لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


حصاد العاصفة الياس انيس خوري

مرحبا هذي رواية حبيت اشاركم بها واتمنى تعجبكم حصاد العاصفة للكاتب:الياس انيس خوري -1- أشعلت سيكارة واتكأت بمرفقيها على سور

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-04-09, 02:22 PM   1 links from elsewhere to this Post. Click to view. المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 33834
المشاركات: 1,231
الجنس أنثى
معدل التقييم: تمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 815

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
تمارااا غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي حصاد العاصفة الياس انيس خوري

 

مرحبا هذي رواية حبيت اشاركم بها واتمنى تعجبكم

حصاد العاصفة للكاتب:الياس انيس خوري

-1-

للتحميل من هنا على شكل كتاب





أشعلت سيكارة واتكأت بمرفقيها على سور الشرفة الغربية مفلته نظراتها في ظلمة الوادي الخرساء.. إلى أقصى الجنوب ناصت آخر امتدادات أضواء خليج العقبة المتراقصة كفراشات كسلى. فتحت عينيها على وسعهما وحدقت بقوة محاولة اختراق حجب الظلام إلى الشاطىء المقابل لكن لم تكن هناك سوى كتلة سوداء ابتلعت الأفق وغيبته في عتمة سرمدية. مجت من السيجارة بشراهة ثم نفثت الدخان مترافقا بتنهيدة طويلة.
لم يعد ثمة معنى لمزيد من الانتظار. لقد اتخذت قرارها وحزمت أمرها فماذا أصابها الآن؟ لم تعهد في نفسها مثل هذا القلق والاضطراب من قبل.. حتى في أسوأ الأزمات لم تفارقها ثقتها بنفسها. اعتادت أن تمضي قدماً ما إن تدرك أنه ليس ثمة خيار آخر أمامها.. أهو التقدم في العمر؟ لاشك في ذلك.. حسابات المرأة في الخامسة والأربعين هي بالتأكيد غير حساباتها في الخامسة والعشرين، عهد الجسارة والعنفوان والإقدام! الآن صار عليها أن تعد للعشرة قبل أن تقدم على أية مجازفة.. لكنها عدت للألف هذه المرة.
لم يكن طارق يخفي اعتزازة "بجسارتها الطائشة" حين أنقذته من يد الشرطي في مظاهرة باب العمود. أو حين هددّت الخوري أنطوان بأنها ستذهب لتتكلل عند الكاثوليك إن لم يكللهما هو. لكنه لم ينس في الوقت نفسه بأن يحذرها من أن تودي بها تلك الجسارة إلى منزلقات لا تحمد عقباها. فليس في كل مرة تسلم الجرة..وانكسرت الجرة بأسرع مما توقع. تفتتت وتبعثرت شظاياها مع رافايل.
وهزت رأسها بعد تلك الأفكار ثم شدت جذعها ورمت السيكارة ليست الشجاعة ما ينقصها بل الثقة بقدرتها على مواجهة ما بعد الزلزال الذي سيفاجئهم دون سابق إنذار كما فاجأها هي.. ما زالت حتى الآن تشعر بالعجز عن استيعاب المسألة بعقلانية.. لكنه طارق.. كل ما فيه طارق. حركاته.. نظراته.. صوته.. أنفاسه.. لمساته.
بإمكانها كتم الأمر وكأن شيئاً لم يكن ولن يكون هناك شيء إن أرادت.. لكن إلى متى؟ ستكذب على نفسها إن تصورت أن حياتها يمكن أن تستأنف مسيرتها المعتادة وكأن شيئاً لم يكن.. ولكنها إن تكلمت فلن يتبقى شيء كما كان سابقاً.. خياران أحلاهما مر!. فإلام ترددها؟ منذ أسبوع وهي تهيئ نفسها لتلك الساعة. خططت لكل شيء بدقة واحتكام.. حفظت عن ظهر قلب كل كلمة ستقولها، وطريقة لفظها. ومتى تصمت، وكيف تواجههم، وردات فعلهم و..
أجفلت على نباح كلب جدّ قريب أحست وكأنه يدوّي في رأسها. شعرت بتنمل في ساقيها وألم في فخذيها نجما عن وقوفها الطويل. فركت فخذيها وحركت ساقيها تنشّط فيهما الدماء. عادت تحدق إلى العتمة اللانهائية وقد غمرتها الرهبة. كل شيء هادىء ساكن ولكأنما اندغمت عناصر الكون جميعها في تلك اللوحة الآخاذة من بحر وسكون وظلام وسماء بعيدة تعكس ظلال عوالم أخرى غير منظورة.
- علي أن أبلغهم مهما كانت النتيجة.. سأنهار إن لم أفعل!
هزت رأسها بتصميم واتجهت إلى المطبخ. لكنها توقفت حين تناهى إليها صوت إبراهيم يسأل مريم عنها. ردت هذه بأنها في الحمام. انتظرت إلى أن ابتعد ثم دخلت وهي تتنحنح بصوت خافت، رفعت مريم إبريق القهوة عن النار والتفتت إليها قائلة:
- إنه ليس على مزاجه الجنرال!. هناك ما يقلقه وكأنه يشك في أمرٍ ما!.القهوة جاهزة فهل أدعوهم إلى المكتب؟
فركت يديها بعصبية وابتسمت بقلق قبل أن تهمس:
- ليس الآن.. إنني ما زلت متوترة..
حدقت إليها مريم بإمعان قبل أن تقول بحدة:
- هذا واضح عليك.. وجهك أصفر كليمونة.. أخائفة أنت؟
- أنا فعلاً خائفة.. ما رأيك لو أؤجل الموضوع عدة أيام؟
- لا.. عليك أن تنهيه الليلة.. هيا تشجعي يا عواطف.
كم هو سهل إسداء النصح وكم تخونها الشجاعة عملياً. لم تشعر بمثل هذا الوجل حتى وهي ذاهبة إلى منزل رافايل. وكأنما قرأت مريم ما يدور في خلدها همهمت وهي تضع فناجين القهوة في الصينية:
- أتذكرين يوم رحت لعند الكلب رافايل ومعك المسدس وأنت مصممة على قتله؟
توفزت أعصاب عواطف فيما مريم تستدير نحوها مبتسمة:
- خذي معك مسدساً الآن فقد يمدك بالشجاعة!.
اغتصبت عواطف ابتسامة صفراء وقالت متجنبة النظر إليها:
- كان ذلك فيما مضى يا مريم.. لا تنسي أننا لم نعد صغارا!.
- بخ بخ.. أنت ما تزالين عواطف كما كنت دائماً.. كفاك تفكيراً ووافيهم قبل أن يفقدوا صبرهم.
قالت مريم بنبرة آمرة وهي تتملاها بقلق. بادلتها عواطف النظر ثم تنهدت باستسلام وخرجت إلى شرفة الصالون حيث سارت بهدوء إلى الأباجور الموارب ونظرت إلى الداخل.
كان الصالون في حالة مزرية من الفوضى حيث لم تعد قطعة أثاث في مكانها. تبعثرت كراسي "لوي كانز" حول الطاولات الصغيرة التي امتلأت بالصحون والكؤوس وزجاجات المشروب وبقايا الطعام. جلس غسان ويوسف حول مائدة السفرة وقد انهمكا في نقاش لا يخلو من حدّة حول بيروسترويكا غورباتشوف، وتوزع الآخرون، نضال وناديا وعطاف وإبراهيم، غير بعيدين عن الرجلين يصغون إليهما وقد سيطرت عليهم حالة من الخمول واللامبالاة.
ضمّت عواطف ساعديها بقبضتيها وراحت تعتصرها بلطف تاركة لطيف ابتسامة أن يرقى إلى شفتيها دلالة رضاها على نفسها. لاشك أن البند الأول من خطتها نجح نجاحاً طيباً. لم يتغيب أحد رغم أنهم جميعاً، باستثناء إبراهيم، حاولوا الاعتذار متذرعين بحجج شتى أبرزها أن الذهاب للعقبة يعني أن عليهم المبيت هناك، وهذا سيؤثر على برامجهم ليوم الجمعة. لكنها أصرّت على حضورهم.. وجاؤوا.
نعم. إنها ما تزال تحظى بطاعتهم جميعاً رغم كل شيء.
ركزت بصرها على غسان.. تكاد لا تصدق أن ستة وعشرين عاماً بالتمام والكمال مرت على تلك اللحظة عظيمة البهجة التي أخذته فيها بين ذراعيها للمرة الأولى فيما طارق ينحني فوقها ليقبلها بحنان.. إنه الصورة الذكورية عنها. يشبهها قلباً وقالباً. ولعل هذا ما يباعد بينهما أكثر مما يقارب. لو أنها سئلت عنه لعجزت عن إعطاء تعريف محدد له.. تبدو شخصيته لها مركبة عسيرة الفهم وطباعه مزاجية يغلب عليها العناد والنزق والغرور بحيث يخيل لمن لا يعرفه أنه لا يقيم وزناً لأحد ولا يؤمن بشيء. لكنه لا يتحرج فجأة عن التصرف بتهور يدفعه للتخلي عن كل شيء كي يذهب إلى بيروت أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، أو يختفي في غيبات طويلة تمتد لأسابيع ثم يرجع مقطباً ليسألها عن وضع الشركة ملمّحاً أن الوقت حان لتتخلى له عن إدارتها. وهذا بالضبط ما تنوي أن تفعله عندما تتأكد أنه نضج بما يكفي لتطمئن أنها تركت الشركة في يد أمينة ماهرة.
نضال نقيض أخيه. ربع القامة أميل إلى القصر نحيل البنية أجعد الشعر كأبيه. لم يأخذ منها إلا لون العينين والذقن المدببة. مزاجه هادىء وطبعه بارد وهذا ما يجعلها تنسجم معه أكثر من غسان. لكنه يثير غيظها بضعف رأيه وسهولة انقياده. وقع دائماً تحت تأثير غسان وسيطرته. لكن اللواء انتقل بعد زواجه إلى ناديا. هو كالدمية في يديها وهي تحركه كيفما تشاء. لا تنكر أنها على قدر كبير من الجمال، وعلى درجة عالية من الثقافة والذكاء، لكنها ما تزال حتى الآن تستصعب تقبل حقيقة أنها تكبر نضال بثلاث سنوات. وأنها ربيبة دير ما تزال تروي القصص الغامضة عن أمها الراقصة المهاجرة إلى أستراليا منذ عشر سنوات، وتحيط الشكوك بأبيها الذي أمضى آخر أيام حياته مشردا في بيروت يعيش على الصدقات قبل أن يلقى مصرعه في ظروف غامضة.
ولعل ما يزيد من تحاملها على ناديا انسياقها، رغماً عنها وبطريقة تجعلها تشعر بالذنب، إلى المقارنة بينها وبين عطاف. كانت تغصّ وتفيض نفسها بالشفقة وهي ترى إلى خلوها من أية مسحة جمال ؟ لولا عيناها السوداوان الواسعتان؟ تشعان ذكاء وبراءة، وإلى جسمها النحيل الذي يشكو من إعاقة واضحة نتجت عن قصور في نمو ساقها اليسرى في السنوات الأولى من طفولتها. لكنها عوّضت عن ذلك بشخصية لماحة مرحة ودودة تمتاز بالكياسة واللطف والطيبة، وبموهبة أدبية لفتت إليها الأنظار منذ أول قصة نشرتها في أحد الملاحق الثقافية وهي لما تتجاوز السابعة عشرة من عمرها..
فكرت في البدء أن تقصر الأمر على أولادها. فهم المعنيون به، لكنها رأت في إشراك ناديا ويوسف وإبراهيم ما قد يوفر لها شروطاً أكثر ملاءمة. فوجودهم سيساعدها على إدارة دفة الأمور بحزم قد تفتقر إليه إن واجهت أبناءها بمفردها كما سيجبر هؤلاء على ضبط أنفسهم والسيطرة على انفعالاتهم بشكل أكبر.
أخرجها من أفكارها غسان الذي نهض فجأة وسأل عطاف بغضب أين اختفت أمها.. سارعت عواطف تفتح باب الشرفة وتدخل بصخب مفتعل وهي تقول بمرح:
- أرجو أن تغفروا لي تأخري..
التفتوا جميعاً إليها فيما غسان يسألها بنزق:
- أين كنت؟
حدق إليها بدهشة ثم صفّر بإعجاب قبل أن يستدرك برقة:
- ما هذا الجمال يا ست عواطف! من يراك يقول إنك ذاهبة إلى موعد مع حبيب!.
ابتسمت مغتبطة للإطراء متجاهلة السخرية الخفيفة التي أنهى بها كلامه. ومنعها عن الرد عليه إبراهيم الذي نهض وتقدم منها قائلاً بحماسة:
- نعم أنت تزدادين حسناً يوماً بعد يوم يا عواطف.
أربكتها نظرات الإعجاب التي لاحت في عيون الجميع. فأخذت نفساً عميقاً وهي تسترق نظرة خاطفة إلي ناديا قبل أن تقول بلا مبالاة:
- شغلتني سميرة كعادتها. تعرفون أن أقصر تلفون لها نصف ساعة. أصرت على أن تحكي لي عن آخر فضائح..
قاطعها غسان بنفاد صبر:
- لا أحسب أن فضائح سميرة تهمنا الآنأو أنك جلبتنا إلى هذا المنفى لتملي لنا عنها. الوقت يمضي وأنا مضطر للنزول إلى عمان. لوحت بيدها قائلة ببرود:
- لن يغادر أحد قبل أن أسمح له. القهوة تنتظرنا في المكتب فتفضلوا.
تقدمتهم راسمة ابتسامة دون معنى على شفتيها. تبادلوا نظرات تدل على الحيرة الشديدة ثم تبعوها صامتين.
كان المكتب، الملاصق للصالون، عبارة عن ردهة كبيرة مستطيلة تتوسطها طاولة من الأبنوس الأسود ذات نقوش صينية بديعة دقيقة الصنع. أخذوا أماكنهم حولها بصمت وهدوء وكأنهم بدؤوا يدركون أن المسألة جدية جداً. وهذا ما توضح لهم حين جلست بجلال منتصبة الجذع تراقب مريم التي راحت توزع عليهم فناجين القهوة. كانت ترتدي فستاناً أصفر حريرياً يضفي عليها مسحة من الإثارة ولا سيما وهو يكشف عن صدر ناهض مشدود النهدين أقرب إلى صدور الصبايا منه إلى صدور السيدات اللواتي خبرن الحمل والإرضاع. أرخت على كتفيها شالاً كشميريا أبيض انعكس لونه الهادىء على وجهها البيضاوي دقيق التقاطيع يكاد يخلو من الغضون باستثناء خطوط خفيفة متعرجة تحت عينيها وحول فمها. وهذا ما دفع ناديا إلى الجزم أن حماتها أجرت ولابد عملية تجميل لوجهها. لكن نضال، الذي أحرجه تجرؤ امرأته على إصدار ذلك الحكم القاطع أمام صديقات لها،. نفى زعمها بقوة وحذرها من التشنيع على أمه بهذه الافتراءات السخيفة.
حين انتهت مريم وجلست غير بعيد عن عطاف تنحنح غسان وقال بسخرية لم تنجح في إخفاء قلقه:
- لم أعرفك تهوين الإثارة يا أمي!. أرجو أن يكون لديك ما يستأهل كل هذا الغموض!
- ليس هناك أهم مما لدي..
قالت بثقة تاركة لتقطيبة أن تعلو جبينها. أشعلت سيكارة وأردفت بهدوء:
- المسألة أكثر من شائكة ولا أعرف كيف أبدأ. لا أهوّل عليكم إن حذرتكم بأن ما سأقوله خطير وسيكون له تأثير كبير على حيواتنا جميعاً فأنا..
تلعثمت قليلاً فتشاغلت برشف شفة قهوة ثم سحقت السيكارة في المنفضة بيد لم يخف ارتجافها على العيون المحدقة إليها بترقب وحيرة. انتقلت عدوى اضطرابها إلى الآخرين فتسمروا في أماكنهم متطاولين برؤوسهم نحوها باستثناء إبراهيم الذي أطرق مغمضا عينيه نصف إغماضة. حين استأنفت حديثها كان صوتها ثابتا وكأنها حزمت أمرها أخيراً:
- خطر لي أن أكتم الأمر عنكم. لكن هذا سيكون غلطة فادحة لن أغفرها لنفسي أبداً. من واجبي إبلاغكم ومن حقكم أن تعرفوا. المسألة خاصة بنا تحديداً، أنا وأولادي، لكنها تعني الآخرين كما تعنينا تماماً. وبإمكان إبراهيم مساعدتي على توضيح بعض المسائل.
نظرت إلى إبراهيم فرفع رأسه وقال برقة:
- أنا في خدمتك دائماً يا عواطف!.
سارع غسان يقول بحدة:
- كل ما فهمته حتى الآن أن الموضوع خطير وخاص بنا.. قبل أن تفصحي عن أي شيء أريد معرفة مدى خطورته.
التفت حوله بضيق قبل أن يستدرك موجهاً كلامه إلى نضال وعطاف.
- تقول إنها مسألة عائلية خاصة بنا. فإذا كانت ترغب في إشراك الآخرين فمن الأولى أن تستشيرنا مسبقاً.. ليس لي أي اعتراض على أحد لكن يهمني الاطمئنان إلى أن ذلك لن يؤثر علينا بشكل سلبي..
وقاطعته عطاف تقول بحدة وهي تلوح بيديها:
- لا تكن سخيفاً يا غسان.. ليس هناك شيء مما تفكر فيه.
تنحنح إبراهيم كمن يهم بقول شيء، لكنه عدل عن رأيه وعاد إلى الإطراق. ابتسم يوسف بارتباك فيما حافظت ناديا على لامبالاتها وهي ترمق غسان ببرود. وتدخل نضال يقول ببطء وكأنه يزن كلماته:
- لقد قتلنا الفضول لسماع ما لديك يا أمي. أرجو أن يكون مثيراً!.
- هو يفوق الخيال على ما أحسب.
قالت عواطف بمرح مصطنع وكأنها تحاول التخفيف من التوتر الذي سيطر. حاولت الابتسام لكنها فشلت فأردفت مقطبة:
- لا يخطر في بال أحد أنني أخرّف أو أهلوس!. أنا في كامل وعيي وإدراكي ولابد أنكم لاحظتم أنني لم أقرب المشروب أثناء العشاء.
أفلت يوسف ضحكة ساخرة لكنه سرعان ما أطبق فمه إذ حدجته بشزر.
- علينا العودة عشرين سنة إلى وراء لنتذكر بعض الأحداث المؤسفة في حياتنا. جميعاً نعرفها لكن هناك تفاصيل جديدة..
صمتت ما إن رفع إبراهيم رأسه وحدق إليها مضيّقاً ما بين عينيه قبل أن يتساءل بحذر:
- عشرون سنة؟ عام 1967؟ وفاة طارق وحرب حزيران. أيهما تعنين؟
- الاثنين معاً.. فهما مترابطان.
نقلت بصرها بين أولادها الثلاثة وبلّلت شفتيها:
- نعم. الأمر يتعلق بأبيكم. جميعكم تعرفون ماذا حدث. في مثل هذا اليوم من عشرين سنة، أي صباح الخامس من حزيران 1967، غادر طارق، زوجي وأبوكم، القدس متوجهاً إلى عمان للمشاركة في ندوة تنظيمية دعت إلىها المنظمة. بعد سفره بقليل وقعت الحرب. ومنذ ذلك الوقت لم يره أحد على قيد الحياة. انقطعت وسائل الاتصال بين الضفتين وعشت شهراً كاملاً على أمل أن يكون عبر النهر إلى الضفة الشرقية وأقام هناك بانتظار أن تهدأ الأوضاع ليتصل بي. لكن ما إن هدأت حتى تبين لنا أنه قتل على مشارف أريحا. عثروا على سيارته محترقة في وادي الجوز وفيها هويته وجواز سفره وكراساته. لم يعثروا على جثته أو بقاياها رغم عملية التفتيش التي أجروها. وكان التفسير الوحيد لذلك أن ضواري الوادي..
اختنق صوتها واحتقن وجهها فصرخت عطاف بصوت متهدج وقد تقلصت أساريرها:
- ولماذا هذه التفاصيل المؤلمة يا أمي؟.
مدّ نضال يده وأمسك بيدها بحنان:
- نعرف كل هذا يا أمي فلماذا تعذبين نفسك وتعذبيننا؟.
هزت عواطف رأسها بقوة وأخذت نفساً عميقاً وهي تشد جذعها:
- آسفة إن كنت آلمتكم. لكن لابد من ذلك كي تستوعبوا ما سأقول.. إن والدكم. زوجي، طارق مناف، لم يمت كما حسبنا، لم يمت أبداً بل هو حي يرزق..





 
 

 

عرض البوم صور تمارااا   رد مع اقتباس

قديم 07-04-09, 02:37 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 33834
المشاركات: 1,231
الجنس أنثى
معدل التقييم: تمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 815

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
تمارااا غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : تمارااا المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

- 2 -

تطلب الأمر أكثر من نصف ساعة إلى أن نجحت عواطف، أو هكذا خيل إليها، في السيطرة على الوضع واقناعهم بضبط أعصابهم والعودة إلى مقاعدهم. كانت مشوّشة الذهن فما عادت تذكر إن كانت توقعت أن تكون ردود فعلهم على هذا النحو أم في شكل آخر.. أطبق صمت خانق بعد أن ألقت قنبلتها وراحوا يحملقون إليها بذهول بين مصدق ومكذب، متصلب ومتشنج. مكفهر وشاحب. ولكن ما إن انفجرت القنبلة، واستوعبوا ما قالت، حتى دبت الفوضى واختلط الحابل بالنابل. قفز غسان كمن لدغه عقرب ونهض نضال ببطء وقد فرت الدماء من وجهه وراحت عطاف ترتجف وقد جحظت عيناها. تفرست فيها ناديا بوجوم وابتسم يوسف بغباء وهو يهرش رأسه بأصابعه أما إبراهيم فاكتفى بالتحديق إليها بغموض.
راحوا كلهم يتكلمون ويصرخون ويدمدمون معاً. وتجهل إلى متى كانوا سيستمرون على هذه الحال لولا عطاف التي سارعت تمد لها يد العون. أصابتها نوبة تشنج عصبي أفقدتها الوعي فاستقطبت اهتمام الجميع. انهمكت عواطف، تساعدها مريم وناديا، في إنعاشها صامّة أذنيها عن كل ما يدور حولها. حين عادت عطاف إلى وعيها وقد اكتسى وجهها شحوباً جثثياً ملأ الفزع قلب عواطف وسألتها بقلق إن كانت على ما يرام أم يجب استدعاء طبيب . رسمت عطاف شبح ابتسامة على فمها وهزت رأسها تطمئنها. فاجأها غسان حينئذ يقول بهياج:
- دعينا الآن من عطاف وتطلعي إليّ. أأنت في كامل وعيك؟.
والتفت يسأل إبراهيم الذي اقترب من عواطف بارتباك:
- ماذا دهاها؟ هل شربت كثيراً فالتاث عليها الأمر؟.
انتفضت عواطف وزعقت فيه:
- صن لسانك يا غسان وحافظ على أدبك!.
أجهشت عطاف في نحيب خافت ونفخ نضال بحيرة فيما حط إبراهيم يده على كتف عواطف قائلاً برجاء:
- أرجوكم اهدؤوا قليلاً ودعونا نستوعب ما قالت.. أعيدي ما قلته يا عواطف.
نقلت عواطف نظراتها بقلق بين عطاف وغسان ثم قالت بإصرار:
- سمعتم بوضوح ما قلت. طارق، زوجي وأبوكم، حي يرزق، حذرتكم أن المسألة ليست عادية وأعرف أن الخبر صعقكم وأنا أعذركم.
حشرجت عطاف وهي تغمغم باضطراب:
- غير معقول.. غير معقول..
وزعق غسان بغيظ.
- أي أب هذا الذي تتحدثين عنه؟.
- قام من بين الأموات!.
علقت ناديا بجدية مفرطة بلغت حد التهكم فأطلق يوسف ضحكة ذاهلة، حدجه إبراهيم بغيظ قبل أن يقول بصوت حمّله كل ما استطاع من رقة:
- ما تقولينه أمر خيالي يا عواطف. عليك أن توضحي..
دهمها إحساس بالإحباط وهي تطرق متفادية نظراتهم الناكرة الحانقة تحيك حولها شبكة عنكبوتية خانقة. ودت لو تهرب.. لو يختفون من أمامها. برز وجه رافايل مؤطراً بهالة سوداء وقد جحظت عيناه وتورمت شفتاه وبرزت أنيابه وهو يصرخ بشماته... أن طارق مات.. وتشفطها دوامة عنيفة تدور في محورها متمزقة إلى أشلاء متناهية في الصغر.
بذلت مجهوداً خارقاً حتى نجحت في التخلص من حبائل تلك الرؤية. رفعت رأسها وأجالت فيهم نظرات غائمة. حين وجدت صوتها كان خاوياً ذا رنين غريب على أذنيها:
- نعم. إنه خيال.. كابوس.. هكذا هو.. من شهرين وأنا أتخبط كالمجنونة بين مصدقة ومكذبة. قلت لكم إنني أعذركم. فالأمر لا يقبله عقل ومنطق.. لو كنا في عصر المعجزات لقلت أنه معجزة. لكننا في أواخر القرن العشرين وأنا..
صمتت وأشعلت سيكارة مجت منها بشراهة.
- المهم؟
تساءل غسان بنفاد صبر. نفخت الدخان بقوة:
- بدأ كل شيء في اليوم الأخير من آذار. كنت أزور سميرة لتهنئتها بعودتها من كندا. جلسنا في الصالون واستلمت هي دفة الحديث طيلة الوقت كعادتها. كان التلفزيون يشتغل دون صوت.. في نهاية الأخبار بُث ريبورتاج مصوّر عن حادث سير بين سيارة سياحية وباص للنقل العام. راح المذيع يجري مقابلات مع بعض الأشخاص حين ظهر ذلك الرجل على الشاشة. حسبت أنني شردت فتذكرت طارق أو أن شيئاً ما أصاب عيني. أغمضتهما وفتحتهما لكن ما شاهدته كان حقيقياً. الرجل هو طارق بلحمه ودمه.. كيف لي أن أصف مشاعري وأعبر عن انفعالاتي؟ ليست هناك كلمات قادرة على ذلك.. إنه طارق.. طارق فقط.. عرفته فوراً بالرغم من مرور عشرين سنة، وبإمكاني أن أعرفه بعد عشرين سنة أخرى!. الأمر أشبه بضوء ساطع ينير عقل الإنسان على حين غرة ودون أية مقدمات. بالطبع هو تقدم في العمر خف شعر رأسه وشاب ونحل جسده وظهرت التجاعيد في وجهه و.. لكنه طارق...
تلعثمت وصمتت تأخذ نفساً قبل أن تستطرد:
- لم أستوعب الأمر للوهلة الأولى. حين استعدت توازني وقفزت لأرفع صوت التلفزيون كانت المقابلة انتهت. ستقولون إنه ليس بطارق وإنما هو يشبه طارق.. لا.. منذ وقعت عيني عليه عرفت أنه طارق. رؤيته فجرت شيئاً ما في كياني ووضعتني في مواجهة واقع غير منطقي لكنه حقيقي. إنه ذلك الإحساس الإنساني الذي لا يخطىء. الحدس الخاص بكل فرد منا والذي يسمونه الحاسة السادسة. هكذا تبدو لي الأمور الآن.. شعرت وكأن العشرين سنة التي عشت فيها على واقع، أو وهم، أنه ميت، لم تكن إلا باطلا، تلاشت ووجدت نفسي ثانية أمام طارق بكل أحاسيسي وحواسي.
لم أعرف كيف خرجت من عند سميرة لأهيم على وجهي حتى الصباح كامرأة فقدت عقلها. في السادسة صباحاً أيقظت طلعت وطلبت منه أن يدبّر لي نسخة من الريبورتاج. شاهدته ألف مرة مفتشة عن فارق واحد بين الرجل وبين طارق لأضع حداً لشكوكي وأقتنع بأنه مجرد شبيه. لكن دون فائدة. كلما شاهدته ازددت اقتناعاً إنه طارق. هل جهزت الشريط يا مريم؟.
خرجت هذه الأخيرة لبرهة ثم عادت وهي تدفع طاولة التلفزيون ووضعتها قرب عواطف. أشعلت هذه جهازي التلفزيون والفيديو قائلة:
- أعتقد أن مشاهدة ا لشريط ستوفر علي الكثير من الكلام.
ظهرت على الشاشة لقطة صامتة لسيارة سياحية من نوع بيجو مقلوبة على جانبها وباص محطم المقدمة. تشوشت الصورة لحظة ثم ظهر مذيع يقول:
- تسنّى لنا الالتقاء مع بعض ركاب الباص. الحمد لله على سلامتك يا أخ..
بدا الاضطراب على الرجل الذي اقتربت منه الكاميرا. كان مصاباً بجرح طفيف في جبهته. شهق إبراهيم فالتفتت عواطف إليه بانتصار وكأنها رأت في حركته شهادة قوية لصالحها. حين ظل الرجل صامتاً تابع المذيع:
- هل لك أن تحدثنا كيف وقع الحادث يا أخ.. الاسم؟.
قطب الرجل وبدت عليه الحيرة قبل أن يتشجع ويقول:
- عامر كمال.. كان راكبا السيارة شابين في مقتبل العمر.. رحمهما الله. كان السائق يقودها وكأنه في حلبة سباق. أراد تجاوز السيارة التي تتقدمه معتقداً أنه يستطيع أن يمرق. لكنه أخطأ الحساب. كان حادثاً أليماً.. رحمهما الله..
أوقفت عواطف الصورة على وجه الرجل الذي احتل معظم الشاشة. كان في أواخر عقده الخامس. واضح الشبه بنضال ولاسيما في الجبين العريض والحاجبين الكثيفين.
رن صوت عطاف ممتلئاً بالثقة وهي تلتفت إلى إبراهيم:
- حتى الصوت صوته.. ماذا تقول يا إبراهيم؟
تفرس فيها بإمعان ثم قطب قائلاً
- إنه يشبهه بشكل غريب.. ولكن..
ونهض غسان يقول بعصبية:
- إنه يشبهه ولكنه ليس هو.. أليس هذا ما تريد قوله؟.
وتدخل نضال يقول ببرود:
- لا داعي للتعصيب يا غسان. إن كان هو أو لم يكن هو فكيف يكون اسمه عامر كمال لا طارق مناف؟ ثم أين كان كل هذه السنوات مختفياً عن الأنظار ولماذا لم يسأل عنا و..و..؟ هناك ألف سؤال وسؤال في رأسي.. في رؤوسنا جميعاً..
- لدي أجوبة لكل أسئلتكم، لكني أريد أولاً سماع رأي إبراهيم الصريح!.
نظرت عواطف إلى إبراهيم بصرامة وكأنه تأمره بالإجابة.. تضاحك بارتباك:
- للوهلة الأولى سأقول إنه طارق. الشبه مذهل فعلاً. الوجه.. الشكل.. ولو افترضت أن طارق ما يزال حياً فإنه سيكون في عمر هذا الرجل تقريباً.. وهو لم يتغير كثيراً رغم مرور كل تلك السنوات.. إنني.. لا أعرف ماذا أقول يا عواطف.. أجيبي أنت على السؤال.. حول.. حول الاسم...
رمته بنظرة غاضبة قبل أن تقول وهي تجيل بصرها بين أولادها:
- لقد فقد أبوكم ذاكرته لهذا اختفى أو ضاع من حياتنا.. وهذا يجيب على الكثير من أسئلتكم على ما أحسب.
مرت فترة غير قصيرة قبل أن يستوعبوا ما سمعوا. حدقوا إليها بغباء وقد أسقط في يدهم. كان يوسف أول من تمالك نفسه فأطلق ضحكة مبتسرة أشبه بالحشرجة عبرت عن حالة الذهول التي أطبقت عليهم. وتلته ناديا مدمدمة:
- يا يسوع المسيح.
تبادل غسان ونضال النظر بحيرة فيما ازداد انكماش عطاف.. أطفأت عواطف التلفزيون وقالت بمزيد من الثقة وهي تجلس مركزة نظراتها على عطاف.
- نعم.. لم يمت أبوكم حين قصفت الطائرات الإسرائيلية سيارته وإنما فقد ذاكرته. هذا بالتأكيد ما حدث. لم يصب بجروح بليغة وإلا لبقي في مكانه ولكان الناس عثروا عليه وأسعفوه إلى أقرب منطقة. الأرجح أنه فقد وعيه لفترة. ولما عاد إلىرشده، فاقد الذاكرة من هو وأين وليس معه مايدل على شخصيته ، فأوراقه احترقت بالتأكيد في السيارة، لم يكن أمامه إلا أن يتجه إلى أريحا. كانت المدينة في فوضى الحرب والناس يهربون منها إلى الضفة الشرقية فانضم إليهم ولجأ إلى الأردن..
شملتهم بنظرة حادة تتقصى تأثير كلامها عليهم.. فلما ظلوا صامتين أردفت:
- أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو ماذا يمكن لامرىء في مثل وضعه أن يعمل هناك؟ لا هوية معه، ولا صديق أو قريب ليمد له يد المساعدة ويتعرف إليه. ومن سوء حظه أن الظروف كلها تكاتفت ضده. فالحرب قائمة والأوضاع منهارة والناس مذعورون يائسون وكل واحد غارق في همومه ومصائبه ولا وقت لديه للاهتمام برجل غريب مهما تكن حالته صعبة ومثيرة للشفقة. بل لا أستبعد أن يكون أثار شكوك من التقى بهم ودفعهم إلى الارتياب في أنه قد يكون جاسوساً أو عميلا!. إزاء تلك الوقائع لم يجد مفرا من انتحال أي اسم للاحتماء به. ولو أن الأوضاع استتبت بعد الحرب لربما توفرت له الفرصة ليتعالج ويشفى من إصابته، لكنها ظلت مضطربة إلى ما بعد أحداث أيلول، أي أكثر من أربع سنوات. فاضطر إلى التأقلم، بطريقة من الطرق، مع واقعه الجديد والعيش كعامر كمال لينسى نهائياً، كما تدل الظواهر، طارق مناف. وهو انساق مع ظروف حياته الجديدة إلى حد فقد معه القدرة، والفرصة، على إعادة وصل حاضره بماضيه..
سكتت تشعل سيكارة ثم احتست شفة قهوة واستطردت بصوت حاولت أن تضفي عليه بعض المرح:
- يبدو أنني أحلل الوقائع بشكل منطقي ومقنع طالما أنكم تستمعون دون تعليق أو مقاطعة. أعتقد أن ما قلته يشكل الإطار العام لقضية طارق مناف، ويقوم على عنصرين جوهريين، الأول أنه حي يرزق، والثاني أنه فاقد الذاكرة..
- أتقدمين لنا أدلة دامغة أم افتراضات يا عواطف؟.
قاطعها يوسف بهدوء وهو يجيل بصره فيما حوله قبل أن يستدرك بلطف:
- إن ما عرضته حتى الآن ليس إلا افتراضات نظرية لا ترتكز إلى الواقع..
لوحت بيدها تقاطعه:
- إنها وقائع يا يوسف. لقد أمضيت الشهرين الماضيين أبحث وأفتش وأدرس وأحلل كل شاردة وواردة في الموضوع. ولم أقرر إبلاغكم به إلا بعد أن اقتنعت بأنه طارق واقتنعت مريم معي.
التفتوا نحو هذه الأخيرة. بدت مريم واثقة من نفسها وهي تبادلهم النظر مضفية على محياها إمارات الجد والصرامة المتناقضة مع طبعها اللين وأسلوبها السلس في التعامل مع أفراد الأسرة. كانت قصيرة مكتنزة القامة، قروية التقاطيع ما تزال تحتفظ بآثار وشم أزرق في جانب ذقنها، رشيقة الحركة تحكي التجاعيد العميقة التي زرعت وجهها قصة حياة حافلة بالشقاء والتجارب لامرأة فطرية الذكاء، قوية الشكيمة.. تنحنحت قبل أن تقول بثقة:
- ذهبت إليه في عمله بحجة طلب مساعدته في توظيف ابني!. إنه طارق.. زوج عواطف وأبوكم.. وسأعرفه ولو كان بين ألف رجل يشبهونه. لم أفهم لحد الآن معنى أنه من دون ذاكرة.. لكنه طارق وإن لم يتذكرني أو يتذكر عواطف.. إنني مؤمنة بهذا تماماً.!..
- إيمانك هذا مثل إيمانك بأن شفيعتك العذراء تظهر لك في أحلامك!
علق غسان بسخرية أثارتها فنبرت فيه بحدة فاجأت الجميع:
- لا تجدّف يا غسان.. نعم. العذراء عليها السلام تتذكرني بين وقت وآخر.. وهي تظهر للمؤمنين الطبيين لا للكافرين الملاعين!.
تدخلت عطاف تقول بنفاد صبر:
- لا تهتمي به يا مريم.. وماذا بعد يا أمي؟ كيف قابلته أنت؟
- دعوته إلى الشركة لأعرض عليه العمل عندي. قابلته أول مرة في الساعة العاشرة من يوم الأربعاء /17/ نيسان. كان من أصعب الأيام في حياتي، مررت على الكنيسة في الصباح لأطلب من الله العون. منذ زمن طويل لم أصل بمثل هذا الإيمان العميق. كنت بحاجة إلى الله ليقف إلى جانبي. وأظن أنه فعل. حين أبلغني طلعت بوصوله شعرت بأعصابي تهدأ وشملتني سكينة اندهشت لها. بدت عليه الحيرة ما إن دخل ورآني. تسمر في مكانه وتفرس بي حتى خلت أنه يوشك أن يتذكرني وسرعان ما سينده باسمي. لكن تلك النظرة لم تدم أكثر من لحظات خاطفة استعاد بعدها طبيعته وصافحني بحرارة قائلاً إن له الشرف في مقابلة السيدة عواطف بشارة.. لم تدم المقابلة طويلاً.. قلت له إنني بحاجة إلى خبير حسابات جيد مثله، فهو محاسب في شركة الهندسيات المحددة. وعرضت عليه راتباً مغرياً، لكنه لم يبد كثير تحمس للعرض في البدء ووعدني بأن يدرسه. ولا داعي لأن أؤكد من جديد على ما اعتبره أمراً مفروغاً منه وهو أنه طارق. ولو كان الأمر متعلقاً بي وحدي كنت صارحته بالحقيقة فوراً وأعلنت على الملأ أنه طارق..
- وكيف عرفت أنه فاقد الذاكرة؟.
سألها إبراهيم ببرود أدهشها فنظرت إليه بحيرة قبل أن تجيب بجفاء:
- بعد عذاب طويل.. كانت هذه هي الحلقة المفقودة.. كيف ولماذا انتقل من طارق مناف إلى عامر كمال؟ معضلة حيّرتني وكادت تفقدني صوابي. اشتط بي الخيال إلى حد التفكير بأنهما توأمان وقد باعدت بينهما الظروف منذ مولدهما!. لكن حتى التوأمين لا يتشابهان بهذا الشكل.. بل إن أسخف ما خطر لي إنه ربما غير اسمه ليتمكن من الارتباط بامرأة غيري بعد أن تقطعت الروابط بين الضفتين!
ضحكت باستهجان واستدركت:
- كم يصغر عقل ابن آدم أحياناً!.
- وكأنكما لم تكونا على وئام؟.
سأل يوسف بحذر وقد سيطرت عليه حيرة شديدة. لكنها سارعت تجزم:
- أبداً.. أبداً.. كنا على أحسن حال.. كانت كما قلت مجرد وساوس راودتني في ساعات الضعف والسوداوية التي لفتني حينذاك. لقد كدت أهستر بسبب عقدة الاسم.. لكن الله لم يطل عذابي.. هبط عليّ الحل كالوحي. استيقظت ذات ليلة على صوت يهمس في أذني بأنه فاقد الذاكرة!. هذا هو الأمر دون أي شك. في اليوم التالي زرت الدكتور جلال صادق الاختصاصي المعروف في الأمراض العصبية وشرحت له الأمر فقال إن ذلك ممكن لكنه لا يستطيع الجزم إلا بعد الفحص السريري الشامل.
- وهل فحصه؟
سألها نضال فردت بامتعاض:
- لا.. فبأية حجة سأطلب منه أن يذهب معي لإجراء الفحص؟.
- تذكرت الآن أن أحد زملائي في المقاومة فقد ذاكرته بعد أن فجع بزوجته وطفليه في حادث تفجير في الفاكهاني. لكنه صار مجنوناً و..
ضاع كلام يوسف في ضوضاء زمجرة غسان الذي زعق بشراسة:
- حسناً يا ست عواطف. لقد استمتعنا بالإصغاء إلى قصة الخيال المبتكرة التي طلعت بها علينا بأسلوب بوليسي مشوق.. ولنقل أننا
شابك أصابع يديه وطقطهما بحنق قبل أن يستدرك وقد انتفخت عروق رقبته:
- لنقل إننا سايرناك على أنه طارق مناف علماً أن عقلي، بل عقولنا كلنا، ما تزال عاجزة عن الاستيعاب والفهم.. فماذا تبتغين.. ما هي نواياك؟.
أخذ نفساً عميقاً وأردف مخففاً من حدته وجاهداً لضبط نفسه:
- قلت لو أن الأمر متعلق بك وحدك لكنت صارحته بالحقيقة فوراً ولأعلنت على الملأ أنه زوجك الميت، الحي فاقد الذاكرة الذي عثرت عليه بعد عشرين سنة. وقد سمحت لنفسي بأن أفهم من كلامك أنك حرصت على عدم اتخاذ أي إجراء قبل استشارتنا واستمزاج رأينا كي يكون القرار جماعياً.. هل أنا مصيب؟.
أجالت بصرها بقلق في الوجوه المحملقة فيها وقد تصلبت أطرافها، بللت شفتيها بلسانها ثم غمغمت بصوت أقرب إلى الهمس وكأنها تحدث نفسها:
- كلما أوغلت في الأمر ازدادت عقده وصعوباته.. لقد صعقني في البدء حتى كدت أفقد عقلي وعشت أياماً طويلة فريسة للشكوك والآلام والهواجس، ثم فرحت، فرحت فرحاً عظيماً لا تتسع له الدنيا، لكن فرحتي لم تطل، عادت المخاوف تطل برأسها تشعرني أنني مقدمة على تعاسة كبيرة. أتخيل أحياناً أنني كأهل الكهف خارجة من بيات طويل إلى دنيا لم تعد كما عهدتها ولا محل لي فيها.
صمتت متشاغلة بعضِّ شفتها السفلى وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة للإفصاح عما في ذهنها. أبعدت خصلة شعرها عن عينيها وأردفت:
- نعم. الأمر ليس أمري والقرار ليس قراري. ولا هو أمرنا وقرارنا وحدنا.. طارق لم يعد زوجي وحدي ولا والدكم وحدكم. ألم أٌقل لكم أن المشكلة معقدة أكثر مما نتوقع!. إنه رب أسرة ثانية. فهو متزوج منذ عام /75/ وعنده ثلاثة أطفال.. صمتت تنتظر ردة فعلهم لكنهم، لدهشتها الكبيرة، حافظوا على هدوئهم باستثناء عطاف التي
أطلعت شهقة قصيرة. تحرك غسان قليلاً قبل أن يقول بسخرية:
- ليس هذا مستغرباً بعد كل ما سمعناه تلك الليلة منك.. فإن كان لديك مفاجآت أخرى أطلعينا عليها كلها دفعة واحدة. قابلتهم أيضاً أليس كذلك، أعني أفراد أسرته!.
هزت عطاف رأسها بالإيجاب ثم غمغمت:
- إنها تركيبة شيطانية.. كأنما هي هلوسات.. أليس كذلك؟.
سارع غسان هو يجيب بلؤم:
- للأسف يا أمي. نعم..
وقاطعه إبراهيم متسائلاً:
- ومن هي زوجته؟.
أثار السؤال دهشة الجميع. وحدقت إليه عواطف بضيق قبل أن تقول:
- إنها سيدة لطيفة ودودة. وهي معلمة في مدرسة الوكالة في مخيم الوحدات.
- وكم عمرها؟.
- بين الخامسة والثلاثين والأربعين.
- أهي على علم بحالته؟ أعني أنه فاقد الذاكرة.
ضايقتها أسئلة إبراهيم لكنها لم تجد بداً من الإجابة بجفاء:
- لم أسألها لكن لا ريب أنها تعرف. ليس من المعقول أن تتزوج رجلاً وتعيش معه ولا تكتشف أنه فاقد الذاكرة..
- هذا إذا آمنا أنه طارق. أرى أن العنصر الجديد الذي دخل على قصتك زادها تعقيداً وغرائبية بدل أن يزيدنا اقتناعاً. هل يعقل لمثل تلك المرأة المتعلمة أن تتزوج رجلاً يكبرها بأكثر من عشر سنوات، وفاقد الذاكرة؟.
بذلت عواطف جهداً كبيراً لتضبط أعصابها وقد بدت عليها الدهشة العارمة لموقف إبراهيم العدائي. وإذ نجحت قالت وهي تنظر إليه بغضب:
- هذا ممكن إن أحبته..
سكتت وساعة الحائط الجدارية تعلن انتصاف الليل. انساب صوت دقاتها الرتيب أشبه بصراخ أجوف في فراغ نظراتهم فارضة عليهم لحظات صمت وكأنهم يحاولون جمع شتاتهم. لاحقت إبراهيم الذي هز كتفيه واتجه إلى النافذة يرسل نظراته في ظلمة الوادي الحالكة. وفجأة يتجدد كل حذرها منه، تتشابك في مخيلتها صورته المعكوسة في البللور مع انعكاس نور الثريا على شعره الأبيض مع قبضتيه القويتين تطيحان بها وتمزقان ثيابها فتنهار عاجزة مستسلمة شاعرهةوكأن نصلاً نارياً يخترق أحشاءها قبل أن تسقط في قبضة رؤى مرعبة. يزعق فيها أبوها بغضب وقد أبلغته أنها لن ترضى بإبراهيم زوجاً بأي شكل من الأشكال.
- من سوء حظك يا عواطف أنك ورثت عن أمك وعني أسوأ ما فينا.. عنها الجمال الذي لا يحمل لأصحابه وضحاياه إلا الألم والشقاء. وعني التجبر والعناد اللذين يقودان صاحبهما إلى تدمير نفسه معتقداً أنه يبني أمجاداً لا تزول. إبراهيم هو الرجل الذي يناسبك وهو القادر على إسعادك ولن تكوني لغيره حتى لو اضطررت إلى أخذك إلى الكنيسة مخفورة.
لم تتصور أبداً أن تصل المواجهة بينهما إلى حافة الهاوية. كان الموت أهون عليها من أن تسبب له العذاب والهوان. لكن وعيده لم يترك لها أي خيار. بعد أسبوعين تكللت وطارق سراً في بيت جالا وعادت في المساء لتبلغه بما فعلت طالبة صفحه وغفرانه. تبرأ منها وطردها قائلاً إنه سيعتبرها من الآن وصاعداً في عداد الأموات.. رضخت لرغبته وأبلغته أنها ستقيم وطارق في بيروت بانتظار صفحه.
أجفلت على صوت إبراهيم يفح غير بعيد عن وجهها:
- أين أنت سارحة يا عواطف؟.
نظرت إليه بخواء وهو يدير بصره في الحاضرين قبل أن يردف:
- القرار قرارك أنت وأولادك. وأنتم أحرار في أي اتفاق تصلون إليه. لكن هناك ما أريد قوله. إن قرابتنا وصداقتنا تمنحاني الحق في اعتبار نفسي كبير العائلة بغياب أي كبير آخر.. سأزيح عواطفي جانباً للتعامل مع القضية بعقلانية إن كان ذلك بمقدوري!
أشعل سيكاراً وقلبه بين يديه بهدوء ثم دمدم:
- منذ سنة وأنا أفكر بالإقلاع عن التدخين لكن إرادتي تزداد ضعفاً..
مج عدة مرات بشراهة مشكلاً حوله سحابة دخانية كثيفة نشرت رائحة الدخان العطرة:
- لا أحد كان يتصور أن تتمخض سهرتنا التي بدأت هادئة لطيفة عن تلك الدراما العنيفة التي توشك أن تزلزل حتى ثقتنا بأننا موجودون.. في أكثر أفكارنا شططاً لن يخطر في أذهاننا أن طارق حي يرزق.. ولكن عواطف تؤكد أنه حي! كيف؟ بصراحة لا أعرف.. لقد شهدت في حياتي من الغرائب والعجائب ما شكل لدي قناعة بأن المستحيل قد يكون ممكناً في كثير من الأحيان. قال المسيح مرة أنه يستحيل على الغني أن يدخل الجنة كما يستحيل على الجمل الدخول في خرم الإبرة. لكن إن صنعنا إبرة كبيرة بخرم كبير فإن الجمل سيدخل منها. وهكذا يدبر الأغنياء أمورهم ليكونوا أول من يدخل الجنة!.
خنخن بسخرية ولوّح بالسيكار:
- رغم تلك السفسطة فإن ما نواجهه ليس سهلاً أبداً. لدينا، حسب قصة عواطف، رجل كان قبل عشرين سنة طارق مناف زوجها ووالد أبنائها الثلاثة، أما الآن فهو عامر كمال زوج امرأة أخرى.. ما اسمها؟.
- عايدة..
ردت عواطف فهز رأسه بسخرية:
- عايدة.. اسمك واسمها يبدأ بحرف العين.. ليس مهماً.. هو الآن زوج تلك العايدة ووالد أطفالها الثلاثة أيضاً.. فهل سيصدقنا لو قلنا له أنت مخطىء يا رجل. أنت لست عامر كمال، وإنما أنت طارق مناف فاقد الذاكرة. أعتقد أنه سينظر إلينا شزراً معتبراً أننا زمرة من المهووسين الخطرين..
- هذا إن كان طارق..
قاطعه غسان محتداً.. نهضت عواطف وقالت بهدوء:
- قلت لكم وأعيد أنه طارق.. عليكم أن تؤمنوا بي وتصدقوني. لقد عشت مع طارق، حبيبة وزوجة، عشر سنوات وأنجبت منه ثلاثة أبناء وهذا يكفي لأعرف إن كان هذا الرجل طارق أم شخصاً آخر.. لقد أمضيت الشهرين الفائتين وأنا أفكر بالموضوع.. لست عالمة أجناس وسلالات لكنني توصلت إلى حقيقة بسيطة مفادها أن ثمة عناصر وسمات وخصائص تميز كل فرد إنساني عن غيره وتصوغ قالبه المتفرد بواسطة تفاعلات تتم بين الجسد والنفس في ظروف معينة ومسارات حياتية محددة. ومن هذه التفاعلات ينشأ ما يمكن أن أسميه البصمات الإنسانية الخاصة بكل مخلوق، من طبع ومزاج وذكاء وأهواء وقدرات عقلية وجسدية وغيرها. وكما يستحيل أن تتشابه بصمات الأصابع بين كائنين، يستحيل أن تتشابه البصمات الجسدية والنفسية بين كائنين اثنين حتى لو كانا توأماً. وهذه البصمات متطابقة بشكل كامل بين طارق مناف وعامر كمال. لهذا فالاثنان شخص واحد.
نقلت نظراتها بين غسان وعطاف وناديا:
- أريد استعادة زوجي وأبوكم. فهو لنا قبل أن يكون لغيرنا.. لكنني مثلكم أعرف أن العقبات أمامي كثيرة وتثبط أكبر الهمم.. من حقكم أن تشكّوا وترتابوا وتنكروا، لكن من حقي أن تقفوا معي وتساعدوني. إنني لا أطالبكم بالمستحيل..
أخذت نفساً عميقاً وأردفت:
- غرفكم مهيأة.. بإمكان من يشاء أن يخلد إلى الراحة.
غادرت الغرفة بخطوات ثابتة:
- أرغب في فنجان قهوة يا مريم وسأشربه في البلكون..

 
 

 

عرض البوم صور تمارااا   رد مع اقتباس
قديم 07-04-09, 02:38 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 33834
المشاركات: 1,231
الجنس أنثى
معدل التقييم: تمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 815

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
تمارااا غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : تمارااا المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 


- 3 -

استلقت عواطف على الأرجوحة مطلقة لجسدها العنان في الارتجاف بغير قليل من المتعة مع كل نسمة باردة تحف بها بنعومة، راحت العتمة الحالكة واهتزازات الأرجوحة الرتيبة بأزيزها الخافت وحفيف أوراق شجرة الجوز الباسقة التي عانقت بعض فروعها عمود الشرفة الرخامي، واستراحت بكسل على إطار الدرابزين، والنداءات الملحاح لصرصور ليل خيل إليها أنه يكمن في مكان ما فوق رأسها، والصدى البعيد للمناجاة الغامضة بين الموج وصخور الشاطىء، راح كل ذلك يثير في جوانحها أحاسيس متضاربة من الوحشة واللذة والخمول والفراغ. أغمضت عينيها المحروقتين وادة لو تسقط في أحضان إغفاءة عميقة تحررها من أفكارها الصاخبة وتخفف عنها ألاماً جسدية شعرت معها أنها عاجزة عن الصمود اكثر مما فعلت.. زنّر صداع ثقيل قوس رأسها وضغط بقوة على صدغيها متنقلاً بدبيب مرهق في عروق وجنتيها وعنقها متحدراً إلى كتفيها. كان صدرها مطبقاً لكثرة ما دخنت وأعصابها متوفزة تستجيب بجفول لأقل حركة تصدر قربها.
راحت مجريات الأمسية تتوالى دون ترتيب أمام ناظريها متداخلة مع صور تتفاوت قرباً وبعداً مخلفة فيها إحساساً قاهراً بالكآبة استسلمت له بخنوع.. تمردها على أبيها والزواج من طارق.. هزيمة حزيران. وسقوط القدس وموت طارق. رافايل. الإبعاد.. عمان وإبراهيم.. أكرم- الزواج والموت- غسان وبيروت. سمير.. هو ذلك الكابوس ينبعث مجدداً بكل تفاصيله.
دهمها الهلع والتوجس ومريم تبلغها أن عسكرياً إسرائيلياً يطلب مقابلتها، كانت أعصابها مشدودة حتى الانقطاع. الشهر الذي مر على الحرب أمضت معظمه في الفراش بسبب نزيف عزاه الدكتور زياد إلى الصدمة القوية التي أصابتها نتيجة التطورات الأخيرة وقلقها الشديد على طارق. أمرها أن تلازم الفراش خشية حدوث مضاعفات قد تهدد حياة جنينها خاصة وقد دخلت شهرها الأخير.
جلست بصعوبة وهي تسألها بغيظ لماذا لم تبلغه أنها متوعكة وغير قادرة على استقبال أحد. ردت مريم بأنها فعلت لكنه مصر على رؤيتها. زمجرت باستهجان ونهضت متحاملة على نفسها لتساعدها مريم على ارتداء الروب دوشامبر. واجهتها في المرآة صورتها الشاحبة بوجه متغضّن مرهق وعينين غائرتين أحاقت بهما هالتان سوداوان دميمتان. كان حرّ تموز القائظ يزيد من تبرمها وسوداويتها وإحساسها بالانحطاط العام. سألت عن غسان ونضال فطمأنتها مريم بأنهما عند الجيران. أردفت بعصبية:
- أتعتقدين أن دورنا حان؟ قال راديو عمان في الصباح أنهم يخلون القدس من سكانها العرب بالجملة.
ردت مريم باستنكار:
- ما بك فقدت أعصابك؟ لم نفعل شيئاً ليبعدونا، تماسكي ولا تسمحي له بتخويفك.
شدت جذعها وهي تدلف إلى الصالون جارّة رجليها بصعوبة. قفز الرجل من مقعده برشاقة وقال باحترام:
- الرائد رافايل لومي. آسف يا سيدة مناف إن كنت أقلقت راحتك. آسف جداً. تأكدي أنني لست مرتاحاً أبداً للمهمة التي جئت بها.
نقل سيدارته إلى يده اليسرى ومدّ اليمنى يعرض أن تتكىء عليها لكنها تجاهلتها ومشت بتثاقل إلى الكنبة وجلست كاتمة تأوهاتها. كانت مضطربة إلى حد أنها لم تنتبه إلى جملته الأخيرة، فهي أول مرة تلتقي فيها ضابطاً إسرائيلياً بهذه الرتبة وجهاً لوجه. كان في منتصف عقده الرابع. تدل ملامحه على أصول شرق أوربية. يتكلم العربية الفصحى بطلاقة تشوبها اللهجة الشمال إفريقية. وجهه حنطي جذاب وعيناه السوداوان الصغيرتان تنمان عن دهاء. فارع القامة رشيق الجسم تبرز عضلاته المفتولة من كم قميصه الأزرق الأنيق، وتدل حركاته على اعتداد كبير بالنفس. راح يتملاها بنظرات جمعت بين العطف والغموض. إذ لم تدعه إلى الجلوس ظل وافقاً:
- لم أكن أعلم أن حالتك الصحية على هذه الدرجة من السوء. أكرر اعتذاري الشديد لكن لابد مما ليس منه بد. فضلت الحضور بنفسي مراعاة لحالتك وقدرك. من الواضح أنك امرأة قوية ثابتة الجنان يا سيدة مناف. وعليك أن تضبطي أعصابك وتتماسكي من أجل جنينك.
صمت لحظات متشاغلاً بتقليب سيدارته فيما انتابها فزع جامح واشتعلت الحمّى في أحشائها وتصلبت أطرافها ما إن فهمت أنه يحمل لها خبراً سيئاً. جاءها صوته خاوياً وكأنه آت من عالم آخر:
- عثرنا على سيارة زوجك محترقة قرب أريحا. وجدنا فيها أوراقه الشخصية لكننا لم نعثر..
عندما صحت مبلّلة بالعرق مقرورة مخنوقة الأنفاس على نداءات مريم وعويل غسان ونضال وجلبة أم سهام حسبت أنها كانت في قبضة كابوس مفزع. لكن وجه مريم المكفهر والهلع المطبق على وجهي الولدين والضوضاء المتناهية من الصالون أعادتها إلى واقعها فأطلقت صرخة هستيرية دخل على أثرها الدكتور زياد وهو يشتم بغضب:
- إنهم حيوانات. ما كان عليك استقباله. الحمد لله أن الصدمة مرت على خير. المهم أن تطمئني فليس هناك دليل على أن طارق أصيب بسوء. لا أشك أنه في عمان وهو يبذل جهده للاتصال بك. أصبح بإمكاننا الآن الاستفسار عنه بواسطة الصليب الأحمر. وهذا أول ما سأفعله ما إن أخرج. والآن عليك أن تخلدي إلى الراحة التامة وتأخذي هذا الدواء بانتظام. لا أفهم لماذا أصر هذا اللعين على إبلاغ الخبر إليك بالذات وليس لمريم؟ وكأنه يتقصد إيذاءك!. النذل. على كل حال حافظي على هدوئك وكوني شجاعة كعهدي بك دائماً..
بدت لها تلك النصيحة سخيفة لا معنى لها. أيحسبها امرأة خارقة؟ من أين لها الشجاعة وهي تشعر بضعف مريع تفقد معه حتى الرغبة في الحياة. وتحاول جاهدة تجنب السقوط في لجة اليأس والاستسلام. تقاوم بشراسة وساوس ومخاوف غرزت أظافرها فيها. ترفض تصديق أن طارقها يمكن أن يكون ذهب في رحلة اللاعودة!. تتمسك بأوهى الآمال. وتؤكد لنفسها أنه في الضفة الأخرى حي سالم ينتظر الظروف المواتية للاتصال بها. لكن الدقائق تمر بطيئة كدهور. والساعات كعصور, ويوهن الأمل. يوهن حتى يتلاشى.
أفاقت على نحنحة مريم ففتحت عينيها بصعوبة وسارعت ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تهز رأسها بقوة طاردة الرؤى عنه. وضعت مريم دلة القهوة على حرف النافذة وقدمت لها فنجان القهوة قائلة بسخرية:
- قال البريغادير جنرال إنه سينضم إليك بعد أن يغير ثيابه.
سألني إن كنت متأكدة أنه طارق. إنهم يحسبوننا مجنونتين!
حست عواطف عدة حسوات من الفنجان ثم وضعته على ركبتها بحذر وقالت بهدوء:
- لا ألومهم. كيف هو الوضع في الداخل؟.
- نزل غسان ونضال إلى الملعب. أرادت ناديا أن ترافقهما لكن غسان قال إنه يريد التحدث مع نضال على انفراد. تضايقت لكنها رضخت. نصح يوسف غسان أن يضع أعصابه في ثلاجة وقال له إن الوضع ليس أسوأ من أيام بيروت. تركت عطاف في المطبخ تعد فنجان شاي ليوسف الذي اشتكى من مغص.
- والآن ما رأيك؟.
قطبت مريم ثم همست وهي تتثاءب:
- لا أعرف. يبدون لي مثل الماشين في نومهم. إنهم يستاهلون الشفقة. كان غسان على حق حين قال إنه كان عليك أن تحصري الأمر بينك وبينهم وحدهم. أعتقد أن المسألة تعقدت بوجود الجنرال ويوسف وحتى ناديا. هم ليسوا من أفراد العائلة كما يجب. والمشكلة عائلية جداً. كيف تسمينها؟.
- عائلية صرف!
- نعم. صرف. التفاهم بينك وبين الأولاد سيكون أسهل دون وجود الآخرين.
هزت عواطف رأسها سلباً دلالة اعتراضها. قالت من ثم بهدوء وبطء:
- سبق واتفقنا أن الأمر يعني الجميع. ليست المسألة أنني فقدت طارق من عشرين سنة ولقيته الآن بل ماذا أفعل؟ مصائر الكثيرين تتعلق به، فهل تتصورين أن يمقدوري أن أتجاهل الجميع، بمن فيهم امرأته وأولاده؟ أتعرفين بماذا أفكر يا مريم؟ إنها أشبه بالحرب على عدة جبهات. وها هي الجبهة الأولى تفاجئني بأنها أصعب بكثير مما حسبت.
- لكنه زوجك قبل أن يكون زوج الآخرى؟.
علقت مريم باستهجان فتضاحكت عواطف قبل أن تقول بصوت مفعم بالتحدي وهي تشدد على مخارج الحروف:
- إنني أتكلم بصوت المنطق لا بصوت العواطف. نعم. إنها حرب ضروس تتطلب الحنكة لا التهور. المناورة لا الشجاعة. الخديعة لا الشرف. النفس الطويل لا الاندفاع الأهوج. لا أريد أن أتسرع فأخسر أو أبالغ في تقدير قوتي فأقع في مطب غير محسوب حسابه. معركة اليوم طويلة وصعبة، لكنها سهلة بالمقارنة مع ما سيأتي. المعركة الحاسمة ستكون مع امرأته.. لا أظنها ستتخلى عنه بسهولة.
- معك حق في هذا..
شهقتا بفزع والتفتتا إلى إبراهيم الذي سد بجسمه الفارع باب الشرفة وبدا في دشداشته البيضاء وشعره الشائب كأحد أشباح أفلام الكرتون.. فرقع بلسانه وأردف بخبث:
- لا تدعي أنني فأجأتك يا عزيزتي.. فبعد الذي سمعناه اليوم يجب أن تتحسبي لكل مفاجآتي.. أما زلت محتفظة ببعض همتك يا مريم بحيث أرجو منك فنجان قهوة مرّة علّ رأسي يستعيد بعض صفائه؟.
نفخت مريم بغيظ قبل أن تهز رأسها بالإيجاب. تنحى إبراهيم عن الباب مفسحاً لها الطريق لتمر. تفرست فيه عواطف بصمت وهو يقترب منها ويستند إلى عمود الأرجوحة قائلاً:
- حاولت أن أصلي طالباً من الله العون والقوة. لكنني نسيت كيف يصلون!. آخر مرة دخلت فيها إلى كنيسة كانت يوم تزوجت. مهما استقوى المرء واستكبر وحسب أنه قادر على إكفاء نفسه بنفسه فإنه يحتاج في النهاية، وبخاصة في الملمات، إلى قوة أقوى منه يلجأ إليها. إله أو زعيم أو جمهور أو عقيدة يؤمن بها. يستحيل على المرء أن يكون فرداً مطلقاً وأن يتخلص من كل ما فيه من عقد واتكالية ووساوس.
مصمص شفتيه واستدرك بحنان:
- إننا لسنا مجرد أقرباء.. أو أصدقاء. إننا.. إن علاقتنا قديمة جداً بحيث يبدو لي وكأنها بدأت منذ جئنا إلى هذا العالم. ورغم كل ما شابها من اضطرابات وأزمات وعقد وعداء وسوء تفاهم فقد بقينا قريبين من بعضنا وتحاشينا القطيعة الكاملة وكأن هناك حبلاً سرياً يربط بيننا. لاشك أن لكل منا نواقصه وأخطاءه وعيوبه. بل إننا نمتلك كمية لابأس بها من الحقارة والنذالة!. لكن ما يميزنا، أنت وأنا، أننا ذكيان وواقعيان ونجحنا دائماً في الفصل بين عواطفنا وعقلينا.لنقل مصالحنا، وهذا ما ساعدنا على تجاوز كل أزماتنا. لقد أردت أن أكون رجلك وحبيبك وزوجك، لكنني كنت كل شيء في حياتك إلا هذا.
قاطعته تقول بحدة وهي تطفىء السيكارة في فنجان القهوة:
- ليس هذا وقت العتاب يا إبراهيم. لا فائدة من فتح الدفاتر القديمة من جديد.
ارتبك وحدق إليها بحيرة ثم تمتم ببرود:
- لا أريد فتح الدفاتر القديمة ولانك جراح الماضي يا عواطف.. سقت هذه المقدمة لأتحدث بصراحة وأحسب أن ذلك من حقي. لقد أردتني أن أشهد مسرحيتك الليلة ليس باعتباري فرداً من العائلة بل لأدعم قصتك وأساند موقفك. لهذا فاجأك تحفظي وأثار غيظك. مشكلتي معك يا عواطف هي أنك لا تولين مشاعري أي اهتمام واعتبار. لاشيء يمنعك من استغلال ضعفي إزاءك لخدمة مصالحك ومآربك مهما سبب لي ذلك من عذاب وقهر.
- أرجوك أن تكف عن هذا الهراء وتتخلى عن أوهامك المريضة. قلت لك أكثر من مرة إنني أمقت أسلوبك الرخيص في الشكوى والتباكي. حسبت أننا نظمنا علاقتنا نهائياً وطوينا صفحة الماضي..
- أي ماضٍ تعنين؟ لا أعتقد أنه الماضي الخرافي الذي تحاولين النفخ في رماده؟. طارق حي!؟ ليس هناك أسخف من هذا القول.
خبطت الأرض بقدمها وهدرت بحنق:
- ما معنى هذا الحديث الآن؟ أين أنا وأين أنت؟.
زمجر بغيظ ولطم الأرجوحة بقبضته:
- أنا هنا مليء بالحياة أما أنت فعند ميتك الميت..
أجفلت عواطف وشدت جذعها فيما توهجت عيناها بنظرة ضارية حين اقترب منها وهو يلوح بقبضته مهدداً. سارع يسبل يده ويسيطر على أعصابه قبل أن يقول:
- آسف. آسف.. أتسمحين لي بالجلوس..
تلكأت لحظة ثم تحركت قليلاً مفسحة له مكاناً. جلس واستطرد مطرق الرأس:
- في إحدى دورات التأهيل القيادية درسنا أن الكذبة كلما كانت كبيرة وغير معقولة كلما مال الناس إلى تصديقها لأن أول ما يتبادر إلى أذهانهم أنه ليس من المعقول أن تكون كذبة!. من ذلك مثلاً الإشاعة التي راجت حول المطران الياس من أنه خلع رداء الكهنوت وتزوج راهبة!. لقد صدقها الناس وصارت حديث البلد قبل أن يظهر أن لا صحة لها إطلاقاً وأن المطران المسكين معتكف في صومعته يتعبد ربه!. قد تصح هذه النظرية على مستوى القضايا الكبرى. في الحروب والثورات والاضطرابات الاجتماعية والسياسية وصراع الدول، لكنها من الصعب أن تنطبق على حالة فردية مثل حالة طارق.
- أفهم من ذلك أنك تعتبرني كاذبة؟.
سألت ببرود دون أن يشي صوتها بأي انفعال. راحا يحدقان إلى بعض بحدة قبل أن يغض إبراهيم نظره ويغمغم بسخرية:
- إنها كذبة كبيرة جداً لكنها لم تقنع أحداً.
- لم تجب على سؤالي؟.
- قلت إنها كذبة، ولم أقل أنك كاذبة!. ربما شبه لك، كل إنسان معرض للخطأ.
- أنا لست مخطئة. أنه طارق.
ضرب عمود الأرجوحة بقوة فدوى رنينه المعدني كطلقة في السكون تلاه تهويم فزع لطيور الليل.
- لا تحاولي بناء قصور من أوهامك. طارق انتهى من الوجود يا عواطف. أما هذا الرجل فشبيه ليس إلا.
- إنها مشكلتك إن كنت لا تريد تصديقي.
سكتت على همهمة مريم التي قدمت حاملة دلّة القهوة:
- غسان ينتظرك في المكتب.. وعطاف سألتني عنك، يبدو أن ليلتنا طويلة!.
علّق إبراهيم بسخرية:
- أرى أن كل واحد يريد مقابلتك على انفراد. حددي لكل منهم نصف ساعة!.
هزت كتفيها باستياء وهي تنهض وتبتعد دون تعليق. ناولته مريم فنجان القهوة وهي مقطبة قبل أن تقول بجفاء:
- عواطف ما قالت إلا الحقيقة يا جنرال.. إنه طارق أعجبك ذلك أم لا!.
فاجأته لهجتها الاستفزازية والاستهتار الذي أبدته في مخاطبته.
حدق إليها بغضب ثم زمجر:
- ماذا تقولين يا امرأة؟.
ردت بمزيد من الجفاء:
- إنه طارق يا جنرال.
تنامى غضبه إلى درجة ود معها لو ينهال عليها بالضرب. لكنها سارعت تبتعد دون أن تترك له الفرصة لقول أو فعل أي شيء. لاحقها بوجوم وهي تختفي وقد تملكه إحساس بالهوان كاد يخنقه. اكتفى بأن لكم ساقه بقوة متمتماً بشتيمة بذيئة.
ماذا يفعل هنا وإلى متى سيظل قابعاً كمراهق آخرق في ظل عواطف متعلقاً بحبال أمل واه يدرك، بثقة، أنه لن يتحقق؟ أهو حقاً عقيد متقاعد بلغ ذروة ما يطمح إليه المرء من نجاح وجاه وسطوة أم مجرد رجل تافه أفقده الحب رشده ودمرت حياته تلك المرأة القاسية التي يكرهها أحياناً إلى درجة التفكير في قتلها؟ ما هو هذا العشق الأهوج الذي استعبده ولم يهن أو يضعف رغم كل ما لقيه من صد وإهمال ولا مبالاة بلغت درجة الاحتقار؟ تخلى عن كل شيء من أجلها، عن الكرامة والكبرياء والحياء وأخيراً، وليس آخراً، عن امرأته وابنته! تنسك في محرابها كاهناً مسلوب الإرادة يقدم لها فروض العبادة والولاء وكأنها الحواء الوحيدة في هذا العالم. حاول جاهداً التحرر من أسرها والنجاة من شراكها. لكن لا طارق ولا الاحتلال ولا أكرم ولا لمياء، ولا حتى ابنته المسكينة، قدروا على نزعها من فكره ودمه وروحه. مر في حياته كثير من النساء. لكنهن لم يزدن عن محطات عابرة يترجل فيها لإشباع شهواته بفتور واستعجال قبل أن يغادرها غير آسف راكضاً وراء سراب عواطف كالبحار المتنقل بين جزر مهجورة باحثاً عن مرفأ آمن يحط مرساته فيه إلى الأبد. لكن عواطف لم تكن إلا القدر الملعون المجبول بالعذابات والخيبات والهزائم. أهو حقاً مازوشي كما صرخت في وجهه الصيف الماضي حين سألها مجدداً الزواج؟ أصغت له بهدوء وهي تأخذ حماماً شمسياً في مسبح الكارلتونون. أثاره حتى التمزق عريها المسفوح أمام ناظريه بالمايوه الأصفر ذي القطعتين اللتين تكشفان أكثر مما تستران. كان جسدها البرونزي نضراً مشدود الجلد لا يوحي أبداً أن صاحبته امرأة في منتصف عقدها الخامس. راح ينهشه بعينيه بشبق رجل لم يعرف الجنس الحقيقي بعد:
- أسأل نفسي من أية طينة مصنوعة أنت يا عواطف؟ الزمن لا يزيدك إلا تألقاً حتى ليخيل إليّ أنك تمتلكين الشباب الدائم.
- ألا تكف عن مراهقاتك الفاجرة؟.
قالت بخمول دون أن تنجح في إخفاء مشاعر الغبطة التي أثارها تملقه في نفسها. استدارت تستلقي على بطنها كأنها تتقصد تسعير نيران أحشائه بحركات شيطانية تتظاهر بأنها عفوية. نفخ بشهوانية وعيناه تتمرغان في زورق ظهرها السحري:
- أنا عاجز عن التعبير. أتعلمين ماذا قال العميد رمزي حين رآك في حفل النادي الخيري؟ أنت الأعجوبة الثامنة.!. لم يصدق أنك أم لأولاد بلغوا مبلغ الرجال. ما رأيك في أن ننسى كل ما فات ونفكر بأنفسنا. إنني ما زلت صالحاً للزواج!.
- متى تنضج يا إبراهيم؟ إنني الآن مشغولة بتزويج أولادي فلا وقت عندي لغيرهم.
قالت مازحة مما شجعه على المتابعة:
- باستطاعتي الانتظار قدر ما تشائين.
هدرت فجأة بغضب وهي تستدير برأسها نحوه:
- أنت لا تحبني بقدر ما تحب تعذيب نفسك أيها المازوشي. لا تعد إلى هذا الموضوع ثانية.
صمت محنقاً وقد أسقط في يده. كان جسدها المشبع بالزيت والمضمخ برائحة الكريم والكلور يتوهج تحت أشعة الشمس مستفزاً رجولته وكبرياءه. جسد مغرٍ فيه من النبل قدر ما فيه من الحقارة، وقد تبذله لأي رجل كان لكنها تمسكه عنه إمساك العفة لنفسها أمام الرذيلة. وهو لا يشك في أنها بذلته لكثيرين دون أن يطرف لها جفن!.
صعقته وهي تؤكد في سهرة صاخبة ضمتهما وبعض زبائن الشركة المهمين أن رجل الأعمال والسياسي متشابهان في إيمانهما بالمكيافيليه. لهذا يحق للأول، مثله في ذلك مثل الثاني، أن يستغل جميع إمكانياته ومواهبه الطبيعية والمكتسبة في خدمة غاياته. حين سألتها إحدى الحاضرات إن كان ذلك ينطبق عليها، ويعني أنها لن تمانع، على سبيل المثال، في استغلال مواهبها الطبيعية، أي جسدها، لتحقيق مصالحها، ردت باستهتار صارخ ألهب وجنتيه سخطاً وذهولاً:
- الجسد ملك صاحبه. هكذا افترضت الطبيعة أمنا عندما كوّنتنا، لكن الذي حصل أن هذا الحق اقتصر على الرجل وحده الذي تطبع على ممارسة حريته مع جسده وبه. أما المرأة فقد فقدت هذا الحق حين صادره الرجل منها بالقوة ووضع لها سلسلة غير متناهية من القوانين والمحرمات التي حولت جسدها إلى ملكية خاصة له يعامله وفق رغباته ومصالحه. فهو تارة حكر له وحده، وبقدر ما ملكت يمينه، وهو تارة سلعة وتجارة وخدمات عامة. ولا تنسوا أن البغاء من ابتكار الرجل وهو المستفيد الأكبر، بل الأوحد منه سواء للحصول على المتعة أو لتحقيق الأرباح الطائلة، فلماذا تنكر المرأة على نفسها استعادة حقوقها في جسدها، ولماذا تخشى تحريره؟.
كانت تتكلم بثقة مفرطة بالنفس مازجة المجون بالجد وقد دبت فيها نشوة نبيذ البورغوندي الفاخر فاحمر خداها احمرار تفاحتين من ثمار الجنة وتلألأت عيناها الذابلتان ببريق يضاهي في توهجه انعكاس ضوء الشموع في الكؤوس الكريستالية. شعر بالخبل حين أردفت بعد أن أفرغت في جوفها كأسها نصف الممتلىء بجرعة واحدة:
- قد تصدمنا كشرقيين هذه الحقيقة. لكن الفترة التي عشتها في فرنسا فتحت عيني على حقائق لم يكن بإمكاني رؤيتها بوضوح من هنا، بل لم أكن أعلم أنها موجودة.. ويبدو أن الإنسان كلما تقدم خطوة في درب الحضارة وصعد في درجات السلم الطبقي كلما ازداد جرأة في التحرر من إسار القيم والمبادىء وفي الخروج على المفاهيم والقوالب الجامدة لما يسمّى الأخلاق والشرف والفضيلة!..
ضاعت بقية لغوها في دوشة التعليقات الماجنة والنكات البذيئة والضحكات العربيدة والصداع القوي الذي أمسك برأسه. فكر أن ما قالته ليس سوى سفسطة لتزجيه الوقت والمزاح. لكنه ظل بقية السهرة قلقاً محتاراً. قبل أن تترجل من السيارة أمسك بيدها:
- أكنت تعنين حقاً ما قلته يا عواطف!.
لم تفهم معنى سؤاله إلى أن أوضح:
- أعني عن الغاية والوسيلة والأخلاق والشرف!.
ضحكت بسخرية.
- ولماذا لا أكون؟.
- ألا تجدين أي حرج إذن في استغلال جسدك لخدمة مآربك؟!.
دبت القشعريرة في ظهره وهي تقول بخبث:
- برغبتي ومزاجي! نعم! إن جسدي ريان فاتن لكنه فان. ومن العار أن أتركه يذوي دون فائدة. الجسد كالشجرة إن سقيته أعطاك ثمراً وإن أهملته وحرمته الماء يبس ومات.
ضيقت عينيها وأردفت بإغراء نافثة رائحة فمها المشبعة بالكحول في أنفه وفمه:
- لا أحسبك تظن أنني قررت الترهب والخضوع لمفاهيم عالمكم الذكوري يا إبراهيم! عواطف اليوم غير عوطف الأمس. إنني امرأة في ذروة نضجها محبة للحياة جياشة بالرغبات التي لا أرى حرجاً في إشباعها. ثم إنني اسم على مسمّى. عواطف قلباً وقالباً. لا تقل لي إن أفكاري أدهشتك وفاجأتك، أو أنك تريدني أن أقمع غرائزي الطبيعية لأصون جسدي لا أعرف لماذا ولمن. أنا امرأة حرة الآن.
صر على أسنانه حانقاً وقال باحتقار:
- هذا عهر. أنت سكرانه ولا تعنين ما تقولين. رغم ثروتك ومصالحك ومهما ادعيت علو مرتبك في السلم الاجتماعي وإعجابك بالمفاهيم والقيم الغربية فأنت لست سوى مسيحية شرقية متزمتة متشبّعة بتقاليدنا وأعرافنا ومنغرسة فيك حتى مخ عظامك محرماتنا التي لا تمسّ. أنت أجبن من أن تتمردي على كل ذلك لتكوين راحاب ثانية، وأنا أعرفك بما يكفي لأفرق بين صدقك وكذبك.
ضحكت من منخريها وردت بسخط:
- أنت آخر من يحق له أن يعظني في الأخلاق والفضيلة أيها العاهر.
قالت كلمتها الأخيرة بازدراء وفتحت باب السيارة بعصبية وهمت بالخروج. لكنه أمسكها من كتفها يمنعها واغتصب ابتسامة شاحبة قبل أن يغمغم بارتباك:
- كم أنت حقودة يا عواطف!. كانت غلطة فادحة لكني كفّرت عنها ألف كفّارة. انسي واغفري ولنبدأ من جديد. إنني أريدك. أريدك أكثر من أي وقت مضى.
- لقد نسيت لكني لن أصفح، خلّ هذه الحقيقة في بالك دائماً واغسل يديك مني لمرة وإلى الأبد. ثم أنت تنسى أنك متزوج وعندك ابنة!
- لا يهم. سأطلق لمياء مهما كلفني الأمر. ونحن في حكم المنفصلين عملياً منذ أكثر من سنة. وافقي فقط. لقد حاولت نسيانك دون فائدة. لا أستطيع نزعك من قلبي. الأمر فوق طاقتي. تخليت عن كل شيء من أجلك. عن أسرتي وأعمالي ووقفت على بابك كالياوران لأدير شركتك وأرعى مصالحك وأجهد لتزدادي نجاحاً وثراء وتألقاً وتريدينني بعد كل ذلك أن أتخلى عنك؟.
أسبلت على وجهها قناعاً من الصرامة ونفخت بنفاد صبر:
- سارت علاقتنا على ما يرام منذ عودتي من فرنسا لأنه ليس هناك أفضل وأدوم من رابطة المصالح. لا أنكر جميلك وجهودك المشكورة في إدارة الشركة وتدريبي على الأعمال. لكنك بدورك استفدت مني وحققت أكثر مما كنت تحلم به!.. عندما عرضت عليك، بإلحاح من غسان، العمل معي كانت الشروط التي تعاقدنا عليها واضحة ورضينا بها نحن الاثنين، فلا تحاول تمنيني يا إبراهيم بتضحيات وهمية لم أطلبها منك أبداً. أما فيما يخص أسرتك التعيسة الحظ فأنت هجرت زوجتك المسكينة، أو هي التي هجرتك، لأن حياتكما معاً أصبحت مستحيلة، ولا أستطيع إلا أن أرثي لها وأشفق عليها لأنها هي التي تدفع ثمن حبك المريض لي. لهذا أرجوك أن تنزعني من فكرك نهائياً وأن تنزع معي كل أوهامك. وإن لم تستطع فليس أسهل من أن نفك ارتباطنا في أي وقت. فأنا لا أحتفظ بك غصبا عنك!.
تبخّر غضبه تحت وطأة إحساسه بأنها تعذبه بلؤم حقير. لكنه لم يستسلم فتمتم بإصرار:
- لماذا كل هذا الحقد يا عواطف؟.
- السذاجة لا تليق بعقيد متقاعد. أم أنك تحب أن تسمع السبب مني؟.
نبرت بتحد وهي تحدق إليه بعينين حمراوين استطاع رغم خفوت الإنارة رؤية عروقهما نافرة:
- قلت لك إنني كفرت ألف مرة وآن للجرح أن يندمل.
- وقلت لك إن الجرح اندمل لكن الندبة لن تزول حتى لو مسحها المسيح نفسه!.
- أتريدين أن أركع أمامك وأزحف نادماً مستغفراً؟ ماذا يشفي غليلك؟
- كف عن هذا الهراء يا إبراهيم. إن تذللك المهين يقززني!.
كان قد انصرم زهاء العام على إقامتها في ضيافته عندما قرر أن الوقت حان لمفاتحتها برغبته. كان مطمئناً إلى أنها ستوافق بامتنان. فهي حرة من أي قيد. وليس ثمة طارق مناف يقف في طريقه كما حدث قبل خمسة عشر عاماً. إلى ذلك فإن الظروف كلها تصب في صالحه. فهو في عنفوان رجولته وذروة مجده المهني بعد نيله وسام الفارس تقديراً لخدماته العسكرية. كما أنه مطمح عشرات الفتيات الأجمل والأصغر من عواطف. وهي أرملة مطرودة من وطنها تجرجر وراءها ثلاثة أطفال أكبرهم في العاشرة، ولا تملك سوى الإعانة الحكومية الشهرية التافهة التي لا تكفيها ثمن خبز لإطعام أطفالها، وليس لها في عمان أي شخص غيره يمكن أن تلجأ إليه. ثم أنها أذكى من أن تنسى أن امرأة في مثل وضعها ليس لها أن تفلت من يدها تلك الفرصة، الأولى والأخيرة، للعثور على شريك لحياتها يرضى بتحمل مسؤولية أولادها.
- أنت رجل شهم يا إبراهيم ولن أنسى أبداً العطف الذي غمرتني به وأبنائي. لقد كنت أكثر من أخ لي وأب لهم. ولولاك فإن الله وحده يعلم ماذا كان حل بنا في هذه الظروف الصعبة. إن طلبك الزواج بي يملأني فخراً وغبطة ويزيد تقديري لك خاصة وأنا أدرك التضحية الكبيرة التي تقدم عليها بقرارك تحمل مسؤوليتي وأطفالي. لكن تقديري وامتناني هما اللذان يغلاّن يدي ويدفعانني لمطالبتك بالتروي وإعادة النظر في قرارك. ليس هناك أي اعتراض لي على أن أصبح زوجتك. لكن الظروف التي مرت عليّ بعد وفاة طارق، سواء في القدس أو هنا، أبعدتني شوطاً طويلاً عن فكرة الزواج والارتباط من جديد برجل يجد نفسه مجبراً على إعالة أبناء رجل آخر. لقد قررت التفرغ لتربية أولادي ومحاولة تعويضهم عن فقدان الأب والوطن، ولا أطمح بأي شيء آخر.
- ولكنني أعتبرهم بمثابة أبنائي يا عواطف. أحب كل ما له علاقة بك كما أحبك وأكثر. سأجعلهم يعتبرونني والدهم لا كوالدهم، ولا شك أنك لاحظت أنهم متعلقون بي. البارحة سألتني عطاف لماذا لا أكون والدها فوعدتها أن أكون. وهذا يتحقق بكلمة منك. وافقي وسأكون كلي لك ولهم!..
تفرست فيه بنظرات حائرة بحيث تصور أنها توشك أن تومىء برأسها بالإيجاب. أمسك بيدها يشجعها على حزم أمرها، لكنها سارعت تسحبها بلطف قبل أن تهز رأسها سلباً قائلة بصلابة:
- آسفة. آسفة جداً. أعلم أنني الخاسرة. لكنهم ثلاثة أطفال والأمر ليس سهلاً أبداً. ضميري لا يسمح لي بتحميلك مسؤوليتهم. مهما أحببتني فإنهم ليسوا من صلبك ولن يكونوا، ومهما أحببتهم فسيظلون أبناء رجل آخر ولن يتأخر اليوم الذي تندم فيه وتشعر بأنك تورطت.. لا أريد أن أكون السبب في الإساءة إليك وإليهم، أنت بحاجة إلى امرأة تكون كلها لك وتنجب لك أطفالك أنت.
بدأ يفقد أعصابه وهو يقاطعها بانفعال:
- الأولاد ليسوا إلا حجة. المسألة باختصار أنك لا تريدين الارتباط بي. فقوليها دون لف ودوران.
نهض ودمدم بغيظ:
- لقد اعتقدت أنك نضجت وبدأت تفهمين الحياة. لكني مخطىء على ما يبدو. أنت لم تتغيري أبداً. لا تزالين تلك الحمقاء الرعناء التي تظن أن الدنيا ملك يمينها والناس طوع أمرها.
- اضبط أعصابك يا إبراهيم وتذكر أنني ضيفتك!.
قضى هدوؤها البارد على بقية أعصابه فانفجر في ثورة غضب هوجاء:
- كيف أتذكر وأنت تعاملينني بازدراء وكأنني مرابع عند أبيك؟ عليك أنت أن تتذكري حقيقتك وتفتحي عينيك على واقعك وتنزلي من برج أوهامك. من أنت الآن؟ شقفة لاجئة مبعدة عن وطنك لا تملكين إلا الثوب الذي جئت لعندي فيه! فتحت لك قلبي وبيتي وأويت أولادك وشيطانتك مريم وحميتك من التشرد والذل وجعلتك سيدة منزلي والآمرة الناهية في حياتي وفضّلتك على نساء أجمل وأصغر منك. فمن تحسبين نفسك؟ ابنة الملك؟!
- لقد خرجت عن طورك وسأعذرك، فأنت ما كنت أبداً إلا وغداً وضيعاً.. راحت تحملق إليه باستخفاف وقد وسّعت فتحتي أنفها وعلقت على شفتيها ابتسامة شاحبة مفعمة بالشفقة. كانت كما عهدها دائماً. قاسية مغرورة واثقة بنفسها إلا حد الاستهتار، جميلة وفاتنة وشهية إلى حد غير محتمل، تتحداه في عقر داره مستخفّة بعواطفه وكرامته وجميله.
لم يعرف كيف فعل ذلك، هو هدوؤها الملعون الذي أفقده صوابه وحوّله إلى كتلة من الرغبات البدائية انطلقت من عقالها محطمة كل قيودها ومتحررة من كل مخاوفها ومحرماتها وحساباتها، فانساق وراءها مسلوب الإرادة واضعاً نصب عينه هدفاً محدداً، أن يمتلك تلك المتعجرفة الوقحة ويسحق كبرياءها ويمرغ أنفها في التراب مرة وإلى الأبد.
قاومته باستماتة ودافعت عن نفسها بشراسة حتى كادت تتغلب عليه، هو العسكري المحترف القوي. أثخنته عضا وخدشاً ورفساً ولكماً وضرباً فاضطر إلى استخدام كل قوته للسيطرة عليها. ضربها حتى أنهكها وما امتلكها إلا بعد أن فقدت وعيها.
وهو ينزلق عنها مرتمياً إلى جانبها منهوك القوى أدرك هول ما اقترف. استعاد رشده مرعوباً على مذاق دمها اللزج في فمه ووخزات جروحه المحرقة وصورتها وهي مستلقية عارية فوق مزق ثيابها دامية الجسد متورمة الوجه متشققة الشفتين وقد فتحت عينيها الساكنتين على وسعهما وخمدت حركتها فبدت كالأموات لولا تردد أنفاسها البطيء ووجيب قلبها الخافت. لاحظ وجود شامة سوداء على نهدها الأيمن وأخرى بشكل كرزة قرب صرتها ثم سارع يغمض عينيه وقد دبت فيه رجفة قوية كأنما أصابته حمّى. أهو في كابوس أم في واقع؟ ماذا فعل؟ أهذه هي عواطف، عواطفه، المرأة التي أحب مرمية أشلاء مدماة؟ أهذا هو الجسد الذي اشتهاه حتى الفناء فمزقه تحت وطأة شهوة عمياء؟.
شعر بالاختناق فشخر كحيوان يحتضر فيما الغثيان يصطخب في حلقه. أطلق صرخة متحشرجة وراح ينشج بحرقة وهو يناشدها الصفح والغفران. لقد أخطأ خطأ شنيعاً لا يغتفر، وسيفعل أي شيء تكفيراً عن جريمته. هو نادم ندماً عظيماً ويحبها حتى الموت. سيقتل نفسه إن كان ذلك يرضيها ويريحها. بل لتقتله بيدها إن رغبت. إنه يستحق الموت، بل عليه أن يموت كالكلب! قفز إلى الخزانة ولقم مسدسه ورماه إليها طالباً منها أن تفرغ رصاصاته فيه. قد يسيء إلى الناس جميعهم إلا عواطف، عواطفه، طفلته، حبيبته، أمله..
لكنها ظلت صامتة صمت الأموات متكوّمة على السجادة فوق ثيابها الممزقة كالطير الذبيح مبعثرة العري دامية الجسد منهوكة القوى زرقاء الوجه متشققة الشفتين فيما أنفاسها تتردد ببطء في صدرها المنكمش .

 
 

 

عرض البوم صور تمارااا   رد مع اقتباس
قديم 07-04-09, 02:39 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 33834
المشاركات: 1,231
الجنس أنثى
معدل التقييم: تمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 815

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
تمارااا غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : تمارااا المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

- 4 -

أشارت ساعة الصالون إلى الواحدة ودقيقة حين دخلت عواطف إلى المكتب وردت الباب وراءها بهدوء. وقف غسان قرب المكتب مسلطاً ضوء اللمبادير على ملف أحمر راح يقلب صفحاته ببطء وقد انعكس ظله مضخّماً على المكتبة وراءه. بدا عليه الهدوء مما جعلها تشعر بالارتياح فنفخت بخفوت وتقدمت من المنضدة وتناولت سيكارة. رفع عينيه نحوها وقال بثبات:
- كنت أتساءل لماذا تأخرت. أرجو ألا يكون الجنرال أثقل عليك!.
تملاّها بإمعان وهي تشعل السيكارة ثم مط شفتيه دلالة الإعجاب وأردف بلطف:
- جمالك حزين الليلة. من المؤسف أن تكوني أمي فهذا يحول بيني وبين متعة التفكير فيك كامرأة!.
عبست في إشارة تأنيب صارمة وجلست على المقعد الأقرب إلى المكتب باحتشام متجنبة التقاء نظراتهما. كانت قد استعادت غير قليل من رونقها ونضارتها بالاغتسال وتصفيف شعرها ومكيجة وجهها فيما فاحت رائحة عطرها المفضلة، أراميس، نفاذة قوية.
دفع غسان المقعد وجلس في مواجهتها مسلّطاً عليها نظرات ثاقبة أربكتها لكنها واجهتها بغير قليل من التحدي. بدا لها تحت الضوء شاحب الوجه واجماً فيما اكتست تعابيره بمسحة من القلق ترجمها بعض طرف شفته السفلى. نفخت دخان سيكارتها بعصبية حين شعرت أن الصمت قد يستمر إلى ما لا نهاية وتمتمت بنفاد صبر:
- ماذا دار بينك وبين نضال؟
تجاهل سؤالها وقال بلطف وكأنه يحاول تهدئة خاطرها:
- السيكارة ما عادت تفارقك يا عواطف. الإفراط بدأ يؤثر عليك ويمتص عافيتك، لم أرك بهذا الشحوب منذ خرجنا من القدس. يبدو لي أن دهراً مرّ على تلك الحادثة. عهدي بل أنك معتدلة في كل الأمور. لكن يبدو أن هناك أوقاتاً يفلت فيها زمام واحدنا من يده.
حدجته بدهشة، انحنى برأسه نحوها واستطرد بصوت رتيب الجرس:
- كثير من ذكرياتي القديمة ضاع أو بهت. لكني لن أنسى أبداً شكلك ونحن نعبر الجسر. كان وجهك أصفر كليمونة، وعيناك ساكنتين خاليتين من الحياة حتى خفت أن تموتي. ارتبط اصفرار الوجه في ذهني آنذاك بالموت بعد أن رأيت بالصدفة جثة والد أحد رفاقي في المدرسة. كان أصفر كامداً أفزعني حتى الغثيان. عندما رأيتك بهذا المنظر قلت لنفسي إننا ذاهبون إلى الموت ولسنا نغادر بلدنا فقط. وعيت على اليهود وهم يحتلون مدينتنا ويضطهدون شعبنا، فخفتهم وتحاشيتهم دون أية مشاعر أخرى، فهم لم يكونوا سوى بشر من لحم ودم مثلنا، أما يومئذ فقد بدوا لي أشبه بالوحوش المرعبة وامتلأت نفسي بالحقد عليهم حتى تمنيت لو أستطيع قتلهم جميعاً!.
سكت يتبادل وأمه نظرة تعاطف وقد افتر ثغره عن ابتسامة كئيبة. همت بأن تتكلم لكنه سبقها يقول مغيّراً فجأة مسار الحديث:
- لا أزال عند رأيي في أنك أخطأت بإبلاغنا الأمر على هذا النحو. ليس لي اعتراض شخصي على أحد. فناديا ويوسف وإبراهيم ينضوون تحت لواء العائلة بطريقة من الطرق. لكني كنت أفضل تأجيل إشراكهم في تلك المسألة إلى مرحلة لاحقة. كان يجب أن تبحثي الموضوع معي في البدء.
أطفأت السيكارة وقالت بتفهم:
- لا تهول الأمر يا غسان أو تفسره على هواك، أمر طبيعي أن يشاركونا في شؤوننا العائلية ولولا انفعالك الذي لا مبرر له لانتهت المسألة ببساطة ولما وجدت أي ضير في وجودهم. إن حجتك غير مقنعة إلا إن كنت تعتبر العثور على أبيك مصيبة! لقد تصورت أنني أزف لكم بشرى وأنك ستكون أول السعداء.
دارى غسان ارتباكه بضحكة مفتعلة ولوح بيده:
- ألا تعتقدين أنك تبالغين قليلاً يا أمي! أتفاجئينني بأن أبي الميت من عشرين سنة حي وتنتظرين مني أن أطير من الفرح وأركض باحثاً عنه؟ هكذا بكل بساطة! إنني لم أصح من الصدمة بعد.. ها..
عاد يضحك دون معنى ثم أردف بتهذيب:
- لنضرب صفحا عما جرى.. لقد أخذت عهداً على نفسي أن أضبط أعصابي وأناقش القضية معك بهدوء وتعقل دون أية مواقف مسبقة فآمل أن تتحمليني وتستمعي إليّ برحابة صدر.
احتوى رأسه بين يديه وضغط على صدغيه بقوة:
- الصداع لا يحل عني رغم أنني أخذت حبتي أسبرو، لا أعرف أهو ألم جسدي أم نفسي؟.
نفخ بقوة واستدرك:
- تعرفين حقيقة مشاعري نحوك، لا أنكر أن علاقتنا تعرضت لأكثر من هزة بسبب ظروف معينة أقوى مني ومنك، ولأننا تسرّعنا في إصدار أحكام منفعلة ناتجة عن سوء تفاهم لم ننجح في تلافيه. لكن ذلك لم يؤثر أبداً على مشاعري نحوك ولم يزعزع إيماني وثقتي بك. أنت لست مجرد أمي فقط، بل تعنين لي ما هو أوسع وأعمق. إنك مثالي ونموذجي في الصلابة والقوة والقدرة على مواجهة العالم بعزيمة وتصميم. فتحت عيني على الحياة معك وبك فوجدت فيك الأم المتفانية التي تمنحني الحب والثقة والقوة في وقت حرمتني فيه الحياة أبي وأطبق الاحتلال على خناقي بكل أثقاله وضغوطه. والظروف التي مرت بنا رسخت هذه القناعة في نفسي بحيث آمنت أنك أقوى من الاحتلال نفسه، فهل ثمة امرأة غيرك تجرؤ على إخفاء فدائي مطارد في بيتها ثلاثة أيام دون أن يعرف بذلك حتى أولادها؟.
تركت للانفعالات أن تتوالى على محياها دون قيد. أصغت له بصمت مضمومة اليدين وقد تألقت عيناها واحمر وجهها وأسلمت نفسها لأطياف ذكريات رهيفة راحت تتقافز من ذلك الصندوق الخشبي العتيق المفضّض الذي اعتادت أن تتحين فرصة غياب أبيها وانشغال مريم فتتسلل إلى العلية لتنبش محتوياته الغريبة العجيبة. تفرد الأوراق المصفرّة والعلب المذهبة والتحف الخشبية والنحاسية والسماور المسود وقطع ثياب أكلها العت لتعبق في أنفها وجوارحها روائح السنين المتخمّرة والأوراق الذابلة والخشب المتآكل. تبحث بلهفة عن خاتم ذهبي أو فانوس قديم صدىء يخرج منه جني تمتد قامته إلى السماء ليطأطىء أمامها بخشوع صارخاً بصوت يصم الآذان شبيك لبيك يا سيدتي الصغيرة فتطلب منه أن يضع العالم في يدها الصغيرة!.
هزت رأسها وأمسكت يده تضغط عليها بود قبل أن تقول بصوت متهدج وقد رسمت على فمها ابتسامة عذبة:
- ها هو ذا غسان الذي أحب. إن الكلمة الطيبة قادرة على إزالة أي سوء تفاهم يقع بيننا. كنت واثقة أنك ستتفهم موقفي وتدرك أن عثوري على أبيك..
تصلّبت يده ثم سحبها بخشونة وهو يقاطعها قائلاً بفتور:
- لا تليق بك السذاجة يا أمي. أن أحبك وأحترمك لا يعني أن أفقد حسن إدراكي وقدرتي على التمييز بين الخطأ والصواب.
اشرأبت برأسها وغمغمت بقلق:
- حسبت أنك بدأت تتفهم!.
تضاحك ببلاهة قبل أن يقول:
- المسالة ليست دعوة على العشاء ألبيها أو أعتذر منها حسب رغبتي. إنها قضية.. قضية مصير.. أوه. تعرفين تماماً أنني أكره استخدام الكلمات الكبيرة لكنك لا تتركين لي الخيار.. لا أستطيع الاقتناع بأن ذلك الرجل قد يكون أبي.. إنه.. مستحيل.. إنه..
سكت وكأنه يتحاشى قول ما يثير غضبها، لكنه سرعان ما استدرك:
- ليس هناك مخلوق يملك ذرة عقل يمكن أن يقبل قصتك..
حافظت على هدوئها وهي تسأله:
- لماذا؟ هل هناك ما يمنع حدوث ما حدث لأبيك؟.
- لا. لا شيء يمنع حدوثه. رجل يفقد ذاكرته في حادثة فيواصل حياته بشخصية جديدة وكأن شيئاً لم يكن، بل إنه يتزوج وينشىء أسرة جديدة ويعيش بالطول والعرض!. لكنه رغم ذلك مستحيل.
- ما هذا التناقض؟ ممكن ومستحيل في الوقت نفسه؟ لا أفهم لماذا أنت متشبث بهذا الموقف الغريب. إننا لا نتكلم عن أي كان. إنه أبوك.
- وهنا الطاقة الكبرى. لو أن المسألة تعلقت بأي شخص آخر لتقبلت الأمر بسهولة. أما وأنها تخصني شخصياً. وفي ضوء الثغرات الكثيرة فيها، فإنني عاجز عن تقبلها.
رمقها بطرف عينيه وكأنه يحاول تخمين المدى الذي يمكن أن يصل إليه في صراحته. بدت مكتئبة أكثر مما هي غاضبة أو منفعلة. ضيّقت عينيها وزمت شفتيها وحافظت على صرامة ملامحها بحيث استحال عليه استشفاف ما يدور في ذهنها. بلل شفتيه بلسانه ورفع رأسه إلى الأعلى كأنه يستمد العون من الله ثم أردف:
- ثقي بأنني لا أرفض لمجرد الرفض، ولا أعارض في أن يكون أبي على قيد الحياة، لكنني أعتقد أن هذا الرجل ليس أبي ولا يمكن أن يكون.
- اصبر على الأقل إلى أن تراه قبل أن تجزم.
- ليست المسألة أن أراه أو لا أراه. وإنما.. أوه يا أمي إن أفكاري مبلبلة مشوشة.
وقف ولوح بيديه بعجز واتجه إلى المكتبة حيث تناول صورة طارق وتفرس فيها بإمعان قبل أن يعيدها إلى مكانها ويستدير قائلاً:
- سأضع كل شكوكي واعتراضاتي جانباً وأفترض أنه طارق مناف. فماذا يعني ذلك لك الآن؟.
حدقت إليه بدهشة ثم قالت بحنق:
- سؤالك يكشف عن قسوة قلب غير معقولة. أنت تصدمني..
قاطعها يقول بنزق:
- لاتنسي أن المسألة في النتيجة هي إما أبيض وإما أسود ولا لون ثالث بينهما، فلا داعي للنرفزة حيال وقائع محددة تعتقدين أن لاحق لأحد في مساءلتك عنها. ما زلت في انتظار جوابك.
خبطت الأرض بقدمها ونهضت مقتربة منه قائلة بانفعال.
- إنه زوجي قبل أن يكون والدك. زوجي ورجلي وحبيبي.
- لكنك حسب علمي أحببت وتزوجت بعد وفاته. وإن كان الأمر يتعلق بالرجال والحب فقط فليس هناك أهون من العثور عليهم. إنهم يملأون الشوارع وما عليك إلا أن تختاري.
لم ينتبه إلى فداحة ما قال إلا وهي ترفع يدها هامة بصفعه. لكنها توقفت في اللحظة الأخيرة وأسبلت يدها بقوة وقد ارتسمت على وجهها تعابير غضب شديد ممتزجة بألم عميق. اتكأت بيديها على المكتب مديرة له ظهرها قبل أن تقول بصوت مرتجف:
- لقد أخذت عهداً على نفسي أن أضبط أعصابي ولا أسمح لشيء أن يخرجني عن طوري. لكنك تتسافل أحياناً إلى درجة أنك تنسى أنني أمك.
- آسف جداً. لم أقصد.
- لا يهمني أسفك وقصدك. لقد أوشكت أصدق أن ما قلته قبل قليل صادر عن قلبك وأنني استعدت مودتك وصداقتك.. لكن يبدو أنني مخطئة.
عاد يناشدها برجاء:
- أكرر أسفي يا أمي.. لم أعن ما فهمته أبداً. كان مجرد كلام صدر مني في سورة انفعال ودون تفكير.
كان صوتها مفعماً بالسخرية وهي تلتفت إليه:
- أخشى أن يكون كلامك كله دون تفكير.
رمقها بيأس ثم غمغم بحدة:
- أنا آسف سواء قبلت اعتذاري أو رفضته. وأرجو أن نتجاوز هذه المسألة ونبقى في موضوعنا الأساسي..
أخذ نفساً عميقاً نفخه بقوة قبل أن يردف:
- عنيت من سؤالي أن أبي لم يعد يعني لك، ولنا جميعاً، أكثر من ذكرى ماضية. لا أناقشك في حبك له لكن الحب لا يعيش دون محبوب! إنني أشعر بحرج كبير لاضطراري إلى التكلم معك في مثل هذا الموضوع الحساس. لكني مرغم على ذلك وأرجو ألا أكون أزعجك..
- لابأس عليك، فأنت تتكلم عن حب أمك وأبيك، وأنا كنت وما أزال فخورة بذلك الحب
تفرست فيه بإمعان ثم استدركت:
- كنت أنت أول ثمار هذا الحب. ولا تعرف كم قاسينا لحماية حبنا ومواجهة الضغوط التي تعرضنا لها.
استعادت هدوءها وسارعت تردف حين هم بالتكلم:
- أراد جدك أن أتزوج إبراهيم. لكني رفضت واضطررت لعصيانه. لقد غضب عليّ وتعذبت كثيراً إلى أن أصلحت الأمور معه.
- لكنه لم يغفر لك فعلتك ومات مقهوراً!
حدقت إليه بذهول قبل أن تنبر فيه بحنق:
- ما هذا الهراء؟ من أين جئت بهذه الافتراءات؟ إبراهيم أليس كذلك؟.
حافظ على رباطة جأشه وهو يقول:
- لاتتسرعي في إطلاق التهم. أظنها افتراءات كما قلت.
رمته بنظرة ضارية وقد انتفخت عروق رقبتها حتى خيل إليه أنه يراها تنبض. تشاغلت من ثم بسحب سيكارة من العلبة ورفعتها إلى فمها لكنها غيرت رأيها فجأة وكسرتها في المنفضة وانهمكت في تفتيت التبغ منها, حين انتهت قالت بصوت استعادت سيطرتها عليه:
- إبراهيم! لم أعلم أن له هذا التأثير عليك.
- ليس لأحد تأثير عليّ ولا علاقة لإبراهيم بما قلت.
رد بغيظ لكنها لم تبال به:
- يبدو أن الأمور تتداعى رغماً عنا. وما دمت قد طرحت الأمر بهذه الصورة فلابد لي من توضيح ما قد يكون خافياً عليك. ليس هناك غير إبراهيم ينشر عني تلك الأكاذيب. إنه مفتر وغد وسيظل هكذا طول عمره. لست أول ولا آخر بنت تطيع نداء قلبها وتتمرد على أسرتها، ولم أقترف أي ذنب بزواجي ممن أحببته، كما لم يكن موقف والدي مبرراً أو منطقياً. لقد تشبث برأيه دون مبرر وأرادني أن أرتبط بشخص لا أحمل له أية عاطفة، بل أنفر منه، كنت أحب أبي وأرغب في أن أكون بارة به مطيعة له، خاصة وأنني ابنته الوحيدة. لكن طاعته كانت تعني شقائي وتعاستي. ولا أشك في أنه أدرك هذه الحقيقة لاحقاً وصفح عني. وهو لم يمت قهراً كما يدعي إبراهيم، بل قتله السرطان.
أخذت نفساً عميقاً وزفرته ببطء:
- كان رحمه الله صعباً بعض الشيء وصاحب عقلية خاصة متعصبة لأعراف وتقاليد عصره. فقد كان متمسكاً بحقوقه الموروثة باعتباره رب الأسرة وسيدها ومقرر مصائر أفرادها حتى لو كانوا شخصاً واحداً هو أنا!. فهو مثلاً لم يكن قوي الإيمان، لكنه كان حريصاً على ألا يفوته قداس الأحد بحكم العادة وليتبرع بمبلغ كبير يفوق ما يتبرع به أي وجيه آخر ليلفت انتباه الآخرين ويثير تقديرهم وإعجابهم. كان يعتبر ذلك واجباً تفرضه عليه مكانته وعراقة محتده. وكنت أرى الزهو في عينيه وهو يتقبل شكر وثناء الرهبان والمطارنة والبطرك أحياناً. كذلك كان تقليدياً جداً تجاه المرأة. فمجالها الحيوي برأيه محصور في نطاق البيت والأسرة ولا يجب أن تكون لها اهتمامات أخرى. رغم ذلك لا أذكر أبداً أنه عاملني بتلك المفاهيم أو أشعرني أنه يفضل لو كان وحيده صبياً. فقشرته الخارجية الصلبة والجافة كانت تخفي قلباً طيباً ومشاعر إنسانية عميقة وروحاً حساسة. نعم. كنت أحبه وأحترمه ولم أتمرد عليه إلا بعد أن استنفذت كل وسائل الإقناع معه. فعلت ما فعلته وقلبي يتقطع ألماً وينزف دماً..
حدقت إلى غسان بإمعان ثم أردفت بهدوء:
- وتسألني بعد ذلك كله ماذا يعني لي طارق الآن؟ لقد عاديت أبي من أجله وناضلت بكل قواي ليكون لي. وأنا علي استعداد لمواجهة العالم كله لاستعادته. إنني لم أكف عن حبه حياً وميتاً وحياً من جديد. بل إن حبي له اليوم أقوى من الأول وحاجتي إليه وأنا في خريف العمر أكثر من حاجتي إليه حين كنت صبية أحلق في ربيع الحياة!.
بدت الحيرة على غسان ما إن أنهت أمه بيانها العاطفي المشبوب. بلع ريقه وهمس بلطف متحاشياً التقاء نظراتهما..
- لا أريد التحدث عنه، وإنما عنك يا أمي. أريد أن أسألك بأية صفة ستقابلينه.. باعتبارك أرملته المفترضة أم بكونك أرملة أكرم النحاس الميت حقاً؟ .لقد نسي الناس أنك كنت ذات مرة زوجة طارق ثم أرملته، ولا يعرفون إلا أنك أرملة النحاس.
شحب وجهها ونظرت إليه بعينين نديتين حزينتين. هرب من عينيها وغمغم بنظرة أقرب إلى الاعتذار:
- لا تغضبي مني يا أمي. لا أريد الإساءة إليك بأي شكل. لكن الحقيقة تزعج وتؤلم أحياناً، وعلينا مواجهتها مهما كانت قاسية والرضوخ لأحكامها مهما كانت كريهة وجارحة. لا أعتقد أنني أخطىء إن قلت إن أبي لم يعد يعني لك أكثر من ذكرى لمرحلة مضت من عمرك، وإلا فكيف أفسر واقعة زواجك بأكرم؟ لولا أنك نسيت طارق لما ارتبطت برجل آخر.
- أنت مخطىء..
صمتت هنيهة ثم أردفت بحزن..
- زواجي بأكرم لم يعن أنني نسيت طارق أو أخطأت بحقه، وإنما يعني أنني مارست حقي في أن أعيش حياتي الطبيعية. الإساءة الوحيدة التي نتجت عن ذلك الزواج، كما تبين لي لاحقاً، لحقت بك تحديداً!. لا تقاطعني ودعني أكمل حديثي.. لقد تزوجت أكرم لأنه كان الرجل الوحيد الذي فتح لي طاقة أمل في تلك الفترة من حياتي. جسد لي القوة والأمان الذي أنشده والمستقبل الذي أردته لكم ولي. وثق يا غسان أنني لست نادمة أبداً على ذلك. كان رجلاً نبيلاً رائعاً وعظيماً، لقد سعدت معه. وحقق لي كل ما أردت.. ولكن ذلك لم يكن دون ثمن.. ولقد دفعته حتى آخر قرش!.
صمتت والساعة تدق معلنة النصف بعد الواحدة. تثاءبت بصوت مكتوم ثم نهضت قائلة بحزم:
- لا أريد الخوض في هذا الموضوع أكثر مما فعلت.
قطب متفاجئاً فأردفت قبل أن تترك له الفرصة لقول شيء:
- نشف ريقي من الحكي والتدخين. ما رأيك في فنجان قهوة؟ منذ زمن طويل لم أذق قهوتك!.
حدق إليها بحيرة ثم تمالك نفسه:
- أتريدين التخلص مني؟.
تضاحكت ببرود وسارعت تهز رأسها نفياً:
- أبداً.. إننا ما نزال في البداية!
تلكأ هنيهة ثم نهض مرغماً وغادر الغرفة. نفخت بقوة وجلست متكئة برأسها على مسند المقعد ورفعت قدميها على المقعد المقابل لها ثم أغمضت عينيها شاعرة بأنها تحررت قليلاً من وطأة قبضة كانت تضيّق عليها أنفاسها.

***
حين طرقت باب بيت سميرة الحسيني في اللويبدة ذلك العصر الكئيب بجوه المكفهر وسمائه الملبدة لم يكن ليخطر لها، ولو في الخيال، أن سعيها للحصول على مساعدتها في العثور على عمل سينتهي بأن تصبح زوجة أكرم النحاس، ذلك الثري الغامض الذي سمعت باسمه لأول مرة قبل عدة أشهر في سياق حديث عن ثرائه الفاحش وأطواره الغريبة وتصرفاته الشاذة وحياته الماجنة.
ما إن عرفت سميرة برغبتها حتى قالت راسمة على شفتيها ابتسامة غامضة:
- لا أعلم إن كنت تصلحين لأي عمل يا عواطف سوى أن تكوني عواطف! فليس من السهل سؤال أحد توظيف امرأة لا تتقن سوى الجمال والعفة!. لكن كما تشائين. وأعتقد أن الصدفة الطيبة هي التي جاءت بك لعندي الآن. فهناك من هو قادر على مساعدتك أكثر مني. أنت سمعت برجل الأعمال المعروف أكرم النحاس. إنه يلعب الطاولة في الصالون مع صادق. إن كان رابحاً فسنلقاه في أحسن حالاته أما إن كان خاسراً فإن الشيطان نفسه يتحاشاه!. تعالي لأعرفك عليه.
كانت على استعداد لأن تطلب من الشيطان نفسه المساعدة على أمل التخلص من أسر إبراهيم وحصاره. عندما دلفت إلى الصالون بوجل وراء سميرة لم تصدق أن هذا الكهل البسيط الثياب النابت اللحية المشعث الشعر الذي يناكد صادق بسذاجة الأطفال حول براعته في اللعب يمكن أن يكون الثري الذي يتحدث عنه الناس في مجالسهم بغير قليل من الحسد والاستهجان. بل لم تصدق أنه يمكن أن يكون ثرياً بأي حال من الأحوال! وهي لو التقته في الشارع، برأسه الكبير وجلد وجهه المترهل وأنفه الضخم الأحمر وذقنه المدبّبة وعينيه الواسعتين الفاحمتين اللتين تنطلق منهما نظرات ثاقبة ذكية وقحة ويظللهما حاجبان كثيفان شائبان، لما خطر لها سوى أنه موظف درجة خامسة ورب أسرة فقيرة الحال ينوء تحت ثقل هموم كبيرة!.
ما إن وقع بصره عليها حتى توقف عن اللعب ونهض يتملاها بثبات ووقاحة دون أن يخفي نظرة الإعجاب التي طوّفت في عينيه. أبقى يدها في يده الخشنة الدافئة فيما سميرة تقدمهما إلى بعضهما بعضاً ثم هز رأسه بحبور وقال بصوت أجش أليف النبرة:
- أنت ابنة المحامي رياض بشارة إذن؟ لم تسنح لي الفرصة للتعرف إليه شخصيا، لكني كنت أتابع باهتمام نشاطاته وجهوده الوطنية قبل النكبة، وقد حاولت الالتقاء به أثناء إحدى زياراته إلى لندن عام /45/ أو /46/ إن لم تخنّي الذاكرة. كنت شاباً متحمساً أتطلع إلى المساهمة في أي مجهود يخدم الوطن.لكن انشغال الوفد في المفاوضات آنذاك حرمني تلك الأمنية . على كل إن كان الحظ قد عاكس الأستاذ رياض في جهوده لإنقاذ فلسطين فقد حالفه في وهب العالم جوهره مثلك!
لم تستطع تمييز مزاحه من جده ولا عرفت إن كان عليها أن تغتبط أو تمتعض لتباسطه معها بهذا الشكل. فاكتفت بأن هربت من نظراته وقد تخضب وجهها خجلاً مستسلمة لسطوته الطاغية بغير قليل من المتعة. أرجعت اضطرابها، فيما بعد، إلى التناقض الكبير الذي وجدته بين الصورة التي تخيلتها عنه وبين حقيقته. وهو تناقض قائم في شخصيته ذاتها التي تجمع المتناقضات في مزيج غريب ساحر، فهو قادر على بث الطمأنينة المطلقة في نفسها بنفس قدرته على حقنها بمشاعر خوف غامضة. وهو تارة قاس ومغرور وصلب يبدو لها وكأنه خارج من عصر حجري، وطورا رجل مرهف مرح منفتح على الحياة مقبل عليها إقبال الفراشة على الرحيق.
عاد يقلبها بإمعان وسميرة تسأله إن كان بإمكانه مساعدة عواطف في العثور على عمل. مط شفته السفلى قبل أن يقول بلهجة مبطنة بالتهكم:
- مما يؤسف له أن يجور الدهر على عوائلنا الكريمة فتضطر حسناء مثلك إلى العمل. لكن الدهر جار على كل عوائل شعبنا الكريمة وغير الكريمة. ماذا تجيدين؟
- أي شيء.
سارعت تجيب باضطراب فابتسم بخبث:
- يعني لا شيء. على كل لا تحملي هما يا سيدتي الجميلة. إن عندي دائماً وظائف احتياطية تنتظر الشخص المناسب لها. سأنتظرك في العاشرة من صباح غد في مكتبي في الدوار الثالث واحذري أن تتأخري .إن تقييمي لمن يعمل معي يقوم في الدرجة الأولى على احترامه لمواعيده. وحاولي أن تقللي من جمالك فإنني لم أعتد العمل مع الفاتنات!.
أغاظتها وقاحته وأقلقتها نظراته الحادة التي شعرت بها تعريها حتى من ورقة التوت. لكنها لم تستطع التخلص من تأثيره الطاغي. أرقت حتى الفجر وهي تفكر فيه وفي مصير مقابلتها معه. انتابها إحساس مبهم، ومقلق بأن القدر يهيء لها ترتيباً خاصاً مع هذا الرجل الاستثنائي، كما وصفته سميرة وهي تحذرها من الوقوع في شراكه. لم ترو سميرة غليلها بمعلومات وافية عنه. كل ما خرجت به أنه ثري إلى درجة مصادقة كبار الشخصيات في الشرق والغرب. وثمة إشاعات أنه يعمل في تجارة السلاح. إلا أن الغموض الذي يحيط نفسه به وتجنبه الأضواء وزهده في المظاهر تجعل من الصعب إصدار أحكام قاطعة عليه، فهو غير مستقر في مكان محدد ويمضي معظم وقته متنقلاً بين دول الشرق الأوسط وأوربا.
لكن كل الأفكار التي راودتها والأحلام التي دغدغتها كانت دون المفاجأة التي بادرها بها وهو يستقبلها في مكتبه الواسع البسيط شبه الخالي من الأثاث:
- أمضيت الليلة الماضية كلها أفكر فيك يا سيدة عواطف. وبعد تقليب الأمر على أوجهه كافة وجدت أنك لا تصلحين لأي عمل. فلا أنت مؤهلة لتكوني رئيسة تقودين مرؤوسين، ولا يناسبك دور المرؤوسة الخاضعة لرئيس قد لا يقدر حقيقة مواهبك!.
شعرت بالقلق لكنها حافظت على جمود ملامحها بانتظار أن يفصح عن نيته الحقيقية. أشعل سيكاراً فاخراً ضخما عبقت رائحته الزكية في أنفها وصب لها فنجان قهوة مرة ثم أشعل لها سيكارة قبل أن يجلس في مواجهتها مركزاً عينيه الوقحتين الفائرتين بالشهوة على جسدها مما أربكها ودفع بالاحمرار إلى وجنتيها. سارعت تشد جذعها وتحتشم في جلستها هاربة من نظراته وقد بدا الخوف يساورها من مآربه. لقد اعتادت على واقع أنها تشكل هدفاً مغرياً يسيل له لعاب أي رجل، وكانت قادرة على مواجهة أصعب المواقف بثقة وحنكة، لكنها لم تشعر سابقاً بمثل هذا الوجل الذي يبعثه في جوانحها وجودها مع هذا الرجل. وتأكدت ظنونها وهو يردف ببرود:
- إن العمل الوحيد الذي يليق بك هو أن تكوني رفيقتي في حلي وترحالي!
حدقت إليه بذهول ثم التهبت وجنتاها حتى الاحتراق ونهضت متوفزة الأعصاب وقد اجتاحتها سورة غضب ودت معها لو تصفعه عقاباً له على وقاحته المرعبة. لكنه سارع يلوح بيده قائلاً بسخرية:
- رويدك.. رويدك. أرى أن كلامي التبس عليك فأسأت فهمي. الرفيقة التي أعنيها هي رفيقة العمر. أو ما تبقى منه!.
صعقت وشعرت بساقيها تنحلان لكنها بذلت مجهوداً خارقاً حتى استطاعت البقاء واقفة. صبر هنيهة تاركاً لها المجال لاستيعاب عرضه ثم ضيّق حدقتيه ونفث الدخان إلى الأعلى بشكل حلقات قبل أن يردف:
اجلسي وتمالكي أعصابك. نعم هكذا أفضل . أنا - ولا أعوذ بالله من أنا لأنني أعرف تماماً من أنا وأقدر نفسي حق قدرها ، وهذا كما ستكتشفين بنفسك واحد من أكبر عيوبي والأساس الذي رفعت عليه امبراطوريتي الصغيرة، أنا رجل عملي وصريح حتى الجلافة اعتدت الذهاب في خط مستقيم نحو هدفي، فلا شيء يجبرني على اللف والدوران لهذا أعرض عليك أن تصبحي زوجتي . لاأستطيع الادعاء أنني وقعت صريع هواك من النظرة الأولى ، فقد تقدمت في العمر بما يكفي لأنسى هذه الأهواء المتقدة بحيث أن الحب لم يعد يعني لي شيئاً، لأقل إنني أردتك من النظرة الأولى ، ليس الأمر مجرد رغبة جنسية فقط ، فهناك العشرات من اللواتي يفقنك جمالاً وإغراء ولايطمحن بأكثر من أن يكن عشيقات عابرات في حياتي .
أحنقها غروره إلى درجة الهياج لكنها كظمت غيظها وارتخت في مقعدها الوثير سامحة لطيف ابتسامة أن يتسلل إلى زاوية فمها وهو يردف:
- أعترف بمتعة أن فيك سحراً سيطر عليّ بل واستلبني بحيث أمضيت الساعات القليلة الماضية أسير هاجسك عاجزاً عن التخلص من طيفك رغم أن تجاربي وخبراتي وعمري تحضني، أو يجب، من سهولة السقوط في حبائل الإغواء. لكن الذي حدث أنك أدرت رأسي حتى الدوخان ولكأنني مراهق غر يدخل خدر حسناء لأول مرة في حياته. وهذا إحساس لذيذ فاتن افتقدته من قرن!
لم تستطع كبح الابتسامة من الارتقاء إلى شفتيها شاعرة بغبطة نادرة فيما توهجت عيناها بقوة اضطرتها لإغماضهما. نهض ونظر إليها من علٍ فبان لها عملاقاً يبعث على الرهبة بصدره العريض ورقبته الثخينة، وخطر لها أنه قوي إلى درجة هرس عظام المرأة التي يعانقها:
- أعتقد، وأنا نادراً ما أخطىء، أنك المرأة التي رغبت فيها دائماً دون أن أعثر عليها قطعة واحدة. ففيك نسب عالية من الجمال والجاذبية والذكاء والاعتداد بالنفس والطيبة والمكر والكآبة والإحساس بالظلم والرغبة في الحياة. و.. الشبق.. ولاحظت، وأنا شديد الملاحظة، وآمل أن تعوّدي نفسك على تحمل غروري، إنني بدوري أثرت فيك مشاعر إيجابية حرمتك النوم ليلة البارحة، وهذا واضح في عينيك اللتين زادهما الذبول والنعاس سحراً. لعلك أعجبت بي أو أثارك ثرائي، فلا شيء يدير رأس حواء كالمال. أو ربما دغدغت فيك عقدة الكترا، فأنا في عمر أبيك وإحدى ميزاتي قدرتي الكبيرة على خلق شعور بالاطمئنان والثقة والوداعة والعطف في نفوس النساء يساعدني على ذلك ضخامة قامتي وبراءة ملامحي!
كان يتكلم بهدوء وثقة ملونا نبراته كممثل تمرن طويلاً على إلقاء تلك المرافعة العاطفية المؤثرة. ورغم حذرها واستيائها فانها لم تستطع منع شعور عميق بالإعجاب من اجتياحها. كانت ما تزال غير مصدقة لعرضه حين عاد يجلس في مواجهتها نافخاً دخان سيكاره عفوياً في وجهها وقد لمعت جبهته بحبيبات عرق بللورية:
- لكن قبل أن تجيبي بالإيجاب أرى من واجبي إطلاعك على بعض أسراري الصغيرة كي تكوني على بيّنة من كل شيء، والذي أوله شرط آخره سلامة كما يقول المثل. وخذي حذرك لأنها أسرار قد تصدمك بخطورتها لكنها ستشكل نقاطاً إيجابية لصالحي. تزعم الإشاعات أنني غني إلى حد أنني أجهل حجم ثروتي. وهذا إدعاء باطل تماماً، فأنا أعرف بالبنس والفلس مقدار ما أملك، لكنها معرفة تقتصر عليّ وحدي، وستظل كذلك. المهم أن ثروتي كبيرة لكن النيران تأكلها أن حدث وشبّت فيها!. ويقال عني إنني زير نساء. وهذا حقيقي. فالمرأة هي الهواء الذي لا أستطيع العيش دونه، وليس هذا بالأمر الشاذ لأن كل ذكور العالم على شاكلتي. وهناك أيضاً أقاويل عن أطواري الغريبة وشذوذ تصرفاتي. وهي بمجملها صحيحة وقد تعمدت تغذيتها وترويجها، فرجل في مثل ثرائي وأهميتي واعتدادي بنفسي لابد أن يكون فريداً من نوعه، وإلا لما كان ثمة فارق بيني وبين أي فلاح من الأغوار!.
أطفأ السيكار في المنفضة المعدنية الرخيصة الموضوعة على الترابيزة الخشبية وحدق إليها بحدة وقد بانت الصرامة في ملامحه قبل أن يسألها:
- ماذا ترين؟.
اعتصمت بالصمت شاعرة أن صوتها لن ينجدها. كانت ما تزال عاجزة عن هضم المسألة برمتها مستصعبة تصديق ما تسمع وقد بدأت الريبة تساورها في أن يكون الرجل إنساناً سوياً عاقلاً. إذ بلعت ريقها بصعوبة وهزت رأسها دون معنى قال يستحثها بنبرة آمرة:
- أريد معرفة رأيك قبل أن أتطرق إلى تفاصيل خاصة جداً. لا أطلب موافقتك فوراً بل أريد أن تجيبي بنعم أو لا على هذا السؤال: هل أنت معنية بعرضي؟.
أومأت برأسها بالإيجاب فزفر بانتصار وقال ببشاشة:
- لو لم أكن واثقاً من استعدادك للموافقة لما فكرت بالأمر أصلاً. والآن أصبح بإمكاني الدخول في تلك التفاصيل. إنني في السابعة والخمسين من عمري، وقد أجريت قبل عامين عملية قلب مفتوح في الولايات المتحدة. وقد أعيش إلى المئة لكن عرافة إفريقية تنبأت لي وأنا في العشرين من عمري، حين كنت مجرد متسكع في ساحل العاج لا أملك شروى نقير، إنني سأموت قبل أن أبلغ الستين من عمري.
أطلقت حشرجة خافتة وقد بان عليها الفزع فأمسك بيدها وربت عليها يهدىء روعها:
- لست من النوع المتطيّر الذي يتأثر بسهولة بتلك الخرافات. وكنت سأعتبر النبوءة مجرد ثرثرة فارغة لولا أن كل ما قالته لي تحقق حتى الآن بحذافيره! حين أتذكرها، بشكلها المخيف وعينيها الناريتين وصوتها المعدني الذي لا يزال حتى الآن يرن بوضوح كامل في أذني، يخيل إليّ أنها كانت تقرأ سفر حياتي في كتاب القدر حرفاً حرفاً. لهذا بت على يقين بأنني لن أبلغ الستين، وهذا بالذات ما سيقتلني على ما أحسب. وهكذا فإن زواجنا سيكون لمدة سنتين أو ثلاثة على الأكثر. وأعدك بأنها ستكون فترة مثيرة لي ولك على حد سواء، تستعيدين بعدها لقبك الحالي، أي الأرملة الحسناء، لكن مضافاً إليه الثرية.
أطلق يدها وأردف:
- هذا إن تحققت النبوءة! وبالطبع لن ترثي الشيء الكثير. فأنا أكره التبذير دون معنى، وأظن أن هذه القضية تهمك أكثر من سواها، ما إن نتزوج سيوضع مئة ألف دولار باسمك في مصرف سويسري، وبعد انتقالي إلى صديقي الأعلى ترثين الشركة التي جئت تطلبين عملاً فيها. أي أنك تساوين بلغة الأرقام، وهي على فكرة لغة لا تفوقها في الفصاحة لغة أخرى، حوالي ثلث مليون دولار..
شعرت بالدوخة لدى سماعها الرقم. لكن الشك ظل غالباً عليها في حقيقة قواه العقلية خاصة وأن الأمر كله بدا لها أشبه بحلم فانتازي ساخر. فكرت أن تسأله كيف يمكن لرجل حقق كل هذا النجاح ووصل إلى مثل جاهه ونفوذه أن يؤمن بالخرافات ويرزح تحت وطأة نبوءة سخيفة لعرافة سوداء شمطاء تخيلتها قابعة في ظلمة حالكة تحت شجرة عارية تحيط بها الجماجم والهياكل العظمية والأقنعة المنكرة وتزحف حولها أفاع مفزعة تنفث أنيابها السمّ الزعاف. لكنها أطبقت فمها وهو يردف:
- أما شروطي فهي التالية. أحب الأطفال لكني لا أستطيع العيش معهم تحت سقف واحد. ولا أشك أن أطفالك لطفاء ظرفاء رائعون إلا أنني لست على استعداد لقبول مزاحمتهم لي فيك، كما أن إقامتنا ستكون في باريس وقد تضطرني الظروف إلى التنقل المستمر. وهذا يعني أن توكلي رعايتهم إلى المربية التي تعيش معك.
- وماذا إن كذبت نبوءة عرافتك؟.
أفلت السؤال منها دون قصد. ابتسم وهو يقول بثقة:
- لن تكذب. وإن كذبت فسيكون لك الأمر حينئذ. فإما أن نستمر بشروط جديدة وإما أن ننفصل. أأفهم من سؤالك أنك موافقة؟.
فرّت الدماء من جسدها كله وهي تدرك فجأة أنها لا تحلم وأنه جاد. انتابها شعور بالرضى والارتياح لكنها سارعت تخفيه تحت ستار من الصرامة أسبلته على وجهها وهي تقول بلهجة جافة عدائية استغربتها هي نفسها:
- جئت أبحث عن عمل لا عن زوج. أنا عواطف بشارة يا سيد أكرم لا سلعة تباع وتشترى وتساوم على أولادها بهذا الأسلوب الرخيص!
ضحك بصفاء ولوّح بيديه في حبور مركزاً عينيه في عينيها:
- لا تتظاهري بما لا يليق بك يا عواطف.. أنت امرأة عملية وذكية إلى درجة تكفي لتدركي أن عرضي أبعد ما يكون عن الإهانة والإساءة إلى شخصك الكريم، وأنا واثق أنه لاقى هوى في نفسك فهو، مهما انفعلت واستأت، عرض شريف نبيل لا غبار عليه سوى ما يتعلق باضطراري إلى انتزاعك من أطفالك. لكنه اضطرار مبرر. وأظن أنني وفيتك حقك كاملاً. وكما عرفت من سميرة البارحة. فأنت مررت بتجارب أكثر من كافية لتدركي أن لكل إنسان في هذا العالم ثمناً!.
أخذ نفساً عميقاً ونفخة بقوة:
أنا رجل وأنت امرأة، وأفضل ما يجمعنا عقد زواج وأراهنك أنك ما إن تخلدي إلى نفسك وتفكري في الأمر بإمعان حتى تدركي أنني أقدم لك فرصة نادرة لتتغلبي على مشاكلك الكبيرة وترفعي عن رقبتك نير العيش تحت منّة وسلطة قريبك العسكري!.
ضربت جملته الأخيرة على أكثر أوتارها حساسية وآلمتها غمزته الجارحة من كرامتها إلى درجة جعلت الدماء تغلي في عروقها.. بذلت جهداً كبيراً حتى سيطرت على أعصابها ونهضت قائلة ببرود إنها لا تفكر في الزواج الآن، وإن حدث وتزوجت فلن يتم ذلك على حساب أطفالها. حافظ على هدوئه وواكبها إلى الباب وفتحه لها قائلاً بثقة:
- إن أعملت عقلك فستكتشفين أنك ستتزوجين لحسابهم. سأنتظرك غداً في مثل هذا الوقت..
عندما أصبحت في الشارع لم تستطع منع ابتسامة عريضة من اقتحام وجهها المكفهر.. وما منعها من إطلاق صرخة انتصار بملء فيها إلا الحياء. كانت واعية تماماً لقدر نفسها وعارفة أنها امرأة استثنائية لا يمكن لرجل أن يمر بها مرور الكرام. لكن غرورها لم يبلغ أبداً حد الاعتقاد أن تأثيرها يمكن أن ينال بهذا الشكل الصاعق رجلاً من نوع أكرم النحاس، وإلى درجة أن يقدرها بثلث مليون دولار. وهو مبلغ لم تستطع منع ريقها من التحلب كلما فكرت فيه، وكلما تخيلت الحياة الأسطورية التي ستعيشها، وإن يكن لفترة قصيرة، كزوجة أكرم النحاس!. والأهم من ذلك كله أنه أول رجل منذ وفاة طارق قبل سبع سنوات، يحرك في كيانها تلك المشاعر المضطرمة من الرغبة والحنان والفضول والإثارة والعنفوان والخيلاء. وهي مشاعر حسبت أنها انتهت من حياتها إلى الأبد مع رحيل طارق وانغماسها في محرقة المحن والمصائب التي شهدتها منذئذ.
سارت على غير هدى غارقة في أفكارها قبل أن تكتشف أنها قريبة من بيت سميرة. تلكأت هنيهة ثم طرقت الباب وقد استعادت هدوءها وسيطرتها على أعصابها. حين سألتها سميرة عما خرجت به من لدن الرجل اكتفت بالقول إنه وعدها خيراً. ضحكت مضيفتها بخبث المرأة العارفة الحكيمة قبل أن تفرقع بلسانها قائلة بلهجة الناصح الخبير:

- كوني على حذر يا عواطف. إنه رجل مصنوع من عناصر يصعب على الواحدة منا مقاومة إغراءاتها. غني. كريم. جذاب. قوي. ماكر. قادر على أن يكون ذئباً في ثوب حمل أو حملاً في ثوب ذئب حسب ما يرتئيه. إنه يمثل للمرأة كل ما تحلم به. لقد أمضى أكثر من ساعة البارحة يستجوبني حولك. أراد أن يعرف كل شيء عنك مما أثار قلقي. فهو إن وضع عينه على امرأة فمن المستحيل أن تفلت من براثنه. احذريه.
ابتسمت عواطف وأكدت بثقة:

- لا تشغلي بالك من هذا الناحية يا سميرة. لكني بدوري أريد معرفة كل شيء عنه.
تطلعت إليها سميرة بإمعان تحاول سبر غورها، ثم سألتها بقلق:
- ماذا دار بينكما؟.
حين ظلت عواطف صامتة أردفت سميرة باستسلام:
- أنت حرة. كما سبق وقلت لك. حياته الشخصية غامضة ولا أحسب أنني قادرة على إرواء غليلك. كل ما أعرفه أنه ابن فلاح من قرية النحاسين. وقد شهد بعينه مقتل أبيه على يد رجال سرسق لأنه رفض إخلاء الأرض التي باعها سرسق لليهود. أقسم على الانتقام من قتلة أبيه فشكل عصابة لاحقتهم وقتلت بعضهم. حين انكشف أمره ولاحقه البوليس هرب إلى لبنان ثم هاجر إلى ساحل العاج حيث قال له الكريم خذ فأصبح خلال سنوات من كبار ملاك حقول القهوة. انتقل في الخمسينات إلى الولايات المتحدة ثم غادرها بسبب مشاكل ضريبية في منتصف الستينات واستقر في فرنسا. أستطيع أن أجزم فقط أنه غريب الأطوار متقلب المزاج، تزوج ثلاث مرات. زوجته الأولى ابنة مغترب لبناني قابلها في ساحل العاج وأنجبت له صبيين قبل أن تتوفى وهي في مقتبل العمر. ابناه يقيمان في الولايات المتحدة والعلاقة بين أكرم وولديه غير حميمة وهم يكتفون بالالتقاء لمدة أسبوع كل عام في إحدى الدول الأوربية أو الجنوب أمريكية.
لم يزدها حديث سميرة إلا فضولاً لاكتشاف معدن هذا الرجل الذي بدأ حياته منتقماً قاتلاً وها هو ينهيها الآن فاحش الثراء بانتظار موت خرافي!.
اختلت بنفسها تلك الليلة تحاول ترتيب الأحداث المتسارعة التي اجتاحتها منذ عصر البارحة. فكرت لوهلة أن الأمر لا يعدو هلوسات تمكنت منها إلى حد الاعتقاد فعلاً بأن رجلاً شهيراً ثرياً عرض عليها الزواج بعد ساعات قليلة من رؤيته لها، هي على الأرجح أمنيات دفينة تراودها منذ وصلت بها الحال إلى الطريق المسدود الذي لا مخرج منه. أن يأتيها من حيث لا تدري ولا تتوقع من يمد لها طوق النجاة. وينقذها مما هي فيه!.
لكنه جاء.. الأمر حقيقة لا كذبة.. وهي في كامل قواها العقلية.. تقف وتتصفح جريدة اليوم. الدستور- الأحد 6 كانون ثاني 1974- المانشيتات الرئيسية لم تتغير منذ أيام. مؤتمر جنيف حول الشرق الأوسط. السادات وكيسنجر. نيكسون يتحدث عن ضرورة تحقيق السلام في الشرق الأوسط.
وانزلقت شيئاً فشيئاً في الفخ الذي نصبه لها. أرخت أعصابها وراحت تفكر تماماً كما أراد لها أن تفكر. هي أرملة في مقتبل العمر فقدت زوجها وأملاكها ووطنها ورماها اليهود على الجسر كنبتة اقتلعت من جذورها وشلحت في العراء. وها هي ذي منذ عامين ترزح تحت وطأة هموم طاحنة وتعيش الهوان تحت رحمة رجل اغتصبها بنذالة ولم تستطع أن تتحرر منه.
لقد بذلت جهدها لتشذيب عواطفها نحو إبراهيم وترويض نفسها على فكرة القبول به زوجاً. جربت أن تنظر إلى المسألة باعتبارها اعترافاً بالجميل للموقف النبيل الذي وقفه منها ما إن حطت رحالها في عمان،. وتضحية يجب أن تقدم عليها من أجل أطفالها ولتوفير المأوى الأمين والعيش الكريم لهم. لكنها أخفقت. عجزت عن التغلب على نفورها ومحاذيرها منه، واستصعبت الاستسلام لمنطق العقل البارد الذي راح يزين لها أن إبراهيم هو الفرصة السانحة، والأخيرة، التي لا يجب أن تفوّتها من يدها. ثم جاء اعتداؤه عليها في الوقت المناسب تماماً ليخلصها من حيرتها ويجلعها تحزم أمرها نهائياً حياله. لم يكن اغتصابه لها هو ما آلمها وأذلها فحسب، وإنما اضطرارها إلى السكوت على الأمر وابقاء الوضع على حاله حين تبين لها أنها غير قادرة على الاستغناء عنه والتشرد بأطفالها في الشوارع باحثة عن اللقمة والمأوى. اكتشفت فجأة أنها ليست سوى امرأة تافهة ضعيفة عاشت دائماً، وما تزال، عالة على الآخرين. تعجز حتى عن رفو الجوارب وتخشى مواجهة الحياة بمفردها معتمدة على نفسها. دلّلها أبوها حتى أفسدها، وقامت مريم على خدمتها حتى تنبلتها، ورفّهها طارق حتى أعجزها. حتى تجربتها القصيرة في بيروت لم تعركها بما يكفي لتعيد النظر في نمط حياتها وتتحسب لتقلبات الدهر. وعندما فقدت والدها بقي لها طارق، وعندما فقدت طارق بقي لها الوطن- المنزل يؤويها والمكتب والأرض اللذان ورثتهما عن أبيها يدران عليها دخلا ثابتاً يقيها العوز والحاجة إلى العمل. كذلك لم تفدها كثيراً تجربتها مع الاحتلال. لاشك أنه قلب حياتها، وخاصة وقد ترافق مع وفاة طارق، رأساً على عقب، وحوّلها من فتاة حالمة تحسب أن الدنيا ليست سوى أنشودة سعادة دائمة ومعزوفة حب لا نهائية، إلى امرأة بائسة شقية خائفة قلقة تركبها الهموم والوساوس، إلا أنه لم يعلمها سوى التلوّن حسبما تقتضيه معركة البقاء التي دهمتها على غير انتظار. تعلمت أن عليها أن تنحني أمام الريح وتساير الواقع الطارىء على أمل أن يزول سريعاً. أن تتظاهر بالبأس وهي ترتجف فرقاً ، أن تستهتر وهي تتميز غيظاً، أن تستسلم لرافايل وهي تتمنى لو تخنقه بيديها العاريتين، أن تخفي الفدائي في منزلها وهي تتمزق خوف أن يعثروا عليه عندها فتفقد كل شيء، الحرية والبيت والأرض.
نعم، كان لابد أن تتغير إزاء ذلك كله، ولكن أي تغيير؟ لم تعد المسألة المطروحة آنذاك كيف تعيش وماذا تريد وبماذا تؤمن، إنما صارت أن تعيش فقط. أن تبقي رأسها طافياً فوق العباب. أن تحمي أسرتها من المخاطر والويلات، وأن تحافظ على البيت والمكتب والأرض بأي ثمن باعتبارها ضمانتها من العوز والسقوط.
رباها أبوها ومريم وراهبات القلب المقدس والمجتمع تربية صارمة متزمتة إلى حد القمع فيما يتعلق بالفضيلة والأخلاق، ومنهم تشربت حتى الثمالة، مثلها في ذلك مثل كل بنات جنسها، أن الركيزة الأساسية للشرف قائمة على صيانة الأنثى لعفتها. ورغم ميلها الدائم، الطائش والنزق، للتمرد على التقاليد المتحجرة والخروج على مفاهيم بالية كانت ترفضها جملة وتفصيلا، فإنها التزمت بدرجة عالية من الصلابة الأخلاقية التي ولّدت لديها حذراً فطرياً من الجنس إلى درجة اعتباره أشبه بحقل ألغام مميت للتي لا تعبره بحرص وحذر شديدين. لهذا لم تسمح لطارق، قبل الزواج بأكثر من قبلات خاطفة وملامسات حيية سطحية.
لكن كل بنيانها الأخلاقي المتين تهاوى انقاضاً تحت جزمات المحتلين التي راحت تدعس كل ما آمنت به. لم ينتبها حزن كبير وهي تسمع حكايات عن نسوة تعرض للاغتصاب ولا اكترثت بمظاهر الفسق التي راحت تنتشر في القدس وكان أبرزها بيت دعارة علني افتتح في البناية المقابلة لهم فجاءت مريم تصرخ وتبكي لاطمة على رأسها طالبة منها أن تسارع إلى تقديم شكوى لإغلاقه. فكان أن طلبت منها الاهتمام بشؤونها فقط وعدم التدخل بشؤون الآخرين. كانت الهزيمة وموت طارق أكبر من أية قضية أخرى. وعندما بدأ رافايل يحذرها، بعد أن صمدت طويلا أمام هجماته المحمومة، بأن الموت ينتقل بحرية في القدس بسبب أعمال المخربين وأن عليها الانتباه لطفليها وهما يلعبان في الشارع أو يتنزهان برفقة مريم كيلا تصيب رصاصة طائشة أحدهما، أو كليهما، أدركت بوضوح أن الدور قد وصل إليها. اختلت بنفسها في غرفتها وتعرت تتملّى جسدها أمام المرآة. كان ما يزال على حالته صلباً ممشوقاً يتفجر نضارة وعنفواناً وتحدياً ويصطخب بالرغبات الصارخة التي تنده بها حلمتا نهديها المتوثبتين كطيرين يتهيآن للانطلاق. جسته بيديها بلطف وهي تسأله إن كان الحفاظ على عفافه يستأهل التضحية بغسان أو نضال، ثم أبلغته، بحزم، أنها قد تضطر إلى التضحية به في سبيل من هو أهم وأثمن منه. ستفترض، في أسوأ الأحوال، إنها تعرضت للاغتصاب مثل من تعرضت له من تعيسات وطنها ، وفي أحسنها، إنها لاقت حتفها. أجهشت من ثم في بكاء عصبي خافت. بكت على نفسها وجسدها وأولادها وزوجها الراحل وبلدها المعذب. بكت حتى فقدت قواها وغرقت في نوم متقطع أشبه بالإغماء فلم تفق إلا على مريم تهزها بهلع وتسألها لماذا هي عارية. وهي ترمي جسدها في قبضة رافايل شعرت بتفاهة الحياة وقسوتها في الآن نفسه. أدركت زيف وخواء مفاهيمها وضعف وهوان مخلوقاتها التي شيدت لنفسها عالماً من رمل لا يصمد أكثر من لحظات ما إن تكتسحه أمواج الواقع العاتية.
وما أهون القدس أمام عمان. هنا لم يتبق لها شيء. لا مأوى ولا دخل ولا مهنة تتقنها. هنا الخوف والضياع وطريق الجلجلة المعبد بالعذابات والآلام والأشواك يقودها إلى غابة من الصلبان الحديدية.
لم يخطىء أكرم. ستكون مجنونة إن فوتت الفرصة على نفسها، وهي فرصة لا يأتيها مثلها إلا مرة واحدة في العمر. مغارة علي بابا تنفتح أمامها على مصراعيها داعية إياها لتغرف من كنوزها وغموضها وسحرها ومفاجآتها. وهي إن لم تغامر من أجل نفسها فمن أجل أبنائها، من أجل أن تحيا أسرة مناف بكرامة ومن أجل أن ترفع نير إبراهيم عن كاهلها. ثم إن أكرم ليس أي رجل، إنه أكرم النحاس، إغراء ليس بإمكان المرأة، أية امرأة، أن تقاومه، وهي وهو متساويان. ثراؤه لقاء جمالها، كهولته مقابل ترملها، الثلث مليون دولار مقابل تخليها المؤقت عن أطفالها. يريد امرأة يتمتع بها فيما يزعم أنه تبقى له من العمر، وتريد رجلاً يعوضها عما قاسته وينقذها من مصير مجهول ويؤمن لها العيش الكريم بقية عمرها. حتى إن أرادها مجرد رفيقة فإن الأجر الذي ستناله يدير أكبر الرؤوس!. حين دعت مريم لتستشيرها بوجل فوجئت بها تشجعها بحماسة:
- ولم لا؟ أنت صبية يا عواطف فهل تريدين أن تبقي بقية عمرك أرملة؟ ولا تنسي أن ألسنة الناس لا ترحم. لا أحد يصدق أن إبراهيم يؤويك ويصرف عليك شفقة بك وحباً بسواد عيون الأولاد. وافقي فوراً وإلا كنت حمقاء. أما الأولاد فلا تحملي همهم ما دمت أنا معهم..
برقت عيناه وابتسم بانتصار وهو يستقبلها بحرارة:
- والليلة الفائتة لم أنم.. الهيئة أن مراهقتي الثانية تأخرت إلى الآن بانتظار ظهورك في حياتي.. لم يسبق لي أن أخطأت في أحكامي إلا نادراً.. لاحظي أنني أخفف قليلاً من غلوائي!..
أمسك بيدها وضغط عليها بحبور:
- سمحت لنفسي بترتيب الأمور حتى قبل أخذ رأيك. اليوم الاثنين وسنتكلل السبت في احتفال بسيط ونطير إلى باريس الأحد. كنت أفضل أن يكون زواجنا مدنياً لكنني رأيت أن الزواج الكنسي سيريحك ويطمئنك أكثر.. بدأ العمال بتجهيز منزلي في الجبل ليقيم فيه الأولاد.. ومنذ ساعة صرت تملكين مئة ألف دولار وضعت باسمك في الكريدي سويس، كما أن محامتي يعد وصية لترثي شركة القدس بعد وفاتي..
نظرت إليه ببلاهة فاغرة الفم. عادت تتساءل إن كان جاداً أم أنه يتسلّى بها منتظراً أن تبلغه موافقتها ليقف مقهقها بسخرية طالباً منها أن تغرب عن وجهه. كان يتحدث بلهجة سريعة ونبرة عملية وكأن المسألة لا تعني له فعلاً أكثر من صفقة تجارية يتفاوض على عقدها متوخياً تحقيق أكبر قدر من الربح.. بدا لها كل شيء هستيرياً لا معقولاً وكأنها تعوم في فضاء خاوٍ بين غيوم حمراء وشموس صفراء باردة ومخلوقات عجيبة الأشكال.. الدولارات.. الوصية.. الإرث.. الموت.. العرافة السوداء كاشفة عن ناب أسود مسنون.. اعتصرها إحساس عميق بالخوف حتى أنها همت بأن تصرخ أنها لم توافق بعد، بل وشدّت جذعها ناوية النهوض والفرار.. لكنها سرعان ما تراجعت وأبقت فمها مطبقاً شاعرة أنها أصبحت عاجزة عن إبداء أية مقاومة.. حين وجدت صوتها وقاطعته متسائلة:
- وكيف أتزوج رجلاً لا أعرف شيئاً عنه ولا يعرف شيئاً عني؟.
صدمها بجوابه الساخر:
- أتحسبين أن معرفتي سهلة؟ لا يعرفنا إلا خالقنا، حتى هو قد يتفاجأ أحياناً، والأرجح دائماً، بما صنعت يداه! على كل حال ليس هذا همنا الآن، وليس همي أن أعرف ماهية هذه المرأة الجميلة الجالسة قبالتي مضطربة وجلة تتساءل عن نوعية وصنف هذا الرجل الغريب الذي ستصبح زوجته. أريد أن أكتشفك بنفسي. لا يفيدني بشيء أن تكوني بنظر الآخرين طيبة أو شريرة. محبوبة أو مكروهة. لقد حزت على إعجابي وهذا يكفيني. وأفضل أن تعامليني بالمثل. أنت معجبة بي بدورك فلا معنى لأن تسألي عني أشخاصاً تعتقدين أو يعتقدون أنهم يعرفونني جيداً. هناك كثيرون لا يتورعون عن رفعي إلى مرتبة الملائكة، وهناك أكثر منهم يضعونني ببساطة تحت نعل الأبالسة. أنا نفسي أجهل نفسي. قد أكون أحياناً ملاكاً. وإذا بي في أحيان أخرى شيطان رجيم! حدثتني سميرة عنك بما كفاني. وأنا أثق برأيها. إنها معجبة بك كثيراً. ملأت رأسي بقصص مثيرة عن بطولاتك في القدس والفدائيين الذين أخفيتهم في منزلك حتى تخيلتك فارسة صنديدة تنزل إلى الميدان لتدعو دايان إلى النزال!. إن كانت المرأة الجميلة القوية تثير إعجابي فإنك فتنتني بوطنيتك وخففت عني عقدة النقص التي أعانيها في هذا الصدد. وهذا جانب من شخصيتي أكشفه لك قبل أن تسمعي به من غيري. الكثيرون يتهمونني بالتقصير والتهرب من مسؤولياتي الوطنية إذ لم أقدم لقضية فلسطين سوى النذر اليسير من الأصفرالرنان الفائض عن حاجتي. والآن سيصبح بإمكاني رد التهمة والقول أنني تزوجت مناضلة جسورة..
صمت فجأة وحدجها بنظرة ثاقبة تبدت فيها عجرفة باردة مشوبة بحزن أسيف قبل أن يأخذ نفسا ويطلق ضحكة جافة مردفا:
- على كل إن كنت ترغبين فعلاً في زيادة معلوماتك عني فاعلمي أنني تزوجت ثلاث مرات في الخمس والثلاثين سنة الماضية. أطول زواج، وأتعسه، كان مع زوجتي الأولى، أم ولديّ عماد وزياد، واستمر ثماني سنوت، أما الزيجتان الأخريان فكانتا تجربتين ممتعتين مع غادتين لكنهما لم تدوما طويلا. سنة وثلاث سنوات على التوالي. عماد طبيب في الثانية والثلاثين وزياد دكتور اقتصاد في الثلاثين . الأول صاحب مستشفى في جورجيا والثاني يدير كازينو قمار في لاس فيغاس. ولا أشك في أنهما سيحوزان على إعجابك. أما فيما يتعلق بشخصي فإن قواي الجنسية معقولة جداً لرجل متهتك في مثل عمري لم يتعاط حتى الآن أية مقويّات!. وأرجو ألا تكون صراحتي جارحة لمشاعرك فالأمر مهم ولا يمكن لأي منا تجاهله. أما ما تبقى فعليك أن تكتشفيه بنفسك. وأعدك أن تكون اكتشافاتك مثيرة بحيث لن تندمي أبدا..
ولم تندم . عاشت معه ثلاث سنوات انقضت بلمح البصر رغم كل ماحفلت به من أفراح وأحزان ومتع ومنغصات. بدأتها بغبطة طفلة مدهوشة وأنهتها تحترق من الألم وهي تراقبه يذوب كشمعة بعد أن تمكن منه السرطان مواجهاً مصيره بصلابة الرسل.
ليست هناك كلمة دقيقة تصف بها مشاعرها نحوه. كانت مزيجا من الود الذي لم يرق إلى مرتبة الحب ، والتقدير العميق لشخص فريد من نوعه، والعرفان بالجميل لفضل غمرها به أبداً، والافتتان بنمط من الحياة استثنائي . اعتبرتها حبا عقلانياً قائماً على تبادل المصالح المشتركة النبيلة،إن كان هناك مثل هذا الحب!. فهو وفر لها،كما توقعت،الأمن والاستقرار والثقة والطمأنينة، فبدا لها أحياناً ، وهذا مالم يغب عن ذهنه، أقرب إلى أب عطوف منه إلى زوج متطلب نزق. وهي منحته الحيوية فأضفت على سني حياته الأخيرة الإشراق والبهجة والرضى.
فتح أمامها أبواب عوالم جديدة كل الجدة فانغمست فيها تعيش كما لم تعش قط سابقاً . تذوقت حلاوتها ومرارتها. عرفت نبلها وحقارتها. لمست خفاياها وأسرارها، ورأت سموها وانحطاطها. غشت أرقى الفنادق وتسللت إلى كهوف الجنس. قادها في متاهات اللوفر وتسلق معها قمم الآلب .. سهرت مع وزراء ورقصت مع تجار أسلحة وحشيش ولعبت القمار في كازينوهات مونت كارلو واشترت التحف من مزاد ساوثبي اللندني. ألبسها زيا كنعانياً وقلدها بالجواهر الثمينة وقدمها إلى الطبقة المخملية الفرنسية باعتبارها أميرة فلسطينية من سلالة الملوك الكنعانيين فجسوها محبوسي الأنفاس غير مصدقين أنها من لحم ودم وجعل الجالية العربية تستقبلها بحماسة طفولية وهو يؤكد أنها زعيمة أخطر خلية فدائية عرفتها القدس!. و أوقعها ذلك الزعم في مشاكل غير محسوبة مع الأمن الفرنسي الذي استدعاها للتحقيق وكان يمكن أن يعتقلها أو يبعدها لولا نفوذه واتصالاته الواسعة!.
وكان أكثر ما أدهشها انكبابه على العمل وإرهاقه نفسه في ملاحقة أعماله وكأنه نسي، أو تناسى نبوءة العرافة السوداء فلم يعد إلى ذكر الموضوع معها مرة ثانية . وبدورها كادت تنساها لولا ذلك الحزن الشفيف الذي لم يفارق عينيه ليذكرها دائماً بأن ثمة غموضاً أقرب أحياناً إلى الشذوذ المبهم، يضفي ظلالاً قاتمة على حياته. خطر لها أن قصة العرافة ونبوءتها ليستا سوى كذبة اختلقها لأمر مافي نفسه، وعلى الأرجح لتهيئتها نفسياً لتقبل فكرة أنها لن تمضي معه سوى عامين أو ثلاثة ثم يتخلى عنها بعد أن يكون اكتفى منها.
تمكنت منها تلك الأفكار وتحولت إلى وسواس خناس ولما يمض العام على زواجهما. حاولت طمأنةنفسها بأن رباطهما الكنسي يقيد يديه عن طلاقها بسهولة لكن شيئاً لايصعب على رجل مثله . وجربت أن تقنع نفسها أنه لو طلقها فإن الأمر لن يؤثر عليها كثيراً فهي لن تقدر على البقاء بعيدة عن أولادها أكثر من ذلك ، ثم أنها قبضت الثمن، وبشكل مجز، سلفاً. لكن تلك الفكرة بالذات، لدهشتها ، أثارت لديها شعوراً عميقاً بالاستياء وجرحتها في صميم كبريائها ، فقررت أن تخرج عن صمتها مهما تكن النتيجة.
كانا يطرقان صخرة التنهدات، وهي جرف منعزل خارج مرسيليا اعتادا أن يؤمّاه في ساعة متأخرة من الليل بعد الزيادة الشهرية التي يقوم بها إلى المدينة لتفقد مصالحه واجراء فحص دوري في مشفى الدكتور روجيه الذي أجرى له عملية القلب.
جلس على حافة الجرف مطلاً على المتوسط الغارق في هدوئه المريب فخلداً إلى صمت عميق كفيلسوف يحاول حل أسرار الوجود . كانت تكتفي بالجلوس إلى جانبه لتغرق بدورها في أفكارها، لكنها في تلك الليلة الآذارية الباردة التي أرخت لبداية الشهر الخامس عشر لزواجهما، وهي سادرة في الفراغ المخيف صاغته عتمة حالكة تماهت مع هدير الموج الأجوف والتحمت مع فضاء موحش وبحر عظيم وريح باردة، التفتت نحوه لتقول بصوت مضطرب نم عن خوف فطري ساورها إزاء الجو المحيط بها:
- كأنه لم يبق غيرنا في العالم، أو كأننا انتقلنا إلى كوكب آخر.. اح .. أتوقع أن تنشق المياه عن بوسيدون يسألنا لماذا جئنا نقلق راحته!.
وإذ حافظ على صمته وجموده حسبته لم يسمعها فاقتربت منه مردفة:
- أين أنت سارح يااكرم؟ طمأنني الدكتور روجيه اليوم أنك في صحة ممتازة. أما تزال تفكر في تلك النبوءة؟ لا أصدق أن رجلاً مثلك يؤمن بتلك الخرافات.
فاجأها صوته الحالم الذي تطاير مع هبوب ريح قوية :
- تذكرني هذه المنطقة بطفولتي . كنا نسكن ضيعة صغيرة منعزلة لايزيد عدد سكانها عن المئتين . تبعد عن الشاطئ ميلين إلى الشمال من بيسان على مرمى حجر من رأس الناقورة. أغرب ما فيها، لون عدا انقطاعها عن العالم الون تربتها. ففي النهار هي جرداء كامدة لكنها في الأصيل، وإلى أن يبتلع البحر الشمس ، تستحيل إلى مايشبه صفيحة من نحاس متلألئ. لهذا السبب أسماها الناس النحاسية. ومنها أخذت كنيتي . كنا نشكل عشيرة واحدة فقد تحدرنا من صلب فلاح نشيط عمل مرابعاً لدى أحد باشاوات تركيا في منتصف القرن الماضي. انتقلت الأرض من مالك إلى آخر لكننا بقينا مرتبطين بها أبا عن جد، لم يكن يهمنا مالكها طالما أن مايتبقى من غلتها يكفي للقيام بأودنا.اعتاد أبي أن يأخذني قبل الغروب إلى الشاطئ لنسبح ونلعب. كان متعلقاً بي بقوة فقد كنت الوحيد، من دزينة أطفال أنجبهم، الذي بقي على قيد الحياة. بعد أن ننتهي كنا نجلس على صخرة بركانية سوداء متدرجة ذات بروزات مسننة تشبه الشعب المرجانية ونبقى نتسامر إلى أن يهبط علينا الليل بردائه الحريري المزخرف بنجوم لاحصر لها لكنها ذات ملامح واضحة بحيث كنت قادراً على تمييز واحدها عن الآخر واطلاق اسم محبب عليه. كان هناك الضاحك والكئيب والناعم والجحش الصغير والفأر وأبو بريص.. لو أن السماء صافية اليوم لكنت دللتك عليها. كان يلذ لأبي أن يحدثني عن أبيه وجده والجهود الجبارة التي بذلاها لاستصلاح تلك الأرض. قال إنها أخذت لونها الأحمر من الحنة التي رشتها جدته على الأرض لمنحها الخصب ، واللون النحاسي من البخور المقدس الذي أعطاه لها راهب جوال فأذابته في الماء وسقت به الأرض ليلة عيد الميلاد . حلم أبي، بأن تصبح الأرض لنا ذات يوم فلا يقاسمنا في خيراتها مقاسم . لذا قرر، رغم خوفه الشديد عليّ من التغرب، أن أذهب إلى بيسان لأنال قسطاً من العلم فلعل الحظ يواتيني فأصبح استاذاً أو محامياً وأجمع ثروة تساعدنا على شرائها . غرس في ذهني أحلاماً طموحة وراح يعدني لأكون ماعجز هو عن أن يكونه . كنت أقطع كل يوم ميلين ذهاباً وإياباً من الضيعة إلى المدرسة التي افتتحتها بعثة تبشيرية انجيلية في كرم اللوز في ضاحية بيسان. لكن سرسق سبقنا وباع الأرض إلى المنظمة الصهيونية. كنت دون العاشرة من عمري حين حضر الوكلاء يطالبوننا بإخلاء الضيعة. حدث ذلك بعد فترة من احتلال بريطانيا لفلسطين. كنا قد بدأنا نسمع عن وعد بلفور والهجرة اليهودية. فقرر كبار العائلة رفض أمر الإخلاء طردوا الوكلاء وانتدبوا والدي للسفر إلى عكا والاتصال بالزعماء الوطنيين وطلب العون منهم. بهرتني عكا بناسها وأزيائهم وفرحهم ومساكنهم وأسواقهم ورفاهيتهم حتى خلتها عاصمة المعمورة كلها. كانت المشاعر متأججة وأينما رحنا كنا نستقبل بحماسة وفيض من الوعود والعهود. لكن ما إن رجعنا إلى النحاسية حتى حضرت قوة لإخلائنا. كان علينا أن نرضخ، لكن العصبية، أو الكرامة، أو الجنون، أولا أعرف ماذا، أوقدت النيران في رأس أبي المسكين. حمل المنجل وهجم على آمر القوة فانهال عليه الرصاص يجندله قبل أن يصل إليه . تمزق رأسه و..
نفخ بقوة وصمت ينكش الصخر بأظافره مسنداً ذقنه على ركبتيه . أمسكت يده وكات ساخنة. أرادت أن تحذره من الاصابة بزكام وتطلب منه أن يغادرا.
لكنها لم تجد ذلك مناسباً . اكتفت بالضغط على يده فيما تابع بصوت رتيب:
- مضى نصف قرن على تلك الحادثة لكن تفاصيلها ماتزال منطبعة في رأسي كأنها جرت البارحة. أقسمت على الانتقام وعشت عدة سنوات موسوساً بتلك الرغبة. شكلت عصابة من أبناء عمومتي ورحنا نكمن لليهود والانكليز وسماسرة الأرض العرب. قتلنا وجرحنا أكثر من عشرة أشخاص خلال فترة تشردنا التي استمرت خمس سنوات. نظم البوليس حملة مطاردة واسعة ضدنا وسقط رفاقي واحداً وراء الآخر. أخيراً جاء دورنا لنقع في كمين يهودي بعد أن تهوّرنا وهاجمنا مستعمرة يهودية قيد الانشاء قرب النحاسية. أصيب ثلاثة منا وبقيت أنا وابن عمي عماد. حاصرونا قبل أن نصل إلى الصخرة المرجانية وعرفنا أنها النهاية. هبت عاصفة مطرية عرقلت مهاجمينا بعض الوقت فاقترح عماد أن يبقى أحدنا لمشاغلة المهاجمين ويحاول الثاني الهرب. وافقت وأجرينا قرعة حول من يبقى ومن يذهب.
ضحك بمرارة ورفع رأسه يلوح به قبل أن يستطرد:
- كان المفروض أن يذهب عماد ، فهو صاحب الفكرة ومن حقه أن يجرب حظه في النجاة بريشه أولاً، وأنا رئيس العصابة ومن يجب أن يصمد حتى النهاية مثل الربان الذي هو آخر من يغادر سفينته الغارقة. لكني جبنت . بررت الأمر لنفسي لاحقاً بأنه كان عليّ البقاء حيا لأنتقم!. نجحت في الوصول إلى الشاطئ عبر دروب أعرفها جيدا وسبحت حتى الصباح، ثم تسللت إلى لبنان وأقمت عدة أسابيع في صور قبل أن أنضم إلى زمرة من اللبنانيين الفقراء قرروا البحث عن رزقهم في مجاهل افريقيا الفرنسية. حططنا رحالنا في ساحل العاج حيث كان السعد في انتظاري .. خلال عشر سنوات صرت من كبار ملاك مزارع القهوة. كان الحصول على الأرض من أصحابها الزنوج بسهولة شرب كأس ماء. ففي المناطق الوعرة النائية التي تكاسل المستوطنون الفرنسيون عن ارتيادها كانت الأرض الخصبة البكر تنتظر أكرم النحاس ليشتريها بسقط المتاع، الخرز الملون والعاب الأطفال والمرايا والخداع.. أفكر أحياناً أنني لم أكن أحسن من سرسق والمنظمة اليهودية والانكليز. نسيت أن أبي قتل وهو يدافع عن أرض حلم أن تكون له. أول مزرعة امتلكتها اشتريتها من صاحبها بمصباح جيب ادعيت أن إله القمر يقيم فيه ليضيء لي طريقي في الأدغال . عندما راجعني زعيم قبيلته ليطالبني بالغاء عقد الشراء استعنت بكلولونيل فرنسي صادقته في الملاهي فأرسل لي قوة عسكرية قامت بطرد الرجل من أرضه وتحذير زعيم القبيلة من التعرض لي. لم يكن متهوراً كأبي ليجازف بروحه في سبيل الأرض . وكانت تلك البداية.. جرفتني الثروة في تيارها العظيم فانقلبت من شريد هارب مطلوب للعدالة إلى واحد من كبار السراة ألعب بالمال كما كنت العب بالرمال في شاطئ النحاسية. والثروة ساحرة وهائلة ياعواطف . إنها خاتم سليمان ومصباح علاء الدين والبساط الطائر معاً. وهكذا اتخذت قرارا بطي صفحة الماضي بكل مآسيه وآلامه والتطلع إلى المستقبل مصمماً على نيل العضوية في طبقة الصفوة التي تحكم العالم وتسيره حسب مصالحها ورغباتها. أتقنت اللعبة وتفوقت فيها فحق لي نيل تلك العضوية . أنت ماتزالين جديدة على عالمي ياعواطف ، لكنك ذكية إلى درجة تكفي كي تكتشفي سريعاً، ولربما اكتشفت، أن الحقيقة الأولى والأخيرة فيه هي المال. المال هو الرب الحقيقي ولارب سواه. هو الخالق والحاكم بأمره، كلمته مطاعة وأمره لايرد . وستسلمين بتلك الحقيقة سواء أعجبتك أم لا. انظري إلى اليهود كيف صاروا سلاطين زماننا لأنهم يتحكمون بالكتلة المالية الأضخم في العالم . والمال عطوف رحيم مع عباده.إنه يهبهم الحكمة والنضج والمتعة والأمان ويغري النجاح والحظ بالسير في ركابهم والقيام على خدمتهم ويعلمهم أن يتعاملوا مع الحياة بمنطق فلسفي مجرد قائم على الأرقام . لهذا فإن الأغنياء الكبار هم فلاسفة كبار بنظريات ومناهج بسيطة واضحة وكلما ازداد ثراء المرء ازدادت سعة افقه وحدة بصيرته وصار أقدر على التعامل مع عناصر الوجود واستكناه جوهر الحياة. وهكذا لم أعد أكرم النحاس ابن النحاسية الفلسطيني البسيط الساذج بل اكرم النحاس الغني القوي المتحكم بحياة الآلاف من العاملين في مؤسساتي ومصالحي والقادر على التلاعب بمصير الدول أحياناً . اكرم النحاسي الذي تمشي الدنيا في ركابي لا العكس، وصار بإمكاني الادعاء بأنني صرت قاب قوسين في القمة التي يتربع فوقها أساطين المال في العالم .. إنها أحلام مشروعة. ألا تحلمين أنت!.
فاجأها السؤال. لم تكن تصغي إلى حديثه بقدر ما كانت مأخوذة بأحاسيس الخيبة التي عبر عنها صوته. بدا لها وكأنه يناجي نفسه بصوت عال، أو كأنه يحاول تبرير قضية ما أثارها سؤالها عن العرافة السوداء. حدست أنه أجاب على سؤالها بطريقة مبهمة ، لكنها لم تنجح في التقاط ما رمى إليه. حين تلكأت في الرد عليه كرر سؤاله بإصرار من يريد جواباً.. غمغمت:
- الأحلام درجات حسب مراتب أصحابها.
- وماهي مرتبة أحلامك؟.
- الطقس يزداد برودة وقد تيبست أطرافي من هذه القعدة الطويلة.
- البرد محمول . لماذا لاتريدين الاجابة..؟!.
التفتت نحوه وتفرست فيه هينهة قبل أن تقول بحدة لم تخل من استفزاز:
- أن نعيش معاً إلى آخر العمر!.
شعت عيناه كجمرتين ودغدغتها أنفاسه الحارة وهو يغمغم وقد لامسىفمه خدها:
- هذه رغبة وليست حلماً. أسألك عن أحلامك الكبيرة.. العظمة. القوة . الثروة. الجاه..؟.
أغمضت عينيها مستكينة إلى إحساس خدري لذيذ راح يتماوج في أعطافها.
همت تقول له أنها تريد أن تمسك العالم بين يديها . لكنها أزاحت تلك الفكرة والتصقت به تحمي رأسها من الرياح التي تزايدت سرعتها:
- أن أكون سعيدة محبوبة وأن تتحرر فلسطين وأرجع إلى قدسي. أما الأحلام الأخرى فهي متروكة لكم أنتم الرجال . أحلام المرأة متواضعة بالمقارنة مع أحلامكم.
ضمها بين ذراعيه وقبلها من شفتيها بشبق ثم قال بصوت استعادت نبرته سخريتها المألوفة:
- ربما لأن أحلامي كبيرة فإنني أتوقع أن يكون سقوطها مدوياً. لقد حاولت نسيان تلك النبوءة فلم أفلح. لقد ارتبطت بنجاحي ذاته. وكأن القدر قرر أن يمارس معي لعبة قذرة لامثيل لها. أتصوره الآن واقفاً يمد لي لسانه شامتاً قائلاً: رويدك ياأحمق.. إنها مهزلة تبعث في النفس أشد حالات الغيظ والقهر.ليس المهم من يضحك كثيراً. بل من يضحك أخيراً. والقدر هو الضاحك الأخير دائماً.هذه هي الماساة المتربصة بنا من الأزل وإلى الأبد. يعرف واحدنا أنها تواكبه من لحظة خروجه من رحم أمه لكنه يتجاهلها ليمثل دوره المرسوم على مسرح الحياة. تماماً مثلما هي الحال في التراجيديات الإغريقية. أوديب الذي لعنته الآلهة قبل ولادته بدهور . ماهي اللعنات المكتوبة على كل منا؟ الآلهة لا تجد تسلية إلا في إتعاسنا فتتفنن في إنزال الكوارث بنا والتهكم علينا لتحتفل في النهاية بنصرها المؤزر بالرقص على أشلائنا الممزقة ونفوسنا المحطمة!..
أتساءل الآن من أنا؟ اكرم النحاس القوي القادر أم أكرم الصبي المشرد ابن النحاسية المغيبة تحت مستعمرة إسرائيلية في تلك الأرض القائمة على الساحل الآخر للمتوسط؟ أتمنى أحياناً لو أبادل كل ما أملكه ببيت صغير مريح يطل على الصخرة المرجانية أمضي فيه آخر أيامي..

 
 

 

عرض البوم صور تمارااا   رد مع اقتباس
قديم 07-04-09, 02:41 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 33834
المشاركات: 1,231
الجنس أنثى
معدل التقييم: تمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عاليتمارااا عضو ذو تقييم عالي
نقاط التقييم: 815

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
تمارااا غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : تمارااا المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

- 5 -

استقلت مريم على سريرها وأغمضت عينيها وقد هدّها اإارهاق شاعرة أن اليوم كان أطول وأصعب أيام عمرها. لقد شهدت الكثير من الأحداث والويلات خلال سنوات عمرها الستين . لكنها لاتذكر أنها تخبطت في تيار من الغرائب والمفاجآت كما تتخبط هذه الأيام ، ولا أرهقها الجهد العضلي الكبير كما هي مرهقة الآن، ولا عذبتها الأفكار والوساوس والمخاوف كما تعذبها اليوم.
تبدو لها قصة طارق كواحدة من معجزات السيد المسيح تثير في أعطافها إحساساً عميقاً بالإيمان والخشوع وتدفعها للصلاة إلى السيدة العذراء تناشدها اللطف والعون وشد أزر عواطف .. وعواطف تحتاج الآن إلى حنان العذراء وبركتها أكثر من أي وقت مضى.
لم تشعر بقوة الأواصر التي تربطها بعواطف مثلما تشعر الآن. لو أنها من لحمها ودمها لما أحبتها أكثر ، ولاتفانت في خدمتها ورعاية أبنائها بإخلاص أكبر.. ، إنها لم تتخيل ابداً
حين حملت صرة أغراضها الصغيرة مغادرة ميتم راهبات القلب المقدس إلى بيت الاستاذ رياض بشارة، أن حياتها سترتبط، من الآن وصاعدا ، بعواطف بشارة.. حسبت أنها ستبقى في الميتم بقية عمرها لتصير إما مشرفة على اليتيمات أو راهبة في خدمة السيدة العذراء. لهذا كانت دهشتها كبيرة حين استدعتها السيدة رئيسة الدير لتقول لها:
- الرب لاينسى أماته الصالحات يامريم. لقد بلغت الثامنة عشرة من عمرك وأظن أنه وجد أن الوقت حان لتبدأي حياتك في العالم الخارجي. هناك وجيه فاضل ومحسن كبير رزأه الله بفقد امرأته قبل عدة أشهر. عنده طفلة في الرابعة من عمرها بحاجة إلى مربية فاضلة وقديرة . بل إلى أم تعوضها أمها الراحلة ولقد برهنت خلال وجودك هنا أنك فتاة نشيطة مجدة أمينة على الأسرار ومؤهلة للقيام بهذا الواجب. لقد تكلمت مع الاستاذ رياض بشارة البارحة وزكيتك لديه فوافق مطمئناً إلى حسن اختياري فكوني عند حسن ظنه وظني وانا واثقة انك ستعيشين في كنفه بكرامة إلى أن يقرر الرب مستقبلك. وسأصلي دائماً إلى سميتك العذراء سيدتنا لترعاك وتسدّد خطاك لما فيه خيرك وخير العائلة التي ستعملين في خدمتها.
تقبلت قرار السيدة الرئيسة برضى واثقة أن العذراء أوصت لها به لما فيه خيرها وفلاحها..
لم يكن الأستاذ رياض بالرجل الذي يشبه الرجال القلائل الذين عرفتهم وصادفتهم في الميتم.. بدا لها، ما إن وقفت بين يديه وجلة غير مجترئة على رفع بصرها نحوه، وكأنها في حضرة واحد من هؤلاء العظماء السادة المرهوبي الجانب الذين التقت بهم في رحلاتها عبر أسفار الكتب المقدسة. بالتحديد كان يشبه الصورة المتخيّلة في ذهنها للقديس جورج، اصارع التنّين، بقامته الطويلة وملامحه الصارمة ونظراته النفاذة التي تدل على تكبر يصل إلى حد العجرفة بحيث أنها ظلت، حتى أيامه الأخيرة، لاتجرؤ على النظر إليه حتى لمعرفة لون عينيه وما قد يكون فيهما من أفكار.. فهو يفرض هيبته وسطوته على من حوله ولكأنه جاء إلى العالم وجيهاً بالفطرة سيداً بالوراثة. ولعل هذا ما جعله يعيش في نظام دقيق لايحيد عنه إلا نادراً . يأوي إلى فراشه في الحادية عشرة ليلاً ويستيقظ في الخامسة صباحاً ليمارس بعض التمارين الرياضية قبل أن يمتطي فرسه ليتريض في مزرعته الواقعة على طريق القدس بيت لحم. يرجع في السادسة والنصف فيستحم ثم يتناول الأفطار متابعاً الأخبار في الراديو ومطالعاً الصحف. في الثامنة ينزل إلى مكتبه في السرايا ويرجع في الثانية بعد الظهر لتناول الغداء. في الثالثة يأخذ قيلولة قصيرة ثم يمضي ساعتين مع عواطف يلاعبها ويهتم بشؤونها ودروسها . في السادسة يغادر إلى النادي العربي حيث يلتقي زملاءه ومعارفه من ذوي الشأن وأصحاب الأسماء المعروفة على نطاق واسع في تلك الأيام. وقد حظيت بشرف مقابلة بعضهم أثناء زيارتهم لسيدها أماسي السبت والأحد. في الثامنة مساء يؤوب إلى البيت لتحضير قضاياه وتناول وجبة عشاء خفيفة.
وسرعان ما اكتشفت أن عقله لم يكن أقل انضباطاً من سلوكه . كان عنيداً لايقبل النقاش في قراراته ولايتراجع عن موقفه حتى لو عارضه الجميع. إن أحب فبكل قواه وإن كره فبكل قواه. من أجل وعد متسرع قطعه لأم ابراهيم دمر علاقته بابنته وعاش سنواته الأخيرة معذباً حزيناً يجتر آلامه بصمت وكبرياء ، أصدقاؤه يعدون على اصابع اليدين، وقد ظل وفياً لهم حتى فرقهم الموت. شيّعهم واحداً وراء الآخر وقال بأسى إنه لم يبق له صديق يسير في جنازته . ورغم أنه كان في منتصف عمره يوم تعرفت إليه فإنه لم يفكر بالزواج ثانية، ولا أقام، كما لاحظت بدهشة واستغراب ، علاقة ، من أي نوع ، مع امرأة ما حتى لكأنه نذر العفة بعد وفاة زوجته. وكان يقدس ذكراها ولايمل من استذكار مناقبها وحبها وفضيلتها طالباً من عواطف أن تكون مثلها.
حملت امتناناً عميقاً وتقديراً كبيراً لهذا الرجل الذي لولاه لظلت حبيسة الميتم تآلفت مع طباعه وتقبلت مزاجه وتأقلمت مع سلوكه وغفرت له إساءاته وخدمته بتفاني واخلاص المرأة الراضية القانعة الخاضعة لسيدها وولي نعمتها، وكانت معاملته لها، وخاصة في السنوات الأولى، تثير حيرتها وجزعها واضطرابها لما فيها من استعلاء وريبة وتناقض . فهو قد يترك عواطف في عهدتها أياماً حين يضطر للسفر أو إن شغلته إحدى قضاياه مطمئناً إلى أنها في يد أمينة . لكنه ، في أحيان أخرى، يقف لها بالمرصاد ليدقق في كل أمر ويقرّعها في كل شأن وكأنه غير واثق من حسن تصرفها وأهليتها لرعاية ابنته. وهو فجأة يتباسط معها في الحديث فيسألها عن صحتها وأحوالها وينفحها مبلغاً محترماً قبيل الأعياد لتشتري ماتحتاجه من ثياب وأغراض، بل ويسارع إلى استدعاء طبيبه لمعاينتها حين تتوعك . لكنه سرعان مايتجاهلها وكأنها ليست موجودة حتى لتمر أسابيع لاتسمع منه خلالها سوى ردود جافة مبتسرة على تحياتها، وأوامره بإعداد القهوة والشاي وتحضير غداء أو عشاء لضيوفه.
لم تعتبر ذلك نقيصة فيه بقدر ما أرجعته إلى عيب فيها هي نفسها. فكلما قامت بتنظيف غرفة نومه وجدت نفسها منساقة إلى الوقوف أمام المرآة الصقيلة الضخمة ذات الإطار الخشبي بنقوشه الدقيقة البديعة، والتي اعتاد أحياناً دعوة ضيوفه للتفرج عليها متباهياً بأنها تحفة عائلية لاتقدر بثمن صنعها جده لأبيه الذي كان يهوى ، مثله في ذلك مثل ملك فرنسي قديم، النجارة فأمضى خمسة أعوام في حفر وزخرفة إطارها الأبنوسي الأسود الثمين وتعشيقه بماء الذهب صانعاً لوحة فنية تثير إعجاب ودهشة كل من يراها. حين كانت تقف أمام المرآة كانت تجد في مواجهتها سحنة دميمة تقطع الرزق وتجلب النحس ، كما كانت لداتها في الدير يعيّرنها. وكانت تسارع إلى الابتعاد والألم يعتصرها وهي تتساءل إن كانت تحمل فعلاً النحس لمن حولها؟ فما كادت تلتحق بخدمته حتى بدأ ما اسماه الاستاذ رياض زمن الانهيارات المستطرقة- فهمت معنى الانهيارات أما المستطرقة، التي حفظتها بعد جهد ، فما فهمت قط معناها وإن أوحت إليها بأكثر المعاني سوءاً- دبت الفوضى في البلاد وتدهورت الأوضاع وكبرت المخاوف مع ازدياد المعارك بين العرب واليهود فتوقفت الأعمال وصارت الحياة صعبة قلقة ..
وحين صدر ما أسموه قرار التقسيم وانتشرت ظاهرة الاغتيالات والتفجيرات اضطر الاستاذ رياض ، وإن مؤقتا، إلى التخلي عن نمط حياته المألوف. اعتكف في المنزل وقد غلبت عليه الكآبة قاصراً لقاءاته على عدد محدود من الأصدقاء . عندئذ أحست أن الأمور لاتسير على مايرام وأن المصائب أرسلت طلائعها منذرة بالأدهى، فانتابها رعب حقيقي من أن يخطر على باله أنها حملت إليه النحس فيعمد إلى صرفها من خدمته في تلك الظروف الصعبة . لكنه بدا بعيداً جداً عن تلك الأفكار. بل إن وجوده الدائم في البيت دفعه إلى الاحساس بوجودها أكثر من ذي قبل. فزاد من اهتمامه بشؤونها وأحوالها، وإلى درجة أن فاجأها ذات مساء وهي ترفع العشاء بسؤالها عما تسمعه من أخبار البلد. وجدت عندئذ الجرأة في نفسها لتسأله بدورها إن كان اليهود سيأخذون حقاً نصف فلسطين كما يقال . تطلع إليها بامعان وهز رأسه بفتور وهو يدق على الطاولة برتابة. ندمت على سؤالها وخشيت أن يكون غضب ، لكنها استعادت روعها حين تنحنح وقال بثقة:
- اطمئني.. لن يأخذوا شبراً واحداً.
منذئذ صار سؤالها الروتيني وهي تقدم له فنجان المليسة بعد العشاء:
- كيف هي الأحوال ياسيدي؟.
فيجيبها بآلية:
-لاباس.. لن يصير إلا مانريد.
ولم يغير رأيه . كما تبين لها، إلا ليلة اضطراهم للهروب من القطمون إلى المزرعة حاملين ما خف حمله وغلا ثمنه .
كان الأمر مختلفاً تماماً مع عواطف. امتلكتها الصغيرة بجمالها وفتنتها ورقتها وفجرت في صدرها ينابيع حب اختزنتها طويلاً فأغرمت بها بل وعشقتها.. منذ تطلعت إليها عواطف بعينيها الواسعتين الساحرتين الممتلئتين بالفضول، وكان أخشى ما تخشاه أن تخافها وتنفر منها فيعتذر الاستاذ رياض عن استخدامها، أحست أن الحياة تبتسم لها، بل شعرت أن قبحها ذاته يتلاشى . تنحنح الاستاذ رياض وقال لابنته بحذر وكأنه خشي بدوره ماخشيته:
- هذه دادتك مريم ياعواطف ستحبك وتلاعبك حتى ترجع الماما..
تكدر وجه الصغيرة وزمت شفتيها بحزن ثم قالت بنزق:
- شرط أن ترجع الماما بسرعة..
- إذن سنقول لها أهلاً حتى ترجع المام سهام..
نقلت بينهما نظرات حيرى ثم رددت ببطء..
- أهلاً.. دادا مريم..
لم تحتج مريم إلى أكثر من ساعتين لتتحول إلى جارية متفانية لاهم لها إلا حب عواطف وإرضائها وتدليلها . كانت مثل أبيها، صريحة الطبع لاتعرف المداورة وإخفاء مشاعرها. ووسط دهشة مريم الكبيرة وغبطتها العارمة الفتها عواطف بسرعة وتولعت بها وأنزلتها منزلة أمها الراحلة. وهي بالمقابل نذرت نفسها لعواطف وأوقفت حياتها لها. وقفت معها في السراء والضراء، في هنائها وشقائها، حلو حياتها ومرها. ساعدتها على تنفيذ قرارها الطائش بالزواج سراً من طارق بعد أن حاولت المستحيل لمنعها عنه. فعناد عواطف لم يترك لها أي خيار . وبعد أن رحلا إلى بيروت بقيت مع الاستاذ لتواجه بمفردها نقمته وغضبه وحزنه وتقوم بتمريضه ورعايته ما إن دب في جسمه المرض الخبيث. ولم يكن هناك سواها لتقف مع عواطف في فاجعة موت طارق ووقوع البلاد تحت الاحتلال ، ولتواجه معها محنة الابعاد وعذابات التشرد، ولتستلم مسؤولية الأولاد الصعبة بعد زواج عواطف من أكرم . وأخيراً وليس آخراً كما يقولون، لتشهد معها معجزة أن يكون طارق على قيد الحياة...
كم هو رحوم عظيم الرب، وكم تشعر بالامتنان وهي تتضرع إليه أن يتمم الأمر على خير كما تشتهيان هي وعواطف..
ولكن. هل سيتم الأمر على خير؟ ماذا جرى لهم لتشعر أنها تكاد لاتعرفهم ؟ حين تخوفت عواطف من أن لايتقبلوا الأمر بسهولة سارعت تتهمها بأنها موسوسة أكثر من اللازم، فهو أبوهم وسيكون فرحهم بالعثور عليه كبيراً. لكن مخاوف عواطف تبدو في محلها. فها هم يشككون ويجادلون بل ويتهكمون عليهما.. قد تغلطان، عواطف وهي ، في كل الناس لكن ليس في طارق. إنه الشخص الثاني ، بعد عواطف ، الذي ترك في نفسها أثراً لايمحى وذكرى لاتنسى. وهل بإمكانها أن تنسى كيف دخل حياتهما، عواطف وهي . دون استئذان وحسبان؟.
كاد يغمى عليها يوم رجعت عواطف من المدرسة مبكرة مضطربة وقد تمزقت صدريتها وانتكش شعرها وهي تسحب وراءها ذلك الشاب الذاهل الذي غطت الدماء وجهه وتورمت عينه وتمزق قميصه . صرخت بهلع لكن عواطف تجاهلتها وقادته إلى الحمام ثم رجعت تبحث عن الضمادات والسبيرتو. صعقت وعواطف تبلغها أنها لاتعرف الشاب،وقد التقته في المظاهرة التي كانت تطالب بطرد أبو حنيك عندما اشتبكوا مع رجال الشرطة. أضافت متباهية أنهما كادا يقعان في قبضة البوليس لولا تمكنهما من الفرار بآخر لحظة. حدقت إلى الفتاة بذهول وهي تستصعب تصديق ماتسمع. كل شيء خطر في بالها إلا أن ترمي طفلتها الحبيبة بنفسها في مثل هذه المخاطر التي هي وقف على الرجال وحدهم. ماذا سيقول الاستاذ إن سمع أو رأى المصيبة التي أحضرتها معها! قد لايقول شيئاً لعواطف ، لكنه بالتأكيد سيأكلها هي بلا ملح ويتهمها بأنها لم تعرف كيف تربي البنت!.
لكن كل تلك المخاوف لم ترد في بال عواطف كما لاحظت. راحت تتحرك بسرعة وحماسة وهي تصدر لها الأوامر ذات اليمين وذات الشمال. وحين خرج من الحمام أصرت عواطف على معالجة جراحه بنفسها ، ولم تكن بليغة كما توهمت في البدء..
حينذاك فقط، وهي تتفحص الشاب الذي استسلم بحياء وامتنان إلى عواطف التي راحت تمسح جروحه بمهارة ممرضة محترفة، اكتشفت ان طفلتها لم تعد طفلة، بل هي صبية ريانة اكتملت معالم أنوثتها ونضجت شخصيتها وباتت تتصرف بحزم وثقة دون أن يفزعها منظر الدماء، ولكأنما هي تشارك منذ سنوات في المظاهرات وتضميد جراح المصابين. ونسيت مريم نفسها وهي تتابع فاغرة الفم تعليقاتهما على المظاهرة وسخريتهما من رجال الشرطة وآراءهما حول الأوضاع السياسية وغيرها . لم تتصور أبداً أن فتيين في عمريهما متبحران إلى هذا الحد في الأحداث الجارية في العالم. أحست بالخجل لجهلها الفاضح وهي تصغي إلى حديثهما عن الأزمة الحكومية في الاردن، وعن ناصر الذي ستتحرر فلسطين على يده، وعن الوحدة بين سورية ومصر وعن أمريكا وروسيا و... ولم يخرج الشاب إلا بعد أن تناول طعام الغداء وارتدى أحد قمصان الأستاذ الحريرية.. هكذا ، ببساطة بدأ الحب بين عواطف وطارق..

***

فتحت مريم عينيها على دبيب حركة خافتة فوق رأسها. هتفت باسم العذراء ثم هدأت وهي تميز وجه عطاف يتراقص وراء غباشة عينيها. رفعت جذعها فيما عطاف تتمتم:
- حسبتك صاحية يامريم. آسفة إن كنت أزعجتك . تابعي نومك فسأخرج.
أمسكت مريم بيد عطاف وأجلستها بجانبها قائلة بصوت ناعس:
- النوم يعاندني.. لابأس إن سهرنا قليلاً إن كان النوم يعاندك أنت أيضاً!.
تفحصتها بإمعان قبل أن تقول بقلق:
- التعب واضح عليك ياعطاف والأفضل أن ترتاحي قليلاً..
ضحكت عطاف ببرود وأشارت إلى صورة العذراء المعلقة فوق رأس مريم والمنارة بقطنة زيتية مشتعلة في إناء زجاجي:
- إنها تشبه الصورة التي أعطتني إياها الأخت تريز يوم أخذتني إلى كنيسة المهد..حدث هذا قبل أسبوع من إبعادنا. كنا راجعتين من الكنيسة حين وقع الانفجار القوي في سوق الصوف. أتذكرين يامريم؟ إنها الحادثة الوحيدة التي مازلت أذكرها من ذلك الزمن . لجأنا إلى اقرب بيت وقلت لي إن العذراء معناً وستحمينا..
حدقت إليها مريم بدهشة ثم طبطبت على كتفها بلطف:
- غريب أنك ماتزالين تذكرين تلك الحادثة! كم كان عمرك يومها؟ خمس سنوات؟ أنا نفسي نسيتها . ذاكرتك قوية كأمك. إنها لاتنسى شيئاً. تحكي لي أحياناً قصصاً قديمة عن جدك رياض وطفولتها ما تصورت أنها تتذكرها. أمّا أنا فأنسى أحياناً ماذا أكلت البارحة!.
- ومع ذلك أنت متأكدة أن هذا الرجل أبي؟.
سألتها عطاف بنبرة شك واضحة. سارعت مريم تقول بحماسة وكأنها تنفي تهمة عن نفسها:
- هذا شيء مختلف .. إنه أبوك بالتأكيد. ألا تصدقين ذلك؟.
نفخت عطاف بوهن ثم قالت وهي تتجنب نظراتها:
- أجد صعوبة في هضم الموضوع.
نظرت إليها مريم بعتاب:
- حسبتك تختلفين عن الآخرين!.
- بالطبع أختلف . لن أمانع في أن أجد أباً وأنا في العشرين من عمري . أظن أنها ستكون تجربة ممتعة!.
- بالتأكيد ستكون.. لقد حرمك الله من أب عظيم.. وهاهو سيعيده لك!.. حين حملت بك أمك فرح وتوقع أن يرزقه الله بنتاً حلوة بعد غسان ونضال. راهن أمك على أنك لن تولدي إلا وقد تحررت بلادنا من اليهود. كان الناس كلهم يتحدثون عن الحرب فقال إنك ستكونين فأل خير علينا.
حدقت إليها عطاف برهة بإمعان ثم علقت بسخرية:
- لكنني كنت فأل شؤم.. أليس كذلك؟ فهو مات ، أو فقد الذاكرة وضاع إن صحت قصة أمي ، وراحت بقية فلسطين وصرنا لاجئين.. لهذا أظن أن أمي معذورة لأنها لم تحبني كما أحبت غسان ونضال!.
بوغتت مريم وشدت جذعها ثم دمدمت بحنق:
- من اين لك هذه الأفكار السخيفة؟ أمك ماقصرت أبداً في حبك ولاميزت بينك وبين أخويك.
أمسكت بيدها وضغطت عليها بقوة:
صدقيني إن قلت إنها أحبتك، وأحببناك كلنا، أعظم الحب.. لقد بعثك الله إلينا لتخففي عنا مصيبة موت طارق وتقوي عزائمنا في مواجهة الاحتلال. ولدت ضعيفة ومريضة وذاقت أمك المرّ ومرّ المرّ في الأشهر الأولى من طفولتك وهي تركض بك من طبيب إلى طبيب ومن مستشفى إلى مستشفى. كانت تمر ليال لاتعرف فيها طعم النوم وهي سهرانة عليك وماعرفت الراحة إلا بعد أن من اللَّه عليك بالشفاء.
عقدت حاجبيها وأردفت بتأنيب:
- أعان الله أمك كم تعذبت وشقيت في سبيلكم. مرت عليها أحداث يشيب لها شعر الرأس ولا تعرفونها أنت وأخواك. أتذكرين الضابط اليهودي رافايل؟ بالطبع لا. كان نقمة على أمك ومصيبة علينا. عيّشنا في كابوس اسود حين راح يلاحقها بوقاحة. لما صدته هددها بإيذائكم إن لم تسايره. وما كان هناك من يمنعه من تنفيذ تهديده. ما عدنا نتجاسر على ترك البيت أو إغفال عيوننا عن غسان ونضال. ثم قصمت ظهرنا حادثة نضال ففكرنا أن نقتله لنتخلص منه!.
- أتعنين ضياع نضال؟.
نفخت مريم بسخط:
- هكذا قررنا أن نحكيها لكم.. لكنه لم يضع بل خطفه الكلب رافايل ليجبر أمك على .. التجاوب معه.. أرجعه في الليل وبعد أن كدنا نجن ليدعي أنهم عثروا عليه ضائعاً في جبل أبو غنيم، وليقول لأمك بلؤم إن تعرض الأطفال للأذى صار أمراً عادياً جداً ويمكن أن يعزى إلى المخربين الذين يرمون متفجراتهم أينما كان. لم ننم تلك الليلة. قالت أمك إنه ليس أمامها إلا أن تقتله لنتخلص من تهديداته!.. كنا ندوخ لرؤية نقطة دم فصرنا نخطط للقتل.. وقتل من؟ ضابط يهودي!.. قالت إن علينا تدبير الأمر ليبدو وكأنه قتل في عملية فدائية. أوه ياعطاف كانت أمك امرأة جبارة . وضعت خطة محكمة ودبرت مسدساً وواعدته على اللقاء في حديقة الأمريكان في ساعة متأخرة من الليل لتقتلته!.
صمتت مريم وكأنها تستعيد صور تلك الليلة فسارعت عطاف تستحثها بلهفة
-هه.. وماذا حدث؟.
- ذهبت إلى الموعد وانتظرته ثلاث ساعات دون أن يأتي . الله لاينسى عباده الصالحين ياابنتي درينا بعد يومين أنه أصيب في عملية فدائية حقيقية قبل قليل من موعد اللقاء ومنذئذ ابتعد عن أمك وإن ظل يزعجنا بالمراقبة والتفتيش بين وقت وآخر.
حدجت عطاف بنظرة ثاقبة ثم جزمت:
- أحبتكم أمكم إلى حد أنها كانت على استعداد للتضحية بنفسها من أجلكم . لقد أحبتكم سواسية كأسنان المشط. ويوم يرزقك الله بأطفال ستدركين كيف هو حب الأم.
فاجأت عطاف مريم بطبع قبلة خاطفة على خدها الذي بلله العرق.
- أنت مغرمة بأمي حتى العبادة يامريم. إنني أحسدها على حبك لها وأتمنى لو أكون محبوبة مثلها..
- ولكنك محبوبة ياعطاف .. كلنا نحبك .. ويوسف يحبك..
أطلقت عطاف ضحكة مبتسرة:
- لا أعني الحب العادي ، الحب الرتيب الهادئ.. بل الحب الجامح القوي الناري كالذي عرفته أمي. حبها هي وأبي . حب ابراهيم لها . حبك أنت.. حب أكرم..
تفرّست فيها مريم بحنان ثم قالت بحكمة:
- ومن قال لك إن هذا الحب هو الحب الذي يسعد الانسان ياابنتي ؟ أنظري إلى أمك . لقد عذبها الحب أكثر مما أسعدها بكثير.. لم أعرف حب الرجل للمرأة ولا حب المرأة للرجل. لكن مارأيته في حياتي علمني أن الحب العادي والهادئ هو الذي يسعد. ولهذا أنا واثقة أنك ستعيشين بهناءة مع يوسف. يكفي أنك ذكية ومجتهدة وصادقة وصريحة وست بيت وهذا مايريده الرجل ويسعى إليه.
أصغت إليها عطاف بهدوء ثم نهضت وهي تبتسم:
- أظن أن الحق معك يامريم.. سأذهب لأرى أمي.
وغادرت بهدوء . رفعت مريم راسها نحو صورة العذراء وهي تتساءل ان كانت أفلحت في اقناع عطاف وطمأنتها . ثم هزت رأسها دلالة أنها نجحت .. منذ طفولتها امتازت عطاف بلين العريكة وهدوء الطباع ورهافة الحس والخيال الواسع. وهذا ماساعدها، كما قالت عواطف بفخر بعد أن قرأت أولى قصصها المنشورة:
- على تنمية موهبتها الأدبية.. كنت واثقة إنها لن تكون بنتا عادية.. انظري إلى اسمها المكتوب بالخط العريض يامريم أنها ابنة عواطف بشارة وطارق مناف..
هزت مريم رأسها بحماسة مسايرة لعواطف . لم تر في نشر القصة تلك الأهمية الاستئنائية التي رأتها عواطف. فهناك الآلاف الذين تنشر أسماؤهم في الصحف والمجلات. إلا أن كلمات عواطف أرجعتها سبع عشرة سنة إلى الوراء.. ما إ ن صحت عواطف من البنج حتى سيطرت عليها حالة هستيرية فراحت تبكي بحرقة وهي تردد اسم طارق.
تمكن الطبيب بعد جهد من تهدئتها ليبلغها أنها قامت بالسلامة رغم حالتها الصحية الصعبة وأنها أنجبت بنتاً حلوة. شرقت بدموعها وطلبت رؤية الطفلة مغمغمة بصوت متحشرج:
- الشكر لله.. كان يريد بنتاً.. هل تشبهه؟.
لم تستطع إخفاء صدمتها حين وقعت عينها على المولودة. حملقت إليها بذهول وقد تقلصت تقاطيعها وغارت الدماء من وجنتيها ثم نظرت إلى مريم بفزع وكأنها تستجير بها.
كانت المولودة ضئيلة الحجم قميئة الهيئة منفرة للنظر أشبه بكائن مشوّه منها بطفلة سليمة طبيعية . أسقطت عواطف يدها بعيداً عنها دلالة رفضها لها. بادرت مريم عندئذ، التي لم تكن دهشتها بأقل، إلى القول باضطراب:
- نجت البنت بإعجوبة . فقد ولدت شبه مختنقة ومصابة باليرقان وفقر الدم. إنها متورمة أكثر من اللازم لالتفاف حبل الخلاص حول رقبتها. فحصها طبيب أطفال وسيجري لها تحاليل للاطمئنان على حالتها. قال الدكتور زياد إن العملية القيصرية أتعبتها كثيراً كما أتعبتك لكنها ستستعيد صحتها قريباً فاطمئني. لاتنسي كم عانيت في الفترة الأخيرة وهذا أثرّ على المسكينة . لكن كل شيء سيتصلح انظري ما أنعمها!.
ومدت الطفلة نحو عواطف فاضطرت هذه إلى إفساح المجال لاضجاعها بجانبها راحت تتفرس فيها بقلق تاركة. لتعابيرالألم الجسدي والنفسي أن تتواتر على وجهها كاشفة عن خيبة أملها الكبيرة . اغتصبت ابتسامة شاحبة وغمغمت بصوت متهدج:
- إنها لاتشبه أحدا منا. أتذكرين غسان ونضال؟.
زجرتها مريم بقسوة:
- هذا كله مؤقت ياعواطف، بكرة تتحسن صحتها وتصير مثل أخويها. المهم أن خلقتها كاملة وأنك قمت بالسلامة. اشكري ربك وانتبهي لصحتك . عليك أن ترضعيها لآن.
لكن شيئاً لم يتغير. تحسنت حالة الطفلة قليلاً لكنها ظلت في لونها وتقاطيعها الناشزة وبنيتها الصغيرة تفتقر إلى أي ملمح يربطها بوالديها وأخويها . وهذا ما أغرق عواطف في دوامة من الهواجس والشكوك نفثت عنها ذات ليلة لمريم وقد ترقرت عيناها بالدموع:
-إنها تتعذب وتعذبني المسكينة. لو أن فيها شيئاً واحدا يشبهنا لارتحت ورضيت. ألا يكون اليهود ابدلوها ؟ أخذوا طفلتي وأعطوني غيرها؟.
صعقت مريم وظلت عدة لحظات تحملق إلى عواطف ببلاهة ثم فرت الدماء من وجهها وزعقت فيها:
- سيلعنك الله لهذه الأفكار الشيطانية. هل جننت ؟ حتى المجنونة لاتخطر في بالها هذه الخواطر . هي ابنتك من لحمك ودمك والدكتور زياد بذاته طلع بها من غرفة العمليات قدام عيني. الآن عرفت لماذا يعذبك الله ويعذبنا بهذا الشكل . كله بسبب ظنونك وشكوكك . إنه يعاقبنا والويل لك ولنا ياعواطف. يجوز أنها لاتشبه أي واحد منكم لكن هذا ليس حجة لإنكارها ولعلها تشبه أهل طارق. نعم. إنها تشبههم. شبه أمه. هذا واضح اقي الله ياعواطف.
ويبدو أن عواطف خافت من غضب الله فعلاً. لم تعد ثانية إلى تلك الشكوك السخيفة وحرصت على تأدية دور الأم بكل أبعاده فانكبت على رعاية طفلتها بتفان وحماسة وكأنها تحاول التكفير عن ذنبها حيالها، ورضخت لالحاح مريم فزارت الكنيسة حيث اعترفت ونالت الغفران ورجعت من ثم وقد استعادت هدوء النفس لتقول لمريم باعتذار:
- أرجو أن يغفر الله لي ويشفيها. لقد كنت صغيرة العقل حمقاء فعلاً .

 
 

 

عرض البوم صور تمارااا   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الخاص, العاصفة, الكاتب انيس خوري, انيس, حصاد, حصاد العاصفة للكاتب:الياس انيس خوري, حصاد العاصفة الياس انيس خوري, دوري, روايه حصاد العاصفه
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t108640.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
Untitled document This thread Refback 17-01-10 03:33 PM


الساعة الآن 11:36 PM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية