لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com






العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > قصص من وحي قلم الاعضاء > القصص القصيرة من وحي قلم الأعضاء , قصص من وحي قلم الأعضاء
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص القصيرة من وحي قلم الأعضاء , قصص من وحي قلم الأعضاء القصص القصيرة من وحي قلم الأعضاء , قصص من وحي قلم الأعضاء


صائد الإنسياب . قصة قصيرة تبحث عن قراء و تعلقيات .

عند الناصية حين حاول الانعطاف ناحية الزقاق متتبعاً انسياب المياه من إحدى المجارير تذكر الأمر على نحو لامع . بدت له الفكرة الطارئة ، غريبة و مختلطة مع كثير من

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-12-10, 11:50 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2010
العضوية: 205116
المشاركات: 9
الجنس ذكر
معدل التقييم: بركاى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 10

االدولة
البلدLibya
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
بركاى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : القصص القصيرة من وحي قلم الأعضاء , قصص من وحي قلم الأعضاء
Jded صائد الإنسياب . قصة قصيرة تبحث عن قراء و تعلقيات .

 



عند الناصية حين حاول الانعطاف ناحية الزقاق متتبعاً انسياب المياه من إحدى المجارير تذكر الأمر على نحو لامع . بدت له الفكرة الطارئة ، غريبة و مختلطة مع كثير من الماضي . الأمر لم يعد يخلو من الأوهام المندفعة مؤخراً في ذهنه . لذا قرر أن يترك لعبته التي بدأها من تفرع شارع جمال حتى نهاية الشارع المار من أمام ميدان المعلم ، اتجه بهدوء إلى الفندق البلدي و أخذ يفكر جدياً بأن مبنى الجديد الخاص بالمتفوقين رائع ، و إنه من الجيد لو استطاع أن يدخل أخوته في تلك المدرسة . أفكاره جامحة و لا تعني أحياناً أي شيء . قدراته في فهم الحياة قد تختلف مع الجميع و لكنها بتأكيد لا تتفوق على أحد . غالباً ما يضطر لأن يجلس في إحدى الحدائق و يعترف لنفسه بأنه يعاني بعض المشاكل ، و لكن أية نوع من المشاكل تلك ؟ ما هي مشاكله ، لا يعرف على الإطلاق ، إنها جزء من تلك المعضلات التي تتحكم في تفكيره أثناء تجواله عبر شوارع بنغازي .أحياناً يقول لنفسه بأن أحدهم يمكن أن يكون أفضل منه في مجال ما ، و لكن المصيبة هو أن يكون الجميع أفضل منه . عندها يغرق لوحده محاولاً أن يصنف الأمور الجيدة لدى الناس ، يضع قائمة صغيرة تتضمن أحلام أناس التقى بهم . أحلام صغيرة و عادية لا ترقى مطلقاً إلى مرتبة الطموح ، سمع بعضها عبر الانترنت من كافة شبان العالم ، دريمات عادية لا تحمل في داخلها أي مضمون حقيقي ، أحلام بلا جوهر ، هكذا يكتشف بأنه ربما الوحيد من بين مئات الآلاف الذي يحمل فكرة حقيقية ، في الواقع هو لديه فكرة حقيقية كل ربع ساعة ، معدل رهيب من الأفكار الحقيقية . أخذ يسجلها في يومياته بهدوء و صبر . أحياناً تلوح له تلك الأفكار غير مترابطة عندما يعيد قرأتها في الليالي وحيداً ، الأمر غريب بالفعل ، حين تخطر له الفكرة يعتقد بشكل جازم بأنها الفكرة الأقوى و أنه توصل أخيراً إلى استنارة كاملة ، تبدو له الشوارع و المحال الصغيرة و أعماق المقاهي المظلمة رائعة فعلاً ، يجلس على إحدى الكراسي و يطلب على ثلاث مرات أكواب كاملة من المكياطة ، ينثر فيها حبوب الكاكاوية التي يحملها دائماً و يشرع في الشرب و المضغ . مرة سأله النادل الشاب عما يمضغ و كان قد أثار فضوله منذ شهور .

- كاكاوية .
- ها ؟

جزء من البلاهة التي ترتسم على وجوه الناس حينما يكتشفون أمراً سخيفاً يقوم به شخص ظنوه يوماً شيئاً ما . غالباً ما ينسى تلك البلاهة و يرغم نفسه على التجاهل و كأنه لم يلاحظها ، حتى إنه يسميها بلاهة حماية لنفسه من التأثيرات السلبية للأفكار – نحن هنا نستخدم تعابيره الخاصة بما أن كل الحديث عنه – تلك البلاهة لا تعني له سوى أنه ما يزال على خطه القديم . أما عن مشاعره فإنه يعرف أيضاً بأنه أقوى مما قد يظن أي شخص . مع أنه لم يصل بعد إلى مفهوم حقيقي حول معنى القوة في إطار حياته . فأفكاره المترابطة في نهارات معينة تتضح له في الليل بأنها مجرد هباء بلا معنى . معضلة تجعل حياته خالية تماماً من الحقائق . من ناحية أخرى فإنه يعلم تماماً بأن الحقائق النهائية أمر سخيف أيضاً ، منذ سنوات كف عن الإيمان ، و لم يكن يخشى أن يتخذ موقفاً محدداً تجاه الناس ، و لكن المعضلة الأخرى في حياته هو إنه الكف عن الإيمان يعني دوماً الكف عن الثقة ، صار لا يثق بأحد و لم وجد الأمر مؤلماً عاد يفكر في مفهوم الإيمان نفسه ، وجد بأنه لابد أن يفكر جيداً في أمره ، و إلا سيورد نفسه في معضلات أكثر رسوخاً و قدماً كان قد عاهد نفسه بأنه لن يكرر أخطاء الآخرين ، حسنا لنكن واقعيين إن سيره الدائم عبر طرقات بنغازي خلق منه شخصاً عنيداً لا يفكر على الإطلاق في إمكانية الخطأ . كتب ذات مرة في يومياته : " شخص مثلي ، يحتك يومياً بالشوارع في بنغازي : كيف لا يكون فاقداً للإيمان ؟ " لأنه لا بد أن يفقد أمراً من الاثنين : الإيمان أو الثقة بنفسه ، فضل أن يفقد الثقة بالناس . أحياناً يفكر بأن المشكلة كلها من المدينة و إن العودة إلى الريف و الجنوب ستضمن له روحاً خالية من الشكوك . هنا يعود إلى لياليه الطويلة من التفكير المشوش و يتضح له على نحو واضح بأن والده هو أيضاً يحمل جزء من أخطائه المتكررة ، إنه على الدوام يصر أن يطفأ الضوء باكراً مما لا يسمح له بالوصول الكامل إلى الاستنارة الحقيقية .

النوم و الظلمة توقفان أفكاره عن الانسياب .

منذ متى توقفت تلك الأفكار عن الانسياب و بدأت تنهار على نفسها في الظلمة ؟

سأل نفسه على مدى سنوات .

كل شيء بدا له واضحاً ، الأفكار تتوقف متى تتوقف ، و لن يكون الهدف معرفة متى توقفت و لكن الأهم أن تعود لتفكر من جديد . سار من أمام مصرف الوحدة الأصفر و توقف هناك يراقب الكاميرات المتجهة إلى الحائط الأصفر المغبر ، فكر إن كانت تصور شيئاً أم أن الأمر محض ديكور يقول ببساطة : نحن نهتم . ركب من هناك حافلة توقفت بقربه ، في جيبه القليل من المال ، من عمل عرضي ، يومياً كان يتقاضى ثمانية دنانير ليبية ، حسنا الأمر ليس سيئاً بالمقارنة مع ما يحدث لصديقه في العمل ، ثمانية دنانير تكفيه لأن يستقل حافلة صغيرة دون أن يضطر لأن يدعو لصاحب الحافلة بالرحمة ، أو يترحم على والديه ، بذاك المبلغ التافه يستطيع أن يحفظ كرامته . قبل أن يعمل كان يشعر بالألم لأنه لا يجد كتباً جيدة لقراءة ، بعد أن وجد العمل صار بوسعه أن يجمع مبالغه ليومين و يشتري كتاباً جيداً بحجم جيد ربما من خمسمائة صفحة أو حتى سبعمائة . الكتب الجيدة و الكثيرة الصفحات ليست كثيرة في بنغازي . الكتب المترجمة تحوي صفحات كثيرة و رائعة ، الروايات و الكتب السياسية ، سنوات الغليان لحسنين هيكل تحوي أكثر من سبعمائة صفحة ، اشتراه و قرأه في يومين ، شعر بأنه أضاع وقتاً طويلاً في قرأته ، إلا أنه لم يشعر قط بالندم . في اليوم الخامس طلب منه صديقه في العمل أن يمنحه حصته اليومية . استغرب الأمر بشدة ، ظن بأنه لم يسمع جيداً .

- عفوا ، ماذا قلت ؟
- أرجوك ، أعطني ثمانية دينار سلف .
- أعطيك كل يوميتي ، و لم أفعل أمراً كهذا ؟
- لأني أعرف ما تريد .
- و ما الذي أريده ؟
- أنت تشتري بيوميتك كتباً ، أنا سأحضر لك أربعين كتاباً بمقابل ثمانية دينار .

نظر إليه بشيء من الاستغراب و قال :

- أتعتقد بأني أصدقك ؟
- عليك أن تفعل .

لم يقل شيئاً أخر ، أعطاه المبلغ كله و فوقه ثلاثة دنانير أضافية . في الغد جاء الشاب بصندوق كبير ثقيل .

- خذ كما وعدتك .

أخذ الصندوق و فتحه . كان الأمر مدهشاً ، أغلفة و كتب في حالة ممتازة ، قرأ باندهاش : حكايات كانتبيري – لتشوتسر و الفكر البري – ليفي شتراوس . عدو المسيح – لنيتشه . و قصص جاك لندن . باولا – لإيزابيلا الليندي و ألف ليلة و ليلة طبعة سنة 1935 ببولاق . الحرب و السلام – تولستوي . ذاكرة الجسد – لأحلام مستغانمي . أفظع جرائم المافيا في نيويورك و شيكاغو . وحدائق الملك – لفاطمة أوفقير . المثقفون بجزأيه الأول و الثاني – لسيمون دو بوفوار . موسم الهجرة إلى الشمال – لطيب الصالح . نجوم هوليوود : الحفلات الصاخبة . سيرة مالكوم اكس – لألكسي هيلي . الدون الهادئ – لشولوخوف .

لدقائق كان قد أخرج كل الكتب على الطاولة ، وضعها بين الخضار و الفواكه . و وقف مذهولاً . سأل الشاب الواقف بثقة و تفاخر :

- ألديك كتب أخرى ؟
- أتدفع ؟
- كل ما تريد .
- لا أريد الكثير و لكن عندي الكثير من الكتب .
- خذ مصروفي كل يوم و لا تقلق أبداً .

في اليوم التالي أحضر له كتابين . و في اليوم الثالث بدأ يقول سأحضر الكتب في الغد . في اليوم الرابع أتى أحدهم إلى المحل . و سأله مباشرة :

- أأنت من يشتري الكتب من أبا ؟
- نعم .
- حسنا ، كان يسرق مني ، أكنت تعرف ؟
- لا .
- شخص يبيعك ثروة من الكتب برخص التراب و لا تعرف بأنه يسرقها .

كان يعرف ، على الأقل كان يعرف بأن أبا لا يقرأ و أن الكتب ليست له .

- حسنا – قال الشاب و هو يشير بسبابته بشيء كالتحذير – لن أخذ منك الكتب التي اشتريتها و لكن إياك أن تشتري منه شيئاً أخر و إلا ستندم .

و لم يشتري منه أي شيء بعد . و لم يشتري كتباً أخرى قط ، مكتبته تحوي ثمانين كتاباً أغلبها روايات ، روايات جيدة ، كان يحب أن يقرأ الكتب السياسية و لكنه لم يقرأ إلى الآن سوى كتب حسنين هيكل التي لا يصنفها في ذهنه كالكتب السياسية لديه تصور خاص حيالها ، الكتب السياسية . كان يقرأ في السابق عندما كان مراهقاً كتباً عن الرحالة ، الرحلات المرهقة و المميت عبر البحار و الصحاري في العالم و إلى القطبي الشمالي . الهولنديون و البلجيكيون الموتى في أعماق الجليد . الحروب و الحضارات التي مرت على ليبيا كان معجباً بالقراصنة و قطاع الطرق ، في قلبه رغبة عميقة بملامسة اللوحات الكثيرة المنشورة في أعماق الكتب الفنية لأجساد فتيات من قرطاج و التماثيل الرومانية الواقفة في حالات مدهشة من الفن و الحب . الفكر كان متعلقاً به منذ الصغر منذ أن قرأ ذلك الكتاب اللعين : الحرب العالمية الثانية ، الحروب المصورة . و رأى جثث الألمان فوق الجليد و عليها تلك الصلبان الخشبية الثقيلة . الموت و الفن و الحروب في ذهنه ترسبت على مدى أعوام ، أحيانا ، أحياناً يعرف مكانه بالضبط . يعرف بأنه ذلك المزيج الهائل من التاريخ الخفي يشعر بنفسه متوعكاً ، يسقط على أحلامه ليسأل نفسه :

- متى توقف حلمي عن الانسياب ؟

إجابته ليست سوى عرض لحياته ، كما يفعل الآن و هو على الحافلة ، المشاهد قليلة و لكن بنغازي تحت الشمس ، لا شيء . من يريد أن يعرف هذه المدينة يخرج عصراً أو في الصباح الباكر . كانت الموسيقى أشرف محفوظ تنساب حزينة عبر الحافلة ، كلماته ، جروحه ، و أحلامه . نظر إلى المنطقة الفارغة البعيد ، كان يشاهد أجساداً مسرعة تضيئها الشمس الصباحية المنهكة .نزل عند المحطة و اتجه عائداً على قدميه . في الشتاء الماضي حين سمع صوتاً مألوفاً يناديه . جمعة صديقه من الجنوب ، وقف و هو يراه يفتح طريقه من بين المارة ، كان يبتسم و فكر بأنه يتوجب عليه الابتسام ، رسم ابتسامه صغيرة و هادئة تصلح لملاقاة صديق قديم بها .

- نوري . كيف حالك ؟
- جمعة ، زمان على لقاءنا الأخير .

تصافحاً و عانق كل منهما الأخر ، لقاء عادي بين أهالي الجنوبيون في شوارع بنغازي ، يقال إن أصابك الملل في بنغازي فأذهب إلى " الفندي البلدي " لتشاهد لقاءات الجنوبيون الحارة , كان ثمة كثير من الناس يبتسمون ، نوري يعرف السبب فيما لم ينتبه جمعة لشيء . عبرا الطريق إلى الجهة الأخرى ، كان جمعة قد أخبره بأنه سجل في قسم اللغة الإنجليزية . و مازحه هو بكلمات عن بعض الممثلات ، لم يفهمها جمعة أو فهمها و ادعى البراءة . مشيا حتى حديقة عند بداية الصابري . جلسا في كشك أكلات سريعة طلبا أنصاص جيدة و الهمبرغر لحم بحجم الكبير ، شعرا بأنهما جائعين ، طلبا مشروبات طبيعية ، نوري طلب لنفسه عصير مانغا فيما طلب جمعة الموز البارد و علبة كولا . كانت الأنصاص تنقصها الملح ، و على الطاولة ليس ثمة ملح . قام و ذهب إلى البوفيه في الكشك و طلب ملحاً .

- ثمة ملح على الطاولة ؟ قال شاب ذو تسريحة غريبة . فرد عليه بأنه ليس ثمة ملح على الطاولة :
- إذن خذ ملحاً من أية طاولة . كان صوته عالياً فكر للحظات أن يرفع صوته هو الأخر و لكنه تعلم أن يصمت في بنغازي ، ففي النهاية سيتصالحان باعتذارات و سوء تفاهم محزن ، بنغازي مدينة الملل ، أحيانا يبدأ الناس بشتم بعضهم دونما سبب و لكنهم دوماً يتفاهمون في النهاية . إنه أمر طبيعي لا يستدعي سوى بعض الصبر و التفهم .

ذهب إلى الطاولة و سحب من أمام رجل سوداني قارورة صغيرة فيها ملح .

- لو سمحت ؟
- تفضل ، لا تهتم . قال السوداني و قضم من شطيرته الضخمة حتى تساقطت الفتات على قميصه .

عاد إلى جمعة الذي ظل يراقب كل شيء و لا شك . فيه شيء متغير ، حسناً ملابسه جديدة ، جاكيت جلدي غالي الثمن ، الخاتم و الساعة الذهبية ، حذائه الايطالي ، شكله يشبه نجم ايطالي أسمر ، أحد رجال العصابات ، رأى في عينيه تصميماً غريباً . تلك النظرات الحارقة التي يوجهها لكل شيء حولهما ، جمعة غريب و فيه أمر ما متغير ، عرف بأن صديقه القديم يخفي شيئاً ، لكنه فضل الصمت و المراقبة بدوره ، سأله جمعة :

- لم صرخ الطباخ في وجهك ؟
- لم يصرخ في وجهي .
- ظننته صرخ في وجهك .
- لم يفعل بل كان غاضباً لسبب ما .
- و لم يصرخ في وجهك أنت و كأنك أنت من أغضبه ؟
- لا أعرف و لكنه لم يصرخ في وجهي قصداً .
- صرخ في وجهك و كفى .
- أنت لا تفهم ، لنأكل و لنرحل بهدوء .

صمت جمعة و أكلا بهدوء ، أنهيا الشطائر و شربا العصائر ، جمعة لم يفتح علبة الكولا و قال :

- لندفع و لنرحل .

كان نوري يدفع للرجل حين قال جمعة :

- يا رجل تغضب من أشياء أخرى و تصرخ في وجوهنا نحن . لا أعتقد بأنه أمر حسن .
- جمعة . قال نوري بشيء من الغضب و لكن البائع الشاب قال :
- هذا الأحمق لا يفهم ما أقوله . شعر نوري برعشة تغزو جسده التفت إلى البائع فوجده يشير للشاب الذي يعمل عنده ، كان رأسه قد سخن فجأة و أحس بقوة غريبة ، و راحة لأنه لن يستخدمها قط . لم يتكلم و هو يسمع البائع يعتذر إليه ، مشى خارجاً و ترك جمعة لوحده مع الرجل ، بعد قليل لحق به جمعة و قال :
- ما بك أنت ؟
- قلت لا تكلم الرجل .
- أهذا ما يغضبك ، أن نفهمه خير من أن يفهمنا خطأ ؟
- ما الذي تعنيه ؟
- لا شيء ، هيا لدينا يوم طويل .

ذاكرته ليست جيدة و لكن الحياة اليومية عبر المدينة تذكره بأحداثه الكثيرة . إنه يذكر أول يوم له في بنغازي كلما وصل لسوق الحديقة ، و قبل ذلك حين كان صغيراً في العاشرة و زارها لأول مرة مع والده ، كان الشتاء يغطي المدينة وقتها أيضاً ، رأى كل الشوارع مغسولة بالمطر و لم يلبث كثيراُ حتى انهمرت المياه على المدينة ، أمطار غزيرة وقت العصر ، و الشمس الذهبية تشرق في جهة من المدينة ، وراء الغيوم ، بالضبط عند حواف الغيوم ، وقف يراقب الشمس و المطر متداخلين ، الضوء الواهن يعبر المياه الغزيرة ، هل يسمع موسيقى ، ربما كانت موسيقى أشرف محفوظ أو سمير الكردي التي حفظها عن ظهر قلب ، أغاني سيف النصر القديمة ، يذكر الآن بأنه لم يستمع لسيف النصر منذ عشر سنين على الأقل ، تقدم من إحدى المحال , دخل و عبر الأرفف ، وصل لقسم الليبيات ، كانت ثمة كثير من الإصدارات ، الأغلفة الجيدة و العناوين البراقة ، اشترى سي دي لسيف النصر و أخر لسمير الكردي أغاني جديدة و أخريين من إصدارات الراى و المروكية ثم خرج . الساعة تشير للحادية عشرة و ليس لديه عمل يقوم به .

- كلها أغاني جيدة و لكنك سترى إنها تعاني قليلاً .
- كيف ذلك ؟
- حسنا العالم كله يعاني مشكلة في الرومانسية ، الأمور تتغير ، حتى الموسيقى و الكلمات ، الشعر نفسه صار خالي من الرومانسية القديمة . أمر محزن . و لكنك لا تزال تملك فرصة استبدالها بأغاني قديمة .

كان شخصاً غريباً قال بأنه شاعر . نصيحته بدت غريبة مثله . فقال نوري بهدوء – بأنه يرغب فعلاً في معرفة أشياء جديدة – ثم محاولا أن يبدي روعة تذكر موسيقى حميمة أضاف :

- سيكون جيداً أن أتذكر صديقاً قديماً .
- قلت التذكر ؟ حسنا إنه أمر جيد و لكن عليك أن تعرف بأن تلويث الذكريات القديمة بإنتاجات الجديدة لتلك الذكريات ليس سوى تشويه لأحلام بريئة ، تذكر ، ها ؟ أتمنى لك التوفيق في ذلك ، سترى فشل مشروعك .

تطلع إليه للمرة الثانية ، كان يبدو متأثراً بشدة ، يحمل مفكرته السوداء و يدخن بشيء من التوتر ، متجاهلاً في لحظات و شرع يراقب وجهات المحال فيما أخذت الحافلة تسرع و المطر يصفق الزجاج بروعة ، تجاهله بدوره متطلعاً إلى خيوط المياه اللامعة المتكسرة بعنف على الزجاج لتنزلق بانسيابية مثيرة ، عندها تمنى أن تكون في ذهنه مثل هذه الانسيابية الباهرة ، فكرت الرجل قد يكون محقاً متذكراً صديقه جمعة بحذائه الايطالي و معطفه الجلدي الغالي ، سمع – مثل الجميع – عن التجارات المشبوهة التي تتم في الجنوب الغربي لليبيا . لم يتخيل للحظة بأن أحد أصدقائه سيتعاطى في هكذا نوع من المتاجرة السيئة . لكي يكون الأمر واضحاً حين رأى تلك الساعة الذهبية تتلامع في الفيض الضوئي لم يستطع أن يبعد نفسه عن الرغبات الصغيرة لحياته ، أحلامه الجوهرية الكبرى . رغبته في أن يعيش في ترف ، أن ينسب أخوته في مدارس لتعليم اللغات . لطالما عشق اللغة الألمانية ، رغبته القصوى في أن يقرأ شعراً بالأسبانية و الروسية ، أن يكتب مقالات بانتباه و بانجليزية ممتازة . أيضاً أراد المال ليمكن أخوته الصغار من الدراسة بكل هذه اللغات . نحن أن أمنعنا النظر في حياة شخص مثل نوري نجد بأن تعريفات الكلمات مختلفة تماماً أو بالأحرى أقل مما هو متوقع . فكلمة مثل الترف تعني في حياته بكل بساطة ، كتب جيدة بصفحات كثيرة . رغبة لا يستطيع أن يحققها دوماً في اللغة العربية دوماً إلا بالكتب السياسية . 700 صفحة في كتاب روائي واحد ، لا بد بأن فيه كل تفاصيل الحياة اليومية ، مجرد التفكير في الأمر يجعله يرتعش من الحماس و النشوة ، و كأنه على موعد مع تلك اللغات في اليوم التالي . الترف في لغته يعني أيضاً الجلوس بهدوء في إحدى المقاهي لشرب المكياطة و تناول حبات الكاكاوية بصمت دون أن يتدخل أحد في نزهته اليومية للبحث عن انسيابية الأفكار . في ذلك اليوم تجاهل أفكاره الجامحة ليغرق في فكرة واحدة هي : الانسيابية ، هو بحاجة إليها . نزل من على الحافلة . سار قليلاً و المياه تطرق رأسه برقة ، ثم تعلم اللعبة الصغيرة و العادية جداً ، تتبع المياه المنسابة عبر الشوارع ، و البدء في التفكير الهادئ . كلما طالت الخيوط المائية في انسيابها ، كلما تحرر من معضلة انحباس الأفكار . يمشي بهدوء أو يسرع لتزداد أفكاره سرعة مع خطواته ، يركض فتتوهج أفكاره و يحس لوهلة بأنه شيئاً ما أخيراً و أنه يفعل أمراً حقيقياً تمنى طوال حياته أن يفعله . ركض طوال الشتاء عبر كل الاتجاهات ، سار حول بنغازي طولاً و عرضاً ، انساب عبر الأزقة ، نظر إلى السماء ، كانت الأمطار تمنحه الرغبة العميقة بالحياة ، كان سعيداً . يقف في ساعات راحته مراقباً الشمس الغاربة وراء الغيوم ، لتمطر السماء و يشرع هو رحلاته الفكرية الماراثونية .هذه المتعة انكسرت ذات يوم مع توقف الأمطار ، الانسيابية المائية الباهرة . شهرين جامدين و بلا تفكير ، شعر بالضياع لتوقف الأمطار ، لكنه مثل كل مرة يجد فكرة أخرى ، لم يكن أمامه إلا أن يتتبع مياه المجارير عبر شوارع المدينة الحزينة ، نجح بشكل مثير للمشاعر أن يحقق أفكاراً كبيرة ، يكتبها بهدوء في الليالي الطويلة على ضوء القمر أحيانا أو على ضوء جهاز والدته النقال ، لقد حقق أروع انجازاته . يفكر تماماً كما يمشي ، كأمر طبيعي . في ذلك اليوم خطرت له الفكرة الأكثر لمعاناً من كل الأفكار ، منذ الصباح كان مقتنعاً بأن ثمة أمراً سيحدث ، إفطاره كان سريعاً كوب من الحليب ممزوج بالشاي و النعناع . لم يضطر للذهاب إلى الجامعة . فلديه أحلام كثيرة ، أكثر مما يسمح وقته ، الجامعة لن تحقق له الكثير ، قرر أن يتعرف على الحقيقة الغائبة منذ أشهر طويلة ، ربما امتدت لسنوات حتى الآن . خرج مسرعاً عبر الأحياء الممتدة و عند الناصية حين حاول الانعطاف ناحية الزقاق متتبعاً انسياب المياه من إحدى المجارير تذكر الأمر على نحو لامع . بدت له الفكرة الطارئة ، غريبة و مختلطة مع كثير من الماضي . الأمر لم يعد يخلو من الأوهام المندفعة مؤخراً في ذهنه .

 
 

 

عرض البوم صور بركاى   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
بركاى, صائد الإنسياب, قصة قصيرة
facebook



جديد مواضيع قسم القصص القصيرة من وحي قلم الأعضاء , قصص من وحي قلم الأعضاء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:54 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية