لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (2) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-05-09, 03:37 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,193
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء الخامس عشر




بدأت الدراسة من جديد... ودعنا عاما دراسيا ليبدأ آخر... ألفيت نفسي أستقبل العام الجديد بلهفة غير مسبوقة وآمال تسبقني على الطريق ونفس تواقة للحب والحنان... ابتعدت عن سعد فترة طويلة، مكانية وزمانية، فلم أحاول محادثته على الإطلاق بعد آخر محادثة رغم يقيني التام بأنه ينتظرني بشوق كل يوم أربعاء، لكنني لم أستطع... بدءاً بمرض والدي وحتى زيارة أخوتي لنا في البيت، وحتى فترة طويلة أخرى بعد مغادرة سعاد أحاول فيها مداواة الجروح التي خلفتها تلك الزيارة، وكياني الذي تبعثر جراء ظروفها القاسية... نعم كنت أخمن بأن " سعاد" ليست سعيدة، لكنني لم أتصور ذلك الرجل القميء الهزيل المجرد من العاطفة يغمد خنجراً لأنوثتها المتفجرة فيهجرها ليتزوج بأخرى.... عجباً... بدلا من أن يركع تحت قدميها منفذا كل أوامرها كفتاة صغيرة جميلة تتزوج رجلا في سن أبيها، ينعكس الوضع فيعافها هو، مبعثرا كرامتها في الأوحال ليطبق المثل القائل " رضينا بالهم والهم لا يرضى بنا" الأنكى والأمر أنها لا تستطيع التذمر ولا التمرد ولا حتى المناقشة، فهي بلا حائط تستند عليه كقطعة مشردة بلا سند ولا حماية وزوجها يعلم هذا تماما لذلك هو سادر في غيه ممعن في الهجران والإذلال مغلقا كل خطوط العودة وطرقها، لا أب ولا بيت ولا زوج... فليساعدك الله يا سعاد...

جلست صباح إلى جواري في السيارة صامتة لا تتحدث إلا لماما وتجيب على أسئلة الزميلات إجابات مقتضبة... يا الله كم تغيرت صباح، لم تعد تلك الفتاة المرحة الضحوك التي تلقي بضحكاتها ذات اليمين واليسار وتهزل أكثر مما تتحدث جادة، أغلب كلماتها كانت مزاحاً، ونصف عباراتها ضحكا وابتسامات لا تأخذ من الدنيا غير وجهها الضاحك لتتبدى الخلفية البشعة والحقيقة المهولة بأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة وبأنها مزيج من المتناقضات التي يجب أن نتواءم معها لنحيا بسلام فهي الفرح والترح، السعادة والتعاسة، الأمل والألم وعجلة الحياة تدور وتدور وكل شئ إلى زوال... عندما كشرت الدنيا عن أنيابها انتزعت معها ابتسامة صباح ومرحها وحتى صباها، فبدت كامرأة في منتصف العمر ملت الحياة كما ملتها الحياة لتعيش على حافة الجرح... تهاويات وتداعيات بلا بصيص من نور...

سألتها بمرارة متحاشية جرحها وساعية لمعرفة حالتها النفسية:
- هل أنت مستعدة للعام الدراسي الجديد يا صباح؟
أجابت بهدوء أنكرته منها:
- لا أدري... لكنني متشائمة... ربما هذا أصبح طابعي أخيراً " التشاؤم" لكنني منقبضة النفس وأرغب في النقل من هذه القرية بأسرع وقت وبأية طريقة، حتى لو دفعت كل أموالي التي ادخرتها ثمنا لهذا...

همست لنفسي: وأنا على النقيض منك يا صباح، مستعدة أن أبذل كل ما في وسعي لأبقي في هذه القرية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتي وموطناً لأحلامي وصباحا يختلف عن كل الصباحات الأخرى في أي مكان في العالم... إنه دار الحبيب، منه أستمد بقائي، وفيه تزهر عواطفي الظليلة، تسقيها شمس حبي بالماء والهواء، دخلنا القرية وكياني كله يرتجف بعنف، قلبي يخفق بشدة، وشئ ما في نفسي يتوق للمجهول... يتوق لسعادة مجهولة ونبض حبيب وآمال بلا مدى، بعد أن تبادلنا القبلات والتحيات مع الزميلات، ذهبت إلى فصلى لتقع عيناي على وضحى دون غيرها كأول ما أرى....

حادثت تلميذاتي وسألتهن كيف قضين إجازتهن وأين، لكنني كنت مع وضحى فقط أبحث في ملامحها الهادئة عن وجه حبيب يؤرقني غيابه... عن كلمات دافئة تلون أيامي بلون الفرح، عن همسات تسكب الحياة رويداً رويداً في شراييني، عن حلم وأمل وبدايات...

إليك يا رجل يسكنني بجنون، إليك حب سأسكبها في عيني شقيقتك فأصلك أنا بدلا منها... رسالتي يا حبيب العمر أنني أنتظرك... فأدركيني يا عينيها وأوصلي عمق مشاعري وحرارتها... أفهميه كيف أن الهجرة الصحراوية المهجورة تحولت إلى جنة من بساتين في وجوده... أفهميه كيف أن الأجواء الحارة ولفحات الصيف التي لا تطاق أصبحت نسمات باردة عليلة وزخات من مطر خفيف يندي الوجوه دون أن يبللها... أفهميه يا عينيها أن الطرق الوعرة أصبحت سلالم أنيقة توصل بعرش الحب وأن مدرسة القرية الطينية المتهاوية تبدلت بمدرسة نموذجية رائعة، كأرقى الأكاديميات في العالم منذ مسها الحب بعصاه السحرية... عينيها إنني أحملك أمانة فلا تخيبي رجائي....

وكأن الأمانة قد وصلت، فما إن انتهي وقت الحصة حتى فوجئت بوضحى تلحق بي قائلة:
- ابله... أمي تسلم عليك وتهديك هذا البقل، فهو من صنع يديها...
ابتسمت لها بهدوء رغم اهتزاز يدي الواضح وأنا أستلم منها الوعاء المعدني... فقد وصلتني الرسالة...

لم أفاجأ وأنا في البيت حينما وجدت خطاب سعد أسفل الأقراص اللبنية المجففة. قرأتها وأنا أتذوق قطعة منها، يسري مذاقها معاً إلى جوفي فأبتسم... أبتسم لسعد وهو يعاتبني على الغياب الطويل.... أبتسم له وهو يعلن لي حبة وشوقه ولهفته... أبتسم وهو يطلب أن يتقدم لخطبتي في أسرع وقت ممكن. أبتسم وهو يطلب أن يتقدم لخطبتي في أسرع وقت ممكن. أبتسم وهو يهديني قصيدة شعرية غزلية، هي آخر إنتاجه، كتبها لي كما قال لي وقد أضناه الشوق والهجر والحرمان، فجاءت رائعة معبرة... ابتسمت لطرفته الأخيرة في نهاية الرسالة هل تتزوجيني أم أخطفك؟....

ما إن طويت الرسالة لأخفيها عن الأعين حتى بكيت بشدة... بكيت لا أدري لماذا... ونمت وسط دموعي ترافقني رسالته في أحلامي وطعم لاذع حامض لأقراص البقل يذوب في فمي ببطء...


 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 04-05-09, 03:38 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,193
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء السادس عشر




لم أكن أتصور أنني سألتقي بسعد بهذه السرعة، وبطريقة لا ترقي إلى أي خيال. بل لم أتصور أن أراه أمامي رؤي العين ولا في أكثر أحلامي تفاؤلا لكنه القدر الذي يرسم لنا ما لا نتخيله ولا يخطر في قلوبنا... بعد خطاب سعد بيومين فقط، وبعد أو أوصلنا أبو راشد إلى المدرسة بساعة واحدة سقط فجأة مغشيا عليه ثم نقله بعض أهل القرية إلى أقرب مستشفى كما أخبرنا الحارس....

دارت مناقشات طويلة بين المعلمات، ثم أعلنت فوزية أنها ستهاتف زوجها ليأخذها، وسألتني إذا ما كنت أرغب في مرافقتها، لأن صباح غائبة، فرفضت بحسم، وأخبرتها بأنني سأحادث أبي بدوري، ثم تناولت عباءتي وارتديتها لأذهب مع زميلاتي إلى حجرة الحارس الخارجية، حيث يوجد بها هاتف لاسلكي. تعاونت المعلمات مع أهل القرية على شرائه ليكون حلقة وصل بين القرية وخارجها إبان الأزمات... أدرت أرقام النداء الآلي الخاص بأبي ثم انتظرت قليلاً. أدرته مرات عدة بعد ذلك وأبلغت الحارس أن يخبر أبي بمرض أبي راشد حال اتصاله وأن يبلغه بضرورة حضوره للعودة بي... ثم عدت إلى المدرسة وانشغلت في حصصي ومشاكل المعلمات التي لا تنتهي وعيني وضحي اللاقطتين. مضى الوقت دون أن أشعر به، لأفاجأ بذهاب كل المعلمات عداي... سألت الحارس، نفى أن يكون أبي قد اتصل... أدرت الأرقام مرة أخري ثم اتصلت بزوجة أبي لتبلغني أن أبي غير موجود، ثم اقترحت علي أن أعود مع أية زميلة لي... ضاقت الدنيا بي ولم أدر ماذا أفعل، فزميلاتي قد رحلن، ولم يتبق غير المديرة التي عرضت استضافتي لديها، وقبل أن أبلغها بردي، سلبا كان أم إيجابا فوجئت بوضحى تقترب مني في خجل وهي تقول:
- نحن سنوصلك يا ابله... فسيارتنا أمام الباب وأنا سأذهب برفقتك...
فغرت فاهي لا أحير جوابا ... فهتفت المديرة:
- هيا يا أحلام لا تضيعي الوقت فأبوك لم يرد عليك... ثم إنهم ناس طيبون فجزاهم الله ألف خير... هيا يا أحلام... هيا...

ثم دفعتني بيدها خارجا وهي تغلق الباب الكبير، ثم تلوح لي بيدها مودعة وكأنها تتخلص من عبء كبير يثقل كاهلها... ومن يولمها، فهي أم وزوجة ووراءها متطلبات لا تنتهي... ثم هي غير مستعدة للانتظار ساعات طويلة حتى يحضر أبي من الرياض... مشيت بلا اختيار ودلفت إلى السيارة كالمسيرة وأنا لا أدري ما حولي...

مشاعر كثيرة تختلط في كياني... خليط من الخجل والغضب والخوف والترقب والمرارة... أفكاري تتري... ما موقف أبي حيال تصرفي هذا؟ إنه ليس لموقفي القديم، فالمسافات شاسعة وسأبرر لأبي موقفي بشتى الطرق. إنني لم أفعل جرما أستحق عليه العقاب... إنني فقط سمحت لتلميذتي... وشقيقها بتوصيلي... يا إلهي... شقيقها... أنه سعد... سعد بشحمه ولحمه وهو السائق، هو من سينقلني هذه المسافة الطويلة إلى بيتنا.... وهو وأنا وشقيقته... لا يفصل بيني وبينه إلا نصف متر أو أقل، رائحته المميزة تقحمني بعنف، تحاصرني من الجهات الأربع، تنتزع سلاحي وتصفعني بوجودها فلا أملك إلا الاستسلام. صوته يخترق أذني رائقا شفافا قريبا تحمله لي ذبذبات الهواء التي نتنفسها جميعا ليصل لي مباشرة دون وسائط، طازجا كأنه رغيف خرج لتوه من الفرن... يداه السمراوان بعروقها النافرة وبساطتهما العجيبة أراهما أمامي على المقود، أكاد ألمسهما بيدي وأري كيف تعبر الدماء وتتدفق إلى هذه اليد السمراء الخشنة... شعره الناعم اللامع الذي تتدلي بعض خصلاته من تحت غطاء الرأس سوداء حالكة متحدية وكأنها تتحدي أصابعي المتجمدة أن تعزف عليها أحلي النغمات...

رباه أن القرب مخيف وممتع... حلو ومغرق في المرارة... كيف يكون فتي أحلامي قاب قوسين أو أدني مني؟ كيف أري خيالي متجسداً أمامي على أرض الواقع مرتديا عباءة الحاضر يلتحف بالممكن والمستحيل... إنني لا أعي قربه، لا أعي غير هذه الجاذبية الشديدة والذبذبات اللأمرئية التي تشدني إلية، وكأن وضحي ليست موجودة، وكأنها تمثال من تماثيل الماضي السحيق، أو قابلة متمرسة تشهد ولادة حب نادر الوجود لا يولد إلا مرة كل مائة عام... ويحي إنه يحادثني فبماذا أرد عليه؟

- فرصة سعيدة أن نري أنا ووضحي منزلكم...
مضيت أرتجف بعنف، فماذا أقول وكيف أتكلم وكيف تخرج الكلمات ولساني ملتصق بسقف حلقي رافضا التحرك... الحب الهادر يلفح أجوائي بنيرانه الحارقة وخوفي من أبي يشلني حتى الصدمة، فأي حمق وأي جرأة وما هذا الذي أفعلة بنفسي؟ أخيرا خرج صوتي مرتجفا مبحوحاً:
- لو علم أبي يا سعد بأن رجلا أوصلني إلى بيتنا سيقتلني حتما...
جاءني صوته حنونا مطمئنا:
- أحلام أنت لم ترتكبي خطأ... لقد علمت من وضحي أنك حاولت الاتصال به مراراً... فماذا تفعلين أكثر من هذا؟ هل مبيتك بالمدرسة أهون ضررا من أن توصلك إحدى زميلاتك إلى البيت؟
- لكنه... أقصد... حصل في وقت سابق أن أوصلتني إحدى زميلاتي مع شقيقها من الجامعة إلى البيت ... فكدت أموت على يديه...
لمجت ابتسامته الجانبية وهو يقول:
- لن تموتي إلا إذا قدر الله لك ذلك...

ثم انسابت الموسيقي الهادئة لتنزع الرعب والهلع من أعماقي وتلقيها بعيداً كزبد البحر.. . ثم تغلغل صوت المطرب العذب إلى كياني ليحلق بي بعيداً بعيداً في جزر لم تلمسها قدم أنسان من قبل وأنهار عذبة وبساط أخضر في كل مكان... أشعر أن الصوت يحتويني، يزلزلني... يخترقني حتى النخاع ( فحبيبة قلبك يا ولدي ساكنة في قصر مرصود... فمها مرسوم كالعنقود... ضحكتها أنغام وورود) أذوب في عوالم وردية لا نهائية ... الصمت هنا له لغة ... لغة تركع أمامها كل اللغات... لم أعد أحس بالطريق ووعورته... بالصحراء المترامية الأطراف التي اعتدت التطلع إليها يوميا عبر النافذة... اللوحات الزرقاء التي حفظتها عن ظهر قلب وأسماء القرى والهجر الغربية التي نمر عليها في رحلة الذهاب والإياب... وهلعا... العبارات التي تصافح أعيننا صباحا وظهرا كل يوم... الحمد لله... مع السلامة.. رافقتكم السلامة... وغيرها من العبارات التي غابت بعض حروفها، فغدت أقرب للملهاة منها لغرضها الأساسي... تلاشى كل هذا ولم أعد أرى سوى شخص واحد يقود أمامي تطالعني تعبيره العاشقة في مرآة السيارة، فتملأ نفسي فرحا وحبوراً... انتهي الوقت بسرعة لا أدريها فلم أدر بنفسي إلا وأنا أصف له الطريق إلى بيتنا متعجبة من السرعة التي وصلنا بها وقد كنا مع أبي راشد نقطع الطريق بأوقات طويلة مملة لا تنتهي. ما إن وقفت السيارة أمام الباب، ووضعت يدي في يد وضحى لأسلم عليها مودعة حتى خرج أبي لا أدري من أين... كمارد خارج لتوه من قمقمه... نظر إلى السيارة ومن بداخلها نظرة صاعقة قاتلة ارتعدت لها فرائصي... تحادث مع سعد بكلمات بسيطة، فهمت منها أن سعد يشرح له كيف عرضت عليه شقيقته أن يوصلاني إلى البيت...

في البيت تلقيت صفعات دار لها رأسي فنسيت كل شئ....

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 04-05-09, 03:40 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,193
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء السابع عشر




علمت أن زوجة أخي حمد حامل توأ- نقل شقيقي حمد من القريات إلى الرياض نقلاً تأديبياً!!
جزعت لهذه العبارة ليتابع صالح هامسا:
- قد نقل إلي مستشفى الرياض المركزي وطلب مني أن ابحث له عن سكن بسعر مناسب...
خرج صوتي هزيلا لا يتناسب مع عظم الموقف:
- لكن يا صالح ماذا فعل حمد لينقل بهذه الطريقة التي تسئ إليه؟
قال بتردد :
- إنه لم يشرح لي كل شئ بتفاصيله ...لكنه قادم إن شاء الله خلال أيام ويمكنك حينها أن تسأليه ....

حمد أحد ضحاياك يا أبي وليس آخرها ... ماذا فعل ليستحق هذا المصير البشع المهين لأي إنسان ....نقل تأديبي ... ما معناه ... نقل بالرغم عنه ، نقل للتأديب والتهذيب ، نقل عقاباً لشيء فعله .. شئ كبير ومنذر بالخطر يتكافأ وهذه النهاية السيئة ، ترى هل غش أو سرق أو قتل أم ماذا بال ضبط ؟ منذ غادرنا قبل سنوات وأنا أجهل مصيره ... كل ما عرفته أنه التحق بالمعهد الصحي في تبوك ثم تخرج ممرضاًً ، ليتعين في مستشفى القريات العام ، ثم تزوج من إحدى زميلاته الممرضات التي أحبها قبل الزواج وسكن إلى جوار أهلها ، ثم لا شئ سوى أنه بصحة جيدة ويحيا حياة زوجية طبيعية ... لكن هذا الموقف الأخير زعزع كل أفكاري السابقة وأدركت أنه ربما كان يعيش في محنة ...

منحة قادته إلى المصير المؤسف الذي يرهبه أي إنسان طبيعي... ألا تشعر بالخجل يا أبي ...بالأسف ؟ أي شعور ينتابك وولدك يعود إليك بعد سنوات مبعدا مهانا مطرودا وأصابع خفية تشير إليك بالاتهام بأنك السبب في كل شيء ، خروجه وعودته ، سفره الهارب وعودته الاضطرارية، ابتعاده بحلم وعودته القسرية بحلم مجهض ، تحطم آماله ومستقبله على صخرة قسوتك وظلمك ... أشعر بآلام شديدة تفري عظامي ، ليست هي آلام ضربك المبرح لي ، بل هي معاناة أخوتي سكنت جسدي وأبت أن تفارقه...

تردد صالح قبل أن يقوله وكأنه يقرأ أفكاري أو رأى دلائل الألم على وجهي :
- أما زلت تتألمين لضرب أبي ؟
كفكفت دمعة فرت من عيني ، ومضيت دون أن أجيبه على تساؤله ... فلم يكن يهمني ضرب أبي لي بقدر ما آلمتني الزوبعة والفضيحة التي أثارها دون أي داع، وما زلت أتذكر أصداء الصفعات وهي تتردد في جنبات البيت و هو يصرخ بأعلى صوته :
- الفاجرة ...سأقتلها ولن أرحمها....

تدخلت زوجة أبي دون جدوى، ولما شعرت بأنه سيقضي علي، اتصلت بشقيقي صالح على عجل ويتلقفني منه كجثة هامدة بدون أي روح... وأبي يهدر بكل قاموسه المعروف من الشتائم البذيئة، ثم حلف بأغلظ الأيمان أن يفصلني من عملي ويحسبني في البيت... أغمي علي، ولم أعد أشعر بشيء حتى صباح اليوم التالي...

أفقت بجسد مضعضع متهاو ونفس كسيرة وأنة وروح تمزقها الآهات، لم أستطع تحريك ذراعي أو قدمي، فانسابت دموعي غزيرة لاذعة لتثبت لي بأن الجسد مهما تمزق أو فني، فإن الروح باقية نشطة لا يحدها حد ولا تربطها قيود. وقتها تذكرت أحد حكماء الهند " راجيش" حينما قال: " إذا ربطوا يديك وقدميك بالسلاسل وكبلوك بالأغلال فلا تيأس... فباستطاعتك أن ترقص أليس كذلك، وأن تجعل من رنين أصوات السلاسل نغماً ترقص عليه" وأنا لم أرقص لكنني بكيت، بكيت وجحافل اليأس تدب في أعماقي وطاردة كل أمل لي في حياة باسمة سعيدة، وصورة سعد تغيب شيئا فشيئا عن عالمي مخلفة بؤراً صديدية وحرماناً... وفي ضباب الآمي وأوهامي جاءتني زوجة أبي وشقيقتي بدرية يعلنان لي بأن أبي قد عفا عني وسمح لي بالعودة إلى عملي بشرط الالتزام بكل قوانينه بحرفيتها، ثم حاولت النهوض بكل ما أستطيعه من قوة لأجثو على قدمي أبي أبللهما بدموعي طالبة العفو والمغفرة... ليعفو عني بركلة من قدمه وهو يهتف:
- لو كررت هذا ثانية فلن يمحو عارك إلا القبر...

بكيت على صدر شقيقتي بدرية وصالح يثبت لي بأنه متفهم للأمر، وأنني لم أفعل شيئا يستحق أي عقاب، وأن مرافقة زميلتي وشقيقها ليس عيبا على الإطلاق... ابتلعت غصة ألم وأنا أحاور ذاتي " آه لو تدري يا صالح من هو شقيق زميلتي هذه كما تسميها... آه لو تدري، إنه حياتي التي أعيشها ودنياي التي أحياها".

لكن أحدا لم يعرف ما بداخلي سواي، ومضيت أجتر آلامي في صمت وأنا أترقب عودة شقيقي حمد المحبطة...

حضر حمد وزوجته ذات مساء... هالني الفارق الشديد بينهما، هو بوسامته اللافتة وطوله الفارع وبشرته الوضاءة، وهي بقامتها الضئيلة ودمامتها المنفرة وبشرتها المائلة للاصفرار...

كان هذا أول شئ لفت نظري فيهما، ثم اكتشف أنهما بدون أطفال وأدركت أن هذا الأمر يشكل لهما مشكلة حينما سألت حمد بعفوية:
- أليس لديكما أطفال؟
حينها فقط تجهم وجهه وغابت الإشراقة المميزة عن ملامحه لتعبر سحابة سوداء عينيه، فتمتلئ بالدموع المتجمدة اليائسة...
أجابت زوجته وهي ترتجف:
- بلي.. ليس بعد...

ندمت على سؤالي، وأيقنت حينها أنني قد وضعت ملحا على الجرح ينزف فزدته ألما واشتعالاً... تقلصت عضلاتي ألما وحسرة، فنكست برأسي دون أن أنبس بحرف وكأن شقيقي قد استشعر ندمي وألمي، فهمس لي بأنه سيوصل زوجته إلى البيت ثم يعود ليسهر معي....

وكانت سهرة دامعة دامية أثارت لواعجي وبثت الحزن والألم في نفسي طويلاً. فقد حكى لي قصة حبه وعذابه حيث التقي بزميلته الممرضة في المستشفي نفسه... التقاء روحي ليس أكثر، أعجب بنشاطها وذكائها وكفاءتها.. وبادلته إعجابا بإعجاب، فنما الحب وتطور ونضج، ولم يكن من نهاية ملائمة له سواي الزواج، فتقدم لأهلها خاطباً ورحبوا به أيما ترحيب، ولم يسألوه عن أهله وأبية ولم يشترطوا عليه أي شروط، بل كان كل شئ سهلا ميسرا بشكل يدعو للريبة والخوف من المستقبل، فلا سعادة نقية خالصة بدون شوائب ولا طريق ممهد بدون عراقيل وأسلاك شائكة، فبدأت رحلتهما المرهقة المكلفة بعد شهر واحد فق من زواجها بدون حمل... بدأت الرحلة في المستشفيات والمراكز الصحية المجاورة ثم تجاوزتها إلى المستشفيات الخاصة الباهظة الثمن... لم يكن الموضوع عدم ثقة بالمستشفي الكبير الذي يعملان به سويا لكنه الخوف من انتشار المر بين زملائهما، فيصبحان موضوعاً للحديث ومادة للتندر والسخرية أو على أحسن الفروض تحوطهما نظرات الشفقة والرأفة بحالهما وهما لا يريدان شيئا من هذا... يريدان تعاطفا حقيقيا نابعا من قلب، صادقا مخلصا وبمرور السنوات بدأت مدخراتهما تنفد وديونهما تزداد والأمل يذوي شيئا فشيئا في نفوس متعطشة لطفل واحد فقط يملأ عليهما حياتهما ويسقي بذرة الحب التي بدأت تعاني من جفاف المشاعر وتصحر العواطف. طفل واحد يا أحلام ولا أريد غيره أبدا أبدا....

وأطلق تنهيدة انخلع لها قلبي وارتعدت لها أطرافي، فلم يسعني سوى أن أقول...
- إن الله كريم يا حمد ولن يخذلك أبداً...
نظر لي بدهشة وكأنه في يشك إيماني ثم هتف بمرارة:
- سبع سنوات من الزواج بدون أي ثمار... هل هناك أي أمل؟
قبل أن أتفوه بكلمة تابع بحزن:
- أتدرين... لقد اضطررنا للجوء إلى المستشفى نفسه الذي نعمل به وهو ما حاولنا تحاشيه مراراً... لكن حالتنا المادية المتدهورة وسفرنا المتكرر خارج البلاد أوصلنا إلى طريق مسدود، فلم نجد بدا مما ليس له منه بد فحادثت أفضل طبيب استشاري في المستشفى، وبدأنا نخضع لعلاج مكثف وأدوية باهظة الثمن صرفها لنا الطبيب من صيدلية المستشفى... لقد كان سبب مشتركا بيننا... فأنا أعاني من ضعف في الإخصاب، وهي دورتها الشهرية غير منتظمة والتبويض ليس طبيعياً، ومع هذه الأدوية وعلاج الطبيب المتمكن ارتفعت نسبة الإخصاب لدي وانتظمت الدورة الشهرية لزوجتي...

صمت حمد فجأة فرفعت وجهي إليه لأجده هائما يحدق في الفراغ وكأنه قد نسي وجودي كليا وغرق في عالمة الخاص... ذلك الماضي الذي يحمل بين طياته كما هائلا من الأحزان والمواجع تشي بها عيناه الدامعتان وحركات يديه العصبية. لم أشأ أن أقاطع صمته أو أستحثه على الكلام، فقد توحدت معه في دنيا مضخمة بالحسرات تخلو من صدر الأم الحنون وعطف الأب ومؤازرته وتشتت الأخوة ومعاناة مستمرة مع الحياة...

" خلق الإنسان في كبد" همست بها دون أن أشعر لأنتشل شقيقي من رحلته الداخلية إلى دنيا الواقع... تنهد قائلا:
- نعم ... نعم صدقت الآية الكريمة " خلق الإنسان في كبد" مكابدة مستمرة وصراع من أجل البقاء... لن تصدقي حينما أخبرك بأن زوجتي قد كتب لها الله الحمل على يد هذا الطبيب الشهير لكنه لم يتم، ولا أستطيع أن أصف لك مهما عبرت عن مشاعر الفرحة الزاعقة والسرور الطاغي، ما إن علمت بالخبر ثم التعاسة الخالصة والحزن القاتل اللذين أعقباهما... أتدرين ما معني أن يتعرض إنسان ما لمشاعر متناقضة بل شديدة التناقض في وقت وجيز تماما كما يحدث للجسد حينما يتعرض لحرارة ثم برودة والعكس... إنه يمرض ... ينهار... يفقد صوابه أو يتخبط، وهذا ما حدث لي يا أحلام... لم أتحمل رؤية أحلامي وهي تنهار أمام عيي دفعة واحدة. لم أتحمل الأمل وهو يتحول إلى وهم وسراب، وطفلي المنتظر يتمزق إلى أشلاء يحويها التراب... جننت... افتعلت مشاجرة مع الطبيب واتهمته فيها بتعمده إجهاض زوجتي... حاول أن يفهمني وأن يشرح لي، لكنني صددته... وتطور النقاش إلى أن اتهمه بسرقة الأدوية من صيدلية المستشفي وبيعها... هنا فقد الطبيب هدوءه وصبره فطردني من العيادة ليتطور الأمر بعد ذلك إلى تقديم شكوى ضدي، تلتها شكاوى من زملائي بأنني أهملت عملي في الفترة الأخيرة وأعاملهم بشيء من الحدة والعصبية، ثم شكوى من مديري المباشر بأنني لا أصلح للعمل، ثم تم عمل تحقيق، وأحمد الله على نتيجته فليس النقل التأديبي لمنطقة أخري كمثل الفصل من الوظيفة أو الوقف عن العمل أو أي عقاب آخر...

لا تحزني من أجلي يا أحلام، فصدقيني أنني لست حزينا فليس هناك في تلك المنطقة ما أحزن من أجله حتى ممن ارتبطت معهم بصداقات عميقة ، فقد بينت لي هذه الأزمة أن صداقتي لهم أوهي من خيوط العنكبوت، وأنه لا دائم سوى وجهه سبحانه وتعالى... والأمل في الله كبير...

خرج صوتي مبحوحاً خشناً وأنا أقول:
- إنك لم تفعل شيئا منه يا حمد، فقد كانت مشكلتك مع الطبيب منطقية من وجهة نظرك، لكنها الظروف السيئة التي وضعتك في هذا الموقف... ومن يدري " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" فربما يكون انتقالك إلى هنا بداية عهد خير ونماء بالنسبة لعملك وحياتك ككل... المهم أن تستقبل حياتك الجديدة يأمل وبنظرة تفاؤل وحب، ولن تخسر بإذن الله...

انسحب حمد لأبقى بعده فترة طويلة عاجزة عن استرداد ذاتي وكأنني أقف على فوهة بئر عميقة أمد يدي بدون طائل جاهدة لانتزاع نفسي المفقودة في قاع البئر. رباه ماذا فعلت بالدنيا وماذا فعلت الدنيا بي؟ تضعني على حافة المآسي... مأساة وكأنني أفتقد التعاسة داخلي لتمتلئ كأسي المترعة بالمزيد حتى الفيضان وتصفعني بالحياة الصفعة تلو الصفعة حتى لم أعد أقوى على تحمل المزيد...

أخوتي ومعاناتهم التي أحملها، هموم تضاف إلى هموم، وعناء يثقل كاهلي، أتألم لألمهم وأعيش حياتهم مرتين، حتى أنني أكاد أنسى حياتي ومستقبلي وشبابي الذي تسرب من بين أصابعي كدفقات الماء....

صفعات أبي لا تزال موسومة على خدي تؤرخ نهاية حريتي وبداية معركتي الخاصة مع العالم وأولهم أبي... لكن الصفعات تلاشت وكأنها رذاذ مطر عابر، ليغرقني طوفان أحزان أخي حمد وأنسي على أثره كل شئ حتى نفسي..

توضأت وتأهبت للصلاة " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وانبثقت الدموع من عيني حارة صادقة وحقيقة ... يا رب... يا ودود ... يا ذا العرش المجيد ... فعال لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام ونورك الذي ملأ أركان عرشك بأن تهب أخي حمد ذرية تحمل اسمه... يا مغيث أغثني... يا مغيث أغثني... يا مغيث أغثني... لم أفاجأ بعد ذلك بشهور حينما علمت أن زوجة أخي حمد حامل توأم....

******************


الجزء الثامن عشر





أحبك لكنني موجـــــــــــــــع *** فهل أنت يا هاجري تسمع
صددت فأدميت مني الفــــؤاد *** فلم تهدأ النفس والأضلع
ولم أر بعدك ما يستـــــــطاب *** ولم أر بعدك ما ينفــــــع
وإن غرد الطير فوق الغصون *** عجبت له صادحاً يسجع
وأصبح قلبي كطفل يـــــــنوح *** يدور ويطلب من ضيعوا

ورقة وردية معطرة تفوح عذابا وأنينا وقعت في يدي وأنا أصحح دفتر وضحى. لبثت برهة لا أريم وأنا أحدق في الكلمات السجعية أمامي، ثم سحبتها ودسستها بلطف في جيب معطفي وقلبي يخفق بعنف.... ألن يكف هذا الفتي... أن ينسي ... ألن يسلو... حتى متى... وإلى أين؟

تراءى لي وجهه الوسيم ينبثق من وجه شقيقته... عيناه السوداوان تبثاني الشوق والهيام، وابتسامته المميزة تتلو آيات الحب والحنان، ملامحه الوادعة تسألني ألا أبتعد وأسلو...
- أبله... هل تريدينني؟
هززت رأسي وأنا أعيد لوضحى دفترها وأخرج من الفصل إلى حجرة المعلمات لأجدهن يتناقشن بصوت هامس على غير العادة... أمرتني إحداهن بأن أغلق الباب بهدوء فأيقنت أن في الأمر سراً....
قالت فوزية:
- أحلام لقد قررنا جميعاً تقديم شكوى في مديرتنا لمكتب الإشراف التربوي بالمنطقة ثم لمدير التعليم أيضاً...
وقبل أن أسال لم... تابعت فوزية بصوتها الهادئ...
- أنت تعرفين بأنها غير عادلة في المعاملة بيننا خاصة نحن السعوديات والأخريات بنات بلدها. ففي اجتماعاتهن السرية لا نحضر وفي الحصص نصيبهن أقل منا وهن من يتولين الإشراف على الأنشطة وأمور الطالبات... أيضا معاملة هذه المديرة لنا غير لائقة فهي عصبية تشتمنا بداع وبدون داع وتعاملنا بحدة ولا تقبل تأخيرنا في الصباح مهما كانت الأسباب...
قالت فاطمة:
- و لا تنسي ما فعلته معي قبل أيام حينما دخلت على الفصل واتفقت مع الطالبات أمامي على إلغاء الامتحان دون أي اعتبار لوجودي وكثير من المواقف الأخرى التي لا ننساها...
تكلمت صباح بهدوئها الذي اكتسبته أخيراً...
- هذه الورقة دونا فيها أسماءنا جميعا لنرفعها إلى المكتب الإشراف... هيا دوني اسمك ووقعي على الورقة...
ألقيت كتبي جانيا وأنا أهتف:
- لن أوقع؟
صرخت الزميلات في وقت واحد:
- أحلام...
تجاهلت صرخاتهن قائلة:
- عزيزاتي صدقنني لن نجد أفضل من هذه المديرة... ولكل إنسان في الدنيا سيئات وحسنات... إيجابيات وسلبيات... وإيجابيات هذه المديرة تغطي سلبياتها ولا أخفيكن بأنني مرتاحة جدا معها لدرجة أنني لا أود النقل إلى الرياض...
ضحكت إحدى الزميلات باستهزاء... وتهامسن أخريات، فقالت صباح بدون مواربة:
- مرتاحة مع المديرة أم مع وضحى....

جفت ريقي فجأة وامتقع لوني فلم أستطع الرد... لبثت لحظات أحاول أن أستجمع شتات نفسي وأستعيد هدوئي ورباطة جأشي لأتمكن من الرد... ولكن ماذا أقول وأي كلمات ممكن أن تسعفني؟ فمن الواضح أن أمري قد انكشف بين الزميلات وربما في المدرسة ككل بل قد يكون الأمر قد تعدي الهجرة أو القرية بأسرها... يا إلهي... رغم تكتمي للأمر ومحاولتي مداراته بكل الطرق الممكنة والمستحيلة وإخفاءه بقدر الإمكان، اكتشفت مؤخرا بأن العالم أجمع يعلمون عداي أنا... ترى ماذا يعلمون وإلى أي مدى انتشرت أخباري وعلاقتي بوضحى وشقيقها والمراسلات السرية بيننا...

سيطرت على نفسي بصعوبة وتظاهرات باللامبالاة وأنا أقول:
- إن وضحى إحدى طالباتي المتفوقات لذلك فأنا أحبها وأميزها عن بقية الطالبات...
رنت ضحكة ذات مغزى وقالت فاطمة بسخرية مبطنة:
- نتمني ذلك...
اشتعلت غضبا وامتلأت نفسي بالحنق والخجل والاشمئزاز، فمضيت خارجة لا ألوي على شئ ولم أتناول فطوري... استوقفتني صباح قائلة:
- أحلام ... الورقة...
قلت دون أنظر إليها:
- لن أوقع شيئا لست مقتنعة به...

وفي طريق العودة إلى الرياض جلست إلى جوار صباح كعادتي أحيانا... لكنني كنت أعاني تشتتا داخليا مفزعا وأسئلة شتى تطرق رأسي بلا جواب... ماذا عرفت الزميلات بالضبط؟ هل تحدثت وضحى إلى أحد؟ هل اكتشفت شخص ما علاقتي بسعد؟ وما مدى انتشار هذا الاكتشاف؟ هل هو على مستوى المدرسة أم على مستوى القرية ككل؟ وماذا سيحدث لو انتشر الخبر بين زميلاتي؟ كيف ستكون نظرتهن لي؟ وهل سيصل الخبر لأبي فيقضي على حياتي فورا؟ هل أسأل تلك القابعة إلى جواري بصمت لعلها تخفف بعض ما بي؟

ترددت قليلا قبل أن أهمس لها بوجل:
- صباح.. هل... هل... أعني خبر...
قاطعتني بحدة:
- اطمئني فقد مزقنا الورقة وألغينا الشكوى... هل ارتحت الآن؟

وفعلا تنفست الصعداء بأنني لم أتهور وأسألها ما كنت أنوي معرفته، فمهما يكن من أمر، في لحظة أن أحادث" سعد" بما علمته وأسأله الحل...

وفي الموعد المتفق عليه أدرت أرقام الهاتف بأصابع مرتجفة وقلب واجف وعينين حائرتين... كنت أخشى ألا أجده في المكان والزمن نفسيهما ولا أجد من يشاركني هذا الحمل الثقيل الذي ينوء به كاهلي وسمعتي التي أصبحت في مهب الرياح عرضة لكل عاصفة هوجاء وألسنة لا ترحم... إنني لا أخشى على نفسي فقط، فشرفي وكرامتي ليسا ملكي بل هما أمانة أهلي وأبي وأشقائي وأحملهما كرسول يحب أن يحافظ عليهما، ليعيدهما كما هما إن لم يكن أفضل... إنني أحترم اسمي واسم عائلتي عن عقيدة بأن هذا واجب وليس ترفا... أساسي وحتمي وليس جانبيا أو لهوا وعبثا...

صوته الممتد عبر الأسلاك يزلزلني ... يخترق كياني:
- أحلام ... هل أنت مريضة ... ما بك ...لقد انتظرتك طويلا طويلا دون جدوي... هل أنت بخير؟
وتدافعت الكلمات على فمي... تدفق صوتي يحكي له بحرارة عما سمعت ورأيت، عن خوفي وألمي، ترقبي وضياعي، استهزاء الزميلات وغمزهن... سألته في النهاية... هل يعلم أحد ما عن شئ؟
قال بصوت واثق بعث الهدوء والاطمئنان إلى نفسي الخائفة:
- إننا لا نفعل ما هو خطأ أو عيب... ولا يعلم عن علاقتنا الشريفة سوى شقيقتي وضحى وهى لم ولن تخبر أحد ولا تجرؤ على أن تفعل ذلك وهي كتومة جدا بالمناسبة... لكن لا تخشى شيئا ربما لاحظت إحدى زميلات المراسلات بينك وبين وضحى فتوقعت شيئا ما أو شعروا أنها تخصك بالهدايا وحدك ... لكن .. أحلام... لقد قررت التقدم لخطبتك في أسرع وقت ممكن ولن أقبل معارضتك في هذا الأمر...
شهقت بفزع حقيقي:
- إن أبي يعرفك منذ أن قمت بتوصيلي إلى بيتنا وسيكتشف كل شئ....
قاطعني برقة:
- ليس بيننا شئ معيب ليكتشفه ثم إنني أتقدم لك على سنة الله ورسوله ولا أبغي منه أن يبارك لنا الزواج ولن أرفض أي طلب له حتى لو طلب مال قارون... ما رأيك؟
ضحكت بسعادة وأنا أتناسى وجه أبي... أردف قائلا:
- سأحضر لكم بعد غد ومعي أبي وأمي وشقيقي... وسيجمعنا بيت واحد قريبا إن شاء الله وسأسكن معك في الرياض حالما ينتقل عملك إلى الرياض... لكنني أود أن أسألك ماذا تحبين أن يكون اسم طفلنا الأول؟
ضحكت حتى دمعت عيناي وأنا أجيب:
- ليلة الزفاف سأخبرك....

ولم أنهم ليلتها... إحساس بالسعادة أوصلني لمرحلة التعاسة فلم أضحك في حياتي ضحكة قط إلا وأتبعتها بكلمة (اللهم اجعله خير ) هكذا هي أنا أرى السعادة تحمل التعاسة و ألوان الفرح المضيئة تخفي بين طياتها ألوان الحزن القاتمة ولا تعبر البسمة حتى تعقبها دمعة ، لذلك أخشى أيام السعادة وأرتعد خوفا من فرح آت لا ريب ، فخنقت فرحتي تلك الليلة بتشاؤمي المعهود ولم أطلق لخيالي العنان كبقية الفتيات لأتصور ليلة زفافي الرائعة وثوبي الأبيض الناصع يحوطني سعد بذراعه ويجتاز معي خطوات نحو الأمل والسعادة القصوى ... كلا ... كنت أركز أفكاري فقط على الأيام القادمة وما سيحدث بها ...

يوم الجمعة الساعة السادسة مساء ... ما إن خرجت من الحمام حتى تلقفتني زوجة أبي هامسة بأن هناك ضيوفا يرعبون في رؤيتي ... ارتعدت أوصالي بعنف وتسارعت دقات قلبي وأنا أسألها من هم لتشير علي بأن أتبعها بسرعة ... أدركت أنه سعد ... هرعت إلى حجرتي لأنتقي ثوبا للمناسبة ، ولسرعتي واضطرابي لم أجد الثوب الملائم فأخرجت كل أثوابي من الخزانة وألقيتها على الفراش ، ثم وقع اختياري على زي المدرسة اليومي ، قميص أبيض محلى بنقوش سوداء و تنورة سوداء طويلة ثم شرعت في تهذيب شعري الطويل وتجميل وجهي ببعض الرتوش الخفيفة ... وأسرعت إلى حجرة الضيوف لأجد وضحى بوجهها الباسم الخجول تجلس إلى جوار والدتها ... أخذت مكاني بينهم لحظات قبل أن أسمع صوت أبي وهو يعلو ثم صراخه الذي أخذ يتردد في أنحاء البيت :
- ابنتي ليست للزواج ... إنها مخطوبة ...

نزلت علي كلمات أبي كالصاعقة ، فلم أحر جوابا بل مضينا نتبادل نظرات صامتة ذاهلة تغلب فيها الدهشة والتعجب على أي إحساس آخر ... ثم علا صوت أبي مرة أخرى ... علا أكثر فأكثر فملأ الفضاء من حولي وسد جميع الثغرات ليختبئ الصمت في أعماقنا خوفا و خجلا ... قال أبي مواريا آمالي التراب وموجها أولى رصاصاته إلى قلبي :
- قلت لك ليس لدي فتيات للزواج ... إنس الأمر ولا إلى هنا مرة أخرى وإلا طردتك ... ابنتي زفافها بعد شهر واعتبر نفسك مدعوا منذ الآن ...

ضباب كثيف هبط على نفسي فجأة ، فلم أعد أرى شيئا أمامي سوى سماء سوداء كئيبة وطرق تلتف حولي كأفاع سامة تود التهامي ... وخراب في كل مكان ... انهارت معنوياتي وفقدت كل أحلامي دفعة واحدة ، فلم أعد أرى يستحق العيش لأجله أو تحمل الحياة من أجل عينيه ... جفت عيناي فلم أبك وانهمرت دموع الداخل بلا حساب و تزدحم الشهقات الباكية في صدري دون أن تخرج، فتفرز غيظا وقهرا بلا حدود ... أسرعت خارجة من الحجرة دون توديع للضيف إثر كلمة أبي القاطعة ( مع السلامة ولا تريني وجهك مرة أخرى ) .

استوقفتني زوجة أبي فد فعتها عني دون أن أرى ومضيت أصعد السلالم وأشلائي تتمزق مع كل خطوة أخطوها وصوت أعماقي يبعثرني هاتفا: لماذا... لماذا ... لماذا يا أبي ؟ ليأتيني الجواب سريعا على غير انتظار بصفعة مدوية على صدغي ثم أخرى وأخرى وهو يهدر غضبا :
- أوصلك إلى البيت ثم حضر ليخطك ... ما معنى هذا ؟ ما معنى هذا؟ على حافة الانهيار كنت حينما أمسكت أذناي بتلابيب صوته الجهوري وهو يصرخ :

- الفجور والانحلال مكانهما ليس بيتي ، قبل الآن ... قبل أن أغيب عن الوعي أطلق على قلبي رصاصته الأخيرة وحكم علي بالإعدام ...

- استعدي ... زواجك على أبي علي بعد واحد فقط.. لقد طلبك مني مرات عديدة والآن فقط سأجيبه لطلبه ...

أبو علي ... من هو أبو علي هذا... رباه ... كلا ... إنه الشيخ السبعيني تاجر قطع الغيار ،زوج لامرأتين وأب لخمسه عشر ولدا و بنتا ... إنه مصير سعاد يعود لي مرة أخرى ... كلا بل إنه أسوأ من مصير سعاد ، ثم دخلت في غيبوبة أنستني كل شيء مؤقتا.



 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 04-05-09, 03:41 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,193
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء التاسع عشر


لم أكن أدرك قبل الآن أن المصائب لا تأتي فرادى بل جماعات وركائب متتالية لمن يعيشها بأنه ليس وحده المصاب والمبتلى، ففي قمة عذابي ويأسي ومصابي شق أذني صراخ ليس غريبا على مسمعي... صراخ حبيب ذكرني بصراخ أمي حينما أهداها أبي الزوجة الأخرى. انقبض قلبي بشدة وتهاوت أقدامي وأنا أسمع صوت شقيقتي بدرية تصرخ من أعماقها... أسرعت أهبط السلالم وبرودة غريبة تسري في جسدي ومئات الخواطر تتزاحم في مخيلتي عما يكون قد جرى لها، دعوت في سري ألا يكون شئ ما قد أصاب أحد أولادها فهم كل حياتها ومستقبلها...

بيد أن دعوتي ربما لم تصل إلى السماء حالما سمعتها تسرد ما حدث لها لزوجة أبي... كنت أقف في آخر درجة من درجات السلم وصوت بدرية يصلني حيث أنا، بل يتردد في أرجاء البيت متعبا متهالكا حزينا، فوقفت في مكاني لا أبرحه تتناهى إلىّ كلماتها الحائرة... سعود طفلها الأكبر ورجلها القادم وفارس أحلامها وأحلام أطفالها الآخرين... سعود الفتي ذو السادسة عشرة من عمره من غذته بدمها ودموعها وأنينها... من نفخت فيه روح الرجولة صغيرا وأطعمته أحلامها وأمانيها وزرعت فيه الحب والخير لك الناس... سعود ذلك الأمل الصغير الذي بدأ يكبر ويكبر ليتضاءل كل شئ ويبدو الأمل سرابا والحلم وهما والمستقبل ضربا من الجنون... سعود ذلك الطفل الذي تشرب اليتم صغيرا وتلفت حوله بحثا عن قدوة ومثل أعلى لرجل يقتدي به في كل أفعاله فلم يجد سوى امرأة... امرأة كسيرة مهيضة الجناح محطمة ممزقة تنظر إليه على أنه إله أو شئ مقدس، فتعطية كل شئ بلا مقابل لمجرد ذكورة مؤجلة وتعطش مرير لرجل يملأ البيت بالهيبة والتقدير... ميزته أنه الذكر الأول يليه بعد ثلاث بنات وذكر آخر... أمل صغير آخر لكنه ليس بحجم الأمل الأول والأكبر. تدفقت عليه ينابيع الحنان من أم تعايش عاطفة بلا رجل وأنوثة بلا رجاء، وأحاسيس معطلة حتى إشعار آخر... ظلم سعود... رغم طفولته وكم الحنان الهائل فقد كانت المسؤولية الملقاة على عاتقه كبيرة... كبيرة لا تتحملها طفولته الغضة ولا يتمه المبكر، فدور الأب والأخ والزوج والابن لم يكن يليق به أو يناسب سنه الصغيرة فنشأ يحاول الهرب ويمارس لعبة الابتعاد حتى حطم القيد الذي يكبله بأمه، فابتعد أكثر وأكثر ليضم إلى جماعة فتيان عابثين، ثم تدرج الأمر من تدخين لفافات التبغ إلى استنشاق المذيبات المتطايرة ثم التحول الرهيب والكبير بتعاطي المخدرات... كانت تحاول إعادته إلى حظيرة الأسرة بكل الطرق الممكنة ولم تكن تحكي أو تشكو لأحد، بل فضلت معالجة الأمر بنفسها كيلا يتطور الأمر وتصبح فضيحة تهدد العائلة ويعلم والدها بالأمر فتكون العاقبة وخيمة... فحاولت معه بكل الطرق بالود والملاطفة ثم السياسة والمداهنة إلى الشدة والقسوة والعقاب ثم الحرمان من النقود، لكنه لم يرتدع بل أمعن في غيه وازداد إصراراً على المعصية حتى جاءها اليوم صباحا في حالة غير طبيعية يهذي ويصرخ ويتهم أشخاصا مجهولين بملاحقته، فحادثت أخي صالح لينقلوه على وجه السرعة إلى المستشفى... المصيبة أن المستشفى حولوه إلى مستشفى الأمل بعد ظهور نتيجة التحاليل بأنه مدمن، ثم أخذت تبكي بحرقة شديدة، تبكي خيبة أملها وتحطم حلمها الوردي إلى أشلاء متناثرة... تبكي الماضي والحاضر... ماضيا لم تختره وأجبرت عليه قسراً وحاضراً بحرمانها من كل حقوقها المشروعة انتهاء بحصادها المر بعد سنوات طويلة من الحب والرعاية ثم انتهى كل شئ بلا شئ...

أسرعت لأضمها إلى صدري، فلا ملجأ لها سواي ولن تجد صدراً يستوعب أحزانها سوى صدري، ولا يداً تمسح عنها عذابها سوى يدي، ولا صوتاً حنوناً يداوي جرحها سوى صوتي... تعانقنا وفي داخل كل منا عواصف من الأحزان. هي بأملها الذي انهار أمام عينيها ومستقبلها الزاهر الذي بنته لبنة لبنة لينتهي في مستشفى الأمل بلا أية بارقة من أمل... وأنا بقتل أحلامي وآمالي على يد أبي وانتهاء قصة حبي نهاية مؤسفة ستظل طوال عمري جرحا عميقا ينزف داخلي بغزارة، سعد حبي الأول والأخير أول إنسان يفتح عليه قلبي... وتزهر به آمالي... أحببته حبا ملأ عليّ حياتي وملك عليّ عقلي وقلبي، أحببته بكل كياني وبكل قطرة دم تسوي في شراييني... ولم يكن اختياري خاطئا... لم أقع في يد سكير عربيد أو لص خبيث أو عاطل متسكع أو حتى عابث يتلاعب بقلوب الفتيات... كلا فمن أحببته واخترته بملء إرادتي كان رجلا بمعنى الكلمة، صادقا وشريفا... أحبني مثلما أحببته بل ربما أحبني أكثر مما أحببته ولم يأت من النافذة سارقا كلص، بل أتي من الباب كأي رجل صادق الوعد والعهد يحترم نفسه كما يحترم حبيبته، ولم يكن ينقصه شئ ليرفض، فهو شاب له مستقبل، مدرس من عائلة مرموقة، أخلاقه فوق مستوى الشبهات، مستواه المادي ممتاز أيضا، فهو مشروع أديب أمامه مستقبل عريض ومع كل هذا فقد رفضه أبي... رفضه بكل قسوة وعنجهية وظلم...

رفضه لمجرد أنه أوصلني ذات يوم فتنبأ بان هناك شيئا ما بيننا وبدلا من أن يوافق ويسارع للم الشمل يرفض الرجل ويصر على الرفض ثم يطرده بلا حياء. وزيادة في العنجهية والغرور وإثبات السلطة يقرر زواجي من عجوز سبعيني لا يعرف الفرق بين الألف والعصا لمجرد إبعاد الشاب عن طريقي ودفعه لأن ينسى أمري ويبحث عن نصيبه في مكان آخر... أي تفكير هو تفكيرك يا أبي وأي ظلم هو ظلمك! قتلتني وأنا لا أزال على قيد الحياة.... حرمتني حق الاختيار وطعم الحرية وإحساس الحب والسعادة وأردتني أداة لظلمك وقسوتك... أداة تحركها كيفما تشاء... تقتلها... تحرقها... تحرمها... أداة طيعة بين يديك بلا اختيار ولا أي إحساس... أردتني كأخوتي تصنع مستقبلهم كما أردت أنت لا كما أرادوا هم، فعاشوا وما زالوا تعساء يعانون خطأ الاختيار ومرارة الانصياع والانحناء للعاصفة... أبي أستطيع أن أقف في وجهك وأرفض اختيارك الظالم لي وأثور على كل الأوضاع، بل أستطيع أن أهرب، أن أنتحر وأقتل نفسي بتوقيعك... كعادتك دائما... لكن لا.. شئ ما في داخلي يمنعني بشدة ربما هو آثار " لا حول ولا قوة إلا بالله" التي جملتها في داخلي إرثاً من أمي أو هو طريق رأيت أخوتي ساروا عليه فسرت عليه كشيء لا بد منه كحال المحكوم عليه بالإعدام حينما يرى رفاقه يعدمون أمام عينيه فهو يحني رأسه باستسلام... كشيء حتمي لا مفر منه أم هي رغبة داخلية في الانتقام... الانتقام من أبي في نفسي... ليراني سلعة ذليلة في يد رجل لا يعرف قدري... ليراني بأم عينيه مهانة كرامتي مستباحة وجمالي يذبل شيئا فشيئا ليغدو إلى سراب... ليراني حزينة ضائعة باكية أرنو إلى أشياء لا أمتلكها وأزهد في أشياء تطفح بها حياتي. ليراني مبعثرة أجاهد حلما يسكنني وأبحث عن أمل مستحيل أهفو إليه... ترى هل بعد كل هذا أرى دموع الندم في عينيه... الدموع التي أتحرق شوقا لأن أراها فتطفئ بعضا من النيران المشتعلة في جوفي والتي لا تطفئها المحيطات. إنه رغم قسوته وجبروته يشعر ببعض الأسى حينما يرى حال أولاده... غصة مرارة... أو ربما سحابة ألم عابرة يمر بها في فترات استشعرتها به في أحوال مختلفة حتى حال سعاد الأخيرة وهي تعود لزوجها ذليلة مهانة بلا آمال وربيع العمر يتبعثر تحت أقدام رجال لا يستحقون... أبي ألا تعتبر... ألا ترى في أحوال أخوتي الكفاية كل الكفاية من هذا المصير الذي تدفعني إليه... ألا زالت شهوة التشفي والانتقام جزءا لا يتجزأ منك؟ لماذا لا ترضى إلا أن تحصد المرارة كاملة والعذاب مضاعفا وعقاب الرب شاملا... لم لا تخفف من الآثام وتكفر عن ذنبك في حق أخوتي بي... فتزوجني من أحببته وأحبني... من سيرعاني حق الرعاية وأخدمه برموش عيني... ممن سنعرف أنا وهو سيمفونية حب كاملة لا يعرفها سوى العشاق... لم يزين بها بيته تضاف إلى قطيع كامل من البشر لا يربطه بها سوى المال والمال فقط لا غير يا أبي.. أبي أين ضميرك وكيف يهنأ لك بال ويغمض لك جفن وابنتك تباع وتشتري كسلعة لها ثمن يضمها بيت واحد موحش مقفر مع رجل عجوز يفوق أباها عمراً لا يجمعهما شئ سوى عقد الزواج، فلا حوار متبادل ولا حب أو ود أو أي شئ مشترك بينهما... فأية هاوية تدفعني إليها يا أبي بقرارك وباختيارك دونما تقدير لإحساسي ومشاعري وشبابي الذي حصدته قبل الأوان...؟

أي تفكير هو تفكيرك يا أبي؟ وأي ظلم هو ظلمك؟ وأي جرف عميق ننحدر إليه جميعا بتخطيطك وتقديرك ومباركتك...؟ حتى سعود هذا الصبي المراهق الغض أشم في انحرافه رائحة غدرك وتخليك ونكرانك. فأي سجلات حافلة سطرها تاريخك أبي بدءا باغتيال زوجتك على مذبح شهواتك مرورا بتدمير أبنائك الواحد تلو الآخر وانتهاء بتشريد أحفادك... عفوا وعذرا يا أبي أستميحك المعذرة، لكنها الحقيقة البشعة التي لو لم أحكها بلساني لنطقت بها عيناي... سعود هو الضحية وأنت الجاني الأول والأخير... سعود طفل غرير نشأ في أحضان امرأة هي أمه ولا وجود لرجل في حياتهما على الإطلاق سوى لمسات بعيدة... بعيدة تأتي أحيانا من الأخوال... ولأنها نادرة وبعيدة ولأنك رفضت زواج بدرية من أي رجل على وجه الأرض نشأ الطفل وهو يشعر نفسه محور الكون والنبي المنتظر بلا محظورات أو محرمات أو أسلاك شائكة يحيطه بها المربون من الرجال، فبدرية رغم فطنتها لن تستطيع ملاحقة الصبي على أرصفة الشوارع لتعرف مع من يتحدث ويسير ويصادق وماذا يفعلون أو يأكلون ويشربون، فهي امرأة أولا وامرأة مقيدة ثانيا وامرأة مكبلة بالأغلال ثالثا، لأنك يا أبي حرمتها الزواج كما حرمتها الحرية وممارسة حقوقها كامرأة، فلا زوج ولا صداقات. تسير ضمن دائرة مغلقة لا تتعداها هي بيتها وأطفالها تحيط بها المحرمات من كل جانب فلا دخول ولا خروج ولا علاقات مع أي كان سوى في أضيق الحدود... مسكينة أنت يا بدرية وتعيس هذا الصبي اليتيم...

همست من بين دموعها:
- أحلام... هل تعتقدين أنه سيشفى ... هل سيعود ... فتي... سويا كما كان؟
جاهدت كثيرا كيلا تسقط دموعي وأنا أقول لها :
- بالتأكيد سيعود يا بدرية وسينسى كل شئ حدث له، فجميعنا نكبر وننسى لكن كفي عن معاملته كرجل بالغ وعامليه بمستوى طفولته وأنك لا تطلبين منه سوى أن يتفوق وينجح... ينجح فقط لا غير... أليس كذلك يا بدرية؟
انهارت في بكاء عاصف حينما دخل أبي وكان رد فعله تماما كما توقعت فقد غضب وصرخ وشتم وكاد يتهجم عليها بالضرب قائلا:
- أنت السبب... أنت من أفسدته بتدليلها حتى حدث ما حدث... إنها فضيحة... فضيحة كبيرة... لكنه لن يعيش معك بعد اليوم بل سيعيش معي وسأربيه كما ربيت أبنائي ولا تتدخلي في شؤونه أبدا بعد اليوم ... أفهمت؟

ومن بين دموعها وقعت بدرية إقرارا لأبي بأنها لن تتدخل في شؤونه ابنها بعد اليوم ولا حتى عندما يتزوج وينجب...

قبل أن تعود إلى بيتها مشتتة النفس حائرة تتقاذفها الهواجس والظنون ويؤرقها مصير ابنها الذي يفارقها لأول مرة في حياتها وحياته قررت أن أبلغها خبر زواجي المرتقب لتكتمل ثالثة الأثافي... نظرت إلى غير مصدقة ثم ضربت صدرها بيدها وهى تهتف:
- هل أنت جادة أم تهزلين؟
قلت لها بلا مبالاة:
- وهل عهدتني إلا جادة يا بدرية ... إن زواجي بداية الشهر القادم كما أخبرني أبي ولا مفر...
انبثقت الدموع من عينيها مجددا وهي تقول:
- وهل ستقبلين هذا الأمر... هل سترضخين .... كلا .. افعلي شيئا يا أحلام... ناقشي أبي... امرضي... اهربي.. افعلي أي شئ.
أشحت بوجهي عنها وأنا أمسح دمعه هاربة من عيني:
- لن أفعل شيئا يا بدرية... وليقدر الله أمرا كان مفعولا...

ثم أدرت ظهري لها وأسرعت أرتقي السلالم بسرعة مذهلة لألقي بنفسي على فراشي وأنا أنشج ببكاء مرير...

*******************

الجزء العشرون





حلم بشع أو هو كابوس مريع رافقني على مدى ليلة بأكملها... أرى نفسي خلاله على قمة جبل عال وحيدة أنظر إلى مجموعة من الناس أسفل الجبل وأشير لهم بعلامة الوداع... لم أميز هؤلاء الناس سوى زميلتي صباح، والبقية لم أكن أعرفهم أو ربما كنت أعرفهم ولم أميزهم جيداً لكنهم ليسوا غرباء عني أبداً...

نهضت من نومي منقبضة النفس ممزقة الفؤاد أحمل فوق كاهلي أكواماً من الأحزان والعذابات. أجر قدمي جراًُ إلى الحمام ثم أهبط درجات السلم وفي حلقي مرارة، يحيط بي السواد من كل جانب، أرى الدنيا كئيبة تعيسة لا تستحق من يحياها أو يتنفس هواءها... أحسست بضيق شديد في صدري حينما صعدت إلى سيارتنا التي تقلنا إلى الهجرة. أخذت دقائق أجاهد لمحاولة التنفس بشكل طبيعي، لكنني فشلت فقد كان شئ ما لا أدركه يجثم على صدري ويكتم أنفاسي دون أن أراه أو أعرفه...

سألتني صباح وصوتها مغلف ببقايا النوم:
- ماذا بك؟ تتنهدين بقوة كأنك ستموتين...
أجبتها محاولة أن أخرج من قوقعة ذاتي المحطمة:
- لا أدري لماذا أشعر بالاختناق والهبوط النفسي والمعنوي....
قالت ضاحكة:
- ربما هو الحب...
رددت بحسرة عجزت عن إخفائها:
- أين أنا والحب أين... أتدرين يا صباح أن زواجي بعد شهر واحد أو أقل...
شهقت صباح شهقة عالية ودارت بجذعها نصف دورة لتقترب مني أكثر فأكثر ثم قالت بصوت رائق صاف وقد تطايرت منه بقايا النوم تماما:
- حقا... أحقا زواجك بعد أقل من شهر... ومن هو سعيد الحظ هذا؟ هل هو من ... أقصد يمت للقرية التي ندرس فيها بصلة؟

تعالت الصرخات داخلي وازداد وجداني ألما ونحيبا... تقصدين سعد يا صباح بالتأكيد أنت تعنينه بكلماتك... الآن فقط عرفت بأن الزميلات كلهن يعرفن قصة حبي بل ربما الهجرة بأسرها تعرف ذلك... لكن ما لا يعرفه هؤلاء أن سعد ليس من نصيبي وأن أبي قد فرق بيننا إلى الأبد... كلا يا صباح... كلا يا زميلتي العزيزة، فحبي الوحيد لن يتوج بالزواج بل سيداس تحت الأقدام ويموت شر ميتة وإن لم يمت في القلوب فستقتله المرارة والحرمان...
تمالكت دمعي وأوقفت طوفان حزني وأنا أقول:
- كلا يا صباح... زوجي المقبل...

وخنقتني العبرات بيد أنني خنقتها وتغلبت عليها بشجاعة خارقة ولم أشأ إخبارها بالحقيقة الموجعة! فماذا سأجني لو صارحتها بأن زوجي المقبل في خريف العمر يخطو خطواته الأخيرة في الحياة ويرغب في ممرضة للمرافقة أكثر منها زوجة وشريكة حياة؟ تابعت بصوت مخنوق:
- إن زوجي المقبل هو من أقارب والدي...

أمطرتني صباح بعدها بالأسئلة حتى ندمت على تسرعي بإبلاغها بأمر زواجي، لكنها شغلتني إلى حد ما عن آلامي الكثيرة وبددت جزءا من وحشة كنت أستشعرها داخل نفسي... كانت صباح منطلقة مرحة على غير عادتها وكأنها عادت إلى الوراء فترة طويلة.... فترة ما قبل خطوبتها ووفاة خطيبها وكأنها استردت روحها الغائبة مرة أخرى... قالت بمرح:
- هل ستعزمينني على حفل زفافك؟

وفجأة قبل أن أتفوه بحرف حدثت هزة قوية بالسيارة وتعالت صرخات الزميلات الفزعة... لحظات خارج الزمن وقف شعري خلالها ذهولا ... فلم أدر ماذا يحدث لنا.. أدركت لوهلة أنه اصطدام بصهريج مياه ضخم خرج علينا دون أن ندري... ربما غفا السائق أو سها أو أصابه دوار لكن الحادث تم والصدمة القوية ساهمت في تدحرج سيارتنا على رمال الصحراء مرة واثنتين وربما ثلاث مرات... لا أدري... كل ما أدريه أن الصدمة والانقلاب أطاحا بي خارج السيارة من خلال زجاج النافذة المهشم... لحظات رهيبة قاتلة توقف فيها عقلي عن التفكير وعجزت عن الاستيعاب وكأنني في عالم آخر، خيط ما يربطني بالحياة وخيوطي الباقية تقطعت.... صراخ وتأوهات وحريق... حريق هائل يشعل سيارتنا بأسرها فبدت ككتلة عملاقة من النيران اللاهبة تصل الأرض بالسماء ... وعويل ... عويل يصم الآذان و يوقف الدماء السائرة في العروق ، ثم لا شيء ... تلاشى كل شيء في لحظات و لم يبق إلا السكون ... السكون القاتل المخيف ، ينبثق من صمت الصحراء الممتدة بلا نهاية يشكلان لي رعبا بلا حدود... سيارتنا الصالون التي تقلنا وقد غدت كتلة هلامية متفحمة صامتة ... صامتة بكل ما فيها من أجساد وأرواح كانت تتطلع نحو الأمل ... وصهريج المياه بكل ثقله وضخامته منكس على رمال الصحراء بلا حركة ولا أدرى من بداخله هل هم أحياء أم صعدت روحهم إلى بارئها كما حدث مع زميلاتي ... زميلاتي ... آه رباه لا أكاد أصدق ... من دقائق فقط كنا نتبادل الحديث بكل حيوية ونشاط ثم يا إلهي ...مضيت أتحسس جسدي بوجل ... لا شئ ... سوى جروح بسيطة في القدم اليمنى حدثت إثر اندفاعي من زجاج النافذة ... أشعر بصداع شديد يكاد يحطم رأسي... لم أستوعب بعد كوني الناحية الوحيدة من حادث مريع كهذا، فلم يسعفني تفكيري بأي شيء سوى النظر في شتى الاتجاهات لمعرفة أين أنا وفي أي مكان نقبع ... فوجئت بصرخاتي تنطلق بلا وعي منادية : صباح ... صباح ... أبو راشد ... أم راشد ، وترتد صرخاتي إلي مضمخة بالألم والحسرة وبأنه لا حياة لمن تنادي ... دقائق أخريات وبدأ تفكيري يصفو شيئا فشيئا ... أدركت هول ما حدث ... تلفت حولي باحثة عن مخرج ولحسن الحظ تذكرت أنه بعد هذا المرتفع الصخري تكمن الهجرة التي نعمل فيها ،أي أنني قريبة جدا من القرية ، مسافة كيلو متر واحد أو يزيد فقط لا غير ... أحكمت عباءتي الممزقة حولي ومضيت في السير بلا حقيبة أو حذاء ... مضيت أسير دون التفت ورائي ، أحمل الفاجعة داخلي لتمزقني إلى شظايا ، هل يعقل أن زميلاتي كلهن لقين حتفهن ... احترقن ... كلهن ذهبن سدي،لا حول و لا قوة إلا بالله ، منهن الأم والزوجة والفتاة التي تحلم بمستقبل باهر وبزوج يحملها على أجنحة الأحلام ... أمهات تركن وراءهن أطفالا رضعا ينتظرونهن بفارغ الصبر و أزواج عشاق يحلمون باليوم الذي تنتقل فيه زوجاتهم إلى المدينة لينعموا بالاستقرار و الحب و الحنان ... وحدي فقط أنجو ... يا لسخرية القدر ... أنا التي لا أمل لها في حاضر أو مستقبل ... فبعد أن حبي وحياتي فقدت معهما كل شيء...

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
قديم 04-05-09, 03:43 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:

البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 13121
المشاركات: 14,193
الجنس ذكر
معدل التقييم: dali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسيdali2000 عضو ماسي
نقاط التقييم: 4972

االدولة
البلدCuba
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dali2000 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : dali2000 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

الجزء الحادي والعشرون


أيام قلائل وأدخل شرنقة الاحتضار الأخير فزواجي من هذا الشيخ العجوز موت آخر ... موت بطيء وأيام أبعثرها في اللاعودة تمتص شبابي رويدا رويدا حتى أغدو عجوزا في العشرين ... تماما كشقيقتي سعاد . رباه إن الموت أهون علي ألف مرة من زواج كهذا ، ليتني مت كزميلاتي , لو كنت أستطيع افتداء إحداهن لما ترددت أبدا ... حتى السائق أبو راشد و زوجته هما أحق بالحياة مني . ليتني حشرت نفسي في السيارة المحترقة لأموت معهم حرقا كما متن ، لكن وفجأة بدأت الفكرة تلتمع في ذهني المكدود ... نعم لماذا لا أموت ؟ لماذا لا أموت فعلا وصدقا ... أبدو أمام في عالم أبي والعالم أجمع أنني قد احترقت مع زميلاتي بينما أنا أعيش في عالم آخر... وأين أعيش ... ؟ لم أفكر طويلا ... بل غذذت السير حتى وصلت إلى الهجرة التي نعمل فيها . درت من حولها نصف دورة لأصل إلى بيت سعد ... تمنيت من أعماقي أن أجده في البيت لكنني لم أجده سوى والدته التي رحبت بي أيما ترحيب مندهشة من وصولي إليها بهذا الشكل المزري ... فوجئت بنفسي لم أستطع الحديث أو حتى التفوه بحرف واحد, كنت أرتجف بعنف من رأسي حتى أخمص قدمي , أسرعت أم سعد لتحيطني بالدثارات السمكية وتمددني على الأرض ثم ناولتني القهوة والمشروبات الساخنة ... كانت الصدمة قوية بحيث إنني شعرت بأنني كائن هوائي ,لست بأنسانة حية ولا ميتة بل شيء ما يسبح في الهواء ... في الفضاء ... بين النجوم وكأنني قد أصبت بحالة انعدام وزن ... ففقدت توازني واتزاني ... أدركت أم سعد بخبرتها الطويلة أنني أعاني من شيء ما فتركتني لفترة عادت بعدها لتدلك أقدامي ويدي بماء ساخن ...

جزعت لجروحي الظاهرة فانبرت تعالجها مهارة تحسدها عليها أمهر الممرضات , وقالت إن هناك كدمات برأسي و جبيني ثم صمتت ... أتى بعدها دوري بالحديث أو المفترض أن أتحدث لكنني انتحبت بشدة دون أن أنبس ببنت شفة , ضمتني لصدرها بحنان أم حقيقية ... أم أستشعرها لأول مرة في حياتي , أحسست قي أحضانها الدفء الذي افتقدته والأمان الذي أنشده وأنهارا من الحنان ... رباه كيف أعيش في ماضي أيامي بدون أن أعرف طعم حنان الأم وحب الأم ,إنه شيء مختلف تماما عن كل ما عرفته و عشته ... كم أنت محظوظ يا سعد وأنت يا وضحى بأمكما الرائعة.... إنني أحسدكم حقا... وتمنيت لوهلة بل إنني دعوت لربي بأن يبقيني كما أنا في حضنها وفي هذا المكان الذي أستشعر الأمن في جدرانه الصدئة أكثر من أي مكان آخر في العالم. أتمني لو أغمض عيني في حضنها وأنام إلى الأبد ... مر الوقت سريعاً لأسمع صوت سعد ينادي على أمه في ساحة الدار ، وعندما حاولت النهوض أمسكت بيدها برقة متشبثة بها كيلا تغادرني إلى أي مكان ، فإحساسي المؤلم بالضياع قادني إلى يقين أنني قد وصلت أخيراً إلى شاطئ الأمان الذي لن أغادره أبداً سوى إلى قبري ... لحظات ثم دخل سعد الحجرة ... وحاولت أمه أن تغطيني بوشاحها ، فرفضت الوشاح ودفته بعيداً عني ... أرعبتني نظراته الذاهلة المصعوقة وكأنه ينظر إلى كائن من كوكب آخر ، فاغراً فمه من هول المفاجأة ... قال أخيراً بدهشة :
- أمي ... أحلام ... هل هي أنت .... أحلام ...؟
ولدهشتي الشديدة فكت عقدة لساني فرددت عليه بصوت ليس صوتي :
- نعم أنا أحلام ...
اقترب مني غير مصدق ما يراه محاولاً الإمساك بيدي ... نهرته أمه بأن هذا لا يجوز ... توجه لامه بالكلام قائلاً – أنت لا تدرين يا أمي بما حدث .... لقد كنت أعتقد أن أحلام قد ماتت محترقة ... فقد اصطدمت سيارتهم بصهريج مياه في حادث شنيع وتوفي الجميع محترقين عدا سائق الصهريج الآسيوي ، فهو لم يمت لكنه في قسم العناية المركزة في المستشفى في حالة حرجة ... لقد انتشر الخبر في القرية يا أمي والناس يعتقدون بأن أحلام قد احترقت معهم فلم أتوقع ولا في أكثر أحلامي تفاؤلاً بأن أراها مرة أخرى وأمام عيني هاتين ...
خرج صوتي مبحوحاً محشرجاً وأنا أسأله :
- هل مات الجميع فعلاً ؟
هز رأسه علامة الإيجاب دون أن تحيد نظراته الموجهة صوبي بلهفة ممتزجة بدهشة ... أمسك يدي برقة وهو يقول :
- أحقاً أنت يا أحلام ... أحقاً لم تموتي مع الأخريات ... هل أنت أمامي أم شبحك حضر ليقتلني في الصميم ...؟
إغرورقت عيناه بالدموع ... جاوبتها عيناي وبكت والدته وهي تحمد الله على سلامتي ... سمعنا صوتأً في الخارج لتدخل وضحى ممتقعة الوجه تنظر لي بذهول قاتل ، ثم أسرعت لتلقي نفسها بين أحضاني وهي تجهش بالبكاء ... مر الوقت سريعاً وأنا أشعر باطمئنان غريب وخدر لذيذ يسري في أوصالي المرتجفة . لا أدري هل هو فرحة بالنجاة من موت محقق أم هي سعادة الوصول إلى مرفأ آمن ، أم أنه إحساسي المفاجئ بأنني قد وجدت نفسي أخيراً وأن مكاني الحقيقي بين هؤلاء الأحبة في بيت متواضع عامر بالحب والمودة ... أم بسيطة هي كتلة من الحنان والعطف ... رجل أشعر إلى جواره بأمن والأمان والراحة والاطمئنان فتاة هي أكثر من أخت وأعز من صديقة ... همست أم سعد برقة :
- هيا يا ابنتي ... هيا لتطمئني أهلك على نفسك ... بالتأكيد هم في حالة لا يعلم بها إلا الله ...
عادت ذاكراتي إلى ذلك البيت الكبير والصقيع الذي ينتشر في أرجائه ... الأب الظالم القاسي وزوجته اللامبالية رغم طيبتها وأخوة غير أشقاء لا أشعر بهم . تذكرت زفافي المقبل والقبر الحقيقي الذي ينتظرني فيقضي على سعادتي قضاء مبرماً ... فصرخت جزعة :
- لا يا خالة ... لا يا سعد ... أرجوك لا تعدني إلى هناك أبداً . دعهم يعتقدون بأنني مت محترقة فالموت أهون عندي من أن يزفوني إلى شيخ في عمر أبي...
ثم مضيت أحكي لسعد ووالدته وشقيقته ما حدث لي بعد زيارتهم الأخيرة... وكيف قرر أبي زواجي وسعي إليه... ثم أجهشت في البكاء... احتضنتني أم سعد بحنان وهي تهمس:
- لا عليك يا ابنتي سنحاول أن نوسط الجميع لدى أبيك كيلا يزوجك بهذه الطريقة...
صمت سعد وعلى وجهه سيماء تفكير عميق ثم قال أخيراً:
- لا قائدة يا أمي إنه سيزوجها رغماً عنها شاءت أم أبت...
ضربت أمه صدرها بقوة وهي تهتف:
- ألا تخاف الله يا سعد... وهل تخطفها أنت إذا كان أبوها سيزوجها... ألا تدرك سوء العاقبة؟
تكلم سعد بهدوء وروية:
- أمي... إنني لن أخطفها... ولكنني أفضل اختفاءها المؤقت حتى نجد حلا... ولتختر أي أحد تضمنه من أقاربها بأنه لن يفشي سرها وسأوصلها عنده بكل أمان...
صرخت بلا وعي:
- بدرية... نعم... أوصلني يا سعد لشقيقتي بدرية... وأرجوكم أن لا تخبروا أحدا بوجودي على قيد الحياة...

أمضيت النهار بطوله في بيت سعد ووالدته... وبعد حلول الظلام صعدنا إلى سيارة سعد التي أقلتنا إلى الرياض... لكنني كنت ذاهلة معظم الرحلة أستند إلى ذراع والدته في صمت، وهو ووضحي القابعة إلى جواره في المقعد الأمامي لا ينظران سوى للطريق أمامهما...

ما إن رأتني بدرية شقيقتي حتى وقعت على الأرض مغشيا عليها...


***************************

الجزء الثاني والعشرون




صباح وابتسامتها الوضيئة هل غابا إلى الأبد وتشتت أحلامها العريضة على أرصفة الأحزان... صباح تلك الفتاة المبتسمة أبدا وروحها المرحة اللاهية تعربد حولها بفرح طاغ... كلماتها ... ضحكاتها... حركاتها الكثيرة كلها تدل على حياة عريضة كاملة حافلة ممتدة حتى نهايات البشر أو حتى نهاية الكون... لم أتوقع أو أصدق أن هذا الكائن الخرافي ممكن أن يطويه قبر ما.. وللأبد... وأن يصمت صوت الحياة بداخلها للأبد... تلك الضاجة بالمرح، المزيج الرائع من الأمل والحلم والإرادة، هزمتها الدنيا الدنيا مرات لكن انطبق عليها المثل القائل " الضربة التي لا تقتلني تقويني" فخرجت من معركتها قوية رغم حزنها متماسكة رغم ألمها، مبتسمة رغم مرارة الجرح واستجداء النسيان... كانت تطمح بالنقل إلى المدينة إلى جوار أسرتها وتطمح بالزوج الذي ينتشلها من براثن الوهم والكآبة، وينفض عن ثوب عرسها الأبيض عذاب الانتظار، تطمح بأشياء كثيرة لم يمهلها القدر في تحقيقها.. وأراد لها أن تزف إلى قبرها متوجة بأحلام لم تتحقق وآمال تبعثرها الرياح... لحقت بعريسها الذي بكت دوما عليه. رب اجمعهما في الآخرة كما لم يستطيعا في الدنيا، ارحمهما برحمتك يا أرحم الراحمين... تتراءى لي فوزية بوجهها الشاحب وعينيها القلقتين أبدا... دائما قلقة متوترة يخنقها الإحساس بالمسؤولية والتشتت بين عمل بعيد لا يرحم وبيت زوج وأطفال يحتاجونها باستمرار... دموع أبدية تسكن عينيها تهفو للعودة والاستقرار مع أطفالها... لكنه العمل والحاجة له ... لمحتها مرات تبكي في صمت منزوية في الفناء الخلفي للمدرسة، تنظر إلى لا شئ وتبتلع دموعها مع قطعة خبز مبتلة بالعرق والدمع الغزير... تواريت كيلا يجرحها وجودي، سألتها يوما عن سر حزنها، تنهدت وهي تحكي لي عن تمزقها وضياعها وتشرد أطفالها في بيوت الأقارب والعقارب وتهديد زوجها المستمر لها بأنه سيتزوج من أخرى إذا لم تتدبر وسيلة تنقل بها إلى الرياض... وانتقلت نعم انتقلت ولكن إلى الدار الآخرة، انتقلت قبل أن تكتحل عيناها بمرأى قرار نقلها، قبل أن يضمها بيت هادئ وأطفالها الصغار، قبل أن يهدأ بالها وتقر عيناها ... ماتت معذبة مشتتة تعيسة ترقب الأمل بعيون قلقة عله يطرق بابها ذات يوم ولم يطرق بابها سوى الفناء....

حكت إحدى الزميلات للمديرة وأنا أستمع للحديث الدائر بينهما أن الخلافات بين فوزية وزوجها قد ازدادت كثيراً في الفترة الأخيرة، وأنه قد قال لها صراحة إنه لا يشعر بها كزوجة، فهي تخرج قبل شروق الشمس وتعود بعد الغروب متعبة منهكة لا تقوي حتى على الحديث، فما بالك برعاية بيت ومداراة زوج واحتضان أطفال، لذلك هي تشعر جيداً بتأفف زوجها ونفوره بل أخطر من ذلك أنها تعلم العلاقة التي بدأت تنمو بالسر بين زوجها والخادمة. لكن ماذا تفعل... إذا خرجت الخادمة من البيت فستخرج هي منه حتماً ... يؤلمها منظر أطفالها في الصباح الباكر وهي تنتزعهم من سررهم الدافئة لتودعهم عند جارة أو قريبة لحين عودتها عدا قسوة برودة الصباح هناك. ما هو أقسى وأشد مرارة هو الوداع الإجباري اليومي لرحلة لا يعلم إلا الله كيف ستنتهي وعلى ماذا، صراخهم وبكاؤها... تشبثهم وتخليها القسري... تقربهم وابتعادها ثم تمضي رحلتها بقلب ممزق ونفس كسيرة تعد الدقائق والثواني لتعود إليهم ويضمهم حضنها الدافئ، فتتلاشى كل متاعبها وأحزانها ثم تعيد الأيام دورتها من جديد دون أن تتمتع برفقة زوجها وأطفالها إلى رحلة أو نزهة أو حتى زيارة عائلية عادية... يكبر أطفالها دون أن تدرك ... دون أن تتبع نموهم لحظة بلحظة كما تفعل الأمهات، دون مشاركة حقيقية لها بأي شأن من شؤونهم أو شؤون أبيهم، تشتتها الصراعات في أعماقها بين واجبها كزوجة وأم وعملها ودخلها الذي تحتاج إليه لقد انطفأ كل شيء فجأة وماتت فوزية لتموت الصراعات داخلها ولينتظر أطفالها عودتها كثيرا بدون طائل ... سيبكي الأكبر كثيرا لأنه يفهم ويعرف أن الموت معناه الفناء وأنها لن تعود إليهم مرة أخرى, فقد ابتلعتها القرية النائية في جوفها إلى الأبد ولن تقذفها قلقة مجددا، فقد طوتها داخلها بدون عودة... الأصغر لن يفهم سر اختفاء أمه و لن يفهم معنى الموت و الحياة، لذلك سيتعذب كثيرا وكثيرا وسيبحث عنها في أرجاء البيت الصغير وفي وجه كل امرأة يراها ... سيناديها في ليالي الشتاء القارسة وفي حمى المرض الملتهبة ولن تلبي النداء ... سيبحث في ثيابها وأشيائها الصغيرة عن روحها... عن أم كانت له واختفت فجأة ولن يجدها... ثم يكبر وينسى لكنه لن ينسى أبدا تلك القرية التي طوتها وابتلعتها وسيكرهها للأبد... لقد ارتاحت فوزية لكن أطفالها لن يرتاحوا بعدها مطلقاً...

أخذت أنتحب بقوة وأنا أقرأ الخبر في الجريدة، كان يحتل الصدارة في الصفحة الأخيرة وأعلى الخبر صورة لوزير التعليم وهو يعزي أسر الضحايا... كان اسمي من بينهم وأسماء زميلاتي تحفر أخاديد من الأحزان داخلي... لقد ذهبوا بدون عودة... لم يتبق منهن سوى أسماء لامعة وأشلاء محترقة ولا شيء آخر...

احتضنتني شقيقتي بدرية ودموعها معلقة بأهدابها... قالت لي بحسرة:
- ثم ماذا يا أحلام؟
ابتلعت شهقاتي وأنا أقول:
- لا أدري... لكنني لن أدع أبي يتحكم بمصيري، لن أرضخ للطوفان وأحنى رأسي للعاصفة وأتزوج الرجل العجوز ثم أحيا على الهامش وأموت ... كلا لن أعيد مأساتك يا بدرية ومآسي أخوتي، لن أتركه يدفنني وأنا على قيد الحياة، بل سأتشبث وأحاول وأقاوم وأدافع عن حريتي ... عن و جودي ... عن كياني الذي أراد له الاضمحلال ووضعه داخل قفص كعصفور كناري جميل يغرد لكنه لا يطير. يتمتع بالأكل والشرب لكنه محروم من الحرية... كلا يا بدرية فليعتقد أبي بموتي .... ليقم لي سرداقاً ويتقبل العزاء بوفاتي، فهذا أفضل ألف مرة من أن يقتلني وأنا حية... لأحي وأنا ميتة بنظر الناس خير من أن يراني الناس أحيا وأنا ميتة في الحقيقة...
همست بدرية:
- ولكن إلى متى؟
هتفت بثقة:
- حتى أختار الحياة التي أريدها وأشق طريقي بنفسي بلا وصاية من أحد، حتى أتزوج سعد يا بدرية...
صرخت بدرية بلا وعي:
- ماذا؟ تتزوجين سعد؟؟ بدون ولي أمر... هل جننت؟ ماذا يقول أبي لو عرف وقد أضفت إلى جريمتك السابقة بإخفائك خبر نجاتك من الكارثة جريمة أخرى أدهى وأمر وهو تزويج نفسك بنفسك دون علم أبيك...
قلت بهدوء:
- أرجوك يا بدرية كفي عن الصراخ والتشنج، فأنا لست طفلة ثم إن سعد رجل لا يعيبه شيء وهو قد طلبني للزواج فلن أرفض...
نظرت لي بدرية بدهشة شديدة وهى تقول:
- لقد تغيرت يا أحلام... غيرتك تلك الحادثة كثيراً، فبدأت تتمردين على العادات والتقاليد وما عشنا ونشأنا عليه... لكنك لست وحدك المخطئة، بل أنا مخطئة أكثر منك، لأنني رضيت بأن أدخل معك هذه اللعبة السخيفة منذ البداية... وتعذبت كثيراً... تعذبت وأنا أرى أبي وقد أذهلته الصدمة... تعذبت وأنا أرى بيتنا الكبير وقد عم الحزن والصمت أرجاءه.... تعذبت بتمثيلي وخداعي وتحملت... وفي النهاية تصدمينني بخير كهذا.... بالتأكيد أنت مجنونة...

ألقيت نفسي بين أحضانها وأحطتها بذراعي بينما أؤكد لها أنها سندي الوحيد في الحياة وأنني بدونها لا شيء أبداً... أقنعتها بأن زواجي من سعد سيقطع الطريق على أبي من أن يفكر بتزويجي ذات الرجل العجوز وسيضعه أمام الأمر الواقع وربما تنسيه فرحته بوجودي على قيد الحياة أي تفاهات أخرى وسيقبل الأمر بكل شيء بل سيباركه أيضا وسيحتفي بزواجنا ربما...

تنهدت بدرية بقوة حتى أنني أحسست بقلبها ينسحب تحت أضلاعها وهي تقول:
- أنت مصممة إذن...
هتفت بقوة:
- كل التصميم...
ابتسمت رغم دموعها وهي تقول:
- إذن على بركة الله...

ثم دار بيننا نقاش حول الرجل الذي سيحل محل ولي أمري وسيعقد زواجي على سعد... استعرضنا أسماء أخوتي الواحد تلو الآخر... كلهم لا يصلحون... صالح الأكبر والأكثر قربا والتصاقا عاجز عن فعل شيء... رغم رجولته واستقلاله وقربه أن يقف أمام أبي... لا يستطيع أن يخالف له أمراً أو يقوم بعمل دون مشورته ليتجنب غضبه وتحقيره... صالح بشخصيته الباهتة وإرادته التي تقترب من الصفر وخوفه الشديد من كل شئ لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية عظمى كهذه، وقد عجز عن تغيير دفة حياته التي لا يريدها وزوجته التي لم يحبها يوما وسجنه الذي رفض أن يحطمه، فبقي سجينا أبد الدهر، زوجاً رغم أنفه يستنشق هواء فاسداً بلا أكسجين ويحلم بحياة يعجز عن تحقيقها ... أحلامه ... أمنياته... طموحاته.... حتى حبيبته الوحيدة، كلها داسها بأقدامه من أجل إرضاء أبي وشراء لمودته... فكيف سيقف إلى جواري في محنة كهذه وهو عاجز عن السير على قدميه والنهوض بنفسه الكسيرة... كلا إن صالحا لا يصلح ولن يصلح أبداً...

خالد أكثر أخوتي فهما وأكثرهم لظلم أبي وجبروته... بالإضافة لهزات الحياة القاسية والضربات المتوالية التي لم تخلق منه شخصا جبانا...

إنه الأصلح والأقدر... لكنه لا ... إنه لا يستحق مني هذا المصير... لن أضاعف أحزانه وإحباطاته بالزج به في معركة غير متكافئة مع أبي... ربما يطرده.... ربما يقاطعه وربما يحرمه من أن يرثه... كل الاحتمالات قائمة وكل الخواطر واردة عدا إقحام خالد في موضوع هو لا ذنب له فيه... يكفيه ما لقيه من أبي، يكفيه ما تعرض له من إذلال تأنفه رجولته وكرامته... وإعراض يجرح صورة الأبوة في نظره فلن أزيده عذابا وإيلاما... لذلك فخالد رغم رجولته وشجاعته ونفسه الأبية لا يصلح إشفاقا عليه من الآتي الذي لا يرحم...

حمد... بعد طول جدب وعذاب ومرارة أشرقت حياته بقدوم توأميه عبد الرحمن وهشام... فأدار ظهره للعالم بأسره ليستقبل وجه طفليه فقط لا غير... يعلم مواعيد رضاعتها وأوقات تبديل ثيابها وأوقات اللعب والنوم... غدت حياته أشبه بمدرب في سيرك، لا يري غير الوحوش التي يدربها... غاب عن الدنيا وعن همومها ومتاعبها باستغراقه الشديد في عالم آخر، عالم طفولي بريء نقي لا يرى الأشياء سوى محاسنها... لذلك لا أدري كيف وقع عليه خبر وفاتي المزعوم... ترى هل انتشله من عالمه المثالي أم أنه مر عليه مروراً عابراً، فلم يشعر به على الإطلاق؟ هل بكى وانتحب أم استمر يدندن بأغنيات البراءة والحلم والمستقبل...؟ هل أحس بفقدانه شقيقته أم أن هذين الطفلين عوضاه عن الدنيا بأسرها، فلم يحس بفقد أحد أو أحزانه غياب أحد..؟ كلا إن" حمد" لا يصلح، ليس انتقاصاً من شأنه... لكن رحمة بفرحته الوليدة وسعادته المتأخرة ودنياه المتخمة بالسرور الطاغي... لن أنتزعه من عالمه البريء لنواجهه بقسوة الحياة الحقيقية... لن نعيد أحزانه من جديد ونحمله مسؤوليات هو أكثر صفاء من أن يتحملها... فلندعه يلهو مع أطفاله وندعو له باستمرار البهجة...

وأخيراً صرخت بدرية... سعود... نعم إنه سعود وليس غيره... طفلها الذي غدا رجلاً... وقد أكسبته التجربة الأخيرة مع الإدمان قوة وصلابة وقدرة على الاحتمال، إنه يعيش مع أبي وتحت رعايته، لكن هذا لا يمنعه من زيارة والدته بين الفينة والأخرى والاطمئنان على أحوالها...

كما حلمت طويلاً حدث... ارتديت ثوب الزفاف الأبيض وتأبطت ذراع سعد زوجي وشريك حياتي... تشيعنا عيون الأحبة من حولنا بالسعادة والحبور... بكت بدرية طويلاً وهي تحتضنني قائلة:
- أنت الصغرى بيننا لم أتوقع يوما زواجك على هذا النحو... سرياً بدون زفة واحتفال أو فرحة من أي نوع...
همست لها ضاحكة:
- هل اشتقت للرقص... وتريدين أن ترقصي؟
ابتسمت قائلة:
- أتمني لك التوفيق من كل قلبي يا أحلام...
أمسكت يد سعد ومعها كل أمنياتي بحياة سعيدة، يملأني الأمل ويزف خطواتي الراقصة قلب لا يعرف المستحيل...

لكنه كان حلماً لا أكثر كعادة الدنيا معي حينما تعطيني كل شيء ثم تبخل علي بأغلى شيء، فقد رفض مأذون الأنكحة زواجي من سعد لأن سعود أصغر من أن يكون وليا لأمري، ثم إنه لن يكون وليا لأمري وأبي على قيد الحياة... حلقت طيور السعادة من عالمي ولن تعود مرة أخرى...

 
 

 

عرض البوم صور dali2000   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
رواية أنثى العنكبوت للكاتبة قماشة العليان كاملة
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t110272.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
Untitled document This thread Refback 24-05-10 12:29 AM
Untitled document This thread Refback 15-08-09 11:53 PM


الساعة الآن 08:40 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية