لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل [email protected]





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > روايات عبير > روايات عبير المكتوبة
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

روايات عبير المكتوبة روايات عبير المكتوبة


15- قرار متهور - آن ميثر - دار الكتاب العربي ( كاملة )

قرار متهور الملخص لقد وافقت كاترين على مضض أن تلعب دور اختها الهاربة فالنتينا التي تسببت في حادث مروع لصديقها غلين فقد على أثره البصر 000ولم يدر

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-03-09, 05:03 PM   1 links from elsewhere to this Post. Click to view. المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 103835
المشاركات: 336
الجنس ذكر
معدل التقييم: زونار عضو سيصبح مشهورا قريبا جدازونار عضو سيصبح مشهورا قريبا جدازونار عضو سيصبح مشهورا قريبا جدازونار عضو سيصبح مشهورا قريبا جدازونار عضو سيصبح مشهورا قريبا جدازونار عضو سيصبح مشهورا قريبا جدا
نقاط التقييم: 502

االدولة
البلدKuwait
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
زونار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي 15- قرار متهور - آن ميثر - دار الكتاب العربي ( كاملة )

 

قرار متهور

الملخص

لقد وافقت كاترين على مضض أن تلعب دور اختها الهاربة فالنتينا التي تسببت في حادث مروع لصديقها غلين فقد على أثره البصر 000ولم يدر بخلد كاترين أن مقابلة جيرد عم غلين والقادم من كندا ذاك الرجل الذي لا يمكن اختراق مشاعره يمكن أن تكلفها حياتها هناك وسط الجبال الوعرة في الضباب والصقيع بسبب الغيرة من المرأة التي تحب جيرد 000وعلى الرغم من كل ذلك فقد قال القدر كلمته 000




)حادث مأساوي

(( كاترين ، أختاه ، يجب أن أراك الليلة 00))
كان صوت فالنتينا على الهاتف متوتراً ومتقطعاً يعتريه الكثير من الخوف والقلق ، مما جعل كاترين تتوقع أن ثمة مأزقاً آخر وقعت أختها فيه ، مساعدتها كالعادة لتنجو منه 0
((لا ، ليس الليلة يا فالنيينا ))
أجابتها كاترين بحزم ، وهي تثبت سماعة الهاتف بين أذنها وكتفها ، لتنظر إلى فصل أوراق الكاربون من التقرير الذي كانت لتوها قد انتهت من طباعته على الآلة الكاتبة ، وتابعت :
((ليس الليلة يا فالنتينا ، علي أن أبقى في المكتب حتى ينتهي الاجتماع مع الإدارة ، واستلم محضر الجلسة لأقوم بطباعته ، ومن ثم سيمر بي سيمون ليصحبني معه الساعة السابعة والنصف تقريباً ))
صاحت فالنتينا بمرارة :
((سيمون ! سيمون ! يمكنك أن تريه في وقت آخر ))
حاولت كاترين جاهدة التحكم في أعصابها ، حتى لا ترد رد قاسي ، وقالت :
(( لكني ، اتفقت معه على ذلك ، وليس في نيتي إلغاء هذا الموعد ))
تعالى صوت فالنتينا ثانية لدرجة الصراخ لما أصابها من خيبة ، قائلة :
(( كاترين ، هناك شيء رهيب قد حدث ، وأنا في حيرة من أمري ، لا أعرف كيف أتصرف على الإطلاق ))
ألقت كاترين الأوراق المطبوعة بإتقان من يدها ، وأمسكت سماعة الهاتف جيداً وقالت :
((اسمعي يا فالنتينا ، أنت طفلة ، لقد بلغت الثامنة عشرة من العمر ، وهذا يكفي لكي تتمكني من تحمل مسؤولياتك بنفسك 0 هلا لأني أكبر منك سناً 000))
قالت فالنتينا مقاطعة :
(( لكن أختاه ، إنك الوحيدة التي اعتمد عليه))
ضاقت كاترين ذراعاً بمشاكل أختها وتحمل مسؤولياتها ، ولم تعد تحس برغبة في الاستمرار في ذلك ، فهي لم تكن تكبر فالنتينا إلا بسنوات ثلاث فقط 0
وهذا لا يعني أنه يجب عليها أن تكون مسؤولة عن أختها الصغرى مدى الحياة 0 فيكفى أنها منذ كانت في في مثل سنها ن وهي تحمل أعباء العائلة على كتفيها ؟ لقد تحملت كاترين أعباء العائلة ن وهي في الثامنة عشرة من العمر ، بدلاً من أمها التي قتلت أثناء الثورة في أفريقيا الوسطى ، حيث كان أبوهما يعمل هناك في ذلك الوقت 0
كانت الأختان في مدرسة داخلية ، عندما بلغهما خبر مقتل والدتهما 0فوقع النبأ عليهما وقوع الصاعقة ، وأحست فالنتينا ، وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة بعد ، أنها فقدت الركيزة التي تعتمد عليها 0 لم يبق أمامها سوى أختها كاترين ، تحملها مسؤولياتها ، فما كان من كاترين إلا أن كتمت أحزانها في صدرها ، وغمرت شقيقتها بحنانه ، لتعوضها عن فقد أمها 0
عاد والدهما السيد مالوري إلى لندن في بداية الأمر ، ليعيش مع ابنتيه 0 ولكن سرعان ما ضاق بمشاكل العائلة وتسرب الضجر إلى نفسه ، وفكر بالرحيل ثانية ، فتلاشت أمال كاترين في الانتساب إلى الجامعة ، والتحقت بوظيفة في أحد المكاتب ، بينما كانت تتدرب على أعمال السكرتارية في معهد ليلي 0
أما السيد مالوري ، فقد قبل بالفعل عملاً آخر في جنوب إفريقيا 0 وترك ابنته كاترين مسؤولة عن المنزل الذي استأجره في هامر سمث 0
استمرت فالنتينا في دراستها ، لكنها عندما بلغت السادسة عشرة من العمر ، طلبت من أختها أن تأذن لها بالعودة إلى المنزل 0 ولما لم يبد الوالد اعتراضاً على ذلك ، وافقت كاترين على طلبها مضطرة 0
أحست كاترين أن تلك الموافقة كانت أكبر غلطة اقترفتها 0 وهذا ما تأكدت منه الآن فإن فالنتينا لم تستطع أن تضبط نفسها في تصرفاتها 0وكانت تتجاهل نصائح أختها وتوجيهاتها 0كما تجاهلت رجاءها عندما طلبت إليها أن تجد وظيفة مناسبة تثبت فيها بدل الاستمرار في التنقل من عمل غير مناسب إلى آخر 0فقد عملت في الملاهي ، وأماكن المراهنة ، ومع فرق الديسكو 0وقضت قسطاً كبيراً من وقتها في مصاحبة جماعة من المراهقين الذين لا هم لهم في الحياة إلا العبث ، ولا يشتهرون إلا بخصلات شعرهم المتهدلة ، ومظهرهم الشائن 0
نسيت كاترين عدد المرات التي دعيت فيها لتستمع إلى شكاوى مخدومي أختها ، فتسوي الخلاف بينهم 0 حتى اضطرت أخيراً أن تكتب لأبيها بعد أن فاض بها الكيل 0 وطلبت منه أن يستدعي فالنتينا إليه 0
عندئذ وافقت فالنتينا على أن تجرب مهنة التمريض 0 ولما مضى عليها ستة أشهر كطالبة في مستشفى سانت ماري ، أظهرت خلالها حباً لهذه المهنة ، أحست شقيقتها بشيء من الراحة ، وهي تأمل أنه جاء الوقت لتصبح فيه الأخت الصغرى أكثر تحملاً للمسؤولية 0
كانت فالنتينا قد بلغت الثامنة عشرة من العمر ، عندما تعرفت إلى شاب يسمي غلين فريزر ، ، و اطلعت أختها على ذلك 0
سعدت كاترين لأن أختها كما يبدو عزمت على الاستقرار ، إلا أنها كانت قلقة في الوقت نفسه لما يخالجها من الشك في نهاية تلك العلاقة 0لم تلتق كاترين بغلين فريزر مطلقاً 0 وكل ما أخبرتها عنه أنه شاب كندي وطالب في مدرسة لندن لعلم الاقتصاد 0
ترى ما الذي حدث ، كي تهتف لها في الساعة التاسعة والنصف صباحاً وتطلب رؤيتها بإلحاح ؟ من الجلي أن كارثة جديدة وقعت 0
قالت كاترين مستوضحة :
(( لماذا تريدين رؤيتي ؟ إن كان الأمر هام ، أخبريني به الآن لأرى ماذا أفعل ))
((لا أستطيع أن أخبرك على الهاتف ، كاترين أرجوك ، يجب أن تحددي لي موعد اليوم ن إن عملي يبدأ في الساعة الثامنة مساءً 0))
أحست كاترين بشيء من الارتياح إذن فالنتينا لم تفقد عملها على الأقل المشكلة لا تتعلق بالمشفى ، وأية مشكلة أخرى لن يكون لها هذا المستوى من الأهمية ، حتى تلح عليها أختها هذا الإلحاح ، وتصر على أن تراها اليوم ، إذن إلى الغد 0
قالت كاترين :
((فالنتينا 000))
قاطعتها فالنتينا من غير أن تترك لها أي مجال للكلام :
(( كاترين أرجوك ))
استسلمت كاترينا كما تفعل دائماً ، وقالت :
((ماذا عن وقت الغداء ؟ يمكنني أن أدبر أموري وأكون عندك قبيل الواحدة ، فهل هذا مناسب لك))

جابت فالنتينا بحماس :
(( آه نعم))
((ولكن ألا تريدين أن تأخذي قسطاً من الراحة ، طالما ستعملين في الليل ))
((في الليلة الماضية كانت عطلتي ، سأراك في الواحدة))
قالت ذلك ووضعت السماعة مباشرة ، قبل أن تغير كاترين رأيها 0
بقيت كاترين مشغولة بالتفكير طيلة الصباح ، لماذا تريد فالنتينا مقابلتها وبهذه السرعة ؟!! وبهذا الالحاح ؟!! وأخذت تتذكر ، كم مرة اتصلت بها لتقترض منها بعض المال ، أو لتسدد عنها قيمة الفواتير المتأخرة ، أو لتخرجها من بعض المآزق التي تزج نفسها فيها ، ولكن من الواضح أن هناك ما هو أكثر أهمية من ذلك كله !!! وكم تمنت أن تكون مخطئة في حدسها ، ولا تكون أكثر المشكلة من طلب تسديد دين بسيط لم تستطع فالنتينا دفعه 0
كانت السماء ملبدة بالغيوم ، والمطر ينزل غزيراً وقت الظهيرة ، غادرت كاترين المكتب الذي تعمل سكرتيرة فيه 0
ولما لم تتمكم من الركوب في أية سيارة نقل عامة من شدة الازدحام اضطرت إلى السير مسافة غير قصيرة تحت زخات المطر المتواصلة ، لتبلغ القطار الذي يتجه إلى بالهام قرب محطة مستشفى سانت ماري ، وما إن وصلت إلى القطار ، حتى كانت قد تبللت من رأسها إلى أخمص قدميها 0
عندما نزلت في بالهام ، كانت لا تزال أمامها مسيرة عشرة دقائق لتصل إلى المشفى 0وكانت ساعتها تدل على الواحدة والربع ، وهذا يعني أنها قد تأخرت المحدد ربع ساعة عن الوقت المحدد ولا شك أنها ستجد أختها تنتظرها عند البوابة الكبيرة ، حيث سبق والتقت بها في المناسبات القليلة التي زارت فيها المشفى 0
وهناك وفي المكان نفسه رأت أختها تقف بانتظارها كئيبة , واهنة العزيمة ، ترتدي بنطال وسترة من الفرو تتصل بقلنسوة تغطي رأسها ، ورأتها فالنتينا فأسرعت لملاقاتها بوجه شاحب قلق يثير الشفقة والريبة في ذات الوقت 0
كانت الأختان على الرغم من تباين عمريهما تتشابهان في الطول ، وتتشابهان أيضاً في لون الشعر ، إلا أن فالنتينا كانت أكثر نحولاً وأقصر شعراً 0
(( شكر لك على مجيئك ))
بدأت الصغرى الحديث ، وهي تتأبط ذراع أختها ، ووجهها الذي يعلوه الخوف ينطق بحقيقة ، لا يمكن التكهن بها في بضع دقائق 0
ولما لم تجبها كاترين ، تابعت :
((دعينا نذهب إلى المطعم ، حيث نتناول شيئاً من الطعام))
ترددت كاترين هنية ، ثم سارت إلى جانب أختها دون أية كلمة 0 كانت تفضل لو أنهما تتناولان فنجاناً من الشاي وقطعة من الجبن وبعض الخبز في غرفة فالنتينا ، في بيت الممرضات 0حيث يمكنهما التحدث بجدية ، ولكن طالما هذه هي رغبة أختها ، فلتذهب معها أينما شاءت 0
استمرت فالنتينا في الحديث بصوت ضعيف :
((ماهذا الطقس اليوم ؟ كنت أخشى ألا تأتي ، يا الهي !! أي ورطة أوقعت نفسي فيها ؟ ))
لم تعلق كاترين على كلامها واستمرت صامتة ، فقد حالت شدة الزحام دون ذلك ، ولما أخذت كلاً منهما شطيرة جبن وكأساً من الشراب ، واختارتا زاوية هادئة ، وقفتا فيها 0 تكلمت كاترين :
(( تعالي ، ما الذي حدث ؟ إنك تبدين كأنك لم تنامي منذ أسبوع أو أكثر ))
أخذت فالنتينا نفساً عميقاً ، وتناولت جرعة من الشراب وقالت :
(( أجل ، أشعر أنني كذلك ، آه ن كاترين ، أنه شيء مريع لا يمكنك أن تتخيلي !! أنه غلين لقد أصيب بجراح!!))
اضطربت كاترين قليلاً ، ولكن هان الأمر عليها طالما المسألة تتعلق بغلين وليست فالنتينا ، وسألت :
((ماذا حدث ؟ وكيف حدث ؟ ))
تنهدت فالنتيتا تنهيدة عميقة وقالت :
((هو لا يزال في حالة غيبوبة ، بلا حراك ))
تجهم وجه كاترين من المفاجأة ن وقالت :
((هل تعنين أنه أصيب بحادث ؟ حبيبتي فالنتينا ، تماسكي قليلاً ، وأعلميني الخبر بالتفصيل ))
ابتلعت فالنتينا ريقها ، وقالت :
((نعم ، يا الهي ، هناك حادث!))
(( حادث سيارة ؟))
هزت فالنتينا رأسها ، أما كاترين فقد بللت شفتيها الجافتين بطرف لسانها ، لقد سبق وأخبرتها أختها أن غلين يملك سيارة سباق سريعة ، كما أخبرتها عن قيادته المجنونة دائماً ، ومع ذلك فإن المهم في نظرها أن فالنتينا لم تصب بأذى 0
أضافت :
((أين هو الآن ؟))
أغمضت فالنتينا بصرها وقالت :
((أين هو ؟ في المتشفى طبعاً ، في أي مكان آخر تتوقعين ؟))
((في المتشفى ؟ بالتأكيد ليس مشفى سانت ماري ))0
(( لا ، هو في مشفى جود ن أخذوه إلى هناك بعد الحادث ))
بدأ الخوف في عينيها وتابعت :
((يا الهي كم كان منظره يبدو مخيفاً ، ظننت في بادئ الأمر أنه مات ))
وضعت كاترين يدها على ذراع أختها بحنان ، وقالت :
((مسكينة فالنتينا ، ليس الغريب أن تكوني على هذه الحالة ، ولكن كيف هو الآن ؟ أعني هل يتوقع الأطباء شفاءه ؟ ))
صاحت فالنتينا بعنف :
((يجب أن يشفى ، نعم يجب أن يشفى ، وإلا فإني لا أدري ماذا سأفعل 000))
لم يسبق أن رأت كاترين أختها على مثل هذه الحالة من الهيجان والقلق ، فقالت تحاول تهدئتها :
(( لا تضطربي ن سيشفى بكل تأكيد ن فالأطباء يستطيعون فعل المعجزات في هذه الأيام ))
((نعم هذا صحيح))
((اخبريني ، متى حدث ذلك ؟ أقصد الحادث ، لماذا لم تتصلي بي حينما سمعت الخبر ؟))
نظرت فالنتينا إلى أختها شاحبة مشدوهة وتمتمت :
((سمعت!!))
قالت كاترين بلطف :
((سمعت عن الحادث ؟ متى عرفت ؟ يبدو أنه الليلة الماضية ، هل علم أهل غبين بذلك ؟ أني أتوقع أنهم 0000))
قاطعتها فالنتينا وعيناها تتطلعان بقلق ، والكلمات تخرج من بين شفتيها كلمة تلو الأخرى ، وكأنها تجاهد في إخراجها :
(( آه ، إنك لم تفهمي شيئاً أختي ، أنا لم أسمع بالحادث ، أنا كنت هناك ، كنت معه ، لقد كانت غلطتي !! ( وتابعت باكية ) ألم تفهمي بعد ؟ الحادث حصل الليلة الماضية ن ليلة عطلتي ، وأنا التي كنت أقود السيارة ))
تكلمت كاترين لاهثة :
(( أنت ؟ لكنك لا تحملين إجازة قيادة!!))
أشاحت فالنتينا بنظرها وهي تقول :
(( ليس هذا هو المهم الآن ، ليس هذا ما أحاول أن أخبرك إياه ، آه كاترين ، ماذا يمكنني أن أفعل ؟ من الممكن أن يموت غلين وإذا حصل ، فأنا التي سيقع عليها اللوم 0))
أحست كاترين بالغثيان ، لم تعد قادرة على الوقوف ، القت الجزء الباقي من السندويش من يدها على صينية بجانبها ن ودون أن تفوه بأي كلمة 0
امتلأت عينا فالنتينا بالدموع وهي تتابع ك
((ألا تستطيعين أن تقولي شيئاً ؟ ألا تستطيعين أن تقولي على الأقل أنك فهمت ؟ يا الهي !! كاترين ، إذا لم تساعديني فمن غيرك يفعل ؟ أختاه 00أني خائفة , خائفة جداً ))
وضعت كاترين الكأس على الصينية ن وفركت يديها ببعضهما ، ثم تمتمت بضعف :
(( يجب أن تمهليني بعض الوقت ، يا فالنتينا ، فلا أعرف ماذا أقول ))9 تمتمت فالنتينا وهي ترتجف :
(( أمهلك ؟ كاترين أنني لم أنم ليلة أمس ، حتى ولم أتمدد على فراشي ن لقد بقيت أهيم على وجهي بالطرقات عدة ساعات ن منهوكة القوى ، ومع ذلك لم أستطع العودة إلى مشفى سانت ماري ))
قاطعتها كاترين :
(( انتظري لحظة ؟ ماذا تعنين مشيت عدة ساعات في الطرقات ؟ !! لقد قلت أن غلين أخذوه إلى المتشفى بعد الحادث ))
((نعم هو كذلك فأنا التي اتصلت من أجل سيارة الإسعاف ))
((ولم يطلبوا منك مرافقتهم ؟ أعني الشرطة ن لا بد أن الشرطة كانت هناك ، ألم يطلبوا منك تقديم إفادتك ؟!))
أحنت فالنتينا رأسها والألم يعصر قلبها ، وقالت :
((الأمر ليس كما تظنين ، عندما وقع الحادث لم يكن هناك أحد في المكان ، آه أنا لا أعرف كيف حدث هذا ، كنت أقود السيارة وأنا في غاية الفرح والسرور ، وإذ بقطة تقفز أمامنا ، صاح غلين توقفي ،و لكن على غير وعي مني ، وفي حركة عكسية ضربت قدمي دواسة البنزين ، فارتطمت السيارة بعامود الكهرباء ))
((آه ، فالنتينا !!))
((لقد كان حادثاً مريعاً ، لا بد وأن رأس غلين أرتطم بالنافذة رأيته مغطى تماماً بالدم ، فتملكني رعب شديد ، ولم أكن أفكر في شيء ، إلا أن ابتعد عن مكان الحادث بأي طرقة خوفاً من أن يراني أحد ، أو يشهد علي أحد ))
((انتظري لحظة ، قلت أنك اتصلت هاتفياً بنفسك ، من أجل سيارة الإسعاف 000))
(( نعم 00نعم ، من هاتف عمومي قريب اتصلت وفررت هاربة 00))
ذعرت كاترين مما سمعت ، وصاحت :
((فالنتينا!!))
فالنتينا أخذت تعبث بخصلات شعرها بحركة عصبية لا إرادية ، ثم قالت :
(( ماذا ؟ ما الذي كان يمكنني عمله ؟ لقد أخبرتك ، كان منظره مريعاً ، لم استطيع البقاء ، هل كنت تتوقعين مني أن أنتظر حتى تأتي الشرطة ، وتلقي القبض علي ؟))
تناولت كاترين بقية شرابها ، وهي تجمع شتات أفكارها وحاولت أن تتكلم بهدوء :
(( فالنتينا ، الشرطة ستعرف أجلاً أو عاجلاً أن هناك شخص آخر كان مع غلين ، وأن هذا الشخص هو الذي كان يقود السيارة ، فدعينا نواجه الحقيقة ، أنت أول المشبوهين ، فأنت صديقته ، ولا بد أنه أطلع أصدقاءه على ذلك))
قاطعتها فالنتينا :
(( لا ، لا كان الوقت متأخر ، ولم يرني أحد من أصدقائه معه ، كنا في طريق العودة إلى المتشفى ، واتخذنا الطريق الجانبية ، حتى أتمكن من القيادة ، ولولا ذلك ، لكان بإمكانه أن يوصلني خلال هذا الوقت ، وأن يكون في طريقه عائداً إلى شقته ))
قالت كاترين بحزم :
((ولكنه لم يفعل ، فالنتينا واجهي الحقائق ولو لمرة واحدة ، لم لا تكوني واقعية ؟فإن غلين لم يكن أمام المقود))
((لن يعرف أحد ذلك))
(( ماذا تعنين ؟؟))
هزت فالنتينا رأسها وقالت :
((أخبرتك أن رأس غلين ارتطم بزجاج النافذة الذي تحطم ، فسحبت رجليه أمام مقعد القيادة ))

((يا الهي !!! أحسبك قلت أنك مذعورة؟! ))
كان صدر فالنتينا يعلو ويهبط بسرعة كبيرة وهي تقول :
(( نعم كنت مذعورة ، كنت أرتجف رعباً ، ولا يمكنك أن تتخيلي ما كنت أحس به هناك ، في الظلام الرهيب ، وأنا أعلم أن غلين قد يموت بين لحظة وأخرى ))
زفرت كاترين بقلق قائلة :
(( هل تدركين ، أنك ستتهمين بجريمة قتل عن غير قصد ؟ ( وتابعت صارخة ) كيف فعلت ذلك ؟ كيف فعلت؟!))

وضعت فالنتينا يديها في جيبها ، وتلفتت حولها بقلق وهمهمت :
(( يمكنك أن تتكلمي كيف شئت ، فأنت لم تقعي في مثل هذه المتاعب من قبل ، لا شك أنك لم تحبي أحداً ، حتى ولا سيمون ، أنا متأكدة من ذلك أيتها المتكبرة المتزمتة ))
وضعت كاترين يدها على ذراع أختها تهدئها ، وقالت :
(( لا يمكنك أن تكسبي عواطفي بالتعرض إلى سيمون ترافس ، فسيمون صديق حميم ، وأنت تعلمين أنني معجبة به ، ولكني لا أعرف ما سيكون شعوره عندما يعرف القضية ))
لم تفارق علامات الخوف والرعب وجه فالنتينا ، وهي تعلق على كلام أختها :
((معجبة ، ما أروعها من كلمة تستعملينها عن الرجل الوحيد في حياتك ))
تجاهلت كاترين كلام أختها الأخير ، فالمسألة الآن أخطر من أية مشكلة سبق وأوقعت فالنتينا نفسها فيها ، ولكنها هي الأخرى لا تعلم بماذا تنصحها ، فهل من الخير أن تقنعها بالاعتراف ؟ وهل اعترافها سيساعد غلين على الشفاء ؟
بالتأكيد لا ، أو تسمح لأختها بالهرب من وجه العدالة ؟ في أية حال ، هناك حقيقة واقعية لا يمكن لشيء أن يغيرها ، فالنتينا هي التي كانت تقود السيارة ، وكلاهما كانا لا مباليين ، فإذا توفي غلين فإن أختها هي المسؤولة ، وعليها أن تتحمل وزر عملها ، ولكن إذا شفي غلين ، فما فائدة تقديمها للعدالة ؟ وتكفيها هذه التجربة التي تمر بها عقاباً لها وعبرة ، فلعلها لا تعود في المستقبل إلى مثل هذه الأعمال الطائشة 0
فالنتينا كانت تراقب أختها بفارغ الصبر تنتظر منها حلا ينتشلها من هذا المأزق الذي وقعت فيه ، ثم قالت :
((هل تريدين كأساً آخر من الشراب ؟))
((لا ، شكراً يجب أن أذهب حلاً ))
أمسكت فالنتينا بأختها تحتجزها وقالت :
(( إلى أين ؟ لم أسمع رأيك حتى الآن !!))
((رأيي ؟ فالنتينا كيف عرفت أن غلين لا يزال في غيبوبة ؟ هل اتصلت هاتفياً بالمشفى تسألين عنه ؟ ))
((لا ، هم اتصلوا بي ))
رفعت كاترين حاجبيها باستغراب ودهشة وقالت :
((اتصلوا بك ؟))
هزت فالنتينا كتفيها :
((نعم هم اتصلوا بي ، إنها حقيبتي ، لقد نسيت حقيبة يدي في السيارة هل تتصورين ذلك ؟ ))
((فالنتينا!))

(( من أجل هذا أردت أن أراك ، أريد منك فقط أن تقولي لهم أني أمضيت الليلة في شقتك ))
دب الهلع في قلب كاترين وبدا الشحوب على وجهها ، وقالت وشفتاها ترتجفان :
((لكن 00لكن لماذا ؟ ماذا يفيدك ذلك ؟))
(( أسمعيني كاترين ، إن شقة غلين ليست بعيدة عن المتشفى كما أعلمتك ، وأريد أو أوهمهم أنه أوصلني إلى شقتك أولاً ، ثم تابع طريقه قاصداً منزله))
((لماذا أوصلك إلى شقتي ، وليس إلى المتشفى ؟ ))
قالت فالنتينا بفارغ صبر :
(( أوه كاترين ، ما بك ؟ يجب أن أثبت لهم أني كنت في مكان آخر وقت وقوع الحادث ، أخبرتك بما جرى ، فقد سرت في الطرق بضع ساعات أهيم على وجهي ، ولم أعد إلى المتشفى إلا في الصباح ، حيث اكتشفت أنهم يبحثون عني ، فماذا تردين مني أن أقول لهم ؟ وما عساي أن أقول ؟))
أخيرا فهمت كاترين كل شيء ان أختها لم تكن لتفضي بسرها لولا أنها أخطأت بترك حقيبتها في السيارة ، ، وكالمعتاد فهي تريد منها أن تجد لها حلاً 0 ثم سألتها ببرود :
(( ماذا قلت لهم ؟ ))
أجابت فالنتينا صارخة :
(( أخبرتهم إني كنت معك في شقتك ماذا يمكنني أن أقول غير ذلك ؟))
ردت كاترين بغضب :
(( إذا أنت لا تطلبين مساعدتي ن بل تخبرينني بما يجب أن أفعله؟))
(( لا ليس الأمر كذلك كاترين ))
((ما هو إذن ؟))
خفضت فالنتينا من صوتها وقالت بشيء من الاستعطاف :
((كاترين لا يمكنك أن تتخيلي ما أحس به ، كان يجب أن أجد سبباً منعني من النوم في بيت الممرضات تلك الليلة ، هل كان بإمكاني إخبارهم الحقيقة ؟ 000ساعديني إنه شيء بسيط !!))
((شيء بسيط !! وإذا مات غلين ، ماذا سيحدث ؟ تجعلين مني شريكاً في الجريمة ، لأني تسترت عليك ؟))
(( لا لن يموت 000))
(( آمل ذلك ، لأنه إذا مات ، لن أقف جانباً وأتركك تفلتين من العقاب))

****************

عادت كاترين إلى مكتبها بعد الظهر ، وكان من الصعب عليها أن تركز تفكيرها في نقطة معينة ، فقد كان رأسها يضج بالأمور التي أخبرتها بها فالنتينا ، كان من الصعب عليها أن تصدق أن أختها ألقت بنفسها في مثل هذه الورطة الكبيرة ، وعجبت كيف يمكن أن تكون ÷ي وفالنتينا أختين ومختلفتين إلى هذا الحد / أنه منذ تركت أختها المدرسة ، وهوة سحيقة تفصل بين طباعهما وتصرفاتهما لآ يمكن اجتيازها 0
السيد جورج يات مديرها الحالي ، رجل متوسط السن ، سريع الغضب ولكنه رجل أعمال ناجح ن ومعجب بعملها إلى حد كبير فهي سكرتيرة جيدة ن لا تعتمد على أحد ، ويمكنها أن تقوم بالعمل وحدها إذا اقتضى الأمر 0
كان السيد جورج مصاباً بقرحة في معدته ويعاني منها الكثير ، وحتى الدواء لم تكن تفغل كاترين عن إعطائه إياه عندما يحس بالألم ن ولكن بعد ظهر ذاك اليوم ن كانت قلقة شاردة الذهن ، مما أثار المدير وجعله يصيح بها :
((ما بك كاترين ؟ هل تحاولين إغضابي ؟ لقد طلبت منك مرتين أن تناوليني ملف السيد ماكودونالد ن ولكنك وبكل بساطة تجاهلت طلبي!))
(( إني آسفة ، سيد جورج ن إني أشعر بصداع ، وهذا كل ما في الأمر ))
أجابها وعدم الرضا باد في عينيه :
(( إن الألم الذي أعانيه من معدتي ، يكاد يمزقني فهل هذا يعني أن أتخلف عن إتمام أعمالي ، وأقول إني أحس بشيء من الألم ، وهذا كل ما في الأمر ؟ ))
حاولت كاترين أن تقول شيئاً ولكنها لم تستطع ، واكتفت بإيماءة من رأسها ، محاولة أن تركز انتباهها على ما يمليه عليها ، لم يكن ذاك بالأمر السهل ، وكم كانت تتمنى ألا يتذكر السيد جورج كل كلمة أملاها عليها عندما يراجع اختزالها 0
كانت مدة اجتماع المجلس قصيرة هذه المرة ، وتنفست كاترين الصعداء عندما وجدت نفسها خارج المبنى ن وسيارة سيمون بانتظارها في مرآب الموظفين 0
كان قد انقطع المطر ، وتلاشت الغيوم ، وانقلب الجو فجأة كأنما الربيع حل معتدلاً لطيفاً ، أمسية من أمسيات نيسان الجميلة ، وأنوار المدينة تتلألأ في كل مكان ، تدحر الظلام وتضيء جميع الشوارع المعتمة 0
حياها سيمون بلمسة لطيفة ، عندما جلست إلى جانبه داخل السيارة وردت عليه التحية بأحر منها 0
هز سيمون رأسه وهو يتفحصها ، ثم قال :
((تبدين شاحبة اللون ، ما بك ؟ هل كان السيد جورج عصبياً مرة أخرى ؟))
أدارت كاترين وجهها بحركة من كتفها تدل على عدم رغبتها الخوض في أي موضوع ، وقالت :
((دعنا من هذا الآن , ولنذهب أني أكاد أموت من الجوع ))
وراحت في شرودها ، فالطعام آخر ما كانت تفكر به ، أما سيمون فقد حرك مقود السيارة ن وهو يحاول أن يلفت انتباهها بحديثه ، فقال :
((بالمناسبة ، لقد قطعت تذكرتين لحضور الحفلة الموسيقية ، التي ستقيمها فرقة بارتوك ،يوم الأحد أنا أعلم أنكل لست كثيرة الحماس لهذا الموضوع ، ولكنك في أي حال سوف تستمتعين ولو لبعض الشيء))
كانت فكرة حضور حفلة موسيقية بالنسبة إليها في هذا الوقت ، كفكرة تناول الطعام تماماً ، لاحظ سيمون تغير في هيئتها ، وكذلك في تصرفاتها ، فتابع قائلاً :
(( ما الأمر ؟ ما بك كاترين ؟ يبدو أن أعصابك متوترة ونظراتك شاردة ، هل هناك ما يقلقك ؟))
تظاهرت كاترين بالابتسام ، وقالت :
((لا ، ليس هناك أي شيء سيمون ، ولكني متعبة فقط))
((لا أظنك غاضبة مني بسبب يوم الأربعاء الفائت ، فقد كان لدي الكثير من العمل ))


((آه000لا طبعاً لا))
كان سيمون ناجحاً كمدرس ، وليس خطأه أن تأخذ والدته من وقته الكثير ، فهي أرملة متقدمة في السن ، وكانت كاترين تفكر بما يمكن أن يحدث لهذه المرأة ، لو أن سيمون قرر الزواج وأراد أن يستقل عنها في حياته ، لعلها تريد من زوجته أن تسكن معها ، ولكنها هي ، كاترين لا يمكن أن تشاطر والدة سيمون منزلها ، فالسيدة ترافس ستقف بلا شك في طريقها ، ولن تسمح لأي امرأة أياً كانت أن تغتصب مكانتها من عواطف ولدها 0
وتابع سيمون حديثه وهو يقود السيارة :
((أنت تعرفين الأمهات ، فهي تكره أن ترى البيت تعمه الفوضى ، وكان علي أن أساعدها في ترتيبه وتنظيفه ، وقد استغرق ذلك وقتاً طويلاً ، أما الآن وقد انتهيت من ذلك كله سيكون لدينا متسع من الوقت لنقضي أمسياتنا معاً ،))
حاولت كاترين أن تخفي ما بها خلال حديث سيمون ، فلم يكن لديها أي استعداد لتفضي إليه بشيء الآن ، يجب عليها أن تفكر ملياً بالأمر وتقلبه من جميع جهاته أولاً 0
ذهبا إلى أحد المطاعم ، وكان الطعام الصيني الذي قَدم لهما أحب الأطعمة إلى كاترين ، ولكن في هذا المساء لم تأكل إلا قليلاً ، وقد لاحظت أن سيمون انتبه إلى ذلك ، وجميع محاولاتها لتخف اضطرابها عنه ذهبت سدى 0
وعندما صارا في طريق العودة إلى منزلها ، نظر إليها سيمون نظرة مليئة بالشك وقال :
(( هل أنت متأكدة يا عزيزتي ، أنك لست مستاءة مني ؟ أرجوك ، صارحيني فأنا لا أحب أن تضمري شيئاً من جهتي في نفسك))
رفع سيمون يده عن المقود ، وربت على يدها بحنان ورقة ، وتابع :
(( بالحقيقة ، حان الوقت الذي يجب أن نفكر فيه بالمستقبل ، بمستقبلنا يا 0000))
شعرت كاترين بارتباك ، وقاطعته :
((ليس الليلة ، سيمون إني متعبة جداً ، وأظن أنني سأبقى في الفراش حتى ظهر الغد ))
أوقف سيمون السيارة أمام البناء الذي تشغل كاترين إحدى شققه ، وقال :
((لن ألح عليك الليلة ، ولكن لا تتوقعي ذلك مني في الغد))
تصنعت كاترين ابتسامة باهتة :
((شكراً سيمون ))
((ألا تدعينني إلى فنجان قهوة ؟ ))
((لا ، ليس الليلة ))
ربت على كتفها بحنان قبل أن تنزل من السيارة ، وقال :
(( إذن سوف أوصلك إلى باب الشقة ))
((ليس هذا ضرورياً ، فالساعة ما زالت العاشرة والنصف ، والناس ما زالت تغص بهم الطرقات ))
((لا بأس أريد أن أتأكد بنفسي من وصولك سالمة إلى البيت ، هيا أسرعي فقد تغير الطقس وأصبح بارداً ))
لم يكن مظهر المبنى من الخارج جميلاً ، ولكن الشقة من الداخل كانت مقبولة ومرتبة في تناسق جميل ، وهي مؤلفة من غرفتي نوم وغرفة جلوس وأخرى للمكتبة وبقية المرافق من مطبخ وحمام ، كانت فالنتينا تشاركها غرفة النوم عندما كان والدهما يعيش معهما ، ولكن بعد رحيله إلى جنوب أفريقيا ، حلت الصغرى محله ، ونقلت جميع حاجياتها إلى غرفته 0
دخلا المصعد ، فارتفع إلى الطابق السادس ، وكان باب شقتها مواجهاً لباب المصعد ، لا يبعد عنه إلا بضع ياردات ، قالت كاترين :
((سيمون ، حتى هنا يكفي ، لا تتعب نفسك ، ليس هناك ضرورة لذلك ، سوف أراك غداً ))
(( لا بأس ))
أجاب سيمون وفي صوته نبرة أسى ، وكأنه يتوقع أن تغير رأيها وتدعوه لتناول فنجان من القهوة في اللحظة الأخيرة ، لكن هذا لم يحدث 0فكاترين كانت بحاجة لأن تكون بمفردها قالت :
((أسعدت مساءاً ، سوف أراك غداً ))
شد على أصابعها قبل أن يتركها وقال :
(( مساء سعيد ، احبك))
إلى جانب قلقها على أختها ، لم تكن كاترين متأكدة من مشاعرها نحو سيمون ، أنه بالنسبة لها ليس أكثر من صديق ، أما الحب بحد ذاته ، فهو شعور تعلمت خلال حياتها كيف تعيش من دونه ، أحبت أبويها ، أحبتهما بعمق ، ولكنهما وضعاها في مدرسة داخلية بعيدة عن عنايتهما ، بعيدة عن الشعور بالاطمئنان في ظلهما ، وبعدما توفيت والدتها ، ظنت أن أباها سيعيش معهما ويرعاهما ، ولكنه آثر أن يسافر إلى جنوب افريقيا ويبتعد عنهما ، أما الآن فإن فكرة منح رجل حبها غير واردة في ذهنها 0
سارت نحو باب شقتها ، ويدها في حقيبتها تبحث عن المفتاح :
((آنسة مالوري ؟))

نغمة غريبة أثارت أعصابها ، وبحركة آلية استدارت وهي تمسك بحزام حقيبتها تستعدلاستعماله في الدفاع عن نفسها ، إذا اقتضى الأمر ، رأت رجلاً غريباً طويل القامة يقف وراءها مباشرة ، الرجل دعاها باسم عائلتها فلماذا ينبهها إلى حضوره ، لو كان يريد بها شراً ؟!!
من المؤكد أنه ليس لصاً ، ولكن المجرمين عادة مقبولو المظهر ، لا يدل ذلك على حقيقتهم ، لقد قرأت ذلك ، وسمعت أيضاً ، لا شك في المجلات والتلفزيون فإنهم دائماً يحذرون النساء من الغرباء ، وهذا الرجل غريب ، كان أسمر اللون جذاب الهيئة ، وليس هناك سبب يجعلها تشك في أمره ، وسألت خائفة :
(( ماذا تريد ؟ ))
((آنسة مالوري ، أنا لست لصاً أو مجرماً ، وأني آسف لأني أثرت فيك الرعب ، ولكني حسبت أنك سمعت وقع خطواتي ))
كان جسمها يرتجف وهي تجاهد لكي تبدو هادئة ، وتريد أن تقول أي شيء لكسب الوقت ، لعل أحد السكان يخرج إلى الممر ، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ، والمصعد الذي سمعت حركته تجاوزها إلى الطابق الأعلى ، وبقيت وحيدة أمام هذا الرجل ، الغريب ، دون أمل بمساعدة من أحد ، ومع ذلك كان يجب أن تقول شيئاً ، فأجابت :
(( حسناً أنا لم أسمع ، ولم أتوقع زواراً في مثل هذا الوقت والساعة الحادية عشرة من الليل ))
(( أنا أ‘لم ذلك ، وأني لآسف ، ولكني بحاجة إليك آنسة مالوري ، والآن هل يمكن أن تدعينني للدخول ؟ أم تفضلين أن أبقى هنا لأقول ما جئت من أجله ؟ ))
((انتظر لحظة 000))
وقالت في نفسها ماذا يفعل هذا الرجل هنا ؟ وبأي حق يحسب أنه يمكن أن يبادلها الحديث ؟
((اسمي جيرد فريزر ، أظن أن هذا الاسم قد يعني شيئاً بالنسبة إليك ، أنا عم غلين فريزر ، وجئت لأعرف تفسيرك لهذه اللامبالاة التي تبدينها ، بينما ابن أخي يموت بسببك))
2) هروب شائن


((بسببي ؟!! هذا ليس صحيحاً !))
أجابت كاترين ألياً وقد أحمر وجهها الشاحب عندما سمعت كلامه 0
نظر السيد فريزر إليها شرزاً وقال :
(( إذن لماذا لست في المتشفى ؟ على الأقل للتظاهري أنك مهتمة بحياته ))
((بالطبع أنا مهتمة ، مهتمة كأي شخص آخر ))
(( أي شخص آخر ؟!! ماذا تعنين بكلامك هذا ؟!))
(( أٌصد ، أي شخص 00آه ، أظن أنه من الأفضل أن تدخل ، أنت مخطئ يا سيد فريزر ، أنا لست من تظن !! أنت تحسبني فالنتينا أختي ؟ أنا كاترين ))
((كاترين ؟!))
وعندما فتحت الباب ، دفعها بعنف للداخل ، وأغلق الباب خلفها ، وقال :
(( أنت تكذبين ))
كانت أصابعه الحديدية تمسك ذراعها وتضغطها نحو الحائط بقوة ، وهو يتابع :
(( الأفضل أن تفكري في حيلة أخرى وبسرعة يا فالنتينا ، أنا قابلت شقيقتك كاترين عندما جئت إلى هنا بعد ظهر اليوم ))
(( أنك مخطئ ، ياسيد فريزر ، أنا كاترين مالوري ، ويمكنني إثبات ذلك ، والآن هل يمكن أن تترك ذراعي ، إنها تؤلمني كثيراً ))
لم يترك ذراعها ، كانت تخشى أن تحاول تخليص نفسها منه بالقوة ، فهي دون شك لا تستطيع ذلك ،انسدل شعرها حول وجهها الشاحب ، وعيناها الزرقاوات ، فهزت رأسها بلا حول ولا قوة ، بينما هو مستمر في إمساكها كسجينة ، وقال في لهجة الآمر :
((كرري ما قلت ثانية 0 ))
كانت قريبة منه جداً ، تحس بأنفاسه الحارة تلفح وجهها 0 أعادت كلامها متلعثمة :
(( قلت لك أنا كاترين مالوري ، ولا أعرف من رأيت بعد ظهر اليوم ولكن ليس أنا بالتأكيد ))
فأردف قائلاً :
(( قالت لي إنها هي كاترين مالوري ، وأن فالنتينا ليست في المنزل ، وعلي أن أعود في وقت لاحق ، من غير أن تحدد لي ساعة معينة ، لذا عدت في السادسة ، ومرة أخرى في الثامنة ، وهذه زيارتي الرابعة يا آنسة مالوري ، ولن أذهب قبل أن أعرف منك الحقيقة ))
ارتعشت كاترين عند سماعها هذا الكلام ، ولكنها أرادت أن تخفف من غضبه ، فعقبت قائلة :
(( سيد فريزر ، ليس المهم ما قيل لك ، الحقيقة تبقى أنني أنا كاترين مالوري ، ولست فالنتينا ، وأتمنى أن تتوقف عن النظر إلي كمتهمة بجريمة ))
(( ألست كذلك؟ ))
((لا ، بالتأكيد لا ، بحق 000اتركني ، أترك ذراعي ، لقد أسلت الدم منها ، فأنت أطول وأعرض وأقوى مني ، ولا أظنك على أية حال تخاف أن أتغلب عليك!))
أفلت الرجل أصابعة وعاد إلى الوراء ، ثم علق بخشونة :
((أنت رابطة الجأش آنسة مالوري ، كان يجب أن أتوقع ذلك ))
قالت كاترين في نفسها لا بد أن فالنتينا تكلمت معه ، ونجحت في خداعه ، لكن لماذا ؟ ما الذي تأمل أن تجنيه من وراء ذلك ؟ بفعلتها تلك زادت الأمور تعقيداً
ما يزال السيد فريزر واقفاً أمامها ، ينتظر منها تفسيراً ، رفعت بصرها إليه وقالت :
(( الأفضل أن تدخل ))
أنارت الأضواء ، وقادته إلى غرفة الجلوس ، لكن ما هذا الذي يحدث ؟ إنها لا تصدق 000ولكن ها هو الرجل الغريب ، الضيف الغير مرغوب فيه ، يجلس بكل حرية ، من غير تكليف على أحد المقاعد أمامها 0
أفرغت كاترين محتويات حقيبتها على الطاولة في حركة سريعة ، ثم التقطت من بينها بطاقة المصرف ، ودفتر الشيكات ، وألقت بها أمامه قائلة :
(( أظن أن هذه الأشياء توضح لك الوقف ، وتؤكد لك أني كاترين ، وإذا كنت تريد أدلة أكثر ، فإن سيمون ، الشاب الذي كان يرافقني هذا المساء سوف 00000))
ولكنها لم تستطع الاستمرار في الكلام أكثر من ذلك وأحست بالدموع حارة تنسكب من عينيها ، أدارت ظهرها نحوه ، تمسح دموعها ، محاولة أن تضبط أعصابها 0
شعرت بأنه كان يقلب الأدلة التي وضعتها بين يديه ، دون أن يسرع في الاعتذار ، وأخيراً قال :
(( نعم هذه هي الأدلة ، ولكنني لا أستطيع التشكيك في صحتها ، فلو كنت أريد أن أتظاهر بأني شخص آخر ، علي أن أتدبر أمري واهيء الأدلة اللازمة ))
استعادت رباطة جأشها وقالت :
(( آه ، إنك إنسان لا يمكن احتماله ، لماذا لا تريد أن تصدقني ؟ لماذا أكذب عليك ؟ ))
(( ولماذا تكذب أختك ؟ ))
برهة صمت مضت ، وقف السيد جيرد فريزر بعدها ، ومشى إلى الطاولة حيث وضع ما في يده ، ثم رجع إلى مكانه ، وهو يشكرها وقد بدا أقل عداء مما كان 0
لم تنكر كاترين بينها وبين نفسها أنه كان رجلا مزعجاً ، مزعج بظهوره المفاجئ ، وسلوكه العدائي ، لكنه يملك عينين سوداوين فوق وجه نحيل ينطق بالذكاء ، ووجنتين مرتفعتين وأنف بارز ، وفم بشفاه رقيقة ، هي لم تر غلين مطلقاً ، ولكن إن كان يشبه عمه فيمكنها اآن أن تعرف لماذا كانت فالنتينا تراه جذاباً إلى هذا الحد 0
أحست كاترين بالقلق أكثر من ذي قبل ، وساءلت نفسها لماذا أتى ؟ وماذا يريد ؟ ولماذا لم يقم والدا غلين بهذه الرحلة بدل عمه ؟
رفع جيرد فريزر خصلات شعره الأسود عن جبينه ، وقال :
(( حسناً ، لنفترض أنني قبلت بما قلت لي الآن ، وصدقت أنك كاترين ، هذا يعني أن فالنتينا هي التي تحدثت معي من قبل ن إذن أين هي ؟ ))
عضت كاترين على شفتيها وهي تقول :
(( في عملها بالتأكيد ))
(( هل تعنين أنها في المتشفى ، حيث هي طالبة تمريض ؟ لا ، إنها ليست هناك يا آنسة ))
(( ليست هناك ؟ ))
(( لا ))
وهز رأسه واضعاً يديه على صدره العريض ، أما كاترين فقد علت الدهشة وجهها وسألت :
((ماذا تعني بقولك لا؟!!))
((أين تظنين أني كنت هذا المساء ؟))
((ولكنها ينبغي أن تكون هناك ، هي أخبرتني أنها يجب أن تكون في عملها في الساعة الثامنة ))
ضاقت عيناه وهو يقول :
(( هل رأيتها ؟ ))
(( نعم ، رأيتها 0 ولكن ذلك في وقت الغداء ، عندما سمعت منها ما حدث 00كيف 00كيف حال غلين ؟ ))
(( إنه لا يزال في غيبوبة ، وقد قال الأطباء أنه قد يبقى كذلك بضعة ساعات أو بضعة أيام ، أنهم لا يعلمون حتى الآن إن كان قد أصيب بارتجاج في دماغه أم لا ))
تراخت رجلا كاترين تحتها ولم تعد قادرة على الوقوف إلا بصعوبة بالغة ، وأحست بأنها مريضة منذ مدة ،

وتابع حديثه:
(( لكن ما يدهشني ، كيف جعله سوء طالعه يرتطم بذاك العامود ، مع أن ابن أخي غلين سائق ماهر ن ولا يمكن أن يصاب بحادث مثل هذا من غير سبب )
((و ماذا 00ماذا قالوا لك ؟))
(( من ؟ الأطباء ، أم الشرطة ؟))
ألقت نظراته الرعب في قلبها وهو يقول :
(( لم تنته تحرياتهم بعد ، وهم يظنون أن شخصاً آخر كان يقود السيارة ، من الممكن أن تكون أختك ، فهمم يعلمون أنها كانت معه ذاك المساء ))
قالت كاترين :
(( أتمنى لو أستطيع مساعدتك يا سيد فريزر ))
(( يمكنك المساعدة وأنت تعلمين ذلك ، يكفي أن تدليني على مكان أختك 0 وهذا كل ما أطلبه منك ))
(( عندما تركتها بعد الغداء ، فهمت منها أنها ستذهب إلى المتشفى لترى غلين ، ولا يمكنني أن أتوقع غير ذلك ))
(( لكنها ليست هناك ، وليست في سانت ماري أيضاً000 ))
قالت كاترين بإصرار :
(( أنا لا أعرف أين هي الآن يا سيد فريزر ، أنا 00أنا أتمنى لو اعرف ))
(( السؤال الذي يحيرني هو ، لماذا تظاهرت فالنتينا أنها أنت؟ !!))
(( أظن أنها فعلت ذلك عندما أدركت من تكون 000))
(( كانت مذعورة ))
(( مذعورة ؟ أظن أنها كانت خائفة ))
(( خائفة ؟ ولماذا تخاف أن لم يكن هناك شيء تخفيه ))
(( آه ، أنا لا أعرف ))
زاد اضطراب كاترين حدة ، أولا اعتراف فالنتينا ، ثانياً مفاجأة لقاء هذا الرجل عند الباب ، ثم ما قاله لها 0 والواقع معرفتها بما فعلت أختها كانت كابوساً مريعا ً بالنسبة إليها لا تعرف متى ستفيق منه 0
فركت وجنتها بيد ، وهي تومئ بالأخرى له بالانصراف ، وتقول :
(( أظن أنه من الأفضل أن تمضي يا سيد فريزر ، إني آسفة لا يمكنني المساعدة ، ولكني متأكدة من أن فالنتينا ستشرح لك كل شيء عند عودتها ))
حملق جيرد فريزر فيها قائلاً :
(( حسناً ، إني ذاهب الآن ، وسوف أمضي الليلة في المتشفى ، أراقب حالة غلين ، وإذا عرفت شيئا عن أختك ، أكون شاكراً لو اتصلت بي هناك 0))
ثم فتح الباب الخارجي ، وقف لحظة ينظر إليها وقال بلطف ، لم تكن تتوقعه منه بعد عدائه السابق :
((أرجو أن تكوني بخير ، أنا آسف لأني كنت قاسياً معك ))
تراجعت كاترين في حركة لا إرادية عندما رفع يده ، ولكن كان ما فعله أن مسح بلطف دمعة عن خدها الساخن ، بأصابع بنية اللون خفيفة باردة 0
وقبل أن يمضي سألت :
((هل سيأتي والدا غلين إلى لندن ؟ ))
أجاب باقتضاب :
(( والد غلين كان أخي الأكبر ، وعندما توفي ، رعيت مصالح والدة غلين أرملة أخي ، كما قبلت دور الوصي على الابن ))
(( آه ن فهمت ، حسناً ، أسعدت مساءً يا سيد فريزر ))
((أسعدت مساءاً آنسة مالوري ))
استدار جيرد بكثير من الادب وخرج ، أغلقت الباب بعنف خلفه عندما سار باتجاه المصعد 00
عادت كاترين إلى غرفة الجلوس ، وهي ما تزال ترتجف ، جمعت محتويات حقيبة يدها ن وأعادتها إلى مكانها ، وأخذت تفكر بالأمور لا علاقة لها بالموضوع 0
كانت شقيقتها متواضعة المظهر 0 ولم تستطع إلا أن تفكر بماذا يمكن أن يكون رأي جيرد فريزر بها 0لا شك أن منزله فخم وعلى آخر طراز ، هذا ما يبدو من ثيابه وهيئته 0 رفعت كاترين يدها إلى رأسها في حركة عفوية ، ووجدت أن الدبابيس سقطت من شعرها ، وأنه محلول على كتفيها 0وتسألت ماذا يمكن أن يكون رأي جيرد فريزر أمام أناقة النساء الكنديات ، والأمريكيات ، اللواتي شاهدتهن في المجلات والتلفزيون 0أما هي فماذا عن عينيها المحمرتين ، وأنفها السائل ، وشعرها الذي يبدو كأنه لم ير فرشاة منذ بضعة أيام ، حتى قميصها الذي كان يبدو أنيقاً في الصباح فقد رونقه أثناء النهار 0
هزت رأسها وأطفأت أنوار غرفة الجلوس ، وذهبت إلى غرفة نومها .حانت منها التفاته إلى نفسها في المرآة ، فوجدت أن زينتها جميعها قد زالت عن وجهها 00قالت تعاتب نفسها بمرارة : ( ترى ألا يوجد لدي أمور أكثر أهمية من مظهري ، أفكر بها الآن ؟!! ترى في أي مكان على وجه الأرض توجد فالنتينا الآن ؟ وماذا ترجو من اختفائها ؟!!
اغتسلت كاترين بسرعة ، وارتدت قميص نومها ، وجلست أمام المرآة تسرح شعرها الحريري الذهبي الذي كان ينسدل على كتفيها حتى خصرها ، غزيراً ناعماً ، نظرت إليه بإعجاب ، فقد كانت تعتقد إنه أجمل شيء فيها ، متجاهلة جمال عينيها الواسعتين البنفسجيتين 0
ومرة أخرى أنبت نفسها ، عضت على شفتيها بمرارة ، أهذا وقت التفكير بشعرها ، بجمالها ، برأي جيرد بشقتها ، بها ؟!! إن أهم من هذا كله ، أين أختها ؟ أين فالنتينا ؟ ولكن على الرغم من كل ما مر بها ، عندما استلقت على سريرها ، سرعان ما استغرقت في نوم عميق 0
كان النور يغمر الغرفة عندما صحت كاترين في الصباح ، والساعة تشير إلى ما بعد التاسعة بقليل 0 لم يكن الوقت متأخراً بالنسبة لها في يوم السبت ، ومع ذلك غادرت الفراش ، وألقت على كتفيها مئزر الصباح ، أحست بالبرودة تتسلل إلى أطرافها ، فأدارت مفتاح التدفئة المركزية ، ثم سحبت الستائر عن النوافذ ، ووضعت إبريق الشاي على النار 0أخذت الصحف اليومية من الصندوق المخصص لذلك 0وفجأة خطرت فالنتينا ببالها من جديد ، لماذا جاءت إلى المنزل يوم أمس ؟ وما الذي كانت تبغيه من انتحال شخصيتها يا ترى ؟
بالتفاته لا إرادية نحو غرفة أبيها التي كانت تشغلها شقيقتها بعد سفره ، توجهت مباشرة إليها وفتحت الباب 0 كانت تتوقع أن ترى الغرفة قليلة الترتيب بعد زيارة أختها في اليوم السابق 0ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ، فقد كانت الغرفة على حالتها المعتادة 0 إلا أن هناك ما لفت انتباهها ، سرت رعشة قلق في عروقها ، فقد كانت طاولة الزينة خالية من كل ما كان عليها من عطور وأدوات تجميل 0تقدمت بسرعة إلى الداخل ، فتحت الأدراج التي تضع فالنتينا فيها حاجياتها ، واحد تلو الآخر ، ولكنها جميعاً كانت فارغة 0 وبمعنى آخر فإن كل الأغراض التي تخص أختها وكانت متبقية هناك قد اختفت ، ابتلعت كاترين ريقها وضبطت أعصابها ، فتحت خزانة الملابس وكذلك لم تجد أثراً لثياب أختها 0
إذن هذا هو سبب مجيء أختها يوم أمس إلى الشقة 0وهذا ما كانت تفعله عند قدوم جيرد فريزر ، ولا عجب أنها كذبت عليه وخدعته ، فقد كانت تخطط للرحيل 0
منتديات ليلاس
ملأ الخوف والقلق قلبها ، وارتجفت بمرارة ، ولكن لا بد وأن تكون فالنتينا قد تركت لها رسالة أو كلمة أو شيء آخر في مكان ما ، تعلمها فيها إلى أين ذهبت أو أنها ستعود ، ولكنها بحثت في جميع أنحاء الشقة من دون أن تجد شيئاً ينبئها بذلك ، فهزت كتفيها وقالت في نفسها ( كم سيبدو اختفاؤها مريباً )
فجأة مرت صورة جيرد فريزر في خيالها ، ماذا سيفعل جيرد عندما يعلم بذلك ؟ من الممكن أن يقدم شكوى ضدها ويطلب القبض عليها 0 يا الله كم تأزم الموقف 0
هزت كاترين رأسها ، كانت بعد ظهر الأمس قد ظنت أنه لا يمكن أن يكون هناك وضع أسوأ مما كانت فيه فالنتينا ، عندما أخبرتها بالمصيبة التي وقعت على رأسها 0 ولكن ما بالها الآن وقد زادت الأمور تقيداً


؟ هذا الرجل جيرد فريزر لا يمكن أن يترك الأمور على حالها 0 لا بد أنه سيزيد النار اشتعالاً 0 وهي ماذا بإمكانها أن تفعل يا ترى في مثل هذا الموقف ؟
بينما كانت تتناول الشاي ، قررت أن تتكلم مع سيمون 0 فلا بد أن تتحدث إلى أحد 0 إلى أي إنسان 0وليس هناك شخص آخر غيره يمكنها أن تفضي إليه بما في نفسها ، سيمون سيسمع لها 0سيمون سيقدر الأمور 0إنها لا تقدر أن تنتظر إلى حين موعدها بعد الظهر ، بل يجب أن تتحدث معه الآن 0
وضعت الهاتف أمامها ، رفعت السماعة وأدارت القرص بأصابع مرتعشة ، ولكنها أخطأت الرقم ، وأخطأت الرقم مراراً 0 وأخيراً وعندما ارتفعت السماعة في الجهة الأخرى كانت المتكلمة ، السيدة ترافس ، والدة سيمون 0
(( آه ، سيدة ترافس ، هل سيمون موجود ؟ أريد أن أتحدث إليه فالأمر هام جداً ))
أجابتها السيدة ترافس باقتضاب :
(( إنه لم يستيقظ بعد ، كان هذا الأسبوع شاقاً بالنسبة إليه ، لكثرة ما كان لديه من أعمال ، وأنا متأكدة أن الصبي المسكين متعب جداً ))
بدا القلق في صوت كاترين وهي تقول :
(( حسناً ، هل يمكنك أن توقظيه من أجلي يا سيدة ترافس ، أنا عادة لا أزعجك ، ولكن الأمر الآن طارئ وهام ))
(( ماذا حدث ؟ ربما أستطيع المساعدة ))
(( لا ، بل يجب أن أكلم سيمون شخصياً ، أرجوك سيدة ترافس ، أطلبي من سيمون أن يكلمني ))
استسلمت السيدة ترافس أخيراً ، وقالت :
(( حسناً ، لا بد أن يكون الأمر هاماً ، ليس علي إيقاظه ، لقد وعدني أن يغرس لي بعض الشجيرات في الحديقة هذا الصباح ، وأنا لا أريد أن يؤخره أي شيء عن ذلك ))
بدا لكاترين أن دهراً مر قبل أن يصل سيمون إلى الهاتف ، ولم تعد تطيق على ذلك صبراً ، وأخيراً سمعت صوته :
((كاترين ؟ قالت والدتي أنك ألححت في طلبي ، ما الخبر ؟. ماذا هناك ؟ هل أنت بخير ؟ ))
(( أنا بخير سيمون ، سيمون يجب أن أتحدث إليك ، هل يمكنك أن تأتي إلي الآن ؟ أنا لا أعرف ماذا أصنع ))
(( كاترين حبيبتي ما الخبر ؟ ألا تستطيعين أن تخبريني على الهاتف ؟))
(( لا ، لا أستطيع أن أبحث الأمر معك عبر الهاتف يجب أن تأتي يا سيمون ، أنا آسفة , أنا أعرف أن والدتك لا تحب ذلك ، ولكن المسألة مهمة جداً ، ويجب أن أراك ))
(( ولكني سأراك بعد الظهر ، ألا تستطيعين الانتظار حتى ذلك الحين ))
(( لا ))
(( كاترين!!)
(( ألا تجرؤ ؟ قل أن عليك بعض الأعمال في الحديقة ، ولكنك لا تعرف يا سيمون ، إنها مسألة حياة أو موت ، ماذا أقول كي تصدقني ؟))
أجابها سيمون يحاول تهدئتها :
((حسناً ، حسناً أنا قادم وبسرعة ، فقط أرجو أن تأخذي الأمور ببساطة))
((ببساطة ؟!! حسناً تعال بسرعة ، بأسرع ما يمكنك ))
وضعت السماعة مكانها ، وأعادت الهاتف إلى موضعه ، وأخذت تسرع في ترتيب شقتها ، ثم ارتدت ثيابها استعداداً لمقابلته ، ولكنها أغفلت زينتها 0
دخل سيمون منزلها بعد المكالمة بما يقرب من الساعة وهو يقول :
((كاترين ، قولي بسرعة ما بك ؟ والدتي تنتظرني ، وقد وعدتها أن أحضر لها معي بعض الخضار ))
((الخضار؟!!))
هزت هذه الكلمات كاترين هزاً عنيفاً ، ولكنها لم تقل سيئاً حتى دخلا غرفة الجلوس 0
لم تستطع مقاومة الرغبة في المقارنة بين سيمون والرجل الذي كان في زيارتها ليلة أمس ، ولم يكن هناك وجه شبه بينهما 0 لقد كان شعر سيمون بني اللون مائلاً للحمرة ، بينما كان شعر جيرد فريزر أسود حلك السواد ، كانا يختلفان من عدة وجوه ، ليس لديها من الوقت أن تذكر الآن جميع هذه الوجوه 0 فسيمون أمامها وهو يريد العودة بسرعة ، وسألت نفسها : ترى ماذا يمكن أن يقول سيمون لو أخبرته بالمعاملة القاسية التي لقيتها على يد عم غلين ؟!!
قطع سيمون حبل الصمت وقال :
(( حسناً ، أنا هنا ، فما هو الأمر الطارئ الهام ، الذي لا يمكن تأجيله حتى الساعة الثالثة ؟ والساعة الآن هي الحادية عشرة ))
ثم غير مجرى الحديث وأضاف :
(( إني أشتم رائحة قهوة ، هل يمكن أن أتناول فنجاناً ؟ ))
((هل تناولت فطورك ؟ أنا متأكدة أن والدتك لا تسمح لك بالخروج أبداً دون إفطار ))
(( لقد تناولت بعض الخبز والزبد ومربى التفاح ، كاترين دعينا من ذلك الآن 0 ما الأمر ؟ شعرت أن هناك شيء ما ليلة أمس ، ولكنك لم تبحثيه معي في حينه))
ذهبت كاترين إلى المطبخ ، وأحضرت فنجانين من القهوة ، وهي تفكر ، ماذا سيقول سيمون عندما تخبره بالأمر ؟ وكيف سيكون ردة فعله هل سيهدد بالذهاب إلى الشرطة ؟ إنها في الواقع لا تعرفه على حقيقته تماماً 0
جلس سيمون بارتياح ، وأخذ صحيفة يطالعها ، وعندما دخلت بالقهوة ترك الصحيفة جانباً ، وأصغى إليها بجميع حواسه 0
((إنها فالنتينا ، لقد اختفت ))
((اختفت ؟!! ماذا تعنين ؟ اختفت ؟ هل أخطفت ؟ أم هربت ؟ أم ماذا ؟ ))
(( لا ، ليس اختطاف ، لقد أخذت جميع حاجياتها التي كانت تحتفظ بها هنا ، و لا أظن أنها لو خُطفت ينتظرها المختطفون لتجع أغراضها ))
قال سيمون صائحاً :
(( وكنت تعرفين هذا في الليلة الماضية؟ ))
((لا 00بالطبع لا !!))
((إذن ما سبب قلقك ليلة أمس ؟ ))
وباختصار حكت له ما حدث مع فالنتينا مغفلة أنها كانت تقود السيارة 0
عقب سيمون بقوله :
((يا الهي ، أو تظنين أنها هربت ، مخافة أن تتورط في هذه المشكلة ؟ ))
(( شيء من هذا القبيل ))
(( ولكن لم تكن غلطتها ، لا أفهم ، لماذا أحست أنها بحاجة إلى الهرب ؟ ))
عضت كاترين على شفتيها وقالت :
(( ربما هناك شيء أكثر من هذا ))
(( ولكن ماهو ؟ إنها بذلك تفسح مجالاً للشك بأمرها ، تشجع الناس على الظن بأن هناك شيئاً تخفيه ، وبالتأكيد فإن الشرطة ستكشف في النهاية ذلك ، إنهم دائماً يفعلون ))
(( ربما كانت تقود السيارة ، فماذا عن ذلك ؟ ))
(( لا تكوني سخيفة ، فالنتينا لا تعرف القيادة ، وأنت على علم بذلك ))
(( الصغار يفعلون أحياناً بعض الأمور الجنونية))
(( إن فعلت فلن أكون إلى جانبها على الإطلاق ، ياالهي معنى هذا أنها ستتهم بجريمة قتل غير مقصود ، هذا إذا مات الشاب ))
وتأكدت أن سيمون لا يمكن أن يساعدها في شيء 0فإلى من تلجأ يا ترى ؟
رن جرس الباب ، رفعت رأسها ، وهي تتسأل من يكون الطارق ؟ الشرطة ؟ هل اكتشفت الشرطة أن أختها لم تكن الليلة الماضية في بيت الممرضات ؟ وجاءوا يبحثون عنها 0
نظر سيمون إليها باستغراب وقال :
(( ألا تريدين أن تفتحي الباب ؟ ألم تسمعي رنين الجرس ؟ ربما تكون فالنتينا ، فتزول جميع مخاوفك ))
إنها تعرف أن القادم لا يمكن أن يكون فالنتينا ، ومع ذلك فهي لا تستطيع أن تتجاهل الطارق 0 وإن فعلت ، فسيمون سوف يفتح الباب ، على أية حال كان قد وقف بالفعل غير صابر على ترددها 0
بينما كانت كاترين تسير نحو الباب ، كانت تفكر بما يمكن أن تقول ، لا تستطيع التظاهر أنها لا تعرف أي شيء 0 فالنتينا اختفت يجب أن تخبرهم بذلك 0فماذا سيفعلون معها وهي ليس لها أي علاقة بالأمر ؟
فتحت الباب 000ارتجفت قدماها ، وشحب لونها ، لم تكن هناك شرطة ، كان يقف بالباب ذاك الرجل الطويل الأسمر ، الذ أزعجها في الليلة السابقة 0إنه جيرد فريزر 00
) المواجهة


(( من ؟ السيد فريزر ؟ ))
تنفست بصعوبة وهي تلتفت خلفها خشية أن يكون سيمون قد سمعها وهي تلفظ اسم الزائر 0
أجابها جيرد فريزر بالمثل :/
(( آنسة مالوري ، هل يمكنني الدخول ؟ أنا بحاجة لأن أتحدث إليك مرة أخرى ))
(( مرة أخرى ؟ ))
(( نعم ، مرة أخرى 0 وأظن أنك ترغبين سماع ما سأقوله لك ))
لم تصدق كاترين أنها تستطيع أن تدخله بيتها ثانية بعد تصرفه القاسي معها الليلة الماضية ، ولكن جيرد فريزر كان شديد الثقة بنفسه ، وجاء ليدخل 0فكيف يمكنها الآن أن تقدمه لسيمون ، وهي لم تلمح مطلقاً إلى زيارته لها الليلة الماضية ؟
قالت بارتباك :
((هل يمكن أن تعود لاحقاً ؟ فإنه من الصعب أن أتحدث إليك الآن))
(( لماذا ؟ هل فالنتينا هنا ؟ هل هذا ما تريدين إخفاءه ؟ فإن وجودها يحل المشكلة ))
دفعها جانباً ودخل مباشرة ، لم تستطع أن توقفه ، ولم يكن بيدها أن تفعل شيئاً أكثر من أنها هزت كتفها عندما أغلقت الباب وأسرعت خلفه 0
وقف جيرد في وسط غرفة الجلوس ، وعندما لحقت به كان سيمون يقف ليواجه الرجل الطويل القادم 0 شعرت برغبة في الضحك من الإمارات التي بدت على وجه كلاً منهما 0 فعلى وجه سيمون بدت علامات السخط والتهديد ، أما على وجه جيرد فريزر فقد بدت إمارات العداء والارتياب 0
(( ما الذي يجري هنا ؟ ))
كان سيمون هو الذي تكلم أولاً 0
أجابت كاترين :
(( هذا عم غلين يا سيمون 0 أنت تعرف من هو غلين ، صديق فالنتينا ، وقد جاء إلى هنا بسبب الحادثة))
سألها جيرد ، ولم يكن بحالة تسمح له بالانتظار ، حتى يتم التعارف بينه وبين سيمون ، فألقى نظرة سريعة على المطبخ 0
تركت سيمون ينتظر التفسير عنة هذا المسلك الغريب ، وقالت مسرعة :
((سيد فريزر ، أنا أخبرتك الليلة الماضية ، أنني لا أعرف مكان أختي ، وإن كنت تريد أن تعرف شيئاً أكثر من ذلك ، فلتعلم أن ملابسها قد اختفت أيضاَ ))
(( كاترين ((000
حاول سيمون التدخل ، ولكن جيرد لم يترك له أدنى مجال لذلك ، وقال :
))تعنين أنها هربت ، إنني غير مندهش ، أظن أنك كنت تعرفين طيلة الوقت أنها كانت تقود السيارة ((
تقدم سيمون خطوة إلى الأمام ، وأمسك بيد كاترين وهو يقول :
))لا تتكلم بهذا الأسلوب غير الأخلاقي ، فالنتينا لا تستطيع أن تقود سيارة ، ولم تفعل ذلك من قبل ، سيد فريزر ليس من حقك أن تتهم فتاة بريئة ، بسبب ما أصاب ابن أخيك ((
تجاهل جيرد كلام سيمون ، وقال :
)) دعينا لا نخل في نقاش بلا طائل , آنسة مالوري 0شقيقتك كانت تقود السيارة ، ولا شك عندي أن الشرطة ستبرهن على ذلك ، ولكن ليس هذا هو المهم الآن ، لقد صحا غلين من غيبوبته وهو يسأل عن أختك ((
تمتمت كاترين وهي تضع يديها على خديها :
)) آه!))
(( هل أنت حقاً لا تعرفين أين هي ؟ ))
(( لا,لقد أخبرتك بذلك سابقاً ، إنني أتمنى لو أعرف ))
وبعد لحظات من التفكير بدا على وجه جيرد أنه وصل إلى قرار وقال :
((إذن يجب أن تقومي بدورها بدلاً منها ))
(( أفعل ؟ أفعل ماذا ؟!))
قال جيرد بصراحة :
((تتظاهرين أنك فالنتينا ))
(( الآن أنتظر هنا 000))
ومرة أخرى حاول سيمون التدخل ، ولكن في هذه المرة كاترين هي التي أوقفته عن الكلام وقالت :
(( لا أستطيع أن أفعل ذلك ، غلين سيعرف على الفور أنني لست فالنتينا ))
(( ليس بالضرورة ، فعلى ما أذكر أنتما متشابهتان في المظهر ))
((ولكن غلين 000))
(( غلين يبدو أن الصدمة أثرت على بصره ، حتى أنه لا يستطيع أن يميزني ))
(( أثرت على بصره ؟ لكن 0000))
لم يترك جيرد لها مجال آخر للمتابعة وقال :
(( أما الأصوات ، فالمرء لا يصغي إليها ، بقدر ما يصغي إلى المتكلم 0 هل تفهمينني ؟ وفي أية حال صوتك ليس مختلفاً كثيراً عن صوت فالنتينا ، وإذا تظاهرت أنك هي ، فسوف يصدقك حتماً ))
وبصعوبة استطاعت كاترين أن تفتح شفتيها كي تتكلم وهي تنظر إلى سيمون ، لكن ما باليد حيلة ، ووجه سيمون كلامه إلى جيرد متجاهلاً نظرات كاترين :
((لماذا لا تخبر ابن أخيك بالحقيقة ؟ فهو بلا شك سيعرفها إن أجلاً أو عاجلاً ))
تجاهل جيرد كلام سيمون ، وهز كتفيه ووجه كلامه إلى كاترين قائلاً :
(( احضري معطفك معك آنسة مالوري 0 وأنا سأوصلك إلى المتشفى ، أنا متأكد أنك ستفعلين ما بوسعك لتساعدي في شفاء غلين ))
صاح سيمون محاولا أن يثنيها عن عزمها :
(( كاترين ، انتظري 000))
ولكنها أجابت :
(( سيمون ، يجب أن أفعل ذلك ، ألا تدرك ؟ إنها ليست غلطة غلين إذا هربت فالنتينا منه ))
(( وليست غلطتك أنت أيضاً ))
ولما وجد أن كاترين غير عابئة لاعتراضه ، تابع قائلاً :
((حسناً ، سأوصلك بنفسي إلى المتشفى ، وهكذا أكون هناك إذا حاول أحد أن 000))
قاطعه جيرد وهو يقف قرب الباب :
(( لا ، ليس هذا ضرورياً يا سيد 000))
قال سيمون باقتضاب :
(( ترافس ))
((حسنا ،سيد ترافس ، يمكنك أن تنتظرها هنا ، وسوف أعيدها سالمة فلا تقلق ))
قالت كاترين وهي تعود إليهما ، وقد وضعت معطفاً على كتفيها :
(( سيمون ، أظن من الأفضل أن تذهب إلى البيت الآن ، وسوف اتصل بك عندما أعود ، أني آسفة ، ولكن ليس هناك حل آخر ))
أحمر وجه سيمون من الغضب وقال :
(( لماذا لم تخبريني أن جيرد كان هنا في الليلة الماضية ؟ حتى وفي هذا الصباح جعلتني أظن أن ما يقلقك هو ما قالته فالنتينا لك ))
(( إن الأمر 000))
ولكن جيرد كان يستعجلها وهو يدفعها نحو الباب ، فلم تجد مجالاً لتشرح له أي شيء ، واكتفت بأن قالت :
((سوف أراك فيما بعد ))
نظر سيمون بحقد وكراهية إلى جيرد وهما يأخذان المصعد ، وهناك أمام البناء مضى سيمون غاضباً إلى سيارته ، تاركاً جيرد يصطحب كاترين في المرسيدس0
فتح جيرد باب السيارة لتدخل كاترين ، وعندما جلس إلى جانبها وحرك مقود السيارة قال :
((فالنتينا كانت تقود سيارة غلين ، أليس كذلك ؟ لا شك أنها أخبرتك ، ألم تفعل ؟ وهذا سبب خوفك عندما ذكرت أنها كانت معه عند وقوع الحادث ))
أخذت كاترين نفساً عميقاً :
(( لماذا ؟ لماذا تظن ذلك ؟ ))
أجاب بصوت يدل على نفاذ الصبر :
(( لماذا ؟ آنسة مالوري 00آه 00ما هذا العذاب ؟!! كاترين ، أنا لا أستطيع أن أستمر في ندائك – آنسة مالوري – الجميع يظنون أن إصابته لا تدل على أنه كان وراء المقود ))
(( الشرطة قالت ذلك ؟

لا ، ليس بعد ، ولكنهم سيفعلون ، لكنه طبيب غلين الذي أبدى رأيه ، وأنا أتفق معه في ذلك ))
تنفست كاترين بصعوبة وقالت :
(( هل سيكون غلين بخير ؟ أعني بعد أن عاد إليه وعيه ))
(( إننا نأمل في ذلك ))
((هل إصابته في رأسه خطيرة ))
(( جروح عديدة مزقت وجهه ، ولكن الأطباء قالوا أنها ستشفى مع مرور الوقت ، بالإضافة إلى فقدان البصر ، واشتباه في وجود ارتجاج في الدماغ ))
(( ماذا لو اكتشف أني كاذبة ؟ ))
((لماذا سيكتشف ؟ هل التقيت به من قبل ؟ ))
(( لا))
(( وهكذا فإن غلين ليس لديه شيء في الذاكرة يبني عليه ارتيابه فيك ))
تطلعت كاترين من نافذة السيارة وهي تفكر في أختها ، وأين يمكن أن تكون الآن ؟ وإلى متى تستطيع أن تبقى بلا معين ؟ وتفكر أيضاً في نفسها ، إلى متى يمكنها أن تتخلص من أسئلة جيرد فريزر ؟0
مرت ساعة من الزمن حتى وصلا إلى المتشفى ، حيث كان غلين ، وكان الوقت بعد الواحدة بقليل ، عندما سارت في ممر طويل مفروش برقائق من المطاط يحول دون حدوث أي صوت يزعج المرضى ، يؤدي إلى وحدة العناية المشددة 0
كان يسود المكان جو من الهدوء والنظافة والنظام ، كما يبدو على المسؤولين فيه من أطباء وممرضات إمارات الفعالية والمهارة ، وأمام كل هذا تملك كاترين شعور بالاطمئنان ، وجعلها تؤمن أنه إن كان هناك من يستطيع أن يساعد غلين على الشفاء ، فإنهم هؤلاء الأشخاص ، وامتلأ قلبها بالأمل ليس من أجله فقط ، وإنما من أجل فالنتينا أيضاً 0
حيّت الممرضة المناوبة جيرد فريزر بحرارة ، مما دل على أنه أصبح زائراً معروفاً ، وقدم لها كاترين ، فابتسمت لها الممرضة هاريس ، وقد عرفت أنها الفتاة التي سأل عنها غلين 0
كان غلين مستلقياً بهدوء على سرير ضيق ، وجهه أبيض كلون الوسادة التي وراء رأسه ، أمسكت كاترين أنفاسها عندما رأت الضمادات تحيط برأسه وتكاد تغطيه ، وأنابيب تتعلق بأنفه وأخرى برسغه ، لقد حزّ في نفسها كثيراً مرآه على هذه الحال عاجزاً لا حول له ولا قوة 0
تقدمتها الممرضة هاريس ، وصرفت الممرضة الشابة التي كانت تجلس بجوار سرير غلين ، وانحنت حتى اقتربت كثيراً من مريضها وقالت :
(( سيد غلين ، هل أنت مستيقظ ؟ لديك زائر ؟ ))
(( من ؟ فالنتينا ؟ ))
دبت الحياة في قسمات الوجه المضمد ، أما كاترين فقد أمسكت أنفاسها عندما فتح عينيه ، لم تكن عينيه سوداوين مثل عيني عمه ، بل زرقاوين صافيتين ن وعندما تحولتا نحوها ، فقدت كاترين أعصابها 0
وردد غلين ثانية :
(( فالنتينا ، أين أنت ؟ أيتها الممرضة قلت إن لدي زائر 00))
فأجابت الممرضة ، وهي تدفع كاترين إلى الأمام :
(( لا تتعب نفسك سيد غلين ، الآنسة مالوري هنا ، تماماً بجانبي ، أعطني يدك 0))
فتناولت يده وشبكتها بأصابع كاترين المتجمدة وهي تتابع :
(( والآن هل صدقتني ؟))
((آه ، فالنتينا 00))
اضطرب صوت غلين ، أما كاترين فغاصت في الكرسي الذي أخلته الممرضة ، وبللت شفتيها بلسانها ، وقالت :
(( ها 00هالو غلين ))
خرجت الكلمات القليلة من فمها بصعوبة متقطعة ، وهو يرفع يدها إلى شفتيه ، وتابعت :
(( كيف 00كيف تشعر الآن ؟ ))
(( أنا بخير ))
شعرت كاترين بارتياح عندما أدركت أنه صدّق أنها فالنتينا ، أما غلين فقد تابع كلامه :
(( كيف حالك ؟ لم تصابي بأذى ، أليس كذلك ؟ يا الله ، عندما لم أجدك حينما استيقظت ، ظننت أنك 000))
تلفتت كاترين حولها تستنجد بجيرد فريزر ، فتقدم إلى الأمام قائلاً بصوت ملئ بالبشر والبهجة :
(( كنت في غيبوبة مدة تزيد عن 24ساعة ، أيها الرفيق القديم ، وأنت لا ترضى أن تجلس فالنتينا طيلة هذا الوقت بجانبك ، فهي أيضاً تحتاج إلى نوم وراحة ، أليس كذلك ؟ ))
(( أنا أعلم ))
قال ذلك ، وحول نظره مرة أخرى نحو كاترين ، وهو يبدو أكثر ابتهاجاً وسروراً بها من ابتهاجه بعمه ، أما هي فقد كانت تراقب عينيه المضيئتين وتعجب كيف ينظر إليها دون أن يراها ؟ !!
وتابع غلين بقوله :
((هل أنت متأكدة أنك بخير ؟ كيف أبدو ؟ هل أخبروك عن عيني ؟ فالنتينا أنا لا أرى شيئاً ))
أجابت بصوت مبحوح :
(( أنت0000أنت تبدو بحالة حسنة ، وأنا متأكدة أن المسألة مجرد وقت ويعود إليك بصرك ))
(( ألا أبدو عجيب الخلقة ؟ ))
(( لا بالتأكيد لا ))
كانت الممرضة هاريس قد خرجحت لبعض الوقت ثم عادت قائلة :
(( سيد غلين ، حان وقت راحتك ، والآنسة مالوري تستطيع العودة فيما بعد إذا أرادت ، أما الآن فيجب أن تذهب ))
اعترض غلين على ذلك ، ولكن الممرضة هاريس أصرت، وجيرد أكد لابن أخيه أن فالنتينا لن تكون بعيدة عنه 0
تلوى غلين ببطء تحت الغطاء الخفيف قائلاً :
(( لن تذهبي بعيداً فالنتينا ، أليس كذلك ؟ أعني لن تتركي المتشفى ؟ ))
(( أنا 00لا 00لا لن أذهب بعيداً ، سوف أراك فيما بعد ))
وعندما أصبحت في الممر ثانية ، نظرت كاترين إلى جيرد نظرة لطيفة تخفي فيها استياءها وقالت :
(( كيف يمكنني أن أبقى في المتشفى ؟ لدي بعض المواعيد الخاصة التي ينبغي قضاؤها ))
(( إذن اقترح ، أن تحاولي جاهدة وتعملي على إيجاد فالنتينا حتى تخرجي من هذا المأزق ، أما الآن فدعينا نتناول بعض الطعام ، في الجهة المقابلة يوجد مطعم صغير ))
قال ذلك وهو يسير إلى جانبها متجهين نحو المصعد ، قلبت كاترين شفتها والمصعد الضخم يهبط بهما إلى الطابق الأرضي ، وهي تخاطب نفسها : لا شك أن ما يقوله جيرد صحيح ، يجب أن تظهر فالنتينا ، وعندئذ فعليها أن تواجه مشاكلها بنفسها 0

دخلا المطعم الصغير ، وجلسا ، طلبا كأسين من العصير ، وبعض الخبز والجبن 0
لم يكف جيرد عن الحديث في الموضوع نفسه ن حتى وهما يتناولان الطعام فقال :
((لتشكر فالنتينا حظها ، فقد وجدت من يتحمل المسؤولية بدلاً منها ))
(( هل أنت حقاً متأكد ، أنها هي التي كانت تقود السيارة ؟ ))
((وأنت ألست متأكدة ، أيضاً ؟!))
(( حسناً ، هل سيلقى القبض عليها ؟ ))
(( هذا يتوقف على 000))
(( يتوقف على ماذا ؟ ))
(( هذا إذا وجّه غلين اتهاما ضدها ))
(( ولكن الشرطة 000))
(( الشرطة ؟ أظن أنهم لن يفعلوا شيئاً ، إلا إذا أراد غلين أن يورط أختك 0 ولكن يبدو أنه لا يريد أن يفعل ذلك ))
قالت كاترين والقلق يبدو في كل كلمة من كلماتها :
((لكنه سيفعل ، سيفعل عندما يجد أن فالنتينا تركته ومضت 000))
(( كيف سيكتشف ذلك الآن ؟ أتظنين أن لدي استعداد لأن أعيق شفاءه بكشف الحقيقة ؟))
(( هل تعني أنك لا زلت موافقاً على علاقته بشقيقتي ومستقبلهما المشترك ؟ ))
بانت القسوة في عيني جيرد وهو يقول :
(( كيف تريدين مني أن أوافق على ذلك بعد الطريقة الشائنة وغير المسؤولة التي تصرفت بها أختك ؟ تلك

الطريقة التي لا تقل عن الجريمة ، وهي في نظري تستحق كل ما سيجري لها ، لكن حتى يصبح غلين قوياً بما فيه الكفاية ليسمع الحقيقة ، أعني حتى يشفى تماماً ، حتى ذلك الحين أريد أن تبقى الحقيقة مكتومة ))
قالت كاترين في نفسها ، كل شيء حتى الآن يسير سيراً حسناً ، لكن ماذا سيجري إذا لم تعد فالنتينا ؟ وماذا لو أن غلين لم يسترد بصره ؟ لا شك عندئذ لا يمكن لجيراد أن يستبقيها لتمثل دور شقيقتها إلى ما شاء الله 0
بلع جيرد كلامه وهو يتناول بقية شرابه :
((أما الآن فقد مرّت أصعب مشكلة في القضية ، وهي أن غلين قبلك على أنك فالنتينا ، وهكذا فسيتوقف عن سؤاله عنها 0))
قالت كاترين وهي تنظر إلى ساعة يدها :
(( لكني لا أستطيع أن أستمر بالتظاهر على أنني فالنتينا ن والآن أعتذر ، لقد بلغت الساعة الثانية والنصف ، ويجب علي أن أذهب ، وعدت سيمون أن ألقاه في الثالثة ))
ولكن جيرد قال كأنه يقرر حقيقة :
((حسناً ، أنا آسف فلا يمكنك أن تذهبي ، والأفضل أن تتصلي به هاتفياً ، لإخباره أنك ستكلمينه فيما بعد ، وإذا لم يرض بذلك ، فما عليك إلا أن تلومي أختك لذلك ))
نظرت كاترين إليه بازدراء وقالت :
((أرجوك عليك الاهتمام بما يخصك فقط ، ولا تهتم بي مطلقاً ))
(( ماذا تعنين ؟ ))
(( أنت تعرف ما أعني بالضبط ))
(( ما أعرفه هو أن والدة غلين تنتظر بفارغ الصبر خبراً عن ولدها وحيدها ، وأنا على استعداد أن أقوم بكل ما يمكن لئلا تكون تعيسة ))
رفعت كاترين رأسها وقالت :
(( حتى لو دمرت إنسان آخر في سبيل تحقيق ذلك ))
(( أنا لا أدمرك يا كاترين ، صدقيني ، لقد صبرت عليك كثيراً ، ولكن 000العواقب لن تسرك ))
(( هل تهددني يا سيد فريزر ؟ ))
نظر في عينيها القلقتين وقال :
(( أهددك ؟ أنت إذن لا تفهمين معنى كلماتي 0 واسمي – جيرد – فقط نادني به ، لا أظن أن فالنتينا متمسكة بالشكليات مثلك ؟ ))
قالت كاترين في نفسها : ولا هي يجب أن تتمسك بالشكليات خصوصاً أنها تحل محل أختها في هذه الظروف ، ولو كانت فالنتينا هنا الآن ، فلا شك أنها ستجد العم أكثر جاذبية من ابن أخيه ، ولا تدري كيف كانت ستتصرف معه 0
وتسألت هل هو متزوج يا ترى ؟ وإذا كان كذلك ؟ فما رأي زوجته في اهتمامه الزائد بأرملة أخيه ؟لتترك الظنون جانباً الآن وتفكر في مشكلتها فإنها إذا زادت الأمور تعقيداً سيزيد عناد جيرد ويرغمها على الرضوخ لإرادته ، قال فجأة :
((أخبريني هل ستتزوجين سيمون هذا ؟ وهل ذلك هو سبب تلهفك لاسترضائه ))
أفاقها كلام جيرد من شرودها أنه لا يستطيع أن يقرأ أفكارها وأجابت :
(( لا أعرف ، ولا أظن أن هذا الأمر يعنيك من قريب أو بعيد يا سيد جيرد ، من أختار كشريك حياتي أمر يخصني وحدي ))
قال بصراحة :
(( هذا يعني أنك لست متأكدة من مشاعرك نحوه ، وأنا لا أصدق أنه لم يسألك رأيك في هذا الموضوع حتى الآن ))
((حسناً يا جيرد 0لا أرى علاقتي بسيمون تخصك من أية ناحية ، أنا لم أسألك مطلقاً أيه أسئلة شخصية ، فلماذا تفعل ذلك ؟!!))
((لا يوجد عندي شيء أخفيه ))
(( ولا أنا أيضاَ ، وكل ما في الأمر ، أني أجد أنه من غير المناسب تدخلك في حياتي الشخصية ))
((لا بأس ، قد يكون الحق معك ، وإذا كنت لا ترغبين في الحديث عن نفسك ، حدثيني عن سيمون ، ما هو عمله مثلاً ؟ هل هو موظف حكومي ؟ هذا ما يبدو عليه 0))
(( إنه مدرس ، وعليك ألا تحكم على الناس من مظهرهم ))
قال جيرد ببرود :
(( هذا صحيح ، وللتأكيد ، فإنك تبدين وشعرك مسدول على كتفيك كأنك الأخت الصغرى ، لولا أني أعرف الواقع ))
ومن غير أن تدري ، ارتفعت يدها إلى شعرها ، وأخرجت منه الدبابيس وتركته ينساب على ظهرها ويحيط بوجهها ، ونظرت في عينيه ، وقالت :
((أنت تتلاعب بالوقت يا سيد جيرد ، أنت تعرف أين يجب أن أكون الآن ، أليس كذلك ؟ ))
قال بجفاء وهو ينظر إلها :
((إنه استنتاج يدل على الفطنة ))
(( من فضلك أريد أن أذهب ))
وضع جيرد يده على كتفها يستبقيها ، وقال :
(( لا ، ليس الآن 0 سوف أشرح لخطيبك فيما بعد ))
(( إنه ليس خطيبي ))
أوضحت كاترين بصوت صارخ ، وقد نفذ صبرها ، ولكنها تمنت لو مان صوتها أكثر رقة ، وأقل عنفاً من ذلك ، وتابعت :
((ما الذي يجعلك تظن أنه سيقبل هذا العذر منك ، أكثر مما يقبله مني ؟ ))
(( لأنني أستطيع أن أكون أكثر إقناعا ، ما هو رقم هاتفه ؟ أم تريدين مني أن أجده في الدليل ؟))
أدركت كاترين أنه على كل حال لا يمكنها أن تصل إلى بيت سيمون في الموعد المحدد ، لابد من الاتصال به هاتفياً ، قالت وهي تقف :
(( سأخبره أني سأراه في المساء ، لا أظن أن لديك اعتراض على ذلك !!))
وسارعت إلى الهاتف قبل أن يعترض على شيء ، علماً منها أنه إذا احتاج غلين إليها في المساء فسوف تستجيب له 0
وكما توقعت ، فإن سيمون رفض بشدة أن تكون هي كبش الفداء بسبب فعلة أختها الرهيبة ، ثم قال لها :
((أظن أننا كنا سنذهب إلى المعرض بعد ظهر اليوم ، إلا إذا كنت قد نسيت ذلك ، ماذا تريدين أن أفعل الآن ؟ هل أذهب بمفردي ؟ ))
(( كان ذلك الترتيب مؤقتاً يا سيمون وأنت تعلم ذلك ، ولم نتفق عليه بصورة نهائية ، لأني سأكون منهمكة بشراء بعض المواد الغذائية لكافة أيام الأسبوع لأنه لم يعد لدي شيء من المؤن ، وإذا عادت فالنتينا 000))
قاطعها سيمون :
(( إذا عادت فالنتينا ، انتظري حتى تري ماذا سأفعل عندما أرى تلك الآنسة الشابة فإني سوف أهزها هزاً ))
(( ألسنا كلنا نريد ذلك 00))
جاءها صوت جيرد من خلفها ، فاستدارت مرتعشة بحدة لتجده متكئاً على الحائط بجانبها ، يستمع إلى مكالمتها ، نظرت إليه نظرة لوم على إنصاته لما يدور بينهما وبين سيمون من حديث أما سيمون فقد تابع حديثه قائلاً :
(( على أية حال ، لا أريدك أن تنشئي صداقة مع جيرد ، والأفضل أن آتي وأبقى معك ، فأرى ما يجري هناك على الأقل 0))
(( لا تفعل ذلك سيمون ، سآتي بأسرع وقت ممكن ، ولا تخف عليّ ))
وعندما وضعت السماعة ، قالت بصوت مرتفع :
((كيف تجرؤ على الاستماع إلى المكالمات الخاصة ظ ألست خجلاً من نفسك ؟))
ابتعد جيرد قليلاً عن الحائط قائلاً :
(( لا تجعلي من الموقف مأساة 0 فإن سيمون سوف يتغلب على كبريائه فيما بعد ، وإذا كان كل ما يفكر أن يفعله مع أختك هو أن يهزها هزاً !! فلم أعد قلقاً من أية عقوبة سيفرضها عليك 0))
(( لا تخرج عن الموضوع ، ليس من حقك أن تنصت إلى حديثنا ))
(( ليس لي الحق , ولكني فعلت ن والآن أنسي الموضوع ، ودعينا نتناول كأساً آخر ))
(( لست عطشى ن ومن الأفضل أن نعود إلى غلين ، أتحدث إليه قليلاً ، ثم أذهب إلى البيت ))
(( كما تشائين ))
عندما دخلا غرفة غلين وجداه لا يزال نائماً ، فقالت الممرضة هاريس لكاترين :
(( بدا أكثر هدوءاً بعد زيارتك يا آنسة فالنتينا ، فهو نائم بسلام الآن ، ولكنك يمكنك الجلوس إلى جانبه أن أردت ، أنا متأكدة أنه سيكون سعيداً لرؤيتك عندما يستيقظ ))
وافقت كاترين على ذلك ، أما جيرد فقال أن غلين لن يكون بحاجة لكليهما ، وأنه سيذهب إلى الفندق ليتصل بوالدة غلين من هناك ، وطلب من كاترين أن تتصل على الفور إذا دعت الحاجة لذلك ، ثم غادر المكان 0
كان الوقت يمر بطيئاً وهي تجلس بجواره صامتة ، وقالت في نفسها ، لو أنها خطيبتة غلين ، أو صديقته ، أو على الأقل تعرفه من قبل ، لكان هذا الوقت الذي يمر بها وهي تراقبه نائماً ، وقت راحة بالنسبة إليها ، أما وأنه شاب غريب عنها ، فقد تسرب الضجر إليها ، وأحست بالخوف إذ مرّ في ذهنها أنه قد يكشف حقيقتها عندما يستيقظ ، فقد يستطيع إلى ذلك بطرق عديدة ، صوتها ، مظهرها ، تصرفاتها ، عليه فقط أن يمد يده إلى شعرها حتى يعرف أنها ليست فالنتينا 0
وعلى أية حال فالنتينا لن تبقى مختفية إلى الأبد ، وعندما تعود 000ولما بلغت هذه النقطة ، لم تعد ترغب في التفكير بما سيحدث عند عودة أختها ، على فالنتينا عندئذ أن تواجه جيرد وكذلك ابن أخيه 0
في الخامسة قدمت لها أحدى الممرضات كوباً من الشاي ، فأخذته شاكرة مسرورة به ، كانت تحتاج إلي شيء ما كي تتسلى به ليمر هذا الانتظار الممل ، وأخذت تشرب الشاي على مهل ، وهي تنظر إلى عيني غلين المغمضتين ، وجروحه العميقة التي سببتها شظايا زجاج السيارة المهشم ، وعجبت من جديد ، كيف استطاعت فالنتينا أن تهجره ، ترى ألا تريد أن تعلم ما حل به ؟
ألا يهمها أن تعرف إذا كان لا يزال على قيد الحياة ؟ أم أن المهم بالنسبة إليها أن تنقذ نفسها هي فقط ، وليكن بعد ذلك ما يكون 0
اقتربت من غلين أكثر وأمعنت النظر في ملامح وجهه ، وفجأة تراءى لها وجه جبرد ، كان الشبه بين العم وابن أخيه طفيفاً ، فقد كان وجه جيرد يدل على العزيمة والقوة ، بينما وجه غلين أكثر رقة وضعفاً ، ولك تنكر بينها وبين نفسها أن غلين وسيم الطلعة على الرغم من الجروح التي تحيط بعينيه المغمضتين ، أما من حيث الطول فقد بدا وهو ملقى على فراشه أنه ليس أقصر من عمه إلا بالشيء القليل0
عادت إلى مقعدها ثانية ، وحاولت ألا تفكر بجيرد ، ولكن هذا لم يكن سهلاً عليها 0 ترى ماذا قال لوالدة غلين ؟ هل شرح لها الحالة كما هي ؟ هل أخبرها عن اختفاء فالنتينا ؟ أم أنه أخفى هذه الحقيقة أيضاً كما فعل مع غلين ؟ إذا كان ضميره لم يؤنبه على خداع ابن أخيه ، ووجد لذلك مبرراً فلماذا لا يخدع أرملة أخيه ؟ وهو يستطيع أن يسكت هذا الضمير على ما يبدو ، مدعياً أن لا فائدة ترجى من إزعاجها بلا سبب 0
نظرن إلى ساعتها ثانية ، وكانت تشير إلى السابعة ، ترى كم من الوقت ستبقى هنا ؟ وكم من الوقت سينام غلين أكثر من ذلك ؟ حتى ولو كانت هي صديقته ، وهو فارس أحلامها فلا أحد يتوقع منها أن تجلس طيلة هذا الوقت إلى جانبه 0

أخذت تفكر في طول غياب جيرد ، شعرت بالدم يجري حار في عروقها 0 أين يقضي جيرد وقته الآن ؟ فهو لم يشأ أن يضيع وقته جالساً بالقرب من ابن أخيه ، لا شك أنه الآن في الفندق يستريح ، ويتمتع بالمناظر الأخاذة التي تحيطه خاصة وأن هناك من يجلس إلى جانب غلين طالما أن كاترين موجودة لتمثل له القصة التي اختلقها !!
حركة عند الباب أبعدتها عن أفكارها وأعادتها إلى الواقع ، فالتفتت لترى جيرد يدخل ثم يغلق الباب بهدوء خلفه 0 حياها في لطف 0 ثم سألها إن كان قد طرأ تغيير على حالة غلين ، أخبرته أن لا تغيير هناك ، وأضافت :
((جميل منك أن تعود ))
وقف جيرد بجانب فراش غلين وأخذ ينظر إليه ، ثم التفت إليها وأجاب :
(( آسف على تأخري ، ليزا لم تكن في البيت عندما اتصلت بها في المرة الأولى ، ولم أتمكن من الاتصال بها حتى موعد الغداء ))
(( موعد الغداء ؟ ))
نظرت كاترين بسرعة إلى ساعتها وكانت قد قاربت السابعة والنصف ، وأما جيرد فقد هز كتفيه ، وهو يدور حول سرير غلين إلى حيث كانت تجلس وقال :
(( الوقت الآن هو بعد الظهر بقليل في بلدتنا ))
وأخذ يحدثها عن بلدته ، وعن بيته ، لكن كاترين أبت الدخول في مثل هذا الحديث وصاحت غاضبة :
(( كم ساعة تتوقع مني أن أبقى جالسة هنا يا سيد جيرد ؟ أنا بالحقيقة أضيع وقتي ))
((أنت قلت أنك ستبقين حتى يستيقظ غلين ، وأنا لا أعرف كم يطول ذلك ))
((ولكن من الممكن أن يستمر في النوم طوال الليل ))
(( أخشى ذلك 000يا فالنتينا ))
أحنت رأسها متجاهلة نظراته :
(( أنا متعبة ، وأريد أن أذهب إلى الحمام لأغسل وجهي ))
(( تجدين الحمام تحت الممر تماماً ، عودي بسرعة ))
وعندما عادت وجدت جيرد جالسا ً على الكرسي الذي كانت تشغله ، ولكنه هبّ واقفاً وسار نحوها قائلاً بصوت منخفض :
(( ممرضة الليل كانت هنا منذ لحظة ، وفي رأيها ، أنه من الممكن أن ينام غلين ثلاث أو أربع ساعات أخرى ، وهي تقترح أن أصحبك لتأكلي بعض الطعام ، ثم نعود ))
صاحت كاترين :
(( لا أستطيع ، لن أفعل ذلك ))
قال جيرد بصراحة :
(( أخشى أنك ستفعلين ما أقول 000))
(( ولكن سيمون ؟ ))
رفع جيرد أصبعه إلى فمه مشيراً باليد الأخرى إلى الرجل الذي في الفراش ، مما اضطر كاترين أن تتوقف عن إتمام ما كانت تريد أن تقول 0
ثم قال :
((يوم واحد يا كاترين ، أكثير أن أطلبه منك ؟ ))
هزت رأسها دلالة على القبول وقالت :
(( لكنني لا أستطيع الخروج معك بهذا الهندام 000))
تملل جيرد يريد الاعتراض ولكنها لم تترك له مجالاً للحديث وتابعت كلامها :
(( سأذهب إلى المنزل ، أغتسل وأبدل ثيابي ثم أعود ، وطالما أنت هنا فإن غلين لن يحتاج إلي ))
هز جيرد رأسه وقال :
((سآتي معك ، وانتظرك ، ثم أعود بك ، وهذا من أجل السرعة فقط ))
بصعوبة استطاعت كاترين أن تخفض صوتها وهي تقول :
(( ماذا تعني ؟ أنت لا تثق بي ولا تصدق أني سأعود 0ليكن في علمك أنا لا أكذب ياسيد جيرد ))
غمغم بخشونة :
(( بحق الله 00كفي عن مناداتي سيد 000قولي جيرد فقط ، وإني آت معك مهما تبدين من اعتراض 0 أنا لا أريد أن يغير سيمون خطتي ويهدم ما بنيت ويجعلك تتجاهلين الفكرة من أساسها ))
(( ولكنه ، لا يستطيع أن يفعل ذلك ))
(( لا يستطيع ؟ !! ومع ذلك سآتي معك ))
تركا غلين بين يدي ممرضة قديرة 000قالت :
(( لا تقلقي يا آنسة ، سأعتني به جيداً ، تمتعي بفترة من الراحة ، يبدو عليك أنك بحاجة إلى ذلك ))
بينما كانا يسيران نحو المصعد قال جيرد :
(( أنت تلعبين دورك بإتقان ، حتى أنني كدت أن أصدق أنك تهتمين بغلين ))
(( أنا اهتم بغلين فعلاً ، كما اهتم بأي إنسان في مثل وضعه ))
(( إلى أي حد ؟ إني لأعجب ))
وعندما وصلا إلى العمارة حيث تسكن ، لم تجد أثراً لسيارة سيمون في المرآب ، فأحست أنها تخلصت من مأزق حرج ، وقالت في نفسها : لا شك أنه ينتظر مكالمة منها حسب وعدها ، فإذن عليها أن تتصل به مرة ثانية ، في أية حال أحست أنها مذنبة بحقه 0
نزلت من السيارة ، وكان المساء بارداً جداً فأسرعت تدخل المبنى إلى المصعد ، ظنا منها أن جيرد سينتظرها بالسيارة ، ولكن يبدو أن هذا لم يكن رأيه ، بل كان وراءها مباشرة 0 ولما توقف المصعد في الطابق السادس ، سارت في الممر تبحث عن المفتاح في حقيبتها ، ولما فنحت الباب كادت تتعثر بشيء ، فانحنت لتلتقط الظرف الذي وجدته ملقى على الأرض 0 وتطلعت إلى جيرد مدهوشة تبحث عن تفسير لذلك 0أخذ قلبها يخفق بشدة ، وسألت نفسها ، ترى ممن هذه البرقية ؟
أغلق جيرد الباب واتكأ عليه سائلاً :
(( ألا تريدين أن تفتحي الظرف ؟ ))
قلبت الظرف بين يديها بأصابع مشدودة ، في انتظار معرفة ما يمكن أن يحمله في طياته 0
خيم الصمت عليهما بضع لحظات ، اقترح جيرد بعدها أن يفتح الظرف بدلاً منها ، ولكنها هزت رأسها بالنفي ، والحقيقة أنها كانت تدرك ما يمكن أن يحتويه هذا الظرف 0
ابتعدت عن جيرد وتقدمته في المدخل حيث أنارت المكان وبيدين مرتعشتين فتحت الظرف وأخرجت منه الورقة الوحيدة الموجودة فيه ، كانت برقية مختصرة جداً وبسيطة جداً في ذات الوقت ، كانت من فالنتينا تماماً كما توقعت :
- ذهبت إلى جوبورغ ، لاتقلقي ، والدي سيعتني بي 00فالنتينا 0

قرار متسرع



تناول جيرد البرقية من يد كارين ، بينما كانت تلقي بنفسها على الأريكة بعينين شاردتين لا تدري ماذا تقول ، فلم تكن بحاجة إخفاء الحقيقة عنه ، خصوصاً وهي متأكدة أنه سيعرفها حتماً 0
قرأ جيرد البرقية وقال بهدوء
((كنت أظن أن أباك يعيش في جوهاتسبرغ ))
((إنه يعمل هناك بالفعل ، ولكنه لم يسبق وأن دعا أياً منا للحاق به ))
(( لا أظن أن فالنتينا يهما ذلك على الإطلاق ، المهم عندها ان تنفذ بجلدها فقط ، أما أن يعيش غلين أو يموت ، فهذا أمر ألقت به بعيداً عن ذهنها ، لست أدري كيف كانت تحبه ، وهي لم تنتظر على الأقل لتعرف ما سيؤول إليه أمره!!))
هزت كاترين رأسها ، وهي تحس بالألم يعصر قلبها ، كيف استطاعت فالنتينا أن تتصرف مثل هذا التصرف ؟!! تترك غلين بين الموت والحياة وتتركها هي تتحمل نتائج أعمالها الطائشة 0
ألقى جيرد البرقية أمامه على الطاولة ثم أضاف :
((حسناً ، على الأقل عرفت الآن أين ذهبت أختك))
لم تعد لدى كاترين القدرة على التفكير ، وأجابت مترددة :
(( نعم 00ماذا سيحدث الآن ؟ ))
((تبدين مرهقة الأعصاب جداً 0 دعيني أفكر بالأمر ، واذهبي هيئي نفسك للعودة ، هل لديك قهوة ؟ ))
(( نعم ))
(( اذهبي 0 وأنا سأحضر القهوة ))
وقفت كاترين لحظة وهي مذهولة ، لا تدري ماذا تفعل ، لم يكن أمامها سوى الطاعة لقد ذهبت فالنتينا ، وأخذت جميع أغراضها ، وغادرت البلاد من دون أن تترك ولو كلمة صغيرة تنبئ أختها بمكانها ، والآن ترسل إليها برقية موجزة من مطار هيثرو ، وهي متأكدة أنا لن تستطيع الوصول إليها ، إلا بعد أن تكون قد أمنت على نفسها ، وبلغت مقر أبيها بسلام 0
خرجت كاترين من الحمام ومازال الذهول يخيم عليها ، وأخذت تخرج ثيابها من أحد الأدراج ، وهي تلف جسمها بمنشفة زهرية اللون يتهدل شعرها العسلي الحريري على كتفيها يزيد جمالها سحراً وفتنة 0
اعتقد جيرد أن كاترين ما زالت في الحمام عندما ناداها ولم يسمع الرد فدخل الغرفة يحمل فنجان القهوة ، وفوجئ بها ، ولكنه لم يلتفت إلى احتجاجها الصارخ ، ووضع الفنجان أمامها فوق الدرج ، وقال آسفاً :
(( حقاً أنا آسف ، ظننتك في الحمام ، عندما ناديتك ولم تجيبي ، عفواً إني أكرر اعتذاري ، أنا آسف ))
صاحت وهي ترتعش :
(( أخرج من هنا ))
(( أنا خارج ، تمتعي بقهوتك ))
لحقت كاترين بجيرد في غرفة الجلوس ، بعد ربع ساعة تقريباً ، وهي بعد خجلى ووجهها الفاتن لا يزال يتألق بحمرة الخجل ، كان جيرد يستلقي على الأريكة بارتياح وقد خلع سترته بحرية كأنه في بيته ، نظر إلى وجهها ، مركزاً نظره على عينيها ، وسألها وهو يقف :
(( هل أنت مستعدة ؟ ))
(( مستعدة ؟ مستعدة لأي شيء ؟ ))
ثم نظر إلى بنطالها البني المخملي ، وإلى قميصها ذي اللون العنبري 00إنها لم تكن مستعدة للخروج ، وأضافت :
(( هل سنعود إلى المناقشة ثانية في هذا الموضوع؟ يا سيد جيرد فريزر 0000))
(( جيرد ، من فضلك ))
(( حسناً ، جيرد ، بالتأكيد إن برقية فالنتينا غيرت كل شيء الآن ))
(( بأي طريقة ؟ ))
(( بأي طريقة ؟ بكل الطرق سيد جيرد ، فالنتينا كما تعلم لن ترجع ، ولو أنها تريد ذلك لما رحلت ، وأنا لا أعرف ماذا أنت فاعل ))
(( أنت محقة ، أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً على ما يبدو ))
((حسناً إذن 000))
قالت ذلك وهي تلمح إليه بالخروج ، ولكنه قال :
(( حسناً إذن 000ماذا تعنين بذلك ؟ لعلك تعنين أنك لست عائدة معي إلى المتشفى ؟ وأنك ستتركين غلين يصاب بنكسة عندما يكشف ما فعلته أختك ؟ ))
(( ولكن ما ذنبي أنا في كل ذلك ؟ كان على ابن أخيك ألا يدع فالنتينا تقود السيارة من البداية ))
نظر جيرد إلى شفتيها المرتجفتين وقال :
(( أنا أعلم بأنه لا ذنب لك ، وأن ابن أخي هو الذي سمح لها بأن تقود السيارة ، ولكن هل هذا يعني أنه يجب أن يقاسي كل هذا العذاب ؟ ))
بدا الارتباك على كاترين وهي تقول :
(( جيرد ، أرجوك ، أنا لا استطيع الاستمرار في هذه اللعبة ))
نظر جيرد إليها نظرات بعثت القلق والاضطراب في نفسها ، ثم قال :
(( كاترين أرجوك ، إنها مدة مؤقتة ، فقط حتى يستعيد غلين بصره ، ويصبح قادراً على تحمل الصدمة ، وعندها سيكشف الحقيقة بنفسه ، أكثير علي أن أطلب منك الاستمرار بالتظاهر أنك فالنتينا ، إلى ذلك الحين ؟ ))
لم تستطع كاترين إخفاء التعاسة التي ظهرت في عينيها وانعكست على وجهها ، وقالت :
((أنت لا تعرف ما تطلب مني 000))
(( أظن أنني أعرف ))
(( ولكن سيمون لا يرضيه 00 ))
(( أنا متأكد أنه لا يرضيه ( قاطعها بخشونة ) ولكن لا تنسي أن غلين يتأرجح على حد السكين بين الموت والحياة ))
قالت باحتجاج :
(( حتى غلين نفسه لا يرضى 000))
هز جيرد رأسه وقد علت وجهه مسحة من الكآبة وقال :
(( أنا أعلم أيضاً أنه لا يرضيه عندما يعلم بذلك ، لكن ليس الآن يا كاترين ، لساعده الله ، فهو يحب أختك كثيراً جداً ، فهل أنت مستعدة لأن تخبريه أن شقيقتك تركته على هذه الحال ، وهربت منه ؟ ))
استغرقت كاترين في التفكير في كل ما حدث وما سيحدث ، وصحت على صوت جرس الباب ، قدرت أن يكون سيمون هو الطارق ، اعترفت بأنها لم تعد تقوى على احتمال مشاحنة عدائية ثانية بينهما ، ولكن ، كان عليها أن تفتح وتدخله ، وبإيماءة حائرة من رأسها ، اتجهت نحو الباب 0
كان جيرد أسرع منها ، وأعترض طريقها ممسكاً بذراعها ، وقال بصوت منخفض حنون :
(( حسناً ، ما هو قرارك ؟ ))
قالت كمن لا حول له :
(( قراري ؟ جيرد هناك من يقف بالباب ))
ومن غير أن يسمح لها بالمرور قال :
(( إنه سيمون ، لا أشك في ذلك ، كاترين أريد أن أعرف ما هو قرارك قبل أن تفتحي الباب ))
هزت كاترين رأسها :
(( أنا لا أعرف بعد ))
(( إذن فكري ))
رن جرس الباب ثانية ، فقالت :
(( جيرد ، دعني أمر ، سيمون سيتساءل عما يحدث هنا ))
حاولت جاهدة أن تبعد ذراعه عن طريقها ، ولكنه كان قريباً ، قريباً جداً منها 0 ملأت رائحته العطرة رئتيها ، وأحست بقوته ، فداخلها هلع مفاجئ 0 يا الله إذا لمسها الآن فإنها لن تستطيع أن تقاوم0
نظرت إلى عينيه بعجز ورجاء ، فرأت فيهما انعكاساً لمخاوفها ، لا شك أنه عرف بما يدور في رأسها ، مما زاد في ارتباكها ، وفي لحظة أحست أنها طليقة ، ومن دون أية كلمة أزاح ذراعه وابتعد عن طريقها ، لم تحاول كاترين أن تلتفت إلى الوراء ، بل أسرعت إلى الباب تفتحه 0
لم يكن هناك أحد ، أطلت برأسها إلى الخارج ، فرأت سيمون يعبر الممر عائداً إلى المصعد 0 مرّ في خاطرها للحظة أن تتركه يرحل ، ولكن عقلها جعلها

تنطق باسمه 0
التفت إليها ، وهتف باسمها عائداً يسرع الخطى 0
(( كاترين حبيبتي ، يا للسماء 00ظننت أنك لم تصلي إلى البيت ))
أحست كاترين بارتباك شديد ، فأفكارها مشغولة بأمور أخرى ، أمور فضلت أن تبعدها عن ذهنها ، وألا تفكر فيها مطلقاً 0
تبعها إلى الداخل ، وألق الباب خلفه ، وأضاف :
(( لقد اتصلت بالمشفى ، ولكنهم أخبروني أنك ذهبت إلى البيت 000))
(( أخبروك ! لماذا اتصلت بالمشفى ؟ ألم تستطع الانتظار ؟ ))
أجاب سيمون بشيء بغرور :
((لا تنزعجي ، فأنا لم أخبرهم من أكون ، قولي الحقيقة يا كاترين ، ألست تأخذين المسألة بجدية أكثر من اللازم ؟ إنها ليست قضيتك ))
(( سيمون أرجوك 000))
حاولت إسكاته مخافة أن يسمع جيرد كلامه ، ولكن سيمون عزم على أن يقول كل ما يريد قوله ، دافعاً بها أمامه إلى غرفة الجلوس ، وهو يقول :
((إن مشكلة فالنتينا مشكلتها وحدها ، ولا تخص أي إنسان آخر ، حتى ولو كان أختها ، ولا يمكنك أن تستمري هكذا في حمايتها ، فالنتينا ناضجة بما فيه الكفاية ويمكنها أن تعتني بنفسها ن وإذا كان نصف ما قاله جيرد حقيقة 000من ؟ جيرد فريزر ؟!!))
(( هذا ما كنت أحاول قوله لك يا سيمون ))
تمتمت وهي تحس بالتعاسة تخيم عليها ، ولما رأت جيرد وقد لبس سترته في غيابها ، أضافت :
(( لقد 00لقد وصلنا لتونا من المتشفى ))
(( حقاً ؟؟))
(( نعم حقاً وعلي أن أعيدها إلى هناك ، هل أنت آتية كاترين ؟ ))
أدخلت كاترين يديها في جيبها ، وهي تحرك كتفيها في ضعف ، وعيناها تنطقان بالبؤس ، من دون أن تجيب جيرد على سؤاله ، وجهت كلامها إلى سيمون ثانية :
(( جاءتني برقية من فالنتينا ))
تمتمت وهي تشير إلى البرقية على الطاولة :
(( اقرأها ))
هز سيمون كتفيه بلا مبالاة ، ولكن حب الاطلاع دفعه لكي يتناول البرقية 0بعد أن قرأها أعادها إلى كاترين مرة أخرى ، وقد أحمر وجهه غضباً ، وهتف صارخاً :
(( تلك الشيطانة الصغيرة ، لقد وجدت لنفسها مكاناً تأوي إليه ))
قالت كاترين :
(( هذا ما يبدو ))
سأل جيرد :
(( هل اختفى جواز سفرها أيضاً ؟ ))
بعد أن بحثت كاترين عنه ، عادت إليهما وهي تهز رأسها بالإيجاب 0
وضع سيمون ذراعه على كتفها من غير كلفة وقال :
(( إذن هي بالفعل سافرت إلى أبيها ، وهذا يجعلك خارج الشرك الذي أعد لك ))
قال سيمون ملاحظته الأخيرة وهو ينظر بطرف عينيه إلى جيرد ، أما جيرد فقد هز كتفيه بلا مبالاة ، وسأل كاترين متجاهلاً سيمون وكلامه تماماً :
(( هل أنت قادمة معي ؟ ))
((بالتأكيد لا ، إنها ليست قادمة!))
سيمون هو الذي أجاب وهو يرفع ذقنه بعداء00وتابع :
(( يا سيد جيرد ، لقد صبرنا كلانا عليك كثيراً وكنا لطيفين معك للغاية ))
تجاهله جيرد وسأل كاترين :
((حسناً كاترين القرار الأخير هو لك 00))
ولكن في الواقع أنه لم يكن قرارها ، وهو يعرف ذلك ، فإذا حصل شيء لغلين فهي لن تسامح نفسها أبداً
(( آسفة سيمون ))
سحب سيمون ذراعه من كتفيها ببطء ، وسأل :
(( أنت ذاهبة معه ؟ ))
(( يجب أن أفعل ))
(( كاترين ، يجب ألا تفعلي شيئاً ))
نظرت إلى جيرد 00وقالت :
(( بل يجب ، لبعض الوقت ، ياسيمون ، يجب أن استمر في التظاهر بأنني فالنتينا ، ولكن حالما يصبح غلين بصحة تسمح له لأن تقال الحقيقة 000))
قاطعها سيمون بغضب :
(( وكم سيأخذ من الوقت هذا الشفاء ؟))
(( بضعة أيام ))
ردد سيمون ساخطاً :
((بضعة أيام وأظن أنه يجب علي أن أمضي في طريقي بينما حبيبتي كاترين تلعب عند غلين دور المحبة الحزينة ))
(( سيمون – أرجوك – إنه أقل شيء يمكنني أن أفعله ، ألا تدرك ذلك ؟))
(( بصراحة ، لا ، ولا يهمني كثيراً ما يحدث لغلين أو لعم غلين أيضاً ))
هز جيرد كتفيه بعدم اكتراث ، ومن أجل كاترين ابتلع الاهانة ، وسار نحو الباب ، وعندما التقت عيناها بعينيه ، أحنى رأسه ، وقال بصوت ملئ بالمعاني :
((سأنتظرك في السيارة ))
هزت كاترين رأسها تعبيراً عن شكرها 0 ولما غادر جيرد ، أمسك سيمون بكتفيها وهزهما وقال غاضباً :
(( كاترين ، لا تفعلي ، إنك تتلفين نفسك 000))
لمست كاترين وجنته بلطف ورقة ، وقالت :
(( إنها أيام فليلة يا سيمون 00لا تقلق أستطيع أن أقوم بهذه المهمة ، فأنا لا أريد لهذه العائلة أن تقع في مصائب أخرى ))
(( آه حسناً ، أرى أنك مصممة ، لم يعد عندي ما أقوله حتى أثنيك عن عزمك ، ولكن كل ما آملة الآن أن تعرفي تماماً ما أنت مقدمة عليه !))
مضى سيمون في طريقه يملؤه الغضب والحزن ، أما كاترين فقد صحبت جيرد إلى مطهم صغير غير بعيد عن المتشفى 0 أرادت أن تطلب طعاماً خفيفا ، ولكن جيرد أصر على أن يقدم لها وجبة كاملة 0 وفي النهاية وعلى غير ما توقعت أكلت كاترين كل ما قدّم لها دلالة على جوعها الشديد ، أما هو فلم يأكل إلا قليلاً ، وأخذ يحدثها عن حياة غلين في لندن 0حدثها باختصار عن سبب التحاقه بالجامعة في لندن ، وعن مكان سكنه ، وهواياته ، وبما أنها كانت تدرك شخصية أختها السطحية ، فإنها كانت متأكدة إن فالنتينا ، لم تكن لتعير اهتماماً لماضي غلين أو حاضره!! فقد كان اهتمامها الرئيسي ينصب على الحفلات والمسرات فقط ، وطالما أن غلين يستطيع تحقيق ذلك لها ، فقد بقيت على صلة به ، وإلا فإنها على استعداد أن تتركه بأية لحظة ، أنه من المدهش حقاً أن لعوباً مثل فالنتينا ، يمكنها أن تثير عواطف غلين الصادقة إلى مثل هذا الحد ، وتسألت كاترين ، ترى إلى متى يجب أن يبقى مخدوعاً هكذا ؟
كانت الساعة قد تجاوزت 11 عندما استيقظ غلين ، فجف حلق كاترين عندما رأته يتحرك ، يا الله لماذا أختار جيرد تلك اللحظة بالذات ليذهب ، ويتكلم مع الطبيب ؟!! لقد بقي مدة جالساً معها صامتاً ، مخافة أن يصحو غلين على حديثه ، ولكن الذنب لم يكن ذنبه ، الطبيب المختص هو الذي طلب منه أن يلحق به في مكتبه بعدما زار غلين وعاينه 0
(( فالنتينا ؟!!))
إنه مما أزعج كاترين حقاً ، أن يكون اسم أختها هو أول كلمة تخرج من شفتيه ، عندما استيقظ ، فانحنت إلى الأمام ولمست بخفة وجنته ، وقالت :
(( أنا هنا غلين ))
(( فالنتينا ))
نطق اسمها ثانية ، وهو أكثر وثوقاً من نفسه ، وبدت عيناه الزرقاوان كأنما تنظر إليها :
(( كيف 000كيف تشعر ؟ ))
قالت كاترين ذلك وهي تنظر نحو الباب وتتمنى عودة جيرد في أسرع وقت ، وتابعت :
((لقد نمت عدة ساعات ، ألست جائعاً ؟ ))
كشفت شفتا غلين عن أسنان بيضاء كالثلج بابتسامة حلوة ، وأصابعه تمسك بمعصمها يقربها منه ، قال :
((هل كنت جالسة هنا طيلة هذا الوقت ؟ ))
(( عمك أخذني لأتناول شيئاً من الطعام ، وماعدا ذلك كنت أجلس أراقبك وأنت نائم ))
سرت رعشة في عروق غلين وهو يحاول جاهداً أن يتمسك بكاترين ، وقال :
(( صورتاي ليست جميلة ، أعرف ذلك ، وأظن أنك لا تستطيعين النظر إلي ))

كتمت كاترين تنهيدة أسى في صدرها ، أما غلين فقد غير مجرى الحديث وسأل :
(( هل جيرد هنا ؟ ))
(( لقد ذهب مع الطبيب في مكتبه ))
((جيرد رجل غريب،أليس كذلك ؟ جميعنا نعتمد عليه ))
قالت : ((الجميع ؟!))
(( أعني أنا وأمي ، وأبي ، وبقية الرجال 000))
(( علمت أن أباك قد توفي ))
خرجت الكلمات من فمها على غير وعي منها ، وتمنت لو أنها لم تتسرع لكن لم يبدو على غلين أي انزعاج من كلامها ، وقال :
(( أبي قد توفي منذ مدة ، والذي أعنيه هو جدي ، والد أبي ))
(( أني متأكدة أن جميع أفراد أسرتك سيسرهم أن يعلموا أنك تتماثل للشفاء ))
سكتت عن الكلام جافلة ، عندما أحست بأصابعه تقبض بقوة غير متوقعة على معصمها ، ويقربها منه وهو يسأل :
(( هل سأشفى حقاً ؟ هل سأكون بخير ؟ هل سمعت أي شيء عن حالتي ؟ فالنتينا ، هل هناك ما تخفونه عني ؟ أرجوك أخبريني ))
استطاعت كاترين أن تتحرك بصعوبة في مقعدها ، نظرت نحو الباب ، تتمنى دخول أس إنسان كي ينقذها ، ولكن الباب بقي مغلقاً ، وكان لزاماً عليها أن تعيد الطمأنينة إلى نفسه ، فقالت محاولة أن يكون صوتها صوت الواثق من نفسه :
(( بالتأكيد ، بالتأكيد ستكون بخير ، إن جروحك ليست عميقة كما تعتقد وهي فقط حول عينيك 00كان من الممكن أن تصاب بارتجاج في الدماغ ، ولكن ليس هناك سبب 000))
قاطعها وعلامات الإرهاق تبدو في نبرات صوته :
(( فالنتينا ، ولكني أعمى !! ألا تدركين ذلك ؟ إني أعمى و لا أستطيع أن أرى شيئاً ، ماذا سيفعلون من أجل استعادة بصري ؟ ))
(( لا أدري ماذا سيفعلون ، ولكني أعرف أنه عمى مؤقت ويحدث أحياناً بعد الصدمات ))
(( هل أنت متأكدة حقاً ؟ ))
تملك كاترين أسى عميق ، فهو مع كل ما جرى له ، لم يحاول توجيه حتى ولا كلمة لوم واحدة لها ، وقالت تضغط على ذراعه بتردد :
(( أنا متأكدة ، ولكن المسألة تحتاج إلى وقت ، هذا كل ما في الأمر ))
فجأة قال غلين بصوت هامس :
(( أنا لم أخبرهم بشيء ، لا يمكن أن أفعل ذلك ، لم تكن غلطتك ، أنها تلك القطة 000، فالنتينا حبيبتي كوني مطمئنة ، ولا تقلقي ))
أسعفها دخول الممرضة الليلية إلى الغرفة ، وهي تسأل :
(( هل استيقظ مريضنا ؟ ))
ثم تقدمت منه وتابعت بروح مرحة ، تلك الروح التي تتطلبها مهنتها :
(( كيف تشعر هذا المساء يا سيد غلين ؟ هل ستدع الآنسة فالنتينا تذهب إلى البيت لتنام قليلاً ؟ ))
سأل غلين بارتباك :
(( كم الساعة الآن ؟ ))
نظرت الممرضة إلى ساعتها وهي تقترب منه لتجس نبضه ، وقالت :
(( إنها الحادية عشرة والنصف تقريباً ، والطبيب سينغ ، سيأتي الآن ليراك وأنت مستيقظ ، وإني أقترح أن تذهب الآنسة فالنتينا لترتاح الآن ، وتعود إليك في صباح الغد))
وقفت وهي تشعر بالامتنان لهذه الممرضة التي أنقذتها من هذا الموقف ، وقالت :
(( نعم , نعم سوف آتي في الغد ))
أمسك غلين بأصابعها وسألها :
(( هل سيسمحون لك بذلك ؟ أليس لديك عمل في الغد ؟ ))
ثم التفت إلى الممرضة وأضاف :
(( فالنتينا ممرضة أيضاً ، في سنتها الأولى في مشفىسانت ماري ، وهكذا سأكون في أيد أمينة عند عودتي إلى البيت ))
اضطربت كاترين وأحمر وجهها ولكن الممرضة كانت مشغولة بمعالجة غلين فلم تلحظ ذلك ، وقالت من دون أن تنظر إليها :
((أنا أعرف ممرضة هناك ، اسمها مارغريت فليمنغ ، هل تعرفينها ؟ ))
(( الاسم مألوف لدي 00من الأفضل أن أذهب الآن ، سوف أراك غداً ))
انحنت كاترين وصافحت غلين مودعة بلطف ، أراد غلين أن يحتج على هذا الوداع العادي ، لكن الممرضة لم تترك له فرصة لذلك ، فأخذت مكانها وابتدأت ترفع كم قميصه لتقيس ضغطه0
ولكنه قال وعيناه غير المبصرتين في اتجاهها :
((حسناً ، سوف أراك غداً 00أريد ان أقول 000))
قاطعته الممرضة ن وقد أحست به يرتجف عند قوله (( سوف أراك ))
((حسنا سيد غلين هذه ليست الطريقة المناسبة لتودع بها صديقتك ))
اجتازت كاترين الممر وهي تحس بإرهاق شديد ن مع أنها لم تقم بأي عمل 0كان جيرد واقفاً في نهاية الممر ، مستغرقاً في مناقشة مع رجل أسمر اللون يلبس رداء أبيض ، عرفت كاترين انه لا بد أن يكون الطبيب ، فجأة رفع جيرد نظره فرآها ودعاها للانضمام إليهما ، وقدمها للطبيب قائلاً :
(( الآنسة كاترين مالوري ))
ثم وجه حديثه لكاترين :
((كنت في هذه اللحظة أشرح للدكتور سينغ ظروف وملابسات الحادث ))
رفعت كاترين نظرها إليه وقالت :
(( أنت تعني 00))
قاطعها الطبيب :"
(( يعني ، أنه أخبرني أنك لست الآنسة الصغيرة ، مع أن غلين فريزر مقتنع بأنك فالنتينا ))
عضت كاترين على شفتيها :
((وما هو رأيك ؟ ))
((عن السيد غلين ؟ أو عن خداعك له ؟ ))
(( عن الاثنين ))
قال الطبيب :
(( السيد غلين سيشفى قريباً ، جروحه ليست خطيرة ، وهو يستطيع أن يغادر المتشفى بعد أسبوع أو أقل ))
(( آه شكراً لله ))
(( أما بصره فهو مسألة أخرى ))
(( ولكني فهمت أن عماه مؤقت ))
قال الطبيب بهدوء :
(( قد يكون كذلك ، العمى الذي يعاني منه غلين هو حالة تشنج ، ونحن لا نعرف ما فيه الكفاية عن حالات التشنج العصبي هذه حتى نستطيع أن نقول بثقة كاملة متى سيعود إليه بصره ))
(( وماذا عن فالنتينا ؟ هل تظن أنه يجب أن يعرف شيئاً عنها ؟ ))
(( لا ، ليس الآن ، أنا أعرف صعوبة هذا الأمر عليك آنسة كاترين ولكن الآن ليس هو الوقت المناسب ، ليتلقى غلين هذه الصدمة ، فهو بحاجة إلى راحة واطمئنان ، وعلينا أن نتعاون على توفير هذا الجو له ))
اختار جيرد هذه اللحظة ليفجر قنبلته ، فوجه كلامه للطبيب قائلاً :
(( لقد قلت أن غلين يمكنه الخروج من المتشفى بعد أسبوع ، أليس كذلك ؟ ))
هز الطبيب رأسه وقال :
(( ربما عشرة أيام ))
قطب جيرد جبينه وقال :
(( عندئذ ، إذا أصبح غلين قادراً على السفر ، فسيرافقني عائداً إلى وطنه ، وسوف أجري له الترتيبات اللازمة مع مشفى كالجري ن ليواصلوا معالجته هناك ، وريثما يحين ذلك الوقت ، سأسافر وحدي إلى بلدي كندا لقضاء بعض الأعمال ، ثم أعود في الوقت المحدد لاصطحابه إذا لم يكن لديك اعتراض على ذلك ))
(( لا أجد أي سبب على الإطلاق يمنع ابن أخيك من السفر بعد عشرة أيام ، والرحلة ستكون ممتعة بالطائرة ))
(( أنا أملك طائرة خاصة ، وسيلقى فيها كل عناية

ورعاية ))
ارتجفت كاترين عن سماعها بأن جيرد سيتركها هذه المدة وحدها مع غلين،كما دهشت عندما عرفت أنه يملك طائرة خاصة لنفسه،إنها لم تلقمن قبل رجلاً يملك طائرة خاصة،فما هي الأعمال التي يقوم بها يا ترى؟ بدت الأمور معقدة بالنسبة إليها،وأحست أن سيمون كان محقاً عندما حذرها مما هي مقدمة عليه 0
لم تسمع كاترين ببقية الحديث الذي دار بين الطبيب وجيرد ، لأن أفكارها كانت مشغولة بوضعها ، وما ستؤول إليه حالها 0 وعندما ودعهما الطبيب ومضى نحو غرفة غلين ، التفتت إلى جيرد وقالت من غير أن تترك له مجالاً للكلام :
(( لا يمكنك أن تذهب وتتركني وحيدة مع غلين ، فأنا لا أستطيع الاستمرار في هذه اللعبة من غير مساعدتك ، إنني لا أعرف شيئاً عن غلين ، فكيف يمكنني معالجة الأمور ، عندما يحدثني عن فالنتينا ، عن المستقبل الذي يصبون إليه ، عن الذكريات التي لا أعرف عنها أي شيء ، عن الناس الذين لهما صلة بهم ، إنه في الواقع عمل جنوني ، من الجنون أني رضيت الدخول في هذه التمثيلية منذ البداية ، وأما الاستمرار فيها فهو أشد جنوناً ))
هز جيرد رأسه وقد ضاق صدره وقال :
(( هدئي من روعك يا كاترين ، أنا أعرف أنني بهذا ألقي العبء كله على عاتقك،ولكن طالما أصبح غلين قادراً على السفر فيجب أن أذهب لمهد الطريق ))
(( تمهد الطريق ؟ ماذا تعني؟!))
(( نغم أمهد الطريق ، يجب أن أرى ليزا ، يجب أن أخبرها عن حاله ، أليس من حق والدته أن تعرف كل شيء عنه ؟ ))
قالت صائحة :
(( ألم تخبرها أنه أعمى ؟))
(( اسمعي لا يمكننا أن نناقش الأمر هنا ، دعيني أخبر غلين أنني ذاهب وسأوصلك إلى البيت ))
(( لا تتعب نفسك فسوف استقل سيارة عمومية ))
صاح جيرد :
(( لا تكوني سخيفة ، لن تجدي أية سيارة في هذا الوقت ، انتظري هنا قليلاً ))
كان جيرد محقاً في قوله ، عن السيارة على الأقل ، كم كانت كاترين بحاجة لكي تنفرد بنفسها بعد كل ما سمعت ، لتواجه الأسبوع المقبل الذي ستكون فيه وحدها مع الأعمى المذعور ، زمت شفتيها بمرارة عندما فكرت بالعمى 000وهي تعلم أنها كانت هي العمياء الحقيقية عندما رضيت الدخول في هذه اللعبة 0
كان جيرد قادماً نحوها نشيطاً مليئاً بالحيوية ، على الرغم من أنه لم ينم إلا قليلا ،أو أنه لم ينم على الإطلاق في الليلة الماضية 0
(( دعينا نذهب ))
لم يكن لدى كاترين الخيار ، كان عليها أن تطيع أوامره ، بأية حال كانت تحس بأنه شخصية خلقت لكي تأمر فتطاع 0
كانت الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة ، عندما وقفت سيارة مرسيدس أمام المبني ، وكاترين عزمت على ألا تصحو مبكرة في صباح الأحد ، مهما كانت الأسباب 0
عندما أرادت الخروج من السيارة ، وضع جيرد يده على ذراعها وقال :
(( أريد أن أشكرك فقط ، وإني لأقدر فيك كل ما تفعلينه لأجلنا ، وتأكدي أنك لن تكوني الخاسرة ))
تأثرت كاترين بنغمة صوته الجذابة ، ولكنها أبعدت يده عن ذراعها وقالت :
(( أنا لا أريد أي شيء منك يا سيد جيرد،إن ما أفعله ، أفعله من أجل غلين وليس من أجلك،ليلة سعيدة ))
(( كاترين 000))
سمعت نداءه وهي تسرع إلى داخل المبنى ، ولم تتوقف لترى إن كان يتبعها ، قفزت إلى المصعد من غير أن تلقي نظرة إلى الوراء
لقد أمضى جيرد طيلة صباح الأحد ، أي اليوم السابق لموعد سفره عند ابن أخيه ، وهو ما فعلته كاترين كذلك ، التي كانت اتفقت مع سيمون ، أن يأتي المساء ، كي يصطحبها لحضور حفلة فرقة بارتوك الموسيقية 0
إنه لمن الممتع حقاً بعد كل العناء الذي قاسته كاترين ، أن تجلس بارتياح في القاعة الفسيحة الفخمة ، وتترك الألحان الشجية تنساب إلى سمعها بعذوبة ، وتحس أنها استردت شيئاً من حريتها السلبية ، تتصرف بها كيفما تشاء 0
ولكن ما لم يغب عن مخليتها أبداً ، إمارات التوتر والاستياء التي ظهرت على وجه جيرد عندما أعلمته بخطتها ، وفي اليوم التالي في ظهر يوم الاثنين سافر جيرد إلى كالجري وتركها وحيدة مع غلين 0
أثناء الأسبوع الذي غاب فيه جيرد ، بذلت كاترين جهدها لتبعده عن مخيلتها ، وتقصيه عن تفكيرها ، عزمت على نسيانه ، ولكن هذا لم يكن سهلاً عليها ، فكثيراً ما كان يذكره غلين ، فيعود جيرد إلى ذاكرتها ، كانت كاترين تلمح إمارات الارتياح تلوح على وجهه ، عندما يتحدث عن عمه ، ولذا لم تكن تحاول مقاطعته أو تغيير مجرى الحديث 0
أما عن أخبار فالنتينا ، فإن والدها لم يتصل هاتفياً ، بل أرسل إليها برقية يخبرها فيها أن شقيقتها عنده ويطمئنها عليها ، كما وعدها أن يكتب لها مفصلاً في المستقبل 0
كان من الصعب على كاترين أن تجد تفسيراً لغلين عن عملها اليومي أثناء النهار ،وزيارتها له في المساء ، فمواعيد عمل أختها كانت تختلف ، فتلك كانت تعمل بعض أيام الأسبوع في النهار ، والبعض الآخر في الليل ، ولم تجد كاترين لها مهرباً إلا اللجوء إلى الكذب من جديد ، وأخبرته أنها استطاعت الحصول على إذن خاص بسببه ، يسمح لها أن تعمل نهاراً طيلة أيام الأسبوع لتقضي الأمسيات إلى جانبه 0
أصبحت أتعس الساعات وأقساها بالنسبة إلى كاترين ، تلك الساعات التي تقضيها منفردة مع غلين ، خصوصاً وأنه أخذ يتماثل إلى الشفاء ، وغدا أشد قوة وأكثر جرأة مما كان ، صار بمقدوره التودد إليها ، و يحاول أن يغادر الفراش ويجلس على الكرسي ، أو يمشي قليلاً في الغرفة ، يستطيع الاقتراب منها ، ويتلمس بشوق وجهها الذي طالما قتن به وأحبه 0
لم تكن كاترين تدري كيف تتصرف أو ماذا تفعل كي تخفي اضطرابها ، كيف تسكت دقات قلبها الخائفة ، فإنها إن صبرت على مداعباته ، فهي تخشى أن تمتد يده ، يعبث بشعرها الناعم الأملس ، فينحل وينسدل على كتفيها ، وعندئذ يدرك غلين أنها ليست فالنتينا ذات الشعر القصير المموج ، عندئذ يدرك الخدعة ، فماذا عساها تفعل ، من سينقذها من تلك الورطة ؟ أما إذا ابتعدت عنه ولم تترك له مجال لذلك ، فسيحسب أن عواطفها نحوه قد خمدت أو تغيرت ، مع أنه يتوقع ولا شك ، بعد الذي حصل ، أن تزداد له حباً وبه تعلقاً !!!
كان عليها أن تحتاط للأمر ، من غير أن تدع الشك يتسرب إلى نفسه 0
استمرت عيناه على حالهما ، ففي بادئ الأمر كانت كاترين تستطيع أن تطمئنه وتبعث الأمل في نفسه ، ولكن عندما أخذت الأيام تمر تباعاً يوماً بعد يوم آخر ، وهو لا يزال يعيش في حلكة الظلام ، ازدادت مخاوفه كثيراً ، وأضناه اليأس ، وأدركت أنه بذلك لم يعد قادراً على اكتشاف شخصيتها ، ولكن كاترين في الواقع لم يعد خوفها من أن يكشف هويتها ، يوازي خوفها عليه من أن يستمر في عماه ويصاب بارتجاج في دماغه 0
أصبح غلين كثير الكآبة ، قليل الحركة ، يمضي وقته عند زيارتها له ن يسألها عن حاله ، يسألها عن رأي الأطباء في وضعه ، ينتظر كلمة تعيد إليه الأمل 0
وتبعث في نفسه الرجاء ، لقد تقبل سفر عمه إلى كالجري بارتياح ، لمعرفته أنه عند عودته سيصحبه في إجازة طويلة إلى بلده ، وعلى هذا الأساس طلب من فالنتينا – حسب اعتقاده – برجاء مشفوع ، بكثير من الحزن ن أن ترافقه في إجازة تأخذها لنفسها أيضاً ، وأكد لها أنها ستسر كثيراً في المزرعة 0
دهشت كاترين عندما عرفت أن جيرد يملك مزرعة ، فهي تعلم ، كما هو معروف في انكلترا ، أن أصحاب المزارع نادراً ما يتسع لهم الوقت للقاءات والسفر ، كما أنهم لا يملكون طائرات خاصة يطيرون بها ويرجعون عبر المحيط كلما يحلو لهم ذلك ، إن أكثر ما يستطيعون فعله هو الذهاب إلى الأسواق ، في أية حال هي تجهل طبيعة المزارع في كندا ، فلعل جيرد عضو في جمعية زراعية أو ما شابه0
تلقى سيمون خبر حالة غلين وكآبته من غير استياء ، وقال :
((إن أي شخص ، يدع مثل الأخت الطائشة تقود سيارته ، يستحق أكثر مما حدث له ويحدث ، لا شك أن هذا الشاب معتوه!!))
جرى هذا الحديث في مساء أحد الأيام ، وقد اصطحب كاترين إلى بيت أمه 0
وضعت السيدة ترافس – والدة سيمون – صينية على الطاولة بجانب كرسيها ، عليها صحن فيه بسكويت ، وثلاثة فناجين من الشاي ، ثم قالت تؤكد كلام ابنها :
(( هذا صحيح يا كاترين ، فأنا لا أعذر أختك أبداً على ما فعلت وعلى هروبها ، وأعجب كيف تعالجين هذا الأمر على حسابك ، بلا مبالاة !!))
(( بلا مبالاة ؟))
رددت كاترين تلك الكلمات وهي تنظر إلى السيدة ترافس باستغراب ، وسمعتها تتابع قائلة :
((بالتأكيد بلا مبالاة ، وأنت تمثلين دور أختك ، وتمنحين غلين عواطفك ، مع أنك تدركين ما يمكن أن تكون عليه النتائج ))
(( حقاً كان على غلين أن لا يسمح لأختي بقيادة السيارة ، ولكنه لما كان مغرماً بها كثيراً ، ويفعل كل ما يرضيها ، كي يراها سعيدة ، ارتكبت هذا الخطأ ، نحن جميعاً نقر أنه خطأ ، ولكن ماذا كانت النتيجة ؟ إنه الشخص الوحيد الذي أصيب ، وهو الشخص الوحيد الذي يعاني ، أليس ما أصابه عقاباً كافياً لما فعل ؟))
ومن غير أن يلتفت إليها ، أو يقتنع بكلامها ، قال سيمون وهو يتناول قطعة من البسكويت :
(( على أية حال ، فإن رأيي يتفق مع رأي والدتي ، وأظن أنه حظي بالكثير من كرمك ))
(( من ؟ غلين ، لا هو لم يحظ 000))
قاطعها سيمون موضحاً قصده :
(( لا ، ليس غلين من أعني ، إني أعني عمه بالطبع 0 يمضي هكذا ، ويتركك تتحملين المسؤولية بمفردك ))
هزت الأم رأسها متدخلة :
((وهذا ليس مناسباً من أجل سيمون أيضاً ، هل تشعرين بما يحس به ، عندما يسأله بعض الأصدقاء عما تفعلين في المتشفى ؟ إن للناس ألسنة تتكلم يا عزيزتي ! ))
نظرت كاترين نحو سيمون وقالت وشفتاها ترتجفان :
(( أصدقاء ؟ من ؟ ))
((توبي ريتشارد ))
ذكر سيمون الاسم وهو غير راغب في أن تقحم والدته هذا الموضوع في مناقشاتهم ، أما كاترين فقد هزت رأسها باستغراب ، وقالت :
(( إذن هو ريتشارد ، بربك سيمون ، هل يمكنك أن تسمي هذا الإنسان صديقاً؟ ))
(( لا ، لكنه كان زميلي ، وهو يعرفك من بعيد ))
(( ورآني في المتشفى ؟ ))
(( نعم ، رآك مع عم غلين ، فقد كان توبي ذاهباً إلى المتشفى ليزور أمه المريضة هناك ، تماماً في الوقت الذي خرجت فيه بصحبة جيرد ))
(( آه ، عرفت ))
لقد فهمت كاترين أن زيارتها لغلين ليست هي المقصودة ، ليست هي التي كانت تزعج سيمون ، بل ظهورها بصحبة رجل آخر ، أنها تسمع الكثير عن توبي وسمعته السيئة ، وهي تقدر الآن ما الذي قاله ن وتخيلت أي تأويل يمكن أن يكون قد قدمه لسيمون :
(( على كل ، كيف حال غلين هذا المساء ؟ ))
تدخلت السيدة ترافس بهذا السؤال عندما رأت الغضب يطل من عيني كاترين ن غير راغبة في الدخول في مشادة ثانية ، خصوصاً وأنها لم تكن متأكدة تماماً من الجانب الذي سينحاز إليه سيمون ، والسيدة ترافس تعلم أنه في الغالب كان يقف إلى جانب كاترين ، حتى ولو كانت ادعاءات الوالدة صحيحة 0
أرادت كاترين أن تتجاهل السؤال وتتابع قصة توبي ريتشارد ، ولكنها لم تكن ترغب في أن يدب الخلاف بينها وبين سيمون الآن ، فاصطنعت ابتسامة باهتة وأجابت :
(( إن حالته الصحية في تحسن مستمر ، أما مسألة البصر فهي المشكلة الرئيسة ))
سألتها السيدة ترافس :
(( ألا يستطيع رؤية أي شيء ؟ ))
((مطلقاً ، مسكين هو غلين ، أحس بأني حزينة جداً من أجله ))
نفذ صبر سيمون وهب واقفاً وهو يقول :
(( أوه ، متى سيعود جيرد هذا ؟ متى تتوقعين أن نتحرر من هذا الواجب ؟ كاترين أكاد اختنق ))
وضعت كاترين فنجان الشاي من يدها على الطاولة ، وقالت :
((آسفة ، لأنك تشعر بهذا الشعور ، ولكن ماذا تريدني أن أفعل ؟ هل أتوقف عن زيارة غلين ؟ ))
أخذ سيمون نفساً عميقاً وقال :
(( حسناً ، ولكن عندما يعود عمه 00))
(( عندما يعود عمه ، سوف يصطحبه إلى بلده))
قالت ذلك وهي تشعر أنها ستفتقد غلين 00
عادت كاترين مساء الخميس من المتشفى إلى البيت مباشرة ، وفتحت الباب على رنين الهاتف ، نظرت إلى ساعتها فألفتها تشير إلى التاسعة والنصف تقريباً ، توقعت أن يكون المتكلم جيرد ، فلم تتعجل الرد ، عندما رفعت السماعة انتابها شعور غريب لم تستطع تحديده ، كان كان الصوت آت من بعيد ، قفز تفكيرها رأساً إلى أبيها ، فقد يكون قرر أخيراً أن يتصل بها ، إلا أن صوتاً آخر هو الذي سمعته ، صوت عميق ينبض بالحياة ، إنه صوت جيرد 0
((لا أظن أني أيقظتك من نومك ، هل فعلت ؟ ))
قال ذلك بعد أن حياها وردت التحية 0
((لا ، الآن قد وصلت ، كنت أزور ابن أخيك ، من أين تتكلم ؟ ))
أجاب بصراحة :
((من موزباي فقد أردت الاطمئنان على غلين ))
((لماذا لم تتصل بالمشفى ؟ ))
(( لقد اتصلت ، وتكلمت مع غلين ، في اللحظة التي تركته بها ، لهذا فإني أتحدث إليك ))
تسمرت راحة كاترين بالسماعة ، وغاصت في الأريكة ، وسألت :
(( ولكن لماذا ؟ ))
((لأسألك أنت عن حاله ؟ فأنت تعرفين الحقيقة أكثر منه بالتأكيد ))
هزت كاترين رأسها وقالت :
((لا جديد , غير أن اضطرابه ازداد بسبب عدم رجوع بصره إليه ))
قال جيرد بصوت حزين :
(( الله وحده يعلم كيف سيتمكن غلين من التعايش مع هذا العمى الذي لا يعرف أحد متى تكون نهايته ))
صمتت كاترين هنيهة ثم قالت :
(( هل أخبرت والدته بذلك ؟ ))
(( نعم أخبرتها ، فوقع عليها وقوع الصاعقة ، وكذلك على والدي))
(( أنا آسفة ))
أحست أنها كلمات تافهة تلك التي تفوهت بها ، ولكنها لم تجد كلمات أخرى مناسبة تقولها 0
وأضافت :
((متى ستعود ؟ ))
((لماذا ؟ هل اشتقت إلي ؟ ))
((بالتأكيد ، فإن غلين ، اشتاق إليك كثيراً ، وهو يذكرك دائماً ، ولا بد أنه سيشعر بالتحسن عندما تعود ، ويغادر المتشفى ))
((حسناً سأعود مساء الجمعة المقبل ، وسأتصل بك صباح السبت ، هل هذا يناسبك ؟ ))
(( لا بأس ))
وقبل أن ينهي المكالمة قال :


((كاترين ، أريد أن اعتذر عن تلك الليلة ، في الحقيقة لم أكن أقصد إغاظتك ، ولا أدري ماذا كنا سنفعل أنا وغلين بدونك ، سأراك يوم السبت ، إلى اللقاء ))
وضعت كاترين السماعة ببطء مكانها ، ومرت بضعة دقائق قبل أن تخلع معطفها ، أحست برعشة قوية تسري في جميع أوصالها ن وبضعف المّ بها 0 ولكنها عنفت نفسها ، لأنها أخذت بجاذبية هذا الرجل ، فالمسألة كلها أنه كان مؤدباً ، وسبب اتصاله بها كان واضحاً ، لقد كان قلقاً على ابن أخيه ، وعليها ألا تنسى أن غلين هو من يحتاج إليها ،وليس جيرد ، ومع كل هذه الأمور التي تقنع نفسها بها ، لم تستطع إنكار حقيقة أنه رجل جذاب 00
سخطت كاترين من عواطفها السخيفة ، كما خشيت منها أيضاً فهي ما عادت تلميذة مدرسة ، تنجذب لأول رجل يتودد إليها ، بل بلغت من العمر الحادية والعشرين ، وكان لها عدد من الزملاء والأصدقاء ، منذ كانت في السادسة عشرة من العمر ، وكذلك هي وسيمون ، فقد مضى على صحبتهما ثلاث سنوات ، ولم تشعر نحوه في أية لحظة بما تحس به الآن ، قالت في نفسها : على أية حال ، غلين وعمه سيسافران قريباً ، ويخرجان من حياتها إلى الأبد ، وهذا هو الأفضل 0
عندما استيقظت صباح السبت لم تستطع أن توقف ما أحست به من مشاعر ، فلا بد أن جيرد قد عاد من رحلته ، تناولت فنجاناً من الشاي ، وهي تتصفح أحدى الصحف ، كانت تنتظر 00وعندما رنّ جرس الهاتف ، قفزت لتجيب 0
ولكن لخيبتها كان المتحدث سيمون 0 يطلب منها مرافقته ووالدته يوم الأحد ، إلى زيارته خالته إدنا لتناول طعام الغداء عندها 0
هذه الفكرة لم تكن مقبولة أصلاً لدى كاترين ، فهي تعرف أن أدنا مثل السيدة ترافس تماماً ، ليس لديهما حديث إلا عن أوجاعهما ، والعمليات التي أجريت لكل منهما ، وهذا لاشك شيء مضجر إلى حد كبير ن بالإضافة إلى أنها لا تستسيغ الطعام الذي تقدمه تلك الخالة 0
قالت تجيب سيمون على دعوته :
((آه ن سيمون ، دعني أفكر في الموضوع ، فأنا لا أعرف متي سيسافر غلين وعمه ، وأغرب أن أكون طليقة في الغد ، لأقوم ببعض الأعمال المنزلية 0))
رد سيمون منزعجاً :
(( لا أظن أن يوماً واحداً سوف يؤثر على هذه الأعمال ))
(( ولكنك تعلم يا سيمون ، أن الأحد هو يوم عطلتي ، وهو اليوم الوحيد الذي يمكنني القيام فيه بما يترتب علي من أعمال المنزل ))
((لم يكن هذا رأيك يوم الأحد الماضي ، عندما أصطحبك جيرد وقضيت اليوم بطوله في المتشفى ))
(( حسناً سيمون ، أنا آسفة 0 سوف أراك في المساء ، وعندئذ نبحث الأمر ))
(( أريد ردك الآن كاترين ، نعم الآن ، فأنت تعرفين أن خالتي يجب أن تعرف مسبقاً ، كي تهيئ الغداء حسب عددنا ))
(( لا أستطيع الرد الآن ، وكما قلت لك أترك الأمر للمساء ))
(( أنا آسف كاترين ، سأذهب أنا وأمي ، فأنا لا أقدر أن أرتب أموري حسب ظروفك ))
عرفت أنها أغضبته ، ولكن في الواقع لم يكن لديها أدنى ميل لتلبية هذه الدعوة ، ولا أي استعداد لتستمع من جديد إلى قصة عملية الغدة الدرقية التي أجرتها خالته 0
وقالت :
(( لا بأس ، إذن سأراك في المساء ))
وبكلمة مقتضبة تدل على الموافقة أنهى المكالمة 0
بينما كانت ترتد ثيابها ، رن جرس الهاتف ثانية ، وفي هذه المرة كان جيرد هو المتكلم ، وعندما سمعت صوته أحست برعشة تسري في جسمها ، بدا بتحيتها ، ثم قال :
((متى أستطيع أن أراك ؟ هل ترغبين في تناول الطعام معي ، أنت وسيمون ؟ ))
(( لن أرى سيمون حتى المساء ، أما أنا فلا أجد مانعاً من مرافقتك ، أين ؟ ومتى ؟ ))
حدد لها مطعماً يلتقيان فيه تمام الساعة الواحدة ظهراً وأنهى الحديث 0
ترى أي طائرة هذه التي تأخذه وتعيده عبر الأطلسي متى شاء ؟!!
هذا ما جال في خاطر كاترين ، بعدما أعادت سماعة الهاتف مرة أخرى إلى موضعها ، من الذي يقودها ؟ إن الطائرة ملك لجيرد 0هذا ما عرفته ، أما أن يكون هو من يقود الطائرة فهذا ما لا يمكن تصديقه ، فهي لم يسبق لها أن سمعت أن هناك من يقود طائرة الآف الأميال ، ويبقى نشيطاً إلى درجة أن يصحبها إلى تناول الغداء 0
لبست كاترين ثياباً بسيطة مرتبة ، لم تحاول المبالغة في أناقتها لئلا يظن أنها تفعل ذلك من أجله ، مع إنها شعرت أن جميع تصرفاتها تدل على أنها ترغب في ذلك ، ثم سرحت شعرها ، وربطته بشريط حريري خلف عنقها ، تاركه بعض خصلاته تنساب على أذنيها 0
نظرت إلى مظهرها نظرة رضا ، عندما وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها ، قبل مغادرة المنزل 0
كانت تتوقع أن تجد جيرد ينتظرها عند الباب ، ولكنها هي التي تأخرت عن الموعد المحدد بضعة دقائق ، فالسائق لفّ بها كثيراً في الطرقات ، حتى اهتدى إلى المكان الذي أشارت إليه 0
تقدم نحوها أحد العاملين في المطعم ، فسألته على الفور عن السيد جيرد فريزر 0
أحنى رأسه دلالة على وجوده ، وعلى شفتيه ابتسامة لطيفة 0
سارت كاترين في رواق مظلل باللون الأخضر الجميل إلى صالة حديثة تضيئها قناديل مختلفة الأشكال والألوان ، مما زادها رونقاً وجمالاً ، فوجدت نفسها تقف إلى جانب طاولة رئيس القائمين على خدمة الرواد ، وعند ظهورها وقف بأدب ، سألته عن جيرد ، ولكن قبل أن تسمع الجواب ، كان رجل يشق طريقة نحوها تحت الأضواء الخافتة ، رجل طويل القامة ، داكن اللون لا يمكن أن تخطئه أبداً ، أنه جيرد 0
(( شكراً لوجي ، الآنسة معي ))
أحنى لوجي رأسه بأدب وصمت 0
(( آسفة لأني تأخرت ، حسبتك ذهبت 00000))
قاطعها جيرد :
(( من المستحيل أن أفعل ذلك ، تعالي إلى طاولتنا هناك ، يمكننا تناول بعض الشراب ، قبل اختيار ما نريد أن نأكل ))
بدا الارتباك على كاترين وهي تبتسم له ، وتسير حيث يقودها ، إنها تدرك أنه يراقب كل حركة من حركاتها ، فكانت تحاول أن تهدئ عواطفها ، لقد بعثت رؤيته مرة ثانية القلق في نفسها ، وتحولت عيناها إلى وجهه بافتتان لم تتمكن من إخفائه 0
لكن يبدو أنه لم يكن ينظر إليها ، لقد كانت نظراته تتجاوزها إلى الطاولة التي يقودها إليها ، كانت هناك امرأة شابة ، تبدو أنها تكبرها ببضع سنوات فقط ، نحيلة ، سمراء ، ناعمة الملامح 0
التفتت إلى جيرد ، ظنت أنا مخطئة ، وليس هذه طاولتهما ، ولكن تبدد شكها عندما سمعت جيرد يقول وقد أحنى رأسه بأدب :
(( اسمحي لي أن أقدم لك أرملة أخي ، ليزا ، هذه كاترين شقيقة فالنتينا ))
مدت ليزا يدها نحوها وهي تقول :
(( أنا سعيدة بلقائك كاترين ، أخبرني جيرد عن كل ما فعلته من أجل ابني ، وأنا حقاً شاكرة لك فضلك ))
تناولت كاترين اليد الممدودة إليها مصافحة ، وقالت :
(( ليس هناك ما يستحق الشكر ))
جلست كاترين على الكرسي الذي سحبه جيرد لها ، وهي لا تكاد تصدق أن هذه المرأة يمكن أن تكون والدة غلين ، فهي تبدو أصغر من ذلك بكثير ، وأصغر من أن تكون أرملة أيضاً ، ولهذا خالجها نظرة شك في نظرة ليزا إلى جيرد ، وشعرت أنها لا يمكن أن تكون نظرة أرملة إلى شقيق زوجها فقط ، ثم سألتها كاترين :
(( هل رأيت غلين سيدة ليزا ؟ ))
(( نعم ذهبنا إليه من المطار مباشرة ))
(( كيف حاله؟ ))
ومن قبل أن تستطيع ليزا الإجابة أجاب جيرد :
(( رأيناه كئيباً جداً ))
تدخلت ليزا قائلة :
(( لا تقل هذا يا عزيزي ، ستظن كاترين أن غلين بم يكن سعيداً برؤيتي ، وأنت تعلم العكس ))
رد جيرد بسرعة :
(( كاترين ليست سخيفة ، فهي تعرف حاله أكثر من أي شخص آخر , ليزا يجب أن نواجه الحقيقة 000أن نقدّر غلين وحالته شيء وأن تفاءل خيراٍ هو شيء آخر ))


أمسكت ليزا ذراع جيرد بشيء من الدلال وهي تقول :
((لا شك عندما يعود إلى المزرعة ، عندما يستطيع السير على قدميه ويشعر بالهواء العليل يداعب وجهه 000))
قاطعها جيرد بصراحة :
(( أتراني ألاعب أطفالاً ؟ لم لا تكوني واقعية ، ليزا ؟ أنت تعرفين أن غلين غادر موزباي ، لأنه لم يكن مغرماً بالمزرعة ولا بأعمال المزارع ))
تغاضت ليزا عن الإهانة التي لحق بها ، وقالت :
((جيرد ، هذا ليس حقيقياً ، على أية حال فإن غلين يحتاج لقضاء بعض الوقت هناك ، ليتمتع بالهواء الطلق على الأقل ، وسوف يعود إليه بصره عندما يعود إلى بيته ))
أحنت كاترين رأسها لئلا تنظر إلى المرأة الأخرى عندما كان جيرد يجيب بجدية :
(( ليزا ، إن غلين سوف لا يرى شيئاً قبل مرور بضعة أسابيع ، أو بضعة شهور ، ولكننا سنأخذه معنا بأية حال ، لأن ليس لدينا فكرة أخرى ، ومع ذلك فعلينا معرفة رأيه أولاً ))
تمنت كاترين لو أنها كانت بعيدة عدة أميال عن هذا المكان ، عندما التفت إليها جيرد ، وبان الارتباك على وجهها تحت نظراته الثاقبة ، وجه إليها كلامه :
(( كاترين ، غلين يريد أن تذهبي معنا إلى المزرعة ، ولما أخبرته أنه لا يمكنك ترك الوظيفة ، أصرّ ، وقال أنه بحث معك الأمر ، ولم يكم لديك أي اعتراض ))
(( أنا 00أنا 00))
لم تستطع كاترين قول أي شيء ، وحبست الكلمات في صدرها ، حقاً أن غلين لمّح إلى أنه يتمنى أن ترافقه إلى المزرعة ، ولكنهما لم يبحثا الأمر جدياً ، وسمعت ليزا تقول باختصار :
(( من الواضح أن كاترين لا تعرف شيئاً عن الموضوع ، في أية حال ، فالفكرة من أصلها سخيفة ، غلين يحتاج إلى ممرضة وليس إلى صديقة ))
((لكنك نسيت أن غلين يعرف أن فالنتينا ممرضة ، وليست الفكرة سخيفة كما تظنين ، فإن غلين يحتاج إلى الراحة ، والنقاهة ، ولكن هل يتحقق له هذا برفقتنا أنا وأنت فقط ؟ ))
قالت ليزا باحتجاج :
(( هناك أبوك ))
وعند هذه النقطة تدخلت كاترين :
(( أنا 00أنا لا أعرف ماذا قال لك غلين سيد جيرد 000))
(( جيرد ، من فضلك ))
قال ذلك بإصرار ، أما كاترين فقد أحمر وجهها وتابعت :
(( حسناً أنا لا أستطيع مرافقته إلى كندا ، لا يمكنني 000الفكرة مضحكة ))
ارتعشت شفتا جيرد وهو ينظر إليها قائلاً :
(( هل هي مضحكة فعلاً ؟ حتى ولو كانت تضع حداً بين شقاء غلين أو عدمه ؟ ))
نظرت ليزا إلى كاترين نظرة غامضة وتدخلت :
(( جيرد ، لا تكن مأساوياً إلى هذا الحد ، ماذا يمكنها أن تفعل أكثر مما نفعله نحن ؟ ))
قال جير بوضوح :
(( حسناً ، إنها الجسر الذي يربط بين حياته هنا والحياة التي نجبره عليها في المزرعة ، ألا تعرفين أنه يعلّق على فالنتينا آماله ومستقبله ؟ ))
تدخلت كاترين :
(( ولكني لست فالنتينا ))
(( غلين يظن أنك فالنتينا ، وهذا هو المهم في الأمر ))
أخذت كاترين تفكر ، هل يمكن أن يخطر ببال جيرد ، أنها من الممكن أن تتنازل عن وظيفتها بهذه البساطة ، لترافقهم إلى مكان مجهول في أواسط كندا ؟!! الموضوع بأكمله يتنافى مع المنطق ، إلى جانب ذلك ماذا سيكون رأي سيمون ؟
وكأن جيرد طالع أفكارها فقال :
(( أنا لا أطلب منك أن تتركي حياتك هنا وعملك ، وما يهمك فيها من أمور ولكن ما أطلبه منك هو فقط أن تحصلي على إجازتك السنوية وترافقينا وتأكدي انك ستعجبين كثيراً بالمزرعة ، ولن تندمي مطلقاً على قيامك بهذه الرحلة ، خصوصا وأننا هيئنا لك جميع أسباب الراحة الممكنة هناك ))
قلبت كاترين شفتيها وقالت :
(( جيرد غلين وقف على قدميه ، ويمكنه الآن أن يتحرك،أنت تقول أنه يعيش مأساته ولن يكتشف حقيقتي،ولكن متى عاد إلى بيته, وابتدأ يستعيد ثقته بنفسه، فإنه عاجلاً سيكتشف أنني لست فالنتينا ))
(( كيف ؟ ))
((أولاً ، وهو الأهم شعري ، شعر فالنتينا قصير وأجعد ، وأنت تعرف أن شعري ليس كذلك ))
تدخلت ليزا :
((يمكنك أن تقصي شعرك ، إنها فعلاً أمور سخيفة ، وأنا لا أفهم كيف تعالجان المسألة ، أنا لا أظن أن الشعر القصير المتموج فيه حل للمشكلة ))
(( ولكني لا أريد أن أقص شعري ))
تجاهل جيرد أرملة أخيه ووجه كلامه إلى كاترين ، وقال بهدوء :
(( يمكنك أن تلبسي شعر مستعار ، ولا أظن أن هناك مانعاً عندما يكون ارتداؤه ضرورياً ، في أي حال دعونا الآن نتناول طعامنا ، ويمكننا إكمال مناقشتنا فيما بعد ))
كان الطعام شهياً ، ولكن لم يكن لدى كاترين أي قابلية لتناوله ، فقد شعرت بشيء من الخوف من الجو المشحون الذي يخيم على المائدة 0
تناولت كاترين فنجاناً من القهوة بدل الحلوى ، وهي تنتظر بفارغ الصبر أن يستكمل جيرد المشاحنة ، ولكنه لم يفعل ، بينما أخذت ليزا تتحدث بكل لطف وأدب مع كاترين بأمور لا علاقة لها بالمشكلة الأساسية على الإطلاق 0
منتديات ليلاس
كانت الساعة الثالثة بعد الظهر تقريباً ، عندما غادروا المطعم ، وجيرد كما في المطعم لم يتحدث في السيارة إلا قليلاً 0
اخترقت ليزا صمته ، وهي تضع يدها على كتفه من غير كلفة ، وسألت :
(( عزيزي جيرد ، ألا تشعر أنك كنت غير لطيف معي ؟ أنا أظن أن كاترين قامت بمجهود جبّار من أجل غلين ، وآن لها أن تعيش حياتها كما تريد ))
أحنى جيرد رأسه من غير أن يجيب بشيء ، بل كانت نظراته تنصب على كاترين ، نظرات لوم وعتاب ، وجعلها تشعر بشيء من الخوف وعدم الارتياح 0
كان غلين في انتظارهم ، وكم كان مزعجاً لكاترين عندما أحاطها بذراعيه ، لكنها عملت جاهدة على التخلص منه بلطف ، وبقي ممسكاً بيدها وهو يحدث والدته 0
(( أماه ، قولي الحقيقة ؟ أليست جميلة ؟ إنني مجنون بها ، ولولاها ما كنت أدري ما كان سيحل بي في تلك الأسابيع الماضية ))
تصنعت ليزا ابتسامة باهتة ، وهي تجلس إلى جانب ابنها ، مما اضطره أن يترك يد كاترين ، ثم قالت :
((ولدي ، سوف تعود معنا إلى البيت ، بيتك ، وكل ما مرّ بك سيبدو ككابوس مخيف مضى ، وسوف تتغير جميع مشاعرك هناك ، وأنا متأكدة ))
سحب غلين نفسه بعيداً عنها ، وأخذ يمشي بخطوات غير ثابتة عبر الغرفة ن رأت كاترين طاولة طعامه في طريقه ، ولكن قبل أن تتمكن من الوصول إليها لتبعدها ، كان قد تعثر بها 0
تطلعت كاترين إلى جيرد في ألم ، وهي تعيده إلى كرسيه ، ثم رد على كلام أمه :
(( نعم ، سوف أشعر بالاختلاف ، فالاختلاف الوحيد الذي سأشعر به ، هو أن هناك مساحات شاسعة يمكن أن أقع فوقها وأشياء كثيرة يمكن أن أتعثر بها!))
وقفت كاترين بجانب كرسيه ، وسمحت له أن يمسك يدها ، وقالت :
(( غلين ، لن تقع ، صدقني سوف تتحسن ، ولكن يحتاج ذلك إلى بعض الوقت وإلى بعض الصبر وأظن أنك قادر على ذلك ))
حرّك غلين رأسه وتتطلع نحوها بعينيه الزرقاوان غير المبصرتين ، وقال :
((فالنتينا ، إني خائف


أحست فالنتينا أن قلبها يكاد ينفطر لآلامه ، ولم تعد تحتمل ، وقالت :
((أريد الذهاب إلى البيت ))
أعاد غلين كلماتها :
((أريد الذهاب إلى البيت ، ولكن ليس وحدي ))
قالت الأم :
(( لن تكون وحدك يا بني000((
لكن هذه المرّة نظرة واحدة من جيرد كانت كافية لإسكاتها 0
أما غلين فقد أضاف :
(( أريدك أن تأتـي معي فالنتينا ، سوف تأتي ، أليس كذلك ؟ إذا لم تفعلي ، فلن أذهب أنا أيضاً ))

رحلة مفاجئة


عندما وصلوا إالى الفندق ، بعد خروجهم من المتشفى ، نزلت ليزل هناك ، وتابعا الدرب إلى بيت كاترين ، كالمعتاد أصر جيرد على مرافقتها إلى الداخل 0
(( أنت تعرف أن هذا سيحدث ، هذا ما سيفعله غلين أليس كذلك ؟ يا لك من خسيس ))
واجهت كاترين ، جيرد بهذه الحقيقة بعد أن دخلا إلى غرفة الجلوس ن وأدارت ظهرها نحوه ، لتخفي الدموع التي انسابت من عينيها ، ليتها لم تقل ذلك ، ليتها أعطت نفسها فرصة لتفكر بما تقول ، حتى لا يزل لسانها بما تندم عليه 0
هز جيرد كتفيه بلا مبالاة ، وألقى بنفسه على الأريكة ، عادت ونظرت كاترين إليه بعد أن مسحت دموعها ، وهي تحدث نفسها ، عجيب هذا الإنسان ، كم من السهل عليه التكيف مع ما يحيط به ، ,وأخذت تقارن بين شخص يطير فوق الأطلسي في طائرته الخاصة ، وبينه وهو مستلق دون اهتمام على أريكة بسيطة في شقة متواضعة 0
بعد برهة صمت ، قال جيرد :
(( حسناً ، أنا أعرف ما كان سيفعل غلين ، وأنت أيضاً تعرفين طالما بحث الموضوع معك ))
دارت كاترين في مكانها ، و هي تقول :
(( هو لم يبحث الموضوع معي ، فقط قال أنه لا يستمتع بالعطلة في المزرعة ، هذا كل شيء إني أقسم 00))
((حسناً ، حسناً ، لا تكوني عصبية إلى هذا الحد ، ولكني أؤكد لك أنك ستسرين بزيارة المزرعة ))
(( لا ، لن أفعل ، لأني لست ذاهبة ))
هب جيرد على قدميه واقفاً وقال :
(( ماذا تعنين ؟ ماذا تعنين أنك لست ذاهبة ؟ لقد أخبرت غلين أنك ستفعلين ))
وضعت كاترين يد مرتجفة على رأسها وهي تقول:
((أنا أعرف ماذا قلت لغلين ، ولكني لا أستطيع ، يجب أن تعرف ذلك ، أرجوك جيرد لا تنظر إلي هكذا ، أنا لا أستطيع الاستمرار في هذه اللعبة ))
((لم لا ؟ ))
خطا جيرد خطوة إلى الأمام باتجاهها ، ومع أنها كانت طويلة القوام ، كان عليها أن ترفع رأسها حتى تنظر إليه وأجابت :
((لأني لا أستطيع ))
(( يمكنك أن تأخذي إجازتك السنوية،أو إجازة بلا راتب ، ولقد أخبرتك أني سأعوض عليك كل الخسائر ))
(( لا ، ليس هذا هو السبب ))
((بحقك 000ما هو هذا السبب إذن ؟ ))
نفذ صبر جيرد فأمسك كتفيها بشدة وتابع :
(( أنا لا أصدق أنك لا تدركين ما تقولين ، أنت تعلمين أنك إذا لم تأتي معنا ، غلين سيرفض الذهاب ، وهذا سيحطم قلب أمه ))
كاترين تشك في أن هناك شيئاً يتعلق بغلين قد يحطم قلب ليزا ، أما ما يتعلق بجيرد ، فنعم ، كان واضحاً من الطريقة التي تعامله بها ، من تصرفها نحوه ، أن قرابتهما تتجاوز حدود الصداقة والألفة ، المحبون فقط يتصرفون هكذا ، وخشيت كاترين أن يكون اهتمام جيرد بليزا أكثر منه بابن أخيه ، فأصرت على موقفها ، وقالت :
(( إني آسفة ))
قفز من مكانه غاضباً ، وهو يشد على كتفيها ، حتى أحست أن أصابعه اجتازت اللحم حتى وصلت إلى عظامها :
((إنه سيمون ، أليس كذلك ؟ ))
(( لا ، سيمون ليس السبب ، وإن كنت تريد معرفة السبب فإنه 0000))
فجأة ومن غير أن تكمل عبارتها ، شدها نحوه قبل أن تتمكن من الاعتراض ، وضمها إليه ، ثم ابعدها عنه بسرعة ، وهو لا يزال ممسكاً بكتفيها 0رفع شعره المتساقط على جبينه بأصابع مرتعشة ، وقال :
((كاترين ، أنا آسف ، أنا لم أقصد 000آسف لكن ، لكنك ستذهبين معنا ))
بالتأكيد ، كان هناك أكثر من سبب في رأي كاترين جعله يفعل ما فعل ، خصوصاً أنها لم تمثل دور البريئة ، لاتقول له أنه الملام ، فهي نفسها كانت لديها الرغبة في ذلك ، لو أرادت أن تستسلم لعواطفها ، لكنها لن تفعل 0 وأصرت قائلة :
(( لا أستطيع الذهاب ، قلت لا أستطيع ))
(( بحق 0000كاترين إن غلين يحتاج إليك كثيراً ، كلنا نحتاج إليك ))
زفرت كاترين بحرارة ، وابتعدت عنه قائلة :
(( أظن من الأفضل أن تذهب 000))
((كاترين !))
(( لآ أستطيع الذهاب معك ، و لا يمكنك إجباري على ذلك ))
ولكن عندما نظر إليها نظرة أخيرة حزينة ، قبل أن يغادر الشقة ، عرفت أنه لنم يستسلم بسهولة 0
كان عليها الذهاب إلى المتشفى ذلك المساء ، حتى ترى غلين للمرة الأخيرة ، وتحاول ألا تغضبه ، فاتصلت بسيمون هاتفياً تطلب منه أن يوصلها إلى هناك ، فأجاب سيمون بحدة :
(( ثم ماذا أفعل ؟ أقف خارجاً أنتظر خطيبتي المرتقبة تلعب دور الممرضة ، لصبي ثري فاسد طائش ؟؟))
((لا سيمون ، أنت تعلم أن غلين ليس فاسداً ، وسأبقى عنده فقط مدة ساعة ، ألم نتفق سابقاً على أن تأتي لتأخذني من هناك ))
(( إذن سآتي إلى هناك في الوقت المحدد ، في الساعة الثامنة ، أليس كذلك ؟ ))
((سيمون ، لا تتعب نفسك ، سوف استقل سيارة النقل العمومي ، ذهاباً وإياباً ، وبهذا سيكون لديك الوقت الكافي ، لتستريح بقرب والدتك ))
بدا صوت سيمون ، كمن جرحت مشاعره وقال :
(( لست بحاجة لاتخاذ مثل هذا الموقف،ولا يمكن أن تتوقعي مني لعب دور السائق كلما احتجت إلى ذلك ))
قالت كاترين متأثرة بكلامه :
((سيمون ، إنها أول مرة أطلب منك أن توصلني ، وأنت تعرف أن زياراتي كانت ضرورية ، غلين أعمى ، ألا يمكنك أن تتخيل ما يشعر به ؟ وما أشعر به أنا أيضاً ؟ وأنا أعلم أن أختي هي المسؤولة عن كل ما حدث ))
قال سيمون وهو يحاول أن يخفي سخطه :
(( كما قالت والدتي ، يبدو أن أختك تعني بالنسبة إليك ، أكثر مما أعني أنا ))
أحست كاترين بتعب شديد ، ثم تذكرت جيرد ومشاعرها نحوه ، فهزت رأسها وقالت :
(( آه سيمون ، ربما أنت على حق ، لعله من الأفضل أن نعطي أنفسنا فرصة أطول للتفكير ))
قال قلقاً :
(( ماذا تعنين ؟ أ لأني أبديت بعض الانتقاد ؟ هذا لا يعني أن تذهبي بعيداً إلى النهاية ))
(( لا ، ليس أنا 00إني آسفة ، أنا لم أقصد إيذاء مشاعرك ))
(( لم تؤذي مشاعري ، ولكنك أغضبتني ، على كل فهذا ليس جديداً علي ، ليست هذه أول مرة تغضبينني فيها بسبب فالنتينا ، وأحسب أنها لن تكون الأخيرة ))
((ماذا تعني ؟ أنني أغضبك بسبب فالنتينا ؟ ))
(( من الطريقة التي تجعلين بها من نفسك مسؤولة عنها ، أعني منذ كانت صغيرة وأنا أغضب عندما كنت أجدك تتعقبينها لتخرجينها من مآزق أو آخر ، كاترين أنت لست أمها ، وأبوك هو المسؤول عنها ، هذا ما أعرفه ))
ذهلت كاترين ، لم تكن تتوقع مطلقاً اعتراض سيمون على عنايتها بفالنتينا ، ثم قالت :
(( أظن أن الحديث قد طال بيننا سيمون ، ومن الجلي أن كلينا يحتاج إلى وقت للتفكير ، سوف اتصل بك إذا توصلت إلى حل ، ولا أظن أن نبش الحقائق الماضية يساعد على حل المشكلة ))
(( لآ أظنك جادة يا كاترين ، هل تعنين أننا لن نتقابل بعد الآن ؟ ))
(( لا بل أنا جادة يا سيمون ))
(( لا لن أدعك تفعلين هذا ، إنهما جيرد وغلين ، هما السبب ، أليس كذلك ؟ لقد تظاهرت أنك فالنتينا ، فماذا يريدان أن تفعلي أكثر من هذا ؟ تذهبين معهم إلى كندا ؟ ))
قالت كاترين بثبات :
(( ليس عندي ما أقوله يا سيمون ، وكل شيء قمت به من أجل غلين كنت سعيدة به ، أرجو ألا تنسى ذلك ))
بعدما قطعت المكالمة ، كانت تخشى أن يتصل بها سيمون ثانية ، ولكن عندما تهيأت للخروج وبقي جرس الهاتف صامتاً ، أيقنت أنه لن يفعل ، نظرت إلى ساعتها ، وعرفت أنها تأخرت عن المتشفى ، ومن دون تناول أي طعام ، استقلت سيارة أجرة لتصل في الوقت المحدد 0
ووجدت غلين وحيداً ، فحيته التحية المعتادة وجلست بجانبه ، وقال مباشرة :
((حسناً ، ما هو قرارك ؟ هل أنت آتية معي ؟ فالنتينا إذا لم تفعلي ، لا أعلم ماذا 000))
تنهدت كاترين تنهيدة عميقة ، وقالت :
(( آه غلين ، لا تقل شيئاً ، أنت عرف أنني لا أستطيع ، أنت عرف أنني في منتصف المدة التدريبية ))
تمتم غلين :
(( فالنتينا ، ألست أكثر أهمية في نظرك ، إني محتاج إليك ، لم أفكر مطلقاً أني قد أقول مثل هذا الكلام لأي مخلوق ، ولكني أقوله لك ، وعندما أتعافى ، عندما يعود بصري ، لن انتظر أكثر فسوف أربط مصيري بمصيرك إلى الأبد ))
(( غلين 000))
قاطعها قائلاً :
(( حسناً ، حسناً ما كنت أريد قول هذا ولكن ألا تظنين أنك مدينة لي بذلك ؟ ))
(( غلين !))
(( الآن أصغي إلي ، أنا، لم أقحمك في شيء ، ولكن هذا لا يغير الحقيقة ، والحقيقة أنك كنت تقودين السيارة ، أليس كذلك ؟ ))
رفعت كاترين عينيها نحو السماء ، وقالت محتجة :
(( ما كان عليك أن تدعني أفعل ذلك 00))
(( هذا صحيح ، ولكني فعلت ، على الأقل يمكنك أن تأخذي إجازة ، كما قال جيرد ، وبعدها لا يعلم أحد ماذا يمكن أن يحدث ))
هزت كاترين رأسها ، بالتأكيد يمكنها الحصول على إجازة ، ولكن بعد الذي حصل بعد ظهر هذا اليوم ، إنه أكثر من الجنون أن تفكر بالعيش في البيت نفسه مع ذلك الرجل الذي استطاع إثارة كوامن عواطفها ، وهو في الوقت ذاته على علاقة بأرملة أخيه ، وإقحامها في هذه المشكلة العويصة يشكل خطراً عليها ، ثم عادت ونظرت نحوه قائلة :
((غلين ، الأمر ليس بهذه السهولة كما تظن ))
وهو يصغي إلى نغمات صوتها ، وقف على كرسيه واتجه نحوها ، يبحث عن ذراعها ، ثم ألقى بذراعه على كتفها وقال بوضوح :
((لماذا ليس سهلاً
جمدت كاترين مكانها ، حركة واحدة من يده نحو شعرها ، وينتهي كل شيء ، كان عليه فقط أن يلمسه ، فيحل الشريط الحريري الذي يكلل رأسها بهالة عنبرية اللون ، ليعرف أن هذا ليس شعر فالنتينا ، وأدركت في هذه اللحظات أنها لا تريده أن يكتشف الحقيقة ، فخرجت الكلمات بسرعة من بين شفتيها :
((حسناً ، سوف آتي معك ، ولكن لمدة أسبوعين فقط ))
((لا ، أربعة ))
(( وهناك حل وسط ))
أبدى هذه الملاحظة صوت جاف جاء من ورائهما ، فتقدم غلين ليحيي عمه ووالدته 0
قال غلين موافقاً :
((حسناً ، ثلاثة أسابيع ، هل سمعت ذلك يا أمي ؟ فالنتينا آتية معنا ، أليست هذه أخبار عظيمة ؟))
(( عظيمة !))
رددت ليزا هذه الكلمة بدون حماس ، ولما التقت عينا كاترين بعينيها ، عرفت أن هناك شخصاً لا يرحب بها في شلالات موز 0
تأكدت جيرد أنها فبلت ذلك من أجل غلين ، أما هي فقد شعرت أنه من الممكن أن ما حصل بينهما بعد ظهر هذا اليوم قد ينمو ويزداد ، ولذا فقد عزمت بتصميم ، وهي تنظر إليه نظرة باردة عدوانية ، أن تنسى نهائياً تلك الحادثة الخاصة 0
مغادرة انكلترا كانت أسهل مما توقعت ، ولا شك أن جيرد هو الذي سهل الأمور عليها ، فقد ذهب إلى رئيسها ، وطلب إجازة لمدة أسبوعين بالإضافة إلى أسبوع أخر من غير راتب ، وافق المدير على ذلك دون تعقيد ، لا شك أن جيرد شخصية مرموقة0
لم يبقى عليها إلا أن تطوي صفحات حياتها السابقة ، وتقوم بترتيبات لازمة مع جارتها لتنتبه إلى شقتها خلال غيابها ، وآخر ما كانت تفكر فيه هذه اللحظة هو سيمون ، فقد يأتي متسكعاً حول بيتها ويكشف ما تفعله ، الأمر الذي طالما لامها عليه ، ولكنها بررت لنفسها ذلك بأن ما تقوم به هو عمل وظيفي ، بالإضافة إلى أنها لم تكن قد زارت كندا من قبل ، وكذلك لم تعبر المحيط ، وفكرة قضاء ثلاثة أسابيع في أواسط كندا الغربية ، في تلك المساحات الطلقة الشاسعة ، راقت لها كثيراً بعد سجن المدينة ، ولكن لم يغب عن ذهنها مطلقاً ما يمكن أن تولده هذه الرحلة ، فشعرت بكثير من القلق والضيق 0
في التاسعة من صباح الأربعاء ، كانت سيارة أجرة تنتظرها أمام البناء لتقلها إلى المطار ، ولما وضع السائق حقائبها في السيارة ، أحست برجفة خوف من شر مرتقب ، الحقيقة أنها تقوم بمغامرة خطرة لا تعرف نتائجها ، مهما كانت نظرتها لما تفعله ، ومع أن الشعر المستعار الأشقر كان في الحقيبة فإنها لم تشعر بالأمان على الإطلاق 0
كانوا ينتظرونها في المطار ، وكانت على المدرج طائرة خاصة ستقلهم إلى حيث يقصدون ، سألها غلين :
(( هل أعجبتك الطائرة ؟ آلة قديرة سرعتها 550ميل في الساعة تقريباً ، سريعة كبعض الطائرات الكبيرة ))
بقيت كاترين صامتة فسفرها في الطائرة لم يتجاوز الرحلة إلى أسبانيا ، وهذه الطائرة تبدو في نظرها أصغر من أن تستطيع عبور الأطلسي 0
أما جيرد فقد انضم إليهم بعدما أنهى محادثته مع رجل آخر كان يقف معه بعيداً ، وسأل :
(( هل انتم على استعداد ؟ ))
(( أظن هذا ))
أجابت كاترين وهب تحاول الاحتفاظ بثباتها ، ولكنها كانت تشعر بقربه ، وبالحقيقة التي يبدو أنه نجح في إبعادها عن ذاكرته ، من غير جهد ظاهر ، التفت جيرد إلى الرجل الذي كان يحادثه وقال مبتسماً :
(( حسناً فنس ، يمكننا الرحيل ))
ليزا أصرت على مساعدة ابنها عبر المدرج للوصول إلى الطائرة والصعود إليها ، مما ترك المجال لجيرد كي ينفرد بضع لحظات بكاترين ، وفال :
(( لا تكوني عصبية ، أنا واثق أن الرحلة ستكون ممتعة ومريحة ))
(( لا تقلق علي ، سأكون بخير ، المهم أن يكون غلين على ما يرام ))
(( حقاً 00))
مرت بهما لحظة صمت ، وعندما وضعت قدمها على أول درجة من سلم الطائرة أمسك بها يحتجزها برهة ، وقال :
(( أشكرك على مجيئك ، لم يسعفني الحظ لأشكرك من قبل ، وإني لأقدر هذا منك ، خصوصاً بعد سلوكي يوم أمس الذي كان سينسف كل شيء ))
صعدت كاترين إلى الطائرة من غير إجابة ، وهي تقول لنفسها : إن ثلاثة أسابيع برفقة هذا الرجل ، ستحمل عواطفها عناء لا يطاق 0
بد داخل الطائرة كقاعة رحبة فاخرة ، بأرائكها المريحة ، وسجادها الثمين 0
عندما جلست إلى جانب غلين أخبرها أن هناك غرفة للنوم ، خاصة بجيرد ، يأوي إليها في حالة التعب ، أو عندما يسافر ليلاً 0
قدمها جير إلى قبطاني الطائرة الذين يرافقانه ، فخاطبها أحدهما وهو فنس بطريقة ودية :
(( يمكنك بعد حين المجئ إلينا لتري كيف نقود الطائرة ))
عندما ابتدأت الطائرة ترتفع ، وأخذت تحلق في سماء لندن المظلمة ، لاحظت كاترين أن أظافر ليزا كانت تنغرز في يد جيرد ، فاستخفت بنفسها للرعشات الخفيفة التي انتابتها ، ولكن سرعان ما كبتت مشاعرها 0
كانت الغيوم تحتضنهم برقة وحنان ، ترافقهم كيفما اتجهوا إلى أن أطل عليهم نور الشمس المشرقة ، فودعتهم تلك الغمائم ببعض الدموع وغابت عن الأنظار 0
قدم لها المضيف الشراب والقهوة ، وفي وقت الظهيرة ، قدم لهم طعام الغداء الذي اعترفت كاترين أنه كان لذيذاً جداً 0
لقد أمضى جيرد الجزء الأول من الرحلة ، يجلس إلى أحدى الطاولات منكباً على دراسة بعض الملفات بتركيز شديد ، وما كان يزعجه سوى ليزا بين الحين والحين ، وتقطع عليه حبل استغراقه في أرواقه 0
أما كاترين فقد راحت في نوم هادئ لذيذ أراحها من عناء اليوم السابق ، لم تدر إن طال نومها أم قصر ، ولكن ما تدريه أنها عندما استيقظت ، بدت لناظريها معالم الحياة ، فاستفسرت قائلة وهي تلتفت إلى غلين :
(( هل وصلنا ؟ ))
ضحك غلين بلطف من سذاجتها وقال :
(( هذه جزيرة ريكجافيك ، حيث سننزل فقط ، من أجل تزويد الطائرة بالوقود ))
حدقت من النافذة غير مصدقة وقالت باستغراب :
(( ما كنت أعرف أننا سننزل في آيسلاند ))
وعندما غادروا مطار ريكجافيك ، قال جيرد :
(( الآن سننعطف نحو الشمال بالقرب من المنطقة القطبية الشمالية ، ثم نطير جنوباً فوق غرينلاند ، والمقاطعات الشمالية الغربية ، حتى نصل إلى موزباي))
رفعت كاترين حاجبيها وقالت :
(( لكنني ظننت أننا سنطير إلى كالجري ))
(( لنا مطار خاص في موزباي وهو يبعد بضعة أميال عن أملاكنا ))
دخل جيرد إلى قمرة القبطان ، وبعد لحظات ظهر فنس ودعا كاترين لكي تنضم إليهم ، فرأت جيرد يجلس على كرسي القبطان يتبادل الحديث مع زميل فنس عن قيادة الطائرة ، ولما دخلت هب واقفاً وقدم لها مكانه 0
كانت في غاية الدهشة ، أحست وكأنها تخطو في الفراغ ، قالت في نفسها : أن تجلس في غرفة الركاب شيء معقول ، على الأقل يمكنها أن تخدع نفسها بأنها تقف على الأرض ، أما في هذه القمرة ، فأحست أن لا شيء يفصل بينها وبين تلك المساحات العميقة ، وشعرت كأن الشلل يتسرب إلى أطرافها من الخوف 0
أحس جيرد كأنها سمرت في مكانها ، فكانت شاكرة لليد التي امتدت لمساعدتها ، وجلست على الكرسي وهي تشعر بضعف ينتابها ، ولما ثبت الحزام حول خصرها ، قال :
(( لم يطلب منك أحد قيادة الطائرة ، ولكن على الأقل تمتعي بهذا الإحساس ))
بالفعل بدأت مخاوف كاترين تتبدد ، وأحست بكثير من السرور ، وهي تعرف أنها على ارتفاع عدة أميال فوق سطح الأرض ، ولما عادت إلى مكانها ، قال غلين :
(( إنها مسألة بسيطة ، أليس كذلك ؟ هل تعلمين أن هناك طائرات تطير وتهبط آلياً ؟))
تدخلت ليزا وهي تنظر إلى أظافرها :
(( عندما يحدث هذا ، سأتوقف عن السفر بالطائرات))
حلقت الطائرة مدة ساعتين تقريباً ، فوق مساحات تتناثر فيها آلف البحيرات ، تتألق كالمرايا ، وسر كاترين أن غلين غط في النوم ، حيث ترك لها مجالاً لتستمتع بهذه المناظر الأخاذة من غير الشعور بالذنب كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل ، ولكنها لم تشعر بالتعب ، لأن الفترة التي نامت خلالها كانت كافية لتعيد إليها النشاط ، وكانت تترقب الوصول بفارغ الصبر0
مساحات ومساحات من الغابات العذارى تمتد بين البحيرات وأشجارها الخضراء ، تبدو معتمة يكتنفها الغموض ، بعدما أخذت الشمس بالغروب 0
و أدركت كاترين لو أن الطائرة سقطت بهم هناك – لا قدّر الله – فقد تمضي عدة أسابيع قبل أن يهتدي إليهم أحد 0
لقد رأت مدينة موزباي الصغيرة من الفضاء تمتد على شاطئ بحيرة موز ، لم يكن لبيوتها طابع موحد ، فهي تختلف عما ألفته في المدن الصغيرة في انكلترا 0
عندما هبطت الطائرة على أرض المطار ، ألقت كاترين نظرة ذهول على القمم الأرجوانية التي تمتد إلى مسافات بعيدة ، وحيال هذه المشاهد الخلابة أحست كاترين بالخشوع 0
تمت بسرعة المعاملات التي يتوجب انجازها للنزول إلى الأرض0فجيرد وغلين مرموقان في المنطقة ، كما يبدو 0
وما إن أصبحوا خارج المطار ،حتى بدت الدهشة على وجه كاترين ، فهي لم تعد ترى شيء سوى المساحات القاحلة ، فأين البحيرات التي كانت تراها وهي محلقة في الفضاء ؟ أين غابات الصنوبر التي كانت تمتد أميلا وأميال ؟ فكل ما تستطيع رؤيته الآن هو مسافات معبدة ولا شيء وراءها سوى الظلال التي عكستها ظلمة المساء 0

مرحباً موزباي


ظهرت سيارة كبيرة فارهة تسرع طوال الطريق بمحاذاة المساحة المعدة لوقوف السيارات ، متجهة نحوهم ، ثم وقفت أمامهم ، نزل منها شاب ، مراهق ، نظر إلى جيرد نظرة فيها كثير من الاحترام والأسف ، وقال :
((أنا آسف ، لأني تأخرت ولكني لم أعرف أنه يتوجب عليّ المجيء لملاقاتكم ن إلا قبل نصف ساعة فقط ، هل كانت الرحلة موفقة ؟ ))
((لقد كانت لطيفة يا تروي ، أين أبي ؟ إنه يعرف متى نصل ))
أحمر وجه تروي خجلاً وقال :
(( أظن أنه لا يعرف الوقت بالضبط))
ثم حمل الحقائب ووضعها في القسم الخلفي من العربة ، وتحول إلى غلين يسأله عن حاله 0
قاد جيرد السيارة وإلى جانبه ليزا ، ذراعها ممدودة خلف مقعده ، أما كاترين فقد حشرت نفسها بين غلين وتروي في المقعد الخلفي ، ولم تستطع في جلستها تلك إلا أن تلاحظ أصابع ليزا تعبث بياقة جيرد ، مما جعل الدم يغلي في عروقها من الغيظ 0
مرة واحدة التقت عينا كاترين بعينيه من خلال المرآة الأمامية ، ولكنها لم تفهم منهما شيء ، فقد كانت تضيق من انعكاس أنوار السيارات الآتية عليهما 0
بعد أن ابتعدوا مسافة غير قليلة عن المطار ، أخذت مظاهر الحياة تبدو لها أوضح ، رأت عيناها عدداً من البيوت غير المسوّرة تبعد قليلاً عن جانبي الطريق ، ونباح الكلاب من حولها يعكر هدأه الليلة ، والأنوار تسترق النظر من بين شقوق النوافذ ، فيتسلل بعض من شعاعها ليختلس من المساء شيئاً من عتمته ، فترى سيارة كبيرة تقف أمام مدخل كل بيت 0
وعندما انعطفت بهم السيارة إلى طريق فرعية ، قال لها غلين مبتسماً :
(( من هنا تبدأ أراضي فريزر ))
لم يتكلم جير سوى كلمة أو اثنتين مع أرملة أخيه أثناء الطريق ، وبقي طوال الوقت صامتاً لا يفارقه العبوس ، وعزت كاترين ذلك لعدم مجيء أبيه لاستقباله ، وقالت في نفسها : لعل هذا الأب قد تخلّف عن ملاقاة ولده لشيء هام 0 كما قد يكون غضب الابن لأمر أهم 0
قطعت بهم السيارة مسافة طويلة بعد أن تركوا الشارع العام ، وظنت أن جيرد يقودهم في طريق دائرية لأمر ما في نفسه ، وبعد أن اجتازوا مساحات شاسعة من الأراضي ، بدأت الأضواء تتلألأ من هنا وهناك كأنهم في وضح النهار ، وقف جيرد فجأة ونزل تروي ليفتح أمامهم البوابة العريضة 0
وعادت السيارة إلى المسير عبر تلك البوابة في طريق عريضة ، مرّوا بعدة أكواخ وعدد من الإسطبلات ، ثم ببناء طويل لا تكاد ترى نهايته ، قال عنه جيرد إنه مبنى خاص بالعمال 0
بعد قليل وقفت السيارة أمام بناء ضخم ، أقيم على مساحة هائلة من الأراضي يدل على الفخامة والترف ، مما جعل كاترين تنظر مشدوهة إلى مبنى المزرعة هذا ، وهي تسمع غلين يقول :
((أهلاً بك في موزباي ))
وقفت كاترين في الجناح الكبير المعدّ لإقامتها ، وهي مذهولة بما يحيط بها من روعة وجمال ، شيء لم تكن تتخيله ، وأسباب الترف والرفاهية ، لم تكن تحلم بها ، لم تعرف شيئاً من قبل عن بيت غلين ، بيت في منتهى الأناقة والترتيب ، فسيح ، رحب ، لا تعرف لغرفه عدداً 0
وفي الواقع قبل رؤية الجناح الخاص بها ، كان أول ما أدهشها عند دخولها المبنى ، القاعة الفسيحة التي تفوح برائحة الصنوبر ، الذي كان يحترق في الموقد الكبير ، كما لفتت انتباهها الزخارف الجميلة المحفورة على جانبي الدرج المصنوع من خشب البلوط ، الذي يفضي إلى الطابق العلوي ، وكذلك الممرات العريضة العالية مفروشة بالسجاد المزخرف الثمين ، كل شيء كان يدل على الفخامة والعظمة ، ابتداء من أيدي الأرائك أينما كانت ، إلى النوافذ المستطيلة التي تطل على المزرعة وتكاد تغطي الجدران ، تتدلى عليها الستائر المخملية المتموجة ، يبهر لمعانها الأخاذ تحت أضواء عشرات من القناديل المختلفة الأشكال 0
التقت بامرأة طويلة نحيلة القوام ، ذات شعر رمادي اللون، سمراء البشرة ، تدعى ماريا ، وشعرت كاترين بأن دماء الهنود تسري في عروق هذه المرأة 0
ماريا حيّت غلين بمودة ، ولكنها استقبلت جيرد بحرارة أكثر ، وقالت :
(( لقد تأخرت ، وابتدأت أقلق عليك ، ليس على الرجل الاستمرار في الطيران ذهاباً وإياباً عبر المحيط ، كصقر لا يعرف على أية جهة من الجبل يبني عشه ))
وزاد في كآبة ليزا ، رؤيتها جيرد يأخذ ماريا بين ذراعيه ويعانقها بحرارة مبدداً عن نفسه بعض الغم :
(( الرجل لن ينتقل بين الأقمار ثانية يا ماريا ))
ضحكت ماريا لمزاحه كثيراً ، وتابع جيرد يسأل :
(( أين أبي ؟ أين هو ؟ ))
((في المكان المعتاد ))
وعندما تحرك جيرد ليبحث عن أبيه ، احتجت ليزا قائلة :
(( جيرد ، أنا وغلين وصلنا للتو ، تناول معنا طعام العشاء على الأقل قبل ذهابك للبحث عن ذلك الرجل العجوز ))
ولكن جيرد ، وبعد دقيقة صمت ، غادرهم ، واختفى في الدرب المؤدي إلى خلف البناء ، تاركاً ليزا تغلي غيظاً 0
يبدو أن ماريا هي التي تدير وتدبر كل شيء ، طلبت من ليزا أن تعني بولدها ، بينما قادت كاترين إلى غرفتها دون التفات إلى اعتراض غلين ، وأما تروي فقد لحق بها وهو يحمل حقائبها 0
كان الجناح المعدّ لها يتألف من غرفة نوم وغرفة جلوس وحمام تتساوى مع بقية غرف المبنى في الرحابة والارتفاع والزخرفة والرسوم على الجدران تزيد المكان دفئا وجمالاً ، وهي مبهورة بما ترى تماماً ، تسير وقدماها تغوصان في طنافس ناعمة حمراء اللون ، ومازالت رائحة خشب الصنوبر الذي يشتعل في الموقد تعطر المكان 0
عبرت غرفة الجلوس إلى قنطرة واسعة تكشف عن غرفة نوم فيها سرير ضخم عالي القوائم تغطيه ستارة مخملية بنية اللون ، وكان الأثاث في الغرفتين لا يقل فخامة وأناقة وجملاً عن باقي ما في المنزل من أثاث 0
تركتها ماريا ، بعد أن أعلمتها أن العشاء سيكون جاهزاً بعد ساعة أو أكثر ، ولكن قبل خروجها علقت مبتسمة :
((لاحظت معاملة غلين لك ، إنك تعنين إنساناً هاماً بالنسبة إليه ))
تكلفت كاترين الابتسام رداً على ابتسامتها وهي تحس بالقلق ، خصوصاً أن ماريا لا تعرف شيئاً عنها ، وشعرت بالعبء الثقيل الملقى على عاتقها 0
كان أول ما عزمت عليه ، دخول الحمام كي تغتسل ، فتزيل عنها عناء السفر ، وعن نفسها ذلك القلق الذي لا ينفك يعبث بها 0
تململت كاترين في المياه الساخنة ، وقد سرى الدفء في أوصالها ، فاسترخت ، ولم تستطع أن تحول دون اغماضة قصيرة زارت جفنيها الناعسين 0
صحت على صوت نقرة قوية على الباب ، فقفزت من الماء مذعورة ، وأسرعت إلى منشفة الحمام تلتف بها
شكرت الله أن الباب كان مقفلاً 0
سمعت قرعاً وسمعت كلاماً :
((كاترين بحق 000، هل أنت بخير ، أجيبي ؟ ))
شدهت كاترين ، إنه جيرد ، جنّ جنونها ، ماذا كان يفعل في غرفتها ؟ لماذا جاء يا ترى ؟ ثبتت منشفة الحمام جيداً حول جسمها الذي فرّ الدفء منه ، واعترتها برودة كبرودة الموتى ، ثم خرجت 0
(( ماذا كنت تفعلين طيلة هذا الوقت ؟ ))
(( كنت استحم ))
((الطعام كان جاهزاً منذ التاسعة ، والآن قد بلغت الساعة العاشرة ))
((أظن أني سهوت قليلاً ))
أمسك جيرد بكتفيها بقسوة وهزها قائلاً :
(( نمت ، هل تعنين أنك نمت في الحمام ؟ ماذا دهاك ؟ هل أنت مجنونة ؟ كان من الممكن أن تغرقي هناك ))
سرى الخوف في أوصالها ، ونظرت قلقة نحو القنطرة التي تؤدي إلى غرفة الجلوس ، وقالت :
(( جيرد ، لا يحسن أن تكون هنا ))
((كاترين ، لماذا غيرت رأيك وقبلت المجيء معنا ، أنا متأكد أن ليس هناك ما يجبرك على ذلك ))
(( لا بأس فأنا هنا الآن ))
(( أريدك أن تخبريني ))
ابتعدت عنه وهي تقول :
(( من الأفضل أن تذهب الآن ))
(( ليس قبل إخباري بالحقيقة ))
كان صوته ناعماً يشفّ عن شغف عارم يملأ قلبه نحوها ، واقترب منها ماداً ذراعيه يطوقها ويضمها إلى صدره ، ولكنها تراجعت إلى الوراء وهي تقول :
(( جيرد ، اذهب الآن ، وسألحق بك في الطابق الأرضي بعد قليل ))
وقبل أن يتحرك جاء صوت غلين من غرفة الجلوس منادياً :
(( فالنتينا ، أين أنت ؟ ))
((إنها هنا ، كانت تستحم ، جئت أخبرها أننا ننتظرها على العشاء ))
كان صوت جيرد هادئاً طبيعياً ، فعجبت كاترين كثيراً لهذا الاختلاف السريع في نبرات صوته ، هل كان يمثل يا ترى ؟ أكان يسخر منها ؟ لم تستطع إيجاد جواب على أسئلتها ، وأفاقت من شرودها على صوت غلين :
(( جيرد ماذا تفعل هنا ؟ ظننت أنك رافقت أباك إلى غرفة نومه ))
(( كنت معه ، حتى دخل فراشه ، ولحسن الحظ أني جئت أدعوها إلى العشاء وإلا كانت غرقت في الحمام الذي أسلمت نفسها للنوم فيه ))
شحب وجه غلين ، وقال متلعثماً :
(( يا الهي ، هل هي بخير الآن ؟ ))
(( نعم ، إنها بخير الآن ، تعال يا غلين ، دعنا نتركها الآن ، فقد قالت أنها ستلحق بنا في غرفة الطعام بعد وقت قصير ))
جرى كل هذا الحوار وكاترين مشدوهة أمام ما يحدث ، لم تستطع قول كلمة واحدة ، ولما حاولت أن تفتح شفتيها كان جيرد قد قاد ابن أخيه عبر غرفة الجلوس إلى الممر 0 فوضعت يديها على أذنيها تبعد عنهما صوت إغلاق الأبواب الثقيلة 0
مضت فترة العشاء بطيئة كئيبة ، يسودها صمت عميق ، كأن كل منهم كان مشغولاً بهواجسه 0
عند انتهاء العشاء كانت كاترين أكثر الحاضرين شوقاً للهرب إلى غرفة نومها ، ولكن غلين أخرها ، ممسكاً بيدها عندما تمنت له ليلة سعيدة ، وأرغمها على البقاء معه بعض الوقت بعدما غادر الآخرون ، وقال :
(( لم يكن لدي الفرصة لانفرد بك اليوم ، متى يمكننا الجلوس معاً وحدنا يا فالنتينا ؟ هل العمى الذي أصبت به يضايقك ؟ ألم تقولي أنه مؤقت ؟ أم أنك وجدت جيرد أكثر جاذبية مني ؟ إني أحذرك فوالدتي لن تقف مكتوفة اليدين حيال ذلك ، فهي تتوقع أن يتزوجها ))
خرجت الكلمات مسرعة تنّم عن القلق من بين شفتي كاترين :
((آه غلين ، لا تكن أحمق ، أنا لا أعرف ما تتحدث عنه ، والأفضل أن تذهب إلى فراشك مباشرة وتستريح ))
(( آه ، متى أتخلص من هذا العمى 000؟ ))
ربتت كاترين على خده في حنان تطمئنه وهي تقول :
(( كن صبوراً يا عزيزي ، سوف يعود إليك بصرك ، وكل ما في الأمر ، أنه يحتاج إلى وقت ، والآن دعنا نذهب إلى النوم ، فالأمور ستبدو مختلفة في الصباح ))
قال غلين بخشونة :
(( لن تكون كذلك بالنسبة لي ، فالنتينا ، الصبح والمساء فقدا معناهما عندي وأصبحا شيء واحد ، فكل شيء أسود ، أسود ))
أشفقت كاترين عليه ، ووضعت يدها على ذراعه بحنان وقالت :
((آه غلين ، لا تفقد إيمانك ))
خلصها من هذا الموقف صوت جيرد قائلاً :
(( هذا يكفي يا غلين ، دعني أساعدك للصعود إلى غرفتك ، فإن كلا منكما متعب ))
وسألت كاترين نفسها ، ترى منذ متى وهو يراقبهما ، ولماذا ؟ لا يمكن أن تكون الغيرة هي السبب ، فهي ليست مغرورة إلى حد أن تتصور ذلك ، هل يمكن أن يكون جيرد صادقاً وأنه أحبها بالفعل ؟ أم أنه جاء ليفرض سيطرته عليهما ؟ 0
عندما أطلّ صباح اليوم التالي ، أزاحت كاترين الستارة المخملية عن فراشها ، وأخرجت قدمها لتغادره ، تذكرت ليلة أمس ن وأحست بالامتنان لتدخل جيرد مهما كان سببه ، كان يكفي غلين في تلك اللحظات أن تمتد يده إلى شعرها ليعرف أنها ليست فالنتينا ، وكل الحسنات المتوقعة من حضورها ستمحى في لحظة تهور وفي غمضة عين 0
كانت ممتنة فقط لتخل جيرد في تلك اللحظة ، أما غير ذلك فهي لا تريد التفكير به على الاطلاق ، لقد سلك معها سلوكاً شائناً ، ولا بدّ أنه أدرك ذلك 0وإلا فما معنى تجاهله لها طيلة المساء ؟!! يا الله لقد خانت مبادئها ، لا بدّ أنه قرأ شيئاً ما في عينيها حتى تجرأ وحاول الاقتراب منها ن وكانت شاكرة أيضاً لدخول غلين إلى غرفتها يسأل عنها في ذلك الوقت ، ولا شك أن جيرد ينظر إليها بغير احترام ، وهذا ما لن تسمح به أبداً 0
سحبت الستائر المخملية عن النوافذ ، فأثارت إعجابها تلك المشاهد الخلابة التي بدت أمامها ، مساحات ومساحات من المراعي الخصبة الخضراء التي تمتد حتى تعانق الأفق ، ذلك الحدّ الغامض الخيالي الذي يتلاشى في حزمة من الغيوم 0
وأمامها غابت الجبال تحت ستائر من الأضواء الوهّاجة ، حتى كادت كاترين تحسب أن لا جبال هناك ، وأخذت أشعة الشمس تلوّن المنحدرات بلونها الأصفر الشاحب فتكسبها جمالاً فوق جمال ، لقد سبق لها وأن قرأت في أحد الكتب أن الجبال تسحر الرجال ، وهي أيضاً ، ولأول وهلة ، لقد سرى في عروقها شعور بالنشوة والانتعاش ، ولكن لما بدأت الغيوم تكلل بياضها رؤوس المرتفعات أدركت خطرها أيضاً 0
كانت لا تزال الساعة السابعة والنصف تقريباً ، ومع أن الوقت كان مبكراً ، إلا أنها أحست بجوع شديد ، ولذا فكان أول ما فعلت أن اغتسلت و ارتدت ثيابها ، لم يكن من الصعب عليها النزول إلى الطابق الأرضي ، حيث سمعت حديثاً يدور هناك ، استطاعت أن تميز صوت ماريا ، أما الآخر فقد أخطأته عندما حسبته صوت جيرد ، لقد سمعت ماريا تقول :
((أنا لا أشعر بالعطف عليك ))
(( أنا لا أتوقع منك ذلك يا امرأة ، فقط هات بعض القهوة وكفّي عن الثرثرة ، فإنس سأخرج مع جيرد هذا الصباح ))
كان المتكلم يجلس قرب الموقد ، طويل القامة ، حاني الكتفين بعض الشيء ، ولما أحس الرجل بقدومها التفت إليها ، فرأت رجلاً عجوزاً ، رسمت السنون على وجهه عشرات الخطوط العميقة ، وأدركت على التوّ أنه والد جيرد ، بادرها بالكلام قائلاً :
(( لا شك أنك فالنتينا ، أليس كذلك ؟ تعالي أيتها الفتاة فلا حاجة للخجل ))
تقدمت منه وأجابت :
(( نعم أنا هي ، كيف حالك ؟ أنت 000))
أتّم الرجل كلامها بقوله :
(( أنا بن فريزر ، إنني سعيد لرؤيتك يا فالنتينا ، غلين حدثني كثيراً عنك في رسائله ، هل نمت جيداً ؟ ))
(( نعم ، نعم ، أنا لم أنم في حياتي في سرير فخم كهذا ))
دخلت ماريا الغرفة وهي تحمل صينية عليها فنجانين من القهوة ، ووجهت حديثها إلى كاترين :
(( هل تعلمين أن هذا الرجل خرج من البيت منذ الساعة الخامسة والنصف صباحاً ؟ ولولا جيرد لما رأيناه إلا بعد عدة ساعات !!))
تناول بن فنجان من القهوة،وقدمه لفالنتينا وقال :
(( آسف،لم أحييك الليلة الماضية,فأنا لم أكن بخير ))
أحست كاترين أن هناك ما يزعج الرجل ، وجاءها صوت من الخلف يقول :
(( حسناً ، أخيراً أنت على استعداد ، وهذا أمر تشكر عليه ))
اجتاز جيرد القاعة إليهم ، يستمع إلى أبيه الذي قال :
(( لا تظن أني استيقظت من أجل الخروج معك يا غلام ، بل لأني أردت أن أسلم على فالنتينا ، وإني لآسف لأني لم أكن هنا الليلة الماضية لأفعل ذلك ))
التفت جيرد إلى كاترين وسألها :
(( هل وجدت غرفتك مريحة ؟))
((آه ، نعم ، بالتأكيد ، إنها مريحة جداً ))
وانشغلن بالقهوة التي كانت تتناولها ، وبقيت على تحفظها معه ، مع أنه لم يكن من السهل عليها أن تتجاهل شخصاً يراقبها 0
ثم سأل أباه :
(( ألست على استعداد ؟ فإني لست عازماً على الوقوف ههنا طوال النهار ))
وضع بن فريزر فنجان القهوة من يده على الصينية وقال وهو يرمق كاترين بحركة مضحكة :
((مستعدّ تماماً ، هل سنبقى خارجاً طيلة النهار ؟ ))
((لديّ عمل كثير ، كفّ عن العبث قليلاً ، إن هورس ينتظرنا ))
وجه جيرد كلامه إلى كاترين وهو يمرّ بها :
(( هورس هو المشرف على مزرعتي ، وهو ابن ماريا ))
وتلاقت عيناهما لحظة حملت لكاترين الكثير من المعاني الغامضة ، ثم مضى 0
حديث عن الماضي


تناولت كاترين فطورها في المطبخ بلا شهية على الرغم من أنها كانت تشعر بالجوع ، وأحست أن النهار قد فقد بهجته طالما أن جيرد سيغيب حتى المساء 0
أخذت ماريا تحدثها ، ولم تترك موضوعاً يخصّ المنزل أو المزرعة إى خاضت فيه تقريباً ، لقد أخبرت كاترين أنها تقوم بتهيئة جميع الأطعمة والحلويات ، كما أنها تشرف على جميع العاملين بالبيت ، وفهمت من حديثها أن ليزا لا تهتم بأعمال المنزل ، ولا تقوم إلا بالشيء اليسير جداً منه ، كما أخبرتها أن السيد بن فريزر والد جيرد قد فقد قوته ونشاطه وأصبح على هذه الحال بعد موت ولده انغوس 0 ولذا اضطرت ليزا أن تقوم بتربية ولدها وحدها وأصبحت تعتمد على جيرد في جميع شؤونها تقريباً 0
قالت كاترين مشتركة بالحديث :
(( هل هناك شيء أساعدك به ؟ ))
(( تساعدينني أنا ؟ أنت هنا لمساعدة غلين كي يستعيد صحته وقوته ، أرجو من الله أن يعيد إليه بصره ))
(( آمين!))
وأضافت ماريا :
(( يبدو أن غلين لا يستطيع الصبر ، حتى يأتي اليوم الذي يرحل فيه ، ولو أن والدته تريد عكس ذلك ))
(( هل المزرعة مهمة بالنسبة إليها إلى هذا الحد ؟ ))
(( يمكنك قول ذلك ))
(( أظن أن المزرعة ستؤول إلى غلين لو بقي أبوه حياً ))
(( لا ، فإن جيرد ماكدونالد الجدّ ، ترك المزرعة لحفيده جيرد 000))
(( إذن لم يكن بن والد جيرد هو المالك ؟ ))
(( لا ، كانت المزرعة لماكدونالد ، والد أمه ، والد السيدة مارغريت 0 في ذلك الوقت كانت هناك سيدة بالفعل ، سيدة بالمعنى الحقيقي ))
شعرت كاترين بأن في كلام ماريا تلميحاً على أن ليزا لم تكن تلك السيدة 0
وقالت :
(( يبدو أنك تعرفينها ))
(0 بالتأكيد هي التي أحضرتني إلى هنا ، وبقيت معها حتى ماتت ن المسكينة ، لقد ماتت بعد ولادتها مباشرة ، فكرس أبوها ماكدونالد كل حياته لها ))
تنهدت ماريا تنهيدة عميقة في أسى وتابعت :
(( لقد كان ماكدونالد سعيداً عندما تزوجت ابنته مارغريت من بن فريزر 0 لكن سعادته لم تكتمل ، لأن بن لم يبد أي اهتمام بالمزرعة ، عاشت مارغريت خمسة عشرة عاماً بعد زواجها ، ولحق بها أبوها بعد ذلك بعشر سنوات ))
فهمت كاترين أن زواج مارغريت من بن لم يكن موفقاً ، كما أراده والدها أن يكون ، ولكن كاترين بعد ما رأت بن فريزر ، لاحظت أنه كان رجلاً وسيماً وجذاباً ، و لا شك أن المرارة والأسى هما اللذان حفرا في وجهه هذه الخطوط العميقة 0
لقد استلطفته كاترين وارتاحت إليه ، وشعرت أنه إنسان بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، أما إنه لا يهتم بالمزرعة فهذا أمر يعنيه هو فقط 0
قطعت ماريا حبل أفكارها وقالت :
((أظن أن الوقت مناسب لأقدم إلى غلين طعام الإفطار ، أليس كذلك ؟ ))
وقفت كاترين مسرعة ، وقالت :
(( دعيني أفعل ))
(( حسناً ، لم لا ؟ أظن أنه سيكون أكثر سعادة أن تقدميه أنت بدلاً مني ، ولو أنه لا يراك الآن 0 مسكين هذا الفتى ، فإن قلبي يكاد ينفطر من أجله ))
أخذت كاترين تصعد درجات السلم على مهل وهي تحمل له طعام الافطار 0
وجال في خاطرها سؤال ، ترى من أراد أن تكون غرفتها بعيدة عن غرفة غلين ؟ فهي ممتنة لمن رتب هذا الأمر ، كائناً من كان ، فهل هو جيرد ؟ أم هي ليزا ؟ لابدّ أن لكل منهما أسبابه لإبعاده عنها 0
كان غلين هو الذي فتح لها باب غرفته بنفسه عندما طرقته ، فأدهشها ذلك ، وهي كانت تحسب أنه لا يزال مستلقياً على فراشه ، وبعد أن تبادلا التحية ، جاعلة الصينية حاجزاً بينهما 0 سألته :
(( أين أضع لك الفطور ؟ ))
(( هناك على الطاولة قرب النافذة ، يمكنك أن تتحدثي إلى أثناء تناولي هذا الطعام إن كنت تتحملين مراقبة أعمى يأكل ))
(( غلين ، لا تقل هذا ، فأنت لست أعمى ، كم مرة قلنا لك أن هذا الأمر مؤقت،وإن بصرك سيعود قريباً ))
صمت غلين برهة ، ثم أخذ يتحدث إليها وهو يأكل ، حدثها عن المزرعة وكيف تسير الأمور فيها ، هالها أن تسمع أن في المزرعة خمسين ألف رأس من الماشية تحتاج جميعها إلى رعاية وتنظيم ، وضحكت من نفسها على سخف تصوراتها عن تربية الماشية ، وهي تسمع شرح غلين المستفيض ، ثم قال :
(( بالرغم من وجود رئيس العمال في المزرعة ، فإنني مهما أحببت المزرعة ، فلن يقارن بحب جيرد لها ، ذلك الحب الذي يجري في عروقه ، أما أنا فكسول مثل أبي ))
(( ولكن يبدو أن أمك تحب المزرعة ))
(( آه ، نعم ، حب أمي يدور حول جيرد فقط ، و لا أدري لماذا تزوجت أبي ، فلم يكونا سعيدين معاً مطلقاً ))
كتمت كاترين أنفاسها وقالت :
(( آه غلين ))
(( إنها الحقيقة ، فهما لم يكونا سعيدين أبداً ، بل كانت المشاحنات بينهما مستمرة ، وأغلب الظن أن تلك المشاحنات كانت بسبب قضائه معظم أوقاته في الصيد ، أما أمي فقد كانت تفكر في جيرد ))
بالرغم من أن غلين لا يستطيع رؤية ملامح الذهول التي بدت على وجه كاترين ، فإنه غيّر مجرى الحديث ، وسألها :
(( فالنتينا ، هل عندك خبرة في ركوب الخيل ؟ ))
(( نعم ، قليلاً ، كنا تندرب على ذلك ونحن في المدرسة ))
قال غلين مستغرباً :
(( نحن ؟ آه ، نعم ، أنت وكاترين ، لقد تذكرت 0 ما قالت لك عندما أخبرتها بأمر سفرك معنا إلى كندا ؟ )) ((آه ، كانت فرحة جداً من أجلي ))
(( حقاً ، لقد أدهشتني ، ألم تقولي لي سابقا ، أنها كانت توبخك دائماً وتريدك أن تتصرفي باتزان ، من غير أن تترك لك فرصة للّهو ؟ لا بد أنها تختلف عنك كثيراً ؟))
(( حقاً ، ولكن عندما عرفت ما أصابك ، لم تمانع))
(( حسناً ، ما رأيك في الخروج لركوب الخيل هذا الصباح ؟ فأنا أحس بأن الشمس مشرقة ، والنهار صحو جميل ، مناسب للخروج ، وأريد أن أريك المزرعة ، أعني جزء منها طبعاً ))
(( لكن ، هل تستطيع 00))
قاطعها غلين قائلاً :
((نعم استطيع إيجاد طريقي ، فالنتينا ، أنا ولدت هنا ، وتدربت على ركوب الخيل في هذه المراعي منذ صغري ، منذ كنت في الثالثة من عمري ، ولن أجعل من نفسي سخرية لأحد ، إذا سأعتني بعض الشيء ، وبالمناسبة سوف أريك مبنى العمال ، فأنا أريد أن أتحدث إلى فوسنغ وهو الطاهي هناك ))
سمعا طرقاً خفيفاً على الباب ، فصاح غلين غاضباً :
(( من هناك ؟))
ومن غير أن يلقى إجابة ، فتح الباب ودخلت ليزا ، ولما وجدت كاترين هناك نظرت بطرف عينها ، ثم قالت تحدث ابنها :
(( يا عزيزي ، لم أكن أعرف أن فالنتينا بصحبتك ، فجئت لأطمئن عليك ))
((أنا بخير يا أمي ، لقد نمت جيداً ، وتناولت فطوري الآن ، وبعد أن أرتدي ثياب الخروج ، سنتجّول أنا وفالنتينا على ظهور الخيل ، في أرجاء المزرعة 0

قالت ليزا ، وهي تنظر إلى كاترين :
(( ليس من الحكمة يا ولدي أن تفعل ذلك ، فما زلت تحتاج إلى كثير من الراحة ))
تدخلت كاترين وقالت :
(( أظن أن أمك على صواب ، لعلك تكون أفضل في الغد ، فليس في الأمر عجلة ))
دار حول السرير وألقى بنفسه على فراشه وأجاب :
(( حسناً يا فالنتينا ، أنا أقبل إذا وعدتني بالخروج معي في الغد ))
قالت أمه بغضب :
(( هل يمكنك معرفة كيف سيكون حالك في الغد ؟ أسأل جيرد أولاً ))
(( جيرد 00جيرد 00إلى متى سيستمر وصياً عليّ ، أرجوك يجب أن أكون وصياً على نفسي ))
أخذت ليزا نفساً عميقاً ، ورشقت كاترين بنظرة صفراء وقالت :
((حسناً ، سوف لا أقول شيئاً أكثر من هذا الآن ، ولكن إذا حصل أي مكروه فأنت وحدك المسؤول ))
كانت كاترين تعلم أنها كانت تعنيها بهذا الكلام ، ولكن غلين أسرع وأجاب :
(( ستكون غلطتي وحدي ! إهدأي يا أمي سوف لا يحدث إلا الخير ))
((أرجو ذلك ، في كل حال سأذهب وارتدي ثيابي ، ثم أعود إليك ، عندما تكون وحدك ، أريد أن أسمع منك أخبار الجامعة ، ولا شك أن فالنتينا ستسمح بذلك ))
كان يبدو موقف ليزا ، أنها تميل إلى تعكير الجوّ الذي يحيط بها بأي طريقة ، وتسألت : ترى لماذا تكرهها ليزا ؟!! فإن كانت تكره فالنتينا لما فعلت ، فهي تعلم بأنها ليست فالنتينا ، وإنها هنا فقط لمساعدة غلين ، ريثما يعود إليه بصره ، وهي لا تشكل أي خطر عليها 0
في وقت لاحق من الصباح ، شعرت كاترين برغبة في الخروج إلى الهواء المنعش ، حيث يمكنها إخفاء قلقها وراء البهجة التي ستحس بها من جراء شعورها بأنها وحدها في أحضان الطبيعة تلفح الشمس وجهها ، ورائحة الحشائش الخضراء تملأ رئتيها ، وقبل

أن تخرج ، أخبرت ماريا برغبتها ، فلم تبد المرأة العجوز لذلك أي اعتراض ، أكثر من أنها حذرتها من الابتعاد عن المنزل ، وتأكدت كاترين أن لا مجال للضياع ضمن المساحات الشاسعة التي يرى الإنسان فيها إلى بعد عدة أميال 0
ومع ذلك فقد أخذت كاترين بنصيحة ماريا ، وبقيت ضمن المنطقة التي تحيط بالمبنى ، كما قضت وقتاً ممتعاً تتفرج على الخيول التي جذبت انتباهها قبل العودة إلى المنزل 0
لم يكن في غرفة الطعام سوى كاترين وليزا عندما حان موعد الغداء 0
فبدأت ليزا بالكلام قائلة :
(( بالحقيقة ، عليك ألا تشجعي غلين على تصديق أن حياته ستستمر معك ، أعني كأنك ستشاركينه حياته في المستقبل ، إن مساعيك تتعارض مع شفائه 000))
قالت كاترين وهي تلهث :
((أنا لا أعلم أني فعلت شيئاً من ذلك ))
((أنت تعرفين تماماً أن ركوب الخيل آخر شيء يمكن القيام به ، ففي حال إذا سقط 000))
تدخلت ماريا وهي تحمل بعض الأطباق من الطعام :
(( غلين يركب الخيل منذ نعومة أظفاره ، فلا تحطمي ثقته بنفسه يا سيدة ليزا ))
(( لم أسألك رأيك يا ماريا ، إني أحس بصداع ، فهل يمكن أن تعطيني دوائي ؟ ))
أخذت ماريا الأمر بروح طيبة ، أما كاترين فقد التفتت إلى طعامها ، فهي لا تريد أن تحشر نفسها في مشاحنة مع والدة غلين 0
اختفت ليزا بعد الغداء 0 ويبدو أنها ذهبت إلى ابنها ، وعادت كاترين إلى غرفتها ، تكتب رسالة إلى أبيها ، ولم تذكر فالنتينا بشيء 0 ولكنها فقط أخبرته أنها تقضي إجازتها في كندا ، ولتفكر فالنتينا بهذا كيفما شاءت 0
كان العشاء أكثر متعة وتسلية ، بوجود بن فريزر ، وقد تواجد الجميع حول المائدة 0
كان غلين يجلس إلى جانب كاترين ، ويسألها أين قضت طيلة بعد الظهر ، ولاحظت من ذلك أن ليزا لم تكن عنده ، قالت :
((ظننت أن أمك 0000))
(( والدتي قضت معي فقط خمس عشرة دقيقة ، وبعدها كنت أصغي إلى التلفزيون ، يا الله كم لعبة البيسبول ممتعة بالسمع ، عندما لا تقدرين أن تريها ))
أما جيرد فقد بقي منطوياً على نفسه كالليلة السابقة ، وما عدا سؤاله لكاترين عن كيفية قضائها يومها هذا ، لم يشارك في الأحاديث مطلقاً 0
وعندما التقت عينا كاترين بعينيه رأت الغضب يطلّ من أعماقهما دون أن تعرف ما الذي يجول في خاطره 0
والد جيرد هو الذي أضفى على الجلسة حيوية وبهجة ، بقصصه الشيقة اللطيفة ، وكان يبدو أنه قصد بها تسلية كاترين 0
كانت كاترين سعيدة جداً بالاستماع إليه ، مرتاحة لصداقته ، حتى أن غلين راعى ذلك ، عندما انتهى العشاء ، وسمح لعمه أن يقوده إلى غرفة الجلوس ، عندما خرج جيرد ، مدّ غلين يده يعبث بخصلات شعر كاترين ، ثم تمتم :
(( أحس أن شعرك صار أكثر نعومة من المعتاد ، كما أني لا أنكر عليك أنني أشعر أحياناً كأني لا أعرفك من قبل 000))
((غلين من الأفضل أن تذهب إلى فراشك ))
قالت كاترين هذا الكلام لتتهرب به من الرد عليه ، أما هو فقد وقف وقال :
(( حسناً ، كما تشائين ))
ولما بلغا أولى درجات السلم ، أصر غلين على الصعود إلى غرفته لوحده ، وقال :
(( سأعرف طريقي من دون تلك العصا التي أعطاها الطبيب لي أني أرفض التجول بعصا ))
لم تمانع كاترين وهي تحس أن غلين يجب أن يعتمد على نفسه ، ولكنها راقبته وهو يصعد ، ثم عادت 0
التقت بجيرد خارجاً من غرفة الجلوس ، فتراجع قليلاً ليسمح لها بالمرولا فقال لها :
(( أين غلين ؟ كنت قادماً لأوصله إلى غرفته ))
تحاشت النظر إلى عينيه وقالت :
(( لقد ذهب ، أراد الصعود وحده وأظن أن هذا هو الأفضل ))
لحظة صمت مرّت بهما ، حسبته قد رحل خلالها ، ولكن عندما رفعت رأسها وجدته لا يزال واقفاً ينظر إليها ، وقال بصوت منخفض :
(( أظن أنه يجب عليّ أن اعتذر ، لم أجد فرصة لأفعل ذلك الليلة الماضية ، فهل تصفحين عني ، أنا لست همجياً إلى هذا الحدّ))
اتكأت كاترين على حافة الأريكة ، وتمنت لو أنه يذهب الآن فهو قدّم اعتذاره ، ولا تصدق انه يعنيه حقاً 0
مشى حتى وقف أمامها ، لكنها لم تنظر إليه فتكلم ثانية :
(( أليس عندك ما تقولينه ؟))
هزت كتفيها وتمتمت :
((حسناً ، قبلت اعتذارك ))
ثم لمس شعرها المستعار وقال :
(( آني آسف ، أظنك ستلبسينه أكثر مما توقعت ))
نظرت إليه نظرة خاطفة ، فلمحت في عينيه تعبيراً لطيفاً فقالت :
(( لماذا لم تحسب أنني سأحتاجه طيلة الوقت ؟ ))
كانت كاترين تتجه نحو الباب إلى غرفتها ، عندما ظهرت ليزا وقالت متجاهلة كاترين :
(( هكذا إذن ، أنت هنا يا عزيزي ، كنت أبحث عنك والآن وجدتك ))
كانت كاترين تدرك وهي تمضي أن عيني جيرد تلاحقانها 0وأصابعة تعبث بلطف في شعر ليزا الحريري المتموج0
صرخة مدوية


مرت ثلاثة أيام قبل أن يخرج غلين مع كاترين لركوب الخيل ، ثلاثة أيام قضاها في فراشة ن ماعدا ساعات المساء فقط حيث كان ينضم فيها إلى بقية أفراد العائلة على مائدة العشاء ، أو في غرفة الجلوس ، وأما كاترين فكانت تجد سلوى في رفقة ماريا في المطبخ تستمع إلى حكايتها المثيرة الجميلة 0
غير أنها بعد ظهر أحد هذه الأيام ، رافقت بن فريزر في جولة في أنحاء الطابق الأرضي وهو يحكي لها تاريخ العائلة ، أخذا ينتقلان من غرفة إلى أخرى ، وهي في حالة من الذهول أمام فخامة وأناقة ما ترى ، والواقع أن كاترين لم تعرف عدد الغرف التي مرت بها ، ولم تستطع أن تقدر المساحات التي بنيت عليها ، وجميعها لا تقل رحابة ، وزخارفها لا تقل جمالاً عما سبق ورأته من أجزاء المبنى ، وعجبت في نفسها ، وتسألت لم كل هذه القاعات ، ولم كل هذه الغرف ؟!!
كان بن قد قرأ أفكارها فقال وهما لم ينهيا جولتهما بعد :
(( في الواقع ، لم يكن من الضروري بناء جميع هذه الغرف ، ولكن ماكدونالد أراد أن يبني أكبر وأفضل بيت في الجوار ، وهذا ما فعله ))
مرا بغرفة خاصة للموسيقى ، مزخرفة بأجمل الزخارف وأتقنها 0في وسطها بيانو فخم لم يفقد رونقه ولمعانه ، وفي إحدى الزوايا قيثارة كأنما لم تمسها يد 0
مر بن بأصابعه على مفاتيح البيانو ، وقال وفي صوته نغمة حزن عميق :
(( مارغريت اعتادت أن تعزف عليه كثيراً ، ولكن بعد ولادة أنجس وجيرد، لمتعد تملك الوقت الكافي لذلك ))
شعرت كاترين بأن جيرد احتفظ بهذه الغرفة كما هي لذكرى أمه ، ولما نظرت إلى بن رأت ملامح أسى دفين ترتسم على وجهه0
وصلا إلى غرفة المكتبة ، فكانت كبقية الغرف باتساعها وزخارفها وترتيبها وفخامة أثاثها ، ألقت كاترين بنفسها على إحدى الأرائك طلباً للراحة ووقف بن قبالتها يتكئ على حافة مكتبة تغطي الجدار صفت فيها الكتب من الأرض حتى السقف 0 ثم قال :
(( في هذا المكان يقضي جيرد معظم وقته ، هذا إذا لم يكن في غرفته التي يخلو إلى نفسه فيها ))
سحب من بين الكتب مجلداً ضخماً وأخذ يقلبه بين يديه ، وقال :
(( لقد اشترى ماكدونالد هذا المجلد لأنجس ولدي الأكبر ، لقد كان صياداً ماهراً ، وكان يسعده الخروج للصيد في كل الأجواء 0))
ومرة أخرى مرت سحابة حزن على وجه بن 0 واستمر في الكلام ، واستمرت كاترين في الإصغاء إلى حديثه ، ولكنها فجأة لمحت جيرد من خلال النافذة 0
فوقفت مسرعة وتراجعت تخفي نفسها وراء الستائر المخملية ، لئلا يظن أنها أخذت حريتها أكثر مما يجب 0 أما بن فإنه لم يلمح ولده الأصغر وتابع :
(( انجس قتل ، الطائرة التي كانت تقله سقطت في الغابة ، على الجهة الشمالية من هنا ، في طريق عودته من رحلة صيد ، مسكين انجس 00))
لم يدخل جيرد إلى الغرفة ، ويبدو أنه صعد مباشرة إلى سريره ، أما هما فقد أكتفا بهذا القدر من التجول ، وافترقا كل إلى غرفته0
أصبح الهواء عليلاً ، والشمس دافئة ، مع إطلالة صبح اليوم التالي ، وحالة غلين تسمح له بالخروج برفقة كاترين لركوب الخيل 0
كان الإسطبل قريباً من مساكن العمال ، ولكن قلة منهم كانوا قد خرجوا في ساعات الصباح ، رأت كاترين اثنين من العاملين هناك ، فصاحا يحييان غلين ، وقام غلين بمصافحتهما وتقديم كاترين إليهما ، وقال أحدهما :
((لقد سمعنا بما أصابك ، ولكن يبدو أنك عوفيت تماماً ، فإن دماء ماكدونالد تجري في عروقك ، ولن يستسلم أي ماكدونالد!))
(( أني مسرور لسماع ذلك ، هل فو قريب من هنا ؟ أريد أ، أعرفه على فالنتينا ))
رأت كاترين أنهما كانا مولعين بغلين ، وبعد أن ودعهما ، قادها إلى مبنى وجدا فو في المطبخ فتبادلا معه التحية ، وبينما كانت كاترين تلقي نظرة على الغرفة التي يتناول الرجال فيها طعامهم ، أخذ فو يشرح لها بعض الأحداث التي تجري هناك ، فقال :
(( يسكن هنا خمسون عاملاً ، بعضهم يعيش مع أهله ))
تعجبت كاترين :
((كنت أحسب أن جميعهم يعيشون مع عائلاتهم في هذه البيوت ))
قال غلين :
((كانوا يفعلون ذلك منذ سنين ، لكن جيرد حفاظاً على سعادة وراحة عماله ، ترك لهم حرية العيش أينما يريدون ، كي يتمتعوا بأوقات فراغهم على فراغهم على النحو الذي يشاؤون ))
(( أن جيرد يقدر على ذلك ))
قال فو باعتزاز :
(( جيرد رجل بكل معنى الكلمة ، فهو يستحق أن يكون حفيد ماكدونالد ))
قال غلين معلقاً :
(( فو يحب جيرد ويخلص له ، فقد أنقذ حياته ذات مرة من الغرق ))
وأضاف فو :
(( فعلاً ، أنقذ حياتي من الغرق ، أو الموت برداً ، وخاطر بحياته من أجلي ، مع أنه كان من الممكن أن يتجمد مثلي ))
لم يرض غلين بالحصان الذي قدمه له تروي ، ذلك الشاب اليافع الذي لاقاهم في المطار ، وألح على ركوب حصانه برنس ولكن تروي قال :
((إن جيرد هو الذي حدد لي أي حصان أعطيك ، وللآنسة فالنتينا ))
(( أنا لا أبالي بما يقوله جيرد ، أريد برنس ، أين برنس ؟ ))
(( لقد ركبه جيرد هذا الصباح ))
قال غلين غاضباً :
(( لا بأس ، سوف أركب بيكر ، ولكن أخبر جيرد ، أنني لست مبتدئاً ، ولو كنت أعمى ))
كان الصبح رائقاً ن والشمس ترتفع تدريجياً إلى كبد السماء ، تلوّن الجبال البعيدة بريشتها الذهبية ، فتبدو كسلاسل من الذهب الخالص 0
قال غلين لكاترين وحصانهما يسيران جنباً إلى جنب :
((آسف على تصرفي ، لكن مثل هذه الأمور تقلب كياني ))
(( لا تبالي غلين ، والآن أعلمني إلى أين نذهب ، فالمساحات شاسعة ، ولا أستطيع أن أقرر وحدي ))
(( حسناً ، هل ترين تلك الجبال التي تقع على يسارنا ؟ إنها تبدو قريبة ولكنها في الواقع بعيدة جداً ))
(( إنها تبدو غاية في الجمال ، أليس كذلك ؟ ))
وتمنت كاترين لو قُطع لسانها قبل أن تعطي مثل هذه الملاحظة ، ولكن غلين أخذ الأمر بروح طيبة وأضاف :
(( أظن أنها أجمل جبال في الدنيا ، ولكن إضافة إلى بعدها فهي خطيرة جداً ))
(( إني أتوقع ذلك ، إلى أين نذهب ؟ ))
حوّل غلين رأسه وقال :
(( من جهة اليمين ، - إذا لم أكن مخطئاً – هناك غابات كثيفة الأشجار ، شاسعة المساحة ن ثم تنحدر بشدة إلى واد ضيق عميق ، وهناك تشاهدين الشلالات التي أعطت منطقتنا اسم شلالات موز ))
(( ولكن غلين ، أليس هذا خطراً علينا أيضاً ؟ ألا يمكن أن نتجول فقط في هذه المراعي الفسيحة ؟))
(( ماذا ؟ أميال وأميال من المراعي ، و الآف من المواشي ، فهل هذا كل ما تريدين رؤيته ؟ ))
(( لا ليس هذا كل ما أريد رؤيته ولكن هذه أول مرة نخرج فيها ، وأمك 000))
قاطعها بغضب :
((أمي ، أمي متى تحافظ على وجودي إلى هذا الحد ؟ كل ذلك من أجل جيرد ، هو يريدها أن تعنى بي ، ولذا فهي تفعل ما يريد ، وهذا كل ما في الأمر ))
(( آه غلين , أنا متأكدة 00))
(( متأكدة من ماذا ؟ أنها أم صالحة ؟ أنها تهتم لما يحدث لي ؟ فالنتينا ، هي فقط تريد جيرد ، وهي مستعدة لتفعل أي شيء ممكن لتتزوج منه ، دعينا نمضي الآن ))
حرك غلين حصانه إلى الأمام ، وتبعته كاترين ثم تقدمته تشق الطريق ، فرأت الأرض تزداد وعورة كلما توغلا إلى داخل الإحراج ، ثم إلى المنحدرات التي تؤدي إلى الوادي ، كما كانت الأشجار تزداد كثافة فضاق الممر الذي يعبرونه 0
أطلت كاترين من فوق ، فأذهلها مشهد بحيرة تترجرج مياهها لامعة تحت ضوء الشمس الفضي ، وخرير المياه التي تتدفق من فوق الصخور ، وعندما بلغا مكانا فوق الشلال مباشرة ، وقفت مسحورة أمام هذا الجمال الأخاذ 0
سمعت غلين يقول :
((شلالات موز ، كم كنا نسبح في الصيف في هذه البحيرة ، دعينا ننزل إليها ))
((لا ، لا، يا غلين ، الطريق صعبة جداً ، إلى هنا ويكفي اليوم ن دع ذلك إلي يوم آخر ، فأنت لا شك متعب الآن ))
(( أنا بخير فالنتينا ))
أصر غلين على الاستمرار في الرحلة ، فهمزت الحصان بقدمها تحثه على المسير 0
أصبحت الطريق أشد انحداراً عندما اقترب من القاعدة ، وأشعة الشمس لم تعد تجد لها منفذاً من بين أوراق الشجر الكثيفة ، ورائحة العفن تنتشر في كل مكان من النباتات الكثة الرطبة 0
كانت كاترين كلما تقدمت قليلاً تلتفت لتراقب غلين بكثير من الخوف والقلق ، وإذا بها تجد نفسها ترتفع عن ظهر جوادها ، عالقة بأحد الأغصان القاسية الناتئة عرض الممر 0
صرخت بأعلى صوتها وهي تسقط عن صهوة الجواد على ظهرها ، فوق النباتات الندية الشائكة ، وسقط فرع الشجرة بعنف على وسطها ، غابت عن وعيها لبضع ثوان ن ولما جاءها صوت غلين المضطرب منادياً ، لم تستطع أن تجيبه0
كرر غلين النداء ، ولكن بلا مجيب ، نزل عن ظهر حصانه ، وأخذ يتلمس الأرض بحثاً عنها وهو يصيح :
(( فالنتنا ؟ أين أنت ؟ ما الذي أصابك ؟ ))
ولما وجدها جثا بقربها وتناول يديها بين يديه بحب وحنان ، حاولت التكلم و بصعوبة خرجت الكلمات متقطعة من بين شفتيها وقالت :
(( أنا 000أنا بخير غلين ))
(( هل أنت حقاً بخير ؟ كان من الممكن أن يدق عنقك ، إنها غلطتي ، ما كان علي أن أجبرك على النزول ))

استطاعت كاترين الجلوس ، وحركت جسمها ، فاطمأنت أنها على الأقل لم تصب بكسور ، ثم تناولت الشعر المستعار الذي سقط عن رأسها وثبتته مكانه ، وقالت :
((غلين لا تكن أحمق ، لست المسؤول عن ذلك ، هيا بنا ألان نعود إلى البيت ، وإني آسفة إذ قطعت عليك هذه النزهة ، ومن جهتي ، اطمئن فسوف أكون بخير عندما أغتسل وأبدل ثيابي ))
ضحكت كاترين من نفسها وهما عائدان ، لأنها هي التي سقطت وليس غلين ، وتأكدت أن هذا سيفرح ليزا ، وتمنت ألا تراها وهي على هذه الحالة ، وألا يراها جيرد أيضاً وهذه الأوحال تغطي ثيابها 0
تجاهلت كاترين ألآمها وسمحت لغلين أن يتكئ عليها طوال الطريق من الإسطبل إلى البيت ، وقالت في نفسها : كان يجب ألا أستجيب لإلحاحه وشعرت لو أنها رفضت النزول على الوادي ، لكان قد تخلى عن ذلك وما أجبرها عليه 0
رأتهما ماريا عندما دخلا البيت ، ولكنها لم تعلق على مظهر كاترين الملطخ بالأوحال ، ودعت غلين ليرافقها إلى المطبخ ويتناول فنجان من القهوة ن بينما ذهبت كاترين لتغتسل وتبدل ملابسها 0
خلعت ثيابها بصعوبة ، فقد كانت جميع أعضائها تؤلمها ، بالإضافة إلى البرد الذي تسلل إلى جسمها من خلال ملابسها المبتلة ن فكان الحمام الساخن بلسماً شافياً لجروحها ورضوض ظهرها ، وأسلمت عينيها لاغماضة قصيرة ليتسنى لحرارة المياه الساخنة أن تتسرب إلى عظامها التي تتجمد من البرد 0
نبهتها الأصوات المنبعثة من تحت النافذة ، إلى أن الرجال عادوا من أعمالهم ، وعرفت أن وقت الغداء قد حان 0
أسرعت خارجة من الحمام لترتدي ثيابها ، حانت منها التفاته إلى مرآة الحمام التي كانت خلفها ، فهالها ما رأت من بقع أرجوانية تنتشر في كل مكان على ظهرها ، وأدركت أن السقطة لم تكن بسيطة أبداً كما تصورت 0
لبست كاترين بنطال أخضر جميل مع قميص أنيق سكري اللون وتحملت على مضض كل ما تحس به من أوجاع ، ونزلت إلى الطابق الأرضي ، حيث رأت في القاعة الكبرى حشداً من الناس ، كما رأت غلين يجلس على إحدى الأرائك يتحدث إلى عجوز معه فتاة صغيرة ،
وليزا تقف قرب جيرد تجامل بعض الضيوف وعيناها تنظران نحو المخل ، أما جيرد فلم يكن له أثر هناك ، أسرع إليها بن فريزر وتناول يدها وقال :
(( تعالي يا فالنتينا ، لأعرفك على زوارنا ))
ثم سار بها بين الضيوف يقوم بمهمة التعارف ، ولما انتهى من ذلك قدم لها كأساً وتناول هو كأس آخر من
عصير البرتقال.
أخذت إحدى الزائرات تتحدث إليها قائلة :
((السيد بن أخبرنا أنك ممرضة ، آنسة فالنتينا ، لقد كنت أنا أيضاً ممرضة عندما التقيت بزوجي ))
(( أني طالبة تمريض فقط ، ولم ابتدئ بذلك إلا منذ ستة أشهر ))
سمع غلين صوتها وطلب منها الانضمام إليه ، فاستأذنت بن والمرأة التي كانت تحادثها ، وهي تشعر بالارتياح لابتعادها عنها 0 ومضت إلى غلين حيث جلست بجانبه ، فقال :
(( دعيني أعرفك على فرانك ستيفنس ، ولوري صديقين من أيام الدراسة ))
لم تكن لوري بالفتاة الجميلة ولكنها – والحق يقال – كانت كثيرة الجاذبية 0 وقد لاحظت كاترين أنها تميل إلى غلين ، فتمنت لو أنها تستطيع أن تخبرها الحقيقة ، وأنها لا تشكل خطراً عليها 0
انفض الزوار في الساعة الواحدة والنصف تقريباً من غير أن يظهر جيرد ، مما اضطر الآخرين إلى تناول غداءهم معاً من دونه تقوم على خدمتهم ماريا ومساعدتها كاترين 0
نظرت ليزا إلى بن وسألته :
(( لماذا لم ينظم جيرد إلينا ؟ وهو يعرف أني سألته أن يطلب من مارتن المجيء وإلقاء نظرة على غلين ؟ ))
كان غلين هو الذي أجاب :
(( أنت تعرفين يا أمي أن جيرد مشغول وليس لديه الوقت للثرثرة أثناء النهار 0 في أية حال لماذا يجب أن يأتي جيرد إلى هنا الآن ؟ أتمنى ألا تقحميني في أمورك الشخصية ))
((ماذا تعني بأموري الشخصية ؟))
(( لا أدري ، أنت تفهمين قصدي تماماً ، وأنا لا أحتاج إلى طبيب أخرق مثل مارتن ليشرف على علاجي ، الدكتور سنغ عمل الترتيبات اللازمة لأقابل الطبيب المختص في مشفى ماكنزي ، في كالجري ، بعد أسبوعين ، وحتى ذلك الحين لا أحد يمكنه أن يفعل شيئاً مطلقاً ))
قالت ليزا باقتضاب :
(( أنا فقط أفكر فيك يا ولدي ، وأريد أن أفعل أي شيء لمساعدتك ، ولا أظنك تتوقع مني التصرف وكأنك لم تصب بشيء ))
شرب غلين العصير الذي في كأسه دفعة واحدة ، وأزاح الصحن من أمامه ، وقال :
((حسناً ، أنا لست عاجزاً يا أمي ، وأتمنى أن تتذكري ذلك دائماً ))
بعد الغداء طلب بن من كاترين البقاء معه ، ريثما يذهب غلين ليستريح وبعد معارضة قصيرة من غلين مضى إلى غرفته ، تتبعه ليزا 0
((يبدو أن جيرد يكرس كل وقته للمزرعة ، مع أني أعرف أن لديه من ينوب عنه في أعماله ))
(( هناك فعلاً من يشرف على المزرعة ، ولكن جيرد لا يوكل أحداً وهو موجود هنا ، هذه ليست طريقته في العمل ، لم تكن طريقة ماكدونالد من قبل ن إن حب المزرعة وتربية المواشي يجري في عروقه ، كما انه يستمتع بصحبة العاملين عنده وخصوصاً هورس ))
(( هورس ؟ آه ، نعم ، تعني ابن ماريا ))
(( لقد نشأ هو وهورس معاً ، فبعد وفاة والدته مارغريت ، أصبحت ماريا بمثابة أمه ))
((آه ، لقد فهمت ))
(( ما رأيك في ركوب الخيل معاً في جولة قصيرة ؟ أم أنك ركبت اليوم بما فيه الكفاية ؟ ))
(( أجل ، لقد فعلت ، وأحب الآن قضاء بعض الوقت في المكتبة ، فأنا أحب الكتب ، وفي الواقع أني لم أر مجموعة كبيرة من الكتب كهذه ، إلا في المكتبات العامة ))
(( لم ما شئت ، وأنا سأجد شيئاً آخر أفعله ))
(( هل ستذهب وحدك إلى الإسطبل ؟ ))
(( لا أدري ، ربما ، وسوف أراك فيما بعد ))
بقيت كاترين في غرفة المكتبة طيلة بعد الظهر ، وعيناها تنظران إلى الطريق بين الحين والحين ، ربما كانت تنتظر مجيء جيرد ، لاشك أنها تحاول جاهدة إبعاده عن مخيلتها ، ولكن بالرغم من جميع محاولاتها ، لم تستطع تجاهله ، وأيقنت أن عدم حبها لليزا كان بسببه 0
بعد حين تركت المكتبة إلى غرفتها 0 ولما كان ظهرها يؤلمها وتشعر بتصلب في أنحاء جسمها ، وجدت أنه من الأفضل أن تأوي إلى فراشها ، وتمنت أن تجد لها حجة كالصداع مثلاً لتتحاشى بها الاجتماع على طاولة الطعام 0
منتديات ليلاس
وفي المساء ، وبعد أن استراحت كاترين بضع ساعات ، لم تجد مناصاً من النزول إلى غرفة الطعام ، وهناك على المائدة ، رأت جيرد ومعه هورس ابن ماريا 0
لم تأكل كاترين كثيراً ، وكذلك غلين ، أما جيرد وهورس فقد امضيا مدة تناولهما الطعام يتحدثان عن تجارة الماشية ، حتى أن ليزا لم تعد لديها القدرة على تحمل ذلك ، وقالت :
(( هل من الضروري أن تدخل موضوع المواشي إلى غرفة الطعام ؟ أنا لم أتحدث معك طيلة النهار يا جيرد ، أكثير على أن تبدي لي – على الأقل – شيئاً من الاحترام في المساء ؟ ))
أجاب هورس بصوت منخفض فيه معنى الاعتذار :
(( إني آسف يا سيدة ليزا ، إنها غلطتي أنا ، لدينا أمور كثيرة يجب أن نبحثها ولكن الحق معك ، فإن مائدة الطعام ليست مكاناً لهذا البحث ))
قال جيرد وهو ينظر إلى أرملة أخيه نظرة تحذير:
((حسناً ياهورس ، ليزا لم تقصد ذلك بالضبط ، لكن أين بن ؟ لا تقولي أنه لم يكن هنا طيلة بعد الظهر ؟ ))
(( أظن ذلك ، في الواقع أنا لا أعرف ، فقد قضيت فترة بعد الظهر في غرفتي أستريح لأني كنت أحس بصداع شديد ، وأنت تعلم أن خدمة الضيوف ليست سهلة ))
ضاقت عينا جيرد وقال :
((ضيوفك ، ماذا تعنين بأنك تظنين ؟ إما أنه كان أو لم يكن ، أريد أن أعرف ))
(( لقد تناول طعام الغداء معنا ))
(( وبعدئذ ؟ ))
تدخل غلين قائلاً :
(( أنا وفالنتينا ذهبنا في نزهة نستمتع بركوب الخيل هذا الصباح ، أما بعد الغداء فقد ذهبت إلى غرفتي أستريح ، وبقي بن مع فالنتينا ))
قالت كاترين :
(( هذا صحيح ، وقد طلب مني مرافقته في جولة قصيرة على الخيل ، ولكني اعتذرت منه ، لأني كنت متعبة قليلاً ))
(( إذن أين ذهب ؟ ))
ضاقت ليزا ذراعاً بهذا النقاش وهي تكره اهتمام جيرد بأحد حتى ولو كلن أباه ، وقالت :
(( لم كل هذه الضجة حول غيابه ؟ لا بد وأنه في مكان قريب ، قد يكون أخذ العربة إلى موزباي ))
قال جيرد :
(( يبدو عليك يا ليزا الكثير من الضجر ، وتحتاجين بعض التغيير ، أليس كذلك ؟ وأنا أشعر أن الحياة في المزرعة موحشة لامرأة مثلك ، وعليك أن تري حلاً لذلك))
لمعت عينا ليزا ، وقالت :
(( جيرد هل تعني ما تقول ؟ أنت تعرف كم أحب قضاء أسبوعين في نيويورك ، أشتري ما أريد ، أتمتع ، أشاهد آخر المسرحيات ، هل تظن أننا نستطيع ذلك ؟ وطالما فالنتينا هنا ، فلن يكون غلين بحاجة إلينا ))
قال جيرد جازماً :
(( يمكنك الذهاب ، حيث تشائين ، ونحن نستطيع التغلب على الصعاب ، وكما قلت ، فإن غلين لا يحتاج إليك الآن ))
شحب وجه ليزا وقالت :
(( ماذا تعني نستطيع التغلب على الصعاب ؟ هل تعني أنك لست قادماً معي ؟ ))
تراخى جيرد على كرسيه وأجاب :
(( ليزا ، أنت تعلمين أنني لا أستطيع ترك المزرعة الآن ، بالإضافة إلى أني لا أحب نيويورك ))
أجابت ليزا بوقاحة :
(( أية حيلة عفنة هذه التي تلعبها ؟ ))
نظر جيرد حوله وقد نفذ صبره وقال :
(( أية حيلة تعنين ؟ ليزا أنا لا أمنعك أن تفعلي ما تشائين ، اذهبي إلى نيويورك ، خذي معك بام بالمير إن أردت ، أنت تعرفين أنها تسر بمرافقتك ))
كاترين لمست موجة كره تتدفق من عيني ليزا ، من آخر الطاولة ، وهي تجيب :
(( أنا لا أريد أن أذهب مع بام بالمير ، سأبقى هنا حتى يكون لديك الوقت الكافي لتذهب معي ، حتى لو انتظرت الصيف كله ))
لم تخف هذه الملاحظة على كاترين ، أما جيرد فقد هز كتفيه وانثنى إلى هورس يتابع حديثه 0
عندما انتهى العشاء ، اختفى الرجلان ، واختليا في غرفة جيرد الخاصة ، ليتابعا بحثهما ، وغادرت ليزا الغرفة وفي صدرها عاصفة من غضب مكتوم ، أما كاترين فقد وقفت قبل أن تترك مجالاً لغلين ليبدأ أي حديث وقالت :
((غلين هل يزعجك أن أذهب إلى فراشي ؟ إني أحس ببعض التعب ))
((هل أنت بخير ؟ أليس هناك ما يؤلمك ؟ ))
قالت كاترين لتزيل مخاوفه :
(( يا لله ، غلين لا ، ليس هناك ما يؤلمني ، أنا متعبة فقط ، سوف أراك في الصباح ))
لما طلع الصباح ، لم تستطع كاترين التحرك مطلقاً ، فقد أحست بالآم لا تطاق في جميع أنحاء جسمها ، دفنت وجهها في وسادتها تمسح دموعها ، فما هذه الورطة التي أوقعت نفسها فيها ؟
لم تستطع النزول لتتناول الفطور ، وقالت في نفسها ، سوف يخرج جيرد مبكراً كالمعتاد ، وإذا خرج معه بن ، فلن يبقى سوى غلين وماريا ، من المتوقع أن يسألا عنها ، ستتدبر الأمر مع ماريا ، أما غلين فسوف تخبره بما تحس به من الآم 0
انقضى الصباح إلا أقله من دون أن يسأل عنها أحد ، وأخيراً وقبل الساعة الثانية عشرة بقليل ، سمعت نقراً على الباب ، فقالت وهي تشعر بدوار :
(( أدخل ))
ولدهشتها لم يكن غلين هو الذي يسأل عنها وكذلك لم تكن ماريا !!!!
واعتدلت في فراشها عندما دخل جيرد ، وسأل باختصار :
(( هل أنت مريضة ؟ ))
(( لا ، أني فقط أشعر ببعض التعب ، هذا كل ما هناك ، ووجدت أنه من الأفضل قضاء فترة الصباح في فراشي))
اتكأ جيرد على حافة القنطرة المؤدية إلى غرفة نومها :
((هل هذا صحيح ؟ أم تراك تتهربين بهذه الطريقة من مواجهة الأسئلة التي أجد نفسي مضطراً لسؤالك إياها ؟ ))
صاحت كاترين باستغراب :
(( أسئلة ؟ أية أسئلة ؟ أنا لا أ‘عرف عن أي شيء تتكلم ))
(( ألا تعرفين لماذا خالف أبي تعليماتي ؟ أو لماذا ارتفعت حرارة غلين هذا الصباح ؟!))
***
الحقيقة


قالت كاترين بارتباك :
((والدك ؟ غلين ؟ ماذا حصل ؟ ))
أجاب جيرد بأسلوب فظ :
(( تسألين ؟ أنت التي ذهبت مع غلين في نزهة على الجياد يوم أمس ، وأنت آخر من تكلبم مع أبي))
(( كان يبدو بحالة جيدة عندما تركته بعد ظهر أمي ، وأما غلين فقد حسبته أستأذنك في ذلك ))
(( لم يستأذنني مطلقاً ، يلله !! كاترين هل فقدت عقلك ؟ كان المفروض أن تعتني به ))
(( غلين ليس طفلاً صغيراً ، يجب أن يكون له رأيه الخاص ، وحان الوقت لكي يبني شخصيته ويثبت وجوده بمفرده ))
قلب جيرد شفته وقال :
(( وهكذا اخترت النزول معه إلى الوادي ، حيث الهواء الرطب والطريق الوعرة ، لا شك أنك مجنونة ، كان من الممكن أن يدق عنقه هناك ))
((لم أكن أريد النزول ، ولكنني نزلت على رغبته ))
((وأنت لم تحاولي منعه ، كاترين ، إذا حصل له أي شيء 000))
(( ولكن لم يحصل ، فكيف تلومني على شيء لم يحدث ؟ ))
(( والآن من المفروض أن تكوني إلى جانب غلين ، ولكني أراك هنا تستلقين في فراشك غير مبالية ))
(( أنا أشعر ببعض التعب ، اذهب الآن ، وسأغادر الفراش بعد قليل ، أم أنك ستعيد تصرفاتك المشينة التي سلكتها معي في تلك الليلة ؟ لماذا لا تذهب ؟ أخبر غلين أني سآتي إليه حالما أرتدي ثيابي وأكون جاهزة ))
(( سأطلب من ماريا إبلاغه رسالتك ))
(( دع شخصاً آخر غيرها يخبره ، لا أظنك ترغب أن يعرف غلين أو ليزا بأية حرية تدخل إلى جناحي))
(( دعينا نستبعد ليزا من هذا الموضوع ، ممكن ؟))
زمّت كاترين شفتيها وهو يغيب عن ناظريها ، وحاولت أن تتحرك لتمد رجليها خارج الفراش ، فأحست بضعف شديد ، وإذا بالدموع تنساب من عينيها البنفسجيتين الجميلتين على وجهها الشاحب ، من الآلم المبرح الذي المّ بظهرها ، فدفنت وجهها في الوسادة وهي تسأل نفسها ، كيف سيمر عليها النهار ، إذا كانت أطرافها ترتجف حتى من تلك الحركة البسيطة ؟
لم تكن لطيفة اليدان اللتان رفعتا رأسها عن الوسادة ، يبدو أن جيرد لم يذهب بعيداً عندما ظنت أنه مضى ، فهز كتفيها وقال :
((يا الله لم كل هذا البكاء ؟ ))
إن سحابة الألم التي مرت على وجهها من جراء تلك الهزة ، جعلته يقطب حاجبيه بتعجب ويقول :
(( يا لله ، أنا لا أريد أن أؤذيك ، بالله عليك توقفي عن النظر الي وكأنني وحش كاسر ))
أدارت كاترين رأسها من جهة لأخرى ، وهمست :
((أرجوك أذهب ))
دفعها إلى الوسادة بحركة تدل على خيبة أمل ، فلم تستطع إخفاء أنينها عندها حاول أن يكشف عنها الغطاء ليعرف ما بها وقال :
(( كاترين أرجوك ، بحق الله ، قولي ما الذي حلّ بك ؟ ))
نظر في عينيها الفاتنتين اللتين بدت فيهما نظرات التأنيب ، ولكن كاترين تنفست بصعوبة ويداها ترتجفان وهي تعيد الغطاء على جسمها ثم قالت :
(( لقد سقطت عن الجواد يوم أمس ولم يكن بودي أن أخبرك ))
سألها بخشونة :
((كيف سقطت ؟ وأين ؟ لماذا لم تخبريني منذ البدء ؟ فقد كان بإمكاني مساعدتك ))
((ليس الأمر مهماً إلى هذا الحد ، فقط أحس بتصلب في جسمي ، وألم في ظهري ، هذا كل ما في الأمر ، وأنا متأكدة أنني سوف أتحسن بعد قليل ))
ولم تدر إلا وقد أزاح عنها الغطاء وقلبها على فراشها وهي تصرخ ، فكتم أنفاسه عندما رأى من خلال قميص نومها اللون القاتم الذي ينتشر على ظهرها 0
ارتعشت كاترين من غير إرادة منها ، عندما لامست يده أماكن الكدمات في ظهرها وبالرغم من معرفتها أنها ستحتقر ذاتها فيما بعد ، ولكنها لم تنكر بينها وبين نفسها أن شعوراً بالارتياح قد غمرها لتلك اللمسات ، وقالت :
((جيرد ، أرجوك ، اتركني ، وأخرج من هنا ))
جلس إلى جانب السرير ، وقال بصوت غليظ :
(( يا الهي ، لماذا لم تخبريني ؟ كان من الممكن أن تدق عنقك ، لا تتحركي ابقي كما أنت ، عندي شيء قد يساعدك سأعود فوراً ))
استدارت كاترين قليلاً ، ولكن هذه المحاولة كلفتها الكثير من الجهد والألم 0
بقيت مستلقية على جانبها ، حتى سمعت وقع خطوات ، فظنت أن ماريا هي القادمة ، وقد أرسلها جيرد ومعها وصفة تفيدها ن ولكنها كانت مخطئة في ظنها ، فإن جيرد هو نفسه الذي عاد مرة أخرى وفي يده علبة صغيرة ، وقال :
(( إنه علاج قديم عندي ، رائحته غير مستحبة ، أما نتائجه فمضمونة ))
(( شكراً لك ))
ردت كاترين عليه وهي تمد يدها لتتناول العلبة من يده ، ولكنه أبعدها عنها وقال :
((لا يمكنك دهان ظهرك بنفسك ، فأنا سأفعل ذلك ، والآن وعلى مهل ، عودي إلى الوضع الذي تركتك عليه ، سأحاول قدر استطاعتي ألا أوجعك ))
نشر جيرد المرهم في أماكن متعددة من ظهرها ، وأخذ يدلكه بلطف ونعومة ن وكاترين تحس بالارتياح من هذا التدليك ، وهي تتمنى ألا يتوقف ولكن جيرد كف عن ذلك ، وذهب إلى الحمام ، غسل يديه وعاد قائلاً :
(( هذا يكفي الآن ، واقترح أن تستريحي في فراشك طوال اليوم ، غلين سيتدبر أمر نفسه ، ولو مرة واحدة من دون مساعدتك ))
أدارت كاترين رأسها لتلتقي عيناها بعينيه ، ثم قالت معترضة :
((آه ، لا ، جير، إني أشعر بتحسن كبير ))
(( حتى ولو كان ، فأنت بحاجة ملحة للراحة ، ماريا سترسل إليك الطعام هنا ))
(( حسناً ، إذا كان هذا ما تريد ))
أجاب بصراحة :
((ما أريده لا علاقة له بهذا ، سأذهب الآن وأخبر غلين بما آلت إليه حالتك ))
(( شكراً ))
((حسناً حاولي أن تستريحي قدر الامكان ، فنحن لا نريد ثلاثة مرضى في العائلة 000))
قاطعته بعصبية :
((ثلاثة 000))
أنهى جيرد الحديث من غير إبداء مشاعر ، وخرج ، أخذت كاترين تسأل نفسها ، ترى ماذا يعني بقوله : ثلاثة مرضى في العائلة ؟ هل يعني أنها ستصبح عضواً في هذه العائلة ؟
بكت كاترين ، ألمّ بها شعور بالاشقاف على نفسها وعلى بن أيضاً ، وعندما دخلت ماريا تحمل صينية الطعام وجدت عيني المريضة متورمتين 0
تركت ماريا الصينية جانباً ، ووضعت الوسادة وراء كاترين وأسندتها عليها بصورة مريحة ، وقالت :
((والآن أخبريني ماذا حدث ؟. جيرد أعلمني أنك سقطت عن ظهر الحصان ، ولم يخبرني أنه أزعجك إلى هذا الحد ))
مسحت كاترين أنفها بمنديلها ثم قالت :
((لا ، بالحقيقة لم يزعجني ، بل أحضر المرهم ، ودلك ظهري به حتى أحسست أني صرت أحسن حالاً ))
لمحت ماريا العلبة الصغيرة وقالت :
(( حسناً ، لقد مرت بي هواجس متعددة عندما رأيته يصعد إلى هنا كالمجنون ، ولكنه كان مختلفاً تماماً عندما رجع ))
قالت كاترين :
((أنت مولعة جداً بجيرد، أليس كذلك يا ماريا ؟ ))
أجابت ببساطة :
(( إنه مثل ولدي ))
وضعت ماريا الصينية أمام كاترين وقالت :
(( هل تريدين شيئاً آخر ؟ ))
(( آه ، لا ، وشكراً ))

ابتسمت ماريا وهي تتجه نحو الباب كي تغادر الغرفة ، ولكنها توقفت برهة ، والتفتت إلى كاترين وقالت :
((أنا أعلم أنه ليس من شأني التدخل في أمور الآخرين ، ولكن لدي رغبة في معرفة ، متى تريدان أنت وجيرد إخبار غلين أنك لست الفتاة التي يظن ؟ ))
((أنت 00أنت تعرفين ؟ ))
(( بالتأكيد 0 لأنه ، لا يمكن أن أتصور أية فتاة بكامل قواها العقلية ، من الممكن أن تخفي شعراً جميلاً كهذا ، وراء شعر مستعار ، إلا إذا كان هناك سبب يدفعها لذلك ))
رفعت كاترين يدها إلى رأسها وقالت قلقلة :
((آه ، لقد نسيت 0000))
((لا بأس ، لا بأس ، جيرد أخبرني الحقيقة منذ أيام أنك أخت فالنتينا 0 ووافقت على المجيء إلى هنا بموجب نصيحة الطبيب ، كما اخبرني أيضا أنك مخطوبة لشاب في لندن ، هل هذا صحيح ؟ أم قال ذلك من أجل ليزا ؟ ))
بان الارتباك على وجه كاترين على الفور ورددت :
(( ليزا ؟ ))
((نعم ، فأنا ألاحظ أن جيرد مهتم جداً بك ))
ازدادت خفقات قلب كاترين ، وقالت متلعثمة :
((جيرد ، لا تكوني حمقاء 000))
((أنا لست جاهلة يا كاترين ، لقد رأيت الطريقة التي ينظر بها إليك ، ولم لا ؟ فإذا كانت ليزا قد طلبت منه رعاية مصالحها ومصالح ولدها ، فهذا لا يعني أنه ملزم بالارتباط بها ))
ارتجفت كاترين عند سماعها هذا الكلام ، إذن ليس هناك حب بينهما 0
وجيرد لا يريد الزواج من ليزا ، لقد أوضحت ماريا بكلامها ما كان غامضاً 0
وفجأة غادرت ماريا المكان وكأنها ندمت على ما بدر منها :
((سأرسل لك كارين بعد قليل لتأخذ الصينية ، حاولي النوم لبعض الوقت ))
لم تأكل كاترين إلا قليلاً ، لم تعد لها شهية لذلك 0 وعندما جاءت كاترين مساعدة ماريا لتأخذ الصينية ، تظاهرت بالنوم وهي تتمنى لو أنها أخذت بنصيحة سيمون ولم تأت إلى كندا ، لو أنها فعلت ، لكانت أعفت نفسها من أمور كثيرة ، على الأقل من الوقوع في حب رجل لا تستطيع الزواج منه 0
في المساء كانت تشعر بتحسن جسدي على الأقل ، لا شك أن المرهم قد أفادها إلى حد كبير ، وظنت أنه في الصباح سيكون لديها القدرة أن تتجاوز هذه الحادثة التي أصابتها 0
عندما حان وقت العشاء أحضرت كارين الطعام إلى غرفة كاترين ، تناولت ما اشتهت من الطعام الذي قدم لها ، وكانت تمسح شفتيها بمنديلها ، عندما أحست أن هناك من يراقبها ، فرفعت رأسها لتجد جيرد متكئاً بجانب القنطرة ، بدا شاحب اللون ، كأنه أمضى يومه كاملاً في غرفته الخلوية بدلاً من التجول في الهواء الطلق 0تقدم قليلاً وقال :
((ماذا تفعلين خارج الفراش ؟ أظن أنني قلت لك ألا تغادريه طيلة النهار ، إن جلوسك على الكرسي لن يساعد عضلاتك على الاسترخاء ))
أزاحت جسمها قليلاً إلى طرف الكرسي لتريه المخدة الصغيرة التي تجلس عليها وقالت :
(( الكرسي ليس قاسياً كما ترى ، وأنا لا أحب تناول طعامي في الفراش ))
(( والآن هل انتهيت ؟ ))
(( نعم ، لماذا ؟ هل جئت لتأخذ الصينية ؟))
لوى جيرد شفتيه وتقدم نحو الطاولة التي بجانبها وتناول علبة المرهم وقال :
(( جئت من أجل هذه ، هورس لوى كتفه وهو يجر بعض الأخشاب وسأدلكه له ))
هزت كاترين رأسها في تأثر وقالت :
(( أني آسفة ، هل هو بخير ؟ ))
(( إنه على قيد الحياة ، ماذا عنك ؟ ))
(( أشعر الآن بكثير من التحسن ، كيف أحوال غلين ؟ ))
(( لقد هبطت حرارته ، وأنا متأكد أنه سيسعدك أن تعلمي أن أبي أيضاً بخير ))
(( فعلاً لقد أسعدتني ))
مرت لحظة صمت ، قال بعدها :
(( أظن أن ليزا قالت له ما يزعجه مما جعله يتعثر ويسقط ، عادة يحدث ذلك منها كثيراً ))
لم تقل كاترين شيئاً تعليقاً على تلك الكلمات ن فاستمر جيرد في الحديث :
(( أنا سعيد لأنك تشعرين بتحسن ، غلين أخبرني عما حدث ، و لا أريد إخبارك بما قلته أنا ))
يمكنني أن أتكهن ))
اقترب منها أكثر فأكثر وقال :
(( هل تقدرين ؟ هل دلكت ماريا ظهرك بالمرهم ؟ طلبت منها أن تفعل ذلك ))
((لا ، لم تفعل ))
(( لماذا ؟ ))
(( لأني لم أرها منذ وقت الغداء ، كارين أحضرت لي طعام العشاء ))
((إذن سأدلكه أنا ، فقط استلقي على الفراش ))
ولكنها لم تستلق وقالت :
((جيرد إنه ليس ضرورياً مطلقاً ))
قال بخشونة :
(( لقد قلت إنني 000))
ومدّ يده يعبث بشعرها الناعم وبرفق يرفعه نحو شفتيه ويتمتم :
(( كاترين إني أحبك 0 وأعرف أنك تحبينني أيضاً ))
فوجئت به يطوقها بذراعيه ، يضمها إلى صدره ، وبصعوبة استطاعت التخلص منه وهي تقول :
((جيرد أنا أسمع حركة ))
ابتعد جيرد عنها مستطلعاً ولكنه لم يلاحظ أي شيء ، لم يكن أي صوت هناك أو حركة في غرفة الجلوس ، ما عدا صوت تكتكة الساعة الكبيرة المعلقة على الجدار 0
هزت كاترين رأسها ، وقالت هامسة :
((هناك من دخل الغرفة 0 أنا متأكدة من ذلك))
(( هل هذا صحيح ؟ أين هو إذن فأنا لا أراه ))
سار إلى القنطرة وتطلع إلى الغرفة الأخرى فلم يجد أحداً ، ثم تابع حديثه :
((لا يوجد أحد كاترين ( وهزّ رأسه ) آه ، لقد فهمت ، لعلي فقدت عقلي ))
(( جيرد إني متأكدة أنه كان هناك شخص ما ، صدقني ، أرجوك ))
نظر إليها نظرة مليئة بالألم ، وكأن غشاوة أزيحت عنهما ، وقال :
(( اذهبي الآن إلى النوم يا كارين ))
حمل الصينية وتابع :
((سوف أعيد هذه إلى ماريا ، لعلها هي التي أتت بسبب الصينية ، ما عدا ماريا ، لا يمكن أن يدخل شخص آخر إلى هنا من غير دعوة 0))

حيرة وضياع


لم تعرف كاترين طعم للنوم في تلك الليلة ، وأحلامها أشبه بالكوابيس ، مملوءة بأحداث المساء ، عزمت على الصمود أمام هذا الرجل مهما حاول إثارة عواطفها ، مرّ سيمون ببالها مرور الخاطر ، ، إن ما كان بينهما إذن لم يتعد حدود الصداقة ، لم يكن حبا على الإطلاق ، إنها لم تحس نحوه في أية لحظة من اللحظات بما تحسه الآن نحو جيرد 0
في الصباح كانت قادرة على مغادرة الفراش ، من غير ألم شديد على الرغم من أن جيرد لم يكرر المعالجة في الليلة الماضية ، وإنما الراحة والدفء هما اللذان عملا معجزتهما ، ولم تعد تشعر إلا بشيء من التصلب البسيط في أنحاء جسمها ، ولكن شعرت بانزعاج عندما حانت منها التفاته ورأت علبة المرهم ملقاة على الأرض ، تلك العلبة التي جاء جيرد من أجلها ، وتذكرت هورس وكتفه المصاب0
انتهت كاترين من الاغتسال وارتداء ملابسها في الساعة الثامنة ، وبدلاً من انتظار ماريا لتحضر لها طعام الإفطار ، نزلت هي إلى المطبخ ، كانت المرأة الهندية مسترخية على كرسي بجانب الطاولة المصنوعة من خشب الصنوبر ، تتناول فنجاناً من القهوة ، عندما دخلت عليها كاترين ، فاتسعت عيناها السوداوات في دهشة ، وقالت :
(( ألم يطلب جيرد منك أن تخلدي للراحة بعض الوقت ؟ ما كان عليك أن تتركي فراشك في مثل هذه الساعة من الصباح ))
(( الحقيقة أني أصبحت بخير ، وأستطيع التحرك من غير ألم ، وذلك بفضل المرهم الذي أحضره جيرد ))
غمزت ماريا بعينها :
(( يبدو أنه أفادك كثيراً ، أليس كذلك ؟ إن هذا ما يسرني معرفته بالفعل))
ابتسمت كاترين ، ابتسامة مصطنعة وقالت :
(( قال جيرد إن هورس قد خلع كتفه ، وعاد أمس إلى غرفتي ليأخذ له علبة المرهم ، ولكنه ذهب بدونها ، لقد كان شديد الارتباك ، ولا أدري لماذا !))
(( لا تقلقي ، ليس هناك أي مشكلة ، فلدينا أكثر من علبة من هذا المرهم ))
شعرت كاترين بالاحمرار ب في وجنتيها ، فالمرهم إذن كان مجرد حجة ، والحقيقة أن جيرد جاء إلى غرفتها يسأل عنها ، ترى هل جاء ليعترف لها بحبه 0
وضعت كاترين يديها المرتجفتين في جيبي بنطالها الجينز ، لتخفيها عن ناظري ماريا التي قالت باختصار :
((هل أهيئ لك الفطور ؟ ))
هزت كاترين رأسها علامة الإيجاب ، وهي تشعر مع كل ما مر بها من مفاجآت أنها تستطيع أن تأكل كل ما يمكن أن تقدمه لها ماريا من طعام 0
وبالفعل هذا ما حدث ، فعجبت المرأة العجوز من ذلك وقالت وهي تأخذ الصحون الفارغة من أمامها :
((يبدو أنك جائعة جداً اليوم ، مع أنك بكل صعوبة يوم أمس استطعت وضع لقمة في فمك ))
(( أمس كان أمس ن أما اليوم فهو شيء آخر 000كيف أحوال غلين ؟ هل زرته؟ ))
(( اطمئني ، مررت به في الساعة السابعة والنصف ، كانت حرارته طبيعية ، ويمكنني أن أقول بكل ارتياح إنه أيضاً أصبح بخير ))
نظرت كاترين إلى أعلى وقالت :
(( شكراً لله ، وكيف حال بن ؟ ))
(( ذاك الرجل العجوز ، إنه لا يزال على قيد الحياة ، يكاد كبده يتمزق من الإدمان ، أنه لم يعد شاباً ، لقد تجاوز الخامسة والستين من العمر ، وعليه أن يفكر أكثر في صحته في مثل هذه السن ، أليس كذلك ؟ ))
(( لعله ليس سعيداً ))
(( قد تكونين على حق ، فمنذ وفاة ولده أنجس ، ساءت جميع الأمور تماماً ))
(( أمور ، أية أمور ؟ ))
أدارت ماريا ظهرها وأخذت تنظف الصحون ، وهي تقول :
((أظن أنه أدرك أن هناك تغيرات ستحدث عندما جيرد 0000عندما السيد فريزر 0000))
وأتمت كاترين كلام ماريا :
((عندما جيرد يتزوج من ليزا ))
أحنت ماريا رأسها وقالت :
(( أظن ذلك ن و لآ شك ستجري بعض التغيرات إذا أصبحت هي السيدة هنا ))
(( آه ، لقد فهمت ))
غيرت ماريا مجرى الحديث بسرعة وقالت :
(( ماذا لو تأخذين طعام الفطور إلى غلين هذا الصباح ، سيسعده أن يجدك بخير ))
لم يكن غلين مستيقظاً عندما دخلت كاترين الغرفة ، وضعت الصينية علة الطاولة بهدوء حتى لا تتسبب في لإيقاظه ، نظرت إليه ملياً ، وأحست أنه أصبح مقرباً إلى نفسها أثناء هذه الأسابيع ، والمهمة التي جاءت من أجلها لم تعد عسيرة كما كانت في بادئ الأمر ، في أية حال فإنها لا شك ستكون مسرورة عند انتهاء هذه المهمة ، ولكن سرعان ما تلاشت فكرة السرور ، وامتلأ قلبها باليأس ، لأن هذا يعني عدم رؤية جيرد بعدئذ0
شعرت كاترين وهي تقف بجانب السرير أنها كانت تدوس على شيء ما ،0
تراجعت إلى الوراء قليلاً ، كان شيء ملقى تحت السرير ، يبدو منه جزء صغير 0
انحنت كاترين وإذا بها تمسك بمجلة 0
وسألت نفسها ترى ما هذه المجلة ؟ من وضعها هنا؟ ماريا لا تسمح لغلين أن يدخل الغرفة إلا بعد تنظيفها من أولها إلى أخرها 0
في بادئ الأمر لم تشعر أن وجود مجلة تحت سرير غلين يعني أن أجراس الإنذار قد دقت ن ولكنها أصيبت بصدمة عنيفة عندما أخذت تقلب صفحات المجلة ، وترى صوراً مختلفة لنساء جميلات ، وعادت تتسأل ، منذ متى وهذه المجلة هنا ؟ وماذا يعني وجودها ؟
إنها لم تلاحظها من قبل ، كان التاريخ يوحي بأن المجلة هي الإصدار الأخير ، ترى هل عاد إليه بصره من جديد ، ولم يعلم أحد 0بذلك 0
أرادت إيقاظه ، أرادت أن تهزه هزاً وتطلب منه أن يقول لها الحقيقة ، وإذا كانت هذه هي الحقيقة ، إذا كان قد استعاد بصره ـ سيكشف حلاً أنها ليست فالنتينا ، وخافت مما سيحدث 0
يجب أن تخبر أحد ، ولكن من ؟ جيرد هو الشخص الوحيد إلي يمكنه حل المشكلة ن ولكن أين جيرد الآن ؟ فهو لن يعود حتى موعد الغداء على الأقل 0 وحتى ذلك الحين ، تكون قد انكشفت هويتها 0
إذن ستخبر ليزا ، فقد تكون عندها بعض الاقتراحات ، وهي ليس لديها سبب واحد لتخاف من عودة بصر ابنها إليه ن دفعت المجلة تحت السرير ، وأخذت صينية الطعام ووضعتها قرب النافذة ،على الطاولة ، ثم اتجهت نحو الباب ، لم يكن أمامها إلا بضع ياردات لتخرج من الغرفة ، عندما شعرت بحركة تصدر من غلين ، فالتفتت ، فتح عينيه ، جمدت كاترين في مكانها وهي تندب حظها التعس 0
تمتم غلين وهو بين النوم واليقظة :
(( ماريا ؟ ))
نظرت إليه كاترين من دون أن تنطق بأي كلمة ، ولكنه سأل وهو يفرك عينيه :
((من هناك ؟ ))
هل يمكنه أن يراها ؟ النور كان يضيء المكان ، وهي تستطيع أن تراه بوضوح ، ولكنها كانت تقف في الظل ، تسمرت في مكانها وهو يسأل للمرة الثالثة :
(( من هناك ؟ ))
((أنا يا غلين ، هل أيقظتك ؟ أنا لم أقصد ذلك ، ولكني أحضرت طعام الفطور ))
(( فالنتينا ، هل أنت الآن أحسن من ذي قبل ؟ ))
قال ذلك وهو يجلس في سريره ويرتب الغطاء أمامه استعداداً ليأخذ الصينية 0
ولاحظت أن اهتمامه بذلك أكثر من اهتمامه بمجيئها ، فصعد الدم إلى وجهها مرة ثانية ترى هل غلين فعلاً يستطيع الرؤية ؟ ترى هل هو يراها الآن ؟ ومن قبل أن تتأكد من شيء تناولت صينية الطعام ووضعتها أمامه0
رفع نظره إليها ، وأخذ يداعب خدها بعاطفة جياشة ، فشعرت كأنها خدرت في مكانها ، وعيناه الصافيتان تواجهان عينيها0
أحس بها ترتجف فسألها وهو يضع يده بلطف على ذراعها :
((هل هناك ما يقلقك يا فالنتينا ؟ لماذا أنت عصبية إلى هذا الحد ؟ هل أخفتك ؟ أنا لم أقصد هذا مطلقاً ))
خارت قواها ، ولكنها اصطنعت ضحكة وقالت :
(( لا غلين ، ليس هناك من شيء ، لكني ما زلت ضعيفة بعض الشيء ، إنها لسقطة شديدة تلك التي حلت بي ، أليس كذلك ؟ ))
(( هل أنت متأكدة أنك بخير ؟ ))
((أنا بخير ويسرني أن أرى صحتك قد تحسنت كثيراً ، أخبرني جيرد أن حرارتك كانت مرتفعة ))
((لم يكن هناك شيء هام ، أظن أنه من الإجهاد ، ركوب الخيل ، كثرة الزوار ن سقوطك عن ظهر الحصان ، هذا بالحقيقة صدمني ))
تمتمت كاترين :
(( فعلاً لقد جعلت من نفسي أضحوكة ، أليس كذلك ؟ حسناً سأذهب وأتركك تتناول طعامك ، أنه صباح غائم لا أظن أننا نستطيع الخروج اليوم ))
تركها غلين تذهب ، واعداً باللحاق بها إلى الطابق الأرضي ، بعدما يرتدي ثيابه0 ابتسمت كاترين ، فكان من الواضح انه لا يراها ، وقالت :
(( إذن سأراك فيما بعد ))
أغلقت كاترين الباب وراءها وهي تشعر بشيء من الحرية ، وعندما نزلت وجدت ليزا هناك بكامل زينتها وقد ارتدت ثياب الخروج ، وبدأت ليزا بالتحية :
((صباح الخير ، هل استيقظ غلين ؟ أخبرتني ماريا أنك أخذت إليه طعام الفطور ))
(( أخشى أن أكون أنا من أيقظته ، أظن أن جيرد أخبرك أني سقطت عن ظهر الحصان ))
(( هذا ما كنت أخشاه ، لقد حاولت تحذيرك ))
كانت كاترين تعلم أن خوف ليزا لم يكن عليها ، وأجابت بابتسامة صفراء :
((آه ، نعم ))
هزت ليزا كتفيها وقالت :
(( لكنك تبدين بحالة جيدة هذا الصباح عزيزتي ، وبما أنك لم تخرجي من المزرعة منذ وصولك إلى هنا ، فإنه يسرني أن ترافقيني في السيارة إلى موزباي ))
تراجعت كاترين مدهوشة ، لم تكن مستعدة لمثل هذه الدعوة ولم تعرف ما تقول :
((لكن ماذا عن غلين ؟ علىّ أن أسأله أولاً ))
(( حسناً لا أظن أنه سيعارض ، لقد حظي باهتمامك طيلة هذه المدة ))
كان الصبح غائماً كئيباً مما جعل كاترين ترتدي بنطالاً صوفياً وسترة ، كما ارتدت معطفاً كانت قد أحضرته للمناسبات ، ولكنها عجبت من ليزا عندما رأتها ترتدي جزمة في قدميها ، فهي لا تظن أنه من المناسب السير في أسواق موزباي وفي قدميها مثل هذه الجزمة ، ولكنها قالت في نفسها ، على أية حال والدة غلين تعرف ذلك أكثر منها 0
كانت ليلة معتمة عندما أتوا من المطار فلم تشاهد كاترين شيئاً ، وكان يسرها رؤية المناظر المحيطة في وضح النهار 0
(( لماذا قررت المجيء إلى كندا يا كاترين ؟))
فاجأتها ليزا بهذا السؤال عندما انعطفت إلى يسار الشارع العام إلى طريق وعرة 0


(( لماذا ؟ أنت تعرفين لماذا ؟ طبعاً لكي أساعد غلين ، أساعده حتى يستعيد بصره ))
((لكن جيرد أخبرني أنك رفضت البحث في الأمر نهائياً ، وذلك في اليوم الأخير ، قبل أن يخبرنا غلين بموافقتك ، كما أعلمني أيضاً أنك لن تفعلي شيئاً من غير موافقة خطيبك ))
(( أنا لست مخطوبة يا سيدة ليزا ، ما كان بيني وبين سيمون هو مجرد صداقة ))
(( تقولين كان ، هل يعني أنكما لستما أصدقاء الآن ؟ ))
(( سيمون لم يقنع بالطريق التي أسيرها ولذا قررنا أن نعطي بعضنا مهلة للتفكير ))
لاحظت كاترين أن تفكير ليزا لم يكن منصباً على القيادة ، وسمعتها تسأل :
((من الذي غيّر رأيك ؟ غلين أم جيرد ؟ ))
حبست كاترين أنفاسها وقالت :
(( لماذا ؟ غلين بالتأكيد ))
(( بالتأكيد ؟ أنك لم تقنعيني يا كاترين ))
(( لا أظن أن هذا يهم الآن يا سيدة ليزا ، وجودي هنا قد حقق غرضه ، ووجدت مجلة في غرفة غلين هذا الصباح ، كانت تحت السرير ، وهذا يعني أنه ابتدأ يستعيد بصره ))
ذهلت كاترين عندما لم تبد ليزا أي اندهاش من هذا الخبر على الإطلاق ، وسمعتها تقول من غير اهتمام :
(( أخبرني ، أخبرني أنه ابتدأ يستعيد نظره منذ ثلاثة أيام بالضبط منذ سقطت أنت عن الحصان ))
(( منذ ذلك الحين ظ ولكن لماذا لم يخبرني ؟ شكراً لله ، ظننت أن هذا لن يحدث أبداً ، أكاد لا أصدق ! رائع ! رائع! ما عدت أطيق الانتظار ، أريد أن أراه ))
قلبت ليزا شفتيها وقالت :
(( لا تستطيعين ؟ على الرغم من أنك تعرفين أن معنى هذا هو أن وجودك هنا لم يعد ضرورياً ))
قالت كاترين بجفاء :
(( هذا لا يهمني ، لكن إذا كان غلين يستطيع الرؤية ، فمعنى ذلك أنه قد عرف ))
(( عرف أنك لست فالنتينا ؟ نعم هو يعرف ، ويبدو أنه كان يعرف ذلك طيلة الوقت ))
(( لكن كيف ؟ شعري 000))
سألت كاترين لاهثة وهي ترفع يديها تلمس الشعر المستعار ، لكن ليزا هزت رأسها وقالت :
(( ليس أسهل من ذلك ، على كل فصديقك سيمون ترافس هو الذي أخبره ))
(( سيمون ؟ ))
أخرجت ليزا علبة السكائر ، ووضعت واحدة بين شفتيها وقالت :
(( تماماً ، ذهب إلى المتشفى قبل مغادرتنا انكلترا ، كان من الواضح أنه أراد منعك من المجيء معنا بأي ثمن ، أما أنا وجيرد فلم نكن نعلم شيئاً عن هذا الأمر ))
مرت بها لحظة صمت ثم تابعت كلامها :
((من الواضح أنه شك بأمرك ، من قبل ، من طريقة معاملتك ، وتصرفاتك طبعاً ، هو يعرف أختك جيداً ، وقد لاحظ الفرق بينكما ، تلك الفوارق التي يميزها المحبون فقط ))
(( إذن لماذا لم يطلعني على ذلك ؟ ))
((لا أعرف ، ربما شعر أنك وأختك سخرتما منه ، فأراد السخرية منك هو أيضاً ))
أحمر وجه كاترين وقالت :
(( ربما لم يكن هذا قصده 00))
(( والآن وبعد معرفة الحقيقة ، ماذا ستفعلين ؟ ))
(( ماذا سأفعل ؟ أنا ، أخشى 000))
قاطعتها ليزا وقالت :
((أعني أنه ما عليك الآن إلا أن تجمعي حاجاتك وتعودين إلى انكلترا ))
((أعود إلى انكلترا ؟ ))
احتقرت كاترين نفسها وهي تردد كل ما تقوله ليزا ، ولكن الدوار الذي أحست به عند سماعها كلام ليزا لم يترك لها مجال لأن تفكر منطقياً 0
تابعت ليزا :
((بالتأكيد ، فلم يعد هناك سبب وجيه تبقين من أجله ن هل هناك ؟ ))
((أظن لا ن ولكن يجب أن أتحدث مع غلين أولاً ن وأعرف رأيه ))
((أنت عرفين أن غلين يتوقع بقاءك حتى نهاية إجازتك ))
(( إذا كان يريدني أن 000))
قالت ليزا بخشونة :
((لكن أنا لا أريدك بقاءك يا كاترين ، وجيرد أيضاً لا يريدك أن تبقي ، لقد أصبح وجودك مربكاً لكلينا ))
شعرت كاترين بالنار تلهب وجهها وقالت :
(( أنا لا أعرف ماذا تعنين ؟ ))
صرخت ليزا في وجهها :
((آه ، أظن أنك تعرفين ن هل تحسبين أني لم ألحظ الطريقة التي تنظرين بها إليه ، الطريقة التي تعلقين بها على كل كلمة يقولها ، إنه شيء يدعو للغثيان ، إن جيرد كثير الأدب ، لم يرض إخبارك بأنك جعلت من نفسك سخرية للجميع ))
((هذا ليس صحيحاً ))
ليزا خففت السرعة عند مفترق طرق ، وانعطفت إلى درب ضيقة وقالت :
((بل صحيح أيتها الفتاة العزيزة ، إن جيرد رجل وهو على استعداد لأن يتناول أي شيء يقدم له ، والآن هل فهمت ما أعني ؟ ))
شعرت كاترين بالدوار يعود إليها من جديد ، وبصعوبة خرجت الكلمات من فمها :
(( أنت مخطئة 000))
((لا لست مخطئة ، عندما جاء إلى غرفتي الليلة الماضية شممت عطرك يفوح منه ))
جيرد لا يحبها 000إنه كاذب في مشاعره ، فقد ذهب من عندها مباشرة إلى غرفة ليزا ، أدارت رأسها نحو النافذة ، وأغمضت عيناها ، وهي تقوم في نفسها : بالتأكيد إن ليزا غيورة ، ولها أسبابها ، فإذا كانت تريد الزواج من جيرد , لها كل الحق مخافة أن يفلت من يدها ، وأن تعترض على أية علاقة أخرى ، أما هي ، فليس لها أي عذر ، فهي تعرف علاقته بأرملة أخيه منذ البداية ، ولذا فإنها أكبرت ليزا في نفسها ، لأنها فضلت أن تحدثها على انفراد بدلاً من إرباكها أمام أفراد العائلة بأكملها 0
وقفت السيارة فأخذت كاترين نفساً عميقاً قبل أن تفتح عينيها وتلتفت لتخاطب السيدة ليزا ، وهي تدرك أن التصرف الشريف الذي يجب القيام به ، هو الرحيل مباشرة فور عودتها إلى المزرعة ، وقطعت أفكارها فجأة بدهشة عندما وجدت نفسها وحيدة في السيارة ، ففي تلك اللحظات التي كانت كاترين تعذب نفسها فيها بالشعور بالذنب والخزي ن فتحت ليزا الباب ومضت ، وغاص قلب كاترين في صدرها لمجرد التفكير أنه قد يكون حلّ بليزا اليأس لدرجة أنها من الممكن أن تؤذي نفسها ، نادت :
((سيدة ليزا ؟))
رعب شديد سيطر عليها ن وهي تنظر حولها ، من غير أن ترى أحداً ، ترى في أي مكان هما ؟ فالأراضي المحيطة جميعها تبدو رمادية اللون صخرية قاحلة ، لم تذكر أنهم مروا من هذا الدرب الليلة التي قدموا فيها من المطار ن فهي لا شك طريق أخرى ، أخذ قلبها يخفق بشدة عندما خطر ببالها أن ليزا جاءت من هنا عمداً لأنها كانت مصممة على أن تقدم على عمل يائس 0
((سيدة ليزا ؟))
فتحت كاترين باب السيارة وخرجت 0 الطقس كان بارداً جداً ، شعرت بالبرودة كالسكاكين تجرح جسمها ، بالرغم مما كانت ترتدي من ثياب ، ومع ذلك فالريح لم تكن شديدة لتزيل الضباب وتتمكن من رؤية ما يحيط بها ))
(( سيدة فريزر ؟ ))
نادت مرة ثالثة بأعلى صوتها ، ولكنها لم تسمع سوى رجع الصدى، لا أثر للحياة على الإطلاق ، ليزا إذن لا يمكنها إيجاد مأوى لها في بيت منعزل 0 لا شك أنها تركت السيارة لأمر ما ، وكاترين لا يمكنها الجلوس فقط وانتظار عودتها 0 إذا حدث لها شيْ فإنها لن تسامح نفسها ، عليها أن تفعل شيئاً 0
((سيدة ليزا ؟))
مرة أخرى لم تسمع سوى رجع الصدى وضعت يديها في جيبيها ، وابتعدت عن السيارة في الطريق الوعرة ، فربما تجدها في مكان ما ، تسمرت كاترين في مكانها ، لقد سمعت صوت محرك السيارة ، كان من الصعب عليها رؤيتها خلال الضباب الكثيف ، ليزا لم تكن يائسة إذن ، لعلها تركت السيارة لحاجة ضرورية 0
التفتت كاترين لتعود إلى السيارة ، ولكنها أدركت أن صوت المحرك يبتعد عنها ، يا لله ، ليزا تسير في الطريق المعاكس ، لا شك أنها لم ترها بسبب هذا الضباب 0
اعتراها خوف شديد ، ولكنها أخذت تهدئ من روع نفسها معتقدة ، أن ليزا سترجع عندما تدرك خطأها ، وليس من الضروري أن هذا القلق من غير سبب ، ولكن لماذا لم تجبها عندما سمعت نداءها ؟ فهل هناك سبب معقول لديها لتتركها في هذا المكان المنعزل المخيف ؟
أجل ليزا تكرهها ، وتغار منها ، تريدها أن تغادر شلالات موز ، وفجأة تذكرت الحركة التي سمعتها من غرفة الجلوس الليلة الماضية ، عندما كان جيرد في غرفتها ، فقد يكون ما سمعته فعلاً صوت إغلاق باب ، وقد تكون ليزا هي التي أغلقته0
رفعت كاترين كتفيها بحيرة ، وابتدأت تسير ثانية ، وعادت تقول لنفسها ، من الممكن ألا تحبها ليزا ، ومن الممكن أن تغار منها أيضاً ، أما أن تتركها في هذا المكان البارد المخيف ، بعيدة عن الأماكن المأهولة أميالاً وأميالاً ، فهذا ما استبعدته كاترين ، لا يمكن أن تكون ليزا مجرمة إلى هذا الحد 0
استمرت كاترين تخاطب نفسها وهي ترتجف من البرد والخوف ، إنها لا بد راجعة إليها ، صحيح أن ليزا متهورة ولكن لا يمكن أن تكون بلا ضمير 0
وفجأة تذكرت الحذاء الثقيل الذي كانت تلبسه ليزا في قدميها عندما غادرت شلالات موز ، ذلك الحذاء الذي لا يمكن أن يناسب السير في شوارع المدينة ، ولكنه يلائم تماماً تسلق الصخور والاختفاء عن الأنظار وعندها أدركت أنها قد وقعت ضحية كراهية ليزا لها 0

الفصل الاخير


كان جيرد لا يزال في القاعة عندما عادت ليزا إلى شلالات موز ، كان مستلقياً على إحدى الأرائك يطالع بعض الصحف ، ففوجئت به هناك في هذه الساعة من الصباح ، هتفت قائلة :
(( جيرد ظننتك ذهبت إلى كالجري ، ألم تقل لي ذلك مساء الأمس ؟))
ألقى الصحيفة التي كانت في يده جانباً ، ووقف قائلاً :
((هل قلت ذلك ؟ قلت أشياء كثيرة ليلة أمس يا ليزا 000))
((حسناً أحسب أنني سمعت خطأ ، سوف أصعد الآن 000))
اعترض جيرد طريقها وقال :
(( انتظري لحظة ، لماذا لم تخبريني عن غلين ؟ لماذا لم تخبريني أن بصره قد عاد إليه ؟ مع أنه طلب منك ذلك ))
حركت ليزا رأسها بصبر نافذ وقالت :
((آه يا عزيزي ، ما أردت أن أبعث فيك الأمل من غير ضرورة ، وأنت تعرف كيف تسير مثل هذه الأمور 000))
قال جيرد بفظاظة :
(( لا ، لا أعرف ، زيديني معرفة ، يبدو أنك احتفظت بهذا الخبر فقط إغاظتي ))
رفعت ليزا يدها لتربت على خده متوددة ، ولكنه أبعد يدها عنه ثم قالت :
((آه يا جيرد ، توقف عن النظر إلي بهذه الطريقة ، كأنك تحتقرني ، لقد أخبرتك أني فعلت ذلك لمصلحتك ))
(( وليس بسبب ما أخبرتك عن شعوري نحو كارين ؟ ))
قلبت شفتها السفلى دلالة عدم اكتراث وقالت :
(( لا ، لماذا أفعل ؟ أنا لا أتذكر حتى نصف ما قلته الليلة الماضية ))
(( ولكنك تذكرين ما قلته عن كارين ))
(( آه يا جيرد ، كانت غلطة من الأصل إحضار هذه الفتاة إلى هنا ، وقد قلت لك ذلك في حينه ، ويبدو أن غلين كان يعرف حقيقتها طيلة الوقت ))
(( هذا ما أخبرني إياه ))
(( هل تحدثت معه ؟ ))
(( هذا الصباح ، كنت على حق ، فقد كانت خطتي الذهاب اليوم إلى كالجري ولكني قبل ذلك ذهبت لأتفقد هورس بعد الذي أصاب كتفه ، وعندما عدت إلى البيت ، عرفت من ماريا أنك وكارين خرجتما سوية ، ن ولذا صعدت إلى غلين لأعرف منه أين اتجهتما إذا كان يعلم ذلك ؟))
((آه ، فهمت الآن ))
ضاقت عينا جيرد وقال :
(( أين كارين ؟ ))
اضطربت ليزا وقالت :
(( في مكان ما هنا , على ما أظن ، كيف يمكنني معرفة ذلك ؟ أنا لست حارسة عليها ))
(( هل عادت معك ؟ ))
(( لا))
عضت ليزا على شفتها ، وهي تتطلع إلى نظرات الغضب التي كانت تطل من عيني جيرد ، الذي شدّها من كتفها بقوة ، وقال :
(( ماذا تعنين بقولك لا ؟ أين هي ؟ أين كاترين ؟ لن أدعك تذهبين قبل أن تقولي ))
نظرت إليه ليزا بعينين كسيرتين وقالت :
(( أنا لا أعرف يا جيرد ، حقاً ل أعرف ، لو كنت أعرف لأخبرتك على الفور ))
حدق جيرد في عينيها وكرر السؤال :
(( أين هي ؟ أين تركتها ؟ لقد خرجتما معاً ، لماذا لم ترجعيها معك ؟ ))
(( يا عزيزي ، إنه عبث مني ، أنا أعلم ذلك ، وأعرف أنك ستغضب مني كثيراً ، لكني سأخبرك الحقيقة على أية حال ، أوقفت السيارة في موزباي ، واتفقنا أن نلتقي في المكان نفسه وحددنا موعداً لذلك ، ومضينا كل في جهة ، وعندما عدت لم أجد كاترين قرب السيارة ، لذلك رجعت وحدي ))
(( تركتها في موزباي ؟ ))
جنّ جنون جيرد عند سماعه هذا الكلام ، ولكن ليزا لم تقل شيئاً ، فقط استمرت بالنظر إليه بحرارة ورجاء ليتركها تذهب إلى غرفتها ، ولكنه تابع بخشونة :
(( ليزا أنت قذرة ، أنت أنانية ، أود لو ألوي عنقك 000 بيدي هاتين ))
حبست ليزا أنفاسها وهي تتألم وقالت :
(( يا عزيزي ، كيف يمكنك أن تكون قاسياً إلى هذا الحد وقد كنا متفقين على أن يكون كل منا للآخر ؟ ))
صاح جير بقسوة وهو في حالة لا تسمح له بأن يقدر مشاعرها :
(( كل منا للآخر ؟ لعل هذا تفكيرك أنت وحدك ! ولكن الواقع لم يكن أحدنا يعني شيئاً بالنسبة للثاني يا ليزا ، لا شيء ))
أمسكت بكمه وقالت :
(( جيرد ، هذا ليس صحيحاً ، كنت تريدني حتى قبل ولادة غلين ))
أجاب جير بقحة :
(( كفي عن التصرف كالصغار ، لقد كنت صغيراً في ذلك الوقت ، كنت في الثامنة عشرة ، أظن أني كنت مغروراً لأن امرأة أكبر مني أظهرت لي أنها مفتونة بي ، وإذا لم أكن أحترم أخي على صغر عقلي ، كيف استطعت أنت ذلك والآن أين كاترين ؟ أين يمكنني أن أجدها ؟ ))
(( هذه مشكلتك ))
توجهت ليزا نحو الدرج ، في الوقت الذي دخل فيه بن ، نظر إلى ابنه مستفسراً ، ثم التفت إلى ليزا وسألها :
(( هل تعرفين أن عجلة السيارة 000))
أجابت ليزا قبل أن يكمل حديثه :
(( أنا أعرف ، وسوف أحضر من يصلحها ))
قال بن وهو يرمق جيرد :
((يبد أنك تحتاج لعجلة جديدة ، لأنها ممزقة تماماً ، ولا عجب أن يحدث ذلك في تلك الطرق الجبلية ))
أسودت عينا جيرد وصاح سائلاً :
(( أية طرق جبلية ))
أخذ بن ينظر على وجه ولده المكفهر تارة ، وتارة إلى وجه ليزا التي كانت تحاول الهروب إلى الطابق العلوي ، دون أن يفوه أحد بكلمة ، ولكن جيرد لم يترك لها مجالاً للصعود وأمسك بها بشدة ، وصرخ بها بوحشية :
(( ليزا ، أية طرق جبلية هذه ؟ أجيبي !))
أخذ جسمها يرتجف تحت يده ونظراته خوفاً ، وقالت بصعوبة :
((لا أعرف ، هل يجب علي معرفة ذلك ؟ لا أعلم عن أي شيء يتكلم ، عندما كنت في طريقي إلى هنا ، كان هو في المكان الذي ينفرد فيه منكباً على شرابه ، إنه لا يدري عن أي شيء يتكلم ، فهو لا يحق له العيش بين أناس محترمين ))
لم يأخذ جيرد بكلام ليزا ، وظل ممسكاً بها ، ونظر إلى أبيه يسأله :
(( ماذا تعرف ؟ تكلم يا رجل !))
شعر بن أن الوضع متأزم بين ابنه وليزا ، فنظر إليها من غير رغبة وأجاب :
((العجلة يمكن تبديلها بسهولة و لا شأن لي بها ، لكن 000))
قاطعته ليزا ببرود :
((لا ، طبعاً ليس من شأنك 000))
لكن نظرات جيرد القاسية أجبرتها على السكوت مرة ثانية ، وقال لأبيه :
(( أكمل يا أبي ! ماذا رأيت ؟ أظن أنك رأيت ليزا وأنت عائد من المدينة ، أليس كذلك ؟ ))
شهقت ليزا ورددت بعبوس :
(( المدينة ؟ ))
أحنى جيرد رأسه وقال :
(( ألم تعرفي أن والدي ذهب إلى المدينة ؟ أظن أنك لا تقدرين رؤيته إذا كنت ذهبت 000آه يا الهي ( شحب لونه ) كاترين ، أين كاترين ؟ قولي ماذا عملت بها ؟ ))
أمسك جيرد بكتفي ليزا وهزهما بعنف وقسوة ، وأسنانها تصطك وهي تحاول الإجابة :
(( ماذا فعلت ؟ أنا لم أفعل أي شيء ، توقف عن هزي ، لقد آذيتني ))
(( سأفعل أكثر من هذا ، إذا اضطررت لذلك ))
قال جيرد بقسوة بالغة ، ثم التفت إلى أبيه يشرح له الأمر :
(( أبي ، ليزا أخذت فالنتينا – كاترين – معها ولكنها لم ترجعها ، فأين رأيت العربة ؟ من أي اتجاه جاءت ؟ يا الله ، إذا كانت تركتها هناك ، فيجب أن نجدها على الفور ))
ضبط بن أعصابه ، غير عابئ بليزا الباكية ، وقال دون تردد :
(( اهدأ يا ولدي ، رأيتها على الطريق عند منعطف ممر جرفتر ، ولكنها لم ترني ، فقد كانت تجد صعوبة في قيادة السيارة على تلك الطريق ، بسبب العجلة المثقوبة ، ولكني تبعتها ))
التفت جيرد إلى ليزا وهو يهزها وقال :
(( هل ستخبرينني أين هي ؟ أين تركتها ؟ أو تريدين مني أخراج الكلمات من فمك بالقوة ))
استعادت ليزا شيئاً من رباطة جأشها ، وقالت :
((لا تستطيع000))
((حاولي وجربيني 00حقاً إنك لمجنونة ، الويل لك إن كنت آذيتها ))
تجهم وجه ليزا عند سماعها تهديده ، وقالت :
((أنا لم أفعل شيئاً لها ، فقط أردت إخافتها قليلاً ، هذا هو كل شيء ، وقد صممت على العودة إليها ))
قال جيرد وهو يشك في أقوالها :
(( هل حقاً كنت ستعودين ؟ كنت تتوقعين أني سأغيب طوال النهار في كالجري ، هل تذكرين ذلك ؟ ولو لم أكن هنا عند عودتك ، من كان سيحزر أين هي كاترين ؟ ))
(( ما الذي يجري هنا ؟ ))
جمد الجميع في أماكنهم على صوت غلين ، وهو ينزل درجات السلم ببطء ، كان مرتدياً ثيابه ، ممشطاً شعره ، وعلى عينيه نظارة قاتمة ، وقال متابعاً :
(( لماذا تملأون البيت صراخاً هكذا ؟ ما الخبر ؟ هل هو اجتماع خاص ، وهل يمكنني الانضمام إليكم ؟ ))
وقبل أن يتمكن جيرد أو ليزا من النطق بكلمة ، أوضح بن الأمر باختصار :
(( والدتك أخذت سيدتك الشابة إلى الجبال ، وتركتها هناك ))
بدت الدهشة على وجه غلين وظهرت معها علامات الخوف ، وقال :
(( سيدتي الصغيرة ؟!! هل تعني كاترين ؟ ))
بدا الارتباك على وجه بن وردد :
((كاترين , وجيرد يقول كاترين ، ما الخبر؟ ))
ولكن لم يكن لدى جيرد أي وقت ليوضح له الأمر ، وقال لأبيه :
(( سأشرح لك الأمر فيما بعد ))
ثم سحب ليزا وراءه إلى الباب وقال :
(( أقادمة أنت معنا ؟ سوف أطلب من هورس مرافقتنا ، فكلما كثرت العيون التي تبحث عنها يكون ذلك أفضل ))
قال غلين بشوق وهو ينظر لعمه :
(( أريد الذهاب معكم ))
رفع جيرد يده عن ليزا وقال :
(( غلين 000))
قاطعه غلين في ثبات :
(( أعرف ، أعرف إنها ليست مغرمة بي ، ليس من الضروري إيضاح ذلك لي ، أنا لم أعد أعمى ، كما أنني شعرت بالمشاعر المتبادلة بينكما منذ الليلة الأولى التي وصلنا فيها إلى هنا ))
نظر إليه جيرد يريد أن يقول شيئاً ، ولكن غلين هزّ رأسه وقال :
(( أحضرت أنت هورس ، بينما أرتدي معطفي ، وكما قلت كلما كثرت العيون التي تبحث عن كاترين يكون ذلك أفضل 0
كانت كاترين ترتجف من البرد ، وتكاد تتجمد جميع أطرافها ، مع أنها كانت تلبس قفازاً وتضع يديها في جيبي معطفها ، سرى الخدر رويداً رويداً في أصابعها ، وأما قدماها فقد فقدتا القدرة على الشعور

حتى بالألم منذ فترة طويلة 0
كم مرّ عليها من الوقت منذ تركتها ليزا ؟ لا تدري ، ساعة ؟ ساعتان ؟ كانت خائفة من مجرد النظر إلى ساعتها ، خائفة أن يكون الزمن الذي مضى أكثر مما تظن ، وهذا يعني أن الظلام أوشك أن يظلل تلك الممرات الصخرية ، يا الله ماذا عساها تفعل ؟ وحدقت في الضباب ، وأطالت التحديق لقد خمنت أين هي عندما استطاعت أن تلمح الصخور الشاهقة الشديدة الانحدار التي تحيط بها 0
لا شك أن هذه الجبال التي سبق وشاهدتها من غرفة نومها في المزرعة وسحرت بها ، هي الجبال التي أشار إليها غلين يوم خرجا لركوب الخيل وقال إنها خطرة 0
والآن ضاع سحر جمال تلك المرتفعات ، وأسدلت عليها ستائر من الخطر المريع ، ومع ذلك حاولت تهدئة مخاوفها ، ولكنها ارتعدت على حين غرة ، لم يكن من آلام ظهرها ، لم يكن من البرد ، لم يكن من الجوع ، لم يكن من الخوف أن تموت رعباً فقط ، بل أنتابها حدس رهيب ، بأنها لم تكن وحدها في هذا الممر ، هناك شيء ما ، أو أحد يطاردها خلسة ، وصوّر لها خيالها أن هناك عيوناً تلمع وسط الضباب تلاحقها ، وأشتد بها الذعر ، إذ تذكرت أنها قرأت في كتاب الدليل عن هذه الجبال قبل مغادرتها انكلترا ، أن هناك دببة وأيائل تعيش في هذه المناطق ، ومن المعروف أن هذه الدببة تهاجم المارة
فإذا كانت مظاهر الحياة المدنية التي تحيط بشقتها هناك تبدو لها مرعبة عندما تكون وحيدة ، فكيف وهي في هذا المكان النائي عن كل مظهر من مظاهر الحياة إلا من تلك الوحوش التي تتلصص متوارية عن الأنظار ؟!!!
ومع ذلك كانت كاترين متأكدة أن ليزا لا بد أن ترجع إليها ، ولكنها هي التي فقدت الأمل بسرعة !!
وقفت كاترين وقامت ببعض الحركات لتنشيط جسمها المتجمد ، وقررت المسير ، إن الدرب الذي سارت فيها ليزا بسيارتها لا يزال واضحاً ، وعليه فلتبدأ من هناك ، مشت كاترين ومشت ، لكن الرذاذ المتواصل أضاع معالم الطريق الرطبة ، ولم تعد قادرة أن تتأكد إن كانت تسير في الممر الصحيح أم أنها ضلت عنه ، شعرت كأنها تسير بانحدار بسيط ، ولكن إلى أي اتجاه ؟ لا تدري 0
خشيت أن تكون قد دارت بطريقة ما إلى الخلف في الاتجاه المعاكس ، من حيث لا تشعر وسط هذا الضياع الذي وقعت فيه ، وإنها تسير الآن أبعد فأبعد بين الجبال بدلاً من الخروج منها 0
فجأة أدركت كاترين أنها ليست وحيدة مع مخاوفها ، ولا كانت هي الدببة التي تترصدها ، إنه صوت بوق سيارة يدوي آت من بعيد ، كان الصوت واضحاً حتى لأذنيها المتجمدتين ، لقد سمعته بالفعل بعدما فقدت الأمل في التصديق بأن ليزا عادت إلى رشدها 0
أخذت تتعثر كيفما مشت ، أسرعت باتجاه الصوت ، تحاول أن تصيح بأعلى ما تستطيع ولكن صوتها لم يكن يخرج من حلقها الجاف إلا بصعوبة بالغة 0
الصرخات التي كانت تطلقها مزيج من الكلمات المتقطعة والنشيج 0
(( ليزا ، هنا أنا ، أنا هنا))
بعد دقائق غمرها نور السيارة ، ولما تأكدت من النجاة ، خذلتها قدماها ، وسقطت على الأرض تبكي ، تبكي الساعات الطويلة التي أمضتها في ظلمة الخوف والرعب ، لم تعد تبالي بأفكار ليزا بها ، إذ كان يرضي روحها الشريرة رؤيتها جاثية على الأرض ذليلة هكذا ، لم تعد تبالي بشيء إلا الهرب من هذا المكان الرهيب
((كاترين ))
في بادئ الأمر ظنت أنها أصيبت بهلوسة ، مع أنها كانت متأكدة أنها سمعت صوت بوق سيارة ، ورأت أنوارها ، وأيقنت بالنجاة ،ولكن عندما نطق جيرد باسمها في هذه البقعة الشائكة الصخرية المخيفة ، تأكدت أنها كانت تتخيل ، وأن ما سمعته وما رأته كان من صنع أوهامها ، فانحنت رأسها أكثر فأكثر باستسلام حتى كاد يلتصق بالأرض 0
(( كاترين 00يا الهي ، إذا ألحقت بك أذية ، أقسم بأني سأقتلها ))

تكلم جيرد ثانية ، وعندما شعرت بيدين قويتين ترفعانها عن الأرض تمنت أن يكون ذلك حقيقة لا حلماً ، إلا أنه لم يكن حلماً بالفعل ، كان هناك بن وهورس أيضاً ينزلان من السيارة 0
شعرت بأن جيرد قد تملكته الرعشة أيضاً ، فأحاطته بذراعيها لتبعث فيه الاطمئنان ، مد يده إلى رأسها ، ورفع عنه الشعر المستعار ، وألقاه على الأرض ، ثم لفها بمعطفه ليبعد عتها البرد الذي اخترق عظامها 0
((يا الهي ، كاترين كنت كالمجنون ، ولو أنك أصيبت بأذية لكنت قتلتها ، هل تعرفين ذلك ؟ ))
((لكنها لم تفعل ، و لا بد أنها أخبرتك أين تجدني وإلا كيف اهتديت إلي بهذه السرعة ))
تأوه جيرد ، في الوقت الذي وضع بن يده على كتفه ثم قال :
(( أكثر من أربع ساعات ونحن نبحث عنك بين هذه الصخور ، حتى كدنا نفقد الأمل )))
تابع بن بهدوء ، وهو يمسك ذراع كاترين :
(( جيرد أدخل إلى السيارة ، ألا ترى أن الفتاة تكاد تتجمد من البرد ؟ يمكنك تاجيل الحديث الآن حتى تعيدها إلى المنزل ))
قال هورس :
(( جيرد أدخل السيارة ن واجلس في الخلف ، وأنا سأقودها ))
أفسح جيرد لكاترين كي تتقدمه ، ثم جلس إلى جانبها ، نظرت كاترين بشيء من الارتياب إلى ليزا التي كانت تجلس أيضاً في المقعد الخلفي ، أما الأخرى فقد تطلعت إليها بعينين ملؤهما الحقد ، وقالت ببرود:
(( أرأيت يا جيرد ، إنها بخير ، ولا ضرورة لكل ذلك الرعب الأحمق الذي أبديته ))
((ليزا اصمتي ))
رأت كاترين وهي تلقي برأسها على كتف جيرد أن غلين كان يجلس على المقعد الأمامي ، فمد يده يربت على يدها وقال :
(( أظن أن كلا منا عنده ما يخفيه ، أليس كذلك ؟ هل تسامحينني على خداعي لك طيلة هذا الوقت ؟ ))
(( إني آسفة 000))
(( لننس الموضوع ، لقد أدركت منذ البدء أنه لا يمكن أن تكوني فالنتينا من الطريقة التي تتصرفين بها ، وأخيراً أخبرني جيرد عن هروبها ، أما السبب الرئيسي لإلحاحي على مجيئك معنا ، كان لأرد الصفعة لكليهما ، فالنتينا وصديقك سيمون ، ولم أكن أعلم في بادئ الأمر أنه كان لجيرد مأرب آخر ))
كان هورس يقود بسرعة ، والسيارة الكبيرة تقفز قفزاً على طول الطريق 0ولذا قطعوا المسافة في وقت قصير ، ولم يشعروا إلا والسيارة تقف أمام المنزل يطالعهم وجه ماريا الشاحب ينطق بالكآبة والقلق 0
نزل جيرد من السيارة مخاطباً المرأة الهندية بجفاء ، فلم تسمعه كاترين يخاطبها بمثل هذه اللهجة من قبل :
(( هيئي حماماً حاراً ، لقد وجدنا كاترين ، ولكن الرطوبة اخترقت جسمها حتى العظم ، ثم خذي لها حساء ساخن إلى غرفتها ، لاشك أنها جائعة أيضاً ))
بقيت كاترين في المياه الساخنة ، تستمتع بدفئها ، بعد ذلك الصقيع الذي جمد جسمها ، ولم تخرج منها إلا بعدما أحست بالحرارة تعود إلى أوصالها من جديد ، وتعيد إليها نشاطها وحيويتها 0
استلقت بارتياح فوق سريرها تبعد عن ذهنها جميع الأحداث الرهيبة التي مرت بها ، ولا تفكر إلا بجيرد ن لا شك أنه يحبها ، وهي بالتأكيد تحبه0
ولما رجع إليها بعد حين ، كان بودها أن تسأله عما حدث عندما عادت ليزا بدونها ولكن الخجل من جهة ن وعدم رغبتها بالتدخل في علاقتهما الشخصية من جهة أخرى أسكتها تماماً عن الكلام ، حتى فاجأها جيرد بسؤال دون أن ينظر إليها :
((أخبريني ، هل ستتزوجين سيمون ؟ أعني هل هذا ما تريدينه ؟ أم ستكون لدي الفرصة لثنيك عن ذلك ؟ ))
اتسعت عينا كاترين ، ولكنه كان ما يزال لا ينظر إليها وتابع :
(( في الليلة الماضية أعطيتك مهلة لتجيبي ، أما الليلة فلا ))
أمسكت كاترين أصابعه بحنان ، وقالت :
((جيرد ، كنت أظن أنك تريد الزواج من ليزا ، هذا ما سمعته منذ وصولي إلى شلالات موز000))
(( لكن هل سمعت هذا مني ؟ إني أحبك يا كاترين ، فهل تحبينني كما أحبك ؟))
همست كاترين بعذوبة :
(( أنت تعرف لقد أحببتك منذ رأيتك للمرة الأولى 0 ومن ذلك الوقت علمت أن علاقتي بسيمون لن يكتب لها الاستمرار ، ولكن ليزا 000))
(( دعينا من ليزا ، يكفي أنني أحاول ألا أكرهها لما فعلته بك ، لا بد أنها مجنونة ))
(( ولكني أظن أنها تحبك ))
(( الواقع أنها تريد المزرعة فقط ، هذا هو كل شيء ، وهي تعلم أنني لو تزوجت من غيرها ، فلن تؤول المزرعة إلى غلين ))
((لكن غلين لا يريد 00))
(( أنا أعرف ، غلين لا يريد المزرعة على الإطلاق ، فهو مثل أبيه ، يريد الرحيل عن كندا ، على كل حال لقد انتهى الآن كل شيء ، ومن المؤكد أن ليزا ستقوم برحلة بعيدة عن المزرعة ، وعندما تعود سأشتري لها منزلاً في كالجري ن وفي تلك الحالة ستكون لديها أمور كثيرة ، تشغلها عن إزعاجنا ))
((جيرد ، ماذا عن بن ؟ لا تبعده عن هنا ، أرجوك ، أنا أعلم أنه يزعجك في بعض الأحيان ولكن 000))
(( لن أفعل ، إنه أبي يا كاترين ، فقد كان من جملة أسباب كرهه لليزا ، ظنه أنه ما إذا أصبحت ليزا هي سيدة هذا المنزل فإنها سترغمني على أن ألقي به خارجاً ، ولكن تأكدي أني لن أفعل هذا أبداً ، يبدو أنك ستجعلينني غيوراً لأنك ستجدي رجلين من حولك يحبانك ))
ابتسمت كاترين بسرور وقالت :
(( إن حبك يكفيني يا جيرد ، وأنت تعرف هذا ، متى سنتزوج ؟ ))
(( أريد التأكد أولاً أنك لا تختفي مثل أختك ))
(( لا ، لن أفعل ، لقد ذكرتني فيجب أن أكتب لأبي وأختي ، لا شك أنهما سيتفاجآن عند سماعهما هذا النبأ السعيد ))
(( يمكنني أن أقول لو أن 000))
قاطعته كاترين وهي تربت على خده بدلال وحب وقالت :
((لو أن فالنتينا لم تقدّ سيارة غلين ، ولو أن غلين لم يصب بتلك الحادثة 000))
تابع جيرد كلامها وهو يضع ذراعه على كتفها بحب عميق :
(( لما كنا التقينا ، هل تعتقدين ذلك ؟ أنا متأكد أننا كنا سنلتقي بطريقة ما ، لقد كنت في انتظارك طيلة حياتي ))
(( آه يا حبيبي ، أريد أن أصدق ذلك ، لأنني لا أستطيع أن أتخيل حياتي من دونك كيف يمكن أن تكون 0))

تمت بحمد الله

 
 

 

عرض البوم صور زونار   رد مع اقتباس

قديم 25-03-09, 10:32 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو قمة


البيانات
التسجيل: Sep 2007
العضوية: 44675
المشاركات: 8,391
الجنس أنثى
معدل التقييم: majedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسيmajedana عضو ماسي
نقاط التقييم: 4813

االدولة
البلدPalestine
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
majedana غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

يسلمووووووو

عن جد ااااااااااااالف شكر علي تعبك ومجهودك

 
 

 

عرض البوم صور majedana   رد مع اقتباس
قديم 26-03-09, 12:39 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Oct 2008
العضوية: 101656
المشاركات: 71
الجنس أنثى
معدل التقييم: zoubaida عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 23

االدولة
البلدGermany
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
zoubaida غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

merciiiiiiiiiiiiiiii iiiiiiiiiiiiiiiiiii

 
 

 

عرض البوم صور zoubaida   رد مع اقتباس
قديم 27-03-09, 11:01 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ليلاس متالق


البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 107705
المشاركات: 578
الجنس أنثى
معدل التقييم: جين استين333 عضو على طريق الابداعجين استين333 عضو على طريق الابداعجين استين333 عضو على طريق الابداعجين استين333 عضو على طريق الابداعجين استين333 عضو على طريق الابداع
نقاط التقييم: 436

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
جين استين333 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي

 

القصة أكثر من راااااااااااااااااااااااااائعة شكرا لك

 
 

 

عرض البوم صور جين استين333   رد مع اقتباس
قديم 28-03-09, 09:26 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 107597
المشاركات: 113
الجنس أنثى
معدل التقييم: ايدن عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 24

االدولة
البلدIraq
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
ايدن غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : زونار المنتدى : روايات عبير المكتوبة
افتراضي قرار متهور

 

مشكوررررررررررررررررررررررررين

 
 

 

عرض البوم صور ايدن   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
anne mather, آن ميثر, الشلالات البعيدة, دار الكتاب العربي, روايات, روايات عبير, روايات عبير المكتوبة, روايات عبير القديمة, عبير, wild enchantress, قرار متهور
facebook



جديد مواضيع قسم روايات عبير المكتوبة
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: https://www.liilas.com/vb3/t108016.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
ظ‚ط±ط§ط± ظ…طھظ‡ظˆط± ط¢ظ† ظ…ظٹط«ط± ط¯ط§ط± This thread Refback 06-08-14 05:22 AM


الساعة الآن 03:46 PM.


مجلة الاميرات  | اية الكرسي mp3  | القران الكريم mp3  | الرقية الشرعية mp3  | شات جوال 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية