لمشاكل التسجيل ودخول المنتدى يرجى مراسلتنا على الايميل liilasvb3@gmail.com





العودة   منتديات ليلاس > القصص والروايات > المنتدى العام للقصص والروايات > القصص المكتمله
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

القصص المكتمله خاص بالقصص المنقوله المكتمله


تحت وطأة حبات المطر بقلمoceans11

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. هده قصة أخرى للمبدعoceans11 أرجو أن تنال إعجابكم.. تحت وطأة حبات المطر لم تكن دمعتي قد جفت بعد وأنا أرقب بصمت، من خلال نافذة

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-01-09, 11:12 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 78417
المشاركات: 18
الجنس أنثى
معدل التقييم: سندس7 عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 10

االدولة
البلدLibya
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
سندس7 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي تحت وطأة حبات المطر بقلمoceans11

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
هده قصة أخرى للمبدعoceans11
أرجو أن تنال إعجابكم..
تحت وطأة حبات المطر
لم تكن دمعتي قد جفت بعد وأنا أرقب بصمت، من خلال نافذة مكتبي، المطر الغزير الذي ينهمر بالخارج، عندما طُرق الباب ثم دخلت منه السكرتيرة..

- دكتور

التفت نحوها محاولا تمالك نفسي غير أن الذهول أصاب السكرتيرة للحظات كيف أن هذا الوجه الذي تعرفه جامدا كأنه خارج من لوحة معلقة على الجدار يكن هذا القدر الكبير من العاطفة..

- دكتور أحدهم يريد أن يقابلك.

فقلت لها وقد تعمدت أن أنظر إلى خارج النافذة

- ألم أقل لك بأن تلغي كل المواعيد المسائية

أجابت

- لقد فعلت ذلك ولكن هناك آنسة تقول أنها قادمة من بلدك تصر على أن تقابلك.

كنت قد اعتدت على أن يلجأ إليَ عدد من الطلاب الجدد القادمون من بلدي لكي أساعدهم في شق طريقهم في هذه البلاد الغريبة ولم يكن من اللائق ردهم فأمرت السكرتيرة أن تسمح لها بالدخول ثم جلست على مكتبي أرتب بعض الأوراق حتى سمعتها تدخل ووقفت بصمت أمامي فرفعت عيني نحوها وكانت مفاجأتي كبيرة، حتى أنني جعلت الأوراق تسقط من بين يدي وأصرخ:

- ميسا

كان من غير المنطقي أن تكون هي ميسا، فمن المستحيل أن يدور الزمن ويجعلني عجوزا بينما يتوقف بالنسبة لها فتظل شابة ولكن من الغريب أنه لم تبدو عليها علامات الاستغراب وكأنها كانت متوقعة ردة فعلي بل وابتسمت ثم قالت:

- هذا إطراء أن أكون أشبه أمي إلى هذه الحد

فقلت بحدة أقل مع استمرار حالة الذهول وكأنني آلة تنطق الأسماء :

- ياسمين

هنا جاء دورها في الذهول وقالت بانفعال:

- يا إلهي هل تعرف اسمي؟.

تمالكت نفسي قليلا وأدركت أنها ما تزال واقفة فأشرت لها بالجلوس وأنا أتأملها وأسأل نفسي هل هذا اليوم الذي اختاره القدر لكي يعيد من جديد كل ذكريات الماضي!

- إنني آسفة إن كنت قد جئت في وقت غير مناسب

قالتها وقد لاحظت عيوني المحمرة من أثر الدموع فحاولت استجماع نفسي:

- لا عليك.. جميل أن أرى أحدا ممن كنت أعرفهم قادم من بلدي...

ابتسمت ابتسامة أعرفها جيدا فتحت معها كل أبواب الماضي..

- شكرا لك .. إنه لشرف كبير لي أن تعرف اسمي..

كان من الواجب أن أسأل عن من نطقت باسمها في البداية ولكنني كنت خائف من ذلك جدا فعممت السؤال..

- كيف حال الأهل والبلاد؟

صمتت للحظة تتأملني بنظرات لم أفهم معناها ثم قالت :

- بخير ... لقد تغيرت البلاد كثيرا عما تركتها..

كانت عقدتي في التعامل مع الناس هي أنني أعتقد أن كل ما يقولونه يكون تلميحا خفيا لشيء ما وكان كلام ياسمين هنا تلميحا لشيء ما فضلت التغاضي عنه و الاستمرار في سلسلة التحادث الروتينية..

- ما الذي جاء بشابة مثلك إلى أستراليا ، هل هو الدراسة أم العمل؟

- بل المزيد من الدراسة ،لقد أنهيت دراسة الطب هناك و قد جئت لأكمل دراستي ....

اعتصرتني كلماتها عصرا وعادت لتوقظ آلام الماضي وبدأت ملامح المعاناة تظهر على وجهي ، أردت اختصار الموقف كله :

- إذا .. فقد جئت لكي أساعدك في ذلك ... حسنا....

وأمسكت بورقة وبدأت أكتب بعض الأسماء والتوصيات التي لا يمكن رفضها بحكم منصبي كرئيس لأشهر مستشفيات سيدني وأكبرها... ولكنها باغتتني بكلمات كنت أخشاها:

- في الحقيقة .. ليس هذا الشيء الوحيد الذي جعلني آتي إليك ،

توقفت عن الكتابة ونظرت إليها وأنا مستسلم لقدري.. تابعت حديثها.. قائلة :

- لقد جئت لأشكرك لأنك أنقذت حياتي في يوما ما..

بدت مصرة على تذكيري بكل الماضي..

- لا عليك كانت تلك حادثة صغيرة وقديمة.

وقبل أن أستعيد اتزاني قالت بسرعة:

- و تود أمي أن أشكرك نيابة عنها.

لم أعد أحتمل أكثر فعادت عيوني لتكمل ما بدأته ، وسالت دموعي على وجنتيَ من جديد فقمت بخلع نظاراتي الطبية وبدأت أمسح خداي بكفي وبدأت أنفاسي تتثاقل شيئا فشيئا..

ظلت تتأملني وكأن هذا ما أرادته منذ البداية.. علامة لا يمكنني الإنكار بعدها فوجهت لها سؤالي مستسلما:

- لماذا تصرين على أن تذكريني بآلام الماضي ؟ ماذا تريدين مني؟..

قالت بهدوء المنتصر :

- أريد أن أعرف كل شيء.

- لماذا لا تدعيها هي تخبرك بكل ذلك؟

- طلبت منها ذلك، وعندما فعلت ابتسمت في وجهي وقالت لي بأن القصة الكاملة ستكون لديك.

تم تناولت مغلفا كبيرا ووضعته على الطاولة ثم قالت:

- وطلبت مني أن أسلمك هذا.

مددت يدي لألمسه ولكني تراجعت عن ذلك وكأني عرفت ما به وقلت لها:

- لو جئتني في يوم غير هذا ما كنت لأقول شيئا ولكني اليوم شهدت نهاية قصتي في هذه الحياة فلا ضير أن أراجعها مع أحدهم للمرة الأخيرة.

فقالت بإصرار:

- وأنا مستعدة لسماع كل تفاصيلها.

فقلت لها:

- قبل أن أبدأ ... أريد منك أن تتأملي من خلال هذه النافذة هذا المطر الذي ينهمر لأنه سيكون اللاعب الرئيسي الذي غير مجرى حياتي.

حولت نظرها نحو النافذة للحظات .. كانت كافية .. بالنسبة لي لأن أتذكر ما كنت أحاول عشرون عاما أن أنساه. ثم بدأت الكلام:

- ((تبدأ قصتي منذ ثلاثين عاما كنت حينها شابا يافعا.. مستمتعا بالحياة.. كنت ادرس في السنة الثانية من كلية الطب البشري ولكن بالتحديد .. تبدأ القصة في ذلك اليوم الممطر، كنت قد نزلت لتوي من الحافلة التي تقلني إلى الجامعة، ورحت أركض نحو البوابة خوفا من أن أبتل ضاما عليَ معطفي الذي لبسته في الصباح مضطرا لأني كنت اكره المعاطف لأني كنت اعتقد أنها تفسد منظري العام وتجعلني أبدو متحفظا ، وما إن دخلت من البوابة حتى استعدت مشيتي الهادئة ورحت أتسائل ما الذي أتى بي في هذا اليوم ، فبالإضافة إلى المطر كانت الدراسة في بدايتها ثم إنه كان يوم سبت محصور بين عطلة الجمعة وعطلة عيد الفطر.. ولكني فسرت ذلك بأني كنت دوما أحب التصرفات الغريبة.. كنت قد وصلت متأخرا، ولكنني متى كنت أصل في موعد المحاضرة حتى في الأيام العادية؟. دخلت قاعة المحاضرات ، كان الدكتور معروفا بإلقاء الكلمات الساخرة على القادمين متأخرين، ولكنه لم يقم بذلك هذه المرة لأنه كان كرما مني أن آتي ولو متأخرا.

وكما توقعت، كانت القاعة شبه فارغة من الطلبة فبالإضافة إلى كل ما ذكرت، كانت المياه قد دخلت إلى المدرج وأتت على معظم المقاعد فرحت أبحث عن مقعد غير مبتل فسمعت أحدهم يهمس لي، التفت نحو مصدر الصوت ، يا إلهي إنها أمل.

كانت أمل مثالا لما يمكن اختصارهم بكلمة النجاح، فاسمها لم يتراجع عن المرتبة الأولى لعامين ، ملتزمة، لم تغب عن محاضرة، جميلة، خفيفة الظل، والشخصية الأكثر شعبية في دفعتنا.

كانت تضع حقيبتها على مقعد بجوارها، فتناولتها في إشارة إلي أنها تدعوني للجلوس، فأصبت بالكآبة، كان من الممكن أن أكون برفقتها خارج القاعة ولكنها أثناء المحاضرة كالتمثال الجامد ، وهذا بالنسبة لي يبشر بساعة كاملة من الملل ولكن لم يكن لديَ خيار، فاتجهت نحوها وجلست على المقعد شاكرا لها صنيعها بتكلف ولكنها هذه المرة على غير عادتها لم تستطع أن تمنع نفسها من أن توجه لي عبارة ساخرة فقالت وهي تبتسم: ( تأتي عندما يتغيب الآخرون)، فاجأتني بكلماتها ولكن ردي جاء سريعا ( ألتمس بعضا من بركاتك).

اعتقدت لوهلة أنها ستبتسم ولكنها عادت كعادتها جامدة لا تسمع سوى أنفساها وبدأ الملل يتسلل إليَ منذ أول خمس دقائق، فرحت أتسلى بمراقبة الدكتور الذي بدت لي حركاته غريبة وساد الصمت فترة من الزمن إلا من صوت الدكتور حتى كسره صوت خطوات داخلة إلى المدرج ، كانت خطوات فتاة دون شك، عرفته من ذلك الفاصل الزمني الذي يفصل بين كل خطوة وأخرى، بحثت عن مقعد في الصفوف الخلفية ولكن كانت كلها مبتلة فاضطرت إلى أن تنزل إلى أسفل المدرج وعندما تجاوزت الصف الذي كنت اجلس فيه، أمكنني رؤيتها ، كانت فتاة قصير القامة تلبس ملابس تجعلها أنيقة، ولكنها كانت في حالة يرثى لها، فقد كانت مبتلة تماما بحيث أن شعرها كان ملتصقا على وجهها بشكل منعني من أن أراها بوضوح.

كانت يداها إلي صدرها وهي ترتجف بشدة، لم تكن ملابسها على أية حال مناسبة ليوم كهذا، ظللت أراقبها حتى جلست في كرسي متقدم جدا كانت حالتها واضحة جدا حتى أن الدكتور توقف عن الشرح للحظات ليسألها إن كانت بخير فأجابته بإيماءة من رأسها. كان من الواضح أنها لا تدرس في نفس السنة لأنها كانت تبدو اصغر سنا منا، تحول كل تركيزي نحوها حتى جاءت تلك اللحظة التي أزاحت فيها شعرها عن وجهها بيدها ثم تلفتت فيَ.

وهناك تمكنت من رؤية وجهها فأصابتني ارتعادة خفيفة ، يا إلهي إني اعرف هذه الملامح جيدا.. إنها فتاة العيد دون شك.

نعم، هذا ما كنت أدعوها به لأني لم أكن أعرف اسمها بعد، وتذكرت بسرعة ما حدث قبل ثلاثة أعوام و في يوم العيد بالتحديد.

يا إلهي مالي ومال الأعياد؟ ..

في ذلك العيد اصطحبني أبي في جولة معه لنزور بعض أصدقائه وبالتحديد في بيت العم سالم الذي كانت حالته المادية متواضعة وبيته صغير بحيث لم يسمح له باستقبالنا داخل المنزل فكان يضع بعض الكراسي أمام منزله يستقبل عليها ضيوفه.

استقبلنا بحفاوة وأجلسنا ثم دخل ليحضر بعض العصير، عندها توقفت سيارة عادية من النوع الشعبي ثم نزل منها رجل بدى عليه المرح وبدأ ينادي العم سالم بصوت عالٍ، نزلت من السيارة زوجته أيضا ثم فتح الباب الخلفي ونزلت منه الفتاة التي رسمت ملامح حياتي بعد ذلك.

كانت جميلة جدا ذات ملامح هادئة، بحيث لا تتردد لحظة في حبها، ثم اتجهت نحو الباب مطرقة رأسها في خجل و دخلت المنزل خلف أمها هاربة من نظراتي النهمة لكل تفصيل من تفاصيل وجهها و لم يردعني عن ذلك سوى صوت أبيها الذي اقترب منا وهو يطلق عبارات العيد المتعارف عليها في مناسبة العيد، سلم على أبي ، ثم مد يده نحوي ، نظرت إلى وجهه وشعرت بالرهبة وخالجني شعور بأنها لن تكون المرة الأخيرة التي تمتد فيها يده لي. ولكنني سلمت عليه بعد تردد ثم جاء العم سالم يحمل أكواب العصير وراح يرحب بالجميع ثم أمسك بكتف الرجل وأشار نحو أبي معرفا به ، أحسست عندها أن شيئا في تضاريس ملامحه قد تغير ، لكنه عاد بعد ثوانٍ لطبيعته ثم جلس معنا وبدأ يتحدث بشكل عادي ، وبعد فترة بدأت السماء تمطر فبدأ الحرج على وجه العم سالم. ولم يدري ماذا يفعل.. ثم اضطر إلى أن يدعونا إلى الدخول إلى المنزل، حاول أبي الانسحاب ولكنه أصر واعتبرها إهانة إن رحلنا فدخلنا وبما أنه لم تكن لديه سوى غرفة استقبال واحدة فقد جلسنا فيها مع النسوة وهذا ما مكنني من أن أتأملها جيدا.

فتاة في عمر الزهور، تجلس بجانب أمها تكاد تلتصق بها ، تتحاشى النظر إليَ ، ولكنها كانت تختلس نظرة من حين على آخر، ولك يكن وقتا طويلا حتى استأذن أبي بالرحيل.

تذكرت كل هذا وأنا لم أحول نظري عنها وهي ما تزال ترتجف . فكرت... يا إلهي إنها ازدادت جمالا، وفجأة التفتت مرة أخرى وفي هذه المرة التقت عيناي بعينيها، تسمرت عيناها وظلت جامدة للحظات قبل أن تنتفض وتحول وجهها بسرعة فعرفت أنها تذكرتني، عندها ازداد شوقي لنهاية المحاضرة وبدأت أعدها بالثواني التي طالت جدا ، ولكنها في النهاية كان لابد لها من أن تنتهي ، وبدأ الطلبة بالخروج من المدرج، وقفت بسرعة واتجهت نحوها، وقفت هي الأخرى تريد الخروج، كنت مسرعا في البداية ولكني كلما كنت اقترب منها كانت سرعتي تتباطأ ، كنت أنا نازلا وهي صاعدة، وعندما اقتربت منها كثيرا خانتني الشجاعة فأحسست بصوتي قد سلب مني وبدأت أحدث نفسي بالهروب من الموقف كله، تابعت نزولي الدرجات، وتابعت هي الصعود. حتى وقفنا على نفس الدرجة، كان نزولي من هذه الدرجة يعني نهاية الأمر، فتسمرت قدماي عليها ولم استطع إقناعها بالحركة، والتفت لأرقبها هي تكمل صعودها والألم يعتصرني ولكني وجدتها قد توقفت على نفس الدرجة، وفي نفس اللحظة نظرنا نحو بعضنا البعض، والتقت أعيننا دون أن يجد أحدد منا الكلمات التي تبرر تصرفه ولكني في النهاية كسرت الصمت بكلمة احتاجت إلى كل أكسجين رئتاي لكي أنطقها فخرجت مكسرة وكأني نطقت كل حرف على حدة:

- مرحبا

فكرت في نفسي .. يا إلهي.. إنها كلمة عادية.. ألم أجد خيرا منها؟...

بدت حركتها وكأنها أجرأ شيء قامت به في حياتها.. و كأنها لحظات من الشجاعة اكتسبتها قبل أن تفقدها من جديد فعادت عيونها بعيدا عنها نحو الفراغ قبل أن ترد عليَ وقد بدا عليها الارتباك:

- مرحبا

لم نكن بحاجة لأن نذكر بعضنا بالموقف القديم ودفعني فضولي لأن أسألها :

- هل أنت بخير؟

أجابت بإيماءة من رأسها دون أن تتوقف عن الارتجاف لحظة واحدة.. هممت بقول شيء ما فقطع كلامي انطفاء بعض الأضواء المدرج إيذانا بأن العاملين عليه يمهدون لإغلاقه فقلت لها:

- إنهم سيغلقون المدرج، هل تسمحين لي بأن أرافقك إلى الخارج؟

أجابت

- نعم

ثم بدأت بصعود الدرجات من جديد ومشيت بجانبها فسألتها:

- هل تدرسين هنا في الكلية؟

- كلا... لقد حصلت لتوي على الشهادة الثانوية

كان هذا يفسر ملامح البراءة التي بدت على وجهها فسألتني هي :

- هل تدرس هنا؟

- نعم

- في أي سنة؟

- أنا الآن في الستة الثانية ... لنقل أنني في بدايتها.

بكلماتي هذه كنا قد خرجنا من باب القاعة.. فصفعت بنا ريح باردة وكان المطر قد أصبح أشد عما كان من قبل.. فأحسست بها تنظر بحيرة نحو المطر.. وقد ازدادت انكماشا من البرد فقلت لها:

- تعالي معي ، سأقودك إلى مكان أقل بردا من هنا ربما ينتهي المطر.

لم تعترض وسارت معي قدتها إلى مكان محجوز بين بعض المباني ولكنه لم يكن بعيدا عن المدرج بأية حال. وعندما وصلنا سِألتها إن كانت تشعر بحالة أفضل فأجابتني أنها تشعر بذلك عندها لم أستطع أن أمنع نفسي من سؤالها:

- ما الذي جاء بك إلى هنا في هذا اليوم الممطر؟

- لقد جئت أسأل عن طلبات الانتساب إلى الكلية.

- إذن فأنت تريدين دراسة الطب ولسوء الحظ لم تجدي أحدا في المكاتب هذا اليوم، ولكن عموما مازال الوقت مبكرا على ذلك.

كنت أريد أن أطمئن إن كانت ستقبل فسألتها عن نسبة نجاحها بالثانوية فأجابت

- 93.10%

فقلت لها وأنا أبتسم بإعجاب :

- يا لتواضعك، إنه رقم يجعل مسجل الكلية يرجوك لكي تنتسبي إلى الكلية

وهنا ابتسمت ابتسامة صافية ازدادت اتساعا عندما قلت لها:

- فقد مل من أمثالي

وهنا بدأت تنسى خجلها بعض الشيء وبدت تتحدث إلى ، كانت روحها مرحة جدا لأخبرتني بأنها كانت تحاول أن تتأنق عندما أرادت أن تأتي إلى الكلية ورفضت الإصغاء إلى والدتها التي نصحتها بارتداء ملابس ثقيلة ثم كيف أنها ما إن نزلت من الحافلة حتى بللها المطر بشكل رهيب وكيف أنها دخلت المدرج باحثة عن الدفء.

كانت في كل مرة تنظر إلى المطر لذي كان يتهاطل بغزارة وفي النهاية قالت بأن عليها الذهاب وهمت بالرحيل.

فكرت في شيء ما وقد حقدت على كل الأفلام والروايات التي جعلت في حركة مليئة بالمشاعر الجميلة حركةً عادية بل ومبتذلة، ولكن لم يكن لديَ خيار، فناديتها قبل أن تبتعد فالتفتت نحوي فبدأت أخلع معطفي ففهمت قصدي بسرعة وقالت :

- لا ... لا أستطيع أن آخذه منك.

و لكنني لم أتردد لحظة فخلعته ثم مددته نحوها وأنا أقول :

- وأنا لا أستطيع أن أتركك ترحلين في مثل هذا الجو البارد ، خذي هذا سيمدك ببعض الدفء.

بدت رافضة وقد أطلت نظرة خوف من عينيها فحاولت إقناعها:

- لا تخافي.... إن ذوقي سيء في الملابس .. إنه يشبه المعاطف النسائية.

ظل التردد يساورها فقلت وأنا أقترب منها :

- حتى أنك لست بحاجة إلى أن ترديه، بإمكانك أن تلقي به في أول مكب للنفايات إن كنت لا تستطعين أن تدخلي به المنزل.

لم تقل شيئا ووضعته على كتفيها فنظرت نحوي قبل أن تشكرني ثم ضمت المعطف إليها قبل أن تبتعد مسرعة.

استوقفتها فقد كنت قد نسيت أن أسألها عن اسمها فأخبرتني بأن اسمها ميسا ثم سألتني هي عن اسمي فأخبرتها بأن اسمي وليد فبدت وكأنها تمتمت به قبل أن تبتعد مسرعة فرحت أتابعها ببصري قبل أن تختفي في نهاية الممر.

كان البرد يشتد والمطر يشتد، وكنت أكاد أتجمد من البرد ولكن الدفء كان يملأ قلبي فرحت أجول في الجامعة قبل أن استقل الحافلة التي أعود بها على المنزل.

صعدت درجات سلم منزلنا بسرعة قبل أن افتح الباب وادخل وأنا أرتعش من البرد ، وقد بللني المطر عن آخري، فاجأني صوت أمي من المطبخ:

- هذا أنت يا وليد

- نعم يا أمي

- لابد أنك مبتل، لقد علقت لك منشفة و ملابس نظيفة في غرفتك ، وإياك أن تنسى أن تضع الملابس المبتلة في الحمام.

- حاضر يا أمي.

قمت بذلك على عجل ، ثم ذهبت إلى المطبخ فوجدت أمي تحضر الطعام ، كانت أمي شخصية رائعة بالفعلْ، فالبرغم من أنها تعمل دكتورة في الجامعة فإنها لا تتوانى عن الرجوع إلى منزلها وقت الغذاء لكي تحضر الطعام، لي و لأبي.

ابتسمت عندما رأتني وقالت :

- انك تستحق ما جرى لك لقد حذرتك من الذهاب اليوم ، فقلت لها وأنا أفتح باب الثلاجة باحثا عن ما أسكت به جوعي.

- بالعكس فقد كان يوما رائعا بالنسبة لي

فردت وهي تبتسم :

- يا لك من عنيد.

فسألتها سؤالا حاولت أن يكون بريئا

- أمي هل تعرفين أحدا من عائلة عبد القادر؟

كنت قد حفظت اسم العائلة منذ أن عرفنا العم سالم بذلك الرجل الذي هو بالتأكيد والد ميسا.

أحسست بيدي أمي تتسمر في مكانهما وفكرت لحظة قبل أن تسألني:

- ولم تسألْ؟

- لا شيء .. لقد رأيت طالبا يدرس في الجامعة من هذه العائلة .. مجرد فضول..

- حسنا أذكر أنهم كانوا جيراننا قبل أن أتزوج من أبيك.

- وهل مازالوا كذلك.

- كلا .. لقد انتقلوا بعد فترة من الزمن بعد أن تزوجت.

أردت استخلاص المزيد من المعلومات ولكن الهاتف بدأ يرن و لم يكن باليد حيلة فاتجهت نحو الغرفة التي كان فيها الهاتف ورفعت السماعة:

- ألو

فجاءني صوت غريب :

- عفوا هل هذا منزل وليد محمد خالد؟

- نعم ... أنا هو.

فجاءني صوته باردا كصوت القدر:

- إنني أتحدث إليك من مستشفى الحوادث، لقد وصلت إلينا فتاة صدمتها سيارة وقد وجدنا في معطفها أوراق عليها اسمك ورقم هاتفك .. يتبع....

~~
- إنني أتحدث إليك من مستشفى الحوادث، لقد وصلت إلينا فتاة صدمتها سيارة وقد وجدنا في معطفها أوراق عليها اسمك ورقم هاتفك .

لم أسمع ماذا قال بعدها فقد دارت بي الدنيا فانهرت على أقرب كرسي وكنت مشدوها وقد ألقيت بالسماعة على الأرض، يا ربي أي شيء كان يخبئ ليَ القدر؟، بقيت على هذه الحال فترة من الزمن قبل أن أنتفض فجأة ، اتجهت نحو أمي وسألتها بسرعة

- - أمي أريدك أن تقليني بالسيارة إلى مكان ما.

بدا الذهول على وجه أمي وهي تسأل إلى أين؟ ألا تتناول طعامك أولا؟.. فقلت لها

- - لا وقت لذلك سأشرح لك في الطريق

تركت أمي ما في يدها وهي تقول:

- - حسنا حسنا .. اتركني فقط أبدل ملابسي.

- - بسرعة يا أمي بسرعة.

وبعد دقائق عادت وهي تحمل مفاتيح السيارة التي كنت قد سبقتها إليها فشغلت محرك السيارة وهي تسألني إلى أين سنذهب؟

فقلت لها:

- - بسرعة إن أبي ليس له علاقة بالأمر سنذهب إلى مستشفى الحوادث هناك صديق لي صدمته سيارة.

قلت ذلك لكي أبعدها عن كل الاحتمالات التي قد تخطر في بالها وعندما انطلقنا بالسيارة حكيت لها ما حدث لي منذ الصباح وعندما انتهيت من ذلك راحت تتمتم:

- - لقد أحسست بذلك .... ها هو القدر يعود ثانية ........يا للطفلة المسكينة.

لم تكن المستشفى بعيدة عن منزلنا كثيرا ... أوقفت أمي السيارة فانطلقت أنا بسرعة ولكن أمي طلبت مني أن أهدأ وأن أجعلها هي تتصرف، وتوجهت أمي إلى مكتب الاستعلامات وسألته عن الفتاة التي صدمتها سيارة فسألها الموظف عن صفتها فأخبرته أمي بأنها خالتها فأخبرنا عن مكانها فتوجهنا بسرعة إلى غرفة الطواريء .

هناك أخبرتنا الممرضة أنها تحت العناية المركزة وان الدكتور طلب أن يقابل أحدا من أهلها فقالت لي أمي بأنها ستحاول الاتصال بأهلها لعلهم يعرفون رقم هاتف الفتاة ، ثم ابتعدت مسرعة تبحث عن هاتف وما إن رحلت حتى جاء الدكتور و في وجهه ملامح الضيق وهو يسأل الممرضة :

- - ألم يأت أهلها بعد ؟!.

أشارت الممرضة نحوي فاقترب مني وسألني ماذا أكون بالنسبة لها فأخبرته بأني ابن خالتها وأن أبويها سيأتيان قريبا فقال لي بأنها تحتاج إلى إجراء عملية عاجلة وهذه العملية نسبة نجاحها ضئيلة و أنه إذا قام بها بدون إذن فسوف تقع المسؤولية عليه.

لم يكن باليد حيلة، لم أجد نفسي إلا وأنا أقول له بأنني مستعد لتحمل المسؤولية ولكنه رفض باعتبار أن الأب والأم أحق بذلك فصرت أتوسل إليه فوافق على أن أوقع على ورقة تخلي مسؤوليته فوافقت دون تفكير ولكنني اتفقت معه على أن يخفي هذه الورقة فإن نجحت العملية فلا داع لها وليمزقها ، وإن فشلت فليظهر الورقة ويخلي مسؤوليته.

اختطف الدكتور الورقة وركض سريعا نحو غرفة العمليات وبقيت أنا أنتظر ، عادت أمي بعد فترة من الزمن وهي تخبرني بأنها حصلت على رقم الهاتف وأنه علينا أن نرحل قبل أن يأتي أهلها ولكني رفضت وقلت لها بأني سأراقب من بعيد حتى أطمئن على نجاح العملية فأخبرتني أمي بأنها ستعطي رقم الهاتف لموظف الاستعلامات وتخبره بأنه لا داعٍ بأن يخبرهم بأننا كنا هنا لأنه هناك بعض المشاكل بينها وبين زوج أختها فأخبرتها بأني سأعود إلى المنزل فيما بعد.

بقيت أنا انتظر من بعيد ومرت ساعة حتى جاء أبوها وأمها والقلق في وجهيهما وراحا ينتظران . وأخيرا وبعد مرور ساعتين خرجت الممرضة من غرفة العمليات وهي تقول مبتسمة و بكلمات بالكاد سمعتها ، قالت لهم بأن ابنتهم محظوظة بأن نجت لأن العملية كانت صعبة جدا.

شعرت بفرحة غامرة وهدأ قلبي أخيرا ورحت أرقبهم ، كانت أمها تكاد تبكي من الفرح وركض الأب لكي يطمئن الآخرين.

مر من أمامي .. أزحت وجهي بعيدا لكي لا يعرفني ، نظر نحوي ثم تخطاني ولكنه توقف فجأة حتى أحسست أنه سيلتفت ولكنه أكمل طريقه فخشيت إن بقيت أنه سأثير الشك في نفسه ففضلت الرحيل.))

توقفت عن الحديث للحظات لألتقط أنفاسي وكانت ياسمين صامتة تنظر إليَ وقد شدتها الأحداث ثم قالت:

- - أهذا أول يوم تتعرف فيه على أمي؟

هززت رأسي بالإيجاب فقالت:

- - يا له من يوم.

- - خطأ عليك أن تقولي ذلك قبل أن تعرفي كيف كانت النهاية.

- - ألم تنتهي بعد

- - ليس بعد.

ثم عدت لأكمل قصتي

(( عدت إلى البيت فلاقتني أمي قلقة لأني تأخرت ثم سألتني عن ميسا فأجبتها بأنها نجت فأطلقت بعض كلمات الارتياح وكنت تعبا جدا فأخذت قسطا من النوم ولكني استيقظت على صوت جرس الباب وهو يرن دون توقف فنهضت بسرعة وفتحت الباب وبعين نصف مغمضة رأيت الذي يقف فتجمدت في مكاني وقد سقط قلبي من الرعب.

لقد كان أبوها واقفا أمامي بهدوء ينظر نحوي بنظرة باردة، لم أعرف ما أقول ، ظللت جامدا وساد صمت لا يفسده إلا صوت أمي الذي يسألني من المطبخ عمن بالباب.

وأخيرا مد يد يده إلى جيبه وأخرج بطاقتي الشخصية فقلت في نفسي يا إلهي هذه بطاقتي نسيتها في معطفي عندما أعطيته لميسا ، مدها نحوي فمددت يدي وأخذتها منه ونظرت إليها لحظات انتبهت بعدها أنه أرجع يده إلى الخلف، وفي لمح البصر وجه لي لكمة أطاحت بي على الأرض ، أخذتني المفاجأة فرحت أنظر إليه مذهولا وهو يفرك يده وكأن يده آلمته من شدة الضربة ثم وجه إصبعه نحوي وهو يقول بهدوء:

- - إني أحذرك ، إياك أن تقترب من ابنتي و إلا فإنك ستندم.

ثم التفت ورحل وعندها جاءت أمي التي سمعت صوت ارتطامي بالأرض وانحنت نحوي وهي تسألني عما حل بي ثم وقفت بسرعة ونظرت عبر الباب وراحت تتابع الرجل وهو يبتعد ثم نظرت نحوي:

- - بابني يجب أن تنسى تلك الفتاة لأنها ستجلب لك الألم دون طائل.

كانت أمي تعني ما تقول وأحسست بأن كلماتها تحمل أبعادا لم أستطع إدراكها آنذاك.

بهذه الكلمات انتهى يومي الذي اختزلت فيه كل السنين التي عشتها.

ومرت الأيام ، لم تكن نصيحة أمي ذات بال لدي ، فصورة ميسا ظلت تلازمني ليل نهار وتفكيري لا يرتبط إلا باسمها فصرت أذهب إلى الجامعة كل يوم ابحث عنها في كل مكان كالمجنون، وعندما لا أجدها أجلس في قاعة المحاضرات كالتمثال وأنا أخال كل خطوات داخلة أنها خطواتها ، ومرت ثلاثة أسابيع أدركت بعدها أنها لن تأتي فصرت كثير الوقوف حيث تحادثنا، وأنا أتذكر تفاصيل لقاءنا أتألم مع كل مرة أتذكر فيه حديثها و عن شغفها بدراسة الطب ، وأنه كان حلمها منذ أن كانت صغيرة ويعتصر قلبي الحزن عندما أفكر بأني كنت السبب في حرمانها ثم أعود فأفكر كيف عرف أبوها بأمري حتى كدت أتخيل ما حدث عندما رآني في رواق المستشفى لابد أنه تذكرني فدخل الشك قلبه ثم ازداد شكه عندما تسائل كيف عرفت المستشفى برقم هاتفه فاتجه نحو موظف الاستعلامات وضغط عليه فأعطاه البطاقة فاختطفها وقرأ اسمي عليها ثم توجه مباشرة نحو منزلي وواجهني وأصابني الحزن عندما استنتجت بأنه لم يعرف باني أنقذت حياة ابنته وبالتالي فهي لن تعرف أيضا بذلك.

قلبت هذه الأحداث حياتي فصرت قليل الكلام كثير التفكير أحب الوحدة وفقدت رغبتي في كل شيء، عرفت بعدها أن أبوها يحبسها في المنزل ويمنعها من الخروج، فسألت عن مكان عمله ثم انتظرته في الشارع ، رجوته أن يسمح لها بالدراسة ووعدته بأن أبتعد نهائيا حتى عن هذه المنطقة وكان هذا التصرف خطأ كبير مني فقد ازداد غضبه وقد أكدت له بأني متعلق بها و صار يصرخ في وجهي متوعدا إيايَ بأنه سيقطعني إربا إربا ، لم يكن تهديده يهمني ، فقد فعل ذلك عندما أبعدني عن ابنته.

عندها قررت الابتعاد عن الجامعة بل وعن المدينة كلها على أمل أن يخف غضبه مع الأيام وأن يسمح لها بالدراسة ، عارض أبي في البداية ولكن أمي أقنعته لأنها كانت تريد أن تبعدني عن الأجواء التي تذكرني بميسا ولم يمر شهر حتى وجدت نفسي أتقاسم غرفة صغيرة مع ثلاثة أشخاص في مدينة بعيدة جدا عن كل ذكريات الماضي.

ومرت السنين عدت لأرتب فيها حياتي شيئا فشيئا .. فتخرجت من الجامعة وقضيت سنوات التدريب في تلك المدينة البعيدة وكان أبي و أمي يزوراني ولكني لم اعد أبدا إلى مدينتي إلا عندما توفي أبي فاضطررت إلى العودة لتقبل العزاء فيها ولكي أبقى مع أمي التي أنهكها الحزن وصرت اعمل في مستشفى المدينة، كنت مازلت أتدرب على الجراحة ولكني لم أدخل أبدا غرفة الطوارئ أبدا ، حتى أنني لم أمر من الرواق الذي يؤدي إليها حتى جاء ذلك اليوم. شاء فيه القدر أن يتكرر نفس الحدث ولكن مع تغير الأدوار.

لقد كان يوم عطلة ، حيث كان الأطباء المتمرسون يأخذون راحة ويبقى الأطباء المتدربون لتلقي الحالات البسيطة أو طلب الاستعانة إن استصعب عليهم الأمر.

في ذلك اليوم كنت جالسا أتناول العشاء عندما قدمت نحوي الممرضة لاهثة وهي تخبرني بأن حالة طارئة قد وصلت فقمت بسرعة وتبعتها وأنا اسألها عن الغرفة فقالت أنها غرفة الطوارئ رقم خمسة، فتباطأت سرعتي و أصبح قلبي يدق بسرعة ولكنها راحت تستعجلني وهي تخبرني بأن الحالة خطرة و دخلت الرواق ودارت بي الدنيا حتى كدت أتخيلها ميسا واقفة أمامي، تنظر نحوي ولكن يا إلهي من المستحيل أن يكون الخيال بمثل هذا الوضوح، إنها ميسا تقف معي في الرواق ، هل جننت؟ ، فوقفت مذهولا لا أحرك ساكنا ، ولكنها كانت رأتني واتجهت نحوي بسرعة بل ونادتني باسمي ، في هذه اللحظة نما شيء من السعادة في قلبي ، ولكنها اُقتلعت بقساوة في المشهد التالي، فقد لاحظت بأنها ليست لوحدها، بل إن هناك رجلا لحق بها، ولم يكن بالتأكيد أباها وبعدها جاءت كلماتها التي حلت عليَ كالصاعقة فقد كانت ترجوني بأن أفعل شيئا لكي أنقذ ابنتها.

هنا وضحت الصورة لدي، فبقيت مصعوقا لا أتكلم ، حتى حبها الذي حاولت نسيانه طيلة سبع سنوات قد عاد كما كان.

كان أول ما فكرت فيه هو أنه حزت عليَ نظرة الفزع التي في عينيها فانتزعت نفسي وبدون أي كلمة ركضت في الرواق ودخلت غرفة الطوارئ بسرعة، عندها رأيتك ، كانت تلك المناسبة الوحيدة التي رأيتك فيها، كنت حينها طفلة صغيرة مسجية على منضدة العمليات، وقد امتلأت ثيابك بالدم، اتجهت نحو زملائي وسألتهم عن الحالة فقالوا بأنها خطيرة وأنها تحتاج إلى عملية صعبة وفي وقت عاجل لا يسمح بوصول الجراح المتمرس ولم ألق أمامي خيارفأخبرتهم بأني سأقوم بالعملية ،حاولوا منعي ولكنني أخبرتهم بأني سأتحمل المسؤولية، وبدأت بسرعة وبدأ الجميع يساعدني، ووضعت كل خبرتي في كلتا يداي ومرت الدقائق سريعة، ولكني وجدت نفسي أخيرا أقطب الجرح وأصوات زملائي يهنئونني على إنجازي ، خرجت بعدها الممرضة لتزف الخبر إلى أمك وأبيك، بعدها خرجت أنا وأتجه نحوي أبوك يشكرني على صنيعي، وأخبرني كيف أنك انزلقت قدمك عن إحدى درجات سلم بيتكم الذي كان قد بلله المطر، وبدأت أدرك الحقيقة ، إذا أبوها لم يأبه لكلامي وزوجها بعد سنة من تلك الأحداث وهذا يعني أنها حرمت من الدراسة.

كانت ميسا تتحاشى النظر إلىْ وقد فهمت الرسالة بأن أدع الماضي بعيدا من حساباتي وعرفت من منظر زوجها وملابسها أن زوجها غني وأنها تعيش هانئة ومن أنا لكي أدمر حياتها كما فعلت بالسابق فتخلصت من الموقف كله وابتعدت، والحزن يمل}ني تاركا لها أن تفسر كما تحب كيف تعرفني، وكان من القساوة أن أسمع ذلك.

دعاني الطبيب المسئول ، وهنئني على صنيعي،قائلا لي بأن الطبيب الناجح هو من يقدر حياة الإنسان ثم أخبرني بأنه رشحني لبعثة دراسية في استراليا فوافقت دون تفكير فأخبرني بأنها ستكون بعد شهر وبأنني في إجازة للاستعداد لذلك.

في اليوم التالي ذهبت لكي أطمئن عليك ، كنتِ في صحة جيدة وتبتسمين، صرت أعابثك لحظات عرفت من خلالها اسمك وعندما هممت بالخروج دخلت أمك الغرفة ، لم أتوقف عندها عن الحديث معك بينما ظلت هي واقفة تنظر بصمت وفي النهاية كان عليَ الرحيل، وقبل أن أخرج من الغرفة نادت عليَ

- وليد

التفتت نحوها فقالت:

- لا أعرف كيف أشكرك على صنيعك

تحاشيت النظر نحوها وقلت:

- أنا لم أفعل شيئا لقد آليت على نفسي منذ زمن إلا يموت في هذه الغرفة شخص أعرفه

ثم غادرت الغرفة وقلبي يدمي فبرغم الحب الكبير الذي يجتاحني إلا أنني كنت أراها ضمن عائلة سعيدة ولم يكن لديَ الاستعداد أن أسبب لها الألم من جديد بعد ، بعد هذه الأحداث بشهر كانت الطائرة تقلع بي نحو استراليا، وكانت تسيطر على عقلي فكرة واحدة، وهي أنني لن أعود إلى هذه البلد مجددا.

توقفت عن سرد القصة وظللت أتأمل ياسمين وهي مطرقة رأسها يظهر على ملامحها الحزن، ثم قالت:



يتبع

 
 

 

عرض البوم صور سندس7   رد مع اقتباس

قديم 07-01-09, 03:43 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
dew
اللقب:
قطر الندى



البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 32556
المشاركات: 8,353
الجنس أنثى
معدل التقييم: dew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسي
نقاط التقييم: 5602

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dew غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سندس7 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

منتهى الروعة ياسندس ,,,أكمليها أرجوك ,,هذا الكاتب بمنتهى البراعة ,,,

 
 

 

عرض البوم صور dew   رد مع اقتباس
قديم 08-01-09, 09:49 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 78417
المشاركات: 18
الجنس أنثى
معدل التقييم: سندس7 عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 10

االدولة
البلدLibya
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
سندس7 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سندس7 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

توقفت عن سرد القصة وظللت أتأمل ياسمين وهي مطرقة رأسها يظهر على ملامحها الحزن، ثم قالت:

- لم يكن الأمر كما تصورته، فنحن لم نكن بتلك السعادة، فلقد كان كل ما ننعم به من مال هو لجدي والد أبي، وبعد سنتين من الأحداث التي ذكرتَها أنت، أستطاع أبي أن يجمع لنفسه ثروة خاصة به فخرج عن طوع جدي وكان أول شيء فعله هو أن هجر أمي متعللا بأن أباه قد أرغمه على الزواج بها وترك حبيبته، وأنه الآن راحل لكي يبحث عن تلك الحبيبة فعشنا في كنف جدي ولكن بعد موته لم يعد هناك أحد يعولنا فاضطر جدي الآخر والد أمي أن يدعونا للعيش معه وعشنا هناك حياة من الفقر جاهدت أمي فيها لكي أصبح طبيبة كما أرادت هي أن تكون وحرمها جدي من ذلك.

صدمتني هذه القصة وقد كنت أعتقد بأنني الطرف الوحيد المعذب في هذه القصة ثم وجدتها تسألني:

- ألم تعرف لما رفض جدي معرفتك بأمي بكل هذه القسوة.

- لست متأكدا ولكن أخبرتني إحدى خالاتي ذات مرة بأنه عندما كان شابا وكانت عائلته تقطن جيرانا لعائلة أمي كان قد أحب أمي حتى الجنون ولكن أمي فضلت أبي عليه ولكنني لا أستطيع أن أجزم بأن هذا هو السبب الوحيد.

ثم عدت لأكمل أحداث القصة:

بعد ثلاث سنوات وصلتني رسالة تعلمني بأن أمي مرضت مرضا شديدا فاضطررت إلى العودة إلى مدينتي التي كانت شوارعها تهمس في أذني بأن قصتي معها لم تنتهي بعد وبأنه هناك المزيد، اتجهت مسرعا إلى بيت جدي حيث وجدت الوجوه قلقة ، دخلت بسرعة فوجدت أمي طريحة الفراش شاحبة الوجه ركضت نحوها، وانكببت على يديها و جبينها تقبيلا وهي تتلمسني سعيدةً، كفيها يتحسسان تضاريس وجهي وصرت أبكي وأنا أطلب منها أن تسامحني لأني تركتها فتظل تبتسم في وجهي دون أن تقول شيئا.

بعد ساعات من هذا الموقف رحلت العزيزة عن هذه الدنيا وكنت بذلك قد فقدت آخر الأشخاص الذين قد أعيش من أجلهم ، بقيت بعدها ثلاثة أشهر أهيم على وجهي في المدينة غير آبهٍ بالرسائل التي كنت أتلقاها من جامعتي باستراليا بأني إذا تغيبت أكثر من ذلك فإني سأحرم من المنحة، حتى جاء ذلك اليوم الذي كنت فيه عائدا إلى المنزل راكبا في الحافلة وكنت أجلس كعادتي في المقعد الأخير الملاصق للنافذة أتأمل المطر الذي يتساقط خفيفا بعد نهاية المطر الشديد الذي تساقط في الليل، سرحت قليلا أفكر ثم وجدت أن النافذة قد تكثف عليها الماء فمسحته بكفي لكي يتسنى لي النظر إلي الخارج فلمحت وجها يقف على حافة الشارع يريد أن يعبره ، بدا لي الوجه مألوفا جدا فظللت لحظات أحاول أن أتذكر الملامح ثم صحت في نفسي يا إلهي إنها أمل ، وجدت نفسي لا إراديا أطلب من السائق التوقف بسرعة، فكان وقوفه قويا بعض الشيء ثم نقدته أجره بينما كان هو يوبخني بأنه كان من المفترض أن أعلمه بمكان نزولي مبكرا ، فاعتذرت منه ونزلت بسرعة كنت أتذكر (( ياه إنها أمل .. إني لم أرها منذ أن انتقلت من الجامعة ، بعد ما مر بي، نسيت حتى كل من أعرفهم ، ولم أسأل عنهم)) لم أرد لسبب لم أعرفه اللحاق بها مباشرة ولكنني تعمدت الالتفاف حول بعض المباني وأقابلها من الناحية الأخرى لكي يبدو الأمر وكأنه صدفة، وعندما انحرفت من زاوية الطريق بدت لي مقتربة نحوي فتقدمت متظاهرا بعدم رؤيتها حتى أصبحت على بعد خطوات منها ثم نظرت نحوها ففوجئت بأنها كانت تنظر نحوي مباشرة فتلاشت ملامح الخطة التي رسمتها ووجدت نفسي أقول بصوت عالٍ :

- أمل .

صمتت لحظة حتى بدت وكأنها لم ترد ثم ابتسمت وهي ترد :

- وليد أي مفاجأة هذه؟

عندها تذكرت خطتي فقلت لها:

- إنها الصدفة التي جعلتني ألتقي بك بعد هذه المدة الطويلة أين كنتِ طيلة هذه المدة؟

فردت بصرامتها المعهودة:

- ليس أنا من ترك الجامعة فجأة دون أن يعلم أي أحد أين ذهب.

أحسست بالخجل لما قالته ولكنني قلت:

- ولكنني عدت بعد ذلك إلى هنا وعملت في مستشفى المدينة فلم ألتقي بك

فردت عليْ:

- لقد عدت منذ أسبوعين فقط من فرنسا بعد أن حصلت على الدكتوراه في الطب.

لم أفاجأ كثيرا لأن هذا كان بديهيا ومتوقعا من الجميع منذ زمن.

كانت الشمس قد بدأت ترسل بعض الخيوط الدافئة من أشعتها فعرضت عليها أن نمشي قليلا فوافقت فسرت إلى جانبها وصرنا نتحادث وقد أخذتني الذكريات بعيدا عندما عرفت لأول مرة (أمل) ، كان ذلك في ثاني سنة لي في الكلية ، كانت هي حينها مشهورة جدا بعدما نجحت في السنة الأولى بتقدير كبير جدا ،عندما دفعني أحد أصدقائي دفعا إلى الوقوف مع المجموعة التي كانت تقف هي معها ، بقيت عندها صامتا أنظر إليها وقد استأثرت بالحديث في كل المجالات ، في ذلك الوقت كان تحصيلي العلمي لا بأس به ، وشاءت الصدف أن تخطيء هي في معلومة ما فوجدت نفسي وبكل جرأة أصحح لها المعلومة أمام الجميع فنظرت نحوي وكأني قد تحديتها فواجهتها بنظرات مماثلة فركزت كلامها نحوي وبدأت تحدثني وتناقشني ولكنني كنت هشا فانهرت بعد دقائق،فأعلنت استسلامي عندها بدت عليها علامات الانتصار ، بعد هذه الحادثة صرنا نعرف بعضنا البعض ونتبادل بعض الأحاديث من فترة لأخرى ولكنها كانت أحاديث مختصرة وتقتصر على الدراسة.

تذكرت كل هذا وأنا لا أجد مبررا لسعيي وراء رؤيتها مجددا والتحدث معها ، كنا قد وصلنا عندها إلى شارع يطل على البحر فتوقفت واتكأت على سور قصير يحد بالشارع فتوقفت معها ، عندها ضبطت نفسي أنظر إلى يديها فساد الصمت لحظات كانت فيها نسائم البحر الباردة تضرب في وجوهنا بشدة ، وكانت هي تنظر نحو البحر ثم التفتت نحوي فجأة ، نظرت نحو عيني ثم سألتني:

- ماذا تريد مني بالضبط؟

فوجئت بهذا السؤال المباغت الذي كنت أطرحه على نفسي قبل أن تسألني هي ، حاولت قول شيء ما ولكنها تابعت حديثها:

- لا تحاول أن تقنعني بأن الأمر كان صدفة ، لقد انتبهت إلى وقوف الحافلة المفاجئ ورأيتك تنزل منها ثم تلتف من الشارع الآخر لكي يبدو الأمر وكأنه صدفة.

أحسست بغبائي للحظات لأني نسيت أنني أتعامل مع فتاة ذكية وليست مجرد فتاة عادية، عندها وبدون تردد وكأن كلماتي كانت وليدة لحظة قلت لها:

- أمل هل توافقين على الارتباط بي؟

كانت ردة فعلها هادئة جدا ، فقط نظرت نحوي للحظات ثم عادت تنظر نحو البحر وساد الصمت من جديد طويلا هذه المرة حتى قالت دون أن تلتفت نحوي

- إنني موافقة ولكن بشرط واحد

فقلت دون تردد:

- إنني مستعد

فقالت دون أن تلتفت :

- سأسألك سؤالا واحدا تجيب عليه دون أن تسأل عن معناه

- لك ذلك.

- منذ أن انتقلت من الجامعة هل عدت لتزورها ثانية؟

أربكني السؤال ولم أدري ماذا كانت تقصد من وراءه ، ولكنني أجبت على سؤالها كما وعدتها:

- كلا

حاولت أن أرى ردة فعل إجابتي على ملامح وجهها ولكنها ظلت تنظر نحو البحر وبعد فترة من الزمن نظرت نحوي وقالت:

- هذا كل شيء.

تزوجنا بعدها بأسبوع ، سافرنا بعد ذلك إلى أستراليا حيث حصلت هي على عمل في الجامعة هناك بينما عدت أنا لأكمل دراستي وكانت أمل دوما تحرص على أن أكون سعيدا وعشنا حياةً هانئة واعتقدت أنني أخيرا انتهيت من كل مشاكلي ولكن القدر كان لابد له من أن يكشف عن كل أوراقه أمامي.

ذات يوم كنت عائدا بسيارتي إلى المنزل وكانت الأرض زلقة بفعل المطر عندما توقفت أمامي فجأة سيارة ، حاولت الابتعاد عنها ولكن السيارة انزلقت واصطدمت بحاجز الطريق ، لم أدري بعدها ما حصل حتى أفقت على نفسي مسجى على سرير بأحد المستشفيات تمسك بيدي يد دافئة، نظرت نحو صاحبة اليد ، كانت أمل تضغط على يدي بقوة وفي عينيها آثار الدموع.

سألتها عما حدث فأجابتني بـألا أقلق عما حدث وأن أبقى هادئا حتى أسترد صحتي، في الحقيقة لم يكن الحادث كبيرا، فقد أدركت أنني لم أغب عن الوعي سوى ساعات ولم أصب إلا بجروح بسيطة ووعدني الطبيب بأن أخرج في اليوم التالي.

كان من الممكن أن لا يكون لهذه الحادثة أية أهمية تذكر، ولكن ما حدث أنني لاحظت بعدها أن أمل أصبحت قليلة الكلام كثيرة الشرود تكسو وجهها ملامح الحزن ، حاولت معرفة السبب منها دون طائل. وفي النهاية لم تعد تأكل شيئا وبدأت صحتها تتدهور دون أن أعرف كيف أتصرف وفوجئت بأن الأمر يتطور بسرعة فقد مرضت مرضا شديدا فرحت ألازمها لعلي أعرف ماذا حل بها وفي إحدى الأيام كنت في العمل فوجئت باتصال من أمل قالت لي فيه بصوت ضعيف بأن أذهب إليها بسرعة وعندما وصلت المنزل كانت ترقد في الفراش شاحبة الوجه ، نظرت نحوي بعينين ذابلتين ، جلست بجانبها ، ظلت ترنو نحوي لحظات ثم قالت :

- ... وليد.... أحبك.

فقلت لها:

- أعلم هذا وأنا أيضا أحبك.

فهزت رأسها بضيق وقالت :

- ليس هذا ما أقصده ، إنني أعني إني أحبك منذ زمن بعيد.

نظرت نحوها دون أن أستوعب ما تود أن تقوله فاستطردتْ:

- لقد كنت أود أن أبقي هذا سرا وأن أعيش معك حياةً ليس لها علاقة بالماضي ولكنني بعد حادث السيارة الذي تعرضت أنت له اكتشفت أنني واهمة وأنك لن تنساها أبدا.

رجتني كلماتها الأخيرة فأنا لم أحدثها أبدا عن كل ما حدث مع ميسا . أمسكت بيدي وقالت:

- أحس بأن نهايتي قد اقتربت ولذلك فإنني سأشعر بالراحة إذا فرجت عما يكتمه صدري من سنين.

ضغطت على يدها وقلت لها:

- إنني مستعد لسماعك مادام هذا يريحك.

ابتسمت ابتسامة خفيفة ثم نظرت نحو السقف وكأنها تريد أن تخترق حاجز الزمان والعودة إلى الماضي وبدأت تتكلم:

- (( إنني اذكر تلك الأيام وكأنها كانت بالأمس ، إني أذكر كيف كنت فتاة بسيطة دخلت الجامعة تملؤها تحديات كبيرة ولكنها بعد فترة أدركت أنها الفتاة الأجمل والأذكى ، عندها بدأ إدماني على النجاح فلم يقف أمامي شيء فالدكاترة يقدرونني والفتيات يحببنني والشباب يطلبون ودي، حتى كان ذلك اليوم الذي كنت أقف فيه مع أصدقائي عندما انضم إلينا شخص غريب هذا الشخص هو أنت، لم ألتفت نحوك منذ البداية ولكنك عندما قاطعتني نظرت نحوك ، شيء ما سرى في جسدي لو حاولت فهمه آنذاك لعرفت ملامح ما كان القدر يخبئه لي.

طبعا أخذني الكبرياء ورددت عليك وأقحمتك في النقاش بعدها أخبرني صديقك عن اسمك وانتهى اللقاء وأقنعت نفسي بعدها بأن الأمر ليس ذو أهمية ولكني وجدت نفسي مع الأيام ابحث عنك بعينيَ في كل صباح ولا تهدئان حتى تستقران عليك ثم ينتهي الأمر. ثم اكتشفت بأنني إن لم أرك يوما فإن مزاجي يتعكر ، وبدا الأمر وكأنه إدمان حاولت جاهدة التخلص منه دون فائدة ومع الوقت بدأت مقاومتي تنهار وبدأت أسعى حثيثا إلى الحديث معك دون أن تحس أنت بشيء وفي النهاية قررت بأن أجعلك تشعر بما أكنه نحوك. لم أجد أفضل من يوم ممطر وكان الطلبة الحاضرون قلائل، وكنت كعادتي لا أغيب عن أي محاضرة وفي أثناء المحاضرة سمعت صوت خطوات تدخل القاعة ، التفت فرأيتك عندها قررت بأن يكون هذا اليوم حاسما بالنسبة لي فلم أقاوم إغراء أن أدعوك إلى الجلوس بجانبي وعندما جلست تبادلت معك بعض الكلمات ثم ادعيت بأنني أستمع للمحاضرة بينما كنت أنا شديدة السعادة لجلوسك بجانبي و رحت أرتب الكلمات التي سأتبادلها معك وصرت انتظر بفارغ الصبر انتهاء المحاضرة ولكن فجأة تغيرت الأحداث وبدأت بنات حلمي الأولى وكأنها ترتج مع صوت خطوات تلك الفتاة التي دخلت المدرج، رأيتك تنظر نحوها، بررت ذلك في بداية الأمر بأنها كانت غريبة عن الكلية ومبتلة ولكن عندما التفتت هي ورأيت أنت وجهها سقط قلبي عندما أحسست بارتعاشة جسدك ارتعاشة أحسست بعدها بأنك لم تعد لي فأنت لم تحول نظرك عنها وفقدت الإحساس بكل شيء حولك ثم عرفت أنها هي أيضا تعرفك لأنها ارتجت أيضا عندما رأتك وانتهت المحاضرة في الوقت الذي كنت أتمنى فيه أن لا تنتهي لأنني أدركت ما سيحدث وبالفعل ودن أن تلتفت نحوي حتى أنك أسقطت حقيبتي دون أن تشعر، اتجهت نحوها ، بدأ جميع الطلبة بالخروج من المدرج ولكني بقيت جامدة كأنني تمثال رأيتك تقف معها وتحدثها ووددت لو ينتهي الأمر عند هذا الحد ولكن مع انطفاء أضواء القاعة وجدتك ترافقها إلى الخارج مررت بجانبي دون أن تحس بي ، لم أرد أن أخرج من القاعة لولا أن المشرف طلب مني ذلك ، خرجت من باب القاعة ووجدتك مازلت تتحدث معها ، عندها نظرت نحو ساعتي ثم توجهت إلى قاعة التصوير حيث قمت بتصوير بعض الأوراق ثم عدت لأمر من أمام القاعة لأجدك ما تزال تقف معها ، عندها نظرت نحو ساعتي التي كان عقرب الثواني فيها يسعى حثيثا لكي يتخطى حاجز النصف ساعة ، تباطأت قليلا حتى رأيته يكمل دورته الأخيرة عندها أدركت أن القدر وضعني في الطريق الأصعب وبكل الحزن الذي كان يملأ صدري وكان يكفي آلاف البشر انسحبت بهدوء.

في الأيام التالية أصابني المرض وبقيت طريحة الفراش كنت أتمنى أن يطول المرض لأنني كنت أخشى أن يصبح ما رأيته شيئا يوميا يتكرر أمامي ولكنني في النهاية استجمعت كل شجاعتي وذهبت للجامعة ، لم أرك يومها ولا في الأيام التي تلتها ثم ظهرت أخيرا وكأنك تحمل هموم الدنيا فوق رأسك ، لم أعرف ماذا حصل ولكنني كنت أرقبك تجلس وحيدا حيث كنت تقف معها ترنو بصمت إلى الأرض.

لم أحاول الاقتراب منك وكان عزائي الوحيد إنني أراك كل يوم حتى اختفيت فجأة دون أن يعرف أحد أين ذهبت ، عندها ضاقت عليَ الأرض بما رحبت ، لقد ذقت معك مرارة الفشل ولم يعد يهمني بعدها أي طعم للنجاح. وأصبحت طموحاتي أشياء سخيفة ليست ذات معنى فانسحبت من الحياة الاجتماعية وكنت أتعمد ترك مساحات واسعة بيضاء في أوراق إجابتي ، لقد بت أكره أن يكون اسمي على لسان كل الناس. واخترت أن أدفن نفسي بين تفاصيل ذكرياتك ومرت الأيام حتى تخرجت من الجامعة وعملت قليلا في مستشفى المدينة تقدم لي أثناءها الكثير من الخطاب ولكنني كنت أرفض دون أن أجد مبررا لذلك ، ربما كان الأمل أن أراك مجددا وهربا من ضغوط العائلة. اخترت إكمال تعليمي وسافرت إلى فرنسا وأطلت الإقامة هناك ولكن في النهاية كان عليَ أن أرجع وبعدها بأسبوعين قابلتك، في ذلك اليوم شعرت بالسعادة بأنك اهتممت بأن تقابلني وبسعادة أكبر عندما طلبت مني الزواج ولكن في نفس الوقت تذكرت تلك الفتاة وقصتك معها فأردت أن أتأكد إن كنت نسيتها فسألتك ذلك السؤال وعندما أجبت بالنفي عرفت بأن الأمر ظل كما هو ولم يعد هناك أمل أن تجتمع بها لأن إجابتك كانت تعني أن ذلك المكان أصبح يسبب لك الألم.

وافقت على الزواج بك ، وشعرت مع الأيام أنك صرت لي وحدي وأنك ستعيش العمر كله لا تنطق إلا باسمي حتى جاء اليوم المشئوم عندما تلقيت اتصالا يفيدني بأنك تعرضت لحادث فأسرعت إلى المستشفى وقابلني الدكتور وطمأنني عليك فطلبت منه أن أبقى معك فوافق، مكثت بجانبك وبعد فترة صرت تتمتم بكلمات لم أميزها في البداية ولكنك كنت ترفع صوتك بها تدريجيا وكانت الفاجعة، ففي الوقت الذي كنت بقربك وأمسك بيدك في أحلك ساعات حياتك كنت أنت تنطق باسمها دون توقف ، اخترقت كلماتك صدري كخنجر مسموم واستقرت في قلبي فرحت أبكي بعنف وانهارت قواي بعدها وهاأنذا أمامك أفقد حياتي بسببك إنني أسامحك على كل الألم الذي سببته لي ))

وارتخت يداها ، توقفت هنا عن سرد القصة لشدة الموقف الذي أتذكره فانتبهت إلى أن ياسمين كانت تذرف الدموع فسألتها:

- هل تبكين؟

قالت:

- هل .. هل.....

وتوقفت، ففهمت ماذا أرادت أن تسأل فقلت لها :

- لحسن الحظ كلا، لقد أغمي عليها فقط فنقلتها فورا إلى المستشفى وظللت بجانبها طوال الأيام التي تلت ذلك وأرفع من معنوياتها واتفقنا بعدها أن لا نفتح الموضوع مرة أخرى وان نبدأ من جديد واستمرت الحياة بعد ذلك ولكن منذ سنتين ألمَ بأمل مرض عضال صار يعذبها ويعذبني معها حتى صباح هذا اليوم فقد ارتاحت من ألمها.

صمتت للحظات ثم أكملت:

- وهذا سبب دمعتي التي رأيتها تسيل على خدي عندما دخلتي ، كان الحزن يقتلني حتى قبل أن تدخلي بدقائق حيث وجدتي عيناي تترقرقان بالدموع ، وبهذه الدمعات أكون قد أنهيت قصتي في هذه الحياة فأنا الآن أنتظر على أحر من الجمر أن ينتهي وقتي في هذه الدنيا.

ساد الصمت من جديد كانت فيه ياسمين تحاول أن تسيطر على دموعها التي تنحدر على وجنتيها فقلت:

- أعذريني يا بنيتي فقد أثقلت عليكِ بقصصي الحزينة.

- لا .... لن أنسى هذا اليوم ما حييت.

ثم تذكرت ما جاءت من أجله أصلا فقلت لها وأنا أمد لها الورقة التي كتبت عليها التوصية

- خذي هذه فقد تفيدك.

فقالت لي دون أن تمد يدها إلى الورقة:

- آسفة ولكنني لن أحتاجها فقد قدمت إلى استراليا في بعثة رسمية لمهمة محددة وستنتهي غدا وسأعود إلى بلدي، إن كل ما أخبرتك به منذ البداية كان مجرد وسيلة للقائك ، وسماع القصة منك.

فنظرت إليها مذهولا فقالت:

- قبل عام كنت أجلس أنا وأمي نشاهد التلفاز عندما عرضت إحدى القنوات لقاء معك باعتبارك من أشهر الأطباء في الخارج وعندها رأيت أمي تذرف الدموع وتشير بإصبعها نحوك وهي تخبرني بأنك أنقذت حياتي ذات مرة ثم غابت فترة من الزمن وعادت بهذا المغلف الكبير وطلبت مني أن أسلمك إياه إن قابلتك يوما، وهذا هو سبب مجيئي إلى هنا أساسا.

ثم نهضت من مكانها وهي تقول:

- لقد انتهت مهمتي الآن سأعود غدا إلى الوطن.

ثم مشت مبتعدة نحو الباب عندها استوقفتها وسألتها عما كان من المفترض أن أسألها عنه منذ البداية:

- كيف حالها؟

لم تلتفت نحوي وقالت بصوت تغلبه الحشرجة:

- لقد فات الأوان عن هذا السؤال، لم أود أن أخبرك منذ البداية، لقد توفيت أمي منذ سبعة أشهر واعتبرت أنا مهمتي هذه هي وصيتها.

ثم أمسكت بمقبض الباب وقالت:

- الوداع .. لقد انتهى كل شيء.

ثم فتحت الباب وابتعدت مسرعة دون أن تقفله.

بقيت بعدها ساعتين لا أبدي حراكا، وفي النهاية نظرت نحو المغلف ، مددت يدي وفتحته فكان بداخله ما كنت أتوقعه ، لقد كان ذلك المعطف القديم موضوعا بترتيب ويظهر على أحد جوانبه تمزق وكأنه من جراء صدمة.

دون تفكير وقفت، وأمسكته بيدي ثم ارتديته ، كانت هذه أول مرة أرتدي فيها معطفا بعد ذلك اليوم، ثم ضممت حافتيه إلى صدري وخرجت من الباب ورحت أنزل من درجات السلم ، عندها وضعت يدي في جيوب المعطف فأحسست بان شيئا ما في أحد جيوبه، أخرجته ، كان ورقة قديمة مطوية بإحكام ، فتحتها وقرأت ما فيها (( أقر أنا الموقع أدناه بأنني أتحمل المسؤولية كاملة عن كل ما قد يحدث من إجراء هذه العملية و أخلي بموجبها مسؤولية الدكتور الذي سيقوم بها.))

كانت الورقة مذيلة بتوقيعي فضممت الورقة في كفي وأنا أتمتم:

- لقد كانت تعرف ... لقد كانت تعرف..

نزلت إلى الشارع ورحت أمشي في الطرقات دون هدف وكان المطر حينها قد توقف وكأنه المداد الذي كتب به القدر قصتي.



النـــــهـــاية

 
 

 

عرض البوم صور سندس7   رد مع اقتباس
قديم 09-01-09, 01:26 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
dew
اللقب:
قطر الندى



البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 32556
المشاركات: 8,353
الجنس أنثى
معدل التقييم: dew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسيdew عضو ماسي
نقاط التقييم: 5602

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
dew غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سندس7 المنتدى : القصص المكتمله
افتراضي

 

منتهى الروعة والرقة والرومانسية ,,,,أحيي هذا الكاتب من صميم قلبي وأحييك على نقل هذه القصة الرائعة جدا ,,أسلوبه ناعم وقوي في نفس الوقت ,,وصفه للأحداث دقيق جدا حتى لكأنني أرى الشخصيات أمامي والقصة أكثر من روعة ,,,أشكرك جزيل الشكر على نقل هذه القصة

 
 

 

عرض البوم صور dew   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطر, تحت وطأة حبات المطر بقلمoceans11, تحت وطأة حبات المطر بقلمoceans11.امل .وليد, بقلمoceans11, حبات, وطأة
facebook



جديد مواضيع قسم القصص المكتمله
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:22 AM.


مجلة الاميرات 

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية