول حياتها ، تبتسم أحيانا وتعبس أحيانا أخرى ، تجاري الفعل بالقول ، تروي تفاصيل الوقائع التي نخرت استقرار أسرة كانت آمنة مطمئنة ، تحاكي التفاصيل دون أسى ، تستعيدها كأنها حدثت بالأمس فقط ، بارعة كانت في السرد ، كأنها فوق خشبة المسرح ، تطارد الأفعال لترويضها في حلبة الزمن ، يتابع كريم حركاتها وسكناتها وتأثراتها بكل ما أوتي من ادراك ، كانت تركب الأفكار المتفككة على عامل الزمن ببساطة وسهولة لا تحتاج الى تبرير ، الحدث يبرر نفسه لو لم يكن آني وخلف كل هذا الدمار ، لكان جزءا كبيرا منه بديهيا ، واثقة مما تقول ، انه الواقع الذي لا يحتاج الى ديكور ، كانت تتكلم بمتعة ولذة تخترق ظن أي واحد يبحث عن الحقيقة ، وتروي الفضول ، أبهرته بهذا الصدق الذي لا تزعزعه الأراجيف ... هكذا يأتي دائما الاعتراف الأخير أمام الأمر الواقع ...
كريم: اني أعيش أحداث رواية درامية لا أعرف كيف تكون نهايتها ، كأني لست أنا
القابلة: والآن اتركني لمصيري ، أشكرك مرة أخرى على هذا الحرص ... أترك العدل يحل محله
كريم: أنا مطالب بمهمة سأقوم بها
القابلة: الاعتراف كما يقولون سيد الأدلة
كريم: رغم هذا سأقوم بواجبي
القابلة: أنت وشأنك ... انتهت الزيارة
كريم: أشكرك يا خالتي على هذا الاعتراف ، سألتمس لك التخفيف .. أتركك بخير ..
تحول كبير ، وموقف عظيم ، وحقيقة كالبدر في الصفاء ، ما كان يتوقع كل هذه النتائج وبهذه البساطة ، الاعتراف بهذه الطريقة نصف التوبة ، فهل يستمع القضاء لصرخة هذا الضمير ، لا أظن ذلك ، القانون لا يرحم ذبيحته لأنه ليس حادا ، أما القابلة حفتها السجينات ، يسألونها عن الجديد في قضيتها ، لقد استطاعت أن توظف تجربتها وتكسب قلوبهن بتفانيها في نصحهن وتوجيههن والحنو عليهن ، وفي ظرف قصير حولت هذه القاعة الى مدرسة للأخلاق الفاضلة ، للعبر والتحدي ، صنعت من انهزامهن قلاعا حصينة ضد الانحرافات ، ودرعا قوية لمقاومة جبروت المجتمع الذي لايرحم ، بذرت فيهن روح الأنوثة البريئة الصادقة التي تجعل من الضعف قوة ، تتحدى ألسنة الشر الملتهبة ، لا مساومة ، ولا خذلان ، ولتخرج كل واحدة منكن من هنا وهي تقول ها أنا ذي ، لن يرحمني أي واحد من اليوم بخطيئته .




 
 

 

عرض البوم صور مختار أحمد سعيدي   رد مع اقتباس
قديم 24-10-11, 09:37 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2011
العضوية: 231308
المشاركات: 71
الجنس ذكر
معدل التقييم: مختار أحمد سعيدي عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 77

االدولة
البلدAlgeria
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مختار أحمد سعيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مختار أحمد سعيدي المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي

 

الفصل الحادي عشر




أتى بصورة جده ، علقها على الجدارالمقابل في الصالون ، وضع الأرائك في اتجاه الصورة ، وجاءت ثورة بموائد الضيافة ، وضعتهم في الوسط ، عليهم بعض الحلويات والمشروبات ، وبدأت العائلة تتلاحق ، العمة ، أحمد ، الأب ، ثورة وأخيرا كريم ..
كريم: تتساءلون لماذا جمعتكم اليوم ! ،نعم ، جمعتكم لأمر مهم جدا ، جمعتكم لأننا كلنا كان لنا ضلع في أمر خطير ، وخطير جدا ، والآن الأموات يطالبوننا بتبرئة ذمتهم ، أمي الآن تحت التراب تصرخ ، وتناديكم كلكم ، تتوسل اليكم ، تترجاكم ، يسمعها كل شيء الا الثقلين ، أنا أسمعها ، أنظر اليها الآن كما وضعتها على جنبها الأيمن ، وفتحت بيدي هذه عن وجهها ، أراها الآن تستغيث ، تطلب الرحمة ، تطلب الشفقة ، تطلب منكم جميعا اصلاح ما أفسدت لأنها أخطأت من أجلكم ، لأنها تعذبت من أجلكم ، بل من أجلنا جميعا ، عانت سنوات وسنوات ، تحمل الهم وحدها ، تخفي احتراقاتها وتقطع كبدها لتحافظ على سعادتكم ، على ابتسامتكم ، على شرفكم ، نعم أخطأت أمي وقبل أن تموت اعترفت لي بسر خطير ، في الحقيقة آلمني الى درجة الحقد والكراهية ، ولكن بعد معرفة الحقيقة ، بكيت وبكيت بمرارة ، لأنني يوم أخبرتني عبست ، ولم أبتسم لها ، ورأت الغضب على وجهي وهي تموت ، رغم كل هذا ابتسمت ، وضغطت على يدي لتقول لي سامحوني ، من أجلكم دفعت ثمنا باهضا ...
أجهش بالبكاء ، واختنقت الكلمات ، وتناثرت الحروف في الحلق ، وفاضت العيون واعتصر الوجه يأتي بكل مافي العمق من أسى وأسف و ألم ، وكم هي مؤلمة لحظات عتاب النفس عندما تضيع وللأبد فرصة تضميد الجراح ، ويخرج العتاب مخالبه ليمزق انتقاما المشاعر التي كانت غافلة ، المشاعر التي كانت تعتز بقساوتها ، ووحشيها ... هكذا حتى رن جرس الباب ، أرادت ثورة أن تقوم فأمرها بالبقاء في مكانها ، فتح ، رحب به ، أدخله يتوكأ على عصاه ، انه عمي المبروك ، وجدهم لا يزالون تحت الصدمة ، وقبل أن ينطق أي أحد ، قال: هذا عمي المبروك، أنا دعوته ، لأنه المحور الأساسي الذي يدور حوله سر أمي ، أرجوكم لا تعكروا صفو مجرى الحديث ، أتيت به لمجرد شهادة واثبات ، أردته أن يشهد ويسمع هو كذلك أن كل ما جرى لتبرئة الأموات ، أقسم أني أشعر بأرواحهما هنا معنا حاضرة هذا المجلس الذي سأدافع فيه حتى تظهر الحقيقة كما هي.
أيتها الأرواح الطيبة ، أيتها الأرواح العفيفة ، أيتها الأرواح النزيهة ، أيتها الأرواح الطاهرة ، اننا ما اجتمعنا اليوم هنا الا لنطلب منكم أن تسامحونا ، على ما حملناكم من غبن ، أن تسامحونا لأننا كنا سببا في تدميركم وأنتم أحياء ، أن تسامحوننا لأن أنانيتنا أعمت بصيرتنا ، وأغشت بصرنا ، فلم نر احتراقكم من أجلنا ، وأنتم تموتون رويدا رويدا ....
أبي العزيز ، أختي العزيزة ، أخي الحبيب ، عمتي ، أيها الفاضل عمي المبروك ، ستستمعون الآن الى اعتراف القابلة في قضية كانت سبب مأساتنا ، اعتراف ما ترك لظن مجال ، انها الأضواء ستكشف أحداثا ومعاناة سببتها سذاجة وراءها نية حسنة وضغط على الزر:
كريم: توفيت أمي يا خالة
القابلة: الله ! فاجعة أخرى ... ومتى ؟
كريم: عندها أسبوع تقريبا
القابلة: مسكينة ، سامحها الله
كريم: لقد باحت لي بسر تفاصيله عندك
القابلة: خضراء ؟
كريم: نعم ، واني جئت لأسجل شهادتك لتبرئة ذمتها
القابلة: خضراء أختك من أمك وأبيك ، وما فعلته أمك هو حفاظا على سمعتكم وشرفكم ، لقد ولدت سوداء وتفاجأت أمك بهذا لأن علاقتكم بالمبروك الأسود كانت كبيرة جدا حد الاختلاء ، ولا يشك في نزاهته واستقامته أحد ، فخشيت أن تتهموها بعلاقة معه ، بل قذفها بعض ضعفاء النفوس ، ونالت منها الألسنة ما نالت ، فكان لا بد من مواجهة الأمر بهذه الحيلة ، فدفعت لرئيسة المصلحة مبلغا معتبرا من المال ، وقلنا أنها أنجبت خلقا مشوها ومات ، وحتى نحافظ على سلامتها أعطيناها خضراء على أنها ولدتها سوداء ، وبعد أن تهدأ نفسها نصارحها ، وصدق أبوك بهذا لأنه كان يحبها كثيرا ، الا أنه وجد بعض الحرج في كون خضراء سوداء ، فضغطنا عليه بعدم وجود البديل ، فابتلع المقلب ، هذه هي قصة خضراء بالتفصيل والباقي أنت تعرفه أكثر مني ، والذي أحدث الشرخ في أسرتكم هو حبك لها وحبها لك ، كانت أمك تعيش هذه العلاقة على الأعصاب ، انه القضاء والقدر يا بني ، يصنع الصدف العجيبة يدفعها الانسان بيده وهو لا يدري .
كريم: كيف صدقت أنها بريئة
القابلة: لأن المبروك فقد فحولته وخصوبته في حادث مرور قبل أن يتعرف على عائلتكم ، وأنا أعرفه جيدا ، كان بوابا في المستشفى ، عمل المستحيل لاسترجاعها ولم يتمكن ، ألم تلاحظ أنه أنجب ولد وبنت هي أكبر منك ؟ ، هذه أسرار لا تكشفها الا الصدف ، وأنا عرفت ذلك عن طريق الطبيب الذي كان يعالجه في ليلة مداومة في المستشفى ، جاءوا به الى قسم الاستعجالات ، لا زلت أذكره ، كان يعاني من أزمة في المثانة أو شيء من هذا القبيل ، فقلت للطبيب مازحة: هكذا لن ينتهي الرجال عن النساء حتى تؤدبهم الأمراض ، فزجرني وحدثني بتفاصيل مصابه ، فتذكرت حينها أن أمك كانت صادقة وليس هناك أشرف منها ، فذهبت اليها لأنها كانت صديقتي واعتذرت لها ، هذه هي حقيقة خضراء وبالتفصيل .. انها أختك من أمك وأبيك ..
وما الفائدة الآن وقد توفيت أمك ، أنصحك أن تطوي هذه الصفحة ، المهم أنك عرفت
كريم: وحتى خضراء أظنها انتحرت .
القابلة: في رأيي لا حاجة الآن لاحياء الحدث .
كريم: لا يا خالة ، يجب أن أكشف الحقيقة لمعاقبة هذه الضمائر القاسية ، لن أرحمهم ، سأحسسهم بالذنب ليذوقوا مرارة الافتراء وتزوير الحقائق .
انظروا الى صورة جدي ، وهذه صورة خضراء ، أليست صورة واحدة ؟ فقط هذه بيضاء وهذه سوداء ، كنت دائما أقول هذا وجه رأيت شبيهه ، وما أدركت ذلك حتى أخبرتني أمي ، كان يخفيه السواد ، نعم ويخلق من الشبه أربعين ، هناك أناس قتلوا فلذات أكبادهم خوفا من الفضيحة ، ولكن أمي كانت أعظم ، أشرف ، أنبل ، أليس كذلك يا عمتي ؟
هزت رأسها ، و اكتوت شفتيها ، فاشهدوا ببراءة هذه الأرواح انها تستعد لمغادرة المكان ، انها كالطيور تحلق فوق رؤوسكم مسرورة ، فاستسمحوها ، هيا قوموا جميعا ، ناشدتكم قوموا ولتنحني رؤوسكم ، ولتخشع قلوبكم رحمة بهم ، وادعوا لهم لأنهم فعلوا كل هذا من أجلكم ، ومن أجلكم فقط ، فقام الجميع ، وبكى الجميع ، وتسامح الجميع حتى الأب أرهقته الكلمات ، فجلس وسقطت العصا من يده وقال: يا بني يا كريم ما أصغرنا أمامها الآن ، ما أفضعنا وما أقسانا وهم أحياء .
كريم: كانت جدة جدي سوداء أليس كذلك يا أبي ؟
الأب: نعم .. لقبوها بالرخام الأسود لأنها كانت سوداء وجميلة ، بقد ممشوق ، فغارت منها نساؤه واتهموها به ، فتحداهن وتزوجها وأصبحت من أعز نسائه ، فبكرت له بجدي ، وكان جدي مثل أبيه ، أبيض وأزرق العينين ، وزادت معزتها فأكرمها وبنى لها بيتا وانفرد بها حتى مات ، وما لبثت بعده الا قليل والتحقت به وهي لا تزال تحتفظ بمياسم جمالها ... هكذا كان يحدثنا جدي يرحمه الله ، عن أبيه ، ومن لا يعرف أن العرق دساس ، لو صارحتني سترة ما كنت لأشك فيها أبدا ، فقط اني نادم أنني لم أخبرها أنه كانت لي جدة سوداء ، هكذا جبلنا على مصاحبة النساء في حدود ، وكانت هي امرأة مهوانة طائعة لينة ، تميل بي أينما ملت ، يرحمها الله لا تعارضني حتى وأنا على باطل .
أما أنت يا المبروك ، انها سنة الحياة ، وهذه خلافات وسوء تفاهم وأخطاء لا ينج منها أي انسان ، فكانت الطعنة في عمق الشرف ، ولولا ثقتي بسترة لقتلتك وارتكبت جريمة ، يوم أخبرتني بالاشاعة استحلفتني ، رغم أنها كانت قد تصرفت معك ومر عليها كذا من سنة ، قالت لي اني رأيت في نظرته ريبة ، فطردته شر طردة ، عضيت الأنامل من الغيظ عليك ، وأحرقت أعصابي أني وضعت فيك ثقة عمياء ، وما سبق لي أن فعلت ، سترة هي المرأة الخامسة ، ما رآهن غيرك ، ولا دخل عليهن غيرك ، ودار في رأسي الكثير ، وبقي المكان الذي كنت فيه في نفسي يحرقني كأنني امرأة ولدت لقيطا ولم تقتله ، فشربت من أجله مرارة الذل والهوان ، ومزقها الندم .. الحمد لله أن الأمور كانت تجري على ما رسمته المقادير .. بفطنتها ويقظتها استطاعت أن تدفع بالأقدار نحو التفكك بيسر ورفق ... سامحها الله .. كان المبروك ينظر الى الجميع وكان الأمر عادي جدا ، فقط علامات الحزن كانت بادية عليه ، بعض الحرج من كشف ما كان بطويته عن مرضه ، العمة وجدت نفسها كأنها على الهامش ، وادعائها بمعرفة الحقيقة واصرارها على خيانة سترة كان دربا من السفاهة ، ثورة التي كانت تنظر الى خضراء أنها لقيطة ودخيلة ، وجدتها أقرب منها الى الأصل في الخلق والخلق ، وحده أحمد يسبح ويحمد الله ، الأب رجع الى الماضي يستعيد مجد أجداده المزعوم و يثني على الأصول وعز قبيلته ، وأن أجداده كانوا يتزوجون في الصباح ويطلقون في المساء ، واذا عثر الجواد تحتهم يتصدقون به ، واذا أخطأ أحدهم صائدته يجلدة أبوه ، واذا رفعت المرأة صوتها تجلد وتطلق ولا يتزوجها أحد ، حتى نقرات أساور المرأة كانت عورة ، تجلد المرأة عليها وو .. ووجد نفسه يتكلم ولا أحد يستمع اليه ، فسكت ، أربك الخبر الجميع ، كانت اللحظة فرصة لمراجعة النفس وترتيب الأشياء التي كانت مهملة ، لقد أصابت القذيفة الهدف بدقة متناهية ، كانت كما توقعها كريم ، سكوته هنيهة ساعد الجميع على الاستعداد لسماع أكثر .. ربما لتأنيب الضمير ، لعتاب النفس ، فتراجع الجميع ... ويعود كريم الى الكرة مرة أخرى دفاعا عن المنبوذين والمهمشين والمحرومين أمثال خضراء ، عن جزء من المجتمع ذنبه الوحيد أنه جاء الى الحياة ولا يعرف كيف ولا لماذا ، لأنه ببساطة نتيجة خطأ الغير ، أو متعة الغير ، أو تهور الغير في مجتمع لا يغفر ولا يقبل التوبة ، هؤلاء الضحايا ليسوا بحاجة الى الرحمة فقط بل هم بحاجة الى الحق في الحياة ، أقل ما يعطيه الانسان لأخيه الانسان ، فما أدراك وهو من دمه ولحمه ، يحرمه من كل شيء ، بل يقهره ويستعبده ويذله ويهينه ويبني كبرياءه على حسابه ، يمارس عليه جبروته وتسلطه ، ويجرده .
ان الهروب الى الأمام في حد ذاته جريمة ، ولهذا أتمنى أن يراجع كل منا نفسه ويعتذر ولو في سريرته لهؤلاء الذين ظلمناهم ، وللذين ظلموا أنفسهم من أجلنا وماتوا لبقائنا .. يرحمك الله يا أمي ، يرحمك الله يا خضراء ، وسامحكم الله .
كانت ثورة تتابع المرافعة أمام معالي سيادة الضمير بكل ما تملك من تركيز ، فتداخلت مشاعر الاحترام والتقدير والمحبة في نفسها ، انها محاكمة المجتمع في ذواتنا ، أظهرت بشاعته وظلمه لنفسه ، وما أحوجه الى صحوة ضمير ... فقدت كل المصطلحات وغرقت سفينة لسانها السليط ، حطمها اليقين بمعادلاته التي لا تقبل النقاش .
الأب لم يجد الا عصاه ، ينظر اليها كأنها جديدة في يده ، يقلبها ، ويبتلع ريقه من حين لآخر ، في حالة انهزام فظيع .
العمة عادت الى الانطواء والتقوقع ، رفضت الواقع ، الا أن كريم أغلق دونها كل أبواب الطعن ، واقتناع الجميع أبطل مفعول الزوبعات التي كانت قادمة من عمق الشر فيها .
فقام الأب ، وقبل أن ينصرف قال:
- تعبت يا ابني كريم ، أنا ذاهب لأرتاح أحس بارهاق كبير ، وأنت حاول أن تصلح ما استطعت ، الخطب عظيم والزمن تجاوزني وما بقي للعزم حيلة ...






الفصل الثاني عشر

الشرطي: لا فائدة يا حضرة المحافظ
المحافظ: خذها الى دار الضيافة
أخذوها الى ورشة التعذيب ، قيدوها ، علقوها ، مزقوا ثيابها ، مارسوا عليها كل أشكال التعذيب دون فائدة ، فقدت الوعي عدة مرات ، بكل وحشية كانوا يتناوبون عليها ، كل منهم يجرب عليها ابتكاراته واختراعاته بلذة ومتعة ، يطربهم أنينها ، ويغضبهم سكوتها ، كانت تعرف أن نطقها قبل ثلاثة أيام هو حكم بالاعدام من طرف العصابة ، خاصة والحقيبة لم يعثر عليها بعد ، ولا تزال محل شك واتهام ، وصمودها يقوي ثقتهم فيها ... وفي اليوم الرابع من القاء القبض عليها تكلمت:
توقفوا ، سأعترف بكل شيء ، الرحمة أرجوكم
الشرطي: الآن ؟ .. ما الفائدة ؟ .. لا عليه أعطينا الأسماء والعناوين .
أعطتهم أسماء وهمية وعناوين حقيقية ، كانت هذه الاقامات خاوية ، مهجورة من قريب ، بعض الآثار والأشياء التي توحي بأن العصابة كانت تنشط هنا ، ملابس ، أحذية ، خراطيش ، جرائد ، أغطية ، أجهزة منزلية وبعض الأواني ، رسائل للتضليل وغيرها من التمويهات ... بعض أسماء النافذين في السلطة الذين يستحيل لمسهم أو حتى الاشارة اليهم ، وثائق مزورة لأبرياء ..
وبدأ التحقيق وبدأت التحريات ، وبعد أكثر من عشرين يوما قدموها الى قاضي التحقيق بمحاضر اعترافات معظمها سيناريوهات واحتمالات أمضتها تحت التعذيب ، واختلط الواقع بالخيال ، حذفوا أسماء وزادوا أسماء ، وخيطوا على مقاس الذين هم في حالة فرار أو غير موجودين اطلاقا ، وبعد مدة ، حولوا كل الشرطة الذين تابعوا القضية الى مناطق مختلفة ، وحولت السجينة الى العاصمة .. تنتظر المحاكمة ، وفي يوم من الأيام حدث تمرد في السجن فكانت في عداد الأموات ، أثناء اقامتها في السجن تعرفت على فايزة التي كانت في آخر أيام سجنها ، قتلت مديرها لأنه اغتصبها وكان له نفوذ كبير ، الوحيدة التي سارتها وربطت معها علاقة صداقة الى درجة الأخوة ، واستطاعت أن تكسب ثقتها لدرجة أنها أعطتها عنوان جدتها التي كانت تعيش معها ، وأوصتها أن تتخذ منها أما ، فاذا احتاجت الى أي مساعدة ، قالت لها اتصلي بهذا الرجل وأعطتها رقم هاتفه ، قالت أنه صديقها ومستعد ليقوم لها بأي خدمة ، فقط قولي له أنا صديقة وحشية لطرش رقم 53/ب ، وكانت يوم التمرد في الصف الأول فتمت تصفيتها ببرودة دم ، بمجرد سقوطها عاد الهدوء ، كأنها كانت مفبركة ، في تلك الحادثة جرحت خمس نساء وقتلت ثلاث .
ولما خرجت فايزة لم تجد مكانا تأوي اليه .. تخلى عنها أهلها ، ولم يسألوا عنها ولو مرة ، بالعكس هددوها بالقتل ان عادت الى البيت ، تتجول في العاصمة ، تبحث أين تقضي ليلتها الأولى ، وتذكرت أن وحشية أعطتها عنوان جدتها ، ترددت كثيرا وفي الأخير لم تجد خيارا آخر فذهبت، دقت على الباب ، فتحت لها امرأة عجوز سوداء قصيرة ،في السبعينيات من العمر .
- مرحبا
فايزة: أنت الحاجة زهرة ؟
- نعم ، أدخلي يا بنيتي اني وحدي
فايزة: أنا صديقة وحشية ، كنت معها في السجن ، يوم قتلت كنت واقفة
- الله يرحمها ، ما سمعت نصيحتي ، فهلكت وأهلكتني فاجعتها
فايزة: قالت لي عندما تخرجين عوضيني عند أمي ، وأعطتني عنوانك ، وهذا المنديل هو عربون مودتنا ، قالت انه منديلك ، كانت تتبرك به .
- أدخلي ، أدخلي ، يطول بنا الحديث ونحن أمام الباب ، أنت فايزة ، لقد كلمتني عنك في آخر زيارة لها .
فايزة: شكرا ، لا أريد أن أطيل عليك ، المهم أني عرفت البيت ، سأزورك مرة أخرى ، أستأذن الآن .
الحاجة زهرة: الى أين ؟ ذا نت مقطوعة من شجرة ، مثلك مثل المغبونة خضراء ، لقد هربت من المستشفى ولا زلت أبحث عنها ، ندمت وحشية لما لاقته خضراء بسببها يوم الحادث ، استطاعت أن تخرج سالمة ، وحملت سفط خضراء وهربت ، ولما وجدوا تلك البائسة وقد تعرضت الى صدمة عنيفة على الرأس ، وكانت سوداء بمواصفات وحشية ، فظنوا أنها هي ، ولا تزال تعاني ، ولا أدري لماذا لم تقل لهم وحشية الحقيقة يوم ألقي القبض عليها ، فقط قالت لي اذا نجت حاولي أن تعوضيها أضعاف مضاعفة ، يجب أن أصل اليها قبل أن تصل اليها الشرطة ، ظلمتها وحشية وأريد أن أدفع لها ثمن هذه المظلمة ، يجب أن أنقذها ، لقد استأجرت بعض الرجال للبحث عنها ، وجعلت لهم مكافأة كبيرة ، أتمنى أن أجدها .
فايزة: مادامت المكافأة كبيرة ، سأبدأ البحث عنها منذ الغد ، انها فرصتي .
أدخلتها ، أكرمتها وقالت لها: البيت بيتك ، وأنت منذ اليوم صاحبته ، الوحدة تنحت كل يوم من عمري شذرات ، تكاد تقتلني ، انتظرتك كثيرا يا بنيتي ، فقط لا تكوني فاجعتي الثانية ، معي لا ينقصك شيء ، أنا مستورة ، والمهم أننا لن نمد أيدينا لأحد .
تناولتا العشاء ، وقادتها الى غرفة وحشية
الحاجة زهرة: لا تزال كما تركتها ، حتى ترتيب الأثاث بيدها ، أتمنى أن تكوني خير خلف .
عانقتها فايزة وقالت: لا يكون مني الا ما يرضيك ، صدقيني بدأت أحبك وكأنني جزء منك ، وكأنني من هذا البطن خرجت ، فضمتها وشعرت فايزة أنها ولدت من جديد ، شدت العجوز بكل قوة ، وضعت أنفها في صدرها ، وتدفق الدمع جداولا ، أحست براحة وأمان ودفء لا يضاهيهم حنان ، تمنت لو تنام في حضنها الى الأبد ، وأقسمت بينها وبين نفسها أنها لن تفارقها أبدا مادامت على قيد الحياة ، أشاحت العجوز بوجهها وانصرفت في صمت وتركت فايزة في الغرفة وحدها ، تتلذذ امتدادية الشعور بذلك الحضن في الصدر العطوف ، كانت الساعة على الجدار تشير الى الرابعة والنصف ، توقفت هي ولم يتوقف الزمن ، فوق الطاولة ثلاثة كتب وبعض الأشرطة ، في الدرج أشرطة أخرى ، نظارات شمسية ، ألبوم صور ، مذكرة فيها بعض الأرقام الهاتفية ، مزقت أكثر أوراقها ، فتحت الألبوم ، بعض الصور القديمة لوحشية .. أعادت الأشياء كما كانت وأوت الى الفراش ، كانت قد تجردت من ملابسها ، أحست بليونة الفراش والغطاء ، ضغطت على الزر فعم الظلام ، ذلك الظلام الجميل الذي لم تتمتع به منذ عشر سنوات ، استرخت تستمتع الى نبضات جسدها في وتيرة عادية منتظمة ، تذكرت الأب والأم والاخوة ، تذكرت الجارات ، الصديقات ، الزميلات ، تذكرت شارعهم ، بيتهم ، وأختها ملكة التي كانت تقاسمها غرفتها ... استعادت حادثة اغتصابها ، أحست بشيء غريب بنداء من عمق الضمير يؤنبها ، انه جنون العشق البهيمي ، انها الجريمة في حق الذات الانسانية ، وما ذنبها هي الا أنها كانت جميلة حد الغواية ، حد الرغبة ، هذا الجمال الذي جلب لك الشقاء عوض السعادة ، ألم تكوني تلبسين وتتزينين بطريقة مثيرة جذابة تفقد صواب الناظرين ؟ ، ماذا كنت تنتظرين من وراء ذلك يا فايزة ؟.. ما كانت تظن أن الغرائز في بعض بني البشر تثور أحيانا الى حد الحيوانية ، ولا يهم سوى البطن والفرج ، بل من أجلهما يطلبون الفناء ، لا يقيدهم شرع ولا زرع ولا ضرع ، يغتصبون الجمال في كل شيء باسم الضعف وعدم القدرة على مقاومة الرغبة ، يفسدون كل جميل ... تلك هي طبيعة الأعراب ، فقدوا الأذواق .
فتحت عينيها ، كان الصمت والهدوء يملأ الغرفة التي بدت ألوانها و آثارها متناسقة ، تجيل نظرها ، استوت جالسة ، قامت ، تقدمت بهدوء أمام المرآة ، تنظر الى جسدها في طريق الذبول ، تنظر اليه بعيون الرجل الذي حلمت به يوما .. ثم قالت: كل شيء تغير يا فايزة ، حتى جسدك .. تذكرها تضاريسه بمفعول الهم والزمن الذي لا يرحم ، السجن يقيد الذات ويحرر الزمن ويمثل بالأمل ... وضعت يدها على فمها وتراجعت ، سمعت نقرات خفيفة على الباب ، عرفتها
- هيا يا حبيبتي ، انها الساعة التاسعة ، وقبل أن تجيب ، سمعت وقع أقدام تبتعد ، قامت ، لبست ، وخرجت تهرول وراءها ، وجدت العجوز قد حضرت فطور الصباح و أعدت المائدة ، قبلتها على الجبين وجلست
فايزة: تسلم يداك يا أعز ماما
الجدة: ماما ؟! ياااه ما أجمل هذه الكلمة
فايزة: كيف تركت وحشية كل هذا الحنان والعطف والرفاهية وانحرفت ؟
الجدة: أرجوك يا بنيتي ، لا أريد أن أتكلم في موضوعها ، الرجوع الى الوراء يؤلمني كثيرا
فايزة: سامحيني لم أقصد ، أحست بنوع من الحرج ، وشيء من السفاهة ، كان السؤال من عقر البداءة ، خجلت ، وشعرت العجوز بذلك ، فابتسمت
الجدة: لا عليك ، هذا سؤال البراءة ، سأسعدك بالاجابة ، لم تقل لك وحشية كيف انحرفت ؟
فايزة: كانت تقول لي دائما ، أنا لست مجرمة ، أنا ضحية وأضحية ، نعم يا فايزة أنا كبش الفداء ، المجرمين الحقيقيين لا ينزلون ولن يصل اليهم أحد ، لو لم أكن أنا ، تكون مكاني أخرى ، خطيئتي الوحيدة التي لا أزال أندم عليها ، هي لما ورطت خضراء ، تلك البائسة ، ظننت أنها ماتت ، وهربت بأوراقها ووثائق هويتها ، ولما علمت بنجاتها وفقدان ذاكرتها استعملتها ، غيرت الصورة فقط ، وكنت أتنقل بحرية ، وهربت بالحقيبة ، وأردت أن أختفي ، ومن حسن حظي تراجعت عن هذه الفكرة ، وبعد أسبوع عدت لأتصل بالعصابة التي اكتشفت أن النقود مزورة ، عندنا أوامر لما تطاردنا الشرطة تقطع كل اتصالاتنا بأعضائها ، حتى نتيقن من سكون العاصفة ، ورغم هذا واجهت مشاكل كبيرة ، ظنا منهم أني أنا التي بدلت النقود ، تعرضت الى التعذيب والحجز ، حتى اكتشفوا ولا أعرف كيف المزور الحقيقي ، كنت أقوم بأخطر العمليات دون مقابل ، هذه العصابات كالأخطبوط ، اذا استولت على انسان لن يفلت من يديها الا ميتا ، اخترقوا كل الأجهزة حتى السجون ، متواجدون في كل مكان ، أقسم لك أنك لا تستطيعين أن تفرقي بين رجل في العصابة ورجل في الأمن ، يستعملون نفس الأساليب ، يدهم أحيانا أطول من الدولة ، ورغم تكتمي أنا متأكدة أنهم سيقتلوني وهنا في السجن ، لأني أعرف الكثير ، زوالي هو زوال الخطر ، سيجدون طريقة جهنمية للتخلص مني ... كانت تسميهم نسيج العنكبوت ، ونحن داخل السجن لا نعرف حتى الآن كيف قتلت ، يوم التمرد كانت تنصحني بالابتعاد عنها ، تفتعل مهاجمتي ، تسبني ، تظهر قاسية وهي أرق من النسيم ، قالوا أنها سقطت من الطابق الأول في ازدحام المتمردات ، في تلك الليلة عذبونا بالاستجوابات والأسئلة المفخخة ، وخاصة المقربات منها ، حتى استنزفوا كل ما لدينا من معلومات ، وتيقنوا أننا لا نعرف عنها ما كانوا يتوقعون ، مسكينة وحشية ، أنا حتى الآن ما صدقت أنها كانت مجرمة ، وبهذه الصورة ....
الحاجة زهرة: يا بنيتي ، وحشية كان أبوها متعاطف مع الحزب المحضور كما يسمونه الآن ، جاءت سيارة في منتصف الليل ، أخذوه ، ماتت أمها من الفاجعة لأنها كانت مريضة ، الربو ، والقلب ، أصابتها أزمة حادة في تلك الليلة ، ومنعنا حظر التجول من نقلها الى المستشفى ، كان جدها يوفر لها كل الظروف لمواصلة دراستها في الجامعة ، كانت في السنة الثالثة علم النفس ، طلبت منه الدخول الى قاعة الكراتيه فلبى لها ذلك ، واشترى لها كل ما تريد ، المهم حاول أن يعمر كل فراغاتها ، وبرعت في هذه الرياضة الى حد حصولها على امتيازات كبيرة في الدورات واللقاءات
فايزة: حقيقة كانوا يخشونها كثيرا ، ويحسبون لها ألف حساب ، والدليل على ذلك كلما طلبتها الادارة تأتي معها أربع حارسات مسلحات ويقيدنها من اليدين والرجلين .
الحاجة زهرة: ولما تحصلت على شهادة الليسانس ودخلت الى الثانوية تعمل كمستشارة ، وبدأت تبحث عن أبيها ، زارت كل المعتقلات والسجون مع جدها ، دخلت على وزير العدل أما وزير الداخلية آنذاك ، استقبلها مدير ديوانه ، نفس السؤال يطرح عليها .. كيف عرفت أن السيارة التي أخذته تابعة لمصالح الأمن ؟ وحده وزير العدل قال لها أننا نعمل بموجب اجراءات وقوانين الحالة الاستثنائية ، والأمر قد يتجاوزنا في بعض الأحيان ، لا زلت أذكر أنها جاءت يوما فرحة ، وقد تعرفت على رجل ادعى أنه من الأمن العسكري ، ويعرف مكان حجز أبيها ، وطلب منها أن يبقى هذا الخبر في طي السرية ، حتى يتحقق من براءته ليطلق سراحه مقابل مبلغ من المال ، وقبلت الصفقة ، وفي احدى الليالي حملت صفطها وخرجت ، ومنذ ذلك الوقت لم تعد ، هاتفتني مرتين أو ثلاث ، ثم اختفت ، حتى جاءني خبر القاء القبض عليها ، كنت أزورها في السجن ، والباقي أظن أنت أعرف به مني ، توفي جدها وهو يردد اسمها ، وبقيت أنا وحيدة ، لما كلمتني عنك وقالت أنك مقطوعة من شجرة ، بدأ الأمل يراودني من جديد لعلي أجد فيك المواسي والماشي في جنازتي ، وأنا مثلك الآن مقطوعة من شجرة
فايزة: لا بأس عليك يا أمي ، سأخدمك وكأنني خرجت من هذا البطن ... الرجل الذي وعدها كان ينتمي الى العصابة ، وأرسلوه اليها ، ولما عرفت حقيقته قتلوه وهو واقف معها ، وحملوها الى مكان مجهول وخيروها بين العمل معهم في الجهاز السري للأمن المزعوم أو اتهامها بقتله ، بطبيعة الحال قبلت وخاصة لما وعدوها باطلاق سراح أبيها ، هكذا حتى وجدت نفسها متورطة في عدة قضايا من تهريب وقتل وتصفيات ، عندها اختفت كل الوجوه التي كانت تعمل معهم وصارحوها بأنها تعمل لصالح العصابة ، حاولت أن تنتحر ولكن كما قالت لي ، كانت جبانة وتنقصها الشجاعة ، نعم يا أمي ،ماتت وحشية وهي تحمل معها هم الأب والجد ، وما كان يؤلمها أكثر هو لما ورطت خضراء التي كانت تظنها ماتت في الحادث .
كانت كل واحدة منهما تحاول أن تعيد لوحشية براءتها بقوة ، هكذا عندما نحب انسانا بصدق لا نذكره الا بمحاسنه ، نحسبها من العدل ، فهل كانت وحشية ذلك الانسان الرقيق المشاعر الذي اختفى وراء شخصية ورطت اكراها لزرع الرعب والفساد ؟ ... أم هي حقيقة اسم على مسمى ؟ أم هو القدر والقضاء حين يجمع المتناقضات في ذات واحدة ، لا تزال فايزة تتذكر كيف كانت وحشية تستحضر ماضيها ، كأنها الراوي لمأساة أمة عايشتها بمفردها ، هذه المرأة التي لا تعرف الانهزام ، لا تنحني ، لا تتردد ، لا تستسلم ، كأنها الوطن لما يخون أبنائه ، كأنها التاريخ عندما يحول مجراه ، كأنها الحضارة لما تقهر، كأنها كل هذه الأشياء التي تتحدى الزمن عندما تحول لغير وظيفتها .. وحشية هي الآن آرشيف المباحث المغيبة ، لن يذكرها التاريخ لأنه فقد لسان حاله ، لأنه معوق ولن ينصفها .. كانت وحشية هادئة حتى في ثورتها ، تعمل كتلك الأجهزة الضخمة والمركبة بدقة متناهية ، تكظم ضجيجها وجعجعتها ، وانفجاراتها في حركتها ... كانت تبهر ، كانت عقلا رهيبا يفجر كل التوقعات ليصنع التدبير الذي يريد ، وحشية كالطائر الأصيل عندما يأخذه القناص لا يتخبط ، وكانت تقول اللعنة على من يتألم أمام عدوه ، فمن كان عدو وحشية ؟ ولماذا لم توظف هذه القدرات لصناعة الخير ؟ هل كانت تظن مثلما تظن أمريكا ، أن العبقرية والتكنولوجيات الحديثة هي خطر عليها في يد الأنظمة العربية ؟ ... أم أنها كانت هي كذلك تنتقم بطريقة غير مباشرة ؟ أم كانت حقيقة مقيدة تحت رحمة آلة المافيا والارهاب الأعمى الذي يتحرك لتمييع حركية الشعوب ؟ كثيرة هي الأسئلة التي بقيت عالقة تؤرق الباحث عن الحق لتبرئة الذمة ، وتجعل الدفاع عن وحشية دربا وعرا ومسلكا لا ينجو سالكه من الهلاك ، والموت ليس المحطة الأخيرة في كل الحالات ... كان باطن فايزة أكثر تفاعلا من ظاهرها ، وما كان يجول بخاطرها أكبر مما تحدثت به ، والفضول في بعض الأحيان أفظع من الكابوس ، وخزائن الأسرار أبوابها أصلب من الفولاذ ، ليتها تستطيع أن تبوح بأكثر .. تنظر الى العجوز بعين الشفقة وتلاطف صبرها برفق .
الحاجة زهرة: أظن أن الله قد عوضني بك ، انك تتحدثين عنها برحمة ، آنست قبي ، وألبستك مودتي وحناني ، أنت الآن بنيتي وأكثر ، أما خضراء سأصل اليها مهما كلفني ذلك وأعوضها بأكثر
فايزة: أساعدك ، اعتمدي علي ، سأبحث عنها في كل مكان ، سأعمل ، عندي كفاءات كبيرة ، تحصلت على شهادة ليسانس في الاعلام ، تصوري يا أمي أن المدير الذي كنت سكرتيرته لا يتجاوز مستواه الطور الثانوي ، وانه لا يعرف حتى كيف يحرر رسالة ادارية .
الحاجة زهرة: ظاهرة استفحلت ولا تزال في كل الادارات والهيئات العمومية ، والحياة أصبحت أصعب مما تتصورين ، أكثرهم أولائك الذين يحملون الشهادات العليا ، يبيعون على الأرصفة لفافات التبغ الى الأعراب الذين غرفوا ما غرفوا من أموال خزينة الدولة بقصد التنمية ، يعيشون البحبوحة، يساهمون في اشاعة الفساد والرذيلة ، شكلوا طبقة جديدة بعقلية تغتال في ذاتها آثار كل ضمير ، وتزرع الحقد والكراهية بين المواطنين ، وبعد الافلاس تمسح الدولة ديونهم من جديد لاعادة الكرة ، هكذا انتهكت القدرات المعيشية ، وأصبح البعض يقتات من المزابل ، أو يعيش على فضلات هؤلاء الذين اكتسحوا مجالات هم أجهل بها من أي جاهل ، هكذا والا كيف يكون الشعب عظيما ، أتمنى أن لا تقتلنا فواجع هذا الوطن التي لا تريد أن تتوقف عند حد ، لنا ما يحفظ ماء الوجه ، لا نحتاج الى مساعدة أي أحد ، اتركي هذه الفكرة ، فكرة العمل ، واجتهدي منذ الغد في البحث عن خضراء ، ربما تقبل العيش معنا ونكون العائلة التي نحلم
فايزة: مادامت هذه رغبتك فأنا على ارادتك ، ولكن بشرط ، منذ الآن لا تدخلي الى المطبخ الا لمؤانستي ، أشغال البيت كلها أتركيها على عاتقي
الحاجة زهرة: لا زلت ضيفة يا بنيتي
فايزة: أنا ابنتك ، أليس كذلك ؟
الحاجة زهرة: بلى ولكن ..
فايزة: بدون لكن ... لا تتعبي نفسك سأكون كما تتمنين ، واذا ما أعجبتك طريقتي فنبهيني
الحاجة زهرة: أبدا ، يا بنيتي ، أعرف أنك أقدر .. لك ما تريدين ، البيت بيتك






















الفصل الثالث عشر

لم يكن ذلك اليوم كسائر الأيام ، كان شيئا ما سيحدث ، وأنت تنظر الى تلك الوجوه في القاعة التي امتلأت عن آخرها ، تحس بأن هناك حدث استثنائي يتهيأ للنزول ، حكموا عليها جميعا قبل القضاء ، ينظرون اليها بعين المقت والحقد والكراهية ، يتمنى الجميع أن تشنق اليوم أمامهم في هذه القاعة أو في الساحة العمومية ، ينتظرون الحكم على أحر من الجمر ، تلك هي القضايا التي تعطي مصداقية القضاء أمام الشعب وتنسيه الكثير من المظالم العامة ، انها الفرصة التي يستغلها الجميع لتبييض ممارساتهم العشوائية للسلطة ..
رن الجرس ، قام الجميع ودخل القاضي وحاشيته ، جلس وجلس الجميع ، فتح الجلسة وناداها .
نزع الشرطي قيودها وتقدمت بكل هدوء ، تأكد من هويتها وعافيتها بأسئلة روتينية ثم قال: أنت متهمة بجريمتي قتل ، و تبديل المواليد مقابل مبالغ مالية باهضة ، هل لك ما تقولين ؟ نريد أن نعرف كيف تمت وما هي الدوافع ومن كان يساعدك؟ ، انظري الى هؤلاء ، انهم ضحاياك ، انهم ينتظرون ... تفضلي
القابلة: يا سيدي ، لا أظن أن هذه التفاصيل هي التي ستغير الموقف ، أو تغير مجرى القضاء ، أو تبرر موقفي ، حقيقة تعديت على حقوق الناس ، ظلمتهم ، ولكن هؤلاء الناس نفسهم هم الذين دفعوني لذلك سواء بالاغراءات أو بالتهديدات ، قادرة يا سيدي أن أورط الكثير ولو بشهادات الزور ، ولكن أفضل أن أدفع هذا الثمن وحدي لأكون عبرة للكثير ، لعلهم ينتهون ، ويعرف الجميع أن القانون لا يعرف طريقه الا عندما تكون صائدته مكسورة الجناح ، ضعيفة ، وهدفه أعزل ، أقول لأولئك الذين يدفعون من وراء الحجب ، بأيد ممدودة من الظل ، أنهم سينتهون مثلي ، وليكن في علمك يا سيدي ، أن الذين دفعوا أكثر ، وأخذوا فلذات أكباد البؤساء ، غائبون اليوم ، لأن ذراع القانون أقصر من أن تصل الى معاليهم ، ولا يهمني ذلك يا سيدي بقدر ما تهمني يقظة ضميري ، رغم أنها جاءت متأخرة ، كثيرة هي الأشياء التي أثارتها قضيتي ، ممارسات ، اختراقات ، انتهاكات ، اختلاسات ، ولو مد التحقيق يده الى أبعد لأخرج من هذه المغارات ملفات أنتن من الجثث المتعفنة ، لهذا يا سيدي الرئيس ، لاقتصاد الوقت ، وتوفير الجهد أكتفي بالقول أني مجرمة ، والاعتراف كما تقولون هو سيد الأدلة ، نعم سيدي ، أعترف بكل هذه الجرائم حتى تحكمون علي وتذهبون ربما لأول مرة في تاريخ حياتكم المهنية ، الى بيوتكم بضمير مطمئن ، وتشعرون أنكم قدمتم لأمتكم أجمل هدية وخدمتم مبدأ العدالة بيقين ، سترون يا سيادة الرئيس ، أنكم عندما تعدلون ، يأتيكم ذلك الشعور بالسمو فوق كل الاعتبارات ، وترفع هممكم الى مصف الملائكة ، سأعطيكم هذه الفرصة ، أهديها لكم لتتذوقوا حلاوة العدل وأنتم تمارسونه بعيدا عن الضغط ، وعن الوصايا ، وعن التدخلات والتوجيهات والاغراءات وغيرها .. فارحموني بتطبيق القانون ، أكثر من هذا لن أقول شيئا .
وعادت الى الشرطي تمد له يديها ليضع القيد ، فهز الرئيس رأسه بالموافقة ، فقيدها وأعادها الى مكانها .
استمع القاضي الى الشهود والى الضحايا والى ممثلي الادارة ، منهم الدكتور مجبر الذي قدم عرضا مبهرا لظروف العمل ومعاناة السلك الطبي في آدائه لمهمته الانسانية وتحدياته الراهن ، وما قدمته المتهمة من تضحيات في سبيل انقاذ الكثير ، وأن الموت كانت في هذه الحالة قضاءا وقدرا لا مفر منه .
النيابة العامة: سيدي الرئيس ، ليس لي ما أقول الا تطبيق القانون بدون رحمة ولا شفقة ، وقد اعترفت المجرمة ببرودة أعصاب ما رأيت مثلها ، متحدية كل المشاعر الانسانية ، وكأنها كانت في نزهة ، لقد أدركت غايتها ، لا يهمها ماذا يحدث بعد ذلك ، ان اعترافها الشوكي المسماري هذا ، ما جاء في وقته ، وقد أنكرت كل التهم أمام قاضي التحقيق رغم اعترافها في محاضر الشرطة ، ولعلها خطة لجأت اليها للمراوغة ، الا أننا نقول لها وبدون تحفظ ، أن القانون ليس غبيا ، واعترافك هذا سهل مهمة سيف العدل الذي أعدك أنه سيكون حادا ويريح المجتمع منك ...
سيدي الرئيس ، ان الدولة لها كل الوسائل لانتزاع الحقيقة ، وقد وفرت كل الامكانات ليأخذ العدل مجراه ، ولا تحتاج الى مجرم يلقنها دروسا في الأخلاق والانسانية ، العدل يا سيدي كما يقال دواء مر لا بد منه ، والعصمة للأنبياء والرسل ، ان العدالة في هذا البلد رغم كل التهجمات والاشاعات لا تزال تلقن دروسا للمخالفين والمجرمين ، وأكبر دليل العشرية الحمراء ، لا تزال المعتقلات والسجون شاهدة على وقوف كل السلطات التي تحافظ على أمن هذا البلد ، ان اهتمام الدولة بأمن المواطن هو الذي يدفعها الى بناء أكبر سجون العالم في بلادنا ، العشرات منهم تم انجازها وجاهزة لاستقبال الآلاف بل الملايين ، أنظر سيادة الرئيس الى هؤلاء الضحايا ، رضوان ، ثريا ، سفيان ، يحي ، سليم ، نعيمة ، كلهم تعرفوا على والديهم بفضل يقظة رجال واقفين ، وهذا بعد أكثر من عشرين سنة ، هؤلاء عرفناهم ، والذين لا تزال تتستر عليهم لا يعلم عددهم الا الله ، انها جريمة في حق الانسانية ، في حق العاطفة ، في حق النسب ، هذا كله لشراء مرضاة الرجل الذي يرفض البنت ، فتشتري زوجته ولدا وتدعي أنها أنجبته ، تشتريه من هذه المجرمة التي تسرقه من أمه وتعطيها مكانه بنت على أنها أنجبتها .. زيادة على ذلك ، تهاونها في عملها واهمالها الذي كلف القضاء على عائلة بكاملها ، ماتت الأم ومات الولد ، وكاد الزوج أن يجن ، كل هذا يا سيادة الرئيس والمجرمة تدعي يقظة ضمير ، أي ضمير هذا يستيقظ بعد موته ؟ ، ان الأخطاء المهنية التي ترتكب في حق الانسانية لا يغفرها القانون ، لأنها من السرائر ، والقانون يحكم على آثار الفعل مهما كان ولو كان بنية حسنة .
ولهذا سيدي الرئيس طبقا للمادة كذا من القانون كذا أطلب الحكم بالاعدام
القاضي: الكلمة للدفاع ، الأستاذ كريم
سيدي الرئيس ، السادة الحضور أعضاء هذا المجلس الموقر ، ان الاعتراف كما قالت موكلتي هو سيد الأدلة ، ورفض الدفاع عن النفس هو استسلام لتطبيق القانون وتوبة بندم ، وقبول القصاص براءة من الذنب حتى عند الله ، توجب المغفرة ، لا أريد تبرئة موكلتي وقد اعترفت بكل روح مسؤولية ، وتنتظر أن ترحموها بتطبيق القانون حتى تشعر براحة القصاص ، موكلتي يا سيدي لم تطلب التخفيف بل أعطت فرصة للذين ورطوها ليتوبوا وينتهوا ، وتركت الطريق واسعا لمرور سيادة القانون دون تنصل ولا مراوغة ، ومتى كان الذي يمد رقبته للمقصلة بطواعية مراوغ ، الا في عرف النيابة العامة ؟...
سيدي الرئيس ، ان تحامل النيابة على موكلتي بقدر ما هو حرص على تطبيق القانون ومحاربة الجريمة ، هو ناتج عن تجريده من التدخل ... وتهميشه باعترافها ، وشجاعتها بقبول مصيرها مهما كان ، كدت أن أقدم اعتراضا على ذلك ، ولكن احتراما لسيادة القانون تراجعت ، أما تراجعها بعد الانكار كان نتيجة يقظة ضمير وتسليم النفس للقصاص ، وهل هناك أعظم من فداء الحق والعدل بالنفس ؟ ، ان موكلتي يا سيدي لم تكن في حالة فرار ، ولا قاومت ، بل أعطت للعدالة أغلى وأنفس ما عندها ، تريد أن تكون عبرة لمن يعتبر ، تريد تحسيس المجتمع بأن الجريمة وحش لا يرحم الجبناء ، وأن ظلم الانسان لأخيه الانسان لا يزيله الا القصاص ، وخاصة اذا كان بطواعية ، لأنه يقضي على الحقد والكراهية ويقتل الرغبة في الثأر ، ويطفئ نار الفتنة ، وينشر روح المحبة والأخوة والتسامح ، عوض الغل ولذة الانتقام ، أنظر سيدي الرئيس الى هذه الوجوه الحاضرة ، وحتى الى الضحايا ، أسعد ما يكون هؤلاء عندما يطبق القانون دون مقاومة ، دون دفاع ، دون تنصل ، دون مراوغة ، وهذا طموح كل الشعب ، لأنه يتحول من جلاد الى رحمة تطفئ غضب الضحية وتريح ضمير المذنب وتسقط كل الحسابات و يستتب الأمن ويعم الخير المخبر والمظهر...
سيدي الرئيس بعد كل هذا لن ألتمس لموكلتي أي شيء ، وأترك القضاء يأخذ مجراه .. كل احتراماتي وتقديري
كانت القابلة حينها تستعيد أحداث ماضيها ، تذكرت بعض الوجوه النافذة التي غابت اليوم ، تنظر الى أولئك الوسطاء الذين حضروا متحفظين ، زملاء العمل ، وبعض الفضوليون ، استسلمت للحقيقة المرة ، الا أن هذه المرة كان الألم أشد ، بدأ باحتراق بارد من رجليها يصعد رويدا رويدا وكأنه يلتهمها برفق المتلذذ ، انها نشوة الضمير المؤنب الذي استيقظ مرة واحدة ، يقضم العظم ويطحن اللحم ويقطع الأعصاب ، كأنها تسلخ سلخا ، ولما وصل الى الصدر عطشت ، لا ، لن تطلب الرحمة ... تركته يفعل ، أحست بغشيان ودوران ، ثم نزلت عليها راحة غريبة .
ناداها الرئيس، أعاد النداء ، وقفت ، نظرت اليهم جميعا، وانهارت مرة واحدة ، همزها الشرطي ، جص نبضها ، ثم قال: أظنها ماتت سيدي الرئيس .
خيم الصمت في حضرة جلالة الموت ، انحنت الرؤوس ، فلا تسمع الا همسا ، تملأ الوجوه علامات الاستغراب ، ...
سكت الجميع ورفع الرئيس الجلسة ، وانصرفوا للمداولة
دق الجرس ، وقف الجميع ، جلس الرئيس ، وجلس الجميع .
ضرب الرئيس بمطرقته وقال:
حكمت المحكمة حضوريا وعلنيا على السيدة فلانة الفلانية بيوم سجن وغرامة مالية بقيمة دينار ... رفعت الجلسة .



















الفصل الرابع عشر


خرجت فايزة مساء ذلك اليوم عازمة على أن تأتي بنتيجة ، يجب أن تجدها ، ذهبت مباشرة الى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية في زيارة استطلاعية ، تحت غطاء فحص طبي نفساني ، فأخذت موعدا للقاء الأستاذة المتخصصة في علاج الآثار النفسية للسجن ، ولكن كان بعيدا جدا ، بعد أكثر من عشرين يوما ، فدلوها على مكان عيادتها فذهبت اليها .
دخلت ، استقبلتها المساعدة بابتسامتها الجميلة ، رحبت بها ، سجلت اسمها ، وجلست في قاعة الانتظار ، وبعد أن خرج رجل برفقة زوجته ، أدخلتها على الطبيبة ، كان المكان واسعا بسيطا ، مكتب أمامه أرائك ، طاولة كبيرة حولها كراسي ، رفوف عليها بعض الكتب ، ومجلات فوق مائدة ، نوافذ عريضة عليها ستائر تحجب أشعة الشمس وتضفي على المكان جوا رومنسيا هادئا ومريحا للهمسات وحديث الشجون ، تزينه ابتسامة الطبيبة ، ابتسامة ليست كالابتسامات الأخرى ، أجمل وأحلى من ابتسامة العاشقين وليست كذلك ، كابتسامة الوالدين وليست كذلك ، انها كابتسامة النجاة ، كابتسامة الأمان ، كابتسامة النصر ، وهي أكثر ، شعرت فايزة وكأنها في حضن الطبيعة وهي لا تزال على عتبة الباب ، ركبت جفونها بكل رفق وما شعرت الا وهي جالسة أمامها ، وجها لوجه ، احتوتها ، سكنتها ، كأنها هي .. هزت الطبيبة رأسها بطريقة عجيبة كأنها السحر ، ليبدأ العرض:
فايزة: قضيت عشر سنوات في السجن ، قتلت مديرا اغتصبني ، وخرجت ، لكن وكأنني لا أزال داخله ، لا أحب الظلام ، لا أستطيع أن أندمج في الوسط العائلي ، نسيت الكثير من الأشياء والعادات ، أرتبك أحيانا في الكلام ،في بعض الليالي لا أنام ، الكابوس ، الأرق ، تطاردني الأشباح ، تختلط علي الأمور ولا أفرق بينها رغم بديهياتها .
الطبيبة: متى خرجت من السجن ؟
فايزة: هاه ، هذه واحدة .. لا أذكر ، شهر ، شهرين ، ثلاث ، والله لا أذكر .. أمهليني قليلا ..
بدأت الطبيبة تنظر اليها بريبة ، كان هناك خللا في تركبة الأعراض ، تخفيها قوة شخصيتها ، تعرف ماذا تريد ، وبدأ الشك يساورها أنها ليست مريضة .
فايزة: أصدقك القول أنا لست مريضة ، هل تذكرين هذه ؟ ، ومدت اليها صورة خضراء ، اسمها لشرف خضراء ، هربت من مستشفى السجن ، كانت فاقدة للذاكرة ، حولت من سجن أروان الى هنا .
الطبيبة: نعم ، كانت في القسم الذي أشرف عليه .
فايزة: أريد أن أساعدها ، هروبها يورطها أكثر
الطبيبة: أنا كذلك أبحث عنها ، هل تعرفين أين هي ؟
فايزة: أعرف شيئا واحدا وهو أنها بريئة
الطبيبة: كيف عرفت ؟
فايزة: لقد ألقي القبض على التي كانت تنتحل صفتها وهويتها ، ولقد ندمت كثيرا ، جدة المجرمة تبحث عن خضراء لتستسمحها وتعوضها .
الطبيبة: غريب ! ، أخذوا منها كل شيء ، جردوها حتى من أناها وشخصيتها
فايزة: عندما هربت ، هل كانت تمتثل للشفاء ؟
الطبيبة: نعم ، عادت لها ذاكرتها
فايزة: يمكن أن تعود الى أهلها ؟
الطبيبة: لا ، الا هذه ، عندها ماض ثقيل جدا ، انها مقطوعة من شجرة
فايزة: لقيطة !
الطبيبة: حتى لا أقولها أنا ، أبت أن تعطيني عنوان أهلها ولا مكان اقامتهم
فايزة: هل لا زالت متابعة ؟
الطبيبة: بدون شك ، السلطة التي اتهمتها هي التي تبرئها ، وهروبها هذا رغم برائتها جريمة يعاقب عليها القانون
فايزة: وجدت الحل ، لكن لا أستطيع أن أقوم به وحدي
الطبيبة: أساعدك اذا كان مناسبا
فايزة: نعين محام ونطلب بواسطة جمعية نسوية ما محاكمتها غيابيا ، نتأكد أولا من افتكاك برائتها
الطبيبة: فكرة مقبولة
فايزة: نتحمل كل المصاريف ، الجدة ستدفع ، جدة وحشية ، هي ميسرة بامتياز
الطبيبة: أساعدها بتقرير طبي عن الحالة النفسية التي دفعتها للهروب ، سيأتي بنتيجة
فايزة: العجوز استأجرت من يبحث عنها
الطبيبة: من ؟
فايزة: لم تقل لي
الطبيبة: أبدا ، يجب أن تعرفي قبل الدخول في مغامرة تورطنا جميعا
فايزة: سأفعل
وقفت فايزة ، مدت يدها الى الطبيبة ، شدت عليها بكل قوة وقالت:
- غريب ! كأنك محطة طاقة ، أخرج من هنا بقوة صاروخية وعزم من فولاذ
الطبيبة: فجريها بعيدا ، هنا ممنوع الضجيج
ابتسمتا .. وأغلق الباب برفق ، لا لا يزال الهدوء سيد الموقف .
انصرفت فايزة وهي فخورة بنفسها على هذه الخطوة التي جاءت بثمارها يانعة ، في طريقها الى البيت لا زالت محط نظرات الرجال ، رغم أنها لم تتزين ، والأجمل لا ينظر اليها تافه ، كلهم كهول بهيئات محترمة ، تتسائل هل يبدأ الحب الناضج من هذا السن ، وهو الآن يناديني خلف تلك الأسوار التي كانت ولا تزال تحيط بي ؟! ، تذكرت كمال ، لم تتجاوز علاقتها به نظرات الاعجاب والمجاملات التي تقطفها المرأة الجميلة غصبا من أفواه الرجال ، الا أنها كانت متأكدة أنه يبادلها ذلك الشعور الخاص ، التحفظ الضروري والأكيد في هذا النوع من العلاقات ، هكذا نشأت ، وهكذا كانت تقول أمها دائما ، زواج الدوام يحتاج الى تفكير عام ،.. الأشياء تتغير بسرعة ، لا أحد يغالب الزمن حتى لو تعود الشمس أدراجها وتعيد ترتيب أبراجها ، كانت تقولها الجدة يرحمها الله .
مظاهر البؤس في الشوارع ، لم يعد يستحي بها أحد ، بالعكس أصبحت الوسيلة الوحيدة لأكل لقمة الخبز ، ما أفظع سجن الفقر ، كل فئات المجتمع ، كل المستويات ، شباب يحمل شهادات جامعية يتمسحون بالجدران ، أطفال يتاجرون بكل شيء ، بالحلال وبالحرام وبالممنوع وبالمرخص ، عودة قوية لماسحي الأحذية والحمالين ، البؤس والبشاعة والقلق والخوف في كر و فر مع الشرطة ، المراهقون في كل منعطف يبيعون المخذرات ، يقطعون الطريق ، يعتدون ، لا تسمع في الشوارع الا سب الرب والدين والكلام الفاحش ... الأبواب من خشب أمامها أبواب من حديد ، حتى البنايات الرسمية وأقسام الشرطة ومقرات الدرك وغيرها عددت أبوابها وبنت حواجز من طوب وحديد ربما مكهربة ، أولاد هذا الشعب العظيم ، هم الذين يقتلون ويذبحون وينكل بهم ويفجرون ويختطفون ويسجنون ، وهم الذين يدافعون ويدفعون ثمن التعصبات والتهورات ، انهم الشهداء ، مهما خمروا وزنوا وانتهكوا المحارم واغتصبوا النساء وقتلوا الأطفال وعذبوا ونكلوا ، انهم شهداء ، وهكذا يستوي الشهيد الفرنسي والشهيد الروسي والشهيد الهندي وحتى الاسرائيلي والعربي ، هذا هو مفهوم الشهادة الجديد ، يدخلون الجنة وربما منهم من يشفع مثل هتلر واستالين وميسوليني ، وفرانكو و شارون ، وتبقى جهنم الفقر والبؤس والجهل ، والاضطهاد والاستعباد في الدنيا فقط ، الكل تحت الجبروت لا فرق بين الكفر والفكر ، هو تقديم حرف أو تأخيره .
لا يزال المارة يمشون وسط الطريق والسيارات متوقفة على الأرصفة تزاحم باعة السوق السوداء ، يتهافت عليها الجميع ، فقط لأنها بضاعة فرنسية ... غريب فقدت الثقة حتى في المنتوج ، تحجز من البائع الصغير الذي لا يعرف كيف وصلت اليه وأنها سلع محظورة ، تطارده الشرطة ورجال الرقابة تصادر سلع البقالين لأنه اشتراها بدون كشف ولأن موردها مرفوع عنه القانون ، انهم رجال اقتصاد الظل والظلام ...
تحت الجسور يتصور اليأس في كل لوحات العالم ، ويتشكل البؤس في أصناف المجتمع المنبوذ ، ليله كحول وخمر ، ونهاره جمر وقهر ، في الحدائق مراهقات يمارسن الجنس ، يدخن ، انها الحرية الفردية والحرية الجماعية واندماج المرأة في كل مجالات الحياة ، وكثرت العوانس والأمهات العازبات المشردات ... كانت تنظر الى هؤلاء وهؤلاء والغصة تخنقها ، تنظر اليهم أوعية كلام فارغ .. تدفعهم الكلمة الى الكلمة الى القبر ، تنظر اليهم رفضا مقنعا ، تنظر في وجوههم نظرة الجحيم الذي يعيشونه ، لما انتبهت وجدت نفسها بعيدة جدا عن البيت ، فركبت سيارة أجرة الى ساحة الشهداء ، نزلت أمام البيت ، كانت الشمس قد مالت وتعملق ظل البنايات ، وازدادت زرقة البحر ، وبدأ يتشكل الأفق من جديد في لون جميل ، يهب النسيم العليل يلاطف ما بدى على الوجه من أسى ، دفعت الباب ودخلت ، كانت الحاجة زهرة في انتظارها ، لما رأتها بدأت تنقشع تلك الغيوم التي غطت وجهها
الحاجة زهرة: حصل خير ؟
فايزة : كل الخير يا أمي
الحاجة زهرة: أين كنت الى حد هذه الساعة ؟
فايزة: كنت أجوب شوارع اليتم في العاصمة ، لا أظنها ستقاوم أكثر
الحاجة زهرة: وماذا عن خضراء ؟
فايزة: قطعنا شوطا لا يستهان به ، جئتك اليوم بالجديد .
وراحت تحكي لها ما دار بينها وبين الطبيبة ، والاتفاق الذي جرى بينهما .
الحاجة زهرة: هذه أخبار سارة ، معنى هذا أننا لا نخشى عليها مادامت قد عادت لها ذاكرتها ، وحتى لو ألقوا عليها القبض ستدافع عن نفسها .
فايزة: الأمن لا يعرف البديهيات يا أمي ، انهم يستغلون كل شيء للبرهنة عن ولائهم وطاعتهم ، أتمنى أن نصل اليها قبلهم ، بالمناسبة مررت بمقر جريدة حرة ، يدعون أنهم كذلك ، من الممكن أن أوظف فيها ، هذا يساعدني على متابعة قضية خضراء عن قرب .
الحاجة زهرة: لا زلت مصممة على العمل ؟
فايزة: جولتي اليوم في الشوارع ، فرضت وجودي في منبر من منابر النضال
الحاجة زهرة: ألم تعلمي أن أغلبية هذه الصحف استضافتها اسرائيل ، واسرائيل كما يعرف العام والخاص هي المحرك الأساسي لكل مأساة العالم ، انها لا توظف الا ما يخدم مصالحها
فايزة: يا أمي ، اسرائيل اليوم تملك العالم كله ، وهو كله تحت رجليها ، أتحدى أي دولة مهما ادعت تطورها وسيادتها أن تعمل ضد اسرائيل ، يا أمي ، أغلب علماء الاجتماع يهود ، ينظرون للشعوب الأخرى ، وتبنوا لأنفسهم نظاما دينيا متطرفا مستبدا عنصريا ، انهم يوظفون كل امكانياتهم لخدمة باطل قضيتهم ، ان اسرائيل رحمة على شعبها وأبنائها وبناتها ونقمة على العالم العربي ، والآمرة الناهية في غيرهم ، ما رأى العالم شعبا متماسكا متضامنا متوحدا كاسرائيل ، من أجل يهودي يقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، والعرب يقتلون شعوبهم بالآلاف ، بل بالملايين .
الحاجة زهرة: لو سمع ساستنا هذا الحوار لصدرت فينا الفتاوى ولا اجتمعت كل البرلمانات العربية لتقنين قتلنا .
فايزة: أنت واهمة يا أمي ، اذا واليتي اسرائيل سيحسدونك لأنك تقاسميهم الكثير ، واذا كنت وفية فاستعدي لأخذ زمام أمور أي حكم في البلاد العربية مهما ادعت قوميتها ، أما فيما يخص ذهاب الصحافيين الى اسرائيل فهذا شيء جميل ، وصدق من قال: اذا هجرت عدوك فمن يأتيك بأخباره ، بالعكس أنا أرى فيها جرأة كبيرة ، هم يعيشون معنا في البيوت ، بل في المطبخ ، ونحن لا نعرف عنهم حتى أين يتبولون .
الحاجة زهرة: أراك واثقة من هذا الكلام
فايزة: هذا ليس كلام يا أمي انها الحقيقة ، رغم أنها مؤلمة ، ولكنها هنا ، أليس من الشجاعة أن تعترف الحضارة المنهزمة بضعفها ، وتعترف الثقافة المهلهلة بسقوطها ، ان الكلام والزعامات لا يصنع الأمم ، والواقع أكبر دليل ، أما الشعوب المغلوبة على أمرها ، همها الوحيد اليوم ما تضعه في قفتها وتسوية مصاريف دورة مياهها
الحاجة زهرة: أنت متحمسة بزيادة ، لسنا الى هذا الحد ، عندنا ما يحفظ ماء الوجه
فايزة: بلغي سلامي يا أمي الى جلالة البترول والغاز ، لولا هذه النعمة لكان العرب في أفظع ما هم عليه الآن ، ولو تتوصل اسرائيل الى مصدر طاقة آخر فسترين ماذا تصنع بنا الأنظمة .
الحاجة زهرة: هذا وأنت خارجة من السجن ؟
فايزة: في السجن عرفت وتعلمت وتيقنت أننا بين مخالب مفترس لا يعرف الرحمة ، من يسمونهم الحراقة قالوا كلمة سيخلدها التاريخ ، يأكلنا الحوت ولا أنتم ، ولا يزالون جاثمين ينهبون الملايير ، ان اسرائيل في العالم هي الخصم والحكم ، كل المنظمات العالمية تحت رحمتها ، يد تجرح واليد الأخرى تضمد من تشاء .
الحاجة زهرة: يا بنيتي ، في هذه المرة لن تخرجي من السجن الا على أربع ، ابتعدي عن هذه الأفكار ، لقد سكنني الرعب وغزت قلبي المخاوف ، أنا لست مستعدة لفاجعة أخرى فيك ، يكفيني ما فات وترك جراحه التي لم تندمل بعد .
فايزة: هذا كلام تعلمت أن أقوله في نفسي ، مثلي مثل هذا الشعب العظيم ، لأنه أكبر مني ، يحتاج الى من هو أعظم مني ، كلام الظل أينما كان فهو خطير .
الحاجة زهرة: العشاء جاهز ، هيا بنا
فايزة: اسمحي لي تأخرت كثيرا
الحاجة زهرة: المهم كانت وراءه نتيجة جميلة
فايزة: لقد أصلحت لك التلفاز ، ولكن لا تصدقي اليتيمة ، أعجبتني نكتة سمعتها في السجن ، كانت امرأة عجوز من البادية ، أمية ، كان آخر رمضان ، فقالوا لها غدا العيد ، فقالت العجوز ومن أخبركم ؟ قالوا قالوها في التلفاز ، فقالت العجوز : التلفاز الذي جعل كوجاك يتكلم القبائلية أنا لا أصدقه ، أنا غدا صائمة حتى يتبين الأمر .
فضحكت الجدة حتى ظهرت نواجدها وقالت: لطيفة ، خفيفة ، وهادفة.
فايزة: ليس هناك أعلام موضوعي ، حتى الرسوم المتحركة ملغمة
الحاجة زهرة: وأين الحق ؟
فايزة: في المنفى ، في السجون وفي المقابر وفي القلوب وهو أضعف الايمان ، في القلوب التي تعرف أن الوطن ليس تراب وسماء فقط ، وانما هو الانسان .
الحاجة زهرة: رغم أنني لا أقاسمك الكثير من هذا ، الا أنني أحب أن أسمع لك .
فايزة: انها قمة المثل العليا ، انه التعايش والرأي ليس دائما حكما ، والاستثناءات كثيرة وأنا لا أعمم ، ولكن الغالبية هي التي يقاس عليها .
الحاجة زهرة: لسانك طويل جدا ، ليتني كنت الآن في سنك ، لم نكن نهتم بالسياسة ، مآسي الاستعمار الفرنسي ونحن أطفال جعلتنا ننبهر بالاستقلال ونكتفي بالفتات ، أما أنتم اليوم شيء آخر ، كنا نحلم أن نرى امرأة بهذه الجرأة ، بالنسبة الينا النساء اللواتي شاركن في الثورة ، كن يظهرن الينا أسطورات ، المرأة كانت يد واحدة ، واليد الواحدة لا تصفق .
فايزة: يا أمي ، وهل يحمل القلم بيدين أو ثلاث ؟ القلم لا يحمل الا بيد واحدة ، ولما يصفق يرغم الجميع على الاستماع ..
الحاجة زهرة: هيا ، لقد تأخرنا كثيرا ، يكاد الليل ينقضي والحديث يمتد .
فايزة: و لايمتد الليل في نفوسنا الا اذا أطفؤوا فينا شموع الأمل ... أخشى أن أكون قد أثقلت عليك
الحاجة زهرة: أبدا يا بنيتي ، أنا كلي آذان صاغية ، أعرف ما تعانيه من ألم ، أنت بحاجة الى من يسمعك وأنا بحاجة الى من يحدثني ، انصرفت كل واحدة الى غرفتها .
تجتر العجوز كلام فايزة بنوع من الاعجاب ، انه حماس الشباب والغيرة على الوطن ، وعلى نخوة الأمة .
أما فايزة ، امتدت على سريرها وغرقت في نوم عميق ، وكأنها أزاحت ما كان فوق عاتقها من هم كانت تحمله طيلة سنين السجن ، مر الليل بسرعة ، كانت الساعة التاسعة صباحا لما استيقظت ، ، والكسل قد بلغ مداه ، انبطحت على صدرها معانقة وسادتها ، تمنت لو كان شعرها طويل تسدله على وجهها لتعانق حلما جديدا ، أزعجها الضوء فقامت ، وقبل أن تصل الى غرفة الحمام جاءتها فكرة ، ألا يمكن أن تكون العصابة قد أمسكت بها وحولوها الى مكان مجهول ؟ّ! ولم لا ؟ لقد أعطتها وحشية رقم هاتف أحد أصدقائها الأوفياء ليساعدها اذا اشتد عليها الأمر ، ولكن طالبتها بأن تكون يقظة وحذرة .
لبست ثيابها ، تناولت بعض لقمات واقفة وقالت للحاجة زهرة ، اذا فاتت الساعة التاسعة ليلا ولم أظهر فبلغي الشرطة أن امرأة في خطر وأعطيهم هذا الرقم ، سأقابل صاحبه ، أشك أن خضراء في يد العصابة
الحاجة زهرة: لا ، لا ، لا تغامري أرجوك ، العصابة ليست النظام ، لا تعرف الا التصفيات ، وأخشى أن تورطك كما ورطت وحشية .
فايزة: هذا صديق حميم لوحشية لا أظنه يفعل ، ولو كان فيه شك ما كانت لتعطيني رقم هاتفه ، فلا تخافي سأكون حذرة جدا .


























الفصل الخامس عشر

من حسن حظك أنني أتيت في الوقت المناسب ، والا أنت الآن في عداد الأموات ، هذا جبن يا آنسة ، الحياة آكل ومأكول ، فلماذا هذه السلبية العمياء ؟ خلاص أنت الآن مجرمة في نظر القانون ، اذا سلمت نفسك فقد انتحرت ولكن بطريقة قانونية ، وان تحديت فالحياة مسرح التحديات ... انك في عز شبابك ، لا تحاولي ، نعرف عنك كل شيء وبالتفصيل ، كنا نراقبك خطوة خطوة .. والآن لك أن تختاري بين الاعدام والعمل معنا ، عندما تهدأ الأمور نستخرج لك جواز سفر وننقلك الى أوروبا ، نبحث لك عن عمل كممرضة في مستشفى وتتكلفين بالتنسيق وعبور بضاعتنا ، أظن أن العمل معنا أفضل لك من الانتحار أليس كذلك ؟
خضراء: أتركوا لي فرصة للتفكير
- لك ذلك ، لا شك أنك على يقين أن خروجك من هنا سيعرضك الى الخطر، كل الشارع يعرفك ، وآخر المارين يبلغ عنك أقرب مركز للشرطة
خضراء: أعرف ذلك
- كلمة أخرى ، أرجوك ان كنت مصممة على الانتحار ، لا تقومي بهذه الحماقة هنا ..
لم تصدق وهو يكلمها ، أنقذها وهي تحاول الانتحار ، جاء بها الى هذه الفيلا ، أكرمها ، وفر لها كل ظروف الراحة ، حتى اللباس اشترى لها على مقاسها ، هي في هذه الغرفة منذ جاء بها الى هنا ، لم يدخل عليها أحد ، الا رجل واحد ، طرح عليها بعض الأسئلة ثم انصرف ولم يعد ، لم تصدق أنهم من العصابة ، لياقة ، لباقة ، آداب ، ثقافة ، يحسنون الفرنسية حتى تكاد تقول أنهم أبناء فرنسا ، ويتكلمون العربية كأنهم فقهاء وفلاسفة ، كانوا أرفق بها ، ترى من صنع هؤلاء ليكونوا هكذا ؟ كيف استطاعوا أن يخترقوا كل الأجهزة ويكون لهم كل هذا النفوذ ؟ هل الثقافة الزائدة تقتل الضمير ؟ هؤلاء الذين ينقلون هذه السموم الى شعبهم ويشكلون العالم كما يريدون ويتجولون في أقطاره كما يشاؤون ، الكل على أعينهم ، يعيشون كما يشتهون ، لو كانوا ضد الحكم هل يستطيعون ؟ كثيرة هي الأسئلة التي تباد ت الى ذهنها فأسقطتها دون جواب ، ولماذا كل هذا الهم ؟ يكفيها ماهي فيه .
كانت الغرفة مجهزة كأنها في نزل كبير ، الهاتف ، جهاز تلفزيون ، سرير جميل ، راديو أشرطة ، ثلاجة فيها كل أنواع المشروبات والمأكولات الجاهزة والفواكه ، لم يغلقوا عليها الباب بالمفتاح ، لأول مرة تحس أنها حرة وفي أمان ، عاملوها بطريقة حضرية وبأخلاق فاضلة ، لم يجبروها بل خيروها ، مغامرتين أو ثلاث أحلاها أكثر من الحنظل ، العمل معهم ، الانتحار ، أو تسليم نفسها للأمن ، جلست على حافة السرير ، تفكر ، انها هنا منذ أكثر من شهر ، وكأنها في بيتها ، نافذتها تطل على الحديقة ثم الشارع ، لاشيء يثير فضول المارة ، تفزعها سيارة الشرطة لما تمر وتخيفها ، نعم هذه ظاهرة موجودة في الجميع ، مهما كنت ، ظهور الشرطة يخيف ، كالزوبعة عندما تتحرك لا تفرق ، وقفت تنظر الى البحر ، بعض القوارب عائدة ، كان البحر هادئا ، كأنه بحيرة زيت ، يتراقص قرص شمس المغيب على سطحه .
لا تزال تذكر تلك الليلة التي أتى بها هنا ، كان قرص القمر كقطعة نقدية على صدر حسناء ، كان المنظر رومانسيا حد الجنون ، ليل الشحون بنسمته العليلة يروي أساطير أخرى من زمن وجداني ، لا يصل اليه أحد ، يفسح مجالاته للحلم الجميل ، للحكايا وللبوح ، ما أجملك يا وطني وبدوني موحش أنت وفظيع ، لأنك موجود الا في نظرتي ، في بسمتي ، في كلماتي ، عندما أموت يموت شعورك بي وتنتهي الحياة ...
حرمها القلق في تلك الليلة بالاستمتاع بذلك المنظر كما تريد ... البيت يكاد يكون خاليا نادرا ماتسمع الأبواب تنصفق أو بعض الأشخاص يتحدثون ، وهي كذلك حتى رن الجرس ، ثم رن أخرى ، ثم أخرى ، فتحت باب غرفتها تطل ، دخل الرجل الذي أنقذها ومعه امرأة ، جلست في الصالون وصعد هو ، أغلقت الباب بهدوء ، وجلست كأنها تنظر الى التلفاز ، دق الباب ، أذنت له فدخل:
- عندك زيارة
خضراء: زيارة ! من ؟
- امرأة تعرفك
خضراء: أنا لا يعرفني أحد ولا أعرف أحدا في هذه المدينة
- هي تعرفك جيدا
خضراء: لعلها من الشرطة ، احذر ...
- أبدا ، كانت في السجن
خضراء: آ ممكن .. ما اسمها
- فايزة
خضراء: لا ، لا أعتقد أني أعرف واحدة بهذا الاسم
- تفضلي ، تريد أن تراك
خضراء: أنت متأكد أنها ليست من الشرطة ؟
- لا تخشي شيئا ، الشرطة ليست أذكى حتى تصل الى هنا .
نزلت خضراء وهي في دوامة البحث عن زائرتها ، استعرضت كل الحبيسات ، وأخيرا وجدت نفسها وجها لوجه مع فايزة ، تيقنت أنها لا تعرفها ،كانت المرأة في العشرية الرابعة ، يمكن أقل ، جميلة ، بيضاء ، شعرها أسود ، بعينين بنيتين ، ونظرة خلابة ، تلبس بدلة كلاسيكية رمادية فاتحة اللون ، عليها كل مظاهر الترف ، تحمل سفطا أسود، في رجلها حذاء من الكعب العالي ، ليست بالقصيرة التي تعاب ، في وجهها عن قرب آثار القهر في زوال ، كأنها الشعلة في بداية ايقادها ، قبلتها وبسمة النصر بنشوته تغمرها الى درجة الشك ، تنتظر خضراء منها أن تفصح ، أربكتها فبادرتها :
خضراء: من أنت ؟
فايزة: صديقتك ، أنت خضراء ؟
خضراء: صديقتي ولا تعرفني ؟ ، لعلك من الشرطة ؟
فايزة: لا ، لا .. أبدا ، بالعكس يا حبيبتي ، اني أتيتك بأخبار سارة جدا .
ثم تحولت الى الرجل: هل هناك شيء آخر ؟
ضحك وقال: بالدولار أو بالأورو .. لا ، لا ، وحشية أعطت الكثير ، وهذا أقل ما نكافؤها به ، ان السمكة كبيرة وستسبب لي بعض الازعاج ، ولكن سأتحمل مسؤوليتي ، فقط سنظطر لاخلاء هذا المكان حفاظا على السرية ، مهما يكن ان عدتي هنا لن تجدي أحدا ، ثم تحول الى خضراء :
هذه المرأة هي خلاصك ، فطاوعيها وستصلين قريبا الى بر الأمان
خضراء: تبيعوني وتشتروني ، انني في سوق النخاسة ؟ الموت أهون .. الموت أهون .. وخنقتها العبرات ..
وضعت فايزة يدها على كتفها وقالت: هوني ، لا بأس عليك بعد اليوم ، اعتبري أن هذا اليوم هو بداية للحياة الكريمة ونهاية الضياع ، سنعوضك عن كل الغبن ، لا تخشي شيئا
خضراء: لماذا أنت حريصة علي الى هذه الدرجة ؟
فايزة: تعالي معي ، وفي البيت أحكي لك كل شيء بالتفصيل ويبقى الخيار لك ، تبقين معنا أو تذهبين حيث تريدين .
كان الليل قد أظلم
- الى أين يا سيدتي ؟
- الى ساحة الشهداء .
انطلقت السيارة في صمت ، تتحرك عبر الشوارع ، زجاجها نصف شفاف ، سيارة من الطراز الفاخر ، مجهزة بكل الاحتياجات
فايزة: توقف هناك قبل المنعطف ، لقد وصلنا ، شكرا سيدي
نزلت ، ونزلت خضراء متنكرة بحجاب تنحني قليلا كأنها عجوز ، وقفت فايزة تنظر الى الرجل ، ليته كان في ضفتنا ، نظر اليها جيدا ، ابتسم وكأنه قرأ طويتها وغادر ...
انتبهت فايزة ، فأسرعت دفعت الباب بسرعة ونادت:
أمي .. أمي .. لقد جئت بها ، ها هي ذي .
أسرعت العجوز تحضنها بكل قوة
سامحيها يا بنيتي ، سامحيها ، لقد حملتك الكثير من الهم عن غير قصد ، أقسم لك أنها طيبة ، لم تكن تقصد ، وفي الأخير أرغموها ..
لا تزال خضراء في دوامة التعجب والتساؤلات ، لم تفهم شيئا ، تنظر الى هذه المرأة ، ذكرتها بزوجة المبروك ، تذكرت ، لو تتاح لها الفرصة تتصل به ، لا تزال تذكر رقم هاتفه ، جلست وأجلستها بجانبها وفايزة عن يسارها ، كأنه الجرح يلتئم ، وفاض الحنان يغمر الزمن والمكان والأنفس ، ترتوي منه القلوب .. وعمت الفرحة ، وذهبت بها الظنون أنه يمكن أن تكون أمها الحقيقية أو جدتها .
كانت العجوز زهرة تحنو عليها بطريقة بددت كل الشكوك وزرعت في نفس خضراء الاطمئنان .
الحاجة زهرة: أين وجدتها ؟
فايزة: عند صديق وحشية ، أنقذها ، كانت تحاول أن تنتحر ، وأخذها الى بيته ، أرادوا أن يوظفوها في التهريب ، وقبل أن يقدمها لرئيس العصابة ترك لها فرصة للتفكير ، لأنه كان يعرف أن لا خيار لها غير هذا .
خضراء: حطمني اليأس وكدت أوافق
الحاجة زهرة: يعني أدركتيها في الوقت المناسب .. هذا من حسن حظها
فايزة: كانت الصفقة بسيطة جدا ، خاصة لما ذهبت اليه باسم وحشية ، ولكن الذي سهلها أكثر هو أن أحدهم كان يريد أن يتزوجها ، فقرر ابعادها ، في نظامهم لا يجب أن تكون الرابطة بينهم عائلية حتى تسهل عملية التصفيات في الحالات الاستثنائية دون احداث أي شرخ في العلاقة التي تربطهم ، هذا على ما أظن ، وأحدهم أراد أن يكسر هذا الالتزام ، فكنت أنا في الموعد
الحاجة زهرة: أتمنى أن لا يكونوا قد أساؤوا معاملتك
خضراء: طوال كل هذه المدة ، لم أر أرحم ولا أرفق في هذا العالم من أولئك الرجال ، اساءتهم الوحيدة لما خيروني بين الشرطة والعمل معهم في التهريب .
فايزة: ولا أخبث منهم ، كانوا يعرفون أنك بريئة ، حاولوا أن يورطوك
خضراء: بريئة في نظركم ، ولكن في نظر القانون أنا مجرمة ، المخذرات ، والهروب من السجن
فايزة: لقد وجدوا التي كانت تنتحل شخصيتك وهويتك ، ووماتت في السجن قبل أن تحاكم .
خضراء: كيف ؟ ومتى حدث ذلك ؟! أنا ماعدت أفهم شيئا !
فايزة: أنت بريئة يا خضراء ، ألا تعرفي هذا ؟
خضراء: ومن أين لي أن أعرف ؟!
فايزة: العصابة كانت تعرف هذا جيدا
خضراء: كيف ذلك ؟ السجين في هذا البلد لا يعرف الحقيقة الا يوم القيامة ، حتى البراءة تحسب علينا فضلا منهم .
فايزة: سأحكي لك كل شيء بالتفصيل بعد العشاء ، الآن غيري ملابسك وارتاحي قليلا ، انك في بيتك .
ما أطول الانتظار ، وخاصة عندما يحدد بأجله مصير الانسان عندما يكون الأمر جزءا من عمرنا ، من ذاكرتنا ، من أيامنا ، ولا يعرف قيمة الأمس مهما كانت الا من افتقدها ، هي وحدها التي لا تعرف النسيج الذي حولها ، هي وحدها التي كانت تنتحر على شفتيها الأسئلة ، هي وحدها التي تعاني من المجهول ، كانت على أحر من الجمر ، لمعرفة الأشباح التي تتصارع في الظلام حولها ... ما طاب لها شيء ... من هذه العجوز ؟ ... ومن هذه المرأة ؟ ... ولماذا كل هذا الاهتمام ؟ ... ألا يمكن أن يكون هناك تشابه أو خطأ ؟ ...
تناولن العشاء وهي على مضض ، تبتسم مكرهة وتتظاهر بالارتياح ، سكنها القلق من جديد .
جلسن في الصالون ، وبدأت فايزة تروي لها الحكاية من أولها الى آخرها ، كان الحديث دراما مركبة بدقة ، جمعت أحداثها بطريقة غريبة ومثيرة ، وجدت تفاصيلها في الفراغ الذي كان يسكن خضراء ، انها الاجابة على أغلب الأسئلة التي تبادرت الى ذهنها ، تفاصيل أغرب من الخيال ، ولاستكمال المشهد ، بدأت خضراء تروي لهما قصتها من كتاب مفتوح ... بدأت مباشرة من رأس الألم ، فقالت:
- أنا لقيطة وضحية التبني ، هكذا والمحن تترادف وتتوالى والحظوظ تندحر ، الآمال تغتال ، والماضي يأكل الحاضر ، والحاضر يغتال المستقبل حتى أدركها الانتحار ، وكانت النجاة من المفارقات العجيبة ... انها ليلة الدموع ، تتقطع فيها الأكباد وتنزف فيها القلوب عصارة الألم ، وينحني الضمير خجولا أمام هذا القدر الذي لم يرحم .. يجب أن تكون امرأة لخوض غمار هذا القضاء ، تشتري الصبر من كل شيء ، من الجميع ، وحدها المرأة التي يجب أن تدفع الثمن غاليا عندما يتخاذل المجتمع ويقوم بالحماقات .
فايزة: اننا نعيش نفس الكابوس تقريبا
الحاجة زهرة: لا بأس عليكما بعد اليوم ، سأعوضكما ما استطعت حتى تنسيا ألم الأيام ، أما المجتمع بكل تركيباته هو مجرد بوق ينفخ فيه نافخ الشر ونافخ الخير ، والطيور على أشكالها تقع
خضراء: أشكرك يا سيدتي
الحاجة زهرة: لا تقولي سيدتي ، بل قولي أمي ، انك تشبهين وحشية في الخلق والخلق ... هكذا كنت أتصورك
خضراء: أشكرك يا سـ .... يا أمي .
تعانقن في حنان وتبادلن ألطف العبارات ..
الحاجة زهرة: لقد أحييتي هذا البيت يا فايزة ، أتمنى أن أرى أولادك يملؤونه ضجيجا .
فايزة: حلم بعيد المنال ، يكفيني أن أكون طفلتك المدللة .
نظرت الى خضراء ، ابتسمت بخبث وواصلت:
- بشرط ، لا تؤثري خضراء علي ، اني أراها أجمل مني وأقرب اليك .
أما خضراء عادت بها الذاكرة الى بيت المبروك ، زوجته ، ابنته ، ابنه ، كلبه ركس ، وقطه خيوب ، تذكرت كريم ، سترة ، الحاج لشرف ، العمة نونة ، الامام ، ثورة ، الرجوع اليهم صار من رابع المستحيلات ، هنا في هذا البيت ومع هذه العجوزستبدأ الحياة من جديد عدا تنازليا آخر، الى أين ؟ هذا ما لا يعلمه أحد .
ذهبن الى النوم ، وشاركت خضراء في ليلتها الأولى ، شاركت فايزة في غرفتها ، وضعت لها سريرا بجانبها ، نامت فايزة بسرعة أما خضراء شدها الحنين من جديد الى البيت ، انقطعت بها السبل ، الآن وهي اليوم منتهكة العرض ، لن يقبلوا بها ولو كانت من صلبهم ، وانتابها عتاب ضمير أباحت له أن يدينها عبر العاطفة بسهولة ، تعاودها فكرة الانتحار من جديد ، لا تزال ذلك الرقم المجهول بل ازداده التجاهل ، خنقتها العبرات وسمعتها فايزة ، فقامت أشعلت الضوء ، وقالت:
مابك ؟ لماذا تبكين ؟ لن تجدي أطيب من العجوز ولا أرحم ، لها من الحنان مايغمر الدنيا بأكملها ، ومن المتاع ما يهون كل المصائب ، والآن أنت في بر الأمان ، ولك أن تصنعي بنفسك ما تريدين ، قادرة على بناء مستقبلك دون الاعتماد على أي أحد ، أساعدك على ذلك ، ستنالين برائتك ، ونطالب باعتذار رسمي عبر الصحافة ، سأكون في الميدان وأعمل على ذلك ما استطعت .
خضراء: هل تظنين أنك في انجلترا أو سويسرا ؟
فايزة: ونطالب بتعويضك
خضراء: هل تحولت يد الحديد الى أم حنون ؟ آه ، تذكرت ، أنت درست حقوق ، لا زلت تعيشين كتبك .
فايزة: بطبيعة الحال عندما تسكت الأمة تضيع الحقوق .. وما ضاع حق وراءه مطالب
خضراء: أنا خسرت كل شيء ، لا يمكن أن أتدارك ما فات ، والحياة أصبحت في اعتقادي مسخرة ، لا تساوي كل هذا القلق الذي يسكننا ، والسعادة مثلها مثل الحرية ، قيدوها بالوطن ، هذا الوطن الحق الذي أرادوا به باطل
فايزة: الظلم عمره قصير
خضراء: الظلم عمره قصير ؟! أنت تقولين هذا ؟! أنت التي قاسيت عشر سنوات من دفاعك عن شرفك ؟
فايزة: وخرجت ، وسأقاوم هذا الظلم بالقلب وبالقلم ، هذه المرة ان عدت الى السجن ، سأعود من أجل الوطن ، ويكتبهم التاريخ جبناء ، لن أتنازل عن عزتي وكرامتي
خضراء:أين هذه الكرامة والعزة يا فايزة ؟ هذا هراء ، هذه الأشياء لا نراها الا في الأفلام ، ونسمعها في الخطابات ، أنظري ، حتى المجتمع يطاوع بطريقة غريبة ، كأنه مخذر ، هذا الاستعداد للذل والهوان قد تفشى حتى في النخبة ، وحدها منطقة القبائل التي بقي فيها شيئا من الشهامة ، رفضوا الكل جملة وتفصيلا
فايزة: أبدا يا خضراء ، هذا تمرد يمزق الشعب ، هذه مناورات فاشلة يدبرها الأعداء
خضراء: بل هو دليل على عدم قدرة الوطن على احتواء الجميع والحنو على الجميع ، فأصبحت قضايا الوطن في عيون الناس أعظم وهم
فايزة: انك تفتقدين الى منهجية العلاج ، نعاني نفس المشاكل ، ولا أعرف كيف تسربت الى عقلك هذه الأفكار ، أعترف لك بكل معاناة الدنيا ولكن لا أسمح لك بهذه النظرة ، ربما هو ناتج عن مستواك العلمي المحدود ، تسلحي بأفكار تحررية وتقدمية نيرة ، نحن بحاجة الى ما يجمعنا لا الى ما يفرقنا ، حقيقة شعبنا ساذج ، ولكنها سذاجة فيها للخير نصيب ، عدوانيته في لسانه ليس الا ، أنظري الى ما تحمله وما يتحمله بصدق ، يحب الأحلام ويصدقها ، ولهذا لا يريد أن يستيقظ حتى لا يدمر الوعود التي ينتظرها .
خضراء: الشعب العظيم ؟! ماذا صنع هذا الشعب للبؤساء حتى نقيم له الوزن ؟ ، هذا الشعب البائد الذي نعيش معه لندفع ثمن أخطائه ، شعب دواليبه في أيد لا ترقب فينا الا ولا ذمة ، يحركونه خلف الستائر الملونة ، ، انها عرائس لا حول لها ولا قوة ، لا تحرك ساكنا حتى لما تمس في مقوماتها وهويتها وتاريخها
فايزة: أنصحك بالقراءة
خضراء: أنتن الحاملات للشهادات العليا ، ماذا فعلتن بهذه الأوراق التي توزع مجانا في المعاهد والجامعات .
فايزة: هذا الاحباط لا يخدمك ، ثقي بنفسك واضربي بجذورك في عمق هذا الوطن ، حينها تخضر أوراق الأيام وتزهر وتثمر، لا توظفي المصطلحات بمفهومهم ، الوطن ، الشعب ، الحرية ، فتضيع القيمة الحقيقية التي أريد لها أن تكون في هذه الأشياء
خضراء: أنا لقيطة يا فايزة ، وقد حكم علي المجتمع ، مهما فعلت لن يرضى عني .
فايزة: كوني فقط انسان ، تأتيك الأشياء وحدها ، وظفي هذه الانسانية بأخلاقها الفاضلة وكرمها ورحمتها ، وحب الخير للغير ، تحلي بالصبر والأمل ، واستعدي للمواجهة بقوة اليقين ، تصلبي للحق
خضراء: أحاول يا فايزة ، أحاول ... بدونك كنت سأنتحر ، انها غربة الذات التي تسكنني ... لا أصل لي ولا فصل ... أنا الخطيئة
فايزة: نحن أصلك وفصلك وأوليائك ، أمهليني ، وبعد الحصول على برائتك ، سأجعل الأسرة التي رفضتك تندم على اليوم الذي رموك فيه الى الشارع ، سأجعل من ضمائرهم أشباحا تطاردهم ليلا و نهارا وتدفعهم الى الانتحار ، أمهليني فقط ... ارتاحي الآن ، وانظري الى الحياة بعيون المستقبل .
خضراء: سأفعل
انقطع الحديث ، واستمرت فايزة في محاكمة الواقع المر دون قناع ، كثيرة هي بقايا هذا المجتمع بعد انهزامه على جميع الأصعدة ، مجتمع يمشي منحنى الرأس نحو البؤس والمهانة ، تقوذه اليد الحديدية الى الهاوية ... سكنها نفس الهاجس الذي كان يسكن خضراء ، آه ، كم عانت هي كذلك ، ليس من المفروض أن يكون الانسان فيلسوفا ليفهم واقع هذه الأمة التي مدت عنقها لتكون دائما الضحية والأضحية ، كفرت أنا قبلها ، بالقانون والمثل ، وقررت أن أرفع التحدي وحدي ، لكي أعيش ، أعيش ولو في الجحيم ولكن بكبرياء ، هذا المجتمع لا يأدبه الا التمرد والانتقام ومخالفته في كل شيء ، الكفر بكل ما يؤمن به ، مجاهرته بالعصيان ، أضربه في صميم عاداته ومعتقداته ، أبتذل كل مقوماته وتاريخه باسم حرية الفكر والمعتقد ، هذا المجتمع الجبان الذي يأخذ على يد المظلوم ، ويأخذ بيد الظالم ، عظمته وتمدنه وعزته عالقة بلسانه ، تختفي باختفائه ... هكذا كنت كخضراء ، وربما أكثر، حتى لا أكاد الآن أن أصدق ، ولكن لغة الوطن غير لغة هؤلاء الجاثمين ، والوطن يئن ، لقد حولوا القاطرة وسنردها ... سنردها .. ستردها النون وحدها لما جبن الذكور ... أمهليني يا خضراء ... أمهليني وسأشفي غليلك وترتسم ابتسامة السخرية على تلك الشفاه الجميلة .
خضراء: أنت نائمة ؟
فايزة: كنت ..
خضراء: اني أشعر برغبة كاسحة للعيش ، لا أستطيع أن أصفها
فايزة: لقد دبت فيك الحياة فأبشري يا سمرائي .
ضحكت خضراء ضحكة صبية ، عانقت وسادتها بكل حنو ، والتحم جمال السواد بالسواد الجميل ، وبدأ الحلم في حضن النوم العميق .






الفصل الأخير


كانت القرية هاجعة ، تحت ظل أشجارها الوارفة ، بلغ الحر حده ، شوارعها خالية ، يطارد الصيف الجميع ، بعض الأعراب يخرجون ، يحملون حاجياتهم في عربات تجرها الجرارات ، ينقلون فيها نسائهم وأطفالهم ، وحيواناتهم أيام السوق ، ومنتوجاتهم ، تلك هي تضاريس الهضاب العليا ، جبلية وعرة المسالك ، لا تقهرها الا الآليات، وأهلها أصعب مراس ، يظهر جليا في حركاتهم قبل أن يتكلموا ، كالحة وجوههم من الكد ، يعتمدون على القوة في كل شيء ، ولما ينتهي العمل يضحك العقل ساخرا من هذه الأجساد التي لا تشير ولا تستشير ، كل يضحك على نفسه ، وفي كل حركة نكتة ظاهرة كالبديهيات عندهم ، يبتسم منها عابر السبيل ويسخر . الغريب نقطة بيضاء في ثور أسود . تفوح منهم رائحة العرق الممزوج بفيح الغنم والبقر والماعز ، تمر عليهم فايزة مر الكرام ، يجب أن يعرفوا أين تنزل ، ومن هي ، ولماذا جاءت هنا ، و .. و ... ، يتراجمون بالكلمات في اتجاهها ، تواصل طريقها غير آبهة بهم ، بعض المستمدنين يحاولون عبثا جذب انتباهها ، بالنسبة اليها هي التي قضت عشر سنوات في السجن ، هم مجرد قراقوز تافهة ، أخيرا وجدت عجوزا متنقبة ، فاتجهت نحوها مباشرة تسألها:
فايزة: طاب يومك ، أين منزل الحاج لشرف ؟ كانت أمامه ، فأشارت اليها بالنفي .
فقال أحد المارة: هذا هو بيت الحاج لشرف
فايزة: شكرا
كان الزوال قد أخذ حظه حين رن الجرس
ثورة: هذا كريم ، لقد تأخر اليوم كثيرا ، أسرعت الى الباب ، فتحت ، ليس كريم ، انها امرأة تتجاوز الثلاثين على الظاهر ، أنيقة ، جميلة ، بادية عليها الجرأة ، غطت الموقف بقوة شخصيتها ، واثقة من نفسها ، ظهرت ثورة أمامها مراهقة
فايزة: هذا بيت الحاج لشرف ؟
ثورة: نعم ، مرحبا
فايزة: لا تقولي تفضلي ، لا أظن أنك تنطوي على هذا القدر من البخل
ثورة: العفو ، سيدتي ، تفضلي ... مرحبا ، قالتها مرتبكة وبخجل
أدخلتها الى قاعة الاستقبال واختفت ، أرائك على اليمين حول مائدة كبيرة ، وراءهم خزانة صغيرة فيها بعض المجلدات والكتب ، على اليسار زرابي مفروشة ووسائد صوفية مزخرفة ، في الجهة الأمامية جهاز تلفزيون وأجهزة صوتية أخرى ، فوقها صورة لمنظر طبيعي جميل ، ينقل المتذوق الى عمق الخريف ، فوق التلفاز صورة لرجل يرتدي الزي الرسمي لقادة فرنسا ، غريب ! يشبه خضراء تماما ، قامت ، وقفت أمامه ، نعم خضراء ، يا للعجب !
ثورة: امرأة تبحث عنك يا أبي
الأب: امرأة ؟ من تكون هذه ؟ يأتون دائما في الوقت الغير مناسب
ثورة: لا أعرفها ولا رأيتها من قبل ، حسب لهجتها تظهر من نواحي العاصمة ، أخشى أن تكون من أعوان الشرطة ... نظرتها مريبة
الأب: ماذا يريدون منا ؟ وقد انتحرت خضراء وانتهى أمرها ، سامحك الله يا بنيتي انك تقتصين منا وأنت ميتة .
ساعدته ثورة على الوقوف ، وذهب اليها يجر في جسده جرا
الأب: مرحبا يا بنيتي ، اجلسي ، هذه صورة أبي ، هكذا نحن ، نولد سادة القوم وسدنة العز ، ثورة ! آتينا بمشروبات باردة ، يظهر أن ضيفتنا أرهقها الحر ، الجو عندنا حار جدا في الصيف ، وبارد جدا في الشتاء ، كانت هذه المنطقة جنة في عهد مضى والآن وكأن حية نفخت فيها .. مرحبا بك
فايزة: جئت لأكلمك في أمر مهم ... ونظرت الى ثورة التي كانت تصب العصير .. فأشار اليها فانصرفت وأغلقت الباب وراءها
الأب: تفضلي
فايزة: اسمي فايزة ، أنا أصلا من الجنوب وأسكن العاصمة ...
الأب: مرحبا بك ، جمعت كل خيرات الوطن فيك ، البترول والكرم والقيادة ..
فايزة: شكرا .. خضراء ابنتك بالتبني أليس كذلك ؟
كان منحنيا فاستوى ، نظر اليها جيدا ، تغير وجهه ، عض على شفتيه بأسنانه ، قبض وقال:
والآن ماذا تريدين مني ، خضراء انتحرت ، والبيت ربما يكون مازال مراقبا ، وأنا لا أعرفك ... ان كنت من العصابة مهما كان الأمر الذي أتيت من أجله ، رجاءا أعفينا ، لقد نلنا من الهم والغم ما يكفينا ، ماتت خضراء ولا تزال روحها تنتقم منا ، ان كنت من الشرطة ، ليس لنا أي معلومات عنها ، خبر انتحارها جاءنا بواسطة زميلتها في العمل .. رجاءا يا بنيتي ارحمينا وانصرفي ...
كانت فايزة تنظر اليه وهي تبتسم ، تستمع اليه بشفقة الذي ينظر الى من يعذبه الضمير ، لقد وجدت نفسه ممهدة ، تستطيع أن تفجر قنبلة الندم في صدره ، لا يهمها ما تخلفه من دمار ...
فايزة: يا حاج ، أنا لست من العصابة ولا من الشرطة ، الشرطة لا تأتيك متخفية ، والعصابة لا تأتيك أمام الجميع ، أنا صديقة خضراء ، بل قل أنا أختها ، جئت هنا فقط لأرى من هم هؤلاء الذين تسببوا في بؤسها ، في تدميرها ، في تحطيمها فقط لأنها لقيطة ..
الأب: أرجوك ، توقفي ، لا تحاولي أكثر ، خضراء ليست لقيطة ، خضراء ابنتي ، من لحمي ودمي ، كانت تظن أننا تبنيناها لظروف قاهرة لا تعرفها هي ، الآن أتركيها ترتاح .. أظن أن زيارتك انتهت ، تفضلي ، لست مستعدا لأسمع المزيد ..
وقف ينتظرها أن تقوم وتذهب ، الا أن فايزة اختلط عليها الأمر ، وضاع منها حبل الحديث الذي جاءت من أجله ، وفرض عليها الافصاح أكثر ..
الأب: أرجوك يا سيدتي ، لسنا بحاجة الى دروس في الاخلاق ، ولا من يوقظ ضمائرنا ، خضراء ابنتنا ان أخطأنا في حقها هذا أمر لا يعنيك فقاطعته قائلة :
خضراء لم تنتحر ، لا زالت على قيد الحياة ، وأنا جئت بدون علمها ولا استشارتها .
كانت الصدمة أكبر ، بهت الأب ، لا يكاد يصدق لولا برودة أعصاب فايزة واتزانها وهدوئها ، بلغ الخبر عقر التصديق واستقر ، عاد الى الوراء وجلس ، أفحمته ، ماذا عساه أن يفعل ؟ خضراء لم تنتحر ، خضراء هذا الواقع المر ، خضراء الحقيقة التي قتلت من أراد أن يغتالها ، والآن يا لشرف ماذا أنت فاعل والمجرمة من صلبك ، من لحمك ودمك ، هل تبلغ عنها الشرطة أم تتستر عليها ، في كلتا الحالتين تضيع حقا ... وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه
الأب: أين هي الآن ؟
فايزة: في بيتنا
الأب: انها في حالة فرار
فايزة: خضراء بريئة ياحاج
اختلطت عليه الأوراق ، توقفت عملية التفكير في ذاته .. ينظر اليها وكأنها من كوكب آخر ، أعاد ترتيب الأمور في نفسه من جديد ، في انتظار خبر آخر ، يخلط ما سبق
الأب: انتظري قليلا ، سيأتي كريم ونتحدث ، لقد تجاوزتني معالجة هذا الواقع ... ارتاحي أنت ، أستأذنك ، أذهب لأتناول الدواء وأعود اليك في انتظار كريم .
تركها في قاعة الاستقبال وخرج ، وجدهم على أحر من الجمر ، ينتظرون ما وراء هذه المرأة العاصمية ، كان متعبا جدا ، احمرت عيناه ، يبتلع ريقه بصعوبة ، أسرعت ثورة اليه بالدواء ، وكأس من الماء البارد
العمة: ماذا تريد هذه المرأة ؟ هل هي من العصابة ؟
الأب: قالت أنها صديقة خضراء
العمة: عرفتها ، انها من العصابة ، هون عليك ، اتركها ، سنبلغ عنها الشرطة
الأب: لا ، ليست من العصابة ، قالت ان خضراء لم تنتحر ، انها في بيتهم
ثورة: ماذا ؟! خضراء لم تنتحر ، يعني كذبت علينا ، كانت تريد أن تستعطفنا للتستر عليها
الأب: قالت انها بريئة
العمة: مستحيل .. مستحيل .. وهم كذلك حتى دخل كريم ، وجدهم في الرواق أمام المطبخ
ثورة: أدركنا يا كريم ، أسرع ...
كريم: ماذا حصل ؟ مابك يا أبي ؟
الأب: لا ، لا بأس ... مد له يده ، ساعده على الوقوف وذهب به الى قاعة الاستقبال .
كانت فايزة تنظر الى صورة الجد من جديد تتأكد من التشابه.
كريم: مرحبا سيدتي
نظرت اليه ، فيه شيء من خضراء ، حدثتها عنه كثيرا ، شعرت بالارتياح ، أجلس الأب وجلس .
الأب: عندها أخبار جديدة عن خضراء
كريم: يرحمها الله
الأب: خضراء لم تنتحر ، لا تزال على قيد الحياة
كريم: صحيح ؟ لا أصدق ... عظيم !
فايزة: لا تزال على قيد الحياة ، وأنا هنا لأطلب مساعدتكم ، يا كريم ، خضراء تحبك كثيرا ، وهي الآن يائسة ، وجودك بجانبها يقوي عزيمتها ويبعث فيها حب الحياة ...
وبدأت تقص عليه سيرة خضراء منذ خرجت من هذا البيت الى اليوم ...
قصة أغرب من الخيال ، تلاحق الجميع ، ينظرون الى بعضهم بعضا ... خضراء لا تزال حية ترزق .. كانت العمة بجانب ثورة ، تبتلع حسرة وألما فيه من الشبهة ما يطابق المثل القائل : أنت أطيب من أن تكون نزيها ، تظاهرت بالتأثر وانصرفت .
تبعتها ثورة ، وجدتها في المطبخ
العمة: ستأتي الخادمة لتقاسمنا كل شيء ، حتى الارث ، ولما تستوي ، لا أعرف كيف ستنتقم ، وبمن تبدأ ؟ ما فعلناه فيها ليس بقليل ، يجب أن تكون في طيبة ملاك حتى تنسى الجحيم الذي عاشته معنا ، ولو علي أنا نتغذى عليها قبل أن تتعشى علينا ، لن تسمح لي كرامتي وعزتي أن أنكسر أمامها وأستسمحها ، حتى الآن أنا لست متأكدة من صحة هذا الخليط ، يا ثورة ، يا بنيتي ، خضراء بنت المبروك ، هذه هي الحقيقة ، ما هذا الهراء ؟ جدتنا سوداء ، والعرق دساس ، .و .. ، هذه خرافات أنا لا أصدقها
ثورة: حرام يا عمتي ، تتهمين أمي ؟ ، تطعنين شرفها وعفافها وطهارتها ؟ .. حرام ...أنت وحش ، همك الوحيد انتظار موت أبي وتطردينا من السكن لأن أبي كتبه باسمك خوفا عليك من الضياع
العمة: السكن هذا رزق أبي قبل أن يكون لأبيك ، كتبه له أبي ، كل شيء باسمه ، المساكن ، المحلات والأراضي ، أعطاه كل شيء وتركني تحت رحمة وصايته ، مثلي مثل هذا الأثاث ، ومنعني من الزواج من ابن عمي ،
وها أنا اليوم عانس ، أبوك أخذ مني كل شيء ، وأفسد علي كل شيء ، ولم تدافع عني أمك ولو بكلمة ، بالعكس كانت تتشفى في ، كانت هي السيدة في ملك أبي ، ما كان لي الحق حتى في الكلام ، كم كان يؤلمني تبخترها وغنجها في أجنحة هذا البيت ، تفعل ما تشاء ، تلبس ما تشاء ، تأكل ما تشاء ، كان ذلك ينحرني ، والآن تأتي السوداء النتنة تقاسمني حتى الملح ؟! الا هذا ، اذا حملت أنت الأغنية ، أنا لا يزال ضجيجها يؤلمني في أذني ، سأخير لشرف ، اما أنا أو الكلبة السوداء ، سترين يا ثورة ، وهم الآن يشعرون بالذنب ، وكأنهم السبب في مأساتها كلها ، سيتوجونها على البيت وتستعبدنا وترد لنا الكيل أكيال
ثورة: مهما يكن ، انها أختي شقيقتي ، لها علي كل الحقوق ، أخدمها اذا اقتضى الأمر وأستسمحها ، يكفي ما عانت أمي من أجلها ، أما أنت يا عمة الشر ، لن أنسى لك هذه الطعنة أبدا ، وسأردها لك في الوقت المناسب ... حتى الأموات لم ترحميهم ، كفانا الله شرك .. يا لطيف ..
مسحت وجهها من الدموع ، غسلته ، حاولت أن تستعيد بسمتها ، تركتها ودخلت ، تصب الشاي للجميع
الأب: أستأذن يا ابنتي ، لا أتحمل السهر كثيرا
فايزة: هون عليك ، الرجوع الى الحق فضيلة ، أنت رجل شهم وطيب ، خضراء تشبه هذه الصورة كثيرا
الأب: انه جدها ، انه أبي ، أنظري الى ذلك الشنب ، كان عريض الصدر طويل القامة ، هيبة تمشي بين الناس ، أنفة وعزة ... والرجل الشجاع يقتله دائما النذل ، كان قائد قومه عند فرنسا ... مرحبا بك يا بنيتي ، الحقيقة عندما تأتي متأخرة تكون أمر من الحنظل .
أخذه أحمد من يده وانصرفا
كريم: الحقيقة لا يغتالها الا الجبناء
جلست ثورة بجانبه وساد الصمت ، تنظر الى فايزة تبتسم وتنظر الى كريم
كريم: هذه أختي ثورة ، اسم على مسمى ، لا تزال تواصل دراستها شعبة علوم وتكنولوجيا ، لا تحب العلوم الانسانية والاجتماعية ...
فايزة: تحصلت على شهادة ليسانس حقوق وعمري ثلاث وعشرون سنة ، اشتغلت أربعة أشهر ، وسجنت لمدة عشر سنوات ، أطمح الى مواصلة الدراسة في نفس التخصص
كريم: يعجبني هذا الصنف من الناس الذي لا يعرف اليأس ، أحترمه كثيرا ... أنا كذلك يعجبني تخصصي ، المحاماة عمل انساني محض .
واستوت الجلسة الى الحديث ، وتطابقت وجهات النظر ، وتشابهت الأذواق والميولات ، وتقاربت النفوس والتحمت المشاعر ، وفي هذا الجو الرومنسي الشاعري ، انسلت ثورة بخبث وانصرفت وهي تبتسم دون أن يشعر بها أحد ، وقفت قليلا تستمع الى شجون الحديث كأنه يأتي من عشرة بلغت جذورها عمق الوصل ...
ولما انتبه كريم وجد نفسه وحده مع فايزة ، في حديث دون قيود ، تدفعه التلقائية التي لا تعرف التكلف ، وجد نفسه قد قال لها كل شيء ، وعرف عنها كل شيء ... كان الحديث مطعم بمأساة خضراء ، بسلوكها وأخلاقها ، مازاد متعته ، وبلغ التشويق حد الرغبة ، وسمح للأفكار أن تتلاقح برفق ، وسقطت المجاملات واختفت عباراتها ، لما بلغ الأنس منتهاه ، كان الليل قد تأخر كثيرا ، ولا بد من أخذ قسط راحة ، استعدادا لسفر الغد ..
رافقها الى باب الغرفة ، تمنى لها ليلة سعيدة وانصرف
كانت الساعة الثانية بعد الزوال ، حين وصل الأستاذ كريم وفايزة الى بيت العجوز زهرة ، وجدوا خضراء بالباب ، والعجوز تنتظر في الصالون ، قابعة تخفي ملامح الحزن والأسى ، كأنها أدركت أنه حان وقت الفراق .
احتضن كريم أخته بكل قوة :
سامحينا يا خضراء يا أختي ، لقد ظلمناك كثيرا
خضراء: المهم أنت بخير ، نظرت اليه بعمق ، ثم تراجعت قليلا الى الوراء وقالت: لم يبق لك في شيء يحفظ ماء وجهي ، لقد خسرتك بخسارة نفسي ، وأعرف أنك لن تقبل بي في بيتك حتى بصفة خادمة
كريم: كيف هذا يا خضراء ؟ أنت أختي ، نعم أختي
خضراء: كنت أطمح أن أكون أكثر من ذلك
فايزة: يا خضراء ، أنت أخت كريم ، شقيقته من أمه وأبيه ، لست ابنتهم بالتبني كما كانوا يدعون ، لقد كشفت أمك الحقيقة والقابلة ، كل العائلة الآن على علم بذلك
خضراء: أنا ؟ أنا ؟ كيف هذا ؟ ولماذا ؟ ولماذا يا كريم ؟
كريم: لا تقولي تفضل ؟
الحاجة زهرة: تفضل يا بني ، البيت بيتك ، وعلى فناجين القهوة قص عليها كريم كل التفاصيل بأسلوب المرافعات ، فواصله تأسف وتنهدات ..
- هذه قصتك يا خضراء يا أختي ، أيها الرخام الأسود لا تتعجلي ولا تقولي شيئا ، دعينا الآن نثبت برائتك رسميا ونعود الى البيت ، وهناك لك أن تفعلي أو تقولي ما تريدين .. أرجوك لا تطيلي فصول هذه الدراما .
عادت خضراء الى سجن أروان وبعد ستة أشهر قدمت الى المحاكمة ، فحكمت لها المحكمة بالبراءة دون تعويض ولا اعادة اعتبار ، أثارت فايزة قضيتها في الجريدة التي كانت تعمل بها ، وبعض الجرائد الزميلة ، ويوم خروجها ، كان الجميع عند باب السجن ينتظرونها ، الأب ، كريم ، فايزة ، ثورة ، أحمد الامام ، سائق الشاحنة ، مساعد كريم ، ، الطبيبتان ، بعض السجينات اللاتي خرجن ، الرجل الذي أنقذها من الانتحار ، المحامي ، المبروك ، جميعا جاءوا يشاهدون ظلم العصر
تقدم صحفي يسألها ، فنظرت اليه وقالت :
- صحيفة حرة أم بوق ؟
- حرة يا آنسة ، طليقة كالريح ، أنظري ، كانت صورتها في الصفحة الأولى ، تحت عنوان مثير: عندما يدفع الأبرياء الثمن وثمن العصا
خضراء: أخفيها حتى لا يراها البوليس ، ضحكت وضحك الجميع ، اجتمع حولها الفضوليون ، وزوار المساجين الذين جاءوا من كل جهات الوطن ، صنعوا الحدث ، وكتبت عنها كل الصحف ، فسجلت على صفحة التاريخ بحروف الغبن والمهانة .
ولما عادوا الى البيت ، وجدوا العمة قد انتحرت في غيابهم شنقا ، أيام بعدها ، تقدم مساعد كريم يطلب يد خضراء ، وطلب كريم من العجوز يد فايزة ، وذهبوا جميعا لقضاء شهر العسل في وجهة لم يعرفها أحد .
أحمد الشيخ الامام تحصل على شهادة الباكلوريا و ذهب الى جامعة أم القرى ليواصل دراسته في الشريعة الاسلامية .و ثورة سجلت في جامعة العلوم التكنولوجيا ، أما الحاج لشرف تزوج عروسا من القبيلة في سن ثورة تداعبه و تمرضه ، هكذا اقسمت قبل ان يتزوجها نكالا في ابن عمها الذي خان عهده و تزوج في الخارج بفرنسية .
أما أنا فأمضيت عقدا مع خضراء لكتابة قصتها وحققت الحلم الذي كان يراودني ... تحطيم جدار الصمت .
فما رأيك يا صاحبي ؟
قلت: لا تقل عشرة ، حتى يصل العاشر الى مكانه .

مختار سعيدي


 
 

 

عرض البوم صور مختار أحمد سعيدي   رد مع اقتباس
قديم 24-10-11, 10:13 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فخري
♪ مُخْمَلٍيةُ آلعَطّآءْ ♦


البيانات
التسجيل: Mar 2010
العضوية: 157123
المشاركات: 30,329
الجنس أنثى
معدل التقييم: ♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع♫ معزوفة حنين ♫ عضو مشهور للجميع
نقاط التقييم: 13523

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
♫ معزوفة حنين ♫ غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مختار أحمد سعيدي المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي

 




يعطيك العافية اخوي مختار ..
بس هل الرواية من تآليفك ؟


 
 

 

عرض البوم صور ♫ معزوفة حنين ♫   رد مع اقتباس
قديم 24-10-11, 10:41 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Oct 2011
العضوية: 231308
المشاركات: 71
الجنس ذكر
معدل التقييم: مختار أحمد سعيدي عضو على طريق التحسين
نقاط التقييم: 77

االدولة
البلدAlgeria
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
مختار أحمد سعيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مختار أحمد سعيدي المنتدى : القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
افتراضي

 

اقتباس :-   المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ♫ معزوفة حنين ♫ مشاهدة المشاركة
  



يعطيك العافية اخوي مختار ..
بس هل الرواية من تآليفك ؟


............................................................ ......................... معزوفة حنين...أيتها الرائعة
أشكرك أولا على هذه الاطلالة الجميلة
الرواية من تأليفي ... هل أعجبتك ؟..
أحيلك على محرك قوقل ..أكتبي فقط مختار سعيدي.
سيسمح لك بالاطلاع على كل كتاباتي

تقبلي تحياتي و تقديري
مختار سعيدي

 
 

 

عرض البوم صور مختار أحمد سعيدي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الاسود, الرجال
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله من وحي قلم الاعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 08:56 AM.


مجلة الاميرات  | اية الكرسي mp3  | القران الكريم mp3  | الرقية الشرعية mp3  | شات جوال  | شات قلب 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية