لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





العودة   منتديات ليلاس > القسم الادبي > منتدى الكتب > الادباء والكتاب العرب
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

الادباء والكتاب العرب الروايات - السير الذاتية -أدب الرحلات العربية – كتب أدبية


محمد المخزنجى , جميع القصص القصيرة الخاصة

بسم الله الرحمن الرحيم محمد المخزنجى , القصص القصيرة الخاصة 1- ومع ذلك .. ورغم ذلك قبل أن أطفىء النور لأنام ، أحرص

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-06-09, 09:23 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,018
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : الادباء والكتاب العرب
Newsuae2 محمد المخزنجى , جميع القصص القصيرة الخاصة

 

بسم الله الرحمن الرحيم


محمد المخزنجى , القصص القصيرة الخاصة



1- ومع ذلك .. ورغم ذلك

قبل أن أطفىء النور لأنام ، أحرص على جمع كل ما يمكن أن يكون متناثرًا فى الحجرة ومكشوفًا أمامه ، هذه الأشياء المدببة والحادة والقاطعة ، كالمدى ، وشفرات الحلاقة ، وسكين فتح الكتب ، حتى الأقلام ، باختصار ، كل ما يمكن أن يقع فى يده لحظة يمضه الأرق ويستخدمه فى ذبحى من عند حبل الوريد ، أو طعنى فى الموضع الضعيف المؤدى مبباشرة إلى القلب - من بين الضلوع - كما أتخيله دائما يفعل.
أجمع كل ذلك وأضعه فى أحد أدراج الخزانة ، ثم أغلقه ، وأوصد عليه الضلفة ، وأخفى المفتاح فى كيس الوسادة تحت رأسى ، هذا ، حتى يطلع الصبح ويغمر النور الغرفة فأستيقظ وأكون منتبها إليه .. ذلك الانتباه الذى لم يقف بى قط على حد كراهيته ، فأنا أوقن أنه لا يكرهنى ، بل على العكس ، أوقن أنه يحنو على حنوا عميقا عمق الشفقة التى يكنها لى من الاستمرار فى مثل هذه الحياة ، والتى قد تكون دافعه الوحيد للفعل ، الفعل الذى ظل رغم ذلك يرعبنى.
أتأكد من دافعه الشفوق ذلك عندما تحين اللحظة المعتادة ليواجه كل منا الآخر قبيل الخروج إلى الشارع. وفى نور الصبح الأبيض المزرق المتدفق عبر النافذة أتمكن من رؤية العذاب المترقرق فى عينيه الصاحيتين لتوهما بعد نوم مضطرب .. نوم ممزق بأحلام الرغبات المحبطة ، والمخاوف التى تستحيل دوما إلى كوابيس.
أنظر فى عينيه مباشرة بإحساس يتصاعد بالشفقة إلى حد الابتسام ، فيبادلنى الابتسام الشفوق ، وما يلبث ابتسامنا المتبادل حتى يأخذ برهة شكل الرضا ، هذا الرضا الذى يَسرُّ دون كلام أن : مع ذلك ، ورغم ذلك ، يظل وجودنا فى هذه الحياة على تكاثر آلامها وتضاؤل وابتعاد أصغر الأمانى فيها .. يظل جديرا ببعض الفرح .. على الأقل فرح التنفس من هواء الصبح الطازج كل يوم من جديد. أليس كذلك ؟
أليس كذلك ؟ أسأله بإيماءة مبتسمة فيجيب على مبتسما بمثلها ، ثم أكرر سؤالى بصوت مسموع وأنا أستدير متأهبا للخروج ، لكن إجابته لا تأتينى . فيبدو لى وكأنه تبخر مع سريان تيار الهواء الصباحى الذى اكتسح كتمة الغرفة آتيا من النافذة المفتوحة إلى الباب المفتوح.
وأفكر فى أنه قد اختفى أيضا من صفحة المرآة التى استدرت للتو عنها .

د.محمد المخزنجى

***

2- ذبابة زرقاء


أكره الذباب ، وأكره بالذات طنينه ، وتكون كراهيتى لهذا الطنين غير محدودة ، وأنا طبيب استقبال مناوب ، أجلس ضجرًا فى فراغ الانتظار بالليل وبياض الجدران يحاصرنى . كان طنينها بحجم طنين مائة ذبابة مجتمعة دخلت تطير فى المكان حولى . نهضت أخلع معطفى مغيظًا ، وضربتها به ، فهوت .. وكدت أرفع قدمى لأسحقها ، لكنى وجدتها ذبابة كبيرة ملونة ، فتركتها تلم نفسها ، وتعاود الطيران . أحضرت كأسًا زجاجية ، وحملت معطفى أطاردها ، وعندما كانت تطير فوق المنضدة ضربتها ... وقعت ، وقلبت عليها الكأس ، ورأيتها من خلال الزجاج كبيرة وعيونها كنصفى كرتين من بلّور متلاصق ، يعكس فى تقلبه شتاتًا من ألق الألوان ، وكانت على بدنها مربعات منمنمة أيضًا ، تتناسق كأنها رقعة شطرنج ، وتتماوج تحت جناحيها السلوفانية بلمعة معدنية زرقاء . أخذت الذبابة فى محبسها تتلمس مخرجًا .. تتحرك فى اتجاه ، فيصادفها زجاج الكأس ، وتكرر المحاولة فى اتجاه آخر ، ثم فى اتجاهات أخرى ، ولا تكف ، ولكننى سئمت تكرار ذلك . أحضرت بخاخة " البنج الموضعى " ورفعت الكأس قليلا ، ثم أعدتها بعدما رششت بخة كثيفة بداخلها ، ورأيت الذبابة الزرقاء تُجن فى بحثها عن مخرج ، ثم توقفت وبدا أنها تموت . تحركت فجأة حركة دائرية وهى تذبذب مؤخرتها ، ومع كل ذبذبة راحت تضع بيضة .. بيضة صغيرة كرأس دبوس ، ملساء وبلون " الكريم " .. بيضة ، اثنتين ، ثلاث ، أربع ، خمس .. ست بيضات وضعتها . وسكنت .

د. محمد المخزنجى

***

3- جريدة الصباح


وأنا أعبر الطريق إلى الرصيف الآخر حيث الكشك ، تذكرت الرجل الأسمر النحيف بائع الجرائد ، وكيف كانت ميتته صامتة ومنكسرة ، وقلت فى نفسى: لا بد أن الشاب الواقف بمكانه أمام الكشك هو ابنه ، وقد كنت أراه يرتدى ستةر الجل الرمادية الكالحة نفسها ، والرأس مدسوس فى الكاب القديم ذاته.
ضايقنى أن أمد يدى بالنقود طويلا ويتجاهلنى الولد ، وتذكرت الرجل وكيف كان وجهه الطيب يبش لى ، ويحتفى ، ويعطينى ما أطلب - أنا زبونه القديم - قبل الجميع ، ورحت أزفر محتجا متعجلا الولد ، مكررا عليه بضيق: " يالله يا ابنى . يالله يا ابنى " ، واستغربت أنه يمسك الجريدة التى أطلبها ، ويده قريبة من يدى التى تمتد بالنقود ، ومع ذلك يتردد ، ولا يعطينى.
وكمنيتذكر شيئا ذا أهمية ومعنى مر به للتو دون انتباه ، رفعت وجهى ملسوعا فاستبنت الملامح فى سمرة الوجه أمامى ، وعرفت أننى لم أكن مصغيا لصوت الهمس المتوسل الكسير الذى ظل يلح على سمعى كلما تعجلت: " أنا بنت يا أستاذ. أنا بنت. أنا بنت ".

د. محمد المخزنجى

***

4- نافذة قرب الجناح


أشعر بفرح الانعتاق ، فرحا يفعمنى بالخفة ، بالطرب الدافع إلى دندنة لحن حزين بسخرية مرحة : " لما انت ناوى تغيب على طول " . وخالعا حذائى والجورب أروح أستمتع بكلامسة " الموكيت " لباطنى قدمى العاريتين ، بينما أطل من النافذة قرب الجناح .. فى الطائرة قليلة الركاب كأنها خالية ... أرض المطار فى أول المساء ، وعربة السلم تمضى لتنضم إلى صفوف سلالم الطائرات المتراكمة فى الركن .. رجل أمن يتكلم فى جهاز لاسلكى بينما الطائرة تتحرك على المدرج مبتعدة . الآن أوقن فى انعتاقى . الآن سترتفع الطائرة . سأتحرر من هجوم الهموم الكبيرة والصغيرة المتواصلة على إنسان فقير فى العالم الثالث . سأكون فى مأمن من مصير السجن ولاضطهاد المسلط على رقبتى بلا معنى ، كسيف قدرى ، لمجرد أننى اختلفت يوما ، أو أختلف ، أو سأختلف . وترتفع الطائرة فأشعر بنفسى خفيفا كعصفور فى الفراغ النظيف المضىء المحمول على أجنحو الهواء ، ويستبد بى طرب المحبة .. أغازل المضيفات الجميلات بكلام يشبه الشعر ويلامس إيقاع الأغانى ، ثم أعود إلى النافذة ملقيا آخر نظرة على آخر نقطة من حدود وطنى فى الليل : ركام من نقط ضوء الشوارع فى تلك المدينة الساحلية التى أعرفها جيدا وتعرفنى .. مجرة من نجوم إنسانية متواضعة ترتعش وهى تتضائل مع الابتعاد ، ثم .. فجأة يبتلعها الظلام ، فكأنما يبتلعنى .. كأننى أنتزع من عمرى ، أو ينزع عنى عمرى ، ويلقى بى فى ظلام لا نهائى سابح .. لأضيع . أخاف ، وأوارى وجهى فى ليل زجاج النافذة المطلق .. لعله يستر انهيارى ، لو أجهشت فى البكاء .

د. محمد المخزنجى

***

5- السباق


كان يجلس وحده على جوار السائق ، ولم نكن نرى إلا رأسه وكتفيه ، ونحن مزدحمون فى المقعد الخلفى ، ولعلنا لهذا - فى البدء - تضايقنا منه ، ولأنه أيضًا كان يحرض السائق على السرعة ، والماروق من بين السيارات الأخرى . بل إنه شرع فى تحريض سائقى السيارات الأخرى ، على الإسراع بالإشارة ، والتلويح ، وحتى بإخراج رأسه وكتفيه من النافذة والزَّعق بهم . لا ندرى متى - فجأة - أحببناه ، ورغم كل شىء . إذ خفف عنها سأم السفر ، عندما نقلنا بخفة حركته وطرافة تعليقاته ، إلى حالة الموجودين فى سباق على الطريق . وأصبحنا مثله معجبين بالإنسان : العفريت ، المطاط ، الطيار ، الخفيف ، الحلو .. وهذه الصفات للإنسان كلها ، كانت من صنع الرجل ، وهو يتكلم ، ولا يكف عن الحركة . عندما وصلنا ، كان الرجل أول من نطق " الحمد لله على السلامة " ، وكان أول من نزل .. فتح الباب ، وانحنى يشد من دواسة العربة شيئًا طويلا .. عكازًا رأيناه ! تأبطه ومضى يتقافز ولم نر له إلا قدمًا واحدة . ولم يكن هناك وقت لنتبادل ، نحن الركاب الآخرين ، النظرات ، إذ تفرقنا على عجل .


د. محمد المخزنجى
***

6- النوافذ


فى الخامسة - ساعة التتميم فى السجن - يدخل المسجونون زنزاناتهم آتين من ردهات العنبر ، ومن فوق الكبارى والسلالم الحديدية بين الأدوار ، ومن الحوش ، والورشة ، والمخبز ، والمغسل ، والمطبخ ، ويكون عليهم أن يمكثوا وراء الأبواب الموصدة حتى الصباح التالى.
بعد الخامسة تتقطع سبل الاتصال بين البشر المسجونين والبشر المسجونين ، فلا يبقى غير النوافذ .. عشرات النوافذ المتشابهة المتارصة فى حائط الأحجار العالى ، تجاور بعضها بعضا ، وتعلو بعضها بعضا. ثم إن نزافذ سجن الرجال تواجه - بزاوية متسعة - نوافذ سجن النساء القريب.
نوافذ نوافذ نوافذ ، والنوافذ تصفحها قضبان ، والقضبان متقاطعة ، والفجوات بين تقاطع القضبان لا تنفذ إلا الأيادى والأصوات.
تنطلق الأصوات تنادى ، وتمسك الأيادى بالقضبان وتمتد وترفرف فى الهواء الطليق بين النوافذ ، قصى حب :
- يا واد يا عربى ى ى ى
- بت يا بط اااه
- يا واد يا و اااد
- يا واد يا اللى با حبـ اااك
- امتى أشوفك يا عنيه
- امتى أشوفك إنت
- شف إيدى
- فين يا بت ؟ أيوة شايفها. شوفى إيدى أنا - شوفى.
- فين يا واد ؟!
ويشاكس الآخرون الحبيبين بأن يخرجوا أياديهم المئات من بين مشبكات النوافذ ، وتتوه عينا فاطمة عن يد المحبوب ، لكن عربى يتشبث ، فيميز يده بعلامة يحددها لها بصوته ، فتسرع كل الأيادى بتقليد العلامة .. إن حرك يده حركة ، تروح تحاكيها كل الأيادى .. وإن أمسك بمنديل يلوح به ، تخرج كل الأيادى بالمناديل تلوح.
يقلد الرجال صوت " عربى " وتقلد النسوة صوت فاطمة ، فتشتبك الأصوات جميعا ، ويستمر الصراع ضحكا ، وغضبا ، ومسامحة ، وغلظة ، ورهافة ، فى انتظار الليل.
يهبط الليل فتنسحب الأيادى ، وتسكت الأصوات ، لكن العيون تظل خلال الفجوات ، بين تقاطع القضبان ، ترنو إلى الأضواء التى تنبعث من مصابيح شوارع المدينة - التى تبدو الآن - فى الظلمة .. بعيدة.


د. محمد المخزنجى
***

7- يوم للمزيكا


ونادى المنادي:"عمباااار.. كله يسمع.. المزيكا وصلت"، وكان المنادي المسجون مبسوطاً على غير العادة. وكان المسجونون الخمسمائة على أهبة الاستعداد للانبساط بهذا النداء، ودوى العنبر بهدير صيحة طفلية:" هاااااه". كلهم كانوا يصيحون كالأطفال: القتلة، وقاطعو الطريق، وتجار المخدرات، و القوادون ، والنشالون، والمحتالون، لصوص الدواجن، وحتى المتهمون بالتسول.. كلهم صاحوا كالأطفال:" هاااااه". وكانت ملامحهم تشكل صوراً لأطفال كبار بوجوه غريبة تحمل آثار الجروح الغائرة القديمة وظل الشحوب في الرطوبة والعتمة. كانوا في أبهى حللهم وقد زال عنهم ليوم واحد هذا الزي الأزرق الكالح للمحبوسين، حيث بدوا كأطفال ذاهبين إلى سوق العيد: هذا يتباهى بقميصه ذي الجيوب على الصدر، وهذا بحذائه اللماع، وذلك بلاسته الحريرية، و كانوا يتقافزون بتصايح، ويجرون وراء بعضهم البعض في ضحك، ويتخطفون الطعام. عندما قابلتهم فرقة السجانة تأمرهم بالعصي أن ينتظموا طابوري قرفصاء في الحوش ويصمتوا، أطاعوا بطيبة بدت غريبة عنهم. وقرفصوا في طابورين يواجهان طابوراً من أطفال ملجأ الأيتام الممسكين بآلات الموسيقى النحاسية، وصنع العساكر كردوناً يحيط بالطوابير الثلاثة، ووقف المأمور في الصدر يخطب: هنأ بالعيد وأعطى تعليمات بالهدوء وحفظ النظام، ولم يكن أحد يسمعه إذ تعلقت عيون المساجين بوجوه الأيتام، وكانت تسمع الهمسات في طابوري القرفصاء: - لي عيّل شكل اللي في الطرف ده تمام. - وأنا ابني ما يفرقش عن الوله السفيف ده إلا في اللون. - الوله اللي هناك ده شبه أخويا الصغير بلبل. - يا جدع الواد اللي ماسك الطبلة ده الخالق الناطق من أكبر أولادي. و كان أن انتهى المأمور من خطبته وابتدأ العزف... * السلام الجمهوري، وكان الصمت والعيون مشدودة إلى العيون. * لحن الله أكبر، وكان الصمت والعيون مشدودة بالعيون. * لحن خوض بينا البحر، وكان الصمت أيضاً، وأيضاً كانت العيون مشدودة بالعيون وإليها، ثم رن جرس التليفون في مكتب المأمور فانصرف. و حالما غاب المأمور جرى اتفاق سريع بين المسجونين والسجانة وفرقة الأيتام، وتغير اللحن إلى"ميتا أشوفك أشوفك يا غايب عن عيني"، هلل المسجونون، ونهضوا هاجمين على فرقة الأيتام يحملونهم بآلاتهم فوق الأكتاف، ولم يرتبك اللحن بل تناسق يعلو في حمية، وكان العساكر يضربون بضحك، ضرباً خفيفاً " لحفظ النظام"، وبدأ حوش السجن يتحول إلى مرقص صاخب، والمسجونون الراقصون يحمون الأيتام الذي راحوا يخلصون في العزف بغبطة، على حين تدس في جيوبهم عطايا المسجونين من علب السلامون، وقروش قديمة التواريخ، وأمشاط، ولعب مصنوعة من الخشب والورق الملون، وكان يعلو اللحن الحزين الذي ابتهج، وكان يعلو صياح المسجونين الملتاثين بفرحة الرقص، وكان العساكر ينتقلون إلى الغضب والضرب بشدة" حتى لا يسمع المأمور"، ومع ذلك كان يبدو ألا سبيل لتوقيف اللحن أو الصيحات أو الرقص.. أو حتى بعض الدموع التي راحت تذرف خلسة في صخب المزيكا.


د. محمد المخزنجى
***

8- تمارين المودة

وكأنه يصحو على نهار مريع، اكتشف أنه يحيا في دنيا بلا قلب، واكتشف أن كل ما يحيط بـه من ترف وراحة ليس إلا مشروعا لنجاة لحظية وغرق آت. غرق الروح في بحيرة من الموات الأنيق والملون والبراق. وأنه لو ترك نفسه لاندياح هذه الموجات الفاترة في تلك البحيرة فإنه سرعان ما يتحول إلى كتلة لحم خاوية، تجد أقصى لذتها في اللحظات العابرة على الموائد أو ما يشبه الموائد. حتى تلك اللحظات التي تبدو جمالية، ويطالعها عبر جهاز الفيديو الذي لا يكف عن الوميض والطنين، ما هي إلا عنصر مكمل للحظات الموائد أو ما يشبه الموائد. فهي بكل ما يحيط بها من ملابسات، تتحول من دائرة معالجة الجـمال إلى إطار تأكيد الغرق.

قالت روحه: "إني أغرق"، وكانت تتعلق بـأذيال أغنية قديمة، وفوجىء بانبثاق أغنية قديمة أخرى في ذاكرته: "المودة هي ما نحتاجه - الآن - يا صديق". وكاد يهتف مع أصداء تلك الأغنية الأوربية التي تحولت إلى شجو عربي خالص في روحه. لكنه مكث يتساءل: وأين المودة في ذلك التيه من الرمل الملون والبريق؟! وانطوى نهاره على ترجيع لا ينتهي لصرخة السؤال.

في أول الليل، في ذلك البرزخ المشحون بالوجد - بين اليقظة والنوم - تذكر مقولة لا يدري إن كان أنشأها أم أنشأها غيره ليرددها هو باقتناع: "ما تحمله الذاكرة حي، أكثر مما يجري في الحياة ذاتها، لأنه مقيم وليس بعـابر". وراح يلوذ بحنايا الذاكرة. تذكر كثيرين من أهله، وأصحابه. تـذكر الحاضرين هناك والغائبين. وكانوا يهلون عليه من عمق الظلال فيرتعش قلبه لحنان طلعتهم. لقد كان محبا وكان محبوبا من كل هؤلاء. وغمره فرح صاف، فـأخذ يستعيد الذاكرة، ويمعن في تلمس التفاصيل.

غفا بارتياح لم يعرفه من قبل، وفي النهار صحا مبتهجا في غمرة النور، ما أطيب النور - قال مرتاحا - ثم قال: إنه في الليل سيواصل التذكر. سيواصل النداء. لكن - وانتابته برهة من حيرة - هل يقف النداء عند حدود النداء؟ ألن يفضي النداء إلى طلب التلاقي؟


د. محمد المخزنجي

***

9- الجزء والكل


جنرال فى ملابس رسمية .. ومجنون ؟! تساءلت فى نفسى عجبا عندما التقيت به صدفة فى شارع الضاحية الهادئة الكبير. كان مقبلا وانا أمضى ، ولم يكن منتبها إلى إذ تحاذينا على الرصيف ، ورأيته يلعّب ملامحه بشكل بهلوانى ويفتح زراعيه ليحتضن الهواء. ثم إنه راح يمشى مقرفصا مقلدا مشية البطة حتى صار وراء ظهرى. وامسكت عن الالتفات فورا ، حذر إهاجته.
بعد خطوات كثيرة عمدت إلى الالتفات عندما أحسست أننى فى مأمن ، ورأيته فى الوراء .. هناك. كان مقرفصا أكثر وفاتحا ذراعيه على اتساعهما ليضم طفلا صغيرا يجرى أيه فى تهلل .. يتدحرج فى خطو الصغار الجميل الصعب. لابد لنه كان حفيده.
وشعرت أنا بالتأثر ، والخجل.


د. محمد المخزنجى

***

10 - رائحة الشمس

ما نحن - الرجال - إلا أطفال أمهاتنا. مهما كبرنا أو استطلنا تظل أمهاتنا حاملات أسرار لمعجزات نظل نرتجيها. ولقد كانت معجزة أمي أنها تخبئ بعضا من الشمس في ثيابنا المغسولة.
سأظل أتذكر أنها كانت تجمع الغسيل بعد جفافه عندما تبدأ الشمس رحلة هبوطها بعد العصر، وعلى الكنبة التي بركن الصالة ترتفع كومة الثياب النظيفة. وفي هذه الكومة كنت ألقي بنفسي لأغرق في رائحة الشمس، فلقد كانت الثياب النظيفة تلك تمنح أنفاسي رائحة لم تكن في وعيي غير رائحة الشمس راحت كومة الثياب عن كنبة الصالة وغابت إلى الأبد.
وكبرت أنا إلى حد أنه حتى لو ظلت الكومة ما كنت وأستطيع أن ألقي بنفسي فيها.وكل ما أستطيعه الآن هو أن أوصي زوجتي بأن لا تجمع الغسيل المنشور إلا بعد العصر , وبزعم أنني أساعدها في جمع الغسيل ألتقط قطعة منه وأغرق وجهي فيها.
تضحك زوجتي قائلة: "كف عن الوسوسة"، تحسبني أتشمم الغسيل لأتيقن من نظافته، فهي لا تعرف أنني أبحث عن معجزة من كانت تخبئ بعضا من الشمس في ثيابنا أبحث عن عطر أمي.

د. محمد المخزنجى

***

11- حضن


عندما يطبق حزن أيامنا هذه على عنقى بيديه السوداوين ، أنفلت منه وأفر إلى فرحى الأخير : بنتى.
احملها بين ذراعى، وأقذفها عاليا فى الهواء تزقزق ، زقزقة العصافير ، وألقفها تهدل فى حضنى ، هديل الحمام. وأضمها فيتلاشى العالم من حولنا.
لكنها تصرخ فجأة. تصرخ صرخة ألم حادة وتبكى ، فأرتعب مندهشا : ماذا يا حبى .. ماذا؟ وتجيب أمها مقتربة تضحك: قرصتها. أنا؟ كيف؟! فتشرح لى كيف أنى - لا بد- فى لهوجة اللقف ولهفة الأحضان ، ثنيت جلد الصغيرة الرقيق فوق أضلعها ، وضغطت وأنا أضم فكانت القرصة!
تبتعد يمامة روحى عنى ، وتذهب بخطوها الصغير الجميل لتخبئ وجهها فى الحائط ، (زعلانة).
إننى لم أقصد يا حبى ، والله لم أقصد.
ولو فهذا لم يمنع عنها ألما ، وليس يعفينى من الذهاب إليها والركوع.
أركع ، وأصالحها .


محمد المخزنجى

***

12- وسط الزحام

امرأة نحيفة متلففة بالسواد تحمل سلة على رأسها في زحام الشارع التجاري الكبير ، كأنها تراني بظهرها ، وكأنني أطاردها وهي تهرب مني ، إذ كلما اقتربت منها ، عفوا ، وأنا مسرع في طريقي ، تسرع ، تروغ مبتعدة ، وتداري عني وجهها.
إنها أمي!
أناديها: " أمة. يا أماه " وأمسك بها محاولا إنزال السلة ، لأحملها عنها ، لكنها تلوذ مني بالفرار. ما أغرب ذلك! لقد كنت معها في البيت قبل أن يخرج كلانا ، ولم يصدر عني ما يغضبها. ما أغرب ذلك!
ترد يدي بعصبية لتمنعني من أخذ السلة التي ألمح داخلها " قراقيش حبة البركة " التي أحبها مع شاي الإفطار.
تهتف أمي هامسة ، وكأنها توشك على البكاء إلحاحا: " روح أنت يا بني في طريقك. روح أنت " ، وتدهشني إذ ترفع صوتها ، كأنها تجيب على سؤالا لي - لم يحدث - عن مريض أعالجه: " سألت عليك العافية يا حضرة البيه الدكتور. يا أكبر دكتور. علاجك جاب الشفا من أول يوم " ، وكانت وهي تقول ذلك تنفض عن صدر قميصي - بسرعة وحذر - قشة لا تكاد تبين ، ثم وهي نافذة الصبر تهمس ، متوسلة ، دون أن تفلت السلة أبدا: " يا بني روح أنت في طريقك وسيبنى ، هدومي مش قد كده يا ضنايه ".
أشد من يدها السلة ، لكنها - هي الضعيفة ضعف دجاجة عجوز - تغلب يدي ، وتنفلت. لا أعرف هل غيبها عن عيني الزحام الذي أسرعت تغوص بسلتها فيه ، أم حجبها عن بصري ستار دموع طبيب امتياز صغير ، يومها ، مضى . . يجرفه الزحام.


د. محمد المخزنجي

***

13 - فوق سطح ساخن


و أنا أعد شاى الصباح ، لاحظت قطار النمل يتحرك على الجدار القريب ، أمامى. مددت يدى مصوبا سباباتى إلى منتصف القطار، قاصدا مشاكسة النمل، أو ملاعبته، لكننى وجدته فى جنون الفزع - من إصبعى! - يفر فى كل اتجاه، حتى أن بعض النمل كان يسقط عن الحائط. ولمحت نملتين وقعتا على جسم (الغلاية) التى تسخن .. ورحت أراقب النملتين فى المحنة: الغلاية تزداد سخونة، والنملتان تحاولان الخلاص .. إن هما عمدتا إلى الهبوط وجدتا نار الموقد تفتح لهما الفم الحارق. وإن صعدتا حتى الفوهة، يرجعهما الماء الذى بدأ بالغليان يفور. والسطح الذى تفران عليه يسخن.. يسخن..
تتلهوج النملتان فرارا فى كل الاتجاهات، تصعدان، تهبطان، تتصادمان، تتنائيان، تقتربان، ثم فجأة يدركهما السكون!
هل هى لحظة التسليم للموت، أم هى لحظة للتفكير فى مخرج؟
أنحنى مدققا النظر، فألمح النملتين ترتعشان على سطح الغلاية المحمى. إنهما على وشك الاحتراق.
وبينما كانت الغلاية تئز، ويلتهب سطحها، تفاجئ عينى واحدة من النملتين بحركة لابد أنها كانت ذروة المخاطرة بالنسبة لها، إذ تقفز فى الهواء مبتعدة، بينما كانت الأخرى، فى حصار المحنة، تسكن مستسلمة.. تتقلص محترقة، وتتفحم. تصير نقطة رفيعة سوداء، تتلاشي..تتلاشي.
وأبحث عن المخاطرة، التى قفزت من دائرة الموت الأكيد إلى فضاء الهواء المجهول (بالنسبة لحجمها)، فأجدها.
ها هى ذى تجرى -فى الأمان- على رخامة المطبخ.. أمد لها يدى برفق، برفق. تصعد على إصبعى، وأنقلها إلى الحائط، ثم أتابعها ببصرى، وهى تجرى.. تنتظم فى قطار النمل الذى عاد يتكون من جديد.


د. محمد المخزنجى

***

14 - استغراب


طلعت عند "فتحى" و"سناء" ، وكان ابنهما "طارق" فرحا بأن يجيء إليهم ضيف ، يضع لعبه كلها على عربة الشاى ويدفعها أمامه مناديا: " لعب للبيع ببلاش. لعب للبيع ببلاش " ، فنضحك. ونضحك أكثر إذ يلقى فتحى بلهجته الصعيدية آخر نكتة عن الصعايدة: "حسنين جرى على محمدين يقول له: محمدين .. إلحق، أبوك داس على رأسه القطر، فزعق محمدين: تانى".
وامتد حبل النكتة حتى جاء الأكل.
طبخت لنا سناء ملوحية بالثوم المقدوح على شوربة بطة بالفريك، وكان هناك خيار مخلل بالليمون والفلفل والكمون المرشوش، والحلو لقمة القاضي. أكلنا حتى امتلأنا وأتينا على الأطباق كلها ـ وآخر الأخبار العامة والخاصة. ثم سمعنا شريطا لسيد درويش بصوت حفيده.
وتواعدنا، وتواعدنا، ونزلت..
نزلت، وفى الشارع مشيت بتثاقل من شدة التخمة، وكنت أردد بمزاج ناعس أغنية سيد درويش: "والله تستاهل يا قلبى". وهيئ لي أن الأشجار ربما تكون تكاثفت أو تغيرت بشكل ما، والشوارع اتسعن وانتظم شكل المبانى. ثم استغربت لكثرة "الخواجات" فى الشارع من حولى .. البنات الشقراوات والرجال الشقر والأطفال الذين يشبهون عرائس اللعب!
قلت فى نفسي: من أين أتى كل هؤلاء الغرباء؟ ولماذا أتوا إلى هنا؟. ثم بدأت أسمع لغتهم الأجنيبة، وهيئ لي أننى سمعت هذه اللغة من قبل وأحس بإيقاعاتها. وكنت كالمذهول أتطلع إلى وجوه الناس الذين يمرون بى وأمر بهم. وعندما اصطدمت بأحدهم وأنا أمشى بجانبى فى التفاتة حادة، وجدتنى أنطق بهذه اللغة الأجنبية: "معذرة. لا تؤاخذنى".
وأكتشف فى أعقابها على الفور أننى - أنا - هنا - الغريب.

د. محمد المخزنجى

***

15 - فى البعيد


مكثت منكفئا على السطور ساعات كثيرة، ساعات طويلة حتى أن الكلمات راحت تتماوج والأحرف تتداخل، وأفقد شيئا فشيئا الاتصال مع معنى النص، وكأنه كتب بلا معنى .. بلا أى معنى. وكان هو جالسا خلف مكتبه، أمامى، يرتشف كوب الشاى على مهل ويراقبنى. ثم إنه ابتسم، ابتسامة ذات مغزى، وهو يدعونى إلى النهوض بسرعة والإطلال على شيء ما، فى البعيد، عبر النافذة.
نهضت ورحت أرنو من النافذة عبر شفافية الزجاج إلى الخارج، ولم أجد ما يلفت النظر .. نفس التلال الخضراء البعيدة، وذرى الأشجار المتلامسة مع الأفق، ولا شىء جديد فى المنظر. اللهم إلا سحابة بيضاء خفيفة تسبح فى البعيد الأزرق .. تسبح على مهل. ولاشىء جديد.
لاشىء جديد - قلت له ذلك وأنا أستدير عن النافذة، لكنه ظل يبتسم محتسيا شايه على مهل، مهل شديد، مما أغاظنى. فنفضت مقعدى بعنف قبيل جلوسى ، وبعنف شددت الكتاب نحوى.
فوجئت بالكلمات واضحة أوضح ما يكون، والحروف ثابتة جلية، وعاد المعنى يتصل بى .. وأتصل به.


د. محمد المخزنجى

***

16 -حقيبة بلون الشفق والرمل


إليك واحدة من تلك اللحظات يا محمد.. في بيت تشيخوف الذي حولوه إلى متحف. في الصالة التي تفضي إلى غرفته وغرفة شقيقه. هناك إلى جوار الباب يوجد مكتُبًه ذو الطلاء الأبنوسي وعليه غطاء من الجوخ الأخضر، ومصباح بمظلة، وآخر ورقة كتبها. وفي الوسط طاقم جلوس دقيق بديع بكساء من قماش الخام وحواف بنية. وفي الركن خزانة نحيلة من خشب البلوط لها واجهة كاملة من البللور الصافي. وما أن نظرت إلى الرف الأوسط داخل الخزانة - التي كان يستعملها تشيخوف لحفظ أدواته الطبية - حتى .. انذهلت.
تسمرت أمام الخزانة محدقًا، جاحظ العينين لابد، فأعلنوا حالة الطوارئ في المكان، وخضعت على الفور لرقابة مشددة من أمناء المتحف وحراسه. ولابد أنهم ارتابوا في نواياي تجاه محتويات الخزانة التي أدمت التحديق إليها، خاصة تلك الحقيبة التي كان يستخدمها تشيخوف.. الطبيب.
كانت حقيبة صفراء برتقالية،حقيبة من جلد الغزال يا محمد.. تماما تشبه الحقيبة التي حلمت بها منذ ثلاثين سنة، وكانت سببا لصدام جنوني مع أمي المسكينة، وسببًا لاكتشاف لعله هو الذي مازال يبقيني على قيد الحياة.
إن هذه التزامنيات، هذه التوافقات الغامضة بين أشياء متباعدة، هذه التجليات تذهب بلبي يا محمد.. لهذا صرت من عشاق يونج الذي حاول إضاءتها، ومن ثم ساءت علاقتي برؤى فرويد الجزئية المتعسفة. بل ساءت علاقتي براهن الطب النفسي كله، وصرت الآن من أنصار المدرسة المضادة للطب النفسي.. أي أنني الآن ضد مهنتي، مفارقة غريبة، وقد تبدو مربكة، لكن هذه حكاية أخرى.
لقد أذهلتني حقيبة تشيخوف، الصفراء البرتقالية الوردية تلك. ذلك اللون الذي هو خليط من لون الرمل، ولون الشفق في الصحراء، وللشفق لون مختلف جدا عندما تراه في أفق الصحاري.. خليط من البرتقالي والوردي، برتقالي خاص جدًا، ووردي مثله، وكلاهما مثل الصحراء في وضوحها الذي يوحي بالغموض .. بالأبدية .. شيء يشعرك بأنك ذرة في ملكوت لانهائي، بأنك ضئيل ومحاط بالوحشة. ومن ثم تتراجع ثم تتلاشى كل الخصومات الكبيرة والصغيرة في نفسك، ويصير هاجسك ألاّ تضيع وألا يحرقك العطش أو تشويك الشمس. تغدو صامتًا وباطنيًا على الأرجح، وتفرح بأصغر ظل يتحرك بقربك.
إنه لون الشفق في الصحراء يا محمد.. هذا الذي ينتسب إليه لون جلد الغزال، ولابد أن كل جلد مصبوغ بهذا اللون ينسب إلى جلد الغزال. لكنني لا أعرف على وجه الدقة هل كانت حقيبة تشيخوف من جلد الغزال أم بلونه فقط. ولا أعرف إن كانت الحقيبة التي تشبهها تمامًا، والتي حلمت بامتلاكها منذ ثلاثين سنة، من جلد الغزال حقًا أم أنها فقط بلونه. لا أعرف، لكنني على أية حال أتذكر كم كنت أطارد أمي بإلحاحي حتى تلح بدورها على أبي كيما يشتري لي حقيبة من "جلد الغزال".
أتذكر أنني كنت أتبعها بإلحاحي حيثما ذهبت، وفي ذلك اليوم رحت أهددها بأنني لن أذهب إلى المدرسة إلا ومعي حقيبة "جلد الغزال". بل أقسمت لها أنني سأمزق حقيبة "الدمور" القبيحة تلك إن هي لم تعطني وعدًا فوريًا. وكانت أمي عندئذ في ركن المطبخ، أمام "وابور جاز" يطن وعليه حلة نحاسية مسودة يتصاعد من تحت غطائها البخار. التفتت أمي نحوي، ورأيتها كما لم أرها من قبل .. هي العصبية أبدًا، التي تحمل ثقل هموم بيت كبير به أحد عشر فردًا، بطعامهم، وشرابهم، وغسيلهم، وذهابهم، وإيابهم. التفتت نحوي مشرقة بضحكة غريبة، معابثة ومبتهجة، بل لعلها اهتزت بجذل راقصة لي رقصة صغيرة وهي تقول: "ياسلام.. غالي والطلب رخيص.. أول ما يبيض الديك طلبك يتحقق".
وجن جنوني.
لقد كانت تسخر مني إذن، بل وتعني أنني لن تكون عندي هذه الحقيبة أبدًا. مجنونًا طرت إلى الصالة حيث كنا نضع حقائبنا المدرسية على " الترابيزة" الحديدية التي تتحول عند الحاجة من طاولة للمذاكرة إلى مائدة للطعام، والتقطت حقيبتي الدمور. وأمام عيني أمي المدهوشة اختطفت سكين المطبخ، ورحت أضرب الحقيبة. أمزقها. وإذ بأمي تنقلب إلى عصبيتها وتنقض عليّ، تضربني لتمنعني من الاستمرار في تمزيق الحقيبة. واشتعل جنوني.
إنني أعرف تمامًا كيف ينشأ الجنون ابتداء من تلك اللحظة، لهذا أزعم أنني أفهم مرضى الهوس خاصة، ومرضى الهياج الوجداني عامة. فما هي إلا لحظة. لحظة يبرق فيها بارق، ويختلط الصوت بالضوء والحي بالجامد، ويندفق هذا كله باتجاه الإنسان كأنه ينصب عليه من فوهة خلاط جهنمي. ولا ملاذ. لا شيء غير الصراخ، محاولة لوقف هذا الوجود المهروس والمصبوب على الإنسان. صرخت وأنا ألوح بالسكين في وجه أمي فارتعبت، وتراجعت.
أخذت حبيبتي المسكينة ترجع بظهرها، نصف خطوة فنصف خطوة، وسكت العالم يامحمد. هل تعرف هذه اللحظة التي تعقب هطول مطر عنيف.. فجأة تشرق الشمس، لكنها تشرق على دنيا أخرى، مغسولة بفظاعة حتى أنها تبدو مسحورة. تلك كانت لحظة مسحورة، عندما راحت أمي تتراجع أمامي وأنا أرفع السكين. مؤكد أنني لم أكن لأمسها بسوء، ومؤكد أنها لم تكن خائفة مني. لكنها كانت مذعورة لحالي. مذعورة ومحسورة، ولما وصلت إلى الجدار تهاوت مرتكنة عليه. ونبست: "ياربي.. يارب"، وانفجرت في البكاء فانفجرت صارخًا أجري وفي يدي السكين: "هاااااه".
آه يا محمد من هذه الأشياء التي تُحس ولا تُقال ويصعب وصفها. لقد رأيت في لحظة أن أمي غلبانة، جميلة وغلبانة، وأنني غلبان، وأن الغلب كثير وثقيل، وأن الدنيا قاسية. ولم تكن صرختي الجنونية وأنا أجري رافعًا السكين بغير هدف إلا تعبيرا عن ذلك: "هاااااه"، فهي ليست "آه" وليست عاه، بل هاااااه غريبة انطلقت من غياهب صدري وقذفت بي من باب الشقة. وعلى ضوء شعاع ضئيل من بصيرة باقية اتجهت بي قدماي إلى السطح بدلاً من الخروج إلى الشارع. كان لابد لي أن أنتهي إلى مكان ما، وكان المكان عشة الدجاج، وجها لوجه أمام الديك. فهل انت هذه ترتيبة من ترتيبات يونج اللاسببية؟.. ربما. كان عمري عشر سنوات يومها. عشر سنوات، أي ثلاث سنوات بعد بداية القدرة على التجريد لدى الطفل. بداية الفصل ما بين التخييلي، والحلمي، والواقعي. قبل ذلك يتعامل الطفل، تقريبا، مع هذه الأشياء على قدم المساواة. بعدها لا يحدث ذلك إلاّ في الجنون. وأعتقد أنني لم أكن مجنونا يومها. ثم إنني كنت أبكي، أبكي بتوحش وقد قبضت على الديك وأنا راكع وهو بين ركبتّي ويدي اليسرى، بينما كانت يدي اليمنى ترفع السكين. هذه المرة كنت سأطعن، سأطعن حقا، كنت سأمزقه إن لم يستجب لتهديدي: إما أن يضع البيضة أو أخرجها من داخله.
لحظة بدأت هياجي كان ذلك لإدراكي أن أمي تسخر مني. ثم أدركت أنها تسخر من حالنا. وبعد ذلك أدركت أن بيضة الديك الذهبية التي يضعها مرة في العمر، بيضة الحكايات السحرية، أيقنت أنها حقيقية وموجودة في أحشاء الديك الممسوك بين ركبتي ويدي والسكين. كنت سأمزقه أو يضعها. يضعها. والله يا محمد، كنت أصرخ فيه فيرتعش الدجاج الذي تكوم في الركن ينظر بدهشة ووجل. ثم أخذت صرخ بلا زعيق، بغل، وبتحفز، وبشعور رافض تمامًا، تمامًا، لتكذيب وجود بيضة الديك الذهبية تلك.
نحن يا محمد لا نستطيع تخيل إلا ما هو موجود، أو موجود بطريقة ما غير معروفة، وما التخيل إلاّ وسيلة للوصول إليه. ذلك ما يسمونه، ربما، بالنموذج المعرفي الأول.. المطمور في أعمق طبقات النفس. وما الفصل القاطع بين المتخيل والمحسوس إلا محض غرور. تيه فارغ بما نملكه من حواس، قد تستقبل الكثير، لكنها تعمى عن الأكثر. إنني الآن مؤمن بذلك. ومن يومها. يوم رأيت الديك المحاصر يُبدي هذه التحولات الغريبة. وهنا فقط يمكن أن أتحدث عن الجنون، فلو لم أكن طفلاً ورأيت ما رأيت لُجننت، لتحولت إلى ممسوس حتى آخر لحظة من عمري. لكنني كنت طفلاً، وقريبا من العالم المتآخي: عالم المحسوس وغير المحسوس، المتكاملين، واللذين يسفران عن نفسيهما في لحظات نادرة من لحظات القدرة القصوى على الاستقبال. ومنها لحظة الديك تلك.
في العشة التمت الدجاجات على نفسها وتزخنقت، وكفت تمامًا عن القوقأة، بل عن الحركة، وإن ظلت تنظر نحونا - أنا والديك - بعيونها المدورة المدهوشة.
أما الديك فإنه التفت برأسه عدة مرات.. أخذ ينظر إلى بكل عين مرّة.. عيونه الكهرمانية الصافية تلك. ثم انتفش. ووجدت نفسي أوسع له حتى يأخذ مجده. لكن يدي ظلت معلقة في الهواء فوقه وبها السكين. وشيئا فشيئا راحت هذه اليد تهبط مرخية أصابعها، تاركة السكين يقع غير بعيد. كان الديك يشف أمامي يا محمد. في البدء زهت بشدة ألوان ريشه المنتفش. ثم ثبت على هذا الوضع من الانتفاش وتألق الألوان، وراح يشف. ألوان الريش نفسها والهيئة نفسها لكنما تشف. صار ديكا من زجاج حي، ملون، وفي قلب الزيغ اللوني داخله أخذت شمس صغيرة تولد.. تشتعل بلون ذهب هادئ. وما أن تحركت أنا حركة يسيرة حتى اختلفت زاوية النظر، وتبينت دحو هذه الشمس الصغيرة.
كانت لحظة مثل السرنمة، تلك التي تلت هذا التجلي. أتذكر أنني رحت أمد يمناي التي سقطت منها السكين. أمد يدي مبسوطة وملتمسة وتدنو ببطء مسحور. هل استمرت هذه اليد في تقدمها حتى غاصت في الجسم الأثيري لذلك الديك الشفيف وخرجت بالكنز. أم أنه استدار وتحرك ومنحني ذهب أعماقه بطريقة ما. لا أتذكر، ولم أستطع عبر ثلاثين عامًا أن أتذكر. تلك حالة يسمونها النسيان التراجعي، حيث ينسى المرء وقائع ما قبل الصدمة التي ترج الدماغ. ولابد أن استقرار ذلك الألق الذهبي في يميني كان بمثابة صدمة. ضربة خرافية ارتج لها كياني كله وليس دماغي فقط، فنسيت ما استبقها مباشرة. لكنني أتذكر هذا النور الذي خطف بصري وقد نام في كفي. كانت البيضة من ذهب غريب. يشف دون أن يفقد ذهبيته، وكنت أتبين خلال شفافيته ثنيات أصابعي وخطوط كفي. ورغم أنني كنت طفلاً إلا أنني حزمت أمري بغريزة لا أظن إلا أنها تخبئ خبرة سبعة آلاف عام على الأقل. عمر الحضارة المكشوف عنها لدينا نحن المصريين. نعم. ألا ينتابك هذا الإحساس يا محمد، عندما تنظر إلى الأطفال عندنا. خاصة هؤلاء الذين يعملون كصبيان ورش وفي الأسواق، ألا تحس أنهم أطفال عواجيز جدًا؟..
وبخبرة هذا البعد الغائر من الزمن، بحكمة هذا الموروث اتخذت قراري، بل مجموعة قرارات تتعلق بالكنز الذي خبأت سطوعه في أعمق تلافيف ملابسي. فلا بوح. ولا بيع. إنه سري. سري وحدي.
الآن اتحدث عن ذلك حيث صار مستحيلاً العثور على بيضة الديك الذهبية تلك، حتى لو حددت المكان الذي دفنتها فيه. دفنتها في مكان لا يخطر على بال أحد غير طفل أو حيوان من حيوانات الجحور، وتغيرت تمامًا بعد ذلك.. صرت صموتًا وقنوعًا ولا مطالب لي.
كنت على موعد دائم مع كنزي، أتسلل وأقف على مقربة من المكان الذي دفنته فيه، وأغمض عيني مستعيدًا ألق تلك الشمس الصغيرة في كفي، فيمتلئ بها كفي.. تلك البيضة النادرة من الذهب الشفاف، صرت أرى خلال شفافيتها ليس مجرد خطوط كفي وإنما.. صرت أرى خلالها ما أحلم برؤيته وامتلاكه.. كل شيء كنت أطلبه، أراه، أمتلكه بكيفية ما. حقيبة جلد الغزال في البداية، ثم أطعمة وأشربة وملابس ولعب شتى. بعد ذلك صرت أمتلك عبرها كل ما يناسب العمر في حينه.. أجمل النساء، وأجمل المدن، وأجمل السفن، وأجمل السحب.. وأعز الانتصارات. وضروب من الحرية والفرح والتعزي لا قبل لواقع بها.
في كل ما اعترض سبيلي من آلام ووحشة ويأس كان هذا الكنز المخبوء ملاذي. لعلك تعرف يا محمد أنني ضيعت حبين كبيرين، وذقت مرارة الحبس خمس مرات، وقطعت شرايين يدي مرة. وعشت دائما على الحافة. عانيت إحباطات كثيرة، وانهزمت مرات، وغبنت، وأخطأت. ولم أرض عن شكل العالم من حولي أبدًا. لهذا لم أستقر طويلاً في مكان. وحتى هذه اللحظة تمضي حياتي كنوع من الفرار المتواصل. ولا عزاء لي إلاّ إحساسي بامتلاك هذا الكنز، الذي ما أن أستعيده حتى يستوي كل شيء ويدنولي ما أريد.
لقد تم رصف المكان الذي دفنمت فيه كنزي. أفزعني ذلك في البداية، ثم وجدتني أشرق مطمئنا في منطقة أخرى من التفكير، فبهذا الشكل صار الكنز أعمق اختباءً وأبعد منالاً من أن تدركه أي يد. إنه يظل لي وحدي. ولعلي قبل موتي أشير إلى مكانه لأحد ما، إن كنت سأرى مناسبة لذلك. أما إحالته إلى ممتلكات عامة فهي بعيدة عن ذهني تمامًا.. تمامًا. فهناك أشياء لا يصونها إلا الامتلاك الفردي لها. وما كنزي إلا من هذا النوع.
غريبة هي الحقيبة التي ترقد في الخزانة ذات الواجهة الزجاجية في بيت تشيخوف. أذهلني تطابقها مع تلك التي حلمت بها حتى جعلتني استدعي حكاية كنزي ذلك. يا الله. اللون نفسه والهيئة والمقبض الحنون والجيوب الخارجية والأقفال. المفروض أنها حقيبة طبيب لكنها مختلفة عن أي حقيبة لطبيب. إنني على استعداد أن أقسم بأنها الحقيبة نفسها التي حلمت بها يومًا، وقادني حلمي بها إلى اكتشاف ما اكتشفته. وإنني بمقدار يقيني في نظرية وحدة الكون، لا أشك لحظة في أن بارقًا برق - لسبب ما - في الوجود، يوم كنت في العاشرة، ونقل إلى ذهني الحالم صورة تلك الحقيبة النائمة في خزانة ذات واجهة زجاجية.. على بعد آلاف الأميال، وراء بحرين، وسلسلة جبال راسخة، وفي أقاصي قارة بعيدة.
لم أكن قادرًا على شرح ذلك كله لأمناء المتحف الذين لفت أنظارهم وقوفي الطويل أمام الخزانة، وأثار ريبتهم تحديقي في تلك الحقيبة. ولعلهم لمحوا رغبتي الشديدة في أن أتلمسها. ولعلني أنجح في تلمسها يومًا ما. وإنني على يقين أنها ستكون خالية مما يتوقعون وجوده فيها. لن يكون في قلبها النائم إلا بريق لذهب مسحور، لم ينطفئ رغم مرور أكثر من مائة سنة، ولعله لن ينطفئ أبدًا.

د. محمد المخزنجي


***

17- الرجل عند البوابة


الرجل الجميل الباسم الجالس دوما عند البوابة، يتكئ على منضدة أمامه، يبش لي وأنا أدخل، وينتفض محييا كلما خرجت. لا أعرف لماذا يكرهه الآخرون القدامى؟! إنه لطيف بشوش، وهو يقترب من قلبى، وأنا أقترب منه.
هأنذا لا أجيبه من بعيد، بل أتقدم نحوه وأصافحه كلما دخلت وأصافحه عند خروجي .. ويلفت نظري قلمه لا يغادر يمناه والدفتر الملىء بالأسماء والخانات، وتنتشر في سماء ودنا غيمة!
الرجل الكريه القمىء، الدودة المحواه دائما عند البوابة .. يسجل لحظة الحضور ووقت الانصراف، لكل من يدخل أو يخرج .. كم أمقته وأود لو أصفعه أو ألكمه .. بل من الأفضل لو أتمكن من ركله بحذائى أو سحقه.


د. محمد المخزنجي

***

18- نجيب محفوظ الثاني


الصدفة هي التي جعلتني أعرف بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ بعد دقائق من وقوعها، وبرغم وجودي خارج مصر، إذ كنت أتصل بصديق لي يعمل طبيبًا في مستشفى "العجوزة" التي نُقل إليها الرجل الكبير إثر تلقيه للطعنة الغادرة، وأخبرني الصديق منفعلاً بالنبأ المروع. ووصف لي الجرح الفاغر في عنق الرجل الكبير الذي راحوا يهيئونه لجراحة معقدة. وكانت صورة ذلك العنق، التي رأيتها مرات بلا جرح، هي التي أحالتني إلى عنق مشابه تماما لشخص أعرفه في المنصورة التي بادرت أتصل بها.

لم يكن العنق وحده هو الذي يماثل عنق نجيب محفوظ في هذا الرجل الذي كنا نسميه: "نجيب محفوظ الثاني"، فملابسات الإيغال في العمر ويبوس العضلات والنظرة الباحثة في الأفق لضعف البصر والسمع يمكن أن تؤدي إلى هذا التشابه الملتبس في ملمح واحد، لكن العجيب أن تشابها مذهلاً كان يجمع بين الرجلين المولودين كليهما في نهاية العام 1911.

إضافة إلى ملامح الوجه والجسم، كانت هناك الضحكة المجلجلة برغم الإيغال في العمر، ودقة الإيقاع الحيوي في النوم المبكر والاستيقاظ المبكر، والإصابة بحساسية الربيع، ومرض السكر الذي لم يحبط إرادة الجسد أو حيوية الروح.

تشابه مذهل، لم يشذ فيه إلا أن "الثاني" لم يكن يقرأ ولا يكتب، لكنه فنان بالفطرة، ينصب اهتمامه على العناي بالزهور والطيور وإبداع مصنوعات يدوية من الخشب، دقيقة وفاتنة. وخلافا لنجيب محفوظ الذي تزوج متأخرًا، فإن نجيب محفوظ الثاني لم يتزوج قط.

بعد محاولات عديدة- مخفقة على غير العادة- استطعت أن أتصل بالمنصورة، ببيت أصدقائي الذين يعيش معهم نجيب محفوظ "الثاني"، فهو عمهم مباشرة. لم يكونوا يعرفون بما وقع لنجيب محفوظ، وسألتهم بإلحاح- استغربوه كثيرًا- عن العم، فراحوا يبحثون عنه بجدية وأنأ منتظر على الهاتف.

مضت عشر دقائق حتى أبلغوني أنهم عثروا عليه، عثروا عليه في ركن مستور في "مملكته" على سطح المنزل، بين أصص النباتات والزهور التي يرعاها، وأقفاص الطيور والأرانب التي يربيها للزينة، ومخرطة الخشب البدائية التي يبدع عليها مصنوعاته، ولذهولهم وجدوه ملتمًا على نفسه يبكي، لأول مرة يرونه يبكي، بكاء حارقًا كطفل مقهور، وعندما سألوه عن سر بكائه، أجاب وهو يتفطر من شدة البكاء:

"أمي. . افتكرت أمي"!


د. محمد المخزنجي

***

19- البئر


استيقظ مبكرًا كعادته, لكنه لم يخرج من خيمة العريف الخاصة به منشرحًا ويفتح ذراعيه وعينيه وفمه على رحابة المنظر الرائع من حوله: الجبال وهي تتوالى أمام بصره المفتون بتدرجات لونية تبدأ بالأخضر فالزيتوني فالبنفسجي حتي تتبدّى في الأفق البعيد بلون دخان رمادي مزرق. والوديان المتناوبة في العمق تحت هامات الجبال, ومسارب الطرقات الدقيقة التي تدور حول الجبال وتنساب في الأودية. لم يؤد فرحان تمارين الصباح المحتفية بهواء هذه الدنيا الطازج النظيف, وحده, بحمية وابتهاج وضوضاء ذاتية كما اعتاد أن يفعل.

ولم يستدر بعدها رائق المزاج نحو خيمة العساكر الكبيرة ليوقظ أفراد نقطته الحدودية بمرح كما من قبل: (يلّه يا جحش انت وهو.. اصحوا.. البغال صاحية). ولم يعابثه أحد أفراد نقطته خارجًا من خيمته يتمطى ويتثاءب ويقول غامزا: (صحيح يا حضرة العريف.. أنا شايف البغال صاحية.. صاحية من الفجر). ولم يجر صاحب الغمزة ولم يجر العريف وراءه ولم يحدث الهرج المرح الذي عرفته هذه البقعة الجبلية الحدودية كثيرا من قبل.

صحا العريف فرحان غير فرحان بالمرّة. وبغم وتثاقل جمع أفراد النقطة في طابور الصباح وبكمد أبلغهم الأوامر التي عليهم تنفيذها:

- (من المتوقع وصول قافلة تهريب الساعة 12.. والمطلوب إعدام المهربات والمهربين وعدم الاحتفاظ بأي ذرة من أي شيء.. أو الاطلاع على أي شيء.. لا أسئلة ولا استفسارات).

لقد تلقى الإشارة باللاسلكي في المساء فلم ينم إلا خطفًا. وحتى اللحظات التي اختطفها للنوم مزقتها الكوابيس. رأى نفسه يجري مرعوبًا وقد أمسكت بمؤخرته النيران. ورأى نفسه يسند الجبل ببطنه الكبير بينما ثيابه العسكرية المموهة مصنوعة من الفولاذ, وثمة من يخترق الجبل من الناحية الأخرى بمثقاب جبار يتوقع وصوله إلى بطنه بين لحظة وأخرى. ثقوب ونيران لعلها كانت مستوحاة من الأمر الذي صدر إليه, وهو أمر غريب لم يحدث من قبل. فحتى المرات القليلة التي تلقى فيها أوامر بإطلاق النار لم تكن الطلقات المستخدمة إلا من نوع (الرش) لإيقاف المهربين دون إحداث إصابات جسيمة بهم. فالمهربون في نهاية الأمر كائنات تثير شفقة حتى أقسى القلوب, قلوب أصحاب الأصوات الثقيلة التي تصدر إليه وإلى غيره الأوامر من مكاتبها البعيدة. كان المهربون كائنات لا تعي ما تحمل ولا تعي ما يراد بها. مجرد بغال بكماء ذات عناد وجلد. لا يضاهيها أي كائن آخر في شق طرقها الصعبة منفردة دون قيادة بشرية, وبثبات واحتمال فائقين عبر الدروب الجبلية الوعرة والمتوارية عن الأعين. دربها على اجتياز هذه المفاوز سُيّاس بغال محنكون يقطنون القرى الجبلية المتناثرة بتناء بين قمم وسفوح هذه السلسلة من الجبال التي ترسم الحدود بين بلدين. بلد مفتوح على كل شيء في جانب وبلد مغلق على كل شيء في الجانب الآخر. تم تدريب البغال لصالح شبكة واسعة من المهربين بين البلدين برغم اختلاف الأنظمة. في أحد الجانبين يتم تحميل البغال بالبضائع المستوردة والمحظور دخولها في الجانب الآخر. تستمر رحلة البغال نصف يوم كامل حتى تصل إلى أهدافها. في البداية كانت رحلات بغال التهريب تتم تحت جنح الظلام في الليل. لكن عندما تغلغلت الشبكة في نسيج المتنفذين في الحكم لم يعد الليل شرطا لتلك الرحلات البكماء الثمينة. صارت قوافل بغال التهريب تشق دروبها الجبلية في النهار كما في الليل, بل في حراسة النقاط الحدودية نفسها التي كانت تنال نصيبها إما في هيئة مكافآت مالية منتظمة تصل إليها من المهربين سرًا, أو من الإغارة على بعض القوافل التي لا تصدر أوامر واضحة بتركها تمر في سلام, لأنه لم يُدفع عنها , أو لم يُدفع كفاية لمن يصدرون الأوامر. كانت المهرَّبات أشكالا وألوانا وكلها تتزامن مع ما يشح أو يندر وجوده في البلد المنغلق على نفسه. معظمها مما يمنع استيراده من مواد وأجهزة تجدها بوفرة في بيوت أهل السلطة وأصحاب النفوذ. وكثير منها مثيل لما ينتجه هذا البلد نفسه وتُفتعل الأزمات في توافره. أشياء عرفها فرحان بالمعاينة عندما كان يتلصص هو وعساكره على ما تحمله القافلة - التي يُغضّ النظر عن مرورها - عن قرب, أو من خلال نهب القافلة التي يغمزون بمصادرتها, أو يوشون بنهب شيء منها. فأي شيء يمكن أن تحتويه شحنة هذه القافلة التي لا يوحون بتمريرها ولا حتي بمصادرتها. (مخدرات? أسلحة? ثعابين? بلا أزرق?).. ظل فرحان يدور حول نفسه وهو ينبس بالأسئلة, يزفر, وينفخ, حتى أعلن عسكري الاستطلاع عن أول ظهور للقافلة.

كانت الساعة قريبة من منتصف النهار, كما توقعت الإشارة, لكن قافلة البغال وما تحمله على ظهورها كانت لا تزال في الجانب الآخر من الحدود مما لا يسمح بالتعامل معها على الفور. وكان هذا مناسبًا تمامًا ليكمل فرحان تنفيذ بقية الأمر كما صدر إليه: ألا يجعل العساكر يبدلون ذخائر أسلحتهم إلا في اللحظة الأخيرة. جمع العساكر وجعلهم يفرغون الطلقات العادية من بنادقهم ويستبدلونها بذخائر أخرى. وما إن أمسك أحد العساكر بالطلقات قبل أن يعمّر بها سلاحه حتى هتف مروعًا (حارق خارق?) وصرخ فيه العريف: (ولا كلمة ياعسكري.. نفذ.. الأمر يقول لا أسئلة.. ولا كلمة) نعم قالوا: لا أسئلة, وقالوا أيضًا: يتم إطلاق النيران عندما تكون القافلة في (البير)!

أخذت القافلة تقترب على الممر الجبلي العالي الذي يبعد عن مكان تخييم النقطة الحدودية بنحو ربع ساعة. وكان هذا يعني أن تصل القافلة إلى (البير) بعد خمس وعشرين دقيقة. فالممر العالي يدور حول أقرب قمة مواجهة لقمة النقطة, ثم يهبط رويدا رويدا إلى أعمق الوديان قبل أن يعاود الصعود متجهًا نحو ممر آخر يرتفع ويدور حول قمة تالية. النقطة الأكثر انخفاضًا في الوادي العميق هي (البير), وهي تشبه بئرا بالفعل إذ تنحدر فجأة إلى أسفل وتستوي لمسافة قصيرة قبل أن تصعد ثانية في مستوى الوادي. بئر ضخمة يستحيل على غير البغال الخروج منها. لكنها تخرج برغم ثقل الأحمال فوق ظهورها.

تتعثر وتكبو أحيانا وتنهض في أنين لكنها لا تتوقف لحظة عن الحركة إلى الأمام حتى تخرج. والأوامر هذه المرة تشدد على ألا تخرج. والبئر تقع مباشرة في مسقط رأسي تحت نقطة العريف فرحان. هكذا ستكون البغال وأحمالها عندما تصل إلى البئر في المرمى المباشر والأسهل لأسلحة العساكر. لن يكونوا في حاجة إلى تصويب دقيق. فقط يدلون بفوهات أسلحتهم ويواصلون الضغط على الأزند حتى تنهمر الطلقات على أهدافها دون أن تخطئها.

مرّت على فرحان أطول ثلث ساعة في حياته البسيطة الخشنة. إنه آمر نقطة حدودية منذ عشر سنوات. وهو في هذه النقطة فوق (البير) منذ أربع سنوات. لطالما اعتبر نفسه محظوظا بوصوله إلى هذه النقطة. صحيح أنه (دفع) ليُنقل إليها. لكنه سرعان ما أدرك أنه الرابح بلا شك. فالنقطة (عائدها) كبير. سواء مما يصل إليه من نقود في مغلفات بلا عناوين يلتقطها خلسة من عريّف التموين الذي تمر سيارته اللوري لتزويد النقطة باحتياجاتها كل شهر, أو من البضائع المهربة التي يباح له أن يختلس القليل منها عندما تصدر الأوامر بالمصادرة. هو يعرف أن كثيرين يصفون أمثاله بأنهم مختلسون ومرتشون. حتى عساكره الذين لا يحرمهم من بعض ما يناله يتهامسون فيما بينهم بذلك.

لكنه أب لعشرة أطفال ولديه زوجة وأم عجوز مريضة وأخت مقعدة. ثلاثة عشر نفسًا عليه أن يعولهم في قريته البعيدة. لقد استفتى نفسه وأصدر الفتوى: (الخطف من الحرامي ليس حرامًا).. فماذا ينال هو مقارنة بما يناله المهربون الكبار في مكاتبهم الفخمة البعيدة, الكبار الذين ينسقون (اللعبة) كلها. لم ير الأمر إلا (لعبة), لكن اللعبة ستتحول إلى جد مخيف عندما تصل إلى (البير) هذه المرة.

مر ثلث ساعة وقافلة البغال تقترب, وهي في أقصى اقتراب لها ستكون على مسافة خمسمائة متر, ومع ذلك ظل فرحان يحس أن هذه الكائنات المقتربة بأثقالها تنظر بعيونها مباشرة في عينيه. عيون كبيرة فيها طيبة عيون الحمير ولمعة عيون الخيول. كحيلة وعندما ترمش يحس بلمسة رموشها الطويلة لقلبه العاري مباشرة. ذكرته بعيون عياله في القرية البعيدة على ضفة النهر عندما يلتمون حوله في الإجازة التي ينالها بتباعد: أسبوع كل أربعة أسابيع.. ينفق من الأسبوع يومين في الذهاب والعودة ولا يتبقى له مع عياله إلا خمسة أيام لا يبتعدون عنه خلالها أبدا. ولا يكفون عن النظر بعيونهم مباشرة في عينيه إلا عندما يغمضون للنوم. لم ير خلال الدقائق العشرين برغم سطوع الضوء وتغيّر المنظر غير عيون كائنات القافلة المتجهة نحو (البير)..

لم ير سلسلة القمم التي تضيئها شمس الظهيرة فتتألق ألوانها بتنوع خلاب يكشف عن أطياف ألوان صخورها العارية التي نحتتها الرياح وغسلتها الأمطار وشقتها يد الزلازل السرمدية: طبقات لونية تتتابع من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل, وردية وشهباء, وضاربة إلى الزرقة,وثمة مساحات خضراء خضرة مشرقة حيث تتكون مروج معلقة في جروف الجبال بالمواضيع التي تسيل منها عيون الماء. لم ير خطوط الدروب والمدقات والممرات الطويلة التي لونها الضوء ببياض ضارب إلى الحمرة وهي تلتف وتصعد وتهبط في تواصل طويل جميل خلال هذه الدنيا الجبلية. لم ير السحب البيضاء الخفيفة التي تمر قريبة يكاد يمد يده ويلمسها. لم ير أصفى زرقة لأنقى سماء فوق تلاوين الذرى السامقة. لم ير إلا تلك العيون الكبيرة الكحيلة طويلة الرموش تنظر إليه في عينيه. وبأسرع خمس دقائق مرت عليه في هذا المكان, وجد قافلة البغال تهبط كأنها تنزلق انزلاقًا في (البير) الذي احتواها جميعًا. وقدّر وهو غائم الذهن أنها أكثر من عشرة. وجد عساكره المصطفين على الحافة يمسكون بأسلحتهم في وضع الاستعداد وينظرون إليه في صمت متسائل. رأى عيونهم تقترب وكانت عيون الكائنات البكماء في البئر تنظر إليه أيضا وتقترب. شعر بدوار, وفزع أن يتهاوى ساقطًا في البئر الممتلئة بالعيون فانطلق صوته كأنه يصرخ من غياهب صدره العريض الأشعر طالبًا النجدة: (سلاااااح). ولم يتبق إلا أن يكمل أمر إطلاق النار.

(اضرب) - قالها في أعقاب صرخة التهيؤ العالية التي هزت عساكره, لكن بأخفت صوت يمكن سماعه, وكأن الكلمة انحدرت من فمه دون إرادة منه (اضرب) خافتة وبائسة لكنها كانت كافية لأن تلتقطها آذان العساكر التي أرهفتها الصرخة السابقة, وانهمرت الطلقات.

في البئر راح مطر الطلقات الحارقة الخارقة يشعل أتونا تغلي فيه البغال بينما تثقبها وتكويها تلك المقذوفات الجهنمية. جعلها هذا الغليان تدور دون أن تبتعد عن قاع البئر فتصطلي بمزيد من الطلقات. تهوي الأحمال عن ظهورها وتنفك أربطتها وتتمزق الصناديق فيؤجج ما بداخلها النار. كان ثمة ما يغذي النار في هذه الصناديق فيجعلها نارًا وحشية تشوي البغال المنتفضة حتى آخر أنفاسها.

لم يستطع فرحان أن يحذر ما كان بداخل الصناديق. ولم يستطع العساكر. لكن دوامة حامية من لظى النار وسحب الدخان أخذت تدور في جوف وهدة البئر.. تدور وتدفع إلى الأعلى.. إلى الأعلى بدخان رمادي ورائحة لحم يحترق وبقايا أوراق متطايرة, متفحمة أو لم يكتمل تفحمها, وصلت إلى حيث تسمر العريف وعساكره.. كانت بقايا صفحات من كتب أو من نُسخ عديدة لكتاب واحد. وكانت ما إن تستقر بين الأصابع الفضولية المتشنجة حتى تتفتت, ولا تمنح المحدقين والممعنين فيها إلاّ هشيمًا من أحرف لم تكمل جملة, ولا حتى كلمة واحدة تدل على شيء.


د. محمد المخزنجي

***

20- أصابع مجنونة


المرأة المجنونة المشعثة كانت رائقة تلهو بمجموعة من علب البلاستيك الصغيرة الشفافة متدرجة الحجوم، راصة هذه العلب بتقاطر على سياج خفيض لحوض زهور جلست متربعة على حافته، تجعل العلب في تعاقب أفقي مرة، ومرة في تصاعد رأسي، كأنها تصف عساكر من الوهم، أو تبني عمارة في الخيال، لكنها فجأة- كما لو كانت ترى بعيون خفية في مؤخر رأسها- التفتت وانقضت على يعسوبين ملونين كانا في حالة اتصال حميم فوق زهرة من زهور المنتور الأبيض وراءها، فكأنني أرى ميدان التحرير لأول مرة.

جنون! وهل هناك جنون أكثر من تصور عشب ندي وزهور يانعة حقيقة وكائنات ملونة في اتصال حميم، على زهرة، وسط طاحونة هذا الميدان المزدحم الذي يتوسط إحدى أكثر مدن العالم ازدحامًا؟ جنون. وبلمسة جنونية صغيرة صادت أصابع المجنونة اليعسوبين المتصلين، معًا، في لحظة واحدة.

انكسر طوق الالتحام الحميم لليعسوبين بين الأصابع، العظمية المتسخة والتي توحي- هذه الأصابع- بأنها من خشب رميم- ثم راح اليعسوب وأنثاه يتأودان بعسر وتند عنهما نبضات مكتومة من حراك الأجنحة الشفافة بينما الأصابع المجنونة تحشرهما في أكبر العب، وتتابع الحشر.

في العلبة الأكبر راح اليعسوبان يدوران حول نفسيهما في خليط من المواساة والحيرة، وفي العلبة الأصغر أخذا يلوبان لصق الجدران في رغبة انفصال واضحة رغم تلامسهما، كأن كلاً منهما يبحث لذاته، ذاته وحدها، عن مخرج. وفي العلبة التالية في الصغر سكنا حتي بدا أنهما قد ماتا، لولا إشارة وانية جدًا من جناح مرتعش، وكنت أنتظر سكونهما النهائي في العلبة الأصغر.

لم يسكنا داخل أصغر العلب التي حشرتهما فيها أصابع المجنونة حشرًا، تشوه جسداهما المعلوكان معا، وراحا يغليان في حراك دائب ليخلص أحدهما بدنه من بدن الآخر، ثم، وبانقضاضة مباغتة بدا أن الذكر ياهجم أنثاه، بل راح يقطعها، يقطعها ويقطع ما تفرق منها حتى باتت ذرواً من تراب، يتطاير حوله في الفضاء الضنين، ويتطاير تحت أقدامه وقد بدا أنه يرقص. . رقصة مجنون في غبار نصفه الراحل.


د. محمد المخزنجي

***

21-اقتراب


للمرة الألف أحاول. أسافر إلى تلك المدينة، وأرتب أن أصل إليها بعد منتصف الليل، وأمضى إلى ذلك الركن. هذا هو الشارع، وهذا هو البيت، وهذا أنا، وهنا كل الأزمنة التى تنتظر عبورى إلى واحد منها أهفو إليه.
أثق أننى سأنجح يوما، عندما ينام الناس ولا تسهر غير المصابيح المرتعشة فى الشوارع. أمضى وحدى فوق الأسفلت الخالى، أتذكر، وأمعن فى التذكر، وأستحضر الذى كان.
هذا هو البيت، وهذا هو الطابق، وهذا هو الشباك. موصود الآن، نعم، لكنه سينفتح، لتطل منه، فيما أكون هناك، فى ذلك الزمن البعيد، فى هذه البقعة من الشارع، تحت البيت، تحت الشباك، وتحت إطلالة وجهها الحبيب.
الزمن الذى يمضى إلى الأمام، محولا المستقبل إلى حاضر، والحاضر إلى ماض، يمكن أن يتقهقر أيضا ويعيد إلينا ماضينا إذا كنا نريده بقوة. وأنا بأقصى قوة للاستوحاش أريده.
للمرة الألف أحاول، فى الوقت السرى الذى كان بيننا، من الثانية بعد منتصف الليل وحتى قبيل الفجر، أحاول بإخلاص، ولن أقول إننى فشلت.

يكشفنى نور الصباح الفج، نور الزمن الأحادى الحركة، الذى لن يفلح أبدا فى إقناعى بأنه الاتجاه الوحيد لسريان الزمان.
لم أفشل، بدليل أننى أخرج من هذه المحاولة معبأ بكل هذا الحنين، مما يعنى أننى اقتربت من ذلك الزمن البعيد المنشود.
اقتربت لحد التلامس الذى يغرى بمحاولة أخرى. ولن أكف عن المحاولة، لأننى لو كففت، يا حلمى، أجن، أو أستسلم للموت الذى اختطفك منى فى عمر الصبا.



د. محمد المخزنجي

***

22- عاشق


نباتى، لا يأكل اللحم ولا البيض، لا يشرب الحليب، لايتعاطى أيا من منتجات الألبان، ويتجاهل وجود النساء تماما، منذ ثلاثين سنة، لهذا بقى أعزب، بينما يقترب الآن من الخمسين، ولا أحد يعرف تفسيرا لفرط أناقته التى يوليها أقصى اهتمامه وينفق الكثير عليها. منذ ثلاثين سنة كان عاشقا فى عمر الصبا لصبية تماثله فى العمر، صغيران يهيمان كل منهما بالآخر، هيام أول الهمس وأول اللمس وأول النشوى وأول التحليق وأول الخصام وأول الصلح بعد الخصام، خصام سريع وصلح سريع مثله. كانا فى زهرة العمر. يومها تخاصما فى الطريق، فتركها تمشى أمامه كسيفة البال بانكسار وحزن، وانعطف هو يبتعد عنها فى طريق جانبى، لكن قلبه لم يكف عن التقافز فى صدره رغبة فى اللحاق بها، فكان يمشى خطوتين ويتوقف ويستدير مفكرا فى اللحاق بها، لكن عناد الصبا كان يغالبه، يسرع باتجاهها خطوتين ثم يتوقف، يكابر ويكرر الخطوتين ويتوقف، ويتوقف أخيرا فيبهته المنظر.

رأى الشارع الذى تمشى فيه وقد امتلأ بالبقر، قطيع من البقر الأصفر المهرول فى هذا الشارع المؤدى إلى المسلخ، حيث يساق القطيع إلى الذبح، يهرول باتجاه الذبح ويفيض على جانبى الطريق ولا يترك للماشين فى الشارع إلا فرصة الالتصاق بالحيطان فوق الرصيف. لسعه خاطر أسود، فجرى حتى دخل الشارع ليرى كم هو بعيد امتداد سير هذا القطيع، ويراها هناك فى نهر الشارع شاردة غير منتبهة لما يتدفق وراء ظهرها. ويصرخ مناديا إياها أن تصعد إلى أقصى الرصيف وتلتصق بالجدران. سمعته لكنها لم تتبين مايقوله لها عبر هدير زحف البقر، وفاجأها تقدم القطيع نحوها فارتبكت، وبدلا من أن تلوذ بأقصى الرصيف اندفعت فى ارتباكها صارخة إلى وسط الشارع. صرخت تناديه باسمه وهى تغرق بين أمواج البقر الكاسحة، وصرخ يناديها باسمها طالبا منها أن تجرى إلى الأمام وتتجه إلى الأجناب، لكنها كانت تهوى صارخة باسمه، وهو باسمها يصرخ ويشق موج البقر إليها بسن قلم لم يكن معه وسيلة غيره. كان يطعن أجناب البقر لتفسح له الطريق فتضطرب الأبقار فى هرولتها مطبقة عليه، تسحق جنبيه وهو يطعن بجنون، فيستحيل سن القلم إلى شفرة ماضية.
تصبغه دماء البقر، ويشعر بتحطم أضلاعه وهو يواصل الصراخ باسمها فلا ترد، ولا يبصر فوق رءوس الموج البقرى أى أثر لها.
مضى قطيع الأبقار المهرولة إلى الذبح وانجلى الأسفلت عنها أمامه، كان يسعل دما من حطام أضلاعه التى تطعن رئتيه، فيختلط دمه بدم البقر المطعون، ثم يختلط دمه بدمها بدم البقر إذا يراها وقد انسحقت على الأسفلت ملطخة بالطين والدم والروث.
نسيت أن أذكر إلى جانب نباتيته، وأناقته المفرطة، وإعراضه عن النساء، أنه يبدو على الدوام وكأنه منقوع فى العطور، أقوى وأغلى أنواع العطور.



د. محمد المخزنجي

***

23- غابة الصنوبر


أرانى كما أنا، فى الكويت صيفا، حيث درجة الحرارة فى الشارع تجاوزت الخمسين درجة مئوية، أستلقى فى شقتى المكيفة فى الطابق الثانى، على السرير الذى اخترته عاليا ومجاورا للنافذة المسدلة عليها ستارة سميكة رمادية وزرقاء الورود، أستلقى فى ضجر.
دافع غامض يقودنى ليس إلى مجرد إزاحة الستارة فقط، بل إلى فتح النافذة ذات الزجاج «الفيميه» الداكن على مصراعيها. وتندُّ عنى شهقة ذهول إذ أبصر ما تُطل عليه النافذة.
جذوع وأغصان أشجار صنوبر فى غابة شمالية، أقف على حافة النافذة وأتعلق بأقرب جذع لأهبط نحو أرض الغابة. ومن مرقاى العالى أتعرف على هذه الغابة المطلة على بحيرة يرتادها البط البرى عند أطراف مدينة بعيدة.
فى هذه الغابة استلقيت على العشب الطرى يوما، أنعم برقة الظلال ورؤية مراوح الأغصان عند الذرى الشاهقة، أصغى لصدح الطيور، وأتذوق عسل الحب فى أريج الغابة.
ثمة هاتف يُسرُّ لى: من كنت تعرفهم لم يعودوا هنا، ليس ثمة داع لهبوطك. وألاحظ أن الغابة صامتة بلا هسيس للعشب أو طقطقة للأغصان أو شدو للطيور.
أرجع، وما إن أستقر قانطا على حافة النافذة حتى تختفى الغابة، ثم أفزع على أصوات جمع من العمال الهنود والبنجلاديش والصعايدة فى الشارع، يشيرون إلى نافذتى صائحين: «المجنون.. سينتحر.. سينتحر».
إنهم يتصايحون من جحيم الشارع المكشوف للشمس، من هواء حرارته تجاوزت خمسين درجة مئوية، يهب لافحا وجهى فأتراجع إلى الخلف، إلى الخلف نحو هواء الغرفه المكيف. أغلق النافذة، وأشد عليها الستارة الرمادية زرقاء الورود، أستلقى على السرير العالى، أبكى ـ بلا صوت وبلا دموع ـ ضياع غابة الصنوبر.



د. محمد المخزنجي


***

24- إلعب.. بجد


لم أستطع احتمال جيَشان عواطفى فانهمرت عليه، أقبل رأسه وأنا أضمه وأضغطه فى صدرى. مازال صغير الحجم برغم استطالة عوده، ومع نحافته وجلسته المحتبية التى تعود عليها منذ صغره، كنت أستطيع استيعابه كله بين ذراعى وهو إلى جوارى على كنبة الصالة.
كان لدهشته من انفعالى هذا المفاجئ والعاصف يردد مندهشا ومسرورا: «بابا مالك.. بابا». وبصعوبة شديدة تحكمت فى دموع تأثرى وأنا أختلس النظر إليه.

كنت أقرأ وهو جالس إلى جوارى يشاهد التليفزيون فى صمت، صمته الشفّاف هذا الذى يركن إليه بين موجات الصخب التى لا يكف عن إثارتها فيبدو كأنه كائن آخر، وبينما كنت أقلب صفحات الكتاب حانت منى نظرة عابرة إلى ما لفت نظرى على قصبتى ساقيه اللتين انحسرت عنهما أرجل البيجامة وهو فى جلسته المحتبية تلك، يضم ركبتيه إلى صدره...
كانت هناك شعرات طالت وتكاثرت على هذا الجزء الظاهر من ساقيه، ساقى صبى يوغل فى يفاعة العمر، وتذكرت بما يشبه التماعة نجم فى سماء الذاكرة تاريخ ميلاده، تذكرت ذلك بدهشة، فطفلى هذا يقترب الآن من السادسة عشرة، وبعد سنوات قليلة سيصير شابا.. يحب، ينتشى، ويتلوّع، ويفكر فى مستقبله، يحلم بعالم خاص به لا أشاركه فيه، وربما أكون غير قادر على مشاركته فيه.

سيكون عليه مواجهة العالم منفردا، بدونى، بدون حمايتى، فى أركان عديدة من زوايا هذا العالم التى سيتعين عليه أن يمضى إليها وحده، وهناك لن يمكننى أن أواصل حراسته ولن يجدى حدبى عليه.
وربما لا أكون موجودا، أو موجودا وأُضاف إلى الأعباء التى سيتعين عليه حملها من أثقال عالمه الجديد، عالم الرجال...
أقبل رأسه، كتفيه، أضمه، وأتمتم «ياحبيبى.. ياحبيبى»، وهو يتفلَّت مخافتا ضحكته، خجلا، ومستغربا هجمة عواطفى المفاجئة هذه، يردد: «بابا.. فيه إيه.. فيه إيه»، وفى تفلُّته أحس بسروره من نوبة هذه المحبة، وخجله من الاستسلام لها، خجل بين استكانة الطفولة التى تمضى، ونزق الشاب الذى يجىء، وأجد نفسى أمامه أجمد فى ارتباك...
ينفك جمودى إذ ألمح سانحة للخروج من الارتباكة، فأهتف معليا النبرة: «تكاسرنى»، وبسرعة يرد طفلى اللعبى الذى أعرفه: «ياالله حالا»، وأجده فى ثانية متخذا مكانه على مائدة الطعام يشمر ساعده ويركِّز كوعه مجربا قبضته المتحدية المرفوعة فى انتظار قبضتى....
سوينا ارتكاز مرفقينا على خط واحد، والتقت كفى بكفه التى اكتشفت نموها وإن ظلت قابلة للاحتواء داخل قبضتى، واهتزت قبضتانا مراوحتين فى ارتفاعهما المتشنج، لحظة، لكننى عندما أرخيت لأتيح له انتصارا سهلا لطالما كان يصدقه ويهلل به ويفرح، وجدته يصيح بحزم صوت يفاجئنى اخشوشانه: «بابا.. إلعب بجد»...
قاومت بين لين وشدة، واكتشفت قوة بازغة فى الساعد المستقوى الذى طالت بعض شعراته، والتقت أعيننا المتواجهة بصرامة، واحترت.. هل أمضى فى التحدى، أم أوثر الانسحاب؟ لكننى اخترت إعلان التعادل بنشوة مرتعشة وتطلع آمل، مقرا بأنه.. كاد يغلبنى.


د. محمد المخزنجي

***

25 - نهار سعيد


استيقظ مبكرا تشمله بهجة مسحورة، وراح يدندن نشوان، نشوة غامرة العذوبة: «الشمس طلعت من بعيد ـ جايه ومعاها يوم جديد ـ يجعل نهارنا نهار سعيد.. نهار سعيد»، وكان وهو يطلق عقيرته بالأغنية يوقظ زوجته بقبلات حنون خاطفة، ويوقظ الأولاد بقبلات مثلها ومشاكسات مرحة.
وبعدما أكملوا استيقاظهم فرحين مستغربين، أعد لهم إفطارا من فول ساحر بخلطة لعبية، وشاى بحليب راقص، وخضار يانع مقطع بدلال، ومرصع بحلقات طماطم مجنونة بالفرح.
على مائدة الطعام العامرة بالبهجة والحب، شاكسته زوجته باسمة: «إنشا الله خير.. ياريت تصحى كل يوم كده». فعابثها ضاحكا: «مهما كان السبب»؟ أكدت متدللة بتحد: «مهما كان السبب». وطوى فى ابتسامة صامتة عطوف، سر لقائه البهيج بالأمس.. مع حبيبة الصبا البعيد.. فى حلم!



د. محمد المخزنجي
***

26 - سيــل الليــل


- 1 -

هو الذي بدأ ذلك مفاجئا إيانا في منتصف الليل. منتصف ليل ديسمبر البارد شديد البرودة في العنبر الكبير من عنابر سجن الخليفة الموحش والمرعب كأنه خرافة قديمة استيقظت في زماننا. الحيطان الحجرية العالية والطاقات المدورة الضئيلة قرب السقف البعيد. المصاطب الآجرية لصق الحيطان والأرض المدكوكة والمسفلة بالقار، ثم البوابة التي تشبه في صعودها وهبوطها المقاصل... من القضبان التي تتجه رءوسها المدببة إلى أسفل كحزمة من الحراب ترفعها جنازير حديدية وتخفضها نفس الجنازير. وتحدث في حركتها صريراً بشعاً خاصة عندما يتم فتحها في منتصف الليل مثلما حدث.

ورأيناه فوق رءوسنا وسط حشد من عساكره.

كان نحيفاً وبعيداً عن تأنق الضباط في ملابسهم الرسمية رغم أنها نفس الملابس. بها شيء ما كأنها غير مكوية رغم أنها مكوية، أو ضيقة أكثر من اللازم رغم مناسبتها لقوامه النحيف. شيء ما كان بها. ثم إن عيناً من عينيه كانت مشدودة الجفن السفلي قليلا إلى تحت من أثر اندمال جرح عميق وكسر بالعظم الوجني كانت عيناً مرعبة، وكان على العموم يوحي بالرعب حتى أنني توقعت أنه جاء ليلتقط بعضا منا ليتسلى بتعذيبهم في هذا الليل، وقد كان ذلك وارداً في تلك الأيام التي أطلقت فيها الأيادي الخرساء. لكنه لم يكن ينتقي. لقد أخذ يطوف بنظراته فوق رءوسنا ونحن قعود على الأرض ثم ينظر إلى الحيطان والأركان والسقف، يتشمم، ويعيد التشمم ويبدي امتعاضه ثم يسأل: لماذا الرائحة كريهة.

أمر بألا ننام حتى يتم تنظيف المكان وتختفي الرائحة.

أي رائحة في هذا المكان الشاسع ذي السقف البعيد شديد الارتفاع وكأننا في عنبر أحد المصانع.

أي رائحة يمكن أن يطلقها هذا البرد القابض على كل شيء.. الحيطان والأرض وأجسامنا المكومة والمرتجفة على عري هذه الأرض. وقد كنا أكثر من خمسين إنساناً لا يطلب أحدهم أن يذهب إلى المرحاض إلا نادرا حتى لا يتلقى بعض الضربات مقابل الاستجابة لطلبه الغريب، هذا إذا تمت الاستجابة إليه وهو ما يندر حدوثه. ثم إننا كنا قليلا ما نأكل أو نشرب في هذا السجن الغريب الذي لا يعترف بأن البشر يأكلون ويشربون، ربما لأنه سجن "ترانزيت" يمر به السجناء العابرون من سجن إلى سجن أثناء ترحيلهم في انتظار نقلهم إلى محافظاتهم البعيدة. سجن الأيام القليلة المفزعة الذي يأتمر بأمره هو المأمور صغير السن والرتبة.

وقد أمر بالماء بعد منتصف الليل البارد فجيء له بالماء.

خرطوم الحريق الهائل مدوه حتى قلب العنبر وأمسك هو "بالباشبوري" وراح العساكر يرمون فوق رءوسنا الدلاء وقطع الخيش وهم ينتهروننا ثم أمر بفتح الماء. فانفتح الجحيم. أي برد سائل ومندفع ومطرطش ولادغ بمباغتته في كل الحالات وكان يكنسنا أمامه. كان يوجه الماء نحو أحد الأركان فيرتد الماء متسارعا كأنه سيل يجرف من لبثوا في أماكنهم. ثم يغير مكان انصباب الماء فيأتي السيل من الجانب الذي هربنا إليه وتندفع كتلتنا إلى مكان آخر حتى لم يعد هناك مكان لا يتدفق إليه الماء غير المصاطب التي وضع العمال عليها أشياءهم، ولم يعد من خيار إلا التمرد أو التقاط الدلاء وقطع الخيش وتجفيف المكان ونقل المياه إلى المرحاض الذي فتحوا الطريق إليه. وما بين الأمرين وجدت نفسي الشخص المسئول عن الاختيار خاصة وقد بدأت نذر التمرد من الشبان الصغار قليلي الخبرة الذين جيء بهم من المطارات إلى السجن الذي لم يتوقعوه لفقد جوازات سفرهم أو الالتباس في أسمائهم أو غير ذلك.

كانوا صغاراً بينهم من لا يتجاوز السابعة عشرة. خبازون ونجارون ونقاشون وعمال بناء قضوا فترات في الغربة كدحوا فيها وعادوا ببعض المال وبعض الأشياء التي ظلت معهم وكدسوها على مصاطب العنبر: تليفزيونات وأجهزة تسجيل وقطع أقمشة وهدايا للأهل. وكانت هذه بالذات هدفه القادم لو حدث تذمر إضافة لالتقاط من يمكن التقاطه من المتذمرين للتعذيب. ولقد بدأ التذمر زفرات وشتائم مكتومة ودفقات بكاء أيضا وكان عليّ أن أسرع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كان عليّ أن أقودهم أنا من يكره أن يقود أو يقاد. وإذ بخجلي المستعصي أمام سيل الماء ينجاب وأتقدم لالتقاط أول دلو وأول قطعة خيش واستنفر الشبان للعمل، ولم يترددوا إذ أحسوا بأن تصرفي هذا ينطوي على حكمة ما ظنوا أنهم لن يدركوها سريعا وراحوا يلتقطون قطع الخيش والدلاء تباعا وفي ازدياد.

وبدأت أجد وسيلة لقتل السأم في هذا الليل بهذا العمل. يندفع الدفء مع الحركة حتى يبلغ طرف الأطراف ولا تحس ببرودته أقدامنا التي نعريها له ولا أيادينا العارية. ويصير الأسفلت البارد والمبلول مدغدغاً بلطف لبطون أقدامنا ثم تبدو الرحلة من العنبر إلى حيث ندلق ما جمعنا من الماء في المرحاض مثيرة. قطار ذاهب وآخر عائد على أرض الدهليز المبلطة بالبازلت. دلاء تتقارع وصيحات تتعالى وأقدام تلبط ومياه تبقبق ويشتعل الليل بحرارة لم يكن أحد يتوقع مصدرها. ويبدو لي سيل الماء الذي يدفعه نحونا في مثل هذه اللحظات وكأنه يصيب واديا عطشان في صحراء قاحلة فيحييها بالخضرة. وكان قد بدأ يدرك نشوتي فيوجه الماء خاصة نحو قدمي وينفعل وهو يفعل ذلك حتى ينحني ويفتح فمه على صيحة لا يطلقها عندما يدرك موقعه كمأمور سجن في مواجهة مساجين. وفي هذه البرهة من فتح فمه أرى ما أرى فينقلب كياني.

تخمد نشوتي وتتغير رؤيتي للسيل وله. وأنشق إلى الشيء ونقيضه...

- 2 -

رأيت لسانه المعضوض عميقا وكثيرا فعدت أنظر إلى جرح وجنته واكتشفت أثر جرح هناك عند الحاجب وثالث في بروز الجبهة ورابع على جسر الأنف.. آثار جروح متهتكة ومندملة. هذا شخص وقع على وجهه وتكرر وقوعه على هذا الوجه ولا بد أنه وقع بكامل طوله غائبا عن الوعي حتى لم ينج من أثر الارتطام بالأرض إلا ما كان غائرا منه.

هذا مريض بصرع مزمن تواتيه نوبات صرع كبرى. وضع الطبيب في داخلي تشخيصه وأسرع السجين المعني في ذاتي يلتقط خيط هذا التشخيص ومن الطبيب يشده.

ولم يعد السيل سيلا يجري في وديان صحراوية عطشى فيحييها بالخضرة. صار السيل قسـوة غبية تندفع محطمة البيوت وتقتلع الشجر وتترك الأرواح في العراء. وارتفعت في جانب من النفس ضرورة وقفه، بل أقسى: إمكانية تحطيمه. وكان الطبيب في الجانب الآخر من نفسي يترو!. وهو، كعهـده، ظل يظهر فيما بعد منتصف الليل. ترتفع البوابة المقصلة ونراه فوق رءوسنا ثم يأمر بالماء ويندفع الماء، وأندفع أنا... بل يندفع نصفي السجين. صارت العبارات التي كنت أوجهها لإحماء همة زملائي الصغار موجهة لإصابته... وكنت أفتعل الاستمتاع أقصى الاستمتاع بجمع المياه من فوق الأسفلت، يوجه نحوي تيار مياهه الجارفة فأعلن تهليلي ببركة المياه وأشمر. أجمع المياه "بفلة" الخيش في حمية وتسارع، وأعطي لتسارعي إيقاعا كأنني أرقص في حراكي وهو يجن. يصوب نحو قدمي فأتهلل. نحو يدي فأتهلل أكثر. وتتجادل عيوننا النظرات المحرقة. أعرف أنه يغلي وهو يعرف أنني أؤجج فيه النار لكنه لا يدرك هدفي. هدف نصفي السجين، أن أشحنه بأقصى الانفعال حتى ينفجر... حتى يدخل في النوبة، يرتعش (باشبوري) المياه بين يديه ثم يطلق صرخة الصرع المرعبة قبل أن يهوي بطوله على الأرض. على مرأى من عساكره المأخوذين والمساجين الذين سيربكهم الأمر. يهوي متشنجا في مياه السيل التي أطلقها ثم ينتفض وينتفض وينتفض. يعض لسانه حتى الإدماء ويبتل حتى عظامه.

وكان الطبيب داخلي في فزع.

الطبيب الذي ردد قسم أبوقراط في حفل التخرج ويهزه تعبير شرف المهنة. شرف مقاتلة المرض واستخدام الطب للخير فقط. كيف يسمح بإحداث متعمد للمرض وبهذا الاستغلال الوحشي لعطايا الطب؟!.. كيف يقف متفرجاً ينتظر الانتقام من الشر بشر آخر؟.. وكان الطبيب يتردد ويتردد. ثم في اللحظة الأخيرة يندفع ويرفع سكين التيار الصاعق. تيار شحن هذه البؤرة في مخ هذا الضابط الممسك بباشبوري المياه، يسلطه نحو قدمي، نحو يدي وكأنه يطلق صوبي نيران مدفع رشاش. لولا خيط رفيع يوقفه لاندفع وصب المياه عليّ مباشرة أو ربما انتزع مسدسه من الجراب المتأرجح في خاصرته وأطلق عليّ النار لينهي هذا التحدي من سجين لديه. لكن هذا بالذات ما يوقفه: أنني سجين وأنه مأمور ولا ينبغي أن ينزل إلى حد كشف منازلته لسجين ثم إنه غير مخول بإطلاق النار. كنت أعرف هذا وأتمادى. يتمادى نصفي السجين حتى يبدأ رشاش الماء في أول الارتعاش بين يديه المهتزتين عندئذ يقفز الطبيب ويوقف الشحن. بل يفرغ الشحنة بكلمة يرضي بها كبرياء المأمور المرتعش: "كفاية علينا يا حضرة المأمور. تعبنا". "تعبتم؟" ويجلجل صوته بالضحك. يصب قليلا من الماء ثم يتوقف ويمضي منتشيا بانتصاره. لكن إلى متى؟

كان نصفي الأخر يتساءل ويعلن ضجره ويتحفز أكثر.

- 3 -

لقد اكتشف الكمين... لا بد أنه رجع إلى المكاتبات التي وردت إليه والتي سيعيد تصديرها أثناء ترحيلي. ولا بد عرف أنني طبيب أمراض نفسية وعصبية على وجه التحديد. فلقد جاء في موعده بعد منتصف الليل. وقف واضعاً يديه في جيبيه وأخذ يتأرجح في عظمة. ثم حانت منه إلتفاتة إليّ وأفلتت منه العبارة "إيه يا دكتور المجانين" كان يريد إهانتي. لكنني لم أنتبه إلى ذلك إذ أخذت بالتساؤل عن كيف عرف اختصاصي. أخذ يقلب وجهه في الأركان وجريا على عادته الأخيرة بدأ يتشمم لكنه لم يأمر سريعاً بالماء. تأخر في إصدار أمره حتى أن أحد عساكره سأله: "نمد الخرطوم يا باشا" ورد بعد برهة: "لا. لا. الريحة معقولة، يناموا أحسن"، وكان ينظر نحوي بإيعاز وتهكم. ولم أنم ولم ينم كثيرون. وامتد الأرق طويلا حتى الفجر.

لقد كانت برودة المياه وتجفيفها ينهكانا حتى أننا نسقط في نوم عميق فور أن ينزلوا البوابة ويبتعدوا عن العنبر. صرت من جديد شخصا واحدا: مجرد طبيب سجين يسحقه أرق ليل السجن الموحش.. ويفتقد منازلة الماء.



د. محمد المخزنجى

***

27- عربستان


في أوربا سألني سائق تاكسي عما إذا كنت أمريكيا لاتينيا أم لا؟ وفي إفريقيا سألتني صبية صغيرة عما إذا كنت من اليابان أم من الصين البعيدة؟ ورغم أنني عربي شمال إفريقي فإنني أظن أن لي جذور أسيوية، ولقد دفع الشيخ ذو النظارة الغامقة بظني في هذا الاتجاه.

جاء مع ابنه الشاب الذي سيقوم بإصلاح مرشح المياه في المطبخ، وكان هذا الابن يشبه كثيرًا أحد أشقائي. لم يكن الرجل يعمل، فقط اكتفى بتوجيه إرشادات موجزة لابنه، ووقف في الردهة هادئًا وصامتًا. وعندما تأملته ارتعشت جوانحي وتأثرت بشدة، وألححت على الرجل أن يجلس ليستريح في الصالون. ورحت أقدم له الشراب والحلوى وكأنني أريده أن يرتوي بلا حدود وأن يتخلى حتى يجري ريقة بعسل لا ينقطع، فقد كانت خطوط ملامحه وهيئته تطابق تمامًا صورة أبي. النظارة الغامقة وحدها كانت تحجب عني عينيه، ولقد أوشكت مرات أن أتمنى عليه وأرجوه أن يخلع نظارته تلك، ولو للحظة.

بعدما انتهى الشاب من إصلاح المرشح ودعني الرجل الذي أخبرني أثناء حديثه معي أنه من "عربستان"، وكنت أتمنى لو يضمني، ورفعت يدي موشكا أن أشير إلي نظارته راجيًا إياه أن يخلعها، لكنني من جديد ترددت.

أخذه المصعد هابطًا كأنه اختطف شيئًا من روحي، وأسرعت إلى الشرفة لأطل عليه، كأن هناك عند المدخل يهم بركوب سيارة نصف نقل صغيرة كانت تنتظر على الرصيف. وقبل أن يدخل كابينة السيارة فاجأني بالتفاتة وقد خلع نظارته، ثم لوح لي مبتسما، فصرخت: "يا أبي".

لقد مات أبي بعد مرض طويل، بين يدي، منذ سبعة أعوام مضت، شهق شهقة صغيرة، كطير مسالم، ورحل. ومنذ سبعة أعوام وأنا مثقل بالإحساس أنني لم أقدم له ما يستحقه، وظلت تتناوب عليّ أمنية غير معقولة، لو يعود أبي، ولو ليوم واحد، لأجثو عند قدميه معتذرًا عن كل تقصير بدر مني، ولأفعل لأجله أقصى ما يمكننا لعلني أسعده.

يا أبي. . صرخت، ولم يسمع صرختي، فقد انطلقت به السيارة وغيبته عن بصري، لكنني مكثت أراه بعين خيالي اليقيني يتجه صوب مكان بعيد، إنه عربستان التي لا أعرفها.



د. محمد المخزنجي
***


28 - من بطن الحجر


ردهات تفتح على ردهات وغرف تؤدي إلى غرف ودرج يفضي إلى درج. ضعت، ضعت وقصص الذين ضاعوا في متاهة قلعة جايبور كثيرة ومخيفة، أرتعب، أرتعب وأجري هنا وهناك وقلبي ينتفض مذعورًا في صدري، ألتمس المخارج، لا مخارج، إنها قلعة آخر المهراجات الراجستانيين في مدينة الملوك التي لم يعد بها ملوك، جايبور، أتسمع الأصوات فلا يبلغني إلا صوت الريح على الحجر، حجر جيري أبيض مصفر شيدت به الحيطان والقباب وعقود الدهاليز والدرج. كل شيء، كل شيء. كل شيء حجر، حجر، حجر، حجر. أعلم أن الناس هناك يدورون في جماعات مع الأدلة المحنكين لكنني لا أبصر إلا الحجر، لا ألمس إلا الحجر، يرعبني الحجر، سأموت من الإنهاك وأتيبس من العطش والجوع ولن يعثر عليّ أحد إلا صدفة فوق الحجر، حجر أبيض مصفر يزداد نصوعًا مع ازدهار شمس الظهيرة، حجر يسطع ويسخن فيدفعني نحو ظلال الردهات، الأروقة، الدرج، أتهاوى إعياء فأحبو في عتمة الظلال على الحجر، حجر جيري أبيض مصفر تتباين ملامسه على راحتي وأنا أزحف، يا لله، ثمة نعومة هنا وثمة خشونة هناك، هذي النعومة في بطن هذا التآكل المقوس الخفيف حتتها آلاف آلاف الخطوات الذين ساروا من قبل على الحجر. هذا ملمس دروب البشر في متاهة الحجر تلك، والدروب تُفضي إلى دروب، أزحف متلمسًا الحجر باحثًا عن تلك الدروب وأمضى زاحفًا، أتقدم وأصعد وأهبط وأدور وأعاود الصعود لكنني لا أتقهقر، ،آاااه، أصرخ وأكتم صرختي إذ أرى الناس والنور فأتصنع أني كبوت، وأنهض، أنهض سائرا في ركب الجماعة خلف المرشد المحنك لا أرى إلا خطو الأقدام ولا أسمع إلا حفيفها على الحجر.


د. محمد المخزنجي
***

29 - الخنازير



وأنا صغير أجوب الخلاء، أكتشف أننى فجأة فى مواجهة حظيرة للخنازير.
هاكم سورها:

دائرة من رقع الصفيح الصدئة المتباعدة أنقرها بطرف سبابتى فتمتلئ بالثقوب تقوم على جذوع أشجار قميئة ميتة، وعروق خشبية نخرها السوس. لكن يبدو أن الخنازير لا تريد الخروج، فهى لا تنطح هذا السور الهش، لينهار، وهى لا تتسلل خلال فجواته الكثيرة، لتنطلق.

وهاكم الخنازير:

أُبصرها فى ازدحام شديد، برغم انفساح المكان، تمشى متلكئة بليدة تتلاطم أجسامها البرميلية تلاطما مكتوما لاتعبأ به، وأبوازها تعمل فى الأرض الزلقة. فأعجب لكونها تأكل من حيث تدوس، وتمضى، وتنام. تأكل القمامة، وتظلها غيوم الذباب.

وهاكم الراعى:

يدخل رافسا باب الحظيرة المتهالك، مُربّد الوجه فى يده العصا.

وهاكم الخنازير والراعى فى جوف الحظيرة:

يفرقع الراعى بلسانه على سقف حلقه، فتسمع الخنازير، تأتى متسارعة تتلاطم، تتحسس قدميه بأبوازها، وهى تنتظر عطاياه من القمامة، لكن الراعى فجأة يمسك بأحد الخنازير من ذيله، وينهال عليه بالعصا، فيجرى، ويلاحقه الراعى بالضربات فى مسار دائرى، وفى مسار دائرى قليلا قليلا يعتقه.

يظل يجرى الخنزير المضروب حتى بعد أن تتوقف الضربات فى دائرة. وهو كلما مس خنزيرا فى طريقه يتبعه الأخير، وتتشكل حلقة باتساع فسحة الحظيرة كلها. حلقة متصلة من الخنازير التى تجرى، دونما هدف، غير أن كل خنزير يخشى أن يكون الخنزير الجارى أمامه فارا من خطر داهم، فهو يتبعه بالفرار.

ثم أرى راعى الخنازير يذهب، ويُحضر لنفسه مقعدا، ويعود ليجلس بالقرب من حلقة الخنازير الدوارة، والعصا فى يده.

إنه وهو جالس يهوى بعصاه، دون أن يصوب، فيضرب على هذا النحو كل الخنازير التى تقدم نفسها للعصا، وهى تجرى، مطأطئة، عمشاء.


د. محمد المخزنجي

***

30 - أطياف


في صباي، عندما تأكدت ملامح مشيتي، قالوا لي إن مشيتي تشبه مشية أبي، فهو يميل بصدره قليلا إلى الأمام، كأن صدره يقود حركته كلها.

وفي شبابي، صرت أحاول - في مشيتي - أن أمنع صدري من الانكباب مزيدا إلى الأمام، لأن ذلك كان يقارب انحناءه الشيخوخة لدى أبي.

الآن، أدرك أنني أمشي محنيا باطراد، ولا أحاول مقاومة ذلك، لأنني أوغل في عمر الحكمة، وأسلم بأنني لست إلا أبي، مثلما كان أبي هو جدي.

ما نحن إلا الشخص نفسه، الطيف الذي يتجلى ثم يشف ثم يتلاشى، ثم يعود إلى التجلي من جديد.

هذا أمر محزن إن فكرنا فيه بأنانية. أما التسامح، فإنه يمنحنا نافذة واسعة بلا حدود، لنطل على جمال لا حدود له.


د. محمد المخزنجي


***

31-أجمل مدن العالم


أخيرا يمكنني الوقوف في الطابور النادر لحجز تذكرة إلى أجمل مدن العالم، مدينة الخلجان الشفافة، والتلال الخضر، والزوارق الخفيفة، والجسور، والحسان الطيعات. لكنني بدلا من الارتفاع في مكاني طائرا بخفة البهجة، أجدني مثقلا بالهموم.

فأنا في موقفي هذا أشغل نقطة من العالم بين طرفين، في أحدهما تلك المدينة السحر، وفي الآخر.. وطن نشأتي المتواضعة البائس.

إما أن أذهب إلى هذا الطرف، أو ذاك. وما أغرب أن أجد في ميزاني، كل سحر تلك المدينة، في كفة، وفي الكفة الأخرى يربض حنين ساحق لحجر كالح على عتبة بيت قديم في شارع ترابي يلهو فيه صبية حفاة، وكلاب نحيفة طليقة، ويمضي بشر متهالكون، لم أحب مثلهم أبدا لأن أحدا لم يحبني بمثل ما فعلوا.

أحمل التذكرة الغالية في يدي وأمضي إلى أجمل مدن العالم وإن في شرود. فثمة في خاطري الذاهل حجر كالح، على عتبة بيت قديم، في شارع ترابي يمتد بكل ما فيه، ويمعن في امتداد، حتى يفضي إلى أجمل مدن العالم.


د. محمد المخزنجي


***

32- أميركانسكي


في حفل توقيع الترجمة الإنجليزية لكتابي عن تشيرنوبل, بالجامعة الأمريكية, سألتني صحفية شابة: (وما رأيك في الطاقة النووية السلمية?), ترددت في الإجابة نفورًا من شبهة اصطفافي مع من لا أحب الاصطفاف معهم, لكن صوتًا طفوليًا شرخ أفق ذاكرتي صائحًا: (أميركانسكي), فطفت على وجهي ابتسامة بينما كنت أجيب: (طاقة الانشطار النووي شريرة), واستطردت أواصل الإجابة شاردًا, كان قطار الليل منطلقًا من كييف إلى موسكو, وكان معي الفنان البديع العزيز مصطفى المسلماني. فوجئنا بعربة القطار التي حجزنا فيها مهجعين, تطن بثلاثين طفلا من الأيتام, كانوا نزلاء أحد الملاجئ القريبة من تشرنوبيل, وتم تهجيرهم إلى ملجأ بديل في كييف بعد وقوع الكارثة, وهم يذهبون إلى موسكو لعمل فحوص دورية بعد ثبوت تلقيهم جرعة عالية من الإشعاع, كانت الليلة مدهشة ومؤثرة ومضحكة أيضًا, وسط هذا الكم من الأطفال المستثارين بركوب القطار. ومن بين الأولاد, صاحبني ولد عفريت وظريف يدعى (كولا), كان مثل أترابه يصطحب حقيبة جديدة كبيرة بالنسبة لحجمه الصغير, ومثل حقائب أيتام الملاجئ في كل الدنيا, وضع فيها كل الأشياء التي يمتلكها في العالم. سألني كولا وسط لمة الأولاد: (من أي بلد أنت?), فقلت له (حزر أنت), وبعد تفكير وجدها صائحًا (أميركانسكي). وانفجرت أقهقه, فالشيء المؤكد هو عدم تشابهي مع الأمريكيين الذين يعنيهم, وظل (كولا) يناديني بالأمريكي, فأضحك وآسي, فهذا أقصى ما أوصلته أيام الحرب الباردة وصقيع المعزل النائي لطفل يتيم, فلم يعد البشر لديه إلا الأمريكان, أو السوفييت. وعندما وصل القطار في الصباح إلى موسكو, ودعت كولا وأصحابه وسط زوبعة من الصخب الطفولي. بعد أيام عدة, فوجئت بزوبعة أخرى في فضاء أحد شوارع موسكو الرحيبة (أميركانسكي, أميركانسكي). كان كولا في باص أصفر برتقالي مضعضع مع أصحابه. كيف لمحني في زحام هذه المدينة العملاقة? وأي صدفة? كنت أتلوى من شدة الضحك. وتواصل ضحكي مما أصاب الصحفية الشابة في الجامعة الأمريكية أمامي بالاستغراب, فوجمت لأكمل بصرامة: (نعم إنني ضد مفاعلات الطاقة النووية الانشطارية, السلمية والحربية على السواء, وليست هيروشيما وناجازاكي وتشيرنوبيل وثري مايلز أيلاند إلا قمة جبل الجليد العائم من وساخات الطاقة النووية الانشطارية, وما خفي من نفاياتها أعظم شرًا وأبقى. أما السلاح النووي, وخاصة رءوس الفضاء المائتين التي يضمرها كيان عدواني ودموي ومخاتل كإسرائيل, فهي جريمة أخلاقية كونية مسكوت عنها ممن يملأون الدنيا ضجيجًا الآن). (طاقة الانشطار النووي لاشك شريرة). كررت ذلك قبل أن أستطرد متحدثًا عن عشرات البدائل الآمنة لطاقات ممكنة ونظيفة, تحت أقدامنا, وفي البحر, والهواء, وضوء الشمس, لكنه كسل البشرية الشرهة والطمّاعة, هو ما يعيق تطوير هذه الطاقات, وسكت, لكن الصوت الطفولي عاد يشرخ أفق ذاكرتي: (أميركانسكي. أميركانسكي), ولم أبتسم أو أضحك هذه المرة, فيقينًا أحسست أن كولا الصغير لم يكبر أبدًا, وأبدًا لم يعد هناك.


د. محمد المخزنجي

***

33-السفر الغائب


من آخر سفراته الطويلة عاد، ودق الجرس ليأتيه صوتها من الداخل: من؟ أنا، قالها وسمع انطلاق الصوصوات الحبيبة وراء الباب: بابا. بابا. بابا، وراحت "الترابيس" تفتح واحداً وراء الآخر، أي خوف يعتريهم وهو بعيد عنهم، أي وحدة وأي استوحاش كيف يطاوعه قلبه للابتعاد عنهم إلى هذا الحد، وارتموا في حضنه ما إن انهمر إلى الداخل، مثلها مثلهما، زوجته والولدان، هي تتعلق بعنقه وهما يحتضنان ساقيه ووجوههم جميعا تتطلع إلى وجهه بفرح، فتعتريه لحظه حزن عميق.

هذه المرة ذهب إلى طرف الأرض الأقصى عند الشرق، وقبلها اتجه جنوباً، وشمالاً وغرباً، صحيح أنها رحلات عمل لكن فيها اختياراً يتركه يتحقق كأنما دون إرادة منه، أنه الفضول الغالب لرؤية أطراف العالم البعيد، وها هو قد رأى الكثير، عبر المحيطات الشاسعة، وسار مع ارتحال الأنهار الطويلة، ورأى الكثير من هشات البشر والحيوان والطير والشجر، في الوديان والسهول وعلى ذرى الجبال وفي كل المواسم، لكن هذا كله صار يتحول كأنما في مشهد من مشاهد الخدع السينمائية، إلى كرة زرقاء صغيرة تغبشها سحب بيضاء، وتتعلق بتوحد موحش أليم في فضاء لا نهائي من الظلمة، صار اتساع العالم يحيله إلى ضيق الفرصة الكونية المتاحة لحياة البشر وسائر الكائنات على الأرض، وصار الطيران الطويل والإبحار البعيد يحيلانه إلى الحقيقة البائسة لهشاشة القشرة الأرضية التي تدب عليها الحياة، وصار تواقاً للسفر الغائب، السفر القريب العميق الذي يمكن أن ينسيه هذا الاستوحاش الكوني كله، سفره في حنايا بلدته، بين أضلع أهله وأصحابه، إنه يبتعد فلا يفتقدهم ويفتقدونه فقط بل يفقدهم أيضا.

أن تحب وأن تكون محبوبا - أليست تلك ذروة جمال الحياة الإنسانية وغايتها الحقة كما استخلصها مرة وإلى الأبد، فلماذا يدير ظهره لياقوتة حقيقية نادرة إلى هذا الحد، ومتاحة ويمضي وراء مخايلات مرآة لم يعد يرى فيها إلا الاستوحاش والحسرة؟ أما آن الأوان للكف؟ إنه يكسب صوراً عابرة ويفقد قلوباً مقيمة، يا الله، هتف بها وهو يحس بتباريح الخسارة، وكان جالسا وقد استقر صغيراه على حجره وراحا يتشبثان بصدره وذقنه الصغيرة ويناديانه: "بابا، يا بابا" اصغرهما لم ينطق بعد غيرها وتلونها إشاراته الصغيرة وطريقة نطقه لها بعشرات المعاني من العتاب إلى الشوق وحتى الرجاء.

يا الله - هتف بها مرة أخرى متنهداً وهو يفكر في احتمالات تغير الأشياء والبشر، فيما إذا كان سيخذله الحنين، حيث لا يجد ما يحن إليه.

يا الله - كررها متنفسا بعمق، وكان يشدد إحاطة ذراعيه بالصغيرين. إنه يجدهما دائما أصغر مما كان يظن.



د. محمد المخزنجي

***

34-الحبــّـــار


طيلة نهار أمس أبهظني شعور بحنين وافتقاد لمكان رأيته منذ زمن عند شاطئ البحر الأحمر، في ظل جرف صخري ذي مساقط هائلة منحوتة في سلسلة الجبال الوردية التي هناك. كان ظل الجرف يرتمي على خليج صغير تتدافع إليه أمواج وديعة من مياه كان لونها في هذا المستوى فيروزيا، وعند أقدام الجرف كانت الأمواج تتكسر فتستحيل إلى زبد أبيض ناصع. أما في فضاء الظل فوق المياه، وحتى الحافة التي كانت تختبئ وراءها الشمس، فقد كانت طيور بيضاء مفضضة تحوم وتحلق وكأنها تلهو في ملكوت لا نهائي الاتساع رغم محدودية المكان. ولم تكن تغادر هذا الحيز الظليل ربما اتقاء للذع الشمس الشديد في هذا الوقت وعند هذا الشاطئ.

لقد مسني هذا المكان يوم وقفت عنده بسحر غريب وكأنني اكتشفت كهفا من كهوف الأسلاف. أحسست بالجمال وبالجلال معا، ولسبب ما رجحت أنني لا أرى هذا المكان رؤية معتادة، بالمعتاد من الحواس، وفي إطار المعتاد من الزمن، وإلا ما كان تصاعد كل هذا الشعور بالسحر في داخلي.

بالأمس، وحتى اللحظات الأخيرة قبيل نعاسي، مكث هذا الإحساس بافتقاد المكان، والحنين إليه، يمضني. وكنت أتساءل مستوحشا: كيف يمكن أن تظل الأماكن موجودة دون محبيها؟ وكيف تمضي الحياة في سلسلة لا تنقطع من الفراق تلو الفراق؟

وعندما نمت، وجدتني في المكان الذي أرقني في النهار، أهو حلم؟ ولماذا لا يكون أننا نرحل في الزمان لنلاقي تلك الأمكنة، نعيش فيها وقتا وندير بها أحداث ما نظنه أحلاما؟ لقد رأيت الحافة الصخرية والجرف والمياه والزبد وتحليق الطيور، وأغرتني فيروزية المياه بالنزول، فنزلت. وإذ بالموج يعلو وئيدا وئيدا فيغمرني بكثافة شفيفة، فلا أتنفس، لكنني لا أعاني اختناقا.

كنت أدرك أنني أغرق دون عناء، وأن الروح ستنطلق في هيئة طائر أبيض مفضض، كهذه الطيور التي تحلق في ظل الجرف، لكنني ما كدت أستقر على تماوج رمال القاع البيضاء الناعمة حتى اندفع نحوي أحد الدلافين كانه انبثق من الغيب. ضربني بخطمه حتى انطويت، فحملني على ظهره وصعد بي إلى سطح الماء وقد صرت في ارتياع.

فتحت عيني مرتاعا أنهج. لا، ليست هذه رؤيا. إنها رؤية لموت أوشكت على بلوغه. مكان نفذت إليه وزمان عبرته. ولست أريد إخافة أحد من الناس، لكنني أقيم البرهان على ذلك. فلقد كنت فور استيقاظي مبتلا من أخمص قدمي حتى الرأس، وتفوح مني رائحة البحر وقد علقت بي أصداف وقواقع ورمال. وكانت هناك واحدة من أسماك الحبار تحتضر في أحد جيوبي وقد نفثت صباغها الأزرق فانتشرت بقعة كبيرة على ثيابي. كانت تلجأ إلى حيلتها التقليدية الدارجة للتمويه عند الخطر الدارج، دون إدراك أن الأمر أخطر، وأكثر تعقيدا.


د. محمد المخزنجي

***

35-أرانب مسحورة


لم أستطع الانتظار عندما تناهى إلى سمعي ما يحكونه عن الظهور الليلي لتلك الأرانب في ميدان مدينتنا القديم بعد احتراق محول الكهرباء الرئيسي وحلول الظلام الدامس الذي يرجح استمراره لعدة أيام حتى يتم إصلاح المحول. ركبت آخر القطارات السريعة المتجهة إلى المدينة لأكون هناك عند حلول الليل, إذ قيل إن تلك الأرانب تبدأ عرضها الغريب بعد منتصف الليل, وتختفي تماما مع ضياء الفجر.. عشرات, مئات, ويبالغ بعضهم فيزعم أنها آلاف الأرانب البيضاء, بياضا ناصعا, كالثلج, تتدفق تحت جنح الظلام في الميدان القديم الواسع عندما يخلو من البشر, تنبع من مكان مجهول وتنتشر في الميدان بلا صوت, تتحرك بانسياب فيما رءوسها تهتز بنمنمة وآذانها الطويلة تتأرجح ببطء, وأفواهها لا تكف عن قضم عشب غير مرئي, وكأن أسفلت الميدان المترب قد تحول إلى مرعى واسع غزير العشب!

منذ ستة وعشرين عاما ساقتني الأقدار, وبراءة العمر, لأكون المتهم الأول في أحداث أول العام التي وقعت بالمدينة, وجهت لي النيابة تهمة التحريض على الأحداث وما ترتب عليها من تخريب وتهديد لأمن الدولة وموت اثنين من المواطنين, برصاص مجهول, وكانت العقوبة التي طلبتها لي النيابة هي الأشغال الشاقة المؤبدة. استمرت القضية سبعة أشهر كاملة قضيتها في سجن المدينة, مع ثلاثة من الطلاب الذين لم يفرج عنهم من بين مائة وخمسين تم القبض عليهم أثناء الأحداث. لم يكن تكريمي بهذا الموقع الفادح لدور بارز قمت به, بل كان اقتناصا سياسيا لشاب يتعامل مع السياسة بروح فتي, فقال ما اعتقد أنه الأصدق والأجمل, سمى أشياء بأسمائها الخطرة, وأشار إلى رءوس كبيرة وثقيلة, ولم يتراجع أبدا عن التهور الذي احتشد له عشرون من أكبر المحامين السياسيين المتطوعين للحصول على براءة قانونية. صحيح أن جهود المحامين المخلصة أثبتت جدواها, ورتبت الأقدار قاضيا ذكي القلب لتكون هذه آخر قضية ينظر فيها قبل خروجه إلى المعاش, حكم بالبراءة كاملة غير منقوصة, إلاّ أن هذه البراءة كان يمكن الحصول عليها بجهد أقل من ذلك كله, لو أنني وجهت أنظار القاضي والمحامين إلى حادثة تثبت عكس ما اتهمتني به النيابة من تحريض على التخريب والفوضى, وهي حادثة كان يمكن تأكيدها ببعض الشهود الذين عاصروا لحظاتها وهم: بستاني القصر العجوز واثنان من الطلاب أصدقائي.

* * *

قبل اندلاع أحداث أول العام بعدة أسابيع كنت أمارس إحدى هواياتي الرومانتيكية تحت المطر, ففي الركن الهاديء - آنذاك - من أركان المدينة التي كانت جميلة, رحت أمشي بلا هدف في الشوارع الخالية المغسولة, وأحلم بحب جديد بعد حب ضيعته لتوي. وقرب الغروب, بعد أن أكمل مطر المدينة الخفيف دوره الساحر, وحوّل زرقة السماء وبياض البيوت البديعة تحتها إلى حلم, كنت أمر أمام قصر المحافظ الذي تحيط به أسوار ذات قواعد خرسانية تعلوها قضبان حديدية ذات قمم مسننة تظاهرها ألواح محكمة من الزجاج المصنفر, فوجئت بأرنب أبيض ناصع البياض يعدو مفلتا من شق بوابة القصر التي كانت مواربة وتلاحقه فتاة لم أر أروع منها في حياتي كلها, ثم برز بعض من عساكر الحراسة يطاردون الأرنب الذي تلاحقه الجميلة. انشغلت البقعة التي كنت أتمشى فيها بهذه المطاردة التي وجدتني في قلبها, ثم لم أعد أرى غير الفتاة والأرنب واختفى العساكر كأنهم لم يكونوا هناك أبدا. كان طبيعيا أن أمسك أنا بالأرنب الذي رحت أطارده بطاقة كل خلية في جسدي المنتفض, وأمسكته بالفعل, حاصرته بين سور القصر والرصيف وانكببت عليه بوجودي كله, ففاجأني باستسلامه وسكونه. كنت حريصا ألاّ يفلت مني وأنا أرفعه من مكان قبوعه بين الرصيف والسور, وبدا كأنه يشاركني هذا الحرص إذ بدلا من التفلت بين يدي أخذ يعتدل لأجيد الإمساك به, هدأ تماما بين صدري وساعدي اللذين أحاطاه بإحكام ورفق, ورحت أقترب به - وهو في حضني - من الفتاة التي أخذت تقترب مبتسمة ممتنة. كانت لحظة ابتسامتها ووثارة الفراء الأبيض الناعم الدافئ في حضني لحظة مسحورة من لحظات العمر الجميل, ثم بدأت أتبين اقتراب العساكر وهم يمدون أياديهم لأخذ الأرنب, لكنها أبعدتهم وطلبت مني أن أظل أحمله حتى أعيده إلى مكانه, وانصاعوا لأوامرها الهادئة القاطعة. هكذا دخلت قصر المحافظ للمرة الأولى, في حضني أرنب دافيء ناصع البياض, ناعم ووثير, وقلبي ينتفض من البهجة والوجل, تقودني جميلة كالحلم, ويحدق بي عساكر يكبتون غضبهم وتبعث شرارات عيونهم الضيقة بتهديدات خفيفة إن تجاوزت ما لا يعرفون حدوده. قادتني الفتاة إلى ركن من حديقة القصر الخلفية المطلة على النهر, وهناك رأيت الأقفاص السلكية متعددة الطوابق التي تسكن في غرفها عشرات الأرانب البيضاء الناصعة كالأرنب الذي التصق بصدري, فتحت الجميلة بابا سلكيا صغيرا في طابق يوازي صدري, وأومأت لي بالاقتراب لأودع أرنبي في مسكنه. سكبت الأرنب برفق عبر الباب السلكي الصغير الذي كانت أناملها تفتحه, وكنت اقترب من وجهها الحلو لتسكرني أنقى بشرة مسستها مسا كأنما من بعيد, بعيد, كادت ساقاي تتهاويان تحتي لولا نذير العساكر, وأغلقت الأنامل الصافية باب الحجرة السلكية على الأرنب الذي غادر صدري. شكرتني بابتسامة عذبة أحسستها تواعدني أكثر مما تودعني, لكن نفقاً من العساكر انفتح أمامي محددا طريق خروجي. وجدتني خارج بوابة القصر التي أوصدت, أمضي مترنحا كمن يفتح عينيه بعد حلم, خفيفا توشك أن تطيرني النسائم, عازما على العودة لاستكمال حلمي مهما كان الثمن, ولقد عدت, عدت مرات ومرات, أحوم حول سور القصر المدجج بالحديد والمخفي بالزجاج المصنفر, دون يأس, ودون جدوى, إلى أن دخلت القصر من جديد, ولم يكن فيه غير تلك الأرانب!

* * *

اندلعت مظاهرات مدينتنا بعد يوم واحد من اشتعال مظاهرات العاصمة, ففي يوم الثلاثاء وصلت أنباء العاصمة إلى المدينة مساء, وفي الصباح التالي كانت الشعارات, التي شاركت في كتابتها, تملأ جدران المدينة مطالبة بالحرية والعدل, وعند الضحى خرجت مظاهرات الطلبة من الجامعة وانضمت إليها المناطق الشعبية المحيطة بشارع الكورنيش, وعبر المناوشات والحواجز شقت سيول المتظاهرين طريقها إلى مبنى المحافظة. كانت الأعداد تتضاعف بعشرات ومئات الآلاف, وفي الظهيرة كان هناك أخطبوط هادر من نصف مليون متظاهر يملأون الشوارع المؤدية إلى مبنى المحافظة من كل الجهات. لسبب غامض في حركة الجموع التلقائية التي تجاوزت قيادة الطلبة, تركز ضغط الحشود على قصر المحافظ, وكنت هناك مضطربا خافق الفؤاد, روحي مع انتفاضة الناس وقلبي وراء سور الخرسانة والحديد والزجاج المصنفر, وانفلت غضب عوام الناس وبؤسائهم ô في لحظات تساقط بلور القناديل التي تعتلي أسوار القصر, وفي لحظات تطاير كل الزجاج الحاجب للرؤية على الأسوار, وانكشف القصر عبر الشارع.. لم يعد هناك أثر للعساكر الذين رأيتهم من قبل, وكانت ستائر الدانتيلا تتأرجح وراء زجاج النوافذ كاشفة عن حركة محمومة في الداخل, وظهر بعض الرجال في ثياب مدنية يهرولون باتجاه الحديقة المطلة على النهر. انتفضت لخاطر مريع صعق ذهني, ونقلت الخاطر إلى بعض من كانوا بقربي من قادة الطلبة: (ستتلطخ هذه الانتفاضة كلها بالعار لو حدث أي اعتداء على أنثى داخل القصر, وستكون الاعتقالات دموية, ومبررة حتى من وجهة نظر الذين بدوا متعاطفين مع الانتفاضة). كان الصخب هادرا, ومن الصعوبة أن نتمكن من سماع بعضنا بعضا, وعبر احتقان الوجوه العرقة المنتشية باكتشاف لذة الاحتجاج لم أظفر إلا بسمع صديقين, شققنا حشود الناس المتضاغطين أمام البوابة, ونادينا بعض المهرولين من عمال القصر الذين لاحوا لنا وراء قضبان السياج, عرفنا من ايماءاتهم أن ساكني القصر غادروه, وانهالت علينا من كتلة البشر أصوات تؤكد أن المحافظ هرب وتم تهريب أسرته في زورق عبر النهر إلى مكان آمن. ضاع مني صديقاي في حراك الآلاف الذي يشبه طاحونة أسطورية, تبدو متوقفة لكنها تدور, تدور ببطء كاسح, ووجدت نفسي أمام بوابة القصر مباشرة, وورائي منجنيق بشرى هائل قوامه مئات الآلاف من البشر, يتراجعون بطيئا على نفس واحد صائحين: (هيلا), ثم يتقدمون في كتلة واحدة ساحقة تصيح: (هووب) ويلطمون البوابة التي تكبل مصراعيها سلسلة ضخمة من الفولاذ يغلقها قفل نحاسي ضخم. رأيت حلقة أحد طرفي السلسلة الملبسة في لسان القفل تنفتح, ويتزايد انفتاحها مع كل لطمة من المنجنيق البشري الهادر, تصك اللطمات مصراعي البوابة المصفحة, وتسحق أضلعي على حديد هذه البوابة. بدا القصر خاليا تماما وراء حديد البوابة التي توشك على الانفجار, لكن وفاضي لم يكن خاليا, لقد كان لي حلم هناك, على مرأى من عيون الأرانب البيضاء ورقرقة النهر الذي يحف بحديقة القصر. صحيح أن المحافظ لم يعد موجودا, وأسرته انتقلت في زورق إلى مكان آمن, لكن من يدريني إذا ما كانت فتاة حلمي من هذه الأسرة أم لا? لعلها كانت برغم حسنها وجمال ثيابها مجرد موظفة تعمل بالقصر, فتاة تشريفات ممن يتم انتقاؤهن بعناية ليلقن بالظهور أمام ضيوف القصر الذي يحل به الرؤساء والملوك إن زاروا المدينة, فهو أحد قصور ضيافة الدولة, من يدريني أنها ليست هناك, مختبئة من شدة الرعب في أحد أركان القصر البعيدة التي لا يُستبعد وصول حوشي أهوج إليها? تلبستني روح البطولة والشهادة اللتين هما وجهان لغاية واحدة, وقررت أن أقاوم الانهيار السريع لبوابة القصر حتى أتأكد مزيدا من مغادرة فتاة حلمي له, أعدت لف السلسلة على نفسها في نوبة جزر المنجنيق المرعب قبيل معاودته للمد المريع والطرق الصاعق, وباغتني المد وأنا أوشك على إتمام عملي, فجزّت السلسلة قطعة من لحم سبابتي اليمنى ما زال أثرها باقيا. صرّت البوابة وقرقعت ودارت السلسلة على نفسها بسرعة. فرقعت حلقتا طرفي السلسلة وطار القفل الثقيل في الهواء مثل ريشة, انفجرت البوابة فاتحة مصراعيها لسيل المهاجمين الهادر, وكنت في المقدمة أغالب الطوفان وأنا أدور حول نفسي وأصرخ: (لا اعتداء على النساء.. لا اعتداء على النساء), لكنني وصراخي غمرنا الطوفان. ووجدت يدا طيبة تشدني بعيدا عن مجرى السيل, كان رجلا مسنا, أحد بستانيي القصر, قال لي: (لم يعد في المكان أحد يا بني.. لا نساء ولا رجال) أوليت وجهه العجوز الطيب نظرة خاطفة, وأدركت أنه لم يهرب كالآخرين لثقته بأن هيئته وعمره لن يغريا حتى الشيطان بالاعتداء عليه. عدوت كالمجنون ملاطما زحام المهاجمين, أصعد درجا وأعبر غرفا وأركض في أبهاء باذخة, مهجورة إلاّ من حمّى البؤساء الذين انتشروا في كل الأماكن كالجراد, وأهبط مواصلا ركضي فأجد نفسي في الحديقة المطلة على النهر, وهناك كانت الأقفاص السلكية متعددة الطوابق حيث الأرانب البيضاء ومئات الأيادي تمتد إليها, فتحطم الأقفاص, وتنطلق هاربة عشرات الأرانب التي احتضنت أحدها يوما, في حلم كالحلم!

* * *

خرجت من بوابة القصر أتابع ما يحدث من الخارج مستشعرا شين البقاء داخله, كان العرض كامل الانكشاف من الشارع بعد تهشيم زجاج السور وطيران مصاريع نوافذ القصر التي راحت تتوالى عبرها المشاهد الجنونية: من يقفز متعلقا بإحدى الثريات الفخمة ويسقط بها فنسمع رشاشا من صوت تحطم الكريستال على الرخام, ويظل هذا الصوت يتكرر دون أن نرى المنظر في الداخل, أحدهم يشد ستائر الدانتيلا لينتزعها ويشعل أطرافها ثم يدليها مشتعلة من النوافذ, قطع الأثاث الثمينة تُرمى إلى الخارج فتهوي متحطمة في الأسفل, وثمة من يمسك بأنبوبة غاز يهم بإشعالها, نسوة وعيال يعرضون على الجماهير الصاخبة - بمرح وحشي وتخلع ساخر - ملابس نسائية على شماعات وبذلات رجالية مختلفة الألوان, ومن داخل القصر الذي بدأ يحترق أسرع بالخروج حاملو حقائب السامسونايت, والمفروشات الثمينة, والسجاد, وأطقم السفرة الفضية, وأطباق وفناجين البورسلين, وفازات الكريستال والمرمر. كانت وجوههم طافحة بالنشوة, وكانت الجماهير تغمرهم بالتصفيق وهم يعرضون على الملأ ما ظفروا به من الهجوم على القصر. والغريب أن أكثرهم كان يشرع في إتلاف ما بين يديه بالدوس أو التمزيق أو التحطيم فيما يعلو الصفير المستحسن والتصفيق الحار. ودون مشاهد هذا السيرك الجنوني جميعا, وجدتني مشدودا إلى ما يحدث للأرانب.. فالحيوانات المسكينة بعد أن خرجت من أقفاصها أصابها الرعب, فمجرد إنسان واحد يفزعها, فما بال الفزع من آلاف البشر الهائجين المائجين من حولها. طاشت الأرانب تركض متفلتة بين غابة الأقدام والأيادي, وراحت هتافات المرح والضحك من ركضها اليائس تضاعف رعبها حتى شلها الرعب. كانت الأرانب تستسلم للأيادي التي أخذت تتلقفها وترفعها عاليا فوق الرءوس مع أفخاذ اللحوم المتنوعة, وأكياس الدجاج والسمك التي انتزعت من ثلاجات ومجمدات مطابخ القصر. تدوي الهتافات التي تقارن جوع (الجماهير) بتخمة (السادة), وتتلفت رءوس الأرانب وتطرف عيونها باستغراب ورعب وهي تطفو فوق بحر الجماهير الصارخة. وبعد أن أدت الأرانب دورها بين أيدي قادة الهتافات, تم انزالها لتتخطفها أيادي النسوة اللائي انضممن إلى التظاهرات من الأحياء الشعبية الفقيرة, كن يحلمن بأكلة ملوخية بالأرانب كتلك التي وضح أن المحافظ يحبها!

السلطات التي تبخرت في النهار, أعادت التكاثف في برودة المساء بعد أن خلت الشوارع من حشود المتظاهرين, جمعت قواها واستعادت ثيابها الرسمية وأخرجت عرباتها الزيتية المدججة بالسلاح والعصي والضباط الذين استعادوا هيبتهم, نشرت مخبريها, وبدأت الاعتقالات بعد منتصف الليل. كان اعتقالي محتملا لكنه لم يكن أكيدا لأنني لم أكن من قادة التظاهرات الذين رفعتهم الجماهير فوق الأكتاف ليهتفوا ويردد الآلاف هتافاتهم, كنت معارضا, لكن دوري لم يتعد الكتابة في مجلات الحائط داخل الجامعة والحديث في المؤتمرات الطلابية, أما في المظاهرات فكنت مجرد فرد بين الحشود أخجل من مجرد الصياح عاليا مع الهاتفين. مكثت في البيت حتى الثانية بعد منتصف الليل دون أن يواتيني النوم, كانت أضلعي التي انسحقت على فولاذ بوابة القصر في النهار تستيقظ آلامها ضارية في الليل, تناولت أقراصا مسكنة قوية, وما أن بدأ أثرها المسكن يظهر حتى أتى من يخبرني أن هناك حملة مداهمات تجري في الأحياء الشعبية المحيطة بالميدان القديم. أدهشني الخبر, لأن ذلك يعني أن يقبضوا على الآلاف, لكن الآتي بالخبر استطرد مبينا أنهم يقبضون فقط على من يجدون في بيتة أرنبا من أرانب المحافظ لإثبات عمليات السلب والنهب, لعلهم أرادوا أن يضيفوا شقا جنائيا للقضية التي يريدون إخراجها من إطارها السياسي لتتلطخ بجرائم التخريب والسرقة. شعرت بانتعاش مع سكون آلام صدري, وبدلا من الخلود للنوم بعد مشقة النهار الفائت, وجدتني أرتدي ثيابي وأدخل في شجار مع أبي وأمي اللذين حاولا استبقائي في البيت خوفا عليّ من الخروج في هذا الوقت من ساعات حظر التجوال التي أُعلن عنها الراديو والتلفزيون في نشرات المساء, لكنني خرجت, وقادتني قدماي المسرعتان إلى الميدان القديم. كنت أتصور أنني سأقبع في ركن من أركانه لأراقب تلك المداهمات المسكونة بالمفارقة, محاذرا أن أحتك بالمخبرين والضباط الذين انتشروا في المكان والذين كانوا مفوضين للقبض على أي إنسان لمجرد الاشتباه, لكن القبوع لعدة دقائق في أحد أركان الميدان المتوارية, ومشاهدة ملامح الاضطراب والهرج بين المخبرين والجنود وبعض الأهالي الذين تجمعوا هنا وهناك عند فوهات الشوارع المفضية إلى الميدان, كل هذا جعلني أخرج من مخبئي وأقترب مما كان يحدث. ثمة مطر غزير هطل ثم توقف بعد دقائق تاركا أرض الميدان تلمع بالبلل, والمصابيح تحوطها هالات من الضباب. ثم كانت الأرانب تظهر بيضاء مرتابة, خارجة من الشوارع, وسرعان ماتردها للدخول في الشوارع من جديد ضربات خيزرانات المخبرين وتهويشات عصي جنود الأمن, والطرقات على كعوب البنادق, وصيحات الضباط الحانقة. كان المطلوب أن تكون الأرانب داخل البيوت لضبط أصحابها متلبسين بالجرم, وبعد القبض على اثنين من المواطنين بهذه الطريقة طارت التحذيرات فوق الأسطح, وعبر الحيطان الهشة المكونة من السدة والصفيح والطوب العاري, تنبه إلى ضرورة الإسراع في إخراج الأرانب وإبعادها عن البيوت. بدأت المعركة في صمت وحذر من جانب الأهالي, وخشونة واندفاع من جانب فرق الأمن. هؤلاء يزلقون الأرانب خارج فتحات أبوابهم المواربة ويهشونها بهمس لتبتعد, وأولئك يقفون في وجهها ويدفعونها إلى الخلف بعصيهم وكعوب بنادقهم وركلات الأحذية الثقيلة. ثم تحول النزال إلى تحد مكشوف من قبل الأهالي.. أطلقوا عيالهم لإبعاد الأرانب عن بيوتهم, ومن يلوم العيال?! ثم دعموا جهود عيالهم بإصدار ضجيج هائل يفزع الأرانب ليخرجها كلية من الشوارع باتجاه الميدان: صفير, وطرق على الأبواب, والصفائح, وقرع للأواني بأغطيتها, ودق هاونات نحاسية, صيحات مدوية, وصراخ, بل كانت هناك زغاريد تنطلق من أجواف تلك البيوت البائسة!

هرج عظيم اشتعل في المنطقة وظل متوهجا حتى الفجر دون أن تتمكن قوات الأمن من إعادة أرنب واحد إلى داخل البيت الذي كان فيه, واتخذت محاولات رد الأرانب إلى داخل الشوارع والبيوت طابعا وحشيا من قبل الأمن, إذ راحت تهويشات العصي الثقيلة وطرقات كعوب البنادق على الأسفلت وركلات أحذية البيادة, تتوجه كلها لإصابة رءوس الأرانب وأجسامها بشكل مباشر. أخذ الدم يظهر على الرءوس الصغيرة والآذان الطويلة المتأرجحة والفراء الأبيض. في البدء كنت أراقب ما يحدث بتقدير (تراجو كوميدي) لوقائع المسخرة, ومع بدء تلطيخ الدماء للبياض الناصع الذي ضممته إلى صدري في يوم رهيف بدأت أسخن, وكدت أوقع نفسي بين أيادي قوات الأمن في تلك الليلة, لكن عنصرا غامضا تدخّل مغيرا المشهد تغييرا مفاجئا, أسكتني, وأسكت الهرج والضوضاء وضربات العصي وكعوب البنادق والأحذية الثقيلة والزغاريد والصيحات وجمّد كل الفرقاء في أماكنهم. لقد ظهر نور الفجر, كأنما بغتة, وضاعفته مرايا الميدان والشوارع المبلولة فكان في قوة نور الصبح.. وفي هذا النور اكتشف الجميع اختفاء الأرانب!

ظن الضباط والمخبرون أنها تسللت إلى البيوت خفية, لكن تفتيشا عدوانيا دقيقا وشاملا استمر حتى ظهيرة اليوم التالي, لم يسفر عن شيء, واكتفى الأمن بالقبض على من وجدوا بين أوانيه حلة ملوخية بالأرانب, أو حتى من دونها! أما أنا, فقد انصرفت مع الشروق دائخا من قلة النوم وكثافة التداعيات, لم أرجع إلى بيتنا حذر الاعتقال, بل تواريت في بيت أقارب لي, وقبض عليّ بعد ذلك بيومين وأنا أوزع منشورات تطالب بالإفراج عن زملائي من الطلبة المعتقلين.

* * *

ستة وعشرون عاما مضت, وأعود إلى ليل المكان ذاته, الميدان القديم, في ظلمة أحلك من ظلمة تلك الليلة البعيدة, أنتظر ظهورا غريبا لأرانب بيضاء تتجلى في هذا السواد السابغ. عشرات من الناس تجمعوا في أركان الميدان المواربة ينتظرون الأعجوبة, وعشرات مثلهم كنت أستطيع لمح رءوسهم في الشرفات والنوافذ المطلة على الميدان, يتطلعون إلى الظلمة. لقد عرفت بعض التفاصيل عن تلك الأرانب التي ارتبطت بجزء ملون من عمري العزيز البعيد, فهي من نوع (البوسكات), تتميز إضافة إلى فرائها الأبيض الناصع الناعم الغزير بنمو متسارع يجعلها في حجم حملان صغيرة وهي في عمر شهور قليلة, عيونها ذات أحداق قرنفلية, وحركتها المتأنية مرنة, تبدو أقرب إلى التساحب برغم أنها عند الضرورة تقفز قفزات واسعة عالية, وتجري بسرعة كبيرة لمسافات محدودة. كان عددها في (بطاريات) الأرانب بالقصر 98 أرنبا, عُثر على ثلاثة منها ميتة في حديقة القصر, وثلاثة أخرى ميتة في شوارع منطقة الميدان القديم, وتم ضبط أربعة منها مطبوخة في أربعة بيوت فقيرة, اثنان منها مع الملوخية واثنان من دونها, وضبطت امرأتان تمران باثنين منها أمام مركز شرطة القسم الثاني عصر يوم المظاهرات, ولم تسفر حملة مداهمات ليلة الأربعاء إلا عن أرنبين في بيتين تم القبض على صاحبيهما, أما الأرانب المتبقية وعددها 84 فالأرجح أن معظمها كان في موقعة الميدان التي انتهت بذلك الاختفاء الغامض عند الفجر. لقد قيل الكثير في تفسير سر اختفاء تلك الأرانب يومها, ابتداء من أنها وجدت شقوقا بين جدران البيوت المتداعية وغاصت فيها, مرورا بأنها تساقطت في بالوعة صرف مفتوحة أو أسقطت نفسها عمدا لتهرب من البشر, سواء هؤلاء الذين يطحنون عظامها بعصيهم وكعوب بنادقهم وأحذيتهم العسكرية الثقيلة أو أولئك الذين يجعلهم الجوع المزمن يتنمرون ويتعجلون سلخها ولو حيّة لطبخها والتهامها, وانتهاء بالتفسيرات الخارقة التي تضفي طابعا سحريا على هذه الأرانب ولغز اختفائها الغامض. وها هي ست وعشرون سنة تمر, ولا يزال اللغز لغزا. تغير الميدان تغيرا وحشيا, تكاثرت على محيطه الأبراج السكنية والإدارية حوشية الهيئات والألوان, وظل ما وراء هذه الأبراج يكشف عن أن شيئا لم يتغير, بل تفاقم, فالبيوت البائسة لا تزال بقاياها في أماكنها وإن تردت أكثر, وما أزيح منها عاد يتجمع عند الأطراف البعيدة, في شكل عشش من القش وبيوت من الطين والصفيح, يسكنها من يخبئون في جوعهم المزمن استعدادا لسلخ أي أرانب وهي حية, وأكلها ولو نيئة. ستة وعشرون عاما لم تكف لحل لغز كائنات بسيطة, ونزال دميم, لم يُحسم, فهل أجد في عمق هذه الليلة حلا للغز الذي عاش معي ومع المدينة التي كانت جميلة, كل هذا العمر?!

أتت الساعة الثالثة الحالكة بتثاقل هامد.. كان أسفلت الميدان مبلولا بأثر مطر عجول كما في هذا الوقت من السنة, ولم تكن مرايا الميدان المبلول تلمع لأن الظلمة بدت كاملة وشاملة, فلا قمر في السماء ولا نجوم يرتعش ضوؤها في الصفاء المفتقد. كنت أنتظر الأرانب, وغيري كثيرون ينتظرون.. وخلسة, خلسة بلا مباغتة, رأيت, أو أظنني رأيت, قطعا من ظلال بيضاء تنساب صامتة في دائرة الميدان السوداء, تحت أقدام البيوت والعمائر العالية, تتكاثر وتتلاصق حتى يبدو سواد الميدان وقد ترقط ببياضها الخفيف المتقلب, وهي تدور وتمور وإن في ونى وهمود. ثقل قلبي في صدري, وكنت أسائل نفسي عن حقيقة ما أراه !


د. محمد المخزنجي

* * *

36-الآتي


لأنى كنت الطبيب المناوب يوم مات نعيم بالسل ، فقد كان علىّ أن أسجل لحظة الوفاة وسببها، وأن آمر بنقل الجثة إلى المشرحة بعد ساعتين، ةلم أفهم لماذا ازداد عويل امرأته لوعة عندما سمعت كلمة المشرحة، ولاحظت أنها كانت حبلي، بل فى شهور الحمل الأخيرة.

ولأننى كنت الطبيب المناوب، وكان علىّ أن أحرس حالة الهدوء بالمستشفى، فقد أمرت امرأة نعيم أن تكف عن الصراخ والعويل، ولم أفهم لماذا لم تكف رغم أننى أكدت لها أن الجثة لن تشرّح بل ستبخر وترش بالكبريت فقط؟!

وعندما لم أفلح فى إسكاتها بلأمر ولا بالرجاء، فقد ناورتها وأنا أشير إلى بطنها.. قلت لها إننى كطبيب، أعرف أن صراخ الحامل خطر على الجنين. ولم أفهم لماذا فى هذه المرة فقط كفّت رغم أن دموعها لم تنقطع، وكانت تفرد راحتيها تحت البطن المنتفخ، كأنها تحمله برفق؟!


د. محمد المخزنجي

***

37- عطش

قبيل أن أهبط إلى نفق المترو تجلت في ذاكرتي محطة اوتوبيسات " العتبة "
في يوم قائظ ووجدتني أتجه إلى ماكينة العصير بالصودا. رغم أن الجو كان
غائما ودرجة الحرارة منخفضة بالنسبة لهذا الوقت من أيام الربيع الشمالي.
ورغم عدم شعوري بأي درجة من درجات العطش وترددي في الشرب، فإن يدي كانت
قد أخرجت " الفكة " من جيبي وراحت اصابعي تفرزها بحثا عن قطعة من فئة
"الثلاث كابيكات" التي تقلم بها الماكينة لتصب كوبا من العصير.

ولما لم أجد معي "ثلاث كابيكات" فإنني تفلت حولي.. لم يكن هناك أي أحد
على رصيف المحطة، وكان كشك الجرائد مغلقا في ساعة الراحة. لكنني لمحت
الصندوق الصغير في ظهر مظلة المحطة لمبته مضاءة مما يؤكد أنه يعمل، وقد
كتب عليه(15 كابيكا=3*5)، فاتجهت إليه إذ كانت معي قطع عديدة من فئة
الخمسة عشر كابيكا.

وضعت في "عين" الصندوق قطعة الخمسة عشر كابيكا، وسمعت جرس الاستجابة
للإعطاء، فمددت يدي مسرعا إلى الفتحة السفلي لأتلقي "الفكة"، لكنني فوجئت
بالماكينة تخرج ثلاث تذاكر للمواصلات فئة خمس كابيكات لكل تذكرة، فأدركت
انني أخطأت قراءة اسم الماكينة، وأدركت انني لن أرتوي حالا، فجنني شعور
حارق.. بشدة العطش


د. محمد المخزنجي


قراءة موفقة للجميع

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس

قديم 20-06-09, 02:45 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
نور ليلاس


البيانات
التسجيل: Nov 2006
العضوية: 15929
المشاركات: 1,707
الجنس ذكر
معدل التقييم: بدر عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 21

االدولة
البلدJordan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
بدر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : الادباء والكتاب العرب
افتراضي

 



جميل ,
سيسعد بها محبو المخزنجي

تسلمي " لحظة زمن "

 
 

 

عرض البوم صور بدر   رد مع اقتباس
قديم 20-06-09, 02:48 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,018
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : الادباء والكتاب العرب
افتراضي

 

اقتباس :-   المشاركة الأصلية كتبت بواسطة bader44 مشاهدة المشاركة
  

جميل ,
سيسعد بها محبو المخزنجي

تسلمي " لحظة زمن "

الله يسلمك استاذ بدر

بتتوقع يسعد بها محبيه،،بتمنى ذلك

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 20-06-09, 03:05 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
نور ليلاس


البيانات
التسجيل: Nov 2006
العضوية: 15929
المشاركات: 1,707
الجنس ذكر
معدل التقييم: بدر عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 21

االدولة
البلدJordan
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
بدر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : الادباء والكتاب العرب
افتراضي

 

اقتباس :-   المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لحظة زمن مشاهدة المشاركة
  
الله يسلمك استاذ بدر

بتتوقع يسعد بها محبيه،،بتمنى ذلك



بلا شك , المخزنجي قيمة و حضور , و البركة في اخي معرفتي الذي و فر للجميع فرصة الاطلاع على اعماله ,,,, و مع الجميع , أنا بانتظار بقيتها , له مني جزيل الشكر

 
 

 

عرض البوم صور بدر   رد مع اقتباس
قديم 23-06-09, 09:20 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Sep 2007
العضوية: 42463
المشاركات: 524
الجنس ذكر
معدل التقييم: kifhan عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSweden
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
kifhan غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : الادباء والكتاب العرب
افتراضي

 

الزميلة العزيزة لحظة زمن

شكرا لهذا المجهود الكبير و الرائع في تجميع وتقديم أعمال الرائع محمد المخزنجى (الخاصة).

سلمت أيديكم.

 
 

 

عرض البوم صور kifhan   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
محمد المخزنجي, جميع القصص القصيرة الخاصة
facebook



جديد مواضيع قسم الادباء والكتاب العرب
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:00 PM.


مجلة الاميرات  | اية الكرسي mp3  | القران الكريم mp3  | الرقية الشرعية mp3  | شات جوال  | شات قلب 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية