لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-04-09, 01:20 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



في الصباح التالي، والساعة لم تتجاوز الخامسة صباحاً رن جرس الهاتف..
كان يوم السبت، وقد ولّى العيد..
كنت مستيقظة أنا وليلى، فاليوم يوم امتحان وما زال ينبغي على ليلى قراءة بعض الدروس قبل ذهابها إلى المدرسة.
هرعت ليلى إلى الهاتف ورفعت السماعة:
آلو.. آلو؟!
لم تسمع ليلى جواباً، فأعادت السماعة إلى مكانها.
-من المتكلم؟
-لا أدري يا ماما.. لقد أغلق الخط!.
عرفت أنه أنت.. تضايقت لأني تركت ليلى تسبقني إلى الهاتف، وانتظرت دون جدوى أن تعاود الاتصال.
حلّ المساء، وتبعه مساء آخر، ولم أعد قادرة على الانتظار..
في المساء الثالث اتصلت بك..
كنت مرهقة ومريضة.. لقد أمرضني التفكير بك!.
-آلو؟
-مساء الخير.. أنا كارمن.
-مساء الخير.. كيف حالك؟
أنا متعبة.. بل مريضة.. مريضة بسببك.. هل قرأت الرسالة؟.. لقد كتبتها لأني غاضبة منك.
-آه.. لقد قرأتها، وأؤكد لك أنك مخطئة مائة بالمائة.
-ليت ذلك يكون صحيحاً.
تهدّج صوتي.. كنت على وشك البكاء.
-أنت فعلاً متعبة وغاضبة جداً، ومن أجل ذلك لا بد أن نلتقي ونتحدث.
-أرجو ذلك.. إلى اللقاء.
-إلى اللقاء يا حبيبتي!
***
اليوم المشمس أغراني بالخروج إلى الحديقة لاقتلاع بعض الأعشاب وتقليم بعض الأغصان، وإذ بالهاتف يرن.. أسرعت أرفع السماعة؛ فجاءني صوتك:
-.. كيف حالك؟.. سأزورك بعد قليل.. أنا عند جيرانك!
وقفت لحظات لا أدري ما أفعل..
كنت مذهولة من الفرح أحادث نفسي: سيأتي.. سيأتي لزيارتي.
جمعت بسرعة أدوات الحديقة المبعثرة وغسلت يدي، وقد بدأت قطرات من المطر تنهمر..
رائحة الأرض منعشة، والمطر الربيعي ينهمر خفيفاً من السماء..
ينهمر في قلبي تفاؤلاً..
تجاوزت الساعة الرابعة عصراً ولم تحضر كما وعدتني..
بدأ القلق يساورني؛ لكن الهاتف ما لبث أن عاود الرنين:
-أين أنت؟
-لقد نسيت حقاً أين تسكنين، وعندما سألت بعض الصبايا عن منزلك لمحت في عيونهن الكثير من الفضول، وهن يشرن إلى الزقاق: هنا بيتها؛ لكن زوجها مسافر!.
ولذا لم أجرؤ على الحضور خوفاً من أن تلوكك الألسنة، وتابعت طريقي.
-أين أنت الآن؟
-في منزلي.. في القرية.
-يا إلهي.. تعود إلى منزلك وتتركني أنتظرك دون جدوى.. كان بإمكانك أن تتصل بي هاتفياً من المطعم القريب وتسألني أنا عن المنزل لأدلك عليه.
-آسف.. سأحاول الحضور غداً.
آوت ليلى إلى فراشها..
استلقيت على الأريكة أستمع إلى الموسيقى، وعيناي ترقبان باستمرار حركات عقارب الساعة..
الساعة الثامنة والنصف.. التاسعة إلا ربعاً..
"سيتصل بي في التاسعة".. كنت أخاطب نفسي، وصدق حدسي..
حوالي التاسعة مساء رن الهاتف:
-إني مدعو للعشاء.. سآتي فور انتهاء الزيارة.. حوالي العاشرة.
-حسناً.. سأنتظرك عند مفترق الطريق، كي لا تتوه مرة أخرى!.
ليلى تنام في فراشي، كالعادة عندما يسافر أبوها..
دخلت لأطمئن عليها.. كانت مستسلمة لأحلامها الطفولية.
ارتديت سترتي اتقاء لرطوبة حملها المساء معه، وخرجت انتظرك عند المفترق.
لمحت ضوء سيارتك القوي من بعيد.. كان قلبي يقفز بين ضلوعي كمراهقة في موعد حبها الأول. وما لبثت أن لمحتني.. بالأفارول الأبيض، ينعكس بياضه ويدلّ علي رغم العتمة.
-هنا العنوان أيها التائه!
قلت لك، وأنت تشير لي أن أسبقك كي لا ينتبه أحد.
أوقفت السيارة عند ناصية الطريق وتبعتني عبر الزقاق.
أمسكت بيدي وقبلتها وأنت تقول: أحبك، ثم مددت لي يدك الأخرى بقرنفلة حمراء داكنة قطفتها لي على عجل من حديقة منزلك.
-تفضل.. أهلاً وسهلاً بك.
-لقد وصلت البارحة إلى هنا.. إلى مدخل الزقاق، ولكن لم يخطر ببالي أن بيتك الجميل مختف في نهايته.
-إنه فعلاً مختف، ولا يمكن رؤيته من الشارع العام حيث أوصلتني في تلك الأمسية.. قل لي: ما هي الموسيقى التي تود الاستماع إليها؟
-كما تشائين.. اختاري لنا على ذوقك.
-فلنستمع إذن إلى موسيقى كلاسيكية.. نستمع إلى شهرزاد.
التفتّ إليك.. كنت ما تزال واقفاً:
-تفضل بالجلوس.. أريد أن أتحدث إليك..
ولكنك جذبتني إليك.. أحسست بحرارة وجنتيك وأنت تعانقني.. وبحرارة أنفاسك تمتزج بأنفاسي وأنت تقبلني، وتقول:
-نتحدث فيما بعد!
جذبتك من ذراعك لتجلس على الأريكة بجانبي، لكنك لم تقتنع بجدوى الكلام!.
وأنا لم أعد قادرة على الكلام..
أحسست أني أطير..
تبخّرت كل كلمات العتاب التي هيأتها لك ولم يعد يهمني سوى أن تضمني ولن أبالي إن مت بعدها..
أجل!!.
في ذاك المساء عندما جئت لتغمر بالفرح وجودي وتهديني قرنفلة كانت عندي أغلى من كل الورود، تمنيت لو أن الزمن يتوقف فلا تقل لي أنك تأخرت وعليك الذهاب.. ثم تتركني وحدي أضم بين ذراعي تلك الوسادة الحريرية الزرقاء وأنا جالسة في نفس المكان الذي جلست فيه أتلمس بأناملي مواضع أناملك على جسدي.
قلت لي:
-أحب رائحتك.. أنت سيدة نظيفة يا كارمن!.
-أعرف!!
(أي نظافة كنت تعنيها؟.. نظافة الروح أم نظافة الجسد؟!.. أنا امرأة نظيفة قلباً وقالباً، وأنت تعرف).
قلت أني متوترة.. وكم تمنيت لو لم أكن كذلك، وكم تمنيت لو تشاء الظروف فنلتقي ثانية في مكان وزمان آخر، وأمنحك ما تشاء دون توتر ودون ترقب لما لا تحمد عقباه..
(لكن الظروف لم تشأ؛ لأنك لم تشأ، وكنت تنساني في أحضان امرأة أخرى لا تتوتر ولا تترقب..
امرأة "محترفة" تعرف كيف ترضيك أكثر!)
-سأطمئن سريعاً على ليلى وأعود إليك.
-أرجوك اجلبي كوباً من الماء.. أشعر بالظمأ!.
جئتك بكوب الماء وفتحت لك النافذة.. كنت تشعر بالحر أيضاً!!.
جلست بقربك سعيدة جداً، ومددت ذراعك تضمني إليك وتعاتبني:
-كيف تكتبين لي هذه الرسالة الغاضبة؟!
-لقد أزعجتني حقاً.. ماذا تظنني إذن.. وماذا تظن نفسك حقاً يا صاحب المرسيدس؟!
-لعن الله المرسيدس!.
-وأصحابها أيضاً!.
-وأصحابها أيضاً!!.. أتعرفين؟.. لقد اتصلت بك صباح السبت..
-في الساعة الخامسة.. أعرف.
-لكن ليلى رفعت السماعة، فأغلقت الخط.
-وما الضير في ذلك؟.. كان يمكنك أن تطلب منها أن تناديني.
-لم أجرؤ.
-أحبك.
-وأنا أيضاً أحبك.
ودعتني عند الباب بقبلة، ونظرت إلى عينيك..
أدركت أنك لن تطرق بابي ثانية.. كان حدسي يقول لي ذلك، وحدسي لا يخطئ أبداً.
***
جئت أزورك في العيادة..
مددت لك يدي بوردة قانية عطرة من حديقتي..
وبصورتي التي أردت الاحتفاظ بها عندما كنا في النبك، وقلت لي أني أبدو فيها "مثيرة"..
وبقصاصة الورق.. ضحكت:
-إن الأدباء حقاً مجانين!.
-نعم.. أنا مجنونة!
ابتسمت وأنت تقرأ:
"جئت كانهمار المطر، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.. لم يعد للكلام المخبوء في صدري أي معنى؛ فقد كان حضورك هو كل الكلام".
مددت لي يدك بوردة من كأس على طاولتك، وأردفت:
-وأنا أيضاً أهديك وردة.
-لكن وردتي أذكى عطراً.
-بل رائحتك هي الأذكى!!.
-شكراً.
-لقد سعدت كثيراً بزيارتك ذاك المساء.
-كاذب!!
-كيف تقولين لي ذلك، وأنا أكبر منك سناً؟!.
(قلت لك عفوياً أنك كاذب.. كأني كنت أعرف أنك ستنكر يوماً تلك الزيارة!).
-إن ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئاً!.. فأنت لم تتصل بي أبداً طوال الأسابيع الفائتة.
-اعذريني يا كارمن؛ فأنا مشغول دائماً.
وقفت أريد الانصراف، فاقترحت أن توصلني للبيت، ولم أشأ إزعاجك؛ لكنك أصررت.
خرجنا إلى الشارع حيث تقف السيارة، ومعنا نديم الذي سيترجل على الطريق عند بيته.
كان وجهك يبدو متعباً جداً وأنت تقود السيارة وتتثاءب باستمرار..
قلت لك:
-تبدو متعباً للغاية.
-فعلاً.. لقد وصلت البارحة في ساعة متأخرة جداً، ولم أنم إلا بضع ساعات.
وصلنا إلى مفترق الطريق؛ فأوقفت السيارة فجأة، وقلت لي:
-أنا آسف.. لا أستطيع المتابعة!.
-ماذا تقول؟.. ألن توصلني للبيت؟!
-لم أعد قادراً أن أفتح عينيّ.. أرجوك.. سيوقف لك نديم سيارة.
نظرت إليك غاضبة:
-ألم أقل لك يوماً أني لا أحب المجاملة.. لا أحب المجاملة، واقتراحك لم يكن ضرورياً.
-لكنني كسبت رفقتك على الطريق قليلاً!.
خرجت أصفق باب السيارة ورائي دون أن ألتفت إليك؛ لكنني لمحتك تتحدث إلى نديم الذي ترجّل من السيارة، ثم تنطلق بها إلى بيتك.
"يا له من مجنون.. مجنون"!.
كنت أفكر، بينما نديم مقبل نحوي.. يحاول أن يمتص غضبي بتبرير موقفك، والاعتذار مني نيابة عنك، وهو يمد ذراعه مشيراً لسائق السيارة أن يتوقف.
ناول نديم السائق أجرته دون أن يترك لي فرصة للاحتجاج، وهو يقول:
-هكذا أوصاني الدكتور.
أيها المجنون الذي لا يعرف كيف يكون لبقاً.
لا أريدك أن تجاملني ثم تضعني في موقف مزعج كهذا أمام نديم.
نظرت إلى وردتك في يدي وفكرت: "كان ينبغي أن أرميها لك وأنا أترجل من سيارتك".
الوردة منك.. لن أرميها.. لأني أحبك!
****
تأملت وردتك في المزهرية، وأنا أفكر بك أيها المتعب..
أريد أن أتصل بك هذا المساء..
رفعت السماعة أهاتفك إلى دمشق:
-مساء الخير.. كيف حالك؟
وصلني صوتك مرحاً (أنت إذن غير غاضب مني).
-أهلاً.. مساء الخير.. لقد تعطلت السيارة.. لعن الله هذا المعتوه.. لقد فعل.. إنه.. و.. و..!!!
-هذا جزاؤك من الله لأنك أغضبتني، ووضعتني في موقف محرج أمام هذا الذي يعمل عندك.. نديم.. الله يلعنك!.
ضحكت وأنت تقول:
-طظ في نديم!.
وضحكنا معاً وتحدثنا، ثم ودعتني بأحلى كلمة وأنت تقول:
-مع السلامة يا حبيبتي.
(كم أحببت سماعها منك مرة أخرى).
****
جاءت سوسن تزورني..
أشعلت كل واحدة منا لفافة، وملأت الكأسين على المنضدة الواطئة أمامنا، وجلسنا نتحدث.. سوسن لم تتزوج، ولم تعرف الحب حقاً!
بادرتني بالحديث بعبارة أقرب إلى التساؤل واللهفة لمعرفة إن كانت على صواب:
-إني لن أتزوج إلا إذا وقعت في الحب، وأصابني جنونه.
-أجل.. لا تتزوجي إلا إذا وقعت فعلاً في الحب وأصابك جنونه.
صمتّ في محاولة لمغالبة أحاسيسي، ثم أردفت:
لا تتزوجي إلا استجابة لنداء قلبك، ولا تتزوجي أبداً استجابة لنداء عقلك.. مثلي؛ لأن ثمة ثغرة ستبقى أبداً في حياتك لا يمليها إلا الحب!.. إني أصارحك بالحقيقة لأول مرة؛ لأنك صديقتي.
لا يهم أبداً إن لم يكن من اختاره قلبك "كامل الأوصاف" في نظر الآخرين؛ فلا المركز ولا المال ولا الوسامة تهم عندما يختار القلب، والسعادة لا تكون إلا فيما اختاره القلب.. إنها في هذا الجنون الذي يجعل منك إنسان يولد من جديد!!.
بعد أيام التقيت بسناء.. قالت لي:
-لقد تعبت من الحب.. أتوق للاستقرار، وقد تجاوزت الخامسة والثلاثين.. إلى الارتباط برجل يريحني!
يتعب الإنسان عندما تنفذ طاقته..
يتعب الإنسان حتى من الحب، لأن طاقته تنفذ إن لم يكن حباً متبادلاً.
ويبقى السؤال..
لماذا نتزوج؟!..
هل من أجل الحب وجنونه، أم العقل ومنطقه؟!.. (ألا يمكن أن تجتمع هذه الصفات في رجل واحد، وفي امرأة واحدة تلقاه؟!!).
هل نتزوج من أجل الاستقرار وراحة البال، أم من أجل غريزة حب البقاء؟!!!
****
ألحّت جارتي عليّ أن أشرب عندها فنجان قهوة؛ فدخلت أجاملها دون رغبة حقيقية بزيارتها..
كانت النسوة مجتمعات يثرثرن.. تساءلت أم جورج لماذا لم يتزوج فلان مع أن "حالته المادية جيدة"!
وتحدثت منيرة عن فلانة وحظها العاثر، وعن هم أهلها الذين ينتظرون عودتها..
فقد خطبت الفتاة لابن عمها، وسافرت مع أسرته إلى حيث الإقامة في بلاد المهجر.. وبعد مرور سنوات وهي في كنف عمها، قررت العودة بعدما تبين لها أخيراً أن زوج المستقبل كان يخضع منذ زمن لعلاج لم يجد نفعاً!
تأوهت النسوة حزناً وهن يضربن كفاً بكف!
لا يصارحها.. عسى أن يشفى، أو يضعها يوماً ما أمام الأمر الواقع، وهي تنتظر لتكتشف تلك الحقيقة بعد سنوات.
ربما كانت أحبته أكثر لو أنه صارحها منذ البداية.. إذا كانت فعلاً تحبه!
إذا كانت فعلاً تحبه؛ فإن عودتها ستكون فقط مبرراً لخداعه لها، وإن لم يكن للحب دخل؛ فما عساها تفعل هناك؟!..
ستعود.. والمهم، كما أردفت الراوية، أن لديها شهادة مصدقة من الطبيب تثبت أنها ما تزال عذراء!
هنيئاً لها حصولها على الشهادة: "شهادة حسن سلوك"!
القصة تفتقد إلى المنطق وفتيات هذه القرية يتزوجن على الأغلب من أجل المال، وليس من أجل عيون الحب.. ماذا كانت تفعل هناك طوال تلك السنوات؟!.

****************

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 01-05-09, 02:22 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



الصيف الأول:
الاعتراف بالحب.. فضيلة!








كان علي الذهاب إلى دمشق لأمر ما..
تعمّدت أن يكون ذلك قبل اليوم الذي تسافر فيه عادة إلى اللاذقية..
أعددت قالباً من الكاتو، واتصلت بك لأخبرك أني سأزورك مساء الغد؛ فرحبت بزيارتي.
كنت أتمنى رفقتك، وقد صنعت الكاتو من أجلك..
أعطيه لك عندما توصلني للبيت وأدعوك سريعاً لشرب فنجان من الزهورات!
كانت العيادة مزدحمة، وكانت حجتي كي أراك أني جلبت لك تلك الصورة التي التقطتها في شرفتك يوم العيد.
تأملت الصورة، وقلت لي:
-يا الله.. انظري كم كبرت!
-أنت ما زلت شاباً وسيماً.. هل أنت مسافر غداً إلى اللاذقية؟
-آ.. في الحقيقة أنا ذاهب إلى بيروت!
كنت تكذب.. لم تعد ترغب برفقتي.
كان صوتك المتردد يشي بك!
في الصباح الباكر أغراني الهاتف قرب الفراش بمنزل أمي أن أتصل بك..
كنت مغتاظة منك، وأردت إغاظتك، وكانت الساعة السابعة صباحاً عندما سمعت صوتك الناعس:
-آلو؟!
-"تضرب بهالكسم" أنت ومن يأتي لزيارتك!!..
لكنني أشفقت عليك لأني أيقظتك؛ فأردفت بسرعة:
-آسفة.. أرجوك عد للنوم.
-كم الساعة الآن؟
-السابعة.. مع السلامة.
-مع السلامة.
عدت إلى المنزل وحيدة، وكان القالب بانتظاري!
بيتر مسافر، وأنا لا أرغب بأكله..
لقد صنعته لك.. ولأمك!
.. سأجلبه لك غداً.
اتصلت بالعيادة..
كنت أتوقع سماع صوت نديم:
-آلو .. هل الدكتور موجود؟
-لا.. ليس هنا!
كان الصوت الضاحك هو صوتك!
-آ.. إنه أنت سآتي إليك لدقائق معدودة.. فقالب الكاتو ينتظرك.
***
قلت لك:
-صنعته من أجلك؛ إذ ظننت أني سأرافقك إلى اللاذقية.
-رائحته لذيذة.. أود أن آكل منه قطعة!.. أنا آسف.. لقد بحثت عنك بعد خروجك، ولم أجدك!
-آ.. هل غيّرت رأيك، ولم تذهب إلى بيروت؟.. أين بحثت عني يا ترى في ذلك المكان الصغير جداً الذي يسمونه دمشق؟!
هذه أيضاً رسالة لك.. لم أكن أنوي أن أراك اليوم.. كنت أريد ترك الكاتو ورسالتي الثانية لك عند نديم؛ ولكنك أجبت على الهاتف، ولم يعد من اللائق أن لا أراك.
-سأقرأها الآن.
استرسلت في القراءة وأنت تبتسم وتقول:
-كلام جميل يا كارمن.. شكراً لك.
(كنت أرجوك أن تتصل بي كما أتصل بك.. إن كنت حقاً أعني لك شيئاً).
اقتربت منك، وأنت جالس خلف طاولة المكتب، لألمس شعرك الفضي وأشدّه برفق، وأنا أهمس:
-لماذا ابتلاني الله بك؟!
ابتسمت، ووضعت الرسالة في محفظتك وسألتني:
-متى يعود زوجك؟
-الأسبوع القادم.
-تبدين غير متحمسة لعودته.
-…
-إنه إنسان لطيف.
-أجل، إنه إنسان لطيف وطيب القلب.. علي الذهاب الآن؛ فقد تأخر الوقت.
-انتظري.. سنخرج معاً.
خرجنا معاً إلى الشارع.. شددت على ذراعي برفق، وودعتني بمودة وأنت تعتذر أنك لا تستطيع أن تقلني بالسيارة إلى المنزل، لأن ثمة أموراً عليك إنجازها.
كنت أعرف تلك الأمور التي كان عليك إنجازها مراعاة للتقاليد، وأعرف أنك لم تكن تكذب هذه المرة!.
***
عاد بيتر من السفر، ورن الهاتف في نفس اليوم..
كنت أنت على الطرف الآخر:
-مرحباً.. كيف حالك.. هل جاء بيتر؟
-أهلاً بهذا الصوت الجميل!!.. أنا بخير لقد جاء.
-حمداً لله على السلامة.. بلّغيه تحياتي.
-"الله يسلمك".
-لقد عدت تواً من بيروت، وفكرت أن أتصل بك.. يمكنك مشاهدتي على شاشة التلفاز في نشرة الأخبار.
-حقاً؟!.. سأجلس فوراً أمامها.. تفضل لزيارتنا، واشرب عندنا فنجان قهوة.. أقصد فنجان ماء ساخن!
ضحكت أنت للدعابة، وضحكت أنا.. ضحكت من قلبي، ثم تسمّرت أمام الشاشة أتابع بترقب كل نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية والسورية.. لم أشاهدك؛ ولكنني كنت فرحة جداً في ذلك اليوم.. فرحة بهاتفك، وبسماع صوتك.
فرحت أنك تفكر بي.. أنك تتصل في نفس اليوم لتجعلني أدرك أني أعني لك شيئاً.
***
عاد بيتر من السفر في حزيران..
عاد، كما يعود كل مرة ليحدثني عن متاعبه مع أهله:
-آه.. أنا سعيد أننا جئنا للعيش هنا.
كان يجلس على السجادة.. يمسك الكأس بيده، ويحتسي منها جرعات صغيرة ويتكلم:
-أمي.. إنها ليست سوى أفعى تنفث السم…
كنت أهز رأسي أوافقه على كلامه دون رغبة مني بالمشاركة..
لقد مللت..
مللت من الشكوى.. أسمعها منذ عشرين سنة، وحتى أتخلص منها وافقته على العودة إلى بلادي منذ ست سنوات (فالوقت مناسب وقد بلغت ليلى السادسة من عمرها، ويمكن تسجيلها مباشرة في المدرسة)..
جئنا لنعيش هنا؛ لكن الشكوى لم تنته.
كنت شاردة الفكر.. وقد عاد بيتر.
عاد بيتر ليكتفي كالعادة بقبلة يطبعها على وجنتي، ولا شيء سواها.. لا شيء.
لم يحاول مرة أن يفاجأني بقبلة شوق.. بعناق حار.
أن يحتويني بين ذراعيه ويمارس الحب معي في وقت أو مكان لا أتوقعه..
على السجادة مثلاً!
فجأة.. توقف بيتر عن الكلام؛ فقد لاحظ أني لا أعير كلامه كل اهتمامي:
-ما بك؟.. لماذا أنت شاردة الذهن؟
-لا.. لاشيء.. إنني فقط أفكر بما تقوله، وبليلى.. إنها تتعبني كثيراً، خاصة عندما تسافر.
-أعرف.. ولذا من الضروري أن تفكري بنفسك؛ فأنا هنا الآن، وقد جاءت العطلة المدرسية، ويمكنني المكوث وحدي مع ليلى.. سافري إلى المغرب كما اتفقنا.
"طبعاً سأسافر.. فالأمر عندك سيان، لأنك لا تفتقدني كما يفتقد رجلاً امرأة"..
(لم أقل له ذلك؛ بل فكرت به فقط).
***
قبلة واحدة..
قبلة "تصبح على خير"، ويدير كلا منا ظهره للآخر.
بيتر يغط سريعاً بالنوم في هذا الفراش المشترك لأول ليلة بعد عودته..
لماذا أردناه سريراً مزدوجاً؟!!
مددت يدي إليه أمسّد ظهره برفق، وأداعب شعره بأناملي علني أوقظ فيه شيئاً ما!
استجاب للمستي.. استدار ليطلب المزيد.
المزيد من تمسيد الشعر!!
ارتفع غطيطه.. نام.
نام، وأنا لا يغمض لي جفن.. تتنازعني مشاعر شتى وأشواق غامضة..
لا.. إنها ليست أشواقاً غامضة:
أتذكر تلك الذراعين القويتين، وأشتاق إليهما رغماً عني.. أشتاق إليك.
أشتاق لصدرك تضمني إليه بقوة..
لأول مرة أشعر بقوة رجل.. أتلذذ بعناق يكسر ضلوعي!
أشتاق إليك.. لرائحتك..
رائحة رجل تشتهيه امرأة، وأنا امرأة..
امرأة ملعونة!
يؤنبني ضميري وأخاطب نفسي:
ما بالك أيتها المجنونة؟.. هذه مجرد أمور تافهة.. أنت تريدين رجلاً يحترم عقلك ويعاملك كإنسان وليس مجرد أنثى.
هو هكذا.. ليس كازانوفا؛ ولكنه يحترمك ولا يكبّلك.. يمكنك أن تروّضي جسدك؛ ولكن لا يمكنك أن تلغي عقلك!
لا.. هذا هراء.
أنا لا أريد أن أروّض جسدي، ولا أريد أن ألغي عقلي.. إنهما أنا ولا يمكنني فصل أحدهما عن الآخر!
إنها الليلة الأولى.. بعد غياب أشهر.
يغيب ويعود، وتكون كل ليلة أولى بعد عودته كمثيلاتها!
ولكن؟!!
ترى هل كنت سأستجيب لو أن المبادرة كانت في هذه الليلة مبادرته؟!.. لا أظن!
أية مبادرة أتحدث عنها؟!
عندما أتذكر مبادراته أشعر نحوه بالشفقة أحياناً، وبالاشمئزاز أحياناً أخرى..
أجل.. بالاشمئزاز.
أشعر بالاشمئزاز من نشوة لا يمكنه بلوغها معي.
كان ذلك يجرح أنوثتي، وأتمنى في أعماقي لو أصفعه!
لكنني كنت أسيطر كل مرة على انفعالاتي وأكز على أسناني..
أدير ظهري وأغمض عيناي أو أحدق في الفراغ..
قد تنحدر من عيني دموع لا يشعر بها إلا إذا فقدت السيطرة على انفعالاتي، وسمع نشيجي المكتوم؛ فيلمس عندئذ ظهري بيده معتذراً بلا كلمات.
استيقظ بيتر؛ فتذكرت أنني أبكي..
لم يسألني؛ فهو يعرف السبب.
السبب؟
إنه لم يعد سبباً واحداً؛ بل سببين..
السبب الأول الذي يعرفه بيتر كما أعرفه أنا سبق وتناقشنا فيه كثيراً.. أما السبب الآخر؛ فهو أنت!
سيحين وقت الاعتراف، والاعتراف بالذنب فضيلة.
ولكن.. هل حبك ذنب؟!
***
جلسنا، بعد أن غفت ليلى، نحتسي الشاي ونتحدث في شرفة الشقة التي استأجرناها بدمشق..
استأجرناها كي تذهب ليلى إلى مدرسة خاصة لعل نفسيتها تتحسن؛ فقد أتعبتنا كثيراً.
تأملني بيتر طويلاً وأنا شاردة الذهن ثم سألني:
-كارمن.. بماذا تفكرين؟
-إني أفكر.. بوضع ابنتنا طبعاً.
-طبعاً، ولكن ثمة أمر آخر يقلقك.
-لا شيء.
عاد يتأملني، وأنا أتجنب النظر في عينيه مباشرة مخافة أن ينفذ إلى أعماقي ويعرف أني بك أفكر؛ فعيناي مرآتان تعكسان له فوراً ما بداخلي.. خشيت أن يراك فيهما؛ لكنه كان قد رآك منذ زمن!
-كارمن.. أرجوك أن تنظري إليّ في عيني مباشرة.
ونظرت في عينيه مباشرة وانهمرت دموعي:
-أنا آسفة.. آسفة جداً.. لم أشأ أبداً الإساءة إليك.. لكن الأمر رغم إرادتي.
-آه يا كارمن.. أعرف أن الأمر رغم إرادتك.. وأنا أدركته منذ البداية.. من وجهك الذي يشع فرحاً، وابتسامتك التي تحاولين بها إخفاء ارتباكك كلما تحدثت عنه.. وكثيرة هي المرات التي حدثتني فيها عنه.. لا بأس عليك؛ فأنت على الأقل لا تجيدين الكذب، وهذه فضيلة!
(أنا فعلاً لا أجيد الكذب، ولم أجد أبداً سبباً واحداً يدعوني للكذب طوال تسعة عشر سنة زواج.. كان الصدق هو دائماً الطريق الأسلم).
-تعرف؟!.. وتتجاهل، وكأن الأمر لا يعنيك أبداً.
-بل يعنيني.. ولكن ماذا علي أن أفعل؟!.. هل تتوقعين مني أن أفقد صوابي وأشتم وأصفعك؟.. لقد أحببته رغماً عنك؛ فنحن بشر لا يمكننا التحكم بعواطفنا!.
أنا أجده لطيفاً ومحبوباً ومحترماً!.. ومن الأفضل أن تذهبي إليه وتتأكدي من عواطفه، وعندئذ سيكون شرطي الوحيد أن نبقى أصدقاء.. هذا هو شرطي الوحيد!!
حملقت فيه غير مصدقة، ولم أحر جواباً.. لقد صدمني هدوئه وهو يتحدث عنك، وعني، وكأنه يتحدث عن امرأة أخرى ليست زوجه.
حيّرني موقفه.. هل أفرح لأنه أوجد لي مبرراً يحررني من الشعور بالذنب؟.. أم أنقم عليه لأن أمراً خطيراً كهذا لا يخرجه عن طوره؛ فيغضب ويغار ويحاول أن يدافع عن حقه.. فيّ!!
إنه يتنازل عني بكل سهولة!
هل هو بمنتهى النبل، أم بمنتهى النذالة؟!..
ذكّرني موقفه برواية ألبرتو مورافيا "الاحتقار".. فهل أحتقره؟!
لا.. أنا أشفق عليه.
أنا لم أكتشف شيئاً جديداً، فهو لم يكن أبداً زوجاً.. بل صديق.
مجرد صديق.
بقيت ساهمة أفكر..
هل أجرؤ حقاً أن آتي إليك وأخبرك عن هذا كله؟!
*****

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 01-05-09, 02:26 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



اتصلت بك هاتفياً..
كان تجاهلك لي منذ تلك الزيارة اليتيمة يغيظني.
أخبرتك على الهاتف أني اعترفت بذنبي؛ لكنك اكتفيت بضحكة مرتبكة قصيرة تناهت إلى سمعي..
خمنت أن زواراً كانوا لديك عندما اتصلت؛ فجئت أزورك في العيادة..
استقبلتني بقبلة على الوجنتين، وسألتني عن أحوالي..
أخبرتك أني مسافرة إلى المغرب.. فسألتني بلهفة:
-هل انفصلتما؟
-بالطبع لا!..
حاولت بجوابي أن أبدو لا مبالية.
كنت عصبي المزاج.. تذرع الغرفة جيئة وذهاباً:
هل.. هل اعترفت له حقاً.. هل قلت له أننا…؟
خفت عليك من ضغط الدم.. فكذبت رغم أني أكره الكذب:
-أجل؛ ولكنني لم أقل له أنه أنت.. اطمئن!
-كيف تصارحيه بأمر كهذا؟!.. It is too hard
-أنا لا يمكنني أن أكون كاذبة، وكل إنسان مسؤول عن تصرفاته، وعليه أن يتحمل العواقب.
-وماذا قال لك؟
شعرت بالخجل وأنا أجيبك:
-لا ما نع لديه شرط أن نبقى أصدقاء.
-هكذا هم هؤلاء الأجانب!
حاولت أن أخفي اضطرابي، وأنا أستفسر منك بحذر:
-هل تظنني أجاملك عندما أدعوك لزيارتنا؟
-طبعاً، لا!
-لماذا لا تزورني إذن؟
-الحق عليك.. ما كان ينبغي أن تصادقي هذه الثرثارة.. سناء!
-أصادقها؟!.. هل تظن حقاً أني أقضي طوال الوقت أثرثر معها؟!

ألا تدرك أنني أشعر بالوحدة.. أنا بحاجة لأحد أتكلم معه، ولو ببعض السخافات.
أحسست برغبة في الخروج من هذه القرية المنعزلة التي أقطن فيها، والتي لا يحب أهلها الغرباء، وكأنهم هم أنفسهم غرباء عن عاداتنا، ولذا زرت سناء مرة أو مرتين فقط لا غير..
-أصبحت سناء تعرف أني زرتك.
-وما الضير في ذلك؟.. كثيرون هم الذين يزوروننا.
-ولكني لست كباقي الناس، وزوجك ذكي بما فيه الكفاية ليعرف!
(طبعاً يا عزيزي.. إنه ذكي بما فيه الكفاية.. ذكي ليعرف أنه أنت ولا أحد سواك!!).
-ولكنني مشتاقة إليك، فماذا أفعل؟!
-يا كارمن.. you are not free
-…
وقفت أصافحك مودعة في غرفة الانتظار، عندما دخل اثنان كانا على موعد معك.
قلت لي مستدركاً:
-أقسم لك يا كارمن أن لا وقت لدي.. لا أعرف متى يكون لدي وقت.. اتصلي بي الساعة السادسة من مساء الغد.
(لا وقت لديك؛ لكنك ببساطة لا تريد أن يكون لديك وقت.. ورغم ذلك، سأتصل بك غداً).
عندما اتصلت بك بادرتني تقول:
-آه منك يا كارمن.. أنت دائماً عاتبة.. سافري وعودي بالسلامة وسوف أستقبلك بالأحضان؛ فهذه ليست نهاية العالم.

شعرت أني مجرد طفلة صغيرة، وأنك تلاطفني فقط.. مجرد ملاطفة كي لا أنفجر بالبكاء.
***
سافرت إلى المغرب أحمل معي صورتك..
أضعها قرب السرير وأناجيك..
ثلاثة أسابيع لم تغب عن بالي يوماً واحداً.
أصبحت مجنونة بك، وتمنيت لو أن الجنون أصابك أيضاً؛ فتركت المرضى ينتظرون وجئت إلى المطار في اللحظة الأخيرة لترافقني قبل أن تقلع الطائرة.. كما في الأفلام!!
أتذكّر كلماتك: You are not free
كيف تكتشف فجأة أني لست حرة، وتقولها لي بكل بساطة.. بعد فوات الأوان؟!
تمسك يدي وتشرح لي عن ال affection والتفاعلات الكيميائية، ثم تقول لي You are not Free
أرسلت إليك من المغرب.. بطاقة عتاب وبطاقة شوق، وعدت من السفر، ليسافر بيتر من جديد!
عدت أنتظر أن تتصل بي؛ فأنت تعرف حتماً موعد قدومي.
هل تعرف حتماً موعد قدومي؟
هل أنا مهمة جداً بالنسبة إليك حتى تتذكر ذلك؟!.. وكم من الأمور الهامة تنساها بشهادة أقربائك؟!!
.. كان انتظاري دون جدوى.
فجئت إلى العيادة أحمل هدية صغيرة من المغرب تركتها لك عند نديم.
وبقي الهاتف رغم ذلك أخرساً..
في التاسعة صباحاً حدّثني حدسي أنك ما زلت في القرية رغم أنك في مثل هذا اليوم، وفي مثل هذه الساعة تكون عادة في دمشق.
اتصلت بك، وجاءني صوتك جافاً جداً.. كنت تغلي غضباً!!
أغضبتك كلمات العتاب.. ألا يحق لي أن أعاتبك؟!
هل كانت كلماتي قاسية إلى هذا الحد؟.. لا أظن.
قررت أن ألقاك..
كان لدي بعض الأعمال في دمشق، لكنني أنهيتها بسرعة، وكان بإمكاني العودة ظهراً إلى اللاذقية، إلا أني أجّلت موعد السفر خصيصاً من أجل أن أراك مساء في العيادة.
جئت مبكرة جداً، ومتوترة جداً.
جاءني سكرتيرك "المؤقت" علي بفنجان قهوة، فسألته:
-متى سيحضر الدكتور؟
-إنه عادة يتصل في الخامسة والنصف، ويسأل إن كان ثمة من ينتظره.. وإلا فإنه يأتي في الساعة السادسة.
-اتصل به إذن، وأخبره أن ثمة مريضة تنتظره بحالة مستعجلة!
جلت بصري في المكتب؛ فوجدت بطاقتي المرسلة من المغرب موضوعة على الطاولة.
لم تكن البطاقة الأولى "العاتبة"؛ بل البطاقة الثانية.
فاجأتك رؤيتي في العيادة.. نظرت إلي غاضباً، فأسرعت نحوك أقبّلك على الوجنتين.. أعتذر وأعدك ألا أكتب مرة أخرى.
لم أستطع أن أفهم كل هذا الغضب بسبب بضع كلمات عتاب.
-شكراً أنك تحتفظ ببطاقتي.
-لكنني مزقت الأولى إرباً!!
-ولكنني أريد أن أعرف.. من حقي أن أعرف.. هل تحبني؟
-لو لم أحبك لما زرتك!
دنوت منك، وضممت رأسك إلى صدري.. أقول لك: أحبك.
وعدت أجلس على الكرسي حيث كنت، مخافة أن يدخل علي فجأة:
-هل وصلتك الهدية، أم أنك كسرتها في ثورة غضبك؟!
-أية هدية؟!
-هديتي لك من المغرب.. لقد تركتها لك في العيادة عند نديم.
-نديم مجنون.. وهذا أيضاً!!
وأشرت إلى علي الذي دخل للتو حاملاً إليك كوباً من الماء.
نظر إلي علي وكأنه يقول: "أترين؟.. إنه يتحامل علي أيضاً"!
انتظرت الفتى حتى خرج ثم بادرتك بسؤال مباشر وصريح:
-قل لي بحق السماء.. هل تريدني حقاً كما أريدك؟!
لا بأس.. لن أغضب منك إن صارحتني وقلت لي "أنا آسف.. كنت أتسلى معك"!
عندئذ سأخرج من هذا الباب كما دخلت منه، ولن تراني بعد ذلك أبداً.
وجاءني جوابك.. جواباً فورياً؛ لكنه ليس حاسماً كما كنت أتمنى:
-نبقى أحباباً؛ ولكن انتظري الوقت والمكان المناسب.
لم أسألك متى يحين ذلك؛ فقد كان دخول إحدى المريضات إيذاناً بانتهاء الزيارة.
كنت أعزي نفسي وأنا أحث الخطى نحو الحافلة:
"انتظري، واعذريه –ربما- فأنت في مجتمع شرقي يحصي عليكما كل شاردة وواردة".
كان بائع اليانصيب يجلس القرفصاء عند الحافلة ويمد يده بالبطاقات.. قلّبت الأوراق بحثاً عن رقم أتفاءل به، ووجدته.. رقماً فيه سنتي ميلادنا متجاورتين؛ فاشتريت البطاقة، ولم تربح!
مزقتها ورميتها، ثم ابتسمت إذ تذكرت المثل القائل: "خاسر في اللعب، رابح في الحب"!!
***
أنا في الحب –كما في اللعب- خاسرة معك..
انتظر الوقت والمكان المناسب.. أنتظرك.
وأنت تعللني بالآمال على أمل أن أدرك يوماً كذبها، وأرحل عنك..
لكنني أعرف منذ زيارتك اليتيمة أنك لم تعد ترغب بي؛ فقد اعترفت لك بحبي.
وهل من شيء يخيفك أكثر من ذلك؟!
لم أعد أثيرك؛ فقد حصلت علي، وانتهت اللعبة.. لعبة المطاردة!
الرجل يطارد المرأة، وعليها التظاهر باللا مبالاة.. "بالتقل".
عليها أن تخادعه ولا تخطئ!!
فإن أخطأت وباحت، وربما أباحت انقلبت الموازين، وخسرت اللعبة!
لعبة شرقية سخيفة لم أستطع أن أفهمها، ولا أريد أن ألعبها.
طالما تساءلت عن جدوى إخفاء الوجوه وراء الأقنعة..
الأقنعة تمنع الهواء النقي وتفسد الوجوه.
أو ليس من الأفضل أن نواجه أنفسنا بمشاعرنا ونعترف بنقاط ضعفنا؟
لماذا لا يركض المرء باتجاه الآخر بدلاً من الركض ورائه، ثم معاودة الركض في الاتجاه المعاكس؟!
أما أنت..
فهل أتقنت اللعبة حتى الثمالة، ولم تعد تر في المرأة سوى شفتيها ونهديها ومؤخرتها وساقيها؟
ألا يعنيك رأسها وقلبها البتة؟!
كان القدر يخبئك لي بعد عودتي من الغربة؛ فأحببتك رغم كل ما سمعته عنك، ومنحت قلبي المتمرد فرصته الأخيرة، رغم تحذيرات عقلي، ولم أستطع أن "أتقل"!.. لكنني لم أكن أبداً مبتذلة معك؛ لأن الابتذال يحوّل الحب إلى شيء آخر لا أريده أبداً.
الحسناوات السخيفات المبتذلات حولك هنا، وفي بيروت، وأنت.. ربما لا ترغب أبداً بوجود صنف آخر من النساء.
ذاك الصنف المتعب!
هل كنت واهمة إذ ظننت أنك أنت المتعلم المثقف المسافر مثلي ستبادلني حباً بحب واحتراماً باحترام، وأنك ستهتم لعقلي وجسدي وقلبي معاً؟
وهل أنت رغم أسفارك وشهاداتك ونشاطاتك لست سوى شرقياً يهوى المطاردة؟!
***

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 01-05-09, 02:27 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 



جلسنا، بيتر وأنا، نحتسي الشاي ونتحدث في أمورنا..
ونتحدث عنك أيضاً..
قلت لبيتر:
-… لقد فكرت بالذهاب إليه.. أريد أن أراه ليس من أجلي؛ بل من أجل ليلى.. من أجل عمل فحوصات شاملة لكل عضو من أعضائها في المشفى الذي يعمل فيه.. عساه يساعدني، ويسهّل علي الأمر؛ فقد أصبحت أشك في أن يكون مرضها مجرد مرض نفسي، إذ أني لا أرى أبداً أية بوادر تحسن؛ بل على العكس من ذلك تماماً.
-أوافقك الرأي.. لا بوادر تحسن، وهو إنسان نبيل لن يخذلك، أو يبخل عليك بالمساعدة.
(عجباً.. كل منكما يمتدح الآخر أمامي، وأنا حائرة بين من عشت معه عشرين سنة؛ فكان صديقي الذي يفهم جنوني، وبين من زلزل كياني، وأيقظت رجولته أنوثتي الغافية!.. بين من فشل أن يكون زوجاً، ومن خاف أن يصبح حبيباً!!).
لم أذهب إليك؛ فقد كنت مسافراً، وقرر بيتر أن يسافر مع ليلى إلى بلاده ويجري لها الفحوصات الشاملة هناك.. وخيراً فعل بقراره هذا.
****************

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
قديم 02-05-09, 05:03 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Feb 2008
العضوية: 65992
المشاركات: 389
الجنس أنثى
معدل التقييم: النهى عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 18

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
النهى غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : النهى المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 


الخريف الأول:
أضاع الياسمين شذاه








بعد سفر ليلى وبيتر لم يكن لدي الوقت أو الرغبة للتفكير بذاتي..
ليلى ومرضها وشفاؤها ومستقبلها هي همومي التي طغت على ما سواها..
كنت في حالة ترقب وانتظار..
أنتظر هاتف بيتر..
أنتظر موعد السفر..
خطر ببالي أن أزورك.. ألم يقل بيتر أنك إنسان نبيل، ولن تخذلني أو تبخل علي بالمساعدة؟!!
مضى ثلاثة أشهر لم أرك فيها..
ثلاثة أشهر منذ زيارتي لك بعد عودتي من المغرب في أوائل آب..
فكرت أن أزورك هذه المرة من أجل ليلى فقط..
****
هل تذكر عندما جئت إليك من أجلها في صباح خريفي مشمس من صباحات تشرين الثاني، وقد عدت لتوك من السفر؟
كنت قد حضرت في اليوم السابق وبقيت أنتظرك في حديقة منزلك حتى الحادية عشرة وأنت ما تزال تغط في نومك بعد عودتك من تلك الرحلة الطويلة، فتركت لك رسالة وذهبت على أمل لقياك في اليوم التالي قبل أن تذهب إلى العيادة.
الرسائل كانت وسيلتي الوحيدة للتحدث إليك بكل صراحة، والبوح بما لا أستطيع أبداً البوح به عندما نلتقي لقاءاتنا القصيرة جداً..
وجدت أني أكتشف فيها نفسي من جديد.. أنزع عنها كل تلك الأقنعة التي اختبأت وراءها طويلاً.. لم يكن دافعي لكتابتها أنت.. فمنك لم تصدر أبداً أية بوادر تشجيع لي لأبوح؛ بل بوادر إحباط..
رسالتي الأولى حملتك إلى بيتي لتعتذر مني بطريقتك الخاصة، ورسالتي الثانية ذكّرتك برقم هاتفي.. لكن ردة فعلك السلبية بعد كل رسالة بعدهما كانت تصيبني بالإحباط؛ فأبكي وألملم من جديد أجزاء نفسي المبعثرة.. أعيد حساباتي لأجد أني ما زلت أحبك.. أحبك!
كان حبك.. بل الحب، بحد ذاته، هو دائي ودوائي ودافعي للكتابة؛ فلو لم أحب لما اكتشفت نفسي من جديد..
جئت إليك وتركتني عمداً أنتظرك طويلاً في غرفة الاستقبال..
كنت غاضباً من رسالتي، وكان صوت المذياع يتناهى إلى سمعي من الطابق الثاني وأنت تستمع إلى نشرة الأخبار من محطة إذاعية ما، وقد خرجت لتوك من الحمام!.
كنت مستندة على الباب المؤدي إلى الحديقة أتأملها وأشفق عليها من الإهمال..
كنت متوترة بعد ليلة لم أغفو فيها إلا قليلاً.. ليلة أمضيتها قريباً جداً منك.. في منزل سناء.
فكيف لا أتوتر؟!
كانت سناء قد دعتني للاحتفال مع أصدقائها بعيد ميلادها، وامتدت السهرة حتى الثالثة صباحاً، وعندما خلا المنزل من المدعوين خرجت إلى المسجد الصغير حيث ضريح والدك؛ فوضعت على نافذته زهرة قرنفل وشكوتك له.
صحوت باكراً جداً فخرجت من المنزل بهدوء والجميع نيام ومررت بجوار منزل أمك فنادتني المرأة التي تقوم على خدمتها، وقد عرفتني غريبة لتسألني بفضول من أكون.
ومررت قرب بيتك وأنت تغط في النوم ثم مشيت حتى غاب عن أنظاري فجلست على صخرة أتأمل هذا البحر المتوسطي الممتد حتى الأفق وأنتظر أن تحين الساعة التاسعة.
جلب لي جهاد، هذا الشاب البليد الذي يعمل عندك، فنجان القهوة وتركني أنتظر ربع ساعة إضافية قبل أن يخطر بباله أن يخبرك عن قدومي!
ثم سمعت خطواتك وأنت تهبط الدرج لتمد يدك مصافحاً فقط، وتبخل علي بقبلة على الوجنتين اعتدت عليها منك.
شممت رائحتك.. شممت عطرك الذي وضعته بعد الحلاقة ووددت رغم كل شيء أن أدنو من وجنتيك وأطبع عليهما قبلتين!
لكنني تمالكت نفسي، ككل مرة، وبادرتك بالتحية:
-صباح الخير والحمد لله على السلامة.
-الله يسلمك.. كيف حالك؟
-زفت!.. وأنت تعلم.
-نظرت إلي مستغرباً وكأنك لا تعرف.
-ألم تقرأ الرسالة؟
-لا.. لم أقرأها.
-بل قرأتها!
-ما هو المطلوب إذن؟!
-أنت تعرف من الرسالة.. تعرف أن ليلى تخاف من الأطباء وتخاف منك أنت بالذات، أولاً لأنك طبيب، وثانياً لأنها لم تكن غافية تماماً بالسيارة ذاك المساء.. لقد أخبرتني أنها رأتنا… أنت تفهم ما أعنيه.
-لا!!
-بل تفهم.. أريدك أن تكتب لها أنك تحبها.. بضع كلمات فقط تهدئ من روعها وتشجعها.. أرجوك.
لقد أوهمتها أنها كانت نائمة وكانت تحلم.. إنها ابنتي، ولا أريدها أن تكرهني.
كانت ليلى قد سافرت مع والدها إلى بلدها الثاني ولم يمض شهر على دخولها المدرسة الجديدة.
كم بكيت ليلة سفرها.. عرفت أن ليالي طويلة مريرة ستكون بانتظاري.. وانتظرت.. انتظرت أياماً طويلة وأنا أتحدث مع بيتر بالهاتف، وليلى ما تزال تنتظر دورها لدخول المشفى والمكوث فيه لإجراء كل الفحوصات اللازمة.. كنت أنتظر فقط يوم دخولها المستشفى لأطير فوراً إليها.
كان خوف ليلى من الأطباء والمشفى والحقنة يصل إلى حد الرعب، ولذا جئت إليك، لأنك طبيب و.. "صديق"؛ فقد تشجعها بعض كلمات رقيقة منك أنت بالذات أضيفها إلى كل بطاقات ورسائل الحب التي جمعتها من الأهل والأصحاب لأرسلها لها.
لم تشأ أن تكتب لها؛ فأنت غاضب من رسالتي، وأنا لم أعد قادرة إلا على كتابة الرسائل.. لم أعد قادرة أن أستجديك من جديد وأسحب منك اعترافاً كاذباً بأنك تحبني.
كنت غاضباً جداً وأنت تقول لي:
-ولا كلمة!
-ولا كلمة؟!.. ماذا أريد أنا منك حقاً؟.. لا شيء البتة.
-أصبحت التراكمات كثيرة يا كارمن.. ما كان يجدر بك أن تصادقي سناء، ولا أن تتعرفي على أسرة أختي حتى لا تلوكك الألسنة.. هذا لصالحك.. أم أنا؛ فلا يهمني!
كنت عصبي المزاج للغاية وأنت ترافقني حتى الباب وتشتكي:
-يا إلهي.. أنا لم أشأ سوى صداقة.. صداقة فقط.. إن النساء العربيات فعلاً معقّدات!!.
(هذه السناء… قريبتك..
لاحظت امتعاضك لوجودها بالصدفة هناك عندما جئت إليك كما تواعدنا لأرافقك إلى اللاذقية ذاك المساء.. لماذا؟‍!
لماذا لم تقل لي مذ زرتها لأول مرة أنك لا تحبذ ذلك؟ كنت تجنّبتها من أجلك، ولم أزرها بعد ذلك…
كيف كنت تريدني إذن أن أكون كي لا أكون "معقّدة".. ألست أنت حقاً من هو في منتهى التعقيد؟!!).
لم أعد أدري ما أقول، ومددت يدي بأزهار ياسمين قطفتها من شجيرتك عندما كنت أنتظرك…وضعتها على الطاولة:
ـ إن ياسمينك لا رائحة له!
نظرت إلي ببرودة نفذت إلى قلبي، وبقيت صامتاً..
أردفت وكأني أحاول الوصول إلى طوق ما للنجاة أخشى أن يفلت مني:
ـ ماذا.. ماذا أعني أنا لك حقاً؟!
ـ لاشيء… لاشيء البتة‍ .. إن صداقتنا ليست سوى صفر.. صفر‍
اختنقت الكلمات في حلقي.. ماذا أقول بعد؟… لاشيء، فقد انتهى الكلام.
عند الباب.. وأنا على وشك الذهاب إلى منزل أختك، وأنت على وشك الذهاب إلى بيت أمك قلت لي فجأة:
ألست ذاهبة إلى دمشق؟
ـ أجل..
ـ اتصلي بي إذن من هناك!
ـ متى؟!
قلتها بلهفة وبلا وعي ثم استدركت:
ـ لا… لن أتصل بك.. فما جدوى ذلك؟!..
بقيت صامتاً.. وتابعت سيرك، وتابعت سيري، والدموع التي انحبست في حضورك بدأت تترقرق في عيني.
(يا إلهي ما أشد قسوتك.. كيف تكون فظاً هكذا وتردد على مسامعي: "صفر.. صفر"، دون أن يرف لك جفن ودون أن تسمع قلبي وهو يتفتت؟.. كيف تجرؤ أن تكون بارداً هكذا فلا تعطيني على الأقل قبلة الوداع؟!.. ثم تطلب مني فجأة أن أتصل بك في دمشق؟!… آه منك، ربما لا تعرف حقاً ما تريد.. بل من المؤكد أنك لا تعرف)…
ما إن وصلت إلى منزل أختك حتى كانت الدموع تنساب على خدي دون حرج.. أما هم: أختك وزوجها وابنتها، فقد شعروا بالحرج عوضاً عني..
قالت لي أختك:
ـ إنه طيب القلب ولن يلبث أن يصالحك..
ـ لا.. إنه لن يفعل.. لن يصالحني أبداً..
****
مكثت شهراً في دمشق.. شهراً في تلك الشقة التي استأجرتها.. شهراً، أنتظر أن تتصل بي، ورقم الهاتف كتبته لك على مظروف تلك الرسالة التي وضعتها في صندوق بريدك…
كان لابد من الكتابة؛ ففي حضورك أنسى دائماً ما أود قوله، ثم تتدفق في رأسي عند غيابك كل الكلمات التي كان يبنغي أن أقولها لك.
أتساءل إذا كنت قد قرأتها… تلك الرسالة المجنونة (بل تلك الرسالتين؛ فرسالة واحدة لم تكن كافية).
رن جرس الهاتف المشترك بيني وبين المؤجّر الذي يقطن في الطابق العلوي.. خفق قلبي بشدة؛ فاليوم هو اليوم الذي تسافر فيه مساء إلى منزلك الآخر في اللاذقية.. وقد تكون أنت تريد أن تكلمني وتصالحني وتطلب مني أن أرافقك..
كنت أسمع أبو ناجي العجوز بصوته المرتفع يخاطب المتكلم:
".. نعم…نعم.. رقم الهاتف صحيح، ولكن مع من تريد أن تتكلم؟".
ازداد خفقان قلبي.. لابد أنه هو: أرجوك.. قل له أنك تريد التحدث إلي!
لكن المتكلم على الطرف الآخر أغلق الخط..
يا إلهي..كيف غاب عن بالي أن أكتب لك أن الهاتف مشترك؟.. لابد أنك تفاجأت من هذا الصوت الذكوري وظننت أني أقطن ربما مع أهلي فلم تجرؤ أن تطلبني.. كما لم تجرؤ مرة أن تطلبني عندما اتصلت بي فجراً وأجابت ليلى على الهاتف بدلاً مني.. هل تذكر؟
عدت وحيدة إلى اللاذقية في نفس اليوم، واتصلت بي سناء لتخبرني أن يوم خطبتها سيكون في الأسبوع القادم ودعتني للحضور وأكّدت لي أنها لم تدعك؛ فهي أيضاً غاضبة منك.
في يوم الخطبة اتصلت بي سناء صباحاً لتسألني عن آلة تصوير للفيديو وتخبرني أنك ستحضر!…
تظاهرت بعدم الاكتراث؛ لكنني كنت مشتاقة لرؤياك.
قالت لي في حفل عيد ميلادها أنك أيضاً من نفس البرج.. برجها؛ فتذكرت فجأة ذاك الكتيب عن الأبراج الذي اشتريته منذ زمن بعيد على سبيل التسلية هناك ولم أقرأه..
بحثت عنه طويلاً وقلّبت صفحاته لأقرا فيه أن برجينا منسجمان جداً ويجمعهما "الحب من أول نظرة"‍‍!!
الحب من أول نظرة؟!
هل أصدق كلام الأبراج؟!!..
ضحكت، وأعدت الكتيب إلى مكانه..
****
في الساعة الثامنة تماماً كنت عند سناء كما اتفقنا.
كانت صديقاتها الكثيرات يجلسن في غرفة الاستقبال الواسعة التي تم تغيير ترتيبها لتتسع أكثر، وقد وزعت في زواياها طاقات الأزهار.
وما لبثت ريما ـ ابنة أختك ـ أن دخلت مع والديها، فأقبلت علي فرحة.. قالت لي وهي تهم بتقبيلي على الوجنتين:
ـ "تبدين جميلة وأنيقة يا ملعونة"!..
(ليتك كنت أنت من يقول لي ذلك)..
قبّلتني أختك وسألتني عن أحوالي، وسلّم علي أخوك بلطفه المعهود كلما رآني، ثم انصرف إلى "زاوية الرجال" كما انصرفت أختك إلى "زاوية النساء"؛ وجلست أنا قبالتها بعد أن جذبتني ريما من ذراعي لنجلس هناك في زاوية "البين بين"!..
كنت أجلس مترقّبة وعيناي تنظران تلقائياً إلى الباب بين فينة وأخرى.. أتوقع دخولك في كل لحظة. في الساعة التاسعة جئت.. أحسست بحضورك قبل أن أراك، فالتفتَ لألمحَ سترتك الجلدية وشعرك الفضي. التقت نظرتنا بسرعة، فأومأت لي بالتحية ثم جلست.. جلست في الزاوية في الصف المقابل؛ لكنك حوّلت أنظارك عن الجهة التي أجلس فيها وانغمست مباشرة في الحديث مع أحد المرشحين في الانتخابات التي اقترب موعدها كنت ألمح من الزاوية التي اخترت الجلوس فيها جانباً من وجهك فقط، والسيجار بين أصابعك، وكأس الشراب الموضوع أمامك ترشفه على مهل..
خشيت أن تحين منك التفاتة مفاجئة لتراني أتأملك، ولذا آثرت تغيير المكان في نفس اللحظة التي كانت فيها أختك تدعوني للجلوس بقربها بعد أن أصبح المكان شاغراً؛ فلبيت طلبها ممتنة وجاءت ربما لتجلس إلى جانبي الآخر.
جلست مابين أختك وابنتها مخفية عن أنظارك لا يظهر لك مني سوى جزءاً من ساقي الموضوعة على الساق الأخرى!
همست ريما في أذني:
ـ أريد تدخين سيجارة..
ـ فلتدخني إذن.
ـ لا أجرؤ على ذلك أمام أهلي.. أرجوك تعالي معي إلى المطبخ…

ونهضت معها لتلبية رغبتها في التدخين، ورغبتي في الحركة وتغيير المكان.
قريباً من باب المطبخ كنت واقفاً تتحدث مع شقيقة سناء وأنا لم أنتبه أنك تركت زاويتك.. فاجأني وجودك فلم أدر للحظات إن كان علي التراجع إلى مكاني أم دخول المطبخ.
لعنت ريما في سري.. لقد وضعتني في موقف حرج، فربما تظن أني جئت كي أتحرش بك.
لكن عودتي إلى مكاني لم تكن مناسبة أيضاً وقد رأيتني، ولذا خطوت باتجاهك ومددت لك يدي مصافحة. جلست على الكرسي في المطبخ أسترق النظر بطرف عيني عبر الباب إليك وأنت منهمك بالحديث غير مهتم بأمري.
سحبت سيجارة أدخنها وأنفث معها بعضاً من همومي، وألتفت مرة أخرى إليك فلم أجدك.. لقد اختفيت من المكان وعدت من حيث أتيت لتكمل حديث السياسية.. أما ريما؛ فقدعادت إلى مكانها مذ رأتك وتركتني أدخن عوضاً عنها!…
عدت إلى مكاني وأنا ما أزال أصب لعناتي على ريما وعليك أيضاً.. قد مددت لك يدي بالتحية، فلم لم تنتهز الفرصة لتتحدث إلي؟
حوالي الحادية عشر مساءً أومأ لي يوسف ـ صديق سناء وخطيبها ـ ودعاني للجلوس حيث يجلس بجانب الخطيبين.. مدّ لي يده بالشراب وقد اكتسى وجهه بابتسامته الطفولية.
لم أكن بحاجة للشراب؛ ففي رأسي من الدوار مايكفي خاصة عندما رأيتك تقترب نحو الخطيبين.. ونحوي!…
مددت يدك إليهما مصافحاً ومهنئاً ومقبِّلاً ثم.. كان لابد من أن تتلامس يدينا مرة أخرى في مصافحة سريعة للمجاملة وأنت تستأذن بالانصراف، أنت وأختك وزوجها دفعة واحدة.
لم أعد أرغب بالبقاء وقد ذهبت أنت، ولاحظت ريما وجومي فاقترحت علي أن نذهب إلى منزلها لشرب المتة وتغيير الجو. وافقت.. ليس لأني من محبي المتة؛ فأنا لا أشربها إلا مجاملة؛ بل آملة أن أراك.. توقعت أن تكون قد ذهبت لمتابعة السهرة في منزل أختك.
لكنك لم تكن هناك..
كانت أختك وزوجها يجلسان أمام التلفاز عندما دخلنا حجرة الجلوس؛ لكنهما سرعان ما استأذنا وذهبا للنوم، أحضرت ريما الإبريق وكأسي المتة وجلسنا نتحدث..
بدأت ريما تتحدث عنك..
كم أحب الحديث عنك!..
*****

 
 

 

عرض البوم صور النهى   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
ربيـــعا ، للكاتبة عائدة الخالدي, قد يأتي الخريف, قد ياتي الخريف ربيعا
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:36 PM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية