منتديات ليلاس

منتديات ليلاس (https://www.liilas.com/vb3/)
-   القصص المكتمله (https://www.liilas.com/vb3/f717/)
-   -   أحلام منسية الكاتبة ليتني غريبة (https://www.liilas.com/vb3/t78044.html)

ارادة الحياة 06-05-08 04:33 PM

أحلام منسية الكاتبة ليتني غريبة
 
السلام عليكم
القصة رائعة ومن كتبتها رائعة اتمنى لكم اروع الاوقات مع سطور ليتني غريبة


●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الأولــــــــــــــــــــــــــى▌○●



تلتقط حقيبتها بسرعة ..
و مفتاح سيارتها .. و تلقي نظرة أخيرة على صورتها المنعكسة في المرآة ..
تتأكد من الانطباع الجيد الذي ستتركه ..
لتخرج من غرفة نومها متوجهة للصالة ..
تعبر الممر ذو الأرضية الرخامية ليعلو صوت خطواتها عليه ..
وصلت للصالة ..
فارغـــــــــــــــــــة ..!!
.
.
هزت رأسها بإدراك ..
في الشرفة إذاً ..
.
.
توجهت للجانب الخلفي من البيت بسرعة ..
ستبلغه بإيجاز عن ذهابها الآن .. و موعد قدومها ..
لا تريد أن تتأخر في يومها الأول ..
.
.
وصلت للشرفة الأرضية الواسعة .. المطلة على الجانب الشرقي من فناء البيت ..
الكثير من المزروعات .. و حديقة أنيقة مشذبة .. و منظر رائع ..
.
.
ترى هذا الجمال ..
باردا .. مجردا من الإحساس ..!!
.
.
رغم أنها متأكدة من أن قرعات حذائها قد وصلت مسامعه ..
إلا أنه لم يلتفت لها ..
بل ظل مستغرقا في شاشة جهاز حاسوبه المحمول ..
يرتشف بهدوء قهوته ..
.
.
أصدرت من حنجرتها صوتا تنبهه لوجودها ..
و لكن بدا أنه مصرا على تجاهلها ..
لذا تقدمت منه بهدوء ..
- صبــــاح الخــــــير ..
رفع عينه لها ينظر لبرهة فتضيق بحدة ..
كانت قد انتزعت موافقته على الموضوع انتزاعا و لا تريد أن تبدأ أول يوما لها بمحاولة منه لإثنائها عن ذلك ..
لكن سرعان ما أشاح ببصره ليقول بصوت لمست الاستياء فيه ..
- صباح النور .. شوه بتسرحين ؟!!
.
.
يا رب .. يا رب ..
لا أريده أن يؤخرني ..
.
.
قالت بسرعة ..
- هيه ..
ما زال ينظر للشاشة ..
- تدلين المكان و إلا خلي ساجد يوديج ..
أدارت المفتاح بين أصابعها بتوتر ..
- لا ما يحتاي .. أدله .. وحدة من ربيعاتيه دلتنيه ..
.
.
يدير كرسيه بسرعة نحوها ..
لينظر إليها متأملا .. من رأسها لأخمص قدميها ..
شعرت و كأنها تقيّم الآن ..
نظرت له متسائلة بتوتر ..
- آآ .. أنا بسير .. لازم ثمان و نص أكون هناك .. و يبالي نص ساعة الين أوصل .. تبا شي ..
تجاهل سؤالها و نظرة غامضة تغشى عينيه .. هذه النظرة دوما تصيبها بالارتباك ..
- متى بتردين ..
- ثنتين و نص يخلص الدوام .. يعني ع الساعة ثلاث بكون في البيت ..
.
.
أدار ظهر كرسيّه لها ..
- برقبج ع الغدا .. و الكحال لي في عيونج سيري غسليه ..
.
.
كانت متأكدة من أنه سيلاحظ ذلك ..
تلك العينان أشبه بعيني صقر ..
لا تغفل عن شيء ..!!


* * * * *


تتحدث عبر الهاتف بضيق ..
لا تكره غير القيادة قاصدة مكان لا تعرفه .. و لكن كبرياءها لن تجعلها تعترف له بجهلها مكان عملها الأول ..
- رويض أنا الحين عند الجسر .. قلتيلي أطلع المخرج طلعنااه .. الحين قدامي دوار .. هيه .. أول لفة يمين .. لحظة .. أوكيه الحين شارع عــ .... أوه .. رويض لقيته لقيته .. هاذوه .. هيه السور العوود .. بس البوابة من الشارع الثاني .. يا الله برايج الغالية .. أنا بحول .. ما قصرتي .. ههههههههههه ما يبالها رمسة أفاا عليج كم روضة عدنا.. سلامة راسج غناتيه .. ما قصرتي .. الله يحفظج ..
و أنهت المكالمة بلهفة .. و هي تتنهد .. تشعر بالإثارة و يراودها القلق و التوتر ..
ماذا تخفي لها هذه الجدران ذات الامتداد الواسع ..؟!!
.
.
وصلت بسيارتها الصغيرة لتتوقف أمام الباب الضخم المفتوح على مصراعيه ..
حين ردد على مسامعها مسمى ( مستشفــــــــــى الســــــــــــاد ) تخيلت مبنى ضخم أو معقول الطول مجهز و تعمه الحركة النشيطة التي لا تفارق مرفقات الصحة ..
و لكن ما رأته هنا أصابها بالإحباط ..
ماذا هل أخطأت العنوان .. أم أن روضة لم تعرف ما الذي كانت تقصده ..
و لكن تلك اللوحة ذات الطلاء الحائل أكدت لها أنها في المكان المقصود ..
.
.
دخلت بسيارتها الصغيرة تجتاز الشارع ببطء و هي تجيل النظر فيما حولها ..
كان هذا مخيبا للآمال ..
سور واسع ضخم .. نظيف ..
يحوي بداخله .. مبانٍ سكنية للإيجار عتيقة و متواضعة .. أطولها لا يتجاوز الطابقين ..
بدا و كأن السور يضم منطقة سكانية صغيرة ..
بيوت متناثرة على رقعه لا بأس بها .. شوارع صغيرة و ضيقة ..
كانت عيناها تلتهمان كل شيء حولها ..
قد يكون المستشفى مختبئ هنا و سيظهر لها خلف أحد هذه الجدران البائسة التي تأن من القدم ..!!
مرت قربها حافلة مدرسية بلونها الأصفر المميز .. هل هنا أطفال يتوجهون للمدارس الحكومية ..؟!!
استمرت بسيرها البطيء .. تبحث بجد عن شيء يدل على أنه مستشفى .. لكن يبدو أنها أخطأت .. فهي تدور فيما يشبه الحلقة ..
رغم هذه المنازل الغابرة .. القديمة ..
شعرت بألفة تحيط المكان .. هدوء جميل .. و حميمية تفتقدها في ذلك المنزل الذي تسكنه ..
مرت بالقرب من منزل علق أصحابه على أخشاب قوية ارتكزت على الأرض أرجوحة متينة ارتبطت حبالها بعجلة سيارة قديمة .. تجلس عليها طفلة سمراء البشرة ..
فكرت بأن تسأل أصحاب هذه المنازل عن المستشفى لربما دلها أحدهم عليه ..
لذلك أوقفت السيارة في الشارع الضيق .. و ترجلت بهدوء .. رغم المكان الغريب .. و المكان المجهول .. إلا أنها لم تشعر بالقلق .. كان الأمان يغشاها و هي تتقدم من الطفلة التي قفزت من على الأرجوحة لتقف و تنظر إليها بحذر ..
لغة الجسد هي عملها .. لذلك توقفت قريبا منها و رفعت صوتها تقول بلطف ..
- مرحباااا .. وبن ماما ..؟؟!!
نظرت لها الطفلة دون أن تجيب .. ثم اندفعت راكضة لباب خشبي جانبي دخلت منه ..
تأوهت بإحباط .. الوقت يمضي و ستتأخر ..
سمعت الباب يفتح مجددا .. لتلتفت للقادم .. كان رجلا ضخما طويل القامة تبيّنت ملامحه ..
اندست الطفلة خلفه تراقبها بصمت ..
قالت بتوتر ..
- آآآ .. السلام عليكم ..
رد الرجل بهدوء ..
- و عليكم السلام و رحمة الله ..
اعتصرت حقيبتها ..
- خوية لو سمحت وين أحصل مستشفى الساد ..
عقد جبينه متسائلا ..
- دار العجزة ..؟؟!!
كانت قد نبهت بأن كثيرا من الناس يطلق عليه هذا الاسم .. لذلك هتفت ..
- هيه .. دلنيه وين أحصله يزاك الله خير ..
قال الرجل بلهجة شمال أفريقية ..
- طيب أختي .. لو دايره دار العجزة .. اركبي سيارتك و ألحقيني .. أنا أدلك ..
و أشار لسيارة عتيقة انزوت خلف منزله القديم ..
هزت رأسها موافقة لتستقل سيارتها ..
.
.
لحظات و تخرج سيارته الزرقاء و تميز هي رأس طفلته تتقافز بحماس في المقعد الأمامي ..
تجاوزت شارعين قصيرين قبل أن تتوقف سيارة الرجل بهدوء أمام مبنى ذو طابق واحد امتد أمامها على شكل قطعة مربعة ..
لماذا توقف الرجل هنا .. هل من خطب ..؟!!
اقتربت بسيارتها حتى جاورته .. لتنزل زجاج نافذتها .. فيرفع صوته قائلا ..
- هاذي دار العجزة مدام ..
رفعت نظرها مجددا للمبنى الأبيض بدهشة ..
شكرته و انطلق تاركا إياها تحملق في مقر عملها الجديد ..
.
.
كانت تقف مشدوهة .. هذا المكان الذي سترتاده لأشهر مقبلة ..
هذا المكان الذي سعت جاهده لتصل إليه .. هنا ستبحث عن تغيير .. عن شيء تفتقده في حياتها ..
سعت للعمل و حطمت الكثير من القواعد .. فقط لتجد نفس خارج نطاق وضعها الحالي ..
انظري جيدا إلى هذا المكان .. هذا هو الحياة التي ستلازمينها لأشهر ... قد يقدر لك أن ترحلي منه .. حاملة في جعبتك الكثير ..
.
.
انتبهت لساعة السيارة التي تفيد بأنه لم يتبقى من موعد وجودها سوى دقائق ..
ترجلت من سيارتها و التوتر يجعل حركاتها ثقيلة للغاية ..!!
تأكدت من أنها أغلقت سيارتها جيدا ..
و خطت نحو المبنى تدفع قدميها متجهة نحو الباب ..
حين سمعت صراخ أحدهم مناديا ..
- مداااااااااااام .. مدااااااااااااااام ..
التفتت بجزع .. لترى ذلك الرجل الهندي الضئيل الذي ركض نحوها و هو يشير لها بالتوقف ..
وصل لها بسرعة ..
- مدااااام .. هذا موقف ممنوع .. - و أشار للشارع الجانبي .. هناك بركن سيارا ..
شعرت بغيظ حقيقي و رغبة بأن تضربه بحقيبة يدها على رأسه .. لم يعد من موعد التزامها سوى دقائق .. و هذا يريدها أن تغير موقف سيارتها ..
قال بهدوء ..
- انزين أنا في يروح داخل عشر دقايق عقب يحرك سيارة ..
هز رأسه رفضا بعناد ..
- لااااا مدام .. لازم حرك سيارة الحين .. انتا يسوي تأخير أنا فيه مشاكل .. إذا انتا ما يريد حرك سيارة عطني سويك أنا يحرك ..
نظرت له بشك .. هل هذه لعبة مدبرة ليسرقها ..؟؟!!
و لكن ابتسامة كبيرة أظهرت صفا من الأسنان البيضاء الناصعة .. و تراكمت التجاعيد عند زوايا عينيه ..
بدا وجهه الداكن لطيفا و هو يقول ..
- ما في خوف مدام .. أنا حكيم .. مدير مشان موقف مشان مطبخ .. مشان كلش .. أنا معلوم انتا في دوام جديد اليوم ... ما في مشكل عطني سويك أنا حرك سيارا ..
ترددت لبرهة .. لكن ابتسامته المطمئنة .. عكست إنسانية لا تصدق .. إحساس الناس و انطباعاتهم عملها .. شعرت بأن عليها أن تثق به لذلك ناولته المفتاح بهدوء ..
- انزين أنا داخل مكتب مشان مدير هاا ..
هز رأسه موافقا ..
- أوكي مدام ..
.
.
التقط مفاتيحها و ركض عائدا للسيارة .. انتزعت بصرها عنه .. لقد ضيعت ما يكفي من الوقت ..
اتجهت بسرعة نحو الباب الزجاجي .. لتدفعه و تدلف للداخل .. فتغمرها موجه من الهواء البارد ..
أول ما وقعت عيناها عليه حين دلفت هو نافذة ضيقة توسطت الجدار المقابل للباب علقت على رأسها لوحة صغيرة كتب عليها [ الاستقبال ]..اقتربت منها كان المقعد الخشبي خلفها خاليا .. لتدق طرفها بخفة .. لحظات قبل أن تطل من خلفها فتاة في مقتبل العشرينات ..
ابتسمت لها تخفي توترها ..
- السلام عليكم ..
أجابت الفتاة بلطف ..
- و عليكم السلام .. أي خدمة ..؟
- مكتب المدير فيصل عبد الرحمن وين ..
نظرت لها الفتاة بتمعن قبل أن تتساءل ..
- المستشارة النفسية ..؟!!
.
.
هل نُبّئوا بقدومها أم ماذا ..!!
.
.
- هيه نعم
نظرت لها الفتاة مطولا بتفحص قبل أن تشير بيدها للممر الوحيد المفتوح أمامها ..
- الحجرة لي قدامج سيده آخر الممر .. بابها عليه لوحة صفرا ..
هزت رأسها بامتنان ..
- شكرا ..
- العفو ..
.
.
عبرت الممر حتى توقفت أمام باب علقت عليه لوحه صفراء دلت على صاحب المكتب .. لتمد يدها و تقرع الباب بهدوء ..
.
.
و تتعالى دقات قلبها ..
.
.
- تفضــــــــــــــــــــــل ..
.
.
دفعت الباب بهدوء لتدلف الكتب الغارق في أشعة الشمس الذهبية ..
أمامها مباشرة خلف المكتب العريض استقر الرجل بهدوء ينظر إليها بتساؤل ..!!
- السلام عليكم و الرحمة ..
نظرت له تقيمه هي الأخرى .. منظر الأسد المتحفز هذا .. كان رجلا في أوائل الخمسينات شق الشيب طريقه في اللحية .. و بدت عيناه القويتان الصافيتين متنبهتين ..
- و عليكم السلام و رحمة الله .. مرحبا ..
رغم التجاعيد التي كست وجهه و قسوة مختفية في زوايا العينين.. كان النظر لهذا الرجل مطمئنا .. و كأنها في حضرة أحد موثوق ..
قالت معرفة عن نفسها بهدوء ..
- أنا أحلام عبيد ..
لمعت عينا المسن الذكيتين و هو يقول بسرعة ..
- المستشارة اليديدة ..
هزت رأسها موافقة ..
- هيه نعم ..
ابتسم بلطف ..
- تفضلي دكتورة ..
لم تصحح له المعلومة .. فرغم أنها أخصائية في الطب النفسي لكنها اعتادت على الكثيرين إطلاق مسمى ( دكتورة ) عليها .. حسنا ذلك يعجبها جدا ..
جلست على الكرسي المقابل ..
.
.
و في لحظة لاح خاطر بعيد في سرها ..
ماذا سيكون رأيه لو رآها الآن تجلس مع هذا الرجل ..
بغض النظر عن سنه ..
فذاك متملك جدا ..!!
.
.
ابتسمت بسخرية ..
ثم انتشلها صوت المدير يقول بعملية ..
- شوه تحبين تشربين ..
- تسلم و لا شي ..
قال بصوت هادئ لا يخلو من الحزم ..
- خلاص عيل نبدأ في الشغل .. عندنا خمس حالات مستقرة بتكون تحت اشرافج محتايين متابعة نفسية .. و ما ظنيه الموضوع بيطول أكثر عن ست شهور ..
كانت قد نبهت للمدة التي ستقضيها هنا لذلك هزت رأسها بسرعة ..
- أنا بتم سبع شهور .. هاي المدة المحددة من الوزارة ..
قال بلا مبالاة و هو يلتقط كما من الملفات ..
- المهم .. دكتورة أحلام .. هاي ملفات كل حالة عدنا .. و لا يغرج اسم دار العجزة .. حالات لجوء المسنين لهنيه نادرة .. تقدر بثلاث حالات فقط .. نحن عدنا الحالات الطبية المستقرة لي مالها أي علاج يمكن يساعد في تقدم الحالة .. بس محتاية رعاية و عناية .. نروم نحن نوفرها لها .. تتحول هالحالات علينا .. و تم تحت اشرافنا الين ما ربج يسهل عليها ..
.
.
لم تدرك أحلام بما عليها أن تئوّل عبارة ( يسهل عليها )
لذلك التقطت الملفات بسرعة و هي تراه يرفع سماعة الهاتف يضعها على أذنه ليضرب زرين متتابعين ..
- ألووه .. زكيـــــــــــــة .. تعالي مكتبيه ..
أعاد السماعة مكانها لينظر مجددا لها ..
بدت نظرته الآن صارمة و هو يقول بشيء من الصلابة ..
- دكتورة أحلام .. قبل كل شي أحب أنبهج إن سبب استغنائنا عن المستشارة الدائمة هي المشاكل لي تواجهها الحالات عدنا وياهم .. و بسبة هالمشاكل اضطرينا للتخلي عن هالخدمة و طلبناها هالفترة بشكل مؤقت .. لي أبا أقوله إن الحالات لي تحت إشرافي أنا مسئول عنها و عن راحتها فيا ليت تحاولين توفرين لهم الجو المناسب قدر الإمكان ما ريد حد منهم يتعرض لأي مضايقات أو ما شابه ..
عقدت حاجبيها ..
ماذا يعني بهذا التحذير المبطن .. لم تأتِ إلى هنا إلا بغية مساعدتهم ..
و قبل أن تفكر بالرد دخلت مع الباب المفتوح امرأة بدينة بالغة القصر ترتدي ملابس التمريض البيضاء و حجابا مشدودا حول رأسها ..
حانت منها التفاته لأحلام قبل أن تعود و تنظر للمدير ..
- أستاز أبو عبد الرحمن .. عاوز حاقة ؟!!
كان مستغرقا في قراءة بعض الأوراق أمامه فأشار بيده ..
- هيه .. زكية .. هاي الدكتورة أحلام الاستشارية النفسية لي خبرتكم عنها .. هي بتابع الحالات الموجودة حاليا عدنا .. تفضلي وياها الحين و سويلها جولة في المكان خليها تتعرف الموجودين ..
ثم رفع رأسه لها .. ليقول بهدوء ..
- دكتورة أحلام .. وجودج هنيه ما تم طلبه إلا عن حاجة .. أتمنى انج تفيدينا و نفيدج ..
.
.
هزت رأسها غير قادرة على النطق .. فالارتباك يغشاها و لا تدرك سببه ..
نظرت للممرضة التي ابتسمت لها بلطف ..
هل الابتسامة المعلقة على الوجوه واجب لا بد من القيام به هنا .. أم ماذا ..؟؟!!
التقطت ملفاتها و تركت المكتب تتبع الممرضة التي انطلقت متحركة بسرعة و هي تقول ..
- دكتورة أحلام .. منورانا .. إن شا الله ترتاحي المدة دية .. عاوزة تشربي حاقة أبل ما نبدا ..
هزت رأسها رفضا .. متلهفة للبدء و الانخراط في عملها الأول ..
- لا .. مشكورة ..
- متجوزة ..
- هيه ..
- طيب مدام أحلام حتمشي ..
هزت أحلام رأسها بابتسامة موافقة ..
كانت تحث الخطى حثا و تلحق بزكية .. و تلك تتنقل بسرعة عجيبة نسبة لوزنها..
المكان عبارة عن أربع ممرات متصلة على شكل مربع و يحوي قلب المربع حديقة عشبية صغيرة جميلة ..
فكرت أحلام ساخرة بأنها لا تقارن بتلك الحديقة المنمقة الباردة في منزلها ..
كل ممر يحوي قسما معينا ..
واحدا للإدارة و الاستقبال و المكاتب المعنية .. و الآخر لغرف المؤن و الإمدادات الطبية و المطبخ و غرفة استراحة العاملين .. و أخرى خاصة للممرضات ..
الممر الثالث كان يحوي قرابة الإحدى عشر غرفة .. أغلبها شاغرة .. و كان هذا المكان خاصة بحالات المستشفى ..
الرابع ضم غرفة ترفيهية و مكتبة بسيطة و غرف أخرى للعلاج تحسبا للازدحام ..
مكان بسيط و متكامل ..
.
.
- ايه رأيك نمر دلوئتي ع الحالات اللي حتبعيها حضرتك ..
قالتها زكية و هي تتوجه للممر الذي عرفت أحلام مسبقا بأنه يضم غرف الحالات ..
مازالت زكية تتحرك بسرعة كبيرة .. جعلتها تشعر بأنها لا تمشي بل تنزلق على بلاط الأرضية الأبيض ..
لذلك تبعتها باجتهاد نحو أول غرفة ..
و قبل أن تدلف الباب المفتوح .. توقفت زكية لتتساءل ..
- انتي أكيد لسا ما راجعتيش الملفات اللي إداكي اياها الأستاز ..
هزت أحلام رأسها موافقة ..
فقالت زكية بابتسامة حلوة ..
- طيب أنا حديكي فكرة بسيطة عن كل حالة .. الغرفة دي بتاعت ابو ساني .. راجل كبير في السن عندو شوية مشاكل مع الشيخوخة .. يعني أجهزة جسموا ضعيفة شوية .. و عاوز من يتابعوا و يراعيه .. و بما إن أولادوا مش فاضيين جابوه هنا .. عشن نحنا نهتم فيه .. الراجل طيب أوي .. و حبيب ..
لم تجد أحلام ما قد تعبر الكلمات به عن إحساسها ..
فقط قالت بشيء من الصدمة ..
- فروا أبوهم ..
هزت زكية رأسها بعدم رضا ..
- مش بالزبط يا مدام .. بس همّا حسوا بانوا مافيش حد حيراعيه حتى زوجاتهم .. وكده جابوه هنا ..
لم ترى أحلام اختلافا في الموضوع ..
ارتفع رنين هاتفها فأخرجته من حقيبتها لترفعه و ترى المتصل .. و دون أن تجيب وضعت الهاتف على الوضع الصامت لا تبغي إزعاجا ..
و اعتصرت الهاتف في قبضتها .. سيثير حنقه ذلك ..
تعلم هذا جيدا
قالت زكية ..
- نِخُـــــــــــــش ..؟؟!!
أومأت أحلام موافقة ..
لتدخل الأولى الغرفة و تتبعها هي ..
- السلام عليكم ..
كانت الغرفة غاية في البساطة فراشا نظيفا استلقى عليه الرجل المسن يطالع التلفاز الذي علق أمامه ..
و خزانة خشبية صغيرة .. طاولة قهوة و أريكة جلدية متواضعة ..
و لكن ما لفت انتباهها هو سجادة صغيرة فرشت على الأرض و وضعت عليها المخدات الثقيلة مسندة للجدار ..
كانت هذه الجلسة البسيطة تعطي طابعا شخصيا للغرفة ..
حال دخولهما ابتسم بوثاني لزكية بترحاب سرعان ما نظر لأحلام بفضول ثم حول نظره المتسائل لزكية ..
- و عليكم السلام و الرحمة ..
اقتربت زكية من فراشه ترفع صوتها ..
- ازاايك يا بو سااني النهاردة .. عامل اييه .. دي مدام أحلام .. جاية عندينا .. هنا تشتغل معانا .. و حابة تتعرف عليك ..
تقدمت أحلام و للمرة الأولى تستخدم خبراتها التي درستها على أرض الواقع بعيدا عن الدراسة الميدانية ..
هذا شعور غريب بأنها هنا لمساعدة الغير تعمل بشكل خالص .. و ليس للحصول على شهادة أو غيرها ..
اقتربت ببطء .. و توقفت على بعد مسافة قريبة ترسم على شفتيها ابتسامة هادئة و ترفع صوتها هي الأخرى..
- شحالك بو ثااني .. ربك بخير ..
نظر المسن لها برهة قبل أن يقول بصوت متحشرج مرتفع جعل أحلام تدرك أنه يعاني ضعفا في سمعه ..
- بخير و سهاالة شحالج يا بنيتي .. و شحال عربانج و تواليج .. رب ما تشكون من باس .. علـــــــــــــــــومكم ..
كان صوته يأتي من البعيد ..
من زمن سحيق ..
صوت صدئ ..
.
.
أعيته السنون ..!!
.
.
نظرت أحلام للعينين الصغيرتين التي تحيطهما التجاعيد فتكاد تخفيها ..
وجه أسمر كالح ..
من يراه يعلم أن بقايا قوة قديمة تتدفق من نظراته ليست وهما بل إحساسا ملموسا ..
هذا الرجل مر بالكثير في حياته ..
- يسرك الحال بو ثاني .. علوم الخير و الله مابه علم ..
نظر لها بابتسامة كتلك التي استقبل زكية بها ..
شعرت للحظات أن تلك الثانيتين التي تبادلت فيها معه الأخبار كانت امتحانا لها ..
- يا الله حييها .. قربي .. قربي ..
شعرت بانشراح شديد .. هذا الترحيب إشارة جيدة كبداية ..
- يحييك و يبقيك .. قريبة .. بس مرة ثانية عدنا شغل اليوم ..
للحظات لم يكن ينظر لها .. بل مركزا عينيه في يدها ..
نظرت للمكان التي وقعت نظراته عليه .. فأدركت الأمر حين قهقه بصوته العتيق فرحا

ارادة الحياة 06-05-08 04:36 PM

- هذا بو كيمره .. لااااا .. ما بخليج تصورينيه .. الين ما تحطين مية ربية .. ما تعرفين انتي صوريه غاليات ..
لولهة بسيطة شعرت بالارتباك عندما لم تدرك ما يقصد.. و لكن ابتسامة زكية المرحة أراحتها قليلا ..
نظرت أحلام لهاتفها قبل أن ترفع رأسها .. و تقول بود ..
- ليش ترانيه بتصور وياك .. بعد أحط على عمريه مية ..
كانت ابتسامته البريئة .. تذكرها بالأطفال .. عندما يتقدم المرء في العمر يعود ليتضاءل ..
فيغدو طفلا كبير .. بحاجة لمن يرعاه و يهتم به ..
شعرت باحتقار خفي يتسلل لقلبها لؤلئك ..
كيف استطاع أولاده تركه هنا ..!!
.
.
- لا تحطين مية عن عمرج .. حطي مية لصورتيه ..
ابتسمت لهذا الوجه المتغضن ..
- افاا .. بنتك انا .. ماشي دسكاون ..
عقد جبينه ..
- شوه دكساون ..
ضحكت أحلام بخفة و هي ترفع صوتها ..
- دسكاون .. دسكاون .. خصم ع القيمة يا بو ثاني ..
ضحك مجددا ..
- لا ماشي .. مية ما تنقص ربية ..
قالت زكية و هي تربت على كتفه ..
- معليش يا بو ساني .. مدام أحلام حترقع تاني .. بس لسا عندينا شغل كتير حنروح نخلصو .. عاوز حاقة ..
هز رأسه و هو يقول بسلام ..
- لا ما بغي شي .. الله يحفظكن .. - و نظر لأحلام - لا تقطعين يابنيتي .. خطفي علينا ..
.
.
عندما خرجت أحلام من الغرفة .. كانت تحمل في داخلها حبا فوريا خفيّا لهذا الرجل الذي ذكرها بالأطفال ..
لا خسارة إلا لأبنائه .. أي قلب يفتقدون في غيابه بعيدا عنهم ..!!
.
.
توقفت زكية مجددا أمام باب الحجرة المجاورة ..
- الأوضة دي بتاعت الواد خليفة .. اتنينا و عشرين سنة .. شلل كامل بعد حادث سيارة .. يعني ما فيش حاقة بتتحرك فيه أبدا غير عينيه و بوؤه .. بس بيحس باللي حواليه .. و بيئدم اشارات تفاعل خفيفة أوي .. بس زي ما بيئولو أول الغيس أطرة .. ع العموم المستشفى حول الحالة ديت لنها عاوزة متابعة على مدار الساعه .. يعني الواد مش آدر يعمل لنفسوا حاقة .. على كدا نحنا مسؤولين عن كل حقاتو ..
.
.
لم تتفوه هي بحرف ..
تشعر بالكلمات قد علقت في حلقها الجاف ككرة شوك ..
يديها ترتعشان .. لا .. لا تريد هذه الحالة ..
لديها واحدة ربما ليست مثلها تماما .. لكن تكفيها .. و لم تستطع حتى الآن معالجة أمرها ..
قدميها تثقلان و زكية تشير لها بأن تتبعها .. أغمضت عينيها بقوة و سحبت نفسا عميقا .. هذه حكاية مؤلمة تتكرر كثيرا ..
دفعت نفسها بقوة للدخول .. و تجوزت عتبة الباب .. ليمتد النظر فيعبر الحجرة الصغيرة و يقع على الجسد المسجى على الملاءة البيضاء ..
كان ينظر للفراغ فيما جلست ممرضة على كرسي بجانبه تقرأ كتابا بصوت واضح ..
اقتربت أحلام و هي تجر قدميها جرا .. دنت من فراش هذا الشاب و صور فضيعة قديمة تدور في ذهنها ..
امتدت يد زكية بورقة محارم ناعمة تمسح بها خط لعاب سال على جانب وجهه بعجز ..!!
.
.
بلعت دمعة سدت حلقها و هي تنظر لجسد هذا الشاب المرتخي .. فتيّا .. في مقتبل العمر ..
كان لا يزال أمامه الكثير من السنوات .. الكثير ليعيشه و يتمتع به .. الكثير ليراه ...
.
.
شبح الموت الحديدي الذي يمشي على الإطارات .. يزهق أحلام الكثيرين ببساطة .. و هذا وحد منهم ..!!
مرت دقيقة ثقيلة على نفسها .. تنكأ جروحا لم تلتئم بعد ..
شعرت بالاختناق .. هذه الغرفة تضيق عليها ..
أشاحت بوجهها ..
تحتاج للخروج من هنا ..
نظرت لزكية بنظرة رجاء ..
- خلينا نشوف باقي الحالات ..
هزت الأخيرة رأسها بحماس ..
لتلقي كلمات على مسامع الشاب .. لم تصل لعقل أحلام الذي كان غارقا في بُعد آخر..
.
.
تنفست الصعداء حين تركت الحجرة مع زكية ..
تشعر بثقل في صدرها و ذكرى تلك اللحظات البائسة تراودها حين رأت الشاب ملقى بلا حراك ..
.
.
- مدام أحلام فيه حاقة ..
سألتها زكية و قلق حنون يكسو وجهها المستدير ..
ابتسمت أحلام بسرعة ..
- و لا شي .. بس أفكر في هله .. وينهم عنه ؟!!
هزت زكية رأسها ..
- دول أهلوا دايمن هنا .. بس مافيش مساحه ليه في البيت مع الممرضين يعني .. هم ناس على أد حالهم و البيت صغير .. و فهمك كفاية ..
هزت رأسها بشرود ..
و هي تتقدم معها تعبر الممر .. الغرفتين المجاورتين كانتا شاغرتين ..فتجاوزتاها للغرفة الثالثة ..
و في اللحظة التي فتحت فيها زكية الباب .. شعرت أحلام بسيل متدفق من الكلمات ينهال عليها و ينتشلها من أفكارها تلك ..
.
.
قبل أن تقتحم حدود الغرفة فتتبين ساكنيها ..
صوت حاد يخترق سمعها كصوت مثقاب الجدار ..
- ما شا الله عليج .. اشووه زكية .. ياية بدري الشيخة .. سمحيلنا عاد كان قطعنا عليج شي و إلا شيات .. ندريبج انتي دووومج مشغولة .. و نحن غلسين و غثة .. ماااا قوووول غييير حسبي الله عليكن من سسترات .. أنا لو بمووت ما بموت إلا على ايديكن .. و الله ثم الله لو تدري الحكووومة بسواد ويوهكن كنسلتكن اليوم قبل بااكر .. عنبووه خافن ربكن فينيه .. عيووز أنا .. تبن تنفدنيه .. زكيووووووه .. اشعنه محد يا يعطينيه الابرة .. مستعيلات ع يوميه .. تبن الفكة .. يعل ظروسكن الفك .. قوووووولن آمين ..
.
.
كانت تقف خارج الغرفة و قد تدلى فكها في ذهول .. بالله عليكم ما هذا .. ؟؟!!
.
.
لكن صوت زكية المهدئ وصل لأذنيها رغم تلك الكلمات التي كانت صاحبة الصوت الحاد ترشقها بلا توقف كالحجارة ..
- فيــــــــــــــــه إيـــــــــــــــــه يــــــام حمـــــــــــــــــيد .. بتزعئي ليه ..
عاد الصوت يطن في أرجاء الغرفة التي حاذرت أحلام من دخولها ..
- و لشوه ما زاعج .. عنبوووه الساعة هدعش و أنا بعدنيه هب متريقة .. شقا بتريق و محد ظربنيه بالابرة هاا ..
صوت زكية المتسائل ..
- هيا سوما ما جتش بالابرة ..
.
.
كلماتها التالية جعلت الضيق يعترم صدر أحلام و هي ترمي بها كالسهام بلا هوادة ..
البعض منها يخطئ ..
.
.
و البعض يصيب في مقتل ..!!
.
.
- ماااااباااااااهاااا هاي السمسومة يعلها السم .. ما فيهن خير الهنديااات .. ما يندرابها كان بتظربنيه بعوق في الابرة .. ماباها و انا قايلتلج من قبل .. هالسمسومة لا طرشينها عليه .. بس انتي ما تفطنين ..
بدا صوت زكية مهدئا ..
- خلص يا ستي معليش .. انا أروح دلوئتي أجيب الابرة و الفطار .. بس انتي اهدي شوية .. دا مش كويس لصحتك خالص ..
- ماااااااا عليه من هذرتج .. دواج عند بو عبدالرحمن .. هو لي بيسنعج ... يالسة ترتدغدين و فارتينيه عند سمسومة هندية .. اصلا أدريبكن انتن .. كلكن ما تبنا .. هم على قلوووبكن ..
تنهدت زكية ...
- طيب على رحتك بس أبل ما أخرج .. عاوزة أوريك حاقة .. - ثم رفعت صوتها منادية - مدام أحلام .. وائفة برا ليه .. ما تتفضلي ..
.
.
في الحقيقة لم تحبذ أحلام فكرة الدخول .. ربما قد تتعرض لهجوم يشن من طرف مجهول .. فزكية لم تعطها فكرة مبسطة عن هذه الحالة ..!!
لكنها كرهت هذا التردد في داخلها .. تقدمت بسرعة.. ساحقة أي رغبة في التراجع ..
لترفع صوتها قائلة بقوة ..
- الســـــــــــــــــلام علــــــــــــــــــيكم ..
ساد الصمت المكان .. هدوء لا يسمع فيه إلا توتر الأنفاس ..
للحظــــــــــــــــات ..
أدركت أحلام أنها تقف الآن مباشرة أمام الحالة الثالثة لهذا اليوم ..!!
.
.
امرأة مسنة قدرت ببساطة أنها في العقد الثامن من العمر ..
ترتدي - البرقع - و تجلس على سجادة تشبه تلك التي رأتها في غرفة بو ثاني ..
عينا المرأة تراقبانها بحدة و صوتها يبدو أعلى و أكثر حدة من هذه المسافة ..
- و عليكم السلام .. خير إن شا الله .. امنوووه هاي بعد ..
لم تنتظر أحلام من زكية أن تعرفهما .. بل قالت بوضوح ..
- أنا أحلام عبيد .. مستشارة نفسية ياية أشتغل عندكم ..
سارعت زكية بالخروج .. تاركة أحلام تقف في مواجهة من سمعت زكية تشير إليها بأم حميد ..
عينان حادتين من خلف البرقع الذي شكل حاجزا لا يخترق يخفي الكثير خلفه ..
ظلت المرأة تمرر عيناها طلوعا و نزولا عليها ..
قبل أن تقول بصوت يشق الهواء كالسيف ..
- انتــــــــــــــي معرســـــــــــــــــــــة ..؟
.
.
فتحت أحلام عيناها بدهشة .. ما هذا السؤال الغريب ..؟!!
رأت أنه لا ضرر من الإجابة .. فقالت ببساطة ..
- هيه نعم ..
سرعان ما ندمت على كلمتها تلك ..
إذ انقضت عليها العجوز بكلماتها الشرسة .. و أصبحت في ثواني هي المستهدفة الجديدة ..
- عـــيل ما نباج الشيخة .. توكلي .. انتن لمعرسات تيي الوحدة منكن من بيتها مضيقة و متواقعة ويا ريلها ... و تفك حرتاا فينا نحن المسااكين .. تهد عليناا .. و تلعوزنااا .. بو عبد الرحمن ليش يابج .. يدريبناا ما نباكن ..
كانت أحلام متفاجئة من ردة فعلها ..
و لكن الأولى لم تتوقف عن التحدث بصوت أقرب للنعيق ..
- شعنه تطالعينيه هااا .. لا تسوين عمرج طيبة و مادري شووه .. عليكن علوووم انتن ما تسر .. روحن عالجن الميانين أخيرلكن .. و لا عاد وحدة منكن تشبر عدنا ..
ثم أخفضت صوتها .. و لكن الكلمات وصلت لأذني أحلام ..
- مسودات الويه ..
.
.
شعرت أحلام بالغضب يتصاعد في داخلها .. فقد كانت المرأة تشير لها بصيغة الجمع مع من سبقها هنا على ما يبدو .. و لكنها لجمت نفسها .. لتنظر لعيني تلك اللبوة الثائرة بشيء من التحدي ..
- أنا هب ياية ألعوزج و الا أأذيج.. ياية عنديه شغل كم شهر و مروحه .. و كان ما تبينيه عندج بو عبد الرحمن خبريه .. خلاف هو يامر عليه كان أتابعج و إلا لا ..
و قبل أن تسنح للعجوز الفرصة لقذف أي كلمة حادة .. تركت أحلام الغرفة بسرعة ..
و هي تلهث .. كانت مواجهة هذه المرأة صعبة .. ما الذي يجعلها نزقة هكذا ..!!
أتت زكية مهرولة من نهاية الممر تحمل في يدها صينية طعام و يبدو الاعتذار على وجهها ..
- معليش يا مدام أحلام حئك عليا .. أنا حشرح لك كل حاقة لما أخلصها .. على كدا امشي انتي للغرفة بتاعت الاستراحة ..
و قبل أن ترد.. دلفت زكية للحجرة ليتعالى نعيق العجوز مجددا .. فابتعدت أحلام بسرعة .. ستصاب بالشقيقة إن أمضت دقيقة إضافية عند باب هذه العجوز ..
اتجهت أحلام نحو غرفة استراحة الممرضات .. تقطع الممر .. و ما زال أمامها حالتين لم تصادفهما ..
.
.
و مع النسائم الصباحية التي تسربت من باب عريض فتح على مصراعيه يطل على الحديقة ..
تسللت صوت ضحكة هادئة .. أصوات أحاديث تنسل برقة مع الهواء الذي حمل معه رائحة العشب الندي ..
لتحين منها التفاته فضولية .. فتقودها قدماها لتتبع الأصوات التي بدت لها في تلك اللحظة غاية في العذوبة .. نظرا لصراخ أم حميد الذي كاد يصيبها بالصمم ..!!
.
.
و ها هن أمام عيناها مباشرة .. في منتصف الحديقة البسيطة .. تجلسان ..
امرأة .. و شابة .. لم تتبين ملامحهما بوضوح .. فقط عرفت أنهن قد استغرقن في التركيز على شيء بين أيديهما لم تره ..
كانت صاحبة الضحكات العالية هي الشابة ..
بينما اكتفت المرأة بابتسامة .. ظلت معلقة على شفتيها و ازدادت اتساعا حين رأت أحلام تقف بالباب المؤدي للحديقة ..
رغم المسافة التي تفصل بينهما .. إلا أنها شعرت بأن ابتسامة المرأة تحمل دعوة لها لتقترب ..
عقدت ذراعيها بهدوء .. و هي تطوّع رجلاها لتتقدم ..
.
.
و تلك خطوة ..
تلو الأخرى ..
قدماها تتعاقبان الوطء على رؤوس الأعشاب الصغيرة .. فتنثني تحتها ..
كانت تمشي الهوينى .. غير متعجلة للوصول ..
و نسائم الصباح المعتدلة تحرك - شيلتها - المثبتة على رأسها بإحكام ..
مع اقترابها .. توقفت الشابة عن الضحك لتنظر لها بشيء من الفضول يخالطه ضحكة مكتومة ..
فيما استمرت المرأة بالابتسام ..
.
.
و ها هي أحلام طوت المسافة القصيرة .. لتبلغ الاثنتين .. اللتين استمرتا في النظر إليها ..
امرأة كان واضحا أن ما مضى عليها يفوق ما هو مقبل .. و قبعت ثنايا جلد رفيعة عند زاوية العينين .. تشكو كم من الدهر قد مر .. جسدها بالغ الصغر .. و حجمها ضئيل .. لذلك لم تستطع الجزم بعمرها ..
و شابة بدت في العشرينات .. تلف رأسها بغطاء مهمل لتنسل بعض الخصلات الناعمة على الجبين بتمرد..
هناك شيء غريب في وجهها ذكرها بطفل يفاجئ بشيء ما ..!!
- الســـــــــــــــــــــلام علــــــــــــــــــــيكم ..
ما زالت الابتسامة على وجه المرأة التي قالت بصوت هادئ .. تدفق بدفء من بين شفتيها ..
- و علـــــــــــــــــــــــيكم الســـــــــــــــــــــــلام و الرحمـــــــــــــــــــــة ..
.
.
في تلك اللحظة غمر أحلام شعور غريب بالألفة و السلام البادي على وجه المرأة أجبرها على مبادلتها الابتسامة بصدق ..
- رب ما قاطعتكم ..
هزت المرأة رأسها بهدوء .. و عيناه تركزان في عيني الأولى .. فتغرق فيهما تلك بلا قرار ..!!
- لا .. بس كنت أقرأ لهاي الحلوة قصة ..
و أشارت بيدها النحيلة للكتاب الكبير المفتوح أمامها .. لتقع عينا أحلام على قصة مصورة تزخر بالألوان .. كان العجب يسكن عقلها الآن .. هل تقرأ هذه المرأة قصص أطفال للشابة ..
كانت المرأة الآن تبتسم و هي تنظر لشيء ما خلف أحلام .. لتلتفت الأخيرة .. فترى زكية مقبلة و قد بدا بعض الضيق على وجهها ..
و لكن بمجرد أن اقتربت .. بدا وجهها أكثر لينا و هي تقول ..
- السلام عليكم .. - ثم التفتت للشابة التي بدأت تضحك بخفة حين رأت زكية - صباحك إشطة يا جميل ..
صوت المرأة الدافئ .. يتغلغل بهدوء في صدرها .. ليشعرها مجددا بذاك الإحساس الغريب بالألفة ..
- وعليكم السلام و الرحمة .. صباح النور يام حنفي .. شحالج ..
- كويسة انتي عاملة ايه ..
- الحمد الله .. شوه .. شكلج معصبة ..
لم ترى أحلام هذا الشيء في زكية .. لم يكن هناك سوى ابتسامة .. و هذا ما أدهشها هل عملهم هو الابتسام على الدوام ..!!
- ما فيش حاقة خالص .. عارفة انتي أم حميد ازاي بتكون الصبح ..
ضحكت المرأة بخفوت و هي تهز رأسها ..
- هيه أعرفها .. الله يهديها بس ..
نظرت زكية لأحلام .. و قالت بسرعة ..
- مدام أحلام .. دنتي سريعة أوي .. مفكيش صبر ..
عقدت أحلام جبينها بعدم فهم .. فقالت الأولى تفسر ..
- يا ستي دول هم البئية .. دي الست حصة .. ضيفتنا الرابعة .. و الأَمَر الجالس دا سوهيلة .. - ثم التفتت لحصة - يا حجة دي مدام أحلام .. مستشارة جاية تشتغل عندينا ..
نظرت لها المرأة بإمعان و هي تقول ..
- مرحبا الساع يا بنتي .. دختورة ..؟!!
هزت أحلام رأسها بابتسامة ..
- تقريبا ..
عادت حصة للنظر للشابة .. وضعت يدها على كتفها و هي تقول بوضوح و تشير بيدها الأخرى نحو أحلام ..
- سهــــــــــــيلة .. هاي أحلام .. بتـــــــــــــم ويــــــــــــــانا ..
.
.
رفعت سهيلة عيناها لأحلام .. و ابتسامة كبيرة على وجهها ..بدا أنها لم تفهم ما قالت حصة تماما .. إذ قالت بصوت مرتفع ..
- آحــــــــــااام ..
هزت زكية و حصة رؤوسهن موافقات .. فيما ظلت أحلام في حيرتها ..
قالت زكية بسرعة ..
- طيب مدام خلصنا خلينا نمشي و نضيّفك كوباية شاي .. ايه رأيك ..
هزت أحلام رأسها موافقة و هي تقبض حقيبتها .. ثم التفتت للاثنتين ..
- يا الله أترخص أنا .. بشوفكن قريب ..
حصة بصوتها المسالم ..
- اللـــــــــــــــــه يحفظج ..

* * * * *
تتمة

- أعاقة زهنيه بعد حمى صابتها لما كانت صغيرة أثرت على الخلايا الرمادية للدماغ ..
قالتها زكية و هي تمرر فنجان الشاي لها .. أمسكته أحلام بإحكام و رائحة النعناع تعبق في أنفها ..
- و امنوه يايبنها هنيه ..
وضعت زكية صحن بسكويت أمامها و هي تقول ..
- أهلها .. يعني هي بت و كبرت دي الوئتي و عاوزين ليها رعاية .. هي مش محتاقة متابعة طبية خالص دي حالتها مستقرة .. بس عاوزة حد يداريها و يراعيها .. و بعدين هي حركتهاا كتيرة و نشيطة .. و هم ناس معروفين .. مش عاوزين فضايح .. فهمه عليه ..
ثم انكمش أنفها اشمئزازا ..
- دي ناس ما بتخفش من ربها .. و إلا حد يرمي الملاك ده هنا ..
.
.
كيف .. أين أمها .. أبيها .. أحد من العائلة .. كيف استطاعوا الاستغناء عنها و هي فرد منهم عندما كانت في أمس الحاجة لهم ..؟!!
ذلك الوجه البريء يسري في عروقه دم يغذيهم .. أي قلب من جلمود يحوون داخل تلك الأجساد الخاوية ..!!
تساءلت أحلام بخيبة ..
- محد يزورها ..؟؟
قالت زكية بحماس ..
- لا إزاي .. أكيد بيزوروها .. يعني الأب و الأم كل جمعة بيكونا هينا .. أخوها من فترة و فترة يشؤ عليها .. أختها الكبيرة كل إتنين و خميس بنشوفها عنديها .. دي سوهيلة و الله زي العسل .. البت ما تنكرش حد .. دايمن بتضحك و و بتتكلم مع الكل .. هو بس المشكلة يعني الإعاقة اللي عنديها موئفة نمو الدماغ .. يعني البت وائفة عن النمو للعقل و مش حتئدر تنمو أكتر .. و غير تئل اللسان .. بس الجسم عادي ما فيهوش مشاكل خالص .. دي روح الدار هنا .. كلنا بنحبها زي بنتنا .. خصوصا أبو عبدالرحمن .. الراجل دا و النبي ماشوفتيش زيو .. قمة في الانسانية و الأخلاق الله يحرسو ..
حركت كوبها بخفة و هي ترتشف جرعة و تفكر في بعض الكلمات التي انسلت لذهنها ..
- أم حنفي .. ما يوز تحلفين بالنبي يزاج الله خير ..
ثم ابتسمت بلطف
- انزين و حصة .. شوه سالفتاا ..
التقطت زكية حبة بسكويت بيدها الممتلئة و قضمتها و هي تقول ..
- الست حصة جاية بنفسها هنا يعني هيا اللي اختارت انو المستشفى يحولها علينا ..
- المستشفـــــــــــى ..!! .. ليش هي مريظة ..؟
غشي الحزن عيني زكية الحنونتين و هي تقول ..
- آآه يا حبة عيني .. هيا عنديها لوكيميا موتأدمة .. و مش عاوزة تتابع كورسات العلاج ..
هزت أحلام رأسها ..
- ما فهمت ..
- أصل هيا ليها سنة و نص بتتعالج بالكيماوي و مفيش فايدة و بعديها وئفت العلاج و طلبت تحويلها هنا .. هيا عندينا من نص سنة تئريبا ..
اتسعت عينا أحلام ..
- شوه يعني ماشي أمل ..؟
- لأ إزاي .. الأعمار بيد الله .. هي بس مش مهتمة الحالة بتتئدم و إلا إيه .. يعني نحنا هنا ما نعطيهاش أي أدوية بخلاف المسكنات الأوية .. أحيانا تجيها نوبات .. و أحيانا زي النهاردة بتشوفيها عال العال ..
- انزينه و أهلها و إلا عيالها .. وين عربانها عنها .. ليش محد يغصبها على العلاج ..؟؟؟؟!!!
هزت زكية كتفيها إشارة لعدم درايتها .. و لكن أحلام لم تفهم معنى هذه الحركة .. كيف ..؟!! ألا يأتي أحد ليسأل عنها ..؟!!
ظلت صامتة لدقائق تقلب مختلف الأفكار في ذهنها .. قبل أن ترتشف ما تبقى في الكوب و تضعه على الطاولة ..
- كم مستشارة قبليه يتكم هنيه ..
ضيقت زكية عيناها مفكرة ..
- مش كتير .. تنيتين بس ..
- كيف كانن وياكم .. أم حميد قالـ ....
قاطعتها زكية ..
- ما تخديش بالك من أم حميد دي ما بتسكوتش خالص .. صحيح انو كان فيه مشاكل شوية .. بس يعني .. يمكن استفدنا شوية .. - ثم ابتسمت لها - بس انتي حاقة تانية .. انتي عارفة الأولى كانت باردة شوية مالهاش دعوة غير بنفسيها .. يعني تقارير و كتابة و أسئلة و الناس هنا بتتدايء .. و التانية كانت كويسة لحد ما جت عند أم حميد .. دي ألبت الدنيا على نفوخ البت المسكينة .. أصل انتي شفتي أم حميد بتكون حارة ازاي .. و دي خالص ما استحملتش .. كل كلمة بتردها ع الست بعشر ..
اتسعت ابتسامتها و هي تتابع ..
- بس انا شايفة انك غير أوي .. إن شاء الله تئدري تساعدينا ..
بادلتها أحلام الابتسامة ..
- إن شا الله .. الا ما قلتيلي .. سهيلة كم عمرها ..؟
- 17 سنة ..
- شكلها كبيرة ..
- الجسم بس .. شايفاك مهتمة خالص بيها ..
هزت أحلام رأسها موافقة ..
- فترة تدريبي كانت في عيادات توام ..صادفت أنواع و أشكال بس هاي أول حالة أقابلها من هالنوع .. بعدين البنية صغيرة المفروض هلها يكونون حولها هب يبعدونها ..
- حتئولي إيه يا ستي .. ناس ما فقلوبهاش رحمة .. هو انتي عندك عيال ..
تنهدت أحلام ..
- لا ..
- عروسة جديدة ؟!!
.
.
كم تكره هذه الأسئلة التي تصادفها كثيرا ..

ارادة الحياة 06-05-08 04:39 PM

هزت رأسها نفيا ..
- لا .. من ثلاث سنين معرسة ..
- آآه .. معليش ياختي .. اتهني .. دول العيال مسؤولية ..
كادت أن تقهقه ساخرة بصوت عالٍ ..
أي هناء هذا الذي لم تذقه .. منذ ...
منذ متى ..؟!!
.
.
منذ ذلك الوقت الذي أحال حالهم إلى هذا تدريجيا دون أن يشعروا ..!!
.
.
كم ترجو من قلبها أن ترزق بطفل ..
لربما يكون ذلك بمثابة قنبلة تفجر وضعهم البائس هذا ..
تنهدت بقنوط شديد ..
.
.
كم تتمنى من قلبها أن تتغير الأمور ..
لهذا سعت للخروج و العمل ..
قد يكسر هذا روتين مشاعرهم الراكدة .. لا يهمها كم من شجار سينشب بينهم نتيجة هذا الموضوع ..
لقد خضع لرغبتها في لحظة غريبة يراها ضعف من نفسه .. و لكنه فعل .. سمح لها بالعمل .. و هو لا ينقض كلمة له أبدا .. لذلك تجد نفسها هنا ..!!
تعلم جيدا أنه يلوم نفسه الآن لذلك ..
.
.
و تعلم جيدا أي ضجة سيثيرها موضوع عملها هناك ..!!


* * * * *


كانت فتاة الاستقبال التي تعرفتها باسم أمينة قد أعطتها مفتاح سيارتها الذي تركه عندها حكيم ..
ما زال الوقت مبكرا و لكن سمح لها بالخروج الآن نظرا لأنه أول يوم لها هنا .. لذلك حملت ملفاتها و استلمت مفتاح مكتبها الجديد .. و تركت المكان كله ..
و حين راح سور المستشفى الذي يحتضن تلك المنازل يختفي خلفا .. كانت الكثير من المشاعر تختلط عليها و تتضارب في داخلها لتشتتها ببساطة ..
.
.
مؤشر الساعة الألكتروني للسيارة يشير للثانية عشر و النصف .. ما زال هناك وقت .. ستذهب لبيت أهلها لتسلم على زوجة أبيها .. و ستصلي الظهر هناك .. ثم ستعود إلى بيتها ..
و بعد ما يقارب الخمس و عشرين دقيقة أوقفت سيارتها أمام باب منزلهم .. لتترجل منها تاركة فيها ملفاتها و أغراضها ..
قطعت فناء البيت الواسع .. لتدخل الصالة بهدوء .. لتراها كعادتها جالسة في الصالة تطالع برنامجا سياسيا بتركيز .. تشك أحلام أنها قد تفهم منه شيئا ..!!
خلعت حذائها عند الباب .. لتدخل ..
- الســــــــــــــــــــلام علــــــــــــــــيكم ..
انتفضت بغتة .. تلتفت نحوها بابتسامة كبيرة ..
- و علــــــــــــــــــــــيكم الســــــــــــــــــــــــــلام و الرحمـــــــــــــــــــة .. مرحبا فديتج ..
ابتسمت أحلام و أقبلت تسلم عليها و تقبل جبينها .. ثم ألقت نفسها على الأريكة الوثيرة ..
- شحالج أمايا ..
نظرة الحنان المعتادة لا تغيب قط عن عيناها ..
- بخير غناتيه .. انتي شحالج .. و شحال ريلج ..
- يسرج حالنا .. شوه تسوين بروحج .. وين القوم عنج ..
- اطالع التلفزيون .. موزان فوق و لطفين و راشد في الجامعة .. هاا لطوف تقول اليوم بتداومين ..
ابتسمت أحلام و هي ترى بريق استياء واهٍ في عينيها ..
- هيه ترانيه رادة من الدوام قلت بخطف عليكم و بصلي الظهر .. خلاف برد البيت ..
و قفزت من مكانها متوجه نحو الدرج الذي يتوسط الصالة ..
- بصلي فحجرتيه .. و بنـ ....
قطعت عبارتها لتصيح بشوق حين رأت ذاك الذي أخذ ينزل درجات السلم بسرعة ..
- حمـــــــــــــــــــداااااااااان ..
ابتسمت بسعادة .. فقد مر قرابة الأسبوعين و لم ترى أخوها الأكبر ..
لكن ردة فعله الغريبة لم تدل على أنه اشتاق لها هو الآخر .. إذ واصل نزول الدرج دون أدنى حركة قد تدل على أنه سمعها .. و تجاوزها نحو الباب الخارجي ..
.
.
حتى أنه لم ينظر إليها ..!!
وقفت للحظات في مكانها لا تجد تفسيرا لما حدث للتو .. فالتفتت للأخرى .. و عيناها تنشدها الإجابة ..
بدا الأسف الشديد على تلك .. فتقدمت أحلام منها مرة أخرى ..
- أمايا حمدان زعلان عليه ..؟!! .. ليش يخطف و ما يسلم ..
لحظات ثقيلة من الصمت .. و عيناها تطالبان بالاجابة ..
نظرت تلك إليها ..
- شوه تبينيه أقولج .. إنتي تعرفين الحشرة لي سواها يوم طلعتي ليسن .. و الحين انتي تشتغلين .. أمس قلب البيت ع روسنا .. تم محتشر علينا .. ما يباج تشتغلين ..- ثم لانت ملامحها في رجاء - أحلام فديتج .. هب حمدان روحه لي بيحتشر .. انتي ما فكرتي في أهل ريلج .. امبونهم هاييل يرقبون منج الزلة .. ما بتسكت شريفة عن السالفة و عمج ما ظنتيه درى و الا كان رمسج .. و الله انج هب في حاية الشغل .. شوه تبينبه .. ريلج عنده خير .. و نحن مستدين و الحمد الله .. أحلام يا بنيتي خلي هالشغلة .. و الله ما بيي منها الا المشاكل ..
.
.
لحظات صمت عقبت هذه الكلمات التي لطخت الصمت لترسم لوحة فوضوية لما سيحدث ..
أغمضت عيناها بهدوء شديد .. لطالما كان العمل عندهم من المحظورات .. قانون لا يمكن اختراقه ..
و حين اخترقه ذاك .. كان يعلم أنه فعل شيئا ثوريا في نطاق العائلة .. رغم ذلك هي متأكدة من أن أحدا لن يستطيع أبدا الاعتراض على قراراته .. أبـــــــــــدا ..
ستواجه الكثير من مثبطات الهمّة هذه .. لكن لا بأس أحلام .. هذا ما أردتِه ..
رفعت نظرها لتواجهها ..
- أنا ما عليه من حد .. ريليه موافق .. و محد له كلمه عليه إلا هو .. لي يبا يرمس يرمس .. و لي يزعل يزعل .. و بعدين امنوه قال إنيه هب في حاية الشغل .. أنا اختنقت داخل البيت .. أبا أظهر ..
اتسعت عينا الأخرى بصدمة ..
و بلعت أحلام غصة كادت تخنقها ..
- أنا بسير أصلي ..


* * * * *


شعرت بوهن غريب يغزو روحها و هي توقف سيارتها في كراج بيتها الكبير ..
لم تحطمها كلمات زوجة أبيها .. و لكنها خدشت جدار العزم فيها .. إذا كانت هذه ردة فعل أهلها فماذا عن أهل زوجها .. حقا ستواجه الكثير .. الأيام القادمة ستمتحنها صبرا ..!!
ترجلت من سيارتها تدخل البيت ..
في هذه الأوقات يكون قد انتهى من أداء صلاته .. يجلس أحيانا في الصالة و يطالع التلفاز أو في مكتبه ينهي كتابة الرواية الجديدة التي يعمل عليها ..
و لكن الصالة كانت خالية .. إذا هو في المكتب .. و بما أنها عادت أبكر من الوقت الذي أخبرته به فكرت بأن تبدل ملابسها و تستحم قبل أن تطلب منهم تجهيز سفرة الغداء ..
و توجهت للقسم الخاص بهم في الطابق الأسفل ..
.
.
حين دخلت جناحها لفها الهواء البارد الصادر من مكيف الهواء .. فتقدمت نحوه لتغلقه تخنق تدفق نسائمه ..
و فتحت النوافذ الكبيرة .. ليدخل الهواء الطبيعي ساخنا .. و لكن جديدا .. استنشقته بنهم و هي ترمي بعباءتها و غطاء رأسها مفكرة أن موقف حمدان وحديث زوجة أبيها أنساها أن تسأل عن أختها .. تقدمت بسرعة لحقيبتها التي ألقتها للتو تلتقط هاتفها و تتصل بها ..
.
.
لحظة و صوت متقطع ينبئها ببلوغ الخط ..
و هي تنتظر ..
.
.
لحظات و يصلها الصوت الرقيق متسائلا ..
- مرحبـــــــــا ..
ابتسمت بهدوء .. يمكن لهذه الفتاة أن تنتشلها من أي مزاج لترمي بها في غمار النعومة التي تخلقها حولها ..
- هلا موزان .. شحالج ..
- بخير فديتج .. انتي علومج و علوم أول يوم وياج ..
- علومي طيبة .. بغيت أشوفج و أخبرج بالتفصيل .. ترانيه كنت في البيت ..
- أووونه .. ليش ما خبرتينيه يا السخيفة ..
- شوه أقولج .. لقيت حمدان هناك .. و لبسني .. زعلان الحبيب .. و امايا سدحت ليه محاظرة ع سالفة الشغل .. قلت أشل عمريه و أرد البيت أخيرليه ..
- شوه كنتي تتوقعين حبيبتي .. انتي لي يبتي لعمرج.. بس تعرفين شوه .. انتي فتحتي لنا ابواب المستقبل أول الغيث قطرة .. يمكن يخلونيه أشتغل انا بعد ..
ضحكت أحلام بمرارة و هي تتمدد على الأريكة الضخمة ..
- و الله ضحكتينيه .. موزة حبيبتي لا تحلمين و انتن عند حمدان .. لو درى ان الخيال شطح بج و فكرتي في الموضوع .. و الله ينه ذبحج عنده حلال ..
انساب لها صوت موزه الهادئ تخلخله الحزن ..
- ليته يسويها ع الأقل أفتك من هالحالة الزفت لي أنا عايشتنها ..
أغمضت أحلام عيناها .. ها قد بدأت أختها في موال جلد الذات ..
- موزان استغفري ربج .. حرام تمني الموت ..
قالت موزة بصوتها الهادئ المعتاد ..
- استغفر الله .. ما عليج انا كل مااتذكر شي تضيق بي الوسيعة ..
- فديتج .. انا بحاول باكر العصر اييكم .. و بنرمس أوكيه ..
- خلاص .. يا الله انا بسير اتغدا ..
- برايج حبيبتي ..
.
.
أنهت المكالمة لترمي بالهاتف على الطاولة القريبة .. ستكتفي بتبديل ملابسها و تؤجل الاستحمام إلى ما بعد الغداء ..
هي بحاجة لرؤيته .. هناك رغبة غريبة تدفعها لمعرفة ماذا فعل في غيابها ..!!
لذلك انطلقت نحو مكتبه .. و ها هي الآن تواجه الباب الخشبي الضخم ..
.
.
قسوة و صلادة من الخشب لم ترها في مكان آخر .. هنا مخبأ دوما يلجأ له ..
هذا الباب .. حاجز بينها و بين الكثير ..
ليت تحطيمه سهلا .. لربما سترى حينها ما هو خلفه ..!!
.
.
و تخدش ركب أصابعها طرقاتها للباب بعمق ..!!
.
.
صوته القوي الآمر من خلف هذا السد يأتيها ... يشتتها للحظات ..
- تفضــــــــــــــــل ..
ألصقت راحت يدها بالخشب المصقول ..
.
.
ستدفع ما تبقى من أيامها ..
كل لحظة منها .. بلا تردد ..
فقط ..
لتدفع هذا الباب و تجد شخصا كانت عرفته في الزمن الغابر ..
قبل أن تقلبه الأقدار لواجهة حجرية تصد الأذى الذي لن يلحقه أبدا منها ..!!
تنهدت قبل أن تدير المقبض بهدوء لتدلف المكتب ..
.
.
هذا المكان الذي يعتكف فيه ..
هذا السكون الذي تسمعه فيخيل لها أنها أصيبت بالصمم ..
هذا البرود الذي يقشعر بدنها له ..
هذا الوجه من جليد يرتفع لها مطالعا بصمت ليعود فينظر للأوراق تلك التي بين يديه ..
.
.
اخترقي قدسية المحراب هذا بهمسك يا أحلام .. فهو جاف كصحراء قاحلة ..
اسكنيه .. اسري فيه .. لونيه بشيء منك .. أحلام أنتِ .. لا يأس معك ..!!
.
.
و لكـــــــن كيف ..
لقد أفلتت خيوط البهجة بينهما منذ دهر مضى ..
كيف تعود ..؟!!
ها هو الهدوء يدمدم ضجرا .. فتقطعه بحدة صوتها ..
- السلام عليكم ..
و لا يرتفع ذلك الرأس المكسو بالشعر الغزير عن أوراق تناثرت ..
- و عليكم السلام .. بعدها ما يت ثلاث ..
تحركت من عند الباب تتقدم نحو مكتبه ..
- رخصونيه بدري أول يوم ..
رفع عينه إلى عينيها .. ينظر لها بتركيز شديد ..
- اتصلتبج ..
أخفضت عينيها كاذبة ..
- كان ع الصامت ..
هز رأسه بحركة لم تفهمها .. مدت أناملها بشرود تعبث بوريقات أمامها ..
.
.
- لا تتعبثين بشي ..
أعادت يدها بسرعه لحجرها كطفلة مذنبة ..
و عاد هو لأوراقه يغرق فيها .. قبل أن تهمس ..
- منصـــــــــــــــــــــــــور ..
.
.
لا يرد .. لكنه يسمعها ..
- بخليهم يزهبون الغدا ..
و تركت مقعدها متوجهة نحو الباب .. و تخرج من المكتب بسرعة ..
.
.
و بعد لحظات استقرت على طاولة الطعام مقابله تماما .. تلتقط صحنه بهدوء .. لتقدم الغداء له وسط السكون المطبق .. دوما هم هكذا .. لا يتخلخل لقاءهم على الطعام كلمات إلا فيما ندر ..!!
نظرت له بإمعان و هي تحرك ملعقتها في الصحن بشرود ..
رغم جلوسه على الكرسي المتحرك الذي لا يفارقه .. إلا أن طول قامته الفارع واضح جدا ..
كان يتناول طعامه بهدوء .. لا لين في ملامح وجهه الصارم ..
.
.
قيل لها ذات جرح .. أنه قد أخطأ حين اختارها زوجة له .. هل يفكر هو بذلك .. غير مستبعد ..!! .. فهم في دوامة الجفاء منذ وقت طويل .. لكن هذا ليس بيدها ..
و ربما لم يكن خطؤه .. لطالما كان نبيلا .. نبيلا جدا .. و شهما .. لدرجة أنه تزوج من ابنة الـ ........
.
.
- سمعتينيــــــــــــــــــــــه ..
اخترق صوته الصمت لينتشلها من أفكارها .. فتجد نفسها تحدق به بذهول .. كان ينظر لها بطريقة غريبة ..
- هااااا .. ؟!!
عاد ليواصل تناول الغداء ..
- أقولج الليلة بنسير قدا هليه ..
.
.
ارتعشت أصابعها على الملعقة ..
لا .. أرجوك ..
لا تفعل بي هذا ..!!
.
.
ارتجف صوتها و دون أن ترفع عينها ..
- لا .. الليلة ماروم .. خلها باكر ..
- ليش ما ترومين ..
كان عليها أن تلفق عذرا ..
- تعبانــــــــــــه ..
رفع حاجبيه ساخرا .. لم يصدقها ..!!
- قيلي الظهر و العصر بيخوز التعب .. نحن ما بنسير إلا عقب المغرب ..
وضعت الملعقة جانبا و هي تتنهد ..
- منصور .. أنا ماريد أسير الليلة ..
كان صوته هادئا ..
- ليــــــــــــــــــــش ..؟
رفعت نظرها له بصراحة ..
- اليوم خذت لي يكفينيه من أمايا و حمدان .. ما فينيه أسير لبيتكم و يزيدونها هلك عليه ..
الآن كان يبتسم بطريقة أثارت حنقها ..
- هذا انتي لي تبين تشتغلين .. و مستعدة تتحملين كل شي ..
وضع الملعقة جانبا و حرك كرسيه تاركا المائدة ..
- و الليلة بنسير أنا و انتي عندهم .. مابا أرد المغرب الا و انتي زاهبة ..
.
.
كادت الملعقة الحديدية أن تنثني بين أناملها من شدة الغيظ ..!!


* * * * *


انتفضت من غفوتها على صوت المنبه ..
لتجلس مستوية على فراشها .. الساعة تشير للرابعة و الربع ..
نهضت و توضأت لتؤدي صلاة العصر قبل أن يفوتها وقتها ..
.
.
بعدها خرجت للصالة .. و هي ترتدي غطاء رأسها فبعد نصف ساعة سيأتي أخيه لاصطحابه ..
وقفت عند الشرفة الخلفية لتجد الخادمة قد وضعت القهوة هناك ..
استرخت على أحد المقاعد و هي ترتشف فنجانا من الشاي ..
و تنظر للحديقة التي أمامها .. خطر فبالها حديقة الدار التي التقت بحصة و سهيلة فيها ..
شعرت الآن بخمول شديد يمنعها من أن تأتي بالملفات و الإطلاع عليها ..ستجد الوقت لها مساءً حين تعود من بيت عمها ..
تنهدت ببؤس مفكرة بأنها ستواجه الكثير الليلة .. ربما سيكون ضيق عمها أقل وطأة من ضيق زوجته .. فعمها بطبيعته الحنون دائما ما يتعامل مع الأمور بعقلانية ..
و لكن أم منصور ..!! .. فكرت في تلك المرأة المتعلقة بأبنائها .. كان اختيار منصور لها زوجة صفعة لن تنساها .. فهي كانت تفضل أن يختار إحدى أُختيها على اختيارها .. رغم أنه كان واضحا بأنها ستكون له مستقبلا لما يشار لهما معا ..!!
منذ صغرها كان هو القدر الذي رُصد لها .. ابن عمها الأكبر .. هي له و لا يحق لها الاعتراض .. حقيقةً لم تفكر يوما بذلك ..
فقد كان شابا مميزا .. تطمع الأخريات في الوصول إليه .. و لكنه مشى ببساطة على خطة الأهل و تزوجها ..
كان بإمكانه المعاندة .. بإمكانه الرفض .. كان في يده أن يمشي على رأيه ضاربا رغبات العائلة عرض الحائط ..
خصوصا مع رفض أمه الشديد لها .. و إبدائها استياءها بوضوح .. رغم ذلك .. ها هي متزوجة منه منذ ثلاث أعوام تجاوزا فيهما الكثير معا ..
حتى أصبحا الآن يعيشان معا كالأغراب .. كل يوم يمر عليهما يزيد المسافة بينهما .. تراه أمام عينها .. تمد أناملها لتلامسه ..
و لكن يفصلها عنه ما هو أكبر من الخطوات ..
.
.
فكرت بأن موزه ستكون ممتنة لحياتها الحالية .. على العيش في هذه الدوامة ..
فالطلاق إذا كان انفصالا تاما .. يمكنهما من الابتعاد كل في طريق .. أفضل من هذا الجحيم الذي تعيشه ..
الجفاء .. فقدان القدرة على التواصل و الكلام .. انعدام الترابط بينهما إلا في حدود معينة ..
.
.
هذا هو الطلاق العاطفي ..!!
وضع يمزق قلبها الحائر إلى أشلاء ..
تنهدت بعجز ..لو كانت علاقتهما متينة قبل الحادث .. لما حولتهما الأيام إلى زوجين يعيش كل منهما عالمه منفصلا عن الآخر ..
و لكن هل حاولت اختراق عالمه قبل أن لومه على وضعهما هذا ..؟!!
لا يكفي سؤالها عن مدى تقدمه في كتاباته ليعيد أواصر الصلة بينهما .. و لكن هو الملام أيضا .. إنه لم يوجه لها سؤالا واحدا عن عملها اليوم ..!!
.
.
و توارد الخواطر ينقطع بفعل بوق سيارة توقفت في الخارج ..هذا مبارك بالتأكيد ..
لحظات و تراه يخرج بلباسه الرياضي يستند على عكازين و رجل ضعيفة ..
لا يستخدم العكاز أبدا إلا فيما ندرا نظرا لعطب إحدى رجليه و هوان الأخرى .. لا يستخدمها إلا حين يذهب للصالة الرياضية التي يرتادها لتمرين قدمه الضعيفة كي لا تلحق بالأخرى ..
فقد حذر كثيرا من أن رمق الحياة في رجله اليسرى سينتهي إذا ما لم تمرن باستمرار .. و بما أنه اكتفى بفقد اليمنى .. ما زال يحافظ على الثانية ..!!
مع مشيته البطيئة يستغرق دقائق ليصل للباب الخارجي .. و ها هي تراقبه و هو يتخطى بحذر ليصل للخارج فيختفي خلف الباب الحديدي ..
.
.
الآن لها أن تأهب نفسها لمواجهة ما بعد المغرب في بيت أهله .. لا بد أن أمه قد شحنت أسلحتها استعدادا لمهاجمتها .. تمنت من قلبها أن يكون عمها حاضرا .. ذلك بالتأكيد سيخفف الأمر عليها .. رغم أنها واثقة من أنه هو الآن معارض لعملها .. فكرت بأنه لو كان منصور على ما يرام لما خشيت مواجهة أحد .. و لكن هي الآن ضعيفة حتى أمام نفسها .. فجزء منها يشعر بالذنب حين تفكر بأنها ستخرج كل صباح تاركة إياه هنا ..
حاولت تخفيف اللوم على نفسها و هي تتذكر بأنه هو الآخر يعمل هنا ..
.
.
شيء واحد تأكدت منه ..
هذه الأمسية لن تكون هادئة إطلاقا ..!!


* * * * *


حين أوقف ساجد السيارة أمام بيت عمها شعرت بقوتها تخذلها .. طوال الطريق و هي تمني نفسها بشجاعة ..
لن ترد على أي من المهاجمات .. لا دخل لأحد بموضوع عملها سوى زوجها .. و هو الذي وافق عليه ..
ستتجاهل أي نغزة أو أي تحرش صريح .. ستتبادل الأحاديث و تتناول العشاء و تودعهم عائدة لبيتها .. و غدا هو يوم جديد ..!!
و لكن الآن و هي تقف أمام باب البيت لم يبدو لها الأمر بهذه السهولة ..
فتح السائق لزوجها الباب بعد أن أنزل كرسيه و قربه ليساعده على الجلوس فيه ..
نزلت مسرعه تلحق به ..
يتحرك دون حاجة لمساعدتها إطلاقا .. و مشت هي بجانبه بهدوء حتى وصلا إلى الباب الداخلي للبيت ..
حين وقع الحادث و أصبح محتجزا لهذا الكرسي .. و ضع أهله عند كل درج مطلعا مسطحا يسهل عليه التنقل في البيت ..
لذلك وصل بسهولة لتقرع الباب بهدوء قبل أن تدفعه و تتنحى جانبا سامحة له بالدخول ..
ثم دلفت خلفه ..
.
.
في بادئ الأمر ظنت أنهما هنا لوحدهما و لكن سرعان ما خيّب حدسها حين ارتفع صوت أمه مرحبة بهما ..
- مرحبا .. مرحبا و سهلا .. حيا الله من يا .. قرب قرب فديتك ..
عقدت أحلام جبينها ( قرب ) و ليس ( قربوا ) ..حرك كرسيه نحوها بسرعة لتستقبله بالأحضان ..
و تقدمت أحلام هي الأخرى منهما .. علاقتها بأمه كانت قد شهدت تغيرات نحو الأفضل بعد الحادث و رعايتها له .. صحيح أنها لم تبذل الكثير بسبب رفضه المساعدة .. و لكن وجودها هناك كان يكفي ..
و ما بين الحين و الآخر كان يعكر صفو الهدنة بعض التلميحات التي لا تصبر حماتها عنها ..
و ها هي نظرة الاستنكار تعلو وجهها و هي تسلم عليها ببرود شديد ..
- مرحبا يا بنيتي .. تفضلوا ..
قدم منصور كرسيه و جلست هي على الأريكة القريبة منه .. شعرت بنفسها بحاجة لدعمه ..
في حين استرسلت أمه تحدثه بحنان فائق .. منصور هو الابن البكر و المفضل لديها .. و إعاقته زادت تعلقها به ..
كبحت ابتسامة حين التفتت إليها لتسألها بشيء من اللوم في صوتها ..
- شحالج يا أحلام .. و عمتج شحالها ..
لن تستطيع مهاجمتها و هو هنا .. و لكنها بالتأكيد لن تفوت فرصة رمي التعليقات المبطنة .
- يسرج الحال عموه .. و أمايا - و تعمدت أن تشدد على الأحرف - بخير ..
التفتت مجددا لابنها ..
- و علومك فديتك .. ليش ما تيينا بدل حكرة البيت - و نظرت شزرا لأحلام و كأنها هي من يحبس إبنها هناك - ما تيينا أخبارك الا من مبارك ..
رد بصوته القوي ..
- و الله مشغول يا الغالية .. عنديه تسليم الكتاب شهر ثنين و أنا عدنيه ما خلصته .. و بعدين البيت تدلونه .. سيّروا علينا لا هنتم ..
.
.
كان الوقت يمر بطيئا ليس بسبب إحساسها بالملل .. بل الترقب .. تنتظر أن يأتي عمها و مبارك ليوضع العشاء و يضطر منصور لتركها هنا .. عندها سيبدأ الكرنفال ..!!
وقفت على قدميها حين أقبلت شقيقته نحوها بحبور ..
- هلاااااااااا و مرحبااااااااا .. اقووول البيت منور ... - و قبلت أخيها بحب قبل أن تلتفت لها - أوه أوه .. الدكتورة أحلام هنيه ..
ابتسمت أحلام بصدق حين سلمت عليها بحماس و جلست بجانبها و بعد أن تبادلت الأخبار مع منصور التفتت لها بشيء من اللهفة ..
- وااااااااااي .. أحلاااااااام اشتقتلج يا الدبة .. ليش ما تتصليبيه .. و الله يا بنات عبيد محد فيها الخير إلا لطفين فديتاا ..
- هههههههههههه ما يحتاي هاي على مدار الساعة شغالة ع التيلفون ..
نظرت لها شزرا ..
- و الله البنية أصيلة تعرف توجب العرب .. و إلا فيه some body تمر الشهور و ما يقولون بنرفع السماعة نتنشد عن ميثا .. يمكن حية و إلا ميتة .. ما علينا ..- أخفضت صوتها - سمعت إنج داومتي اليوم ..
نظرت أحلام لأمهم و وجدتها مستغرقة في الحديث مع منصور .. فهمست ..
- لطوووف خبرتج ..
- لا سمعت أمايا اليوم تتحرطم عند ابووية .. و تخبرت لطووف و قالتلي ..
- هييييه .. الله يستر عيل .. اسميها بتخشعنيه اليوم بالرمسة ..
- و الله ما بترحمج .. بس خلج متقبظة بمنصور .. ما ظنتيه بترمس قدامه .. تعرفينه ما يحب حد يكسر رمسته و الا يشارع فيها .. حتى أمايا ..
ابتسمت أحلام بسخرية .. لا تدري لما تشعر بأنه سيكون مستمتعا هذه المرة بالسماح لهم بتحطيم عزيمتها ..
قالت تغير الموضوع ..
- علومها اختج .. من عرست ما سمعنا حسها .. تولهنا عليها ..
- العنود ..؟ .. علومها طيبة .. تقولين ما صدقت عرست .. امررة ما تنشاف ..

ارادة الحياة 06-05-08 04:46 PM

بعد دقائق وصل عمها و مبارك للبيت ..
و جلسوا جميعا سوية .. لم يُفتح موضوع عملها حتى التفت لها عمها و قال بشيء من الاستياء ..
- أحلام .. يقولون انج اشتغلتي ..؟!!
من هم الذين ( يقولون ) ..؟
هزت رأسها و هي تنقل بصرها بينه و بين زوجته الذي تبين الامتعاض فورا على وجهها ..
- هيه عمي ..
- وين ..؟
- مستشفى الساد ..
اتسعت العيون بدهشة .. لم يكن أحد يدري بموقع عملها سواه .. فسأل مبارك ..
- و العثرة .. و شعنه فارينج هناك ..
- هذا الحاصل ..و هم خيرونيه و انا وافقت .. تعرف أنا أول مرة و ما عنديه خبرة ..
و هنا تدخلت زوجته لتقول بضيق شديد ..
- و شوه حادنج ع الغربلة .. الخير وايد و الحمد الله انتي هب محتاية شغل ..
التزمت الصمت و لم ترد .. و تابعت هي تقول ..
- أنا اشوف شغلج ماله دااعي .. أصلا نحن قاطعين الشغل عليكن و انتن في بيوت هلكن .. الحين ريلج طايح و متلعوز و كل يوم انتي مودرتنه بروحه .. امنوه بيداريه و يراعيه .. بشاكير البيت ..
كانت تصور منصور كالعاجز .. و رغم تقيّده بالكرسي كانت أحلام أبعد ما تراه عن العجز ..
رفعت عينها تنظر إليه .. وجهه الحديدي ينظر مباشرة لوجه أمه المنفعل .. لما لا يرد عليها .. هل يعجبه كلامها .. كان الصمت قد عم المكان .. لن يهب أحد لقطع هذا الحديث .. فالكل يوافقها الرأي ..
عادت أمه تقول بشيء من الحرّة ..
- الحرمة السنعة تقر فبيتاا و تحاتي حاية ريلها .. هب ترتغد فكل مكان .. بس شوه بنقول .. الواحد ما بيظهر إلا على أصله ..
.
.
و كانت هذه طعنة مباشرة ..
.
.
أغمضت عينيها بألم .. دوما توجعها هذه النغزات ..
اخترق الصوت الصارم عالمها المظلم و هي تختفي خلف جفنيها ..
- شريفـــــــــــــــة ..
هذا عمها ينهر زوجته .. و ذاك يجلس دون التفوه بكلمة .. تهان أمام عينيه و يتمتع بالمشاهدة ..
هبت واقفة في مكانها تكابر دمعة تحاول الفرار .. تبلع غصة تزاحمت مع الكلمات على شفير حلقها ..
تطالعها الأعين .. أين ستذهب الآن .. ؟ .. أي مكان ستلجأ إليه لتختفي عن هذه النظرات .. بعضها فضولي و البعض الآخر مشفق ..!!
.
.
و البعض أقسى من الصقيع ..!!
.
.
و كأنما شعرت ميثا بحاجتها للخروج من هنا .. وقفت هي الأخرى لتقول بسرعة ..
- تعالي أحلام بعدج ما صليتي العشا .. بنسير حجرتيه نصلي رباعة ..
تبعتها أحلام و هي تشعر بالإحراج الشديد .. ليس بسبب التعليق الذي ألقته حماتها .. بل لأنها شعرت بنفسها ضعيفة ..
شعرت بأنها محل للشفقة حين يؤذيها الغير و سندها يقف مكتوف الأيدي ..
كم كرهت هذا الإحساس .. حين هب عمها لإسكات زوجته فيما التزم زوجها الصمت .. تعلم أي قوة يمكنه فرضها هناك ..
لكنه فضل السكوت هذه المرة .. فضل أن يراها تتألم ..!!


* * * * *


ألقت بساعة يدها على طاولة الزينة بغيظ .. طوال الأمسية نسي الجميع ما قالته شريفة .. بالتأكيد سينسون .. لم يشعر غيرها بوخز كلماتها الشائكة ..!!
تفرك يدها بكريم .. و هي تراه يخرج بكرسيه من غرفة الملابس .. تشد على جلد يدها بقوة و تكاد تسلخه ..!!
لم يتفوه بحرف ..!! و لا حرف واحد .. و كأن شيئا لم يحصل .. لقد قالها بوضوح هذا النهار .. هي من أرادت العمل و هي من ستتحمل تبعاته ..
أعادت علبة الكريم للطاولة بشيء من الحنق .. ليلتفت لها بهدوء .. و كأنه يتعجب من هذا الإزعاج ..
ثم تقدم بكرسيه نحو السرير العريض ليثبته ثم ينقل جسده بمهارة إلى الأعلى و يستلقي ببساطة على الفراش .. لم تساعده قط في الاعتناء بنفسه .. يرفض أن تمد يد العون له ..
و هي الآن لا تهتم .. كانت تجلس على كرسي الزينة .. و هي تشعر بالألم يجتاحها ..لا تدري لما أصبح وضعهما الليلة لا يحتمل .. شعرت و كأنها على وشك الانفجار ..!!
و للمرة الأولى مذ عادا وجه الكلام إليها ..
- شوه عايبتنج اليلسة هناك ..
رفعت نظرها تقابل إنعكاس وجهه في المرآة ..
فتابع يقول ..
- نشي بدلي نبا نرقد ..
السخرية في صوته و هو يردف ..
- عسب ننش بدري وراج دوام ..
نكست رأسها .. و إحساس غريب بالوحدة يجتاحها ..
رفعت عينها مجددا تنظر إليه لتسأله بهدوء أخفى خلفه الكثير ..
- ليش خليتنيه أشتغل ..
لم يكن ينظر إليها .. كان يركز على زكرشة طرف السرير ..
- انتي لي بغيتي تشتغلين ..
- و انت كنت معارض .. شوه لي خلاك تغير رايك ..
و تلتقي عينيه بعينيها ..
- تعرفين ليش غيرت رايي .. نشي بندي الليت ابا أرقد ..
هبت من مكانها واقفة ..
- عيل يوم انك موافق ع شغليه .. ليش …..
و علقت الكلمات في حلقها .. لم تعرف كيف تعبر بأحرف بسيطة عن وقوفه بلا حركة و هي تتعرض للإحباط ..
فقط قال ببروده المعتاد ..
- ليش شوه ..؟
.
.
تهدج صوتها و هي تمنع نفسها من البكاء ..
- ليش تحاول انك تحبطنيه ..
- ما حاولت أحبطج ..
رفعت صوتها بانفعال ..
- بلى .. قلتلك انيه ماريد أسير بيت هلك الليلة .. و ان حمدان زعلان و امايا مرمستنيه .. هب ناقصة حد يغثنيه .. بس انته عايبنك الوضع .. عسب كذيه سمعت أمك تعق رمستا عليه .. و ما سويت شي ..
.
.
لم يرف له جفن بعد كلماتها تلك ..
و لا رد فعل على رأيها سوى صوته المخيف الذي قال بقوة ..
- قصري حسج و لا تصارخين ..
.
.
عضت على شفتيها بقوة و هي ترى انعكاس القسوة في عينيه ..
هبت من مكانها متوجه لخزانة الملابس العملاقة .. تلتقط منها ثوبا لتصفق بابها .. و تخرج من الغرفة ..
لا يهمه ألمها و شكواها .. لا يهمه سوى مستوى صوتها الذي تحدثه به ..
.
.
شعرت بالاكتئاب الشديد ..
كل يوم يمر عليها هكذا .. هدوء مستمر .. برود يقشعر له قلبها ..
كل يوم يزيد الفجوة بينهما و تتسع الهوة بلا قرار ..
.
.
واثقة من أن الصباح سيحمل هدوءه المعتاد .. و بقليل من الحظ سيأتي الليل و الهدوء هو السيد هنا ..
تطمئن نفسها مؤكدة بأن هذه الأحداث هي النتيجة على عملها .. و عملها هو أن تعلم بأن لكل فعل .. ردة فعل ..
و كم هي محطِمة ردة الفعل هذه ..!!
.
.
تلك الليلة حين استلقت في الظلام تنشد الرقاد الذي بدا أنه سكن جفون أخرى غيرها ..
شعرت بأن أول يوم في العمل كان حافلا .. دفعها للتفكير بأن الأيام المقبلة ستحمل في طياتها الكثير ..
كم تحتاج لتغيير جذري .. !! .. لكن هذا التغيير لن يأتي إلا إذا كافحت للوصول إليه ..
أول عقبة في طريقها هو حالة الطلاق العاطفي بينها و بينه .. عليها أن تردم الهوة بينهما ..
لم يكونا بهذا السوء من قبل ..
.
.
و لكن ضيع كل منهما الآخر في زحام الأيام ..!!
.
.
حين تصل إليه ستجد الحلول لكثير من المشاكل ..
عندها ستستطيع مساعدة تلك الحالات ..
الحـــــــــــــــالات ..!! لم يعد هذا الاسم ذا جدوى .. فالحالات غدت ملامح و أوجه و أسماء تشار بها ..
أصبحوا أناسا مثلها قد تستطيع مساعدتهم ..!! و لكن هل تستطيع حقا ذلك و هي عاجزة عن مساعدة نفسها ..؟!!
.
.
.
فكرة أخيرة طرأت ببالها و النوم يناوش عيناها ..
لم تطلع على الملفات المهملة تلك ..!!
.
.
لا بأس سيأتي الغد ..
و غدا هو يوم آخر ..


* * * * *
●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الثانيــــــــــــــــــــــــــة▌○●


.
.
أقبل الصباح بسرعة لعينيها التي لم تُروى نوما ..
فاستيقظت بعجل و هي ترى الساعة تشير للسادسة .. لم تصلي الفجر ..!!
الفراش بجانبها خالٍ .. هذا يعني أنه استيقظ للصلاة و لم يوقظها .. فهو لا يرقد بعد الفجر أبدا ..
قضت صلاتها .. و راحت تستعد للعمل رغم أنه لا يزال أمامها ساعتين .. و لكن حمى حماسة الأيام الأولى كانت تخالجها ..
لذلك كانت الساعة تشير للسابعة إلا ربعا حين انتهت .. توجهت لتناول الفطور .. فلم تجده في الصالة ..
.
.
يعتكف الشرفة الخلفية هذه الأيام ..!!
و كعادته مندمجا في كتابته .. و أنامله تتقافز برتابة على لوحة المفاتيح ..
- السلام عليكم ..
يرد بهدوء ..
- و عليكم السلام ..
لم يبدو أن مواجهة الأمس قد عكرت صفو بروده هذا الصباح .. لا زال راكدا لا يتزلزل ..
كان غارقا في روايته حين التقطت خبزه تدهنها بالجبن ..
- كم باقي لك ..
رفع نظره .. ثم رأت الإمعان يلمع في عينيه و هو يراها جاهزة للذهاب ..
- فصلين و الفصل الأخير ..
تصب بعض الشاي في فنجانها و هي تسأله بعينها ..
- جاهي ..؟!!
هز رأسه رفضا .. فعادت تسأله .. و هي تلبي رغبة خفية في إلهائه عن تلك الشاشة ..
- يعني بتروم تسلمها في الوقت المحدد ..
- إن شا الله ..
لماذا تبدو نهايات كلماته قاطعة ..؟!! .. و كأنما يريد إسكاتها .. و لكن العشر الدقائق التي ستجلسها هنا ستزعجه .. ستعمد إلى ذلك بسرور ..
- على فكرة فيه نقطة أغفلتها .. يعني حسيت فيه ثغرة في الرواية ..
رفع نظره و تغلغل وجهه البارد شيء من الاستهزاء ..
- انتي ما قريتي إلا المسودة الأولى .. يعني هب في موقع حكم ..
قالت بعناد و بقايا عزم الأمس لا زال تحضها .. اكسري الحاجز أحلام ..!!
- لا هذا كان تفصيل أساسي له تأثير في القصة .. بس إذا انته ما تتحمل النقد البناء برايك ..
نظر لها بغرابة للحظات .. صحيح أن الحديث قليل بينهما .. و لكنه ليس معدوما اعتادت سؤاله عن روايته و لكن مناقشته فيها .. عاد ينظر للحاسوب بهدوء .. و لولهة ظنت أنه سيتجاهلها .. لكنه قال و هو يدير لها جانب وجهه ..
- سمعينا .. شعندج ..
تجاهلت فرحة خرقاء شعرت بها .. حين طلب منها إسماعه رأيها .. لذلك تروت لثوانٍ قبل أن تقول ..
- شخصية سعيد المصاب بالإيدز - مرض فقدان المناعة المكتسبة - كانت بداية قصته و نهايتها مبهمة .. يعني ما حسيت بأدنى فايدة و إلا انيه خذت شي يديد من قصته .. زواجه من أجنبية و انتقال الفيروس له منها .. و اكتشافه لإصابته .. أستغرب انك وضعت نهاية قصته عند هالحدث ..
خفق قلبها بقوة .. رغم أن يتظاهر بالنظر للشاشة .. إلا أنها متأكدة من أنه ينصت لكلماتها .. لقد حازت على اهتمامه ..
- يعني هو كان الويه الخيّر في الرواية و رمية في دوامة اليأس بهالطريقة يقتل الشخصية .. لأن القارئ بيحس بالظلم إن سعيد ما غلط كل ما في الموضوع إن الأقدار لعبت وياه لعبة قاسية ..
قال بهدوء ..
- المرض ماله علاج ..
ابتسمت و هي تشعر بالتفوق ..
- غلط .. له علاج و لكن ما ينتج إلا بكميات قليلة مخبريه تكلف ثروة .. و أنا ما أقترح انك تشفيه .. بس خلنا نشوف في الأحداث كفاحه و معاناته .. تمسكه بالأمل .. كلنا تضيق بنا الدنيا بس نلقى فرج بعدها ..
هل خيّل إليها أن طرف شفاه يرتعش ..؟!! تابعت بقوة ..
- يوم كنت في الفترة التدريبية في توام .. يانا مريض عنده اكتئاب حاد .. هب أنا لي تابعته طبعا .. بس أنا تلقيت المحاضرة الأساسية عنه .. كان مكتئب تعرف ليش ؟ .. لنه ما يروم يحصل شغل .. يقول كلما قدم لشغل رفضوه .. أنا أستغرب .. الريال يقول عنده شهادة .. ماشي سوابق عسب ينرفض .. في الأخير تعرف شوه طلع السبب ..
لم يستطع منع طفو الفضول على وجهه ..
- السبب إن ويا الملف ورقة مرفقة تقرير طبي من المستشفى .. مكتوب عليها .. ( لائق طبيا ) بس وين المشكلة .. المشكلة هي الفاصلة لي تتبعها .. و كلمة / حامل لفيروس الايدز ..!! .. أنا انصدمت .. الحين الريال فيه الايدز و ياي يتعالج من الاكتئاب صدق ما عنده سالفة .. بس الدكتور حذرنا من هالنظرة الغبية .. الريال ندم و أكبر عقوبة تلقاها هي الفيروس لي انتقل له من إبرة مخدرات ملوثة .. خسر بيته .. و عياله و حرمته .. خسر شغله و كل شي .. الحين صار بلا نفع .. المجتمع حوّله لعالة.. كيف بيصرف على عمره و يعيل عياله و هو ما يشتغل ..؟!! أصلا وين المكان لي مستعد يقبل مرضى بهالفيروس .. محد ..
.
.
انحبست أنفاسها في حلقها و هي ترى طيف ابتسامة جانبيه على شفتيه .. لم تعرف إذا كانت سخرية أو شيء آخر ..
- انزين و شو وجهة نظرج انتي ..
بلعت ريقها تقول ..
- أنا أشوف انّا مفروض نعطي هالفئة فرصة .. بناء منشئات خاصة بها و إلا تسمح لهم الدوائر انهم يشتغلون في أماكن تمنع الاختلاط أو نشر العدوى .. لن المجتمع بهالشكل بيحول المريض لي مفروض انه ندم لحاقد عليه .. بيصنع من المريض المنفي وحش يسعى للانتقام من المجتمع لي رفضه ..
تقطعت أنفاسها حين أطلق ضحكة صدئة من غياهب حلقه .. نادرا ما يضحك ..
- وااايد درامية انتي .. هالسوالف ما تيي غير في الأفلام ..
عقدت حاجبيها في غيظ .. هل يسخر منها ..!! .. وضعت فنجان الشاي على الطاولة .. و التقطت حقيبتها ..
- هذا رايي و انته طلبته .. و بعدين اليأس و الرفض يسوي أكثر عن هالشي ..
بدا الغموض على وجهه و هو ينظر لها متأملا ..
.
.
أشاحت بوجهها بسرعة .. و هي تلعن لسانها المنزلق .. لا تدري لما راودها شعور بأنها أخطت بعبارتها الأخيرة ..


* * * * *


أوقفت سيارتها في الموقف الذي أشار له حكيم بالأمس و ترجلت متجهة نحو باب الدار .. كان شعور خفي بالذنب يلح عليها و هي تحمل الملفات التي لم تقرأها .. فكرت للحظات بأن تقضي فترة الصباح الأولى بقراءة الملفات .. و لكن تذكرت قول زكية بأن الأولى التي سبقتها كانت تعمد للأمور المكتبية أكثر .. فلم تشأ أن تبدأ أول يوم لها بالعمل الجدي بين جدران مكتبها .. اكتفت بوضع الملفات على طاولتها الخشبية .. لتخرج من المكتب ..
ستحاول استشفاء المعلومات الموجودة في تلك الأوراق من أفواه أصحابها .. و قررت تجاهل الملفات إلى حين ..
بدت الدار هادئة لحد ما .. الساعة تشير للتاسعة إلا ربعا .. توجهت نحو استراحة الممرضات تبحث عن زكية .. يجب أن يكون لديها خلفية عن موعد استيقاظ نزلائهم هنا على الأقل ..
وجدت تلك في غرفة الاستراحة تحدث نفس الممرضة التي كانت تقرأ لخليفة بالأمس و قد تعرفتها باسم سماح .. و في اللحظة التي رأت فيها أحلام صاحت بحبور ..
- صباحك سُكّر يا مدام أحلام .. تفضلي ..
ابتسمت لها أحلام و هي تجلس على أقرب أريكة لها ..
- صباح النور زكية زاد فضلج .. اشحالج ..
- زي البومب .. ازيك انتي .. باين عليكي متحمسة أوى ..
- هيه و الله .. خاطريه أشتغل من الحين ..
ضحكت زكية ضحكة فرحة ارتجت لها أرجاء جسدها المكتنز ..
- طبيعي دا انتي لساكي في أول أيامك ..
- ابا أعرف الحين .. متى بالضبط ينشون ..
- دول ناشوا يا ستي .. من الساعة سبعة ..
- بدري ..!!
- همّا كدا .. حتشربي شاي ..؟
هزت رأسها رفضا ...
- لا ابا اسير اشوفهم ..
.
.
خرجت من الاستراحة متوجه نحو الممر الذي يضم غرفهم .. و من الطريق الذي أتت منه مع زكية بالأمس ..
فتتوقف أمام أول باب صادفها .. رفعت يدها تقرع الباب الموارب بشيء من القوة .. ليأتيها الصوت القديم .. الغابر ..!!
- إقــــــــرب ..
أطلت برأسها تبتسم ..
- قريبة .. السلام عليكم ..
اتسعت ابتسامته الطيبة تكشف عن ضرس مفقود و هو يهتف ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا .. مرحبا .. يا الله حييها ..
رغم أنه لم يلتقي بها إلا بالأمس إلا أنه بدا سعيدا للغاية لرؤيتها .. دخلت أحلام تاركة الباب مفتوحا على اتساعه خلفها .. لتقترب من الرجل المسن الذي كان يجلس على السجادة و يتكئ على المخدات القوية و ترفع صوتها ..
- لمرحب بااقي .. شحالك بو ثااني ..
- بخير و سهالة .. شحالج يا بنتي ..
- يسرك الحال .. شوه تخدم يالس روحك ..
ابتسم يشير للتلفاز الذي كان مدارا بلا صوت .. و هذا ما وجدته أحلام غريبا نظرا لضعف سمع الرجل ..
- أطالع الأخبار .. يلسي يلسي ..
جلست أحلام على طرف السجادة المتواضعة في حين سألها بوثاني ..
- شوه اسمج ..
ابتسمت أحلام ..
- أمس مخبرتنك اياه .. اسمي أحلام ..
- أحلام بنت من ؟
- بنت عبيد ..
زأر العجوز بصوته الصدئ ..
- و نعم و الله ..
- النعم بحالك ما عليك زووود ..
ظل الرجل ينظر للأسفل للحظات قبل أن يعود فيقول ..
- بو كيمره وينه ..
دست أحلام يدها في جيبها تخرج هاتفها المحمول ..
- هاذووه ..
و مدت به نحوه .. و لكنه هز رأسه رفضا ..
- لا .. لا .. و لو بتصورينيه حطي لمية ..
ضحكت أحلام بخفة .. و أمعن النظر فيها قبل أن يقول بفضول ..
- انتي بنت غبيشة ..
عقدت أحلام حاجبيها .. من غبيشة ..؟؟!!
- لا أنا هب بنتاا .. منوه غبيشة ..؟
تنهد الرجل بصوت عالٍ ..
- هيييييييه غبيشة بنت سعيد .. خيرت القوم .. أنا ما حيد قبلتاا من ورا البرقع .. غير عيونها ترد لعيونج .. انتي ما تعرفينها ..
هزت أحلام رأسها .. فقال الرجل بصوت يحمل الشوق .. لا تدري لماذا ؟!!
- أيام أول يوم كنت بعدنيه صبيّ .. كنت أشوفاا يوم تشل السعن و فيه الكاامي .. توديه صوب خالتاا .. يا حي و الله ذيك العرضة .. علي بالرفقة ينها راحت بلاش ..
كتمت أحلام ضحكتها و هي تقول بصوتٍ مرتفع ..
- بو ثاني حرام ترفق بعمرك ..
نظر لها دون أن يعي ما تقول .. فتابع يقول ..
- تقول وديمة ختيه انها ما قرت عند حريز الا ثلاث سنين .. خلاف فكها .. و انا ما كنت في الدار و الا ما خليتاا .. كنت هناك في الهند .. نتشرا الرقع و البهار و الحديد و نييبهن هنيه و نبيعهن دبل السعر .. العرب تتشرا .. ما تحصل لي تباه الا عدنا .. وين هاييك ليام .. عقبها أنا عرست و معاد سافرت .. بس ما خذتاا غبيشة .. مادريبها كان ردها حريز و الا خذت غيره .. الله يذكره بالخير حريز .. مخاوي شماا .. وديمة ختيه تقول إنها يت العين .. و أنا عقبها بعشر سنين حولت العين .. انتي ما سمعتي بالشاعر يوم يقول ..
عقلي و روحي داخل " العين " .. و إلا هنا جثة بلا روح
مسكين عشاق المزايين .. مثل الغريق اللي على لوح
الحب كم طبع ملايين .. راحو و أنا بالمثل باروح
يا من سقاني كاس حرفين .. و أصبحت في لفراش مطروح
إن غثتني يا كامل الزين .. نلت الأجر و أنقذت لك روح
.
.
ردت بابتسامه ..
- رووح .. صح لسانه الشاعر ..
ابتسم مجددا ..
- صح بدنج ..
جذبتها نبذة الماضي هذه .. كان يكشف لها بوضوح صورة قديمة عاشها يوما ما .. فسألته باهتمام ..
- و يوم عرست منوه لي خذتاا ..
لاحت نظرة حزن فريدة على وجهه .. لم يبدو متألما أو مجروحا .. أو شيئا من هذا القبيل .. كان انعكاس الألم في وجهه جميلا بحق .. حزن يخالطه الحنين .. شيء يجعلك تشعر بأن تفتقد ما يفتقد هذا الصدق في عينيه ..!!
- خذت أم ثااني الله يرحمها .. و تمت وياية الين ربج خذ أمانته .. حتى يوم عرست عليهاا .. زهبَت مكانيه و فراشيه و حرمتيه .. و يوزتنيه .. و باتت في الحجرة لي عداليه .. و يوم أصبح الصبح نشت و قربت ليه الريوق .. أم ثاني بنت العرب لياويد .. حريم أول ما تلقين شراتن اليوم .. دارت ليام و أم معضد توفت .. و تمت أم ثاني صابرة وراها .. اتخاون يوم خذتهن .. الوحدة منهن ما تلبس الثوب يديد الا و الثانية عندها شراته .. الله يرحمهن .. الله يرحمهن .. وين الواحد يحصل شرات هالحريم .. الحين بنات اليوم مقاليع .. الوحدة منهن لسانها يلوط اذنيها .. امررة ما فيهن خير ..
ابتسمت أحلام بصدق .. كان في كلام الرجل إخلاص لا يصدق لبنات جيله .. و رغم أن اشارته لبنات اليوم قد تكون تشملها .. الا أنها لم تشعر بالمهانة بتاتا .. فيما تابع و هو يضيق عينيه متذكرا ..
- حريم أول بينهن المقاليع .. غير هب كلهن .. عندج سالفة بنت سند .. ما تدرين بسالفتاا .. عنبووها هاييك إمررة ما تحشم حد .. بس أحيدهم يقولون ظاربتنهاا عين و الا الحرمة محد أخير عنها ..
.
.
تشعر الآن بأن الزمان عاد للوراء عشرات السنين .. في هذا العجوز شفافية تجعل بامكانه إحاطتك بعبق الماضي .. ابتسمت و هي ترى أسلوب التشويق في حديثه ..
- أنا بخبرج لو ما عندج علمها .. هاي يا بنيتي ..حرمة محد شرااتاا في العرب .. شيخة .. في طولها و طبعها .. حي ذيك العين و الله .. أنا أشهد إنها راحت عليّه .. الحرمة سناافية .. موجبة و تعرف سلوم العرب .. يقولج إنها خذت واحد من هل الغربية .. و سكّنهاا العين .. خلاف يوم يابت له ثلاث عيال صكوها بعين .. و تخبلت .. تظرب العرب .. و تهد عليهم .. و الحرمة العوفة محد يباها .. لكن ريلها ما ودرها .. شل عمره و شل حرمته و ويه قدا السلع .. و يقولج انه حل في مكان محد فيه الا هو و اياها و عيالهم .. و يزين لها و يقرب لها ..
.
.
و لوح بيده بحماس ..
- و الريال ما يعيبه شي .. الرسول يخدم ويا هل بيته .. نحن هب أكرم عن الرسول .. و يقولج إن الريال تم متقبظ بحرمته و ما خلاها .. و عقب سبعة شهور ردوا العين و الحرمة ما بها شي .. صاااحة .. و صاحية .. و عودها راوي و مرتااحة .. ها خبرينيه إمنووه الحين يتم ويا حرمته كذيه .. بس ويين .. هذا زمان لول .. العرب نفوساا طيبة و صافية .. و نواياها بيظا .. و الا الحين .. الواحد ما طيح عينه الا على الشين .. ايييييييه يا بنت ... امنوه أبوج ؟!! ...
- عبيد ..
- اييييييييييه يا بنت عبيد .. لول الحريم موجبات يقربنا في بيوتهن لو البيت خالي من الريال و يحطن القهوة .. و محد فخاطره شي ع الثاني .. و الحين عيال اليوم لو تقربينبه فر الرقم و شرد .. يعلهم العوق .. الواحد معثور ماله الا المغازل و ما يعرف سلووم العرب ..
.
.
.
.
و يسترسل الرجل في حديثه و صوته المهتز يتردد بين جدران الغرفة .. تنظر أحلام لوجهه بعمق .. فتغرق في شيء لا تدري كنهه .. كان الرجل يرسم ببساطة صورة أثيرية ..
نقية .. أعجبها ما رأت فيها .. و تمنت للحظات لو أنها عجوزا .. غزا الشيب شعرها .. و تجعد منها الوجه ..
و لكن تكون قد عاشت تلك الحقبة .. سيكون فيها دورها محدودا .. و خط سيرها مرسوما ..
أو كانت مشاعر زوجها و تصرفاته ستختلف في ذلك الدهر البعيد ..؟!!
أسدلت أهدابها ببطء تخفي ما أوشكت عيناها على فضحه .. و كأنما أراد بو ثاني بحديثه أن ينبش ما تدفن في أعماقها ..
ليست حياة تلك التي تعيشينها أحلام .. فأنت محاطة بأسوار .. لا تحرّرك ..
لا سبيل للخروج ..
لا سبيل ..
.
.
إلا بهدمها ..!!

* * * * *

ألقى بالقلم على سطح الطاولة ..و أدار كرسيه ليمشي به متوجها نحو النافذة .. يبدو البيت ساكنا في غيابها ..
رغم أن الحديث بينهما يكاد معدوما .. إلا أن لها وجودا في البيت يلمسه .. و يفتقد غيابه هنا ..!!
تلك الأحلام البعثرة .. المشتتة .. هل تدري حقا ما تريد .. أم أنها لم تصل بعد إلى معرفة ذلك ..؟!
.
.
كلماتها التي ألقتها قبل الرحيل تدوي بقوة في عقله .. الرفض و اليأس يفعل أكثر .. نعم هو يعلم ذلك جيدا ..
لن يدرك أحد مرارة الرفض و قسوة اليأس أكثر منه .. هو الذي حطمه نهاية طموحه بإقعاده على هذا الكرسي ..
الرفض الذي جعل منه هذا الرجل .. ذو كرسي احتجزه و احتجز آماله .. و لكنه هنا الآن .. وجد سبيلا للخلاص شيء حرر فيه الروح إذا حكم على الجسد فناء .. كان توجهه للكتابة هو طريقه للحرية .. حرية الفكر .. النفس .. و لكن ليس المشاعر ..!! الدليل ..؟
بروده و حالة الجفاء و طقوس النبذ التي يمارسها في بيته .. هل تشعر بالرفض الآن .. هل هي واقعة تحت وطأة اليأس .. هل يخنقها عجزه هي الأخرى .. لقد لمسه .. لمس في صوتها المتوسل القنوط حين طلبت منه أن يسمح لها بالعمل .. و من أجل ذلك حطم قيود أخرى كانت تربطها .. العادات .. و ها هي تعمل .. لما إذا يشعر بالندم لسماحها بالعمل .. لا يظن أنها الفكرة الرجعية و التقيد بما تفرضه المعتقدات .. لا ينكر بأن لتلك نصيبها .. و لكن إحساسه المتملك قد حاز الجزء الأكبر ..
هو يخشى أن تستهويها الحرية .. خائف جدا من أن تستسيغ طعم الانطلاق في الخارج بعيدا عن عجزه الذي يقيّده ..و يقيدها ..!!
هل ستنطلق الأحلام تاركة إياه لوحده .. و كرسي ..؟
لن يعلم ذلك .. لن يعلم حتى يفتح لها النافذة .. لتجرب التحليق .. يريد أن يثق من أنها ستعود دوما لعشها ..
حتى لو كان الفضاء عشقها ..
.
.
للحظات عادت الكلمات ترن في أذنيه .. الرفـــــض .. اليــــــأس .. هي لن تشعر باليأس الآن .. و لكن ماذا عن الرفض .. إذا كانت لا تزال متمسكة بحياتها معه .. فهو يدفعها بوضعهم هذا الذي لا يطاق إلى الفرار ..
حالهم أشبه بالجحيم .. يكاد يفني كل شيء .. هو السبب ..
أَ يلومها على ما هم فيه .. لا .. بل يلوم نفسه كل يوم ..
.
.
لأنه يعاقبها على ما آل إليه حاله ..
.
.
دفع كرسيه عائدا لمكانه خلف المكتب الخشبي ..يجد أحاسيسه في هذه اللحظة حائرة .. لماذا عاد الآن ليفكر بكل هذا ..؟ .. هل هي كلماتها .. أم أنه حديثها معه هذا الصباح .. هل أعجبه تبادل الكلام معها ؟ ..
بتأكيد .. فذلك الإحساس الخفي بالنشوة و هو يراها تناقشه فيما يخصه قلَب شعوره .. هو يحرم ذاته من أن يلمس الحقيقة بينهما .. يقطع التواصل .. و يعدم الحوار ..
.
.
فإذا لم تجد هي ما تريد هنا .. لا مانع إذا من أن تبحث عنه في مكان آخر ..!!
عقد جبينه بضيق .. ما هذه الأفكار التي تغزو روحه .. لن تفعلها أحلام .. لن تفعلها إلا إذا دفعها إلا ذلك ..
و لكن هل هناك أكثر من التجاهل و الرفض يدفع المرء لارتكاب الأفظع .. أكبر دليل على ذلك هو .. لقد ولّد الرفض الذي تلقاه رفضا لكل ما حوله .. حتى عندما اهتدى للطريق الذي وجد فيه ما يفقد .. فضل الاستمرار على هذا المنوال ..
ضغط بإصبعيه على صدغه .. كأنما يريد سحق تلك الأفكار ..
شيء واحد أدرك أن عليه القيام به ..
.
.
إصلاح حالهم هذا و لو استغرق الأمر وقتا طويلا .. لكي لا يكون لديها سبب لتتذمر من الرفض ..
.
.
و إعادة النظر في نهاية شخصية المصاب بالايدز ..!!
لذلك التقط هاتفه المحمول يضرب أرقاما يعلم أن خلفها من قد يساعده في هذا ..

ارادة الحياة 06-05-08 04:58 PM

و تردد الجدران صوت الذاكرة .. صدى الألحان العتيقة .. يشدو بها مترنما .. متمتعا ..
.
.
- في دفتره حر يحمل رقمه الأخضر .. رمز الإمارات يتسجل بلوحاته
أسبق من النود بسرعة إلى دبر .. و البعد ما سايقه يحسب مسافاته ..
تسرح من العين فوقه يعل ما تغضر .. في داعت الله لي تسلم وداعاته
.
.
يعيش لحظاته الخاصة ناسيا وجودها هنا ..!!
مستغرقا في صدق يوم قد مضى .. و تجلس هي تراقبه .. كان رجلا طيبا .. تشعر بميل شديد نحوه .. عفويا .. و صادقا .. و رغم جسده المضني .. كان إحساسه قويا .. يبث قوة حوله بذكرياته ..
.
.
سطوة إحساس تستشعرها في حديثه .. يجبرها على احترام تلك الأحداث الغابرة .. و كم تعني له ..
تشعر بأنها في هذه الجلسة قد علمت ما يكفي عنه .. عن الرجل الذي تشعر الآن بعطف شديد نحوه .. و اشمئزاز لأبنائه ..
في هذه الجلسة تم إلقائها بطريقة ما للماضي لتنتشل من هناك فجأة فتبعثر مجددا في حاضرها ..
تقف على قدميها ببطء .. و تتوجه للباب و ما زال هو مستغرقا في تلك الأغنية الغابرة .. ستعود إليه قريبا .. و ستستشف بعناية ما حال قلبه بعد خذلانه و الإيتاء به هنا ..
واربت الباب خلفها و الصوت ينسل من الشق بصخب .. هذا رجل بإحساسه .. لا يريد إلا أن تعلو كلمته حتى الرحيل ..!!
تحركت ببطء من أمام بابه تبغي متابعة البقية .. و أمام باب الشاب توقفت بهدوء .. تخذلها شجاعتها هنا .. لا تجد في الروح قوة لأن تنسل لتلك الغرفة .. فترى أمام عينيها تلك الصور المؤلمة .. صوَرُه و هو مسجى على ملاءة بيضاء .. وجهه الشاحب مليئا بالكدمات يلمع تحت الأضواء الصفراء الشاحبة .. لا يفصله عن الموت شيء .. و أصبح إخماد الروح قريبا في تلك اللحظات الحرجة .. قاب نفسٍ أو أدنى ..!!
أغمضت عيناها .. اللـــــه تعـــــالى كان أكبر .. أكبر من يأسهم .. و من كلامهم .. و من كل شك خالطهم في رحمته .. ها هو هناك حيّ يرزق .. بلا خطوات .. و لكنه حي .. ذلك يكفي .. و الحمــــــد للـــــــه ..!!
فكرت لولهة أنها لن تبالي .. بجفائه .. خشونته .. قسوته .. تلك هي حياة على أن يرقد و فوقه يردم تراب .. و تعيش هي على ذكرى من كان عالمها ذات ألــــــــــــم ..!!
.
.
ابتلعت غصة تخنقها و هي تكابد دمعة حمقاء استدعتها الذكرى فأتت مسارعة .. هذا الألم الذي يجتاحها لمجرد ذكرى .. يخالج أهل هذا الشاب الراقد بلا قدرة خلف هذا الباب ..
شاب قد يشعر بما حوله .. يحتاج لأمل .. لفرحة .. لشيء يفسر سبب هذا الجسد الميت بلا حركه ..
- مــــــــــدام أحـــــــــلام ..؟!!
أجفلت بقوة و هي تلتفت لتلك التي نظرت لها متسائلة ..
- زكية الله يهديج روعتينيه ..
ابتسمت زكية لتختفي عينيها خلف خديها المنتفخين ..
- معليش .. دانتي كنتي سرحانه بئى ..
بللت ريقها الجاف و هي تقول ..
- شوي .. وين سايره ..
رفعت يدها التي تحمل صينية طعام .. و تهز كتفيها ..
- دي أم حميد مش عاوزة سوما تديها الابرة .. هيا دايمن كدا بس لمن أكون في إجازة بتاخودها ..
- بلاها على هالمسكينة ؟
- و أنا عارفة ؟!! .. دي ما بتلطفش بحد غير أبو عبدالرحمن و الست حصة .. و مالهاش دعوة خالص بحد غيرهم ..
عقدت أحلام جبينها .. شعرت بأنها ستواجه شيئا مختلفا مع هذه المرأة التي رفضتها منذ اليوم الأول ..
- ما خبرتج تراها قالتليه انها ما تبانيه أتابعها ..
- آآه دي حتى آلتلي .. بس ما تخديش بالك .. انتي ديلوئتي اشتغلي عادي لحد ما نشوف ليكي حل .. عاوزه حاقة ؟
تذكرت فقالت بسرعة ..
- هيه بغيت أسأل .. خليفة يحس باللي حوله .. ؟
- آآه أكيد .. هو انتي ما شوفتيش سماح بتقرا ليه البارحة ..؟
تذكرت أحلام الممرضة و الكتاب فهزت رأسها بسرعة ..
- خلاص عيل مشكورة ..
- تحت أمرك ..
و تركتها زكية و توجهت لغرفة أم حميد .. عادت أحلام تنظر للباب المغلق قبل أن تأخذ نفسا عميقا و تمد يدا مرتجفة فتدفع الباب .. و دلفت الغرفة بعجل .. لتقع عينها عليه ..
كان مستلقٍ بلا حراك في فراشه يحملق في السقف .. هل شعر بدخولها ..؟!! لن تعلم ..
اقتربت منه بهدوء و هي تتأمل وجهه .. كانت لحيته مشذبة بعناية .. و ملابسه نظيفة .. من الواضح أنهم يعتنون به جيدا هنا .. دنت من السرير أكثر و توقفت قريبا ..
لا يفصلها عن طرف الملاءة إلا خطوة .. و ذكرى بعيدة ..!!
همست بصوت مرتجف لا تدري كيف وجدته ..
- السلام عليكم ..
.
.
و لا صوت إلا الصمت ليرد ..
بلعت ريقها و هي تشعر بأن هناك من يراقبها .. من سيراها تتحدث هكذا سيظنها مخبولة ..!!
- أنا أحلام عبيد .. مستشارة نفسية .. آآممم .. ياية عندكم هنيه عسب اساعدكم .. آآ .. انته تسمعنيه ..؟!!
شعرت بالسخافة كيف سيرد على سؤالها الأحمق .. هزت راسها بتوتر لتعود فتقول ..
- اسمحليه .. خليفة مادري كان تسمعنيه أو لا .. بس أنا برمس وياك .. و اذا سمعتنيه بيوصلك لي أباه .. و اذا ما سمعت محد بيدري بخبالي غيري ..!!


* * * * *


ناولت زوجها فنجان القهوة و هي تعاتبه قائلة ..
- يعني انته عايبنك لي تسويه بنت خوك .. مودرة ريلها المريض في البيت و تراكض في الدخاتر ..
التقط الفنجان من يدها .. و راح يرتشفه بهدوء ..
- لا هب عايبنيه .. بس ريلها و راضي و محد له كلمة عليها غيره .. و بعدين حتى لو سوت ما سوت .. انا كم مرة مخبرنج حركاتج هاي تودرينها .. البنت ما يخصج فيها ..
وضعت طبق التمر أمامه بقوة و الغل بادٍ على وجهها ..
- شوه بعد ما يخصنيه .. ماخذة ولديه ..
- ماخذة ولدج و بتنغزينها كل ما يت هنيه بالرمسة .. عيب يا شريفة .. انتي حرمة كبيرة و عاقل .. شوه هالحركات ..
قالت بغيظ ..
- و أنا ثرنيه شوه قلت .. الحق ينقال .. لو ميوزين منصور موزة قبل لا تيوزونها لولد مطر .. و إلا ميوزينه لطيفة كان أخيرله .. ع الأقل نعرف أمهن و بنت عرب .. فازعين تفرون عليه بنت هندية مادري من وين خوك مظونها ..
أعاد فنجان القهوة بشيء من القوة ليقول بصرامة ..
- و إذا بنت هندية يعني .. كافرة ..؟ .. و بعدين الهندية ما سوت شي غير انها يابت البنية .. مريم هي لي مربيه أحلام و يا خواتاا .. و إلا أمها من يابتها طلقها عبيد .. الحين شوه لي حارنج ..
- لي حارنيه مابا يدود عيال ولديه هنود .. العرق يحن .. و بيي يوم و بتشوف البنية تبا هلها ..
مسح أبو منصور وجهه بصبر ..
- يا بنت الحلال عيني خير .. هلها عندها و ما تبا غيرهم .. انتي لي لفكار توديج و تييبج .. و بعدين أقولج ترا أحلام طيبة .. و ما عليها قاصر .. غير انتي لي تهدين عليها ..
ردت بضيق ..
- أنا ما أهد على حد .. بس هي ما تراعي ريلها ..
- و انتي شدراج ..
- ما تشوفها فارة ولدك روحه و سايرة تشتغل .. أنا ابا أعرف كيف فرت مخ منصور و خلاها تشتغل .. أكيد مسويتله شي ..
نهض زوجها من مكانه ..
- تعوذي من ابليس يا شريفة انتي من دريتي ان الحرمة تشتغل و انتي قالبة الدنيا علينا ..
أشاحت بوجهها دون أن ترد على كلامه ..
ذلك أكثر ما يغيظها ..
ولدها الأكبر المستقل ذو الشخصية القوية .. يخضع لتلك المرأة .. و يتركها تعمل ..
.
.
ما الذي سيقوله الناس ..؟
أنهم عاجزون عن سد حاجتها بعجز ولدهم ..!!
تلك الدخيلة .. ابنة الهندية ..



* * * * *


خرجت من غرفته و هي تتنفس الصعداء .. و كأن حملا ثقيلا أزيل عن كاهلها .. نظرت على طول الممر الخالي .. لتتوجه يمينا نحو بقية الغرف .. شعرت براحة غريبة تدب في أوصالها .. خليفة اقترب من حتفه كثيرا و نجا .. لا بد أن تلك كانت تجربه مزقت روحه و شتتتها .. الحديث معه بلا ردود لصدى أسئلتها كان مريحا .. شعرت بأنها تتغلغل ببطء في حنايا خوف ظل يسكن فؤادها لزمن ..!!
وصلت لباب أم حميد .. لم تنسى مكان حجرتها لسببين .. الأول أنها تعرفته بالأمس .. و الآخر هو صراخها المدوي الذي بدأ من جديد يرجم الكلمات بلا هوادة ..
- لا بركتن فيكن .. حشاا هب آدمياات انتن ما في قلووبكن رحمة .. عيووووز ما بينيه و بين القبر إلا شبر .. صبرن عليه لين رب العالمين ياخذ أمانته .. لو يدري بسواتكن بو عبد الرحمن ما بتن هنيه ليلة وحدة .. هذا ملح .. ملح .. لو تفتينه أملح ذبيحة يعلكن مالح يسمكن.. بيرفع الضغط عنديه .. خافن الله .. بيحاسبكن ع أذيّتيه ..
فتح الباب بقوة .. ليطالع أحلام وجه زكية الذي كان هادئا و ضيق خفيف يلمع في عينيها .. و هي تقول في صبر..
- معليش يام حميد صبرك علينا .. أنا رايحة أغيرهولك ..
ثم أضافت و هي تنظر لأعلى ..
- ما تزعليش دا الزعل حيئتلك ..
تعالى صراخ العجوز مجددا و أغمضت زكية عينيها و هي تتمتم بعجز ..
- و بلاااج تقولينها كنج تدعين عليه هااا .. ادريبج انا ودج انيه أفارق اليوم قبل بااكر ..
- و الله مادعيش يا ستي و مش عاوزين فرائك .. دنتي - و أشارت بيدها بقوة - عسل على أولوبنا ..
- آآه منج و من خراطج .. هب عون غير في صف الرمسة ..
تنهدت زكية بشيء من اليأس ..
- أم حميد حيأزن الظهر و حكيم ما عملش حاقة ..
- شوه شايفتنيه قاطعتج عنديه .. توكلي .. يالسة تهذر .. حللن المعاش لي تسرطن من وراه .. لا تيي عيشتكن حرام ..
هزت زكية رأسها .. و لعجب أحلام كانت شبه ابتسامه تناوش شفتيها ..
- لا حول و لا قوة الا بالله ..
أشارت أحلام لها بأن تقترب فهي لا تود أن تنال نصيبا من سباب أم حميد ..
- رب ما شر يا أم حنفي ..
تنهدت زكية بشيء من الراحة لتوقف صراخ العجوز الذي تحول لدمدمة مسموعة ..
- ما فيش حاقة يا ختي .. دي أحيانا تجيها حالات و ما فيش لي بيرضيها .. كل حاقة باطلة و ما تعجبهاش .. مالناش الا الصبر .. بس ما تدخوليش خالص .. دي حتاكلك ..
ابتسمت أحلام ..
- ما فكرت حتى .. بشرد صوب سهيلة و حصة ..
ثم قالت و هي تنسل بسرعة من أمام الباب ..
- الله يعينج ..
.
.
وصلت بسرعة أمام باب الغرفة المجاورة لغرفة أم حميد .. توقفت للحظة أمام الحجرة بحيرة .. هل هذه لحصة أم لسهيلة ..؟ ستعرف حالا .. فتمد يدها لتقرع الباب بخفة .. و حالما داهمها الصـــــوت العميق أدركت لمن تعود هذه الغرفة ..!!
- تفضـــــــل ..
دفعت أحلام الباب بهدوء .. و تدلف الغرفة الباردة .. كانت المرة الأولى التي تزور فيها هذه الحجرة .. لم تكن تختلف كثيرا عن الغرف السابقة الا بالكتب المرمية على طاولة القهوة .. جالت بعينها في المكان .. لتلتقي وجه صاحبة الغرفة أمامها مباشرة تستلقي على السرير ..
التي ابتسمت حالما طالعها وجه الأولى .. كان الاحساس مختلفا بحق .. هناك سلام و طمأنينة .. جو من السكون يحيط بهذه المرأة .. شيء غريب أن تدفعها لهذا الشعور و هي لم تلتقيها إلا بالأمس ..
- السلام عليكم ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا يا بنيتي ..
شعرت أحلام بشيء من الخجل يراودها .. رغم ذلك لم تغفل عن التعب الذي كسا وجه المرأة الضئيل .. و هي تمد يدها بشيء من الارهاق .. تشير لأريكة قريبة من سريرها ..
- قربي ..
جلست أحلام على الأريكة و عيناها لا تفارقان وجه المرأة الذي بدا مختلفا عن الأمس .. للحظة غبية شعرت بالحيرة .. بما عليه أن تخاطبها .. حصة .. أم فلان .. أم ماذا .. سرعان ما قالت ..
- شحالج خالوه ..
كان حنانها ملموسا ..
- بخير يعلج الخير .. انتي شحالج ..
- يسرج الحال ..
حركت المرأة نفسها ببطءو هي تتأوه ..
- آآآه و الله ينه هد حيليه التعب .. خبرينيه يا بنيتي .. شوه قلتي اسمج ..
ابتسمت أحلام .. هذا ثاني شخص نسي إسمها ..
- أحلام خالوه ..
- أحلام .. أحلام .. سمحيليه فديتج .. الكبر شين .. أحلام شوه بتسوين هنيه ..
كان سؤالا يوجه لها المرة الأولى .. ما الذي أتت لتفعله هنا ..
- بتابعكم ..
- هيه قالتليه زكية .. بس ليش ..
- هذا شغلي ..
- ادري .. انا اسأل ليش يابو دختورة نفسية هنيه ..
للحظات شعرت بأن هذه المرأة تحمل على الأقل قليلا من الثقافة .. فقد اعتادت من الكثيرين التعامل مع الاطباء النفسيين بشيء من الحساسية لم تظهر في صوتها .. محقة هي .. ما الذي أتت تفعله هنا .. هل ستظل تتابعهم بحثا عمّا يخفون من آلام الروح و مداواتها ..؟
- أنا هب دكتورة خالوه .. أنا مستشارة .. يعني أساعد الناس في حل مشاكلهم و الا أساعدهم في الكلام عنها .. تعرفين الواحد يرتاح يوم يفضفض عن لي فخاطره ..
قالت المرأة و هي تتمعن بالنظر فيها ..
- و انتي تساعدينهم لنج تبين هالشي .. و الا لنه شغلج ..؟
ابتسمت أحلام بإخلاص ..
- اساعدهم لنيه أفرح يوم أحس انيه رمت أخلي شخص قريب منيه يحس بالراحه ..
بادلتها حصة الابتسام ..
- يزاج الله خير .. كم عمرج ..؟
- ست و عشرين سنة ..
- معرسة ..؟
ابتسمت أحلام .. ما هذا ..؟ تحقيق ..؟!!
- هيه ..
- عندج عيال ..
هزت أحلام رأسها رفضا .. تتمنــــــــــــى ..!! .. قال حصة و هي تومئ برأسها ..
- الله يرزقج إن شا الله ..
قالت أحلام تحول مجرى الموضوع ..
- شكلج ميهودة اليوم ..
تذمرت حصة بهدوء ..
- هيه أحس انيه هب رايمة أرفع صبوعيه من التعب .. و عظامي مكسرة .. الحمد الله ع كل حال ..
نظرت الأخرى لأطراف أصابعها .. و سؤال يدور في ذهنها لم تمنعه من الخروج ..
- آآآ .. خالوه ليش وقفتي العلاج ..؟
استرخت تلك في جلستها أكثر متأوه .. ثم التزمت الصمت لثواني ندمت خلالها أحلام على سؤالها المتعجل .. لكن المرأة عادت لتقول بهدوء ..
- ما كان فيه تقدم .. ذبحنيه الكيماوي ع الفاضي .. و هد حيليه .. كل يوم أحس عمريه أخس عن الثاني ..
قالت أحلام بقوة ..
- حتى و لو كان صبرتي .. يمكن العلاج يقتل كل الخلايا المريضة .. كل شي بيد الله و ما شي يعسر عليه ..
هزت تلك رأسها بابتسامة هادئة ..
- و نعم بالله .. بس لا يا بنيتي .. أنا كنت أدري إن العلاج ما منه فايدة .. ليش عيل أعذب عمريه بعلاج ما منه خير .. اذا ربيه راد انيه أموت بموت ما بيردنيه كيماوي .. الحين أنا مرتاحة .. صح أتعب بس يخوز و المسكنات تنفعنيه ..
قالت أحلام بشبه ابتسامة ..
- هذا يأس ..
هزت الأخرى رأسها نفيا ..
- هذا استسلام لحكم القدر .. ما بقى من العمر كثر لي راح .. و أنا لو بغيت أموت .. ما با موت و هاك السم في عروقيه ما يخلينيه أحس بآخر أيامي .. أبا أشوف أنا وين و منوه لي عنديه ..
.
.
كانت الكلمات تلامس أذني أحلام بصوت مسالم .. مع ذلك كان لها وقع صاخب ..
هذه المرأة تتحدث عن حتفها القريب بلا مبالاة غريبة ..!! هل تتظاهر بالشجاعة ..؟ .. أم أنها لا تعلم ما هي مقبلة عليه ..!!
فكرت أحلام للحظة قبل أن تقول ..
- عندج عيال ..؟
نظرت لها للحظة .. لترى أحلام انعكاس انكسار خلف تلك العينين الواهيتين ..
- هيه عنديه ولد .. انتي خطفتي على أم حميد ..
.
.
تغيير ممتاز للموضوع .. لا بأس ..
- لا ..
- ليش ..؟
- متروعة ..
ضحكت بتعب ..
- من شوه ..؟
- منها .. ما شفتيها يوم تسب ..
ابتسمت حصة ..
- لا شفتها و وااايد بعد .. بس ما عليج أم حميد شيخة و طيبة .. و قلبها أبيض ..
رفعت أحلام حاجبها بشك .. لم ترى أيا من هذه الصفات في تلك العجوز الشرسة .. لكن حصة حافظت على ابتسامتها الهادئة و هي تقول ..
- هذا لنج ما تعرفينها بس يوم بتعرفينها زين بتحبينها ..
هزت أحلام رأسها رفضا .. لا تعتقد أنها سترى في تلك المرأة ما يُحب ..
- وين أعرفها .. أنا لو أحدر حجرتها فرتنيه بنعول ..قايلتليه بلسانها ما تباني أتابعها ..!!.. خالوه و الله اليوم مخشعة زكية ما خلت رمسة ما عقتها ..
- زكية متعودة على طوالت لسانها .. و أم حميد أنا بشور عليج بشور يخليها هي لي تطلبج تتابعينها ..
بدا التساؤل على وجه أحلام .. و لكن حصة قالت بتعب ..
- ساوي المخاد عدال بعض يا بنيتي .. كسرن ظهريه ..
هبت أحلام بسرعة تعدل المخدات الناعمة لتسترخي عليها حصة مجددا .. و تتنهد .. قبل أن تنظر لأحلام بامتنان ..
- يمانٍ ما تعدم .. شوه كنت أقول .. هيه .. أم حميد ..
ثم نظرت لأحلام بتأمل قبل أن تقول ..
- بقولج شي .. أكثر واحد منا محتاي مساعدة هي أم حميد .. حاولي يا بنيتي تتقربين منها .. هاي العيوز ما سم لسانها الا الكايد ..
رغم ما حملت الكلمات من غموض الا أن أحلام هزت رأسها موافقة .. فتابعت المرأة بصوتها المرهق ..
- أباج من الحين ما تيين صوبها .. و لا ترمسينها و لا تحاولين تتقربين منها .. انسيها بالمرة ..
فتحت أحلام عينها بدهشة ..
- بس هذا شغليه ..
- أدري و اسمعي رمستيه ما بتندمين .. أم حميد امررررة لا تقبلين قداها .. و عقب كم يوم بتشوفينهاا هي لي تباج ..
عقدت أحلام جبينها بعدم فهم .. فقالت حصة بهدوء ..
- شرات ما قلتلج .. أم حميد طيبة و قلبها أبيض تقولين ياهل .. و لو شافتج تدارينا و هي لا .. ما بطيع .. لازم كل شي شراتنا و الا هي قاصرة عنا .. فهمتينيه .؟
هزت أحلام رأسها ..
- يا الله بنشوف و أمرنا لله ..
ثم قالت بابتسامة .. تطالع وجهها الصغير و قد أضناه الألم ..
- أنا بخليج الحين خالوه عسب ترتاحين .. تبينيه أزقر زكية تعطيج مسكن ..؟
هزت حصة رأسها رفضا ..
- لا .. خليج هنيه يلستج تونس ..
نهضت أحلام و اقتربت منها و هي تقول ..
- مرة ثانية بخطف عليج الحين لازم ترتاحين .. شي فخاطرج ..
- سلامتج فديتج ..
- الله يسلمج ..
.
.
و تحركت أحلام نحو الباب لتخرج منه و تغلقه خلفها بهدوء .. ليصبح حاجزا بينها و بين تلك المرأة ..
ثم تقف و هي توليه ظهرها .. تأخذ نفسا عميقا .. تحمّله شيئا مما يختلج في صدرها فتطلقه ..
لم تعد بحاجة لتلك الملفات الملقاة على مكتبها .. لا تريد أن تعرف عن أوضاعهم الاجتماعية .. أو كم من أيام العمر ولّت .. أو حتى ما تحويه الأجساد الفانية من علة ..
لا تريد أن تخبرها الأوراق ما تستطيع هي أن تقرأه في أعينهم .. و ما يمكنها لمسه في أصواتهم من إخلاص و صدق .. هي واثقة بأنها لن تسمع صداه بين دفتي ذلك الدفتر الاصفر ..!!
لم تعد لها رغبة أن تطيع الكلمات التي خطت .. و بإمكانها أن تشعر بصدق إحساسهم يرسمها وجودهم .. و حديثهم الصادق .. يروي لها في كل مرة حكاية قديمة ..
عن أمنية خافية .. و حزن دفين .. و ذكريات تذوي..
.
.
و أحـــلام منسيــــة ..!!

.
.
رفعت رأسها تلقي نظرة على باب حصة .. تلك روح أسلمت أمرها لما تخفيه الأيام .. لا ضمان لها على البقاء و مقابلة الغد .. لاضمان .. سوى ايمان عميق بأن أجلك آت لا ريب لو دمت .. و أنك محاسب على الغيب إذ مت ..!!
دفعت قدميها للمشي متوجه نحو الغرفة الأخيرة .. كل قلب في الدنيا مهما ضؤل حجمه و احساسه .. له قصة قد تبقيه مسهدا .. و إن كان بعضا منها لا يذكر ..
توقفت أمام باب الحجرة التي كانت على يقين بأنها لسهيلة .. و رفعت يدها تقرع الباب بخفة .. مرة .. و مرتين..
و لا مجيب .. أدارت قبضة الباب بهدوء و دخلت الغرفة ...
.
.
تقف في منتصفها و ابتسامة رقيقة تعلو شفتيها .. شعرت بأنها في حضانة ما .. هذه الغرفة المطلية باللون الوردي و تتوزع على جدرانها صورة شخصيتين كرتونية لطالما رأتها في ملصقات الأطفال و طوابع كتبهم .. و لا تذكر اسميها .. هناك دب متوسط الحجم رمادي اللون بدا عليه القدم ملقي على الفراش الخالي ..
الآن هي متأكدة بأن هذه الحجرة تعود لسهيلة .. فقد رتبت و أعدت بعناية لتناسبها ..!!
تقدمت من طاولة ألقيت عليها مجموعة من القصص الصورة .. هل تقرأها الشابة ..؟
.
.
- مداام ..؟
أجفلت بفزع و هي تستدير فتراه .. ما بالهم اليوم كل واحد يفزعها في أحد الغرف ..!!
نفس الوجه الكالح الذي استقبلها بالأمس .. يقف عند الباب متسائلا و بيده صينية صغيرة مستديرة فارغة .. عيناه الصافيتين تسألانها ..
- انتا ريد ساهيلا ..
أومأت برأسه .. فأشار بيده و هو يهز رأسه بحماس ..
- ساهيلا داخل استراحا ..
ثم ابتسم تلك الابتسامة التي رأتها بالأمس .. الإنسانية تقطر من هذا الوجه النحيل الأسمر بشكل عجيب ..
.
.
توجهت نحو الاستراحة العامة .. و وصلتها لتدلف من الباب المفتوح .. كان التلفاز مدارا .. و الاثنتين تجلسان على الأرض و تقومان بتركيب صورة مفككة .. زكية و سهيلة التي سرعان ما قالت بحبور حين رأتها ..
- آآحـــــــــاام ..
ابتسمت أحلام بفرحة .. على الأقل لا يزال هنا من يذكر اسمها .. شعرت بتعاطف و هي تنظر لوجه الشابة المتطلع لها ..
- مرحباا .. سهيلة شحالج ..
نظرت سهيلة لزكية ضاحكة ثم أعادت النظر لأحلام .. هذه الطفلة الكبيرة لا تخبو السعادة عن وجهها ..
- بخييييير ..
اقتربت أحلام تجلس على الأرض قربهن ..
- شوه تسوون ..؟
أشارت سهيلة بيدها للقطع المبعثرة ..
- آآكب صووا ( أركب صورة )
قالت أحلام لها ..
- بركب ويااج ..
رفعت سهيلة رأسها مستفسرة لزكية و كأنما تطلب منها الأذن ..
- زكيييية ..
ابتسمت زكية بحب ..
- يا ألب زكية .. - ثم التفتت لأحلام - ركبيها يا ستي دنا غلوبت و ما عرفتش ..
أمعنت أحلام في الصورة الصغيرة التي يتوجب اتباعها .. كانت صورة لنفس الشخصيتين المعلقة في حجرة سهيلة ..
- آآهاا .. لا ما عليه بنركبها أنا و سهيلة .. صح ..
صفقت سهيلة بيدها ..
- صاااح ..
و رحن يركبن القطع بتركيز ..
- صاااح ..
و رحن يركبن القطع بتركيز ..
- هاا ام حنفي .. شو سويتي ويا أم حميد ..
تنهدت زكية بشيء من البؤس ..
- ما تسأليش يا ختي .. دي ما هديتش خالص النهاردة .. و أنا جيت أشوف سوهيلة لحد ما تئوم من النوم .. انتي عارفة .. دا حكيم كل يوم بيعمل الخبز رقاق بتاعها و ما اشتكتش من الملح .. علي النعمة يا ستي انا زئتوه ما فيش ملح زايد .. دي بس عاوزه حاقة تشتكي منها ..
وضعت أحلام قطعة بجانب أخرى .. و راحت تعدل من وضع واحدة وضعتها سهيلة في غير مكانها و هي تبتسم ..
- زكية ما يوز تقولين علي النعمة ..
تمطت زكية و هي تقول ..
- يا ستي .. دحنا ملناش الا الصبر دي حالات بتجيها بس .. و الله أوئات بتكون حاقة تانية خالص .. انسانة طيبة .. و بتدحك ..
بدا عدم التصديق واضحا على أحلام ..
- تضحك ..!!!
- ههههههههههههه .. آآه يا ستي تضحك انتي فاكرة ايه دي حتى بتحب الكلام كتير .. سوهيلة يا حبيبتي .. في ايه ..؟
التفتت أحلام للفتاة فانصدمت برؤية وجهها المذعور و قد اتسعت عيناها بخوف شديد .. تبعت أحلام نظهرا فوجدتها تنظر للتلفاز المدار ..
سهيلة ترتجف بقوة .. و هي تأن بشيء من الفزع .. فهبت أحلام لتطفئ التلفاز .. حالما انقطع بث الجهاز ..
بدت الراحة فورية على وجهها الطفولي .. و نظرتها الفارغة تتأمل أحلام بضياع ..
قبل أن تعود الأخيرة لمكانها و تتظاهر بأن شيئا لم يحصل .. و لكن زكية عادت لتسألها ..
- سوهيلة يا ضنايه .. عاوزه حاقة ..
نظرت سهيلة لأحلام بشيء من الخجل قبل أن تقترب من زكية و تهمس بصوت وصل لأذني الأولى ..
- حمــــام ..
رفعت زكية جسدها الثقيل بجهد كبير و هي تقول ..
- أوي .. أوي .. تعالي يا حبيبتي .. مدام أحلام سواني و راجعين ..
واصلت أحلام ترتيب القطع بهدوء دون أن ترفع رأسها ..
- خذن راحتكن ..
خرجت الاثنتين من المكان تاركتين أحلام تواصل صف القطع بذهن مشغول ..
.لماذا أثارت الصورة في التلفاز رعب سهيلة ..
هي متأكدة من أن التلفاز كان مدارا حين دخلت و لم تكن على وجه الشابة ردة الفعل الغريبة هذه ..!!..
ذلك لا يعني سوى شيء واحد ..
.
.
أن صورة الكلب التي كانت تعرض في تلك اللحظة أثارت ذعرها ..!!


* * * * *


كانت ساعة السيارة تشير للثانية و خمسين دقيقة حين أوقفتها في كراج بيتها .. تلتقط حقيبتها و تترجل منها ..
التعب يغزو جسدها .. و رقاد لم تقضه بالأمس يناوش جفنيها المثقلين .. دلفت البيت .. و توجهت مباشرة لجناحها .. ستغير ملابسها لتتناول الغداء معه يمكنها بعد ذلك أن تخذ قسطا من الراحة قبل أن تذهب عصرا لبيت أهلها ..
طلبت من الخادمة تجهيز السفرة ريثما تذهب لتراه ..
توجهت مباشرة لمكتبه لا بد أنه فيه .. بالأمس كان يعتكف هناك .. قرعت الباب بخفة .. ثم أتاها الصوت يأمرها باختراق الحاجز الخشبي ..
- ادخــــــل ..
أدارت المقبض و هي تسحب نفسا عميقا .. لتدفع الباب و تواجه المكتب الخالي .. أدارت رأسها فوجدته مستلقيا على الأريكة الوثيرة و بيده ملف يطالعه .. سرعان ما أغلقه و وضعه جانبا .. و نظر اليها بهدوء ..
لا تزال هي واقفة بالباب ..
- السلام عليكم ..
أسند نفسه بصعوبة ليستوي جالسا ..
- و عليكم السلام ..
عادت لذهنها محاورة هذا الصباح .. هل كان ذلك حقيقيا ..؟!! اقتربت ببطء منه لتقف على بعد خطوات .. و احساس منه ..
- شحالك ..
ما زال يمعن النظر فيها ..
- بخير ..
و ربت بجانبه على الاريكة ..
- تعالي ..
خيل لها للحظات بأنها لم تسمع ما قال ..
- هااا ..؟
عاد يقول بهدوء ..
- تعالي يلسي ليش واقفة ..؟
نظرت له بحيرة دون أن تتحرك قيد أنمله ..
- ييت أخبرك إن الغدا زاهب ..
هز رأسه باصرار ..
- بنتغدا .. تعالي يلسي .. ابا ارمسج ..
بدأ قلبها يخفق بقلق .. يريد أن يحدثها .. لا يطلب ذلك الا لشيء مهم .. كانت الأفكار تتخبط في ذهنها الحائر .. هل سيطلب منها أن تترك عملها .. ؟ لا .. كان سيأمرها بذلك و هي واقفة .. يريد منها أن تجلس .. يريد أن يقول لها شيئا برفق .. لماذا ..؟؟ هل هو خائف من ردة فعلها لما سيقول .. ؟ .. ما الذي قد يـ ....
.
.
لا يا إلهي .. ليس ذلك ..!!
.
.
.
كان ينظر لها بعجب .. فقد بدت مذعورة .. تنظر اليه و كأنه كان غريب .. قدماها متجمدتان لا تتحركان ..
- أحــــــــــلام ..
اخترق صوته حيرتها .. شعر بشيء يشبه الضياع في أفق عينيها المتسعتين خوفا ..
- تعالي يلسي ..
دفعت قدماها دفعا .. لتجلس بجانبه .. تضم ركبتيها .. و قبضتي يديها في حجرها بقوة .. قلبها يخفق بعنف ..
أصابته هو الحيرة الآن .. لماذا كل هذا الخوف لأنه طلب منها الجلوس ..؟ .. دائما تجلس معه دون نظرة الرعب هذه ..!!
لا يدري لما انتابته الشفقة نحوها .. ليمد يده و يمسك قبضتها المشدودة .. يدلكها برفق و هو يقول ..
- أحلام .. شفيج ..
رفعت عينيها و صوتها يرتجف ..
- انته لي شفيك .. شوه السالفة ..
لولهة التزم الصمت قبل أن يقول بهدوء ..
- ابا ارمسج عن لي استوا البارحة في بيت هليه ..
.
.
أطلقت أنفاسا تحتجزها في صدرها .. أ يعقل .. !! هذا فقط .. نظرت اليه بشك .. ماذا يخفي بعد ..؟
سحب يده و نظر لأمامه مباشرة .. و هو يقول بقوة ..
- انا هب ياي اراد في الرمسة لي قالتها أمايا عن شغلج .. تعرفين مع انيه وافقت ع شغلج الا ان الموضوع هب عايبنيه .. انا مابا حرمتيه تشتغل .. بس أنا عطيتج كلمة و على كذيه مضطر انيه أخليج تكملين السبع شهور في المستشفى .. و انا اشوف لي قالته أمايا ما يعيبه شي ..
.
.
الدموع تسد حلقها الآن .. تلك التي كانت تقف على شفير المقلة تنتظر شيئا آخر تحولت لرثاء على النفس .. سيدافع عن أمه لأنه يوافقها الرأي .. أما عنها فهي من تجاوز و اخترق الخطوط المرسومة لها .. هي من سعت للعمل ..
بلعت عبرتها و هي تقول بمرارة ..
- عيل ليش تبا ترمسنيه ..
تنهد و هو يلقي كلماته بسرعة .. خيل لها لولهة بأنها قد أخطأت السمع ..
- ابا أعتذر ..
كان قلبها يدق بعنف الآن .. هل سمعته جيدا ..؟ أم أنها تتوهم ذلك ..لم تنظر لوجهه لكن صوته الهادئ كان به نبرة غريبة ..
- لنيه سمعت أمايا تنغزج و سكت ع السالفة ..
شعرت أحلام بشيء من الدوار .. لقد دعاها للجلوس .. و يقول الآن أنه يعتذر .. ردعت دمعة حمقاء سارعت لعينيها .. رويدك يا دمعة .. لربما كان هذا حلما أخرق
.. ابقي في حدود الجفن و لا ترحلي ..
لا ينقصني اذلالك ..!!
.
.
كان وجهها متألما .. لا ينكر أن الاعتذار كان صعبا عليه .. و لكنه شعر بأنها تتعرض لضغط هائل من جميع الأطراف .. و رغم أنه لا يؤيد خروجها للعمل و لكنه وافق .. و لا يرضيه أن تشعر بالضيم بسبب أحكام الغير
قالت بالأمس أنه يحبطها .. ربما كانت محقة و ربما كان ذلك نتيجة رغبة خفية في دفعها لترك العمل .. بدا ذلك في عينه خبثا ..
تنهد و عينه ما زالت متعلقه بوجهها الحزين .. اعتصر يدها برقة .. و هو يقول بنفس الهدوء ..
- أحـــــــــلام ..
ما زالت تنظر للأسفل و هي تقول بصوت خافت مرتجف ..
- منصور عادي .. انا متعودة على نغزات أمك .. الحين نش خل نتغدا ..
كانت تخفي عينيها عنه .. لماذا ..؟!! قال بصرامة ..
- أحلام طالعينيه ..
ترددت لحظة قبل أن ترفع عينها له .. كان وجهها محمرا و تبدو على وشك الانفجار بالبكاء .. شعر بالشفقة عليها ..
- شفيج ..؟
هزت رأسها عاجزة عن الكلام .. فعقد جبينه متسائلا ..
- أحلام ..؟
بلعت ريقها ..
- ما شي كنت خايفة بس ..
- من شوه ..
- يعني يوم زقرتنيه عسب أيلس .. خفت قلت يمكن شي مستوي ..
نظر لها بغرابة دون أن يفهم ..
- مثل شوه ..
.
.
قالت كاذبة ..
- يعني تحريت حد من هليه مستويبه شي ..
نظر لها بامعان قبل أن يقول ..
- لا ما استوى شي ..
أومأت برأسها ..
- ما بتتغدا ..
- بتغدا .. ثبتي لي الكرسي ..
هبت من مكانها و ثبتته باحكام و نقل هو نفسه بسرعة له .. ليدفعه نحو غرفة الطعام تلحق به ..
كانت تلك لحظات غريبة .. لولا لمساته التي لا زالت تشعر بها على يدها .. لاعتقدت أنها تحلم ..
كان قرار خروجها للعمل صائبا .. لقد فجر شيء ما هنا ..
لقد زعزع بروده .. و كم أسعدها هذا التغيير الطفيف .. تلك الدقيقة التي عاشتها في المكتب شعرت بها مسروقة من الماضي .. من حياتهما قبل أن يحل شؤم عجزه عليها ..
.
.
تلك نافذة فتحت لها .. ما زال منصور .. الرجل الذي تزوجت موجودا في مكانٍ ما .. في أعماق هذه النسخة الباردة ..
كل ما عليها فعله هو أن تبحث عنه .. لتعيده اليها ..
بدت لها تلك الأمنية بعيدة التحقيق .. و لكنها قد سمعت في مكان ما أنه لا يوجد هناك ما هو مستحيل .. كل شيء ممكن .. المستحيل يستغرق وقتا أطول فقط ..
و على هذه الأفكار التي تجتاحها تبعته لغرفة الطعام .. و أمل خفي يسري في نفسها ..
.
.
كن معي يا ربي .. و بثني الايمان و الصبر ..
ما زال أمامي الكثير لأذيب كتلة الثلج هذه ..!!


* * * * *
>>
تتمة



- هاي ثاني مرة يسويها .. يخطف من عداليه و لا كنيه موجودة .. موزان حتى ما يقول السلام عليكم ..
كانت مسترخية على الكرسي الخشبي الهزاز قاسي الظهر في غرفة اختها التي وقفت عند نافذتها المطلة على الشارع تتأمل العالم الخارجي بصمت تستمع لتذمرها من جفاء ذاك.. لتقول الأخرى بصوتها الرقيق ..
- حبيبتي .. هذا حمدان و هذا اسلوبة .. الحين هو زعلان و مقاطعنج .. يباج تودرين الشغل ..
تمطت أحلام ..
- يتحرانيه بهالاسلوب بطيعه .. بس و الله حركته تيبس راسيه و تخلينيه أعاند .. محد له خص فينيه الا ريليه .. و اليوم لي يوزنيه فيه منصور طاحت كلمته عليه ..
التفتت لها موزة بهدوء ..
- استغرب من عمووه شريفة ما سوت شي .. أنا قلت بتشل الدنيا و تحطها .. غريب هالبرود ..
شخرت أحلام ساخرة ..
- منوه قال ما سوت ..
اقتربت موزة لتجلس أمامها باهتمام ..
- شوه سوت ..
- امس سرت بيتهم .. و تمت تتحرطم عليه .. و تقول مالج حاية في الشغل و مادري شوه .. حتى انها سبتنيه ..
بدت الصدمة على وجه أختها
- شوووه ؟؟؟
قالت أحلام بلا مبالاة ..
- هيه و الله .. قالت أونه كل واحد يطلع على أصله ..
وضعت موزة يدها على فمها .. و مدت الأخرى لتمسك بيد أحلام ..
- ما عليج منها .. هذا من حرتها .. و لو كان منصور هناك .. ما تستانس تـ ...
قاطعتها أحلام بهدوء و هي تنظر لزرقة السماء تطالعها من الخارج ..
- منصور كان موجود ..
قالت موزة بحماس ..
- و شوه قال ..
- هه ما قال شي تم ساكت .. بس عمي سكتها .. و الله غيظها ما برد .. بتتصيد لي موزان ..
- لا تخافين منها .. المهم الحين خبرينيه .. شوه دوامج و شوه الناس لي وياج ..
نظرت لها أحلام شزرا ..
- خلي دوامي الحين و قولي .. أمس الرمسة السخيفة لي قلتيها ما عيبتنيه .. نحن شوه قلنا ..
أطلقت أختها ضحكة خفيفة بدا واضحا أنها مصطنعة ..
- صدق ما عندج سالفة .. بس كذيه قلتها ما كنت أعني شي ..
نظرت أحلام لها بعدم تصديق .. انقطعت الضحكة و اختفت الإبتسامة من على وجه موزة .. لتلفت مجددا للنافذة .. تنظر للسماء البعيدة متأملة .. و الشرود الكئيب يرتسم بقوة على وجهها الجميل .. و بعد لحظات تسيدها الهدوء اعترفت بخفوت ..
- انتي تلومينيه ع رمسة قلتها و انا لي فخاطريه يملى دفاتر .. سهل عليج تيلسين هنيه و تتشكين من لي معارضين دوامج .. لنج تشوفين هالشي صعب عليج .. انا وضعي أصعب .. وااايد أصعب يا أحلام .. انتي تلومينيه ع شكوايه لنج ما تحسين باللي احسبه ..
هبت أحلام من مكانها ..
- منوه قالج انا ما نحس باللي فيج .. موزان و الله قلوبنا كلنا تعورنا ع لي صار .. بس شوه بتسوين .. بتمين تضيعين لي بقى من عمرج تتحسرين ع لي راح .. هاي محطة فحياتج المفروض ما توقفين عندها .. خذي العبرة و واصلي .. ستين مليون وحدة تلقينها شراتج .. بس محد سوا لي انتي تسوينه .. انتي تضيعين وقتج في لوم عمرج ع شيء ما كان بيدج ..
ما زالت تلك تدير ظهرها فاقتربت أحلام لتضع يدها على كتفها بهدوء ..
- موزان .. ما عدنا مانع لو تبين تشكين .. بس و الله انتي تعذبين عمرج .. خلاص انسي ..
التفتت لها أختها ببطء.. تلك الدمعة الصافية ترتعش على أطراف الأهداب بحزن أثيري .. و صوتها الهامس يقول بعذاب ..
- كيف أنسى .. أنا مطلقة ..
مدت أحلام أناملها تلتقط تلك الماسة قبل سقوطها ..
- و الدار ممزورة مطلقات بس محد منهن عافت حياتها .. انتي ودرتي كل شي .. كل شي حتى البيت ما تظهرين منه ..
أشاحت موزة بوجهها ..
- وين تبينيه أظهر .. ما لي ويه .. الناس بتاكلنيه .. انا ما خطفن عليه ثلاث شهور معرسة و اتطلق .. ربيعاتيه لي عزمتهن على عرسيه شوه أقولهن .. و الله اتطلقت عقب ثلاث شهور ..
مدت يدها بعجز ..
- أحلام افهمينيه .. العرب ما بتقول العيب منه .. بتقول انه شايف عليه شي ..
امسكت أحلام كتفها بقوة ..
- و انت شلج بالعرب .. لي يرمس يرمس و ينقع فكشرة الطوية .. أهم شي انتي .. لازم تظهرين من هالعزلة لي تعيشين فيها .. سري الجامعة كملي دراسة ..ظهري .. شوفي العالم ..
ثم همست يتشجيع ..
- اتحديهم .. لا تخلين أفكارهم لي تحكمج .. انتي انسانة و لج شخصية .. عندج عقل .. ليش تخلين الرمسة الفاضية توديج و تييبج ..
ارتجفت شفتي موزة ..
- ما أقدر .. ما أقدر أحلام .. أحس ان السالفة توها مستوية أمس ..
أغمضت أحلام عينيها لتسحب نفسا عميقا .. ثم تنظر لتلك العينين الممتلئتين بالدموع ..
- خطفن ست شهور .. ما يسد هالوقت لي ضاع من عمرج ..
انهمرت دموعها الشفافة على خدها و هي تردد كلماتٍ سبق للأحلام سماعها مرات ..
- انتي شدراج باللي اعيشه .. أحلام انتي معرسة و مرتاحة ويا ريلج .. و انا ذابحنيه الوضع هذا .. ماريد أظهر و أحصل حد يسألنيه معرسة و الا لا .. ماريد حد يشوفنيه و ينشدنيه ليش تطلقتي ..
ثم همست ببؤس ..
- ماريد حد يقولي فَضْلة فلان ..

ارادة الحياة 06-05-08 05:10 PM

ارتجف قلب أحلام بعنف .. و هي تلمس الانكسار في صوت أختها .. قد تتجاوز الكثير من النساء صدمة الطلاق أو تتحدى نظرة المجتمع الجائرة لهن ..
و لكن هذه الفتاة بالغة الشفافية .. رقيقة .. و طاهرة
كانت يانعة ..
حلم يخطو على الأرض .. شيئا يقارب الخيال ..
قبل أن يحطمها ما حدث .. فطلاقها كان صدمة كبيرة لها .. رغم أنها من سعت له ..
الا أنه حولها لشخص آخر .. لروح هشة أي لمسة قد تهشمها ..
حولت قلبها الحزين لفتات تبعثره ألسنة الناس دون شفقة ..
انعزلت عن العالم كله .. لتبني لها عالما خاصا ..
حدوده بيتهم فلا تفارقه .. و أبعد طموح لها النسيان ..
.
.
و كل الرعب يكسوها ..
من نظرة .. أو كلمة قد تخدشها ..
.
.
يؤلمها .. و يمزقها رؤية هذه اللوعة تسكن فؤاد أختها الصغير ..
و ترى موزة .. الطفلة الحالمة .. قد التحقت بقطار المطلقات ..!!

* * * * *

أغلقت الباب خلفها بهدوء .. غرقت موزة في صمتها فلم تجد هي ما تفعله سوى الرحيل .. و قد شارف المؤذن على النداء لصلاة المغرب ..
تجاهلت الألم الذي يغزو قلبها على حال أختها و توجهت للأسفل فهي لم تجلس مع زوجة أبيها منذ وصولها .. اكتفت بالسلام و ولت هاربة لموزة قبل أن تجد الأولى فرصة فتفتح لها موضوع العمل ..
- أحلااااااامووه ..
أجفلت بقوة اثر تلك الصرخة الرجولية .. و التفتت نحو صاحبها .. الذي انفجر ضاحكا في مكانه ..
- خييييييبة .. شايفة عزرائيل ..
ابتسمت أحلام لأخيها ذو العشرين ربيعا .. و هي تقترب منه ..
- عنلاااتك يا الهرم روعتنيه ..
- افاا .. و الله ما عندي سالفة .. هلا و غلا و مرحبا ملياااار بالشيخة أحلام ..
سلم عليها بسرعة ..
- شحالج .. بخير .. شحالك بخير .. علومي و علومج طيبة .. و حيانا الله و ابقانا ..
عقدت جبينه ..
- خيبه .. شوه ها ..؟
- خخخخخ أختصر السلام المهم .. خبرينيه يا مسودة الويه قالوا اشتغلتي من ورايه ..
لكمته أحلام على كتفه ..
- ايييه رشووود احترمنيه يا الخام ..
- يوم تحترمينيه .. ريال طول اليدار و تقولين رشوود ..
ابتسمت أحلام فعاد يقول ..
- زين صدق اشتغلتي ..؟
- هيه اشتغلت .. شوه تبابي ..
- سلفية أول الشهر يطولي بعمرج ..
- هههههههههه مالت عليك و انا اقوول راشد يرحب و يسلم و حالته لله .. ثرها المصالح ما ترحم ..
- عيل شوه تحرين لسواد عيونج .. بس تدرين سويتي خير و الله .. اول قودزيلا ما عنده طاري غير سيارتيه و الدراسة .. و الحين حول الموجه عليج .. اشكر فنج و الله خلج كذيه ..
ثم اضاف بنبرة درامية ..
- احملي راية الحرية وسيري للأمااااام و نحن خلفك يا أحلاااااام ..
- ههههههههه أقولك خووز يا خي و الله ما عندك سالفة ..
رفع عينيه للأعلى ..
- أونها هااي .. أقول كبّر راسج الشغل .. لا تخلينيه اسوي شرات العود و أقاطعج ..
- لاا دخيلك .. كله و لا زعلك ..
ابتسم بغرور ..
- هيه خلج ع Good Way .. الحين فارقينيه بسير أصلي .. لو يأذن و أنا هب في المسيد بياكلنيه خوج مادري ع شوه نسابق المسيد وسيع و محد بيشل مكانه ..
و دفعها جانيا و هي تضحك .. و انطلق يركض ليلحق الصلاة ..
دخلت غرفتها لتصلي ثم خرجت و نزلت للأسفل لتجد زوجة أبيها و لطيفة تجلسان في الصالة ..
قالت لطيفة حالما وقعت عينيها على أحلام ..
- خاطريه أعرف .. حجرتيه شوه فيها من قاصر..
ابتسمت أحلام و هي تجلس بجانب أمها ..
- ما فيها قاصر و الله بس موزان حالة خاصة ..
- ما عليه نظرا للظروف بس بسمحلج .. ترانيه أغار .. أشوف حاليه من حال زينة في هالبيت ..
ضحكت أحلام ..
- لا تخلينها تسمعج و الا ماشي عشا اليوم ..
- تسمع .. مادري ع شوه مستقوية هالبشكارة ..
نهرتها أمها ..
- خلي عنج الهذرة و هاتي القهوة خلي ختج تتقهوا قبل لا تسري ..
تذمرت لطيقة و هي تنهض من مكانها ..
- يوم أقولج حالي من حال زينة ..
ابتسمت أحلام .. و لكن القلق سكنها .. تريد زوجة أبيها الاختلاء بها ..
- شحالج يا بنيتي .. و شحال ريلج ..
ارتجفت ابتسامتها ..
- بخير فديتج .. ما نشكي من باس ..
بدأت أمها بالحديث معها عن مواضيع شتى بلا أهمية .. و كأنما تمهد لشيء ما .. سرعان ما أدركت أحلام ما هو حين سألتها ..
- مادريتي بالعنود بنت عمج ..
هزت أحلام رأسها نفيا .. فقالت تلك ..
- حملـــــــت ..
بللت شفتيها بطرف لسانها و هي تقول ..
- هيه .. الله يباركلها عيل ..
- و انتي ..
نظرت أحلام لها بشيء من الدهشة ..
- انا شوه ..؟
- ما تبين عيال ..
عقدت جبينها .. ما هذا السؤال ..
- محد ما يبا العيال .. بس كل شي بيد الله ..
هزت الأخرى رأسها باصرار ..
- هيه ندري كل شي بيد الله بس الواحد يسعى لعمره ..
فهمت أحلام ما تقصد ..
- أمايا .. انا سرت المستشفى ويا ريلي .. و محد منا فيه العيب .. النتايج واضحة .. كل شي تمام .. بس الرزق من عند الله ..
هزت أمها يدها بقوة ..
- و انتي شتبين بالدختر .. هاييل ما يعرفون شي ..
فتحت أحلام عينيها ..
- امايا هاي شغلتهم .. و بعدين الفحوصات الطبية هي لي تنفع ..
- ادري فديتج بس فيه اشياء ما تظهر الفحوصات .. اسمعينيه .. بنت ناصر بن محمد لها سبع سنين ما حملت .. و كل ما سارت الدختر قالوا ما فيها شي .. خلاف سارت لحرمة تمسد الحريم و تقرا عليهن .. و حملت عقبها بست شهور ..
كانت عينا أحلام تتسع و هي تدرك ببطء ما الذي ترمي اليه زوجة أبيها ..
- شوووه ..؟
- هيه و الله .. يمدحونها الممسدة هااي .. ايدها مباركة .. واايد حريم يسيرنلها ..
هزت أحلام رأسها بعدم تصديق ..
- امايا انتي شوه يالسه تقولين ..
نظرت لها الأخرى بغرابة ..
- شفيج ..
قالت أحلام بقوة ..
- انتي تعرفين انه هااي دجالة و مشعوذة .. شوه تمسد و تقرا .. استغفر الله .. أميه تأثمين تراج ع الرمسة لي قلتيها ..
نهرتها أمها بحدة ..
- و أنا ثرني شوه قلت .. ما يبت شي من عنديه .. العرب كلها تسير عند هالحرمة ..
أشارت أحلام لرأسها بعصبية ..
- العرب تخبلت و في جهل .. العلاج و الشفا من عند الله .. هب من عند هالساحرة .. امايا .. دخيلج عاااد .. لا تاخذين اثمها .. و لا ترمسين بها عند حد ..
كان الغضب جليا على وجه أمها التي أشاحت بوجهها ..
- الشره هب عليج ع لي يبالج الخير .. أنا ما يبت هالطاري الا لنيه اباج تطيعينيه ..
انصدمت أحلام ..
- شوه تبينيه اطيعج و اسير لهالساحرة .. امااه انتي انسانة مؤمنة و تخافين ربج .. خلي عنج هالخراريف لي ما وراها الا الذنوب ..!!
لم ترد أمها بل استمرت بالوجوم .. فاقتربت احلام منها ..
- شوه زعلانه ..
- لا هب زعلانة انتي حرة ..
تنهدت أحلام .. نبرة الغضب لا تزال جلية في صوتها ..
لكن يستحيل مجاراة أمها في هذه الخزعبلات التي لن تؤدي الا لحذفها في حر جهنم يوم الدين ..!!

* * * * *

الأسبوعين التاليين كان بمثابة الوقت المستقطع لأحلام ..
رغم أن انشغالها بالمستشفى جعلها تحد من زيارتها لبيت أهلها ..
لكنها لم تقطع التزامها مع بيت عمها هي و زوجها على الغداء كل جمعة .. و في هذه المرة يبدو أن شريفة استخدمت سلاحا آخر .. ألا و هو حمل ابنتها حيث استمرت برمي التعليقات في وجه أحلام حالما غاب منصور عن الساحة ..
لكنها لا تبالي .. كان تشعر براحة كبيرة في تلك الأيام الماضية .. كل صباح تخرج متوجه للعمل فتقضي الوقت هناك تستمع لحكايات بو ثاني .. و حديث حصة الهادئ .. و اللعب مع سهيلة .. ثم تقضي بعض الوقت مع خليفة .. فتحدثه في شتى المواضيع .. حتى يراودها احساس بأنها أصيبت بالجنون .. فتتخيل ردودا على كلماتها لم تسمعها ..!!
أما العجوز الشرسة أم حميد فقد استمتعت أحلام بشدة في لعبة التجاهل التي تلعبها و تساعدها فيها حصة .. فتضحك مع سهيلة أمام بابها .. و تتمشى مع حصة في المكان .. دون أن تعير تلك الشمطاء اهتماما ..
و لكن كانت ترجو في داخلها بقوة أن ينفع هذا الاسلوب معها .. تريد حقا أن تقترب من تلك المرأة دون أن تخدشها كلماتها الشائكة ..
و لكن ما يسعدها أكثر من هذا كله هو ما حققته من تقدم مع زوجها .. ربما لم يكن شيئا ملحوظا .. أو يذكر .. و لكنه لم يعد يصد محاولاتها الحثيثة .. و كان ذلك أفضل من لا شيء ..!!
.
.
لمدة اسبوعين استمر الوضع ..
هادئا .. الأمور كلها في ركود .. و المتاعب في سبات ..
حتى نهض القدر بملل يتثائب بعد أن خشي أن يتحول الأمر لشيء من الروتين ..
فأقبل مسرعا يلقي في طريق كل واحد منهم مفاجأة .. واحدا تلو الآخر ..
فما الذي أخفته الأيام لهم يا ترى ..؟!!

* * * * *

في ذلك اليوم علمت أن شيئا ليس على ما يرام في اللحظة التي طالعها وجه زكية المتجهم .. سألتها بتوجس ..
- رب ما شر ..؟
ردت تلك بصوت حزين ..
- أبــــــو ســــــاني ..
وضعت أحلام يدها على قلبها الذي توقف عن الخفقان .. و هي تهتف بذعر ..
- بلاااه ..؟
قالت زكية بنبرة مهدئة ..
- ما تخفيش يختي ما جرالهوش حاقة .. دا واحد من احفادوا اداكي عمروو ..
- من شوه ..
- الســل ..
سحبت نفسا مختنقا .. و قلق لا زال ينازع روحها على ذلك العجوز العزيز ..
- و بو ثاني شوه الحال عليه الحين ..
- دا مش راضي يحط لئمة ببؤه .. من امس و انا اتحايل عليه .. زعلان أوى يا مدام ..
قالت أحلام بسرعة ..
- انا بسير أشوفه ..
و توجهت مسرعة نحو غرفته ..
لطالما حدثها عن أبنائه بشوق غريب دون أن يحمل في صوته ضغينه و ذلك يثير عجبها .. ألا يؤلمه رميهم له هنا ..؟!!
لم يتطرق قط للحديث عن أحفاده .. لا تذكر أنه قد قال لها شيئا عنهم ..
وصلت لحجرته لتقرع الباب بقوة ثم تدفعه دون انتظار الرد ..
- السلام عليكم ..
و لم تهزها كلمات الترحيب المحتفية ككل صباح .. فقط رد هادئ من ذاك الصوت المرتجف ..
- و عليكم السلام ..
كان يجلس على البساط و أمامه صينية طعام لم تمس .. ينظر للفراغ أمامه ساهما ..
اقتربت أحلام لتجلس قريبا منه ..
- بو ثاني اشحالك ..
قال بصوت مهزوز أشعرها بحزنه العميق ..
- نحمد الله على كل حال ..
همست ..
- أحسن الله عزاكم ..
- البقا لله ..
كانت عينيه الضيقتين تطالعان الأرض بشرود .. و الألم الصامت يرتسم على وجهه .. و قد بدا و كأن العمر قد قفز به سنوات نحو الأمام .. حتى غدا عجوزا جدا .. أثقلت كاهله الهموم ..
أرادت أن تمد يدها لتمسح تلك النظرة المفجوعة .. هذا الرجل لا يستحق الألم أبدا .. و لكن كما قال .. نحمد الله على كل حال ..
قالت بهدوء و هي تكره جدا مقاطعة أحزانه ..
- بو ثاني .. ما تبا تتريق ..؟
هز رأسه رافضا ... دون أن يتفوه بحرف .. عادت تلح ..
- انته ما كلت شي من البارحة .. لازم تاكل ..
لم يرد عليها .. و نفس النظرة الفارغة لا تتغير ..تنهدت أحلام ..
- بو ثاني .. لي صار قضاء و قدر .. و حكم من رب العالمين .. أمر الله ما لنا غير القبول به و نحمده على كل .. و الله يبلونا في الحياة الدنيا و نلقى إثابة على صبرنا في الآخرة .. ماشي يرد الاجل و الاعمار بيد الله ..
ثم همست ..
- الياهل هذا يوم القيامة بيوقف ستار بين أبوه و أمه و النار .. ترحم عليه ..
لا يزال شاردا ..
- الله يرحمه و يسكنه الجنة ..
صمتت قليلا قبل أتعود و تلح ..
- لازم تاكل ..
رفع عينه ببؤس و نظر لها .. أذابت تلك الدموع في مقلتيه قلبها لوعة .. كان محطما ..!!
- ما خلوني أحظر العزا ..
أوجعتها هذه النبرة .. بدا كالطفل الذي حُرم الخروج .. لا يجد ما يفعله داخل هذه الجدران و أصحابه في الخارج .. و يخشى أن ينسوه مع مرور الوقت ..
آلمها حزنه ..
- منوه لي ما خلاك ..
و هوت دمعتين على وجنته المجعدة ..
- بو عبد الرحمن يقول ان العيال بيوون عقب العزا ..
ثم أشاح بوجهه و صوته العالي المتهدج يرن في أذنيها ..
- هذا ولديه .. العرب كلها تحظر عزاه وانا هنيه محد ينشد عنيه .. ابا اسير للعزا ..
لم تجد أحلام ما تقوله .. جلست معه للحظات أحرى قبل أن تخرج و تتوجه لمكتب بو عبد الرحمن .. تقرع الباب ليأتيها الأذن بالدخول ..
- ادخــــــــــل ..
الأسد العجوز يحتل كرسيه .. و القوة نفسها تتحدى سنوات عمره لتشع من وجهه بقوة ..
- السلام عليكم ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. تفضلي دكتوره ..
ظلت واقفة قريبا من الباب ..
- بو عبد الرحمن .. اكيد تعرف ان واحد من عيال بو ثاني ولده توفى ..
لم يرفع رأسه من على الورق ..
- هيه ..
- بو ثاني يبا يحظر العزا ..
رفع لها وجهه ينظر لها للحظات ..
- قالي .. و قلت له ان عياله عقب العزا بيوون يزورونه ..
- هو ما يباهم يزورونه .. يبا يحضر العزا ..
وضع القلم على الطاولة بهدوء ..
- دكتورة .. شوه لي تبينه ..
- ابا اعرف ليش ما خليتوه يسير ..
قال بصوته القوي ..
- عياله ما يبونه يحضر ..
اتسعت عينيها بقوة ..
- شوه ..؟
تنهد و هو يقول ..
- قالوها بالحرف .. إنهم مشغولين بالعرب و هب ناقصين عبالة .. ابوهم محتاي رعاية و هم هب فاضين ..
شعرت أحلام بالغثيان و تلك الكلمات القبيحة تصل لأذنيها .. اعتذرت بسرعة و تركت المكان ..
توجهت نحو المطبخ .. لتملأ كوبا من الماء و ترتشفه ببطء .. تأمل أن يسري بروده في بعض غيظها ..
.
.
تلك القلوب المتحجرة ..
لم يكن الرجل يطلب الكثير .. أراد أن يكون معهم و يكونون حوله في هذه الأزمة ..
و لكنهم لم يبالوا بذلك .. تجاهلوا رغبة ذاك المسن بلامبالاة ..
خنقتها عبرتها و هي تفكر فيه .. العجوز العزيز ..
كم يؤلمه هذا .. جل ما يرغبه هو مشاركة أحبابه أحزانهم ..
.
.
لم يرد سوى يد تمسح دمعته الحائرة .. تحوي وجهه المتألم ..
و تربت على كتفه لتبثه الطمأنينة ..
و لكن يبدو أن أولاده ليس ليدهم الوقت ليقدموا تلك اليد ..
.
.
كم هو مؤلم أن يكون الإنسان وحيدا ..
حتى في أحزانه ..!!

* * * * *

●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الثالثــــــــــــــــــــــــــة▌○●

يقفان أمام باب الحجرة المغلقة .. و يبدو على وجه شقيقه الرفض الشديد و هو يهز رأسه مرارا ..
- لا ما بحدر وياك .. و بعدنيه أقولك .. انت مينون .. ما تخاف من العدوى ..
همس بصوت منخفض ..
- مبارك ..!! رمسنا في الموضوع و خلصنا لو ما بتحدر ايلس هنيه و ارقبني ..
أشاح مبارك بوجهه بضيق .. لا يعجبه هذا .. و لكن منصور مصر على ما يريد .. لذلك اختار مقعدا بعيدا و جلس عليه .. دفع منصور كرسيه مقتربا من الباب .. ثم مد يده يقرعه بهدوء ..
ينتظر للحظات قبل أن يفتح الباب ليطل من خلفه شاب يعرف جيدا أنه في الثانية و العشرين .. بالغ النحول تبرز عظام وجهه بقوة ..
- السلام عليكم ..
نظر له الفتى بفضول للحظات قبل أن يرد ..
- و عليكم السلام ..
سأله منصور ..
- سعــــــــــيد ..؟
هز الشاب رأسه ..
- هيه نعم ..
- يمكن أدخل .. ابا ارمسك ..
لحظات و يفتح الباب على اتساعه فيدفع منصور كرسيّه للداخل .. الغرفة كغرف أي مستشفى نظيفة و مرتبة .. باستثناء مشجب علّق عليه الفتى ثيابه و كتب تناثرت على طاولة .. و سجادة مهترئة و جهاز تشغيل اسطوانات أعطت المكان طابعا شخصيا مختلفا ..تقدم منصور بكرسيه حتى منتصف الغرفة ..
و جلس الشاب على أريكة ضيقة قبعت قرب النافذة .. ينظر لمنصور بفضول ..
- خير خوية .. منوه انته ..
- أنا منصور حمدان .. كاتب ..
قفز الفتى بسرعة من مكانه و هو يطالع منصور باحتقار ..
- صحفي ..؟
هز منصور رأسه بسرعة ..
- لا .. كاتب .. أكتب روايات ..
نظر له سعيد بطرف عينيه .. الحقيقة أن منصور كان متوترا بعض الشيء .. لقد اختار هذا الشاب لمطابقة اسمه مع اسم الشخصية التي يكتب عنها .. كان أمامه ثلاث اختيارات و لكنه فضّل هذه رغم ابتعادها كل البعد عن مسار روايته .. هل أخطأ بالاندفاع في اختياره لمجرد تطابق اسمه مع شخصية الرواية ..؟!!
لم يعد هناك الآن أي مجالٍ للتراجع هو هنا و عليه أن يقضي ما أتى من أجله .. سأله الشاب بحذر ..
- شوه تبا ..؟
- أنا أكتب رواية و وحدة من الشخصيات فيها تعاني من ... آآآ .. يعني مثل حالتك ..
قال الفتى بشيء من السخرية ..
- ايدز ..
هز منصور رأسه موافقا .. فرفع الفتى رأسه ..
- و شوه المطلوب منيه ..؟
- أبا منك مساعدة .. محتاي أسوي تحقيق مع شخصية حقيقية مكافحة للمرض ... عسب أروم أصور الوضع الحقيقي دون مغالطة ..
نظر له الشاب بهدوء ..
- و كم يباله التحقيق إن شاء الله ..؟!!
هز منصور كتفيه ..
- اربع .. خمس مقابلات ..
استمر الصمت لدقائق قبل أن ينهض الشاب متوجها نحو منصور .. و يمد يده للأمام ..
نظر منصور لتلك اليد لولهة .. توترت نبضات قلبه قلقا .. هذا الشخص مريض بداء لا علاج له .. رفع عينه ينظر للفتى ..
.
.
الرفض .. الرفض ..
ذاك يقتل إحساسنا ..!!
.
.
مد منصور يده بشجاعة .. ليصافح يد الشاب ..
هذا الذي طابق اسمه اسم الشخصية التي اختار نهاية لها لا تمت لاسمه بصلة ..
فقد كتب الشقاء على حياته القصيرة ..
.
.
إلا ما أراد الله له ..!!


* * * * *

اتسعت ابتسامة حصة بهدوء .. هذه نظرة الحكيم المنتصرة .. و أحلام تقول بعدم تصديق ..
- قالتلج تباني ......؟؟
أومأت زكية برأسها حماسا ..
- آآه يا مدام .. دي آلت بلسانها أنا عاوزه البت أحلام تجيلي حالا ..
هزت أحلام رأسها رفضا ..
- ما بسير ..
عقدت حصة جبينها ..
- ليش ..؟
- خايفة ..
- لا تخافين .. هي ما زقرتج الا لنها تباج تيينها .. سري فديتج ما بتاكلج ..
نظرت أحلام لزكية بشك .. التي هتفت بحماس ..
- ما تخفيش يا حبيبتي .. دي و الله ست طيبة بس نزئة شوية ..
- حشى عليها ما يتها الطيبة .. تعالي وياي زكية عسب تسوين حاجز بشري لو فرتنيه بشي ..
- هههههههههههههه .. يا ستي .. مش لدرجة دي ..
.
.
.
راقبتهن حصة يتوجهن للداخل و زكية تجر أحلام التي تكاد تهرول مجاراةً لخطوات الأول ..
كان اليوم ما زال في أوله .. و الهواء البارد المنعش يداعب أنفها برائحة العشب المبتل ..
ما زالت آثار تعب الأمس تدب في جسدها .. تجعلها غير قادرة الا على التزام مكانها هذا ..
و لا تشتكي .. هنا تمر بها كل نسمة قادمة من البعيد .. من أقاصي الأرض ..
من يدري ..؟!! .. لربما صادفتها واحدة قد عانقت ذاك الوجه .. تغلغلت في شعره .. و اخترقت خيوط ثيابه ..
فتحمل من بينها رائحته الحبيبة .. و تضل تحتضنها بعناية .. تسري بها .. حتى تلقيها في وجهها .. لتغمرها الذكرى .. و يرويها الحنين ..
.
.بني ..
لا يخيفني سوى أن تعود .. و لكن بعد أن أشد الرحيل ..
.
.
إلى البعيد ..!!
.
.
- خـــاااووه ..
انتزعها الصوت من أفكارها بقوة لترفع عينيها نحوه .. فتشق ابتسامة رقيقة شفتيها .. يخبو ألمها ببطء الآن و نظرها يلامس هذا الوجه الحلو ..
- أتساااوييين ؟؟؟؟
ابتسمت و هي تربت على العشب بجانبها ..
- ما سوي شي .. يالسه بروحيه .. تعالي ..
جلست بسرعه حيث أشارت لها ..
- ما سوي شي .. شوفين اكون متاتا ..
ضحكت حصة بهدوء و هي تقرص خدها برقة ..
- لا أنا عيوووز ما شوف رسوم ..
- عاوووووووز ..
طبعت حصة قبلة على خدها و هي تشير لتلك القادمة ..
- فديييتج .. سوووما بتشوفه وياج ..


* * * * *


نظر إليه يسأله ..
- شوه لي تبا تعرفه ..
شعر منصور بأن هذا الشاب مرتبك للغاية ..
- التقرير لي عنديه يفيد بإنه تم إكتشاف المرض فيك من اربع سنين يوم قدمت الفحص الطبي للجامعة .. ابا اعرف كيف اصبت بالعدوى و انت أصغر عن 18 سنة ..؟
- نقل دم ملوث .. يوم كان عمريه سنتين .. كنت محتاي نقل دم عقب ماكان عنديه نزيف .. و نقلوليه وحدتين من بنك الدم .. وحدة منهن كان فيها الفايروس .. أواخر الثمانينات ما كان فيه أجهزة تكتشف المرض .. أو انها موجودة و ما وصلت الامارات .. المهم ان المرض تم فينيه 16 سنة .. و محد درى به .. كان فيه اعراض غريبة بس منوه بيشك بهالخبيث .. هزال عام .. وزني ابدا ما يزيد .. حساسيات تظهر بشكل دوري على جسمي .. و غيره ..
كان يتكلم بعمليه و كأنه اعتاد على سرد القصة ملايين المرات ..!!
- اهلك شوه كان ردة فعلهم ..؟
قال سعيد بهدوء ..
- شوه بتكون ردة فعلك لو دريت ان ولدك و الا خوك مريض بالايدز ..؟
لحظات صمت ..
و ذاك السؤال معلق بلا إجابة .. حقا لم يتخيل منصور نفسه في هذا الوضع ذات يوم ..!!
عاد سعيد يقول له ..
- البداية محد صدق .. خلاف الوالد طبعا و خوانيه ما قصروا .. محد شك ان المرض يانيه عن طريق وسائل خبيثة .. و بالتحقيقات و السجلات الطبية عرفنا ان فيه ثغرة يمكن انتقل الفايروس عبرها و هو نقل الدم لي .. بعدها تأكدنا من بنك الدم انه في هالفترة ما كان فيه فحوصات ع الفايروس ..
التقط كرة صغيرة زرقاء اللون من الطاولة المجاورة .. و راح يرميها لتصطدم بالجدار ثم ترتد ليلتقطها بخفة و يرميها مجددا ..
- في البداية كنا ندور ع طريقة الاصابة نتحرا انه لو عرفنا السبب يمكن يطلعون غلطانين .. لكن .......
صمت للحظة .. و احترم منصور سكونه ..قبل أن يلتفت سعيد له ليقول بهدوء ..
- تخيل انك في حجرة مبندة .. و مفتاح في ايدك .. ما تعرف اذا كان بيبطل الحجرة أو لا .. ما عليك الا انك تقرب من الباب و تحط المفتاح فيه و تحركه .. اذا اتبطل بتعرف ان المفتاح هو مال الباب و انك حر الحين .. و لو ما تبطل .. بتتأكد انك مسجون في الحجرة .. بس فيه خيار ثالث ..
قذف الكرة مجددا و صوته يخفت ..
- انك ما تحاول تجرب المفتاح .. لنه بيكون ع الاقل داخلك أمل ان الحجرة يمكن تتبطل ..
.
.
ثم هز رأسه و هو يقذف الكرة مرة أخرى بسخرية مريرة ..
شيء واحد فكر فيه منصور ..
كيف لم يزهق اليأس روح هذا الشاب ..؟!!
كيف يجلس الآن يلقي الكرة ببساطة و كأن لا هم له في دنيه سوى ارتدادها .. و صوت اصطدامها المنتظم بالجدار و الأرض بدا لأذنه في تلك اللحظات كدقات قلبه ..
متعاقبة ..!!

* * * * *


تقلب قنوات التلفاز دون اهتمام حقيقي .. و الملل يقتلها ببطء .. لا أحد هنا سوى أمها التي توجهت للمطبخ للإشراف على الغداء ..
أغلقت التلفاز و نهضت من مكانها متوجهة لغرفتها .. المأوى الذي يمكنها الاختلاء فيه ..
استلقت على فراشها و هي تتنهد بضجر .. الحال ممل هنا .. جدا ممل .. و لكنها تفضله على أي أذى قد تلقاه خارجا ..
فالمكان هنا آمن جدا .. لا تلتقي إلا بأهلها أو من تريد .. رغم ذلك لا تنكر بأن الفراغ يخنقها .يصعب عليها مواصلة دراسة أربعة عشر سنة من الابتدائية حتى المرحلة التي عندها توقفت في الجامعة للتزوج ..
كانت حياتها سعيا متواصلا .. تخرج من مرحلة دراسية لأخرى .. حتى تقدم لخطبتها ابن عمٍ بعيد لها .. توقفت عن الدراسة و هي تنوي مواصلتها حين تسنح لها الظروف ..
و لكن الظروف لم تفعل .. بل ألقت بها في دوامة قلبت حياتها رأسا
على عقب .. اكتشافها لحقيقة الخبيث الذي تزوجها و ما لقيت من معاملة منه .. و إصرارها على الطلاق ..
.
.
و تحطم روحها بعد حصولها عليه ..
.
.
بدا كل ذلك فلما سينمائيا يعرض أمامها الآن .. تشعر بالأمر قريبا .. قريبا جدا .. و كأنما حدث كل ذلك بالأمس ..
حين قبلت بالزواج .. ظنت أنها في صدد دخول حياة جديدة .. و لم تكن مخطئة .. بل كانت مستعجلة ..!!
فالحياة الجديدة لم تبدأ بزواجها .. إنما بدأت بعد لفظها منه كلقمة غير مستساغة ..
تحمل على كتفها لقبا أثقل مشاعرها .. لقبا ترى من حولها يحمل في عينيه له شفقة .. و البعض خبثا ..
لقبا لم تتخيل و في أشد كوابيسها إيلاما تحققه ..!!
.
.
كانت تحمل لقب [ مـطـلـقـــ،ــــة ] ..!!
هي المراهقة التي كانت تزرع أحلامها وردا في أرض خيالية و تنتظر القطاف ..
لم يحن القطاف .. بل أُكرهت أحلامها على الذبول في مكانها .. و الفصول تتعاقب عليها تجاهلا ..
و الآن ها هي هنا .. بين أربعة جدران تختبئ بذعر .. العالم مخيف في الخارج .. و قلبها الرقيق لن يحتمل أي شيء يعترضه ..
سيحطمها أدنى أذى قد يمس مشاعرها .. و سينثرها على الأرض شظايا مهملة ..
.
.
رفعت رأسها للأعلى تمنع دمعة من الانفلات .. و لكنها تختنق هنا ..!! يخنقها البيت .. يخنقها الخوف .. يخنقها انعدام الهدف في حياتها ..
إلى متى ستظل هكذا ..؟ .. إلى أن تقذف بها الأقدار في دوامة أخرى ..؟
و لكن هل هناك من يرغب في الزواج منها ..؟ هي التي تطلقت بعد ثلاثة أشهر من زواجها ..!!هل هناك صدى صادق في كلمات أحلام ..
عندما قالت بأن عليها مواجهة العالم .. عليها الخروج .. عليها تحدي نفسها و الاندفاع للتحرر من قيود تربط نفسها بها ..
.
.
لكنها لن تقوى ..
هي جبانة لا تنكر .. و خائفة مما قد تواجه ..
نهضت من مكانها بسرعة و كأنما تهرب من أفكارها التي تحاصرها .. ما زال الملل يحيط بها من كل صوب ..
ما الذي ستجده ليملأ هذا الفراغ ..؟!!

* * * * *

توقفت عند الباب بتردد تنظر لوجه زكية المشجع .. ثم تهمس ..
- انتي أول ..
ابتسمت زكية و قرعت الباب ثم دفعته لتدخل قائلة ..
- السلام عليكم ..
ارتفع الصوت الحاد ..
- و عليكم السلام .. وينها هاي ..؟
- هيا دي .. تعالي يا مدام أحلام ..
دفعت أحلام قدميها و تقدمت للدخول .. و هي تسلم .. ردت العجوز سلامها و صوتها يلعلع من خلف برقعها .. و هي تقول ..
- خير ان شا الله ..
اتسعت عينا أحلام بدهشة ..
- انتي ما طلبتينيه ..
قالت بنزق ..
- هيه طلبتج ..
تحاول أحلام امتصاص مزاجها الصعب ..
- آمري يام حميد شوه تبين ؟
- ما با شي منج .. الله لا يعوزنيه لكن ..
اصبري أحلام .. اصبري .. ما زالت تبتسم ..
- عيل ليش زقرتينيه ..؟
- بلاج انتي زقرتينيه و طلبتينيه .. ما تقولين غير متمننة ..
- لا حشا هب متمننة .. بس انتي ما قد طلبتينيه ..
نهرتها أم حميد بحدة ..
- و لازم أطلبج عسب تيين .. عنبووه انتن ما فقلوبكن خوف من رب العالمين .. لقمة الوحدة في ثمها حرام .. حللن حللن فلوس الحكومة حلكن حلول .. انتي شغلج كل يوم تينيه .. و تتابعينيه .. مادري عيل ليش يابج بو عبد الرحمن .. و انا ما اشوف رقعة ويهج ..
نظرت أحلام باستنكار لزكية التي لا تزال تلتزم الصمت و ابتسامة خفيفة على شفتها ..
- أم حميد .. انتي لي قلتي ما تبينيه اتابعج ..
فتحت العجوز عينيها بانكار .. فبدتا مروعتين من خلف البرقع ..
- أنا ...؟؟؟ حشا ما وقعت هالرمسة .. متى .. أنا ما قد شفتج حادرة حجرتيه الا يوم زكية تدليج اياها ..
تحشرجت الكلمات في حلق أحلام .. و هي تحاول النطق .. في حين تابعت العجوز حديثها بلا مبالاة ..
- و اذا أنا قلت لج ماباج .. سيده بتودرين شغلج كنج ما صدقتي ..
هزت أحلام رأسها بعجز .. هذا تلفيق صريح ..
- ما عليه أنا عاذرتنج .. عشان خاطر زكية بس ..
نظر أحلام لزكية بلوم .. التي كتمت ضحكتها و هي تهز كتفها بعدم دراية ..
- الحين شوه المطلوب منيه يام حميد ..
صاحت العجوز بتذمر ..
- و شعنه تتخبرينيه عن شغلج تبينيه اعلمج انا .. انتي لي شوه ياية تسوين هنيه ..
سحبت أحلام نفسا عميقا .. هذا الوقت الملائم لايضاح بعض الإمور ..
- أم حميد .. أنا ياية أتابعكم .. ايلس وياكم و اسولف .. أسمعكم .. و أساعدكم في كل شي تبونه ..
اتسعت عينا العجوز بشيء من الصدمة ..
- تاخذين معاش عسب تسولفين ..
هزت أحلام رأسها رفضا ..
- لا .. أنا مستشارة نفسية .. اساعد الناس في حل مشاكلهم ..
قالت العجوز بسرعة ..
- انا ما عنديه مشاكل ..
تنهدت أحلام ..
- يعله دوووم ..
سرعان ما استطردت الاخرى ..
- بس اشتغلي عليه .. خطفي عليه شرات ما تخطفين ع غيريه .. ترانيه هب قاصرة .. هب قاصرة ..
- محشومة عن القصور يام حميد .. الحين يمكن أيلس ...؟
- منوه ميودنج .. يلسي ..
ابتسمت زكية ..
- أنا حَ روح .. خلاص ..؟
زمجرت العجوز بضيق ..
- محد قابض كراعج .. توكلي ..
خرجت زكية بسرعة تاركة أحلام بين فكي هذا المفترسة تستعد للانقضاض عليها في أي لحظة ..
ظلت صامتة تنتظر أن تتحدث العجوز أولا .. لكن سرعان ما وبختها تلك بحدة ..
- بلاج صاخة ما ترمسين .. ماكل لسانج قطوو .. أحيده عند غيريه ما يتعب .. و الا هذرتج عند ناس بس ..
يا إلهي ..!! سأصبح أشلاءً قبل انقضاء اليوم ..
- ما عنديه شي أقوله ..
- هيه بتحصلين لي تقولينه عند حصة و سهيلة و بو ثاني ..
خطر في بالها موضوع آمن للحديث ..
- ع طاري بو ثاني .. ترى من يومين توفى واحد من عيال عياله ..
اتسعت عينا العجوز بسرعة و ضربت على صدرها بخفة ..
- وا لقعتيه .. مات ولده .. و شعنه محد يابلي طاري ..؟!!
تعجبت أحلام .. ألم يخبرها أحد .. قبل أن تقول شيئا لترد عليها .. كانت العجوز تدفعها بشيء من القوة ..
- نشي نشي .. ودينا للشيبه نشوفه .. عنلاااتها زكيوووه كل يوم أقبل فشيفتاا ما قالت بخبرها .. اممممف عليها هاي امبونها ما يي منها خير .. كل شي بالدس .. نشي ودينا نشوفه و الا نعزييه بيقول ام حميد هب راعية وااجب .. حسبي الله عليكن من يووومين و الحين تخبرنيه .. وا حسرتيه عليه .. شوه مسوي ..
كادت أحلام تقع على وجهها من قوة دفع يدها .. فهبت بسرعة لتقود العجوز التي شكت بأنها كذلك للحظات .. فقد كانت تتحرك بسرعة و بدا لأحلام أنها هي من يُقاد لا من يقود ..!!
قصدن حجرة بو ثاني .. كان قد طرأ عليه تحسن شديد اليوم ..يبدو أنه نسي أمر العزا و رغبته في الحضور ..
.
.
أو أنه تناسى ..!!

dew 06-05-08 05:44 PM



:dancingmonkeyff8::dancingmonkeyff8::dancingmonkeyff8:

أول واحدة ترد :dancingmonkeyff8::dancingmonkeyff8:

رائعة جدا جدا ,,, ملامح القصة لازالت غامضة قليلا ,,

أحلام ومعاناتها مع زوجها وكيف انه تزوجها مغصوب ,,

ووظيفتها الجديدة أحس انها ستجلب لها المشاكل ,,

كل ما سأقوله هو الله يعطيك العافية يالغلا على النقل

وننتظرك :55::flowers2:

ارادة الحياة 08-05-08 04:09 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة dew (المشاركة 1390574)


:dancingmonkeyff8::dancingmonkeyff8::dancingmonkeyff8:

أول واحدة ترد :dancingmonkeyff8::dancingmonkeyff8:

رائعة جدا جدا ,,, ملامح القصة لازالت غامضة قليلا ,,

أحلام ومعاناتها مع زوجها وكيف انه تزوجها مغصوب ,,

ووظيفتها الجديدة أحس انها ستجلب لها المشاكل ,,

كل ما سأقوله هو الله يعطيك العافية يالغلا على النقل

وننتظرك :55::flowers2:



هلا ديو نورتي الصفحات شوفي الاجزاء القادمة وراح تعجبج الاحداث وراح شوفين قصة احلام ولماذا هي منسية
تحياتي القلبية الك

ارادة الحياة 08-05-08 04:12 PM

وصلن لغرفته التي كان بابها مفتوحا .. فاندفعت أم حميد تضرب الباب براحة يدها بقوة و هي صراخها يعلو ..
- سلاااام عليك يا بو ثااااني ..
كان الرجل ضعيف السمع لكنه ليس أصما .. هذا ما كانت أحلام تظن أنها ستصاب به و صوت أم حميد يخترق اذنها بصخب عاتي .. اجفل بو ثاني فزعا ..
لا تلومه أبدا لو كانت مكانه لظنت أنها تتعرض لهجوم .. لكنه هب واقفا على رجليه النحيلتين ..
- و عليج السلاااااااام و الرحمة .. مرحبااا .. مرحباااا .. حيا الله من يا .. قربي قربي ..
الصوت العالي يضج في أركان المكان ..
- لمرحب بااااقي .. قريبة ..
و دفعت يد أحلام الممسكة بها لتسارع بالجلوس .. و هي تواصل صياحها ..
- أحسن الله عزاكم ..
أحلام متأكدة من أن أم حميد اذا استمرت بالصراخ هكذا ستثقب طبلتي أذن العجوز المسكين ..
الذي رد عليها بصوت أقل ارتفاعا ..
- البقاا لله .. شحاالج يا ام حميد ..
- ابخير و سهالة .. شحالك .. شوه صحتك .. رب ما تشكي من باس ..
- بخير يعلج الخير .. ربج بخير ..؟
- فنعمة الحمد لله ..
ابتسمت أحلام بخفة .. يقال إن السلام يطول .. و مضمونه يتكرر .. هذا مثال اذا ..
سرعان ما انخرط الاثنين في حديث عميق .. و أصبحت أذني أحلام تنبض بقوة من شدة الألم .. صراخ في صراخ .. لم يقطعه سوى قرعات على الباب المفتوح لفتت انتباههم .. التفتت كل الرؤوس نحو الباب ..
لتناظر الأعين الاثنتين اللتان وقفتا به ..
ارتسمت الابتسامة على الوجوه بلا استثناء حين قالت تلك بصوتها الطفولي ..
- امييي حميييد ..
كادت أحلام تقع على وجهها .. و تدلى فكها السفلي من الصدمة حين قالت أم حميد بصوت رقيق لم تسمعه قبلا ..
- يااا لبيــــــه .. يا فواادهاا ..
أغمضت عينيها بعدم تصديق أين النعيق الذي تناله هي و زكية .. أين الصراخ الذي يثقب أذني بو ثاني ..
هذه لمسة حنان لم تصادفها قط في صوت هذه الشمطاء حتى ظهرت سهيلة ..
اندفعت سهيلة لتجلس بجانب أم حميد و تقدمت حصة بهدوء ..
- السلام عليكم ..
رد الجميع بصوت واحد ..
- و عليكم السلام ..
ابتسمت حصة و هي تجلس بجانب أحلام ..
- قالت زكية انج ظهرتي من حجرتج يام حميد ..
تذمرت أم حميد ..
- ماشي يقر في لسانها هالزكية
تابعت حصة ..
- قلت لسهيلة نيي نشوفج و نشوف بو ثاني .. – ثم رفعت صوتها – شحالك اليوم بو ثااني ..
صوته المهتز بعد دوامة الصراخ تلك ..
- بخير يعلج الخير .. و انتي شوه تانسين الحين ..
- العافية يعلها دارك .. أم حميد شحالج ..
قالت أم حميد بصوت مختلف .. كانت هذه الأوجه المختلفة لهذه العجوز تصدم أحلام بشدة ..
- ابخير فدييتج ..
كان بو ثاني يتحدث لسهيلة بصوت عالٍ لم تعلم أحلام ان كانت تلك تفهمه و لكنها كانت تضحك .. و هو يبتسم بهدوء لها .. في حين سألت أم حميد حصة ..
- السمسومة قالت انج تعبانة أمس ..
- ههههههه الله يهديج شوه سمسومته بعد .. ماشي الغالية ميهودة شوي ..
- يعله في لي ما يسلم .. و الله كان سيرت عليج بس تعرفينيه ما ظهر من حجرتيه .. بس عشان بو ثااني ..
و نظرت للرجل بشيء من الشفقة و هي تخفض صوتها ..
- عوينه .. ولد ولده متوفي ..
هزت حصة رأسها بأسى ..
- هيه الله يرحمه .. الله لا يبلاكم في عزيز و غالي ..
- هييييييييه يا حصة .. الموت حق .. و كلن شال يومه في ثبانه .. محد حي الا ويه ربي ..
هزت حصة رأسها .. في حين ما زالت أحلام فاقدة النطق بعد هذا الانقلاب المفاجئ لشخصية أم حميد ..
هذا قبل أن تلتفت لها بسرعة و تلمع عينيها بشراسة و تسألها بصوت ساخر ..
- اتقولين معاشج للسوالف .. و نحن حتى نصخج ما نسمعه ..؟
ابتلعت أحلام ريقها .. نعم هذه أم حميد خاصتها ..!! لا تريد مواجهة أحد أوجهها الاخرى التي قد تشتتها ..
لم تشأ الرد و لكن حصة سبقتها ..
- ام حميد الله يهداج بالهداوة ع البنية ..
تذمرت أم حميد ..
- هاييلا الدكاترة ما فيهم خير .. – ثم التفتت لسهيلة و انقلبت النبرة مرة أخرى ..!! – سهيلة .. تعالي فديتج .. تعالي عنديه متولهة يعلنيه هب بلا ويهج ..
قفزت سهيلة مرة أخرى لتلتصق بأم حميد التي تلاعبها .. وسط ابتسامات الجميع ..
للحظات مر خاطر عابر في داخل أحلام و هي تراقب ابتسامة بو ثاني التي بدا الضرس المفقود من خلفها ..
شيء دافئ تدفق ببطء في عروقها و هي تستشعر ارتياحا يلمع في عينيه .. و سهيلة و حصة و أم حميد يجلسن حوله ..
و كأنهن قد أقبلن إلى هنا لمآزرته .. و دعمه .. ربما لم يلمس بو ثاني من أولاده ما كان ينشده ..
و لكنه هنا الآن .. ليس وحيدا .. و لا مهملا .. و لا عبئا ..
.
.
بل يحتويه أناسا بينهم هم له أهل حقيقيون .. يعلم أنهم لن يرموه خلف جدار الذاكرة ..!!

* * * * *

كانا يتناولان الطعام بهدوء شديد .. لا يصدح صوت سوى احتكاك الملاعق بالأطباق .. و شعرت هي بشروده و هو يقلب الأرز في صحنه ببطء ..
- منصـــــــــور ..؟
رفع رأسه يطالع وجهها المتساءل عبر المائدة ..
- هممم ..؟
عقدت حاجبيها مستفهمة ..
- بلاك ..
صمت للحظة قبل أن يهز كتفيه ..
- ما شي .. ليش ..؟
أمنعنت النظر فيه تبحث عن اجابة أخرى ..
- أشوفك صاخ و سرحان .. شفيك ..
التقط خبزه يقتطع منها لقمة ..
- أفكــــــــر ..
- في شووه ..
رفع عينه ينظر لعينيها بقوة .. شعرت بشيء غريب فيهما ..
- في سالفة ..
رفعت رأسها .. هل هذه اشارة بأنه لا يريدها أن تعرف ..؟
- أهااا ..
ثم واصلت تناول غدائها في صمت .. و إحراج خفيف يراودها عندما لم يبح بما يفكر لها .. ثوانٍ يسود السكون .. ثم ......
- قررت أغير قصة المصاب في روايتي ..
ارتجفت الملعقة في يدها و كادت تقع .. شدت عليها و هي ترفع رأسها نحوه ببطء .. لمـــــــــاذا ..؟ .. من أجل نقدها الذي ألقته ..؟!! .. هل أخذ رأيها بعين الاعتبار ..؟ .. هل .....
ابتلعت ريقها و هي تهمس ..
- ليش ..؟
هز كتفيه بشيء من اللامبالاة ..
- حسيت وجهة نظرج صحيحة .. أنا أقتل الشخصية يوم أدفن ارادتها و دورها .. لازم أعكس شي من الواقع محد لمسه قبلي .. أو ع الأقل ما شفت حد لمسه قبلي ..
عاد ينتف خبزته لقطع صغيرة ..
- سويت تحقيقات عن الموضوع .. و قابلت مصاب و اتفقت وياه عسب نسوي أكثر عن مقابلة و يساعدني في تكوين فكرة واضحة عن الموضوع أروم أعكسها بشكل حقيقي في الرواية ..
وضعت أحلا م يدها على صدرها و عيناها تتسعان في ارتياع ..
- منصــــــووور .. شوه تبابه .. هذا مصاب بالايدز ..
هزت رأسها برفض شديد .. فيما كان هو يراقب ردة فعلها بهدوء ..
- انته مينون .. ما تخاف من العدوى ..
ابتسم و هو يتذكر كلمات شقيقه المشابهة .. في حين استمرت هي تقول بانفعال ..
- هذا لو يعطس بس .. رشّك بالموت ..
ثم توسلت ..
- منصور لا تسير له مرة ثانية .. عندك مليوون وسيلة تسويبها تحقيقات غير مقابلته و انك تقرب منه ..
كان جامدا لا يبدو على وجه أثر واحد أو أي بادرة على سماعها .. فقالت بشيء من العصبية و صوتها يرتعش من الذعر .. هذا خطر .. خطر كبير عليها أن تردع زوجها عنه ..
- منصور .. انته تسمعنيه .. لا تسير له مرة ثانيه .. هذا مريض و أي شي يمكن يصير و انتو هب متعمدين ..
لم يجبها فقط نظر اليها و ابتسامه هادئة تناوش شفتيه .. فيما كانت هي تنفخ في ضيق .. كان هذا ضربا من الجنون كيف يكون منصور متهورا لهذه الدرجة .. و يقترب من مصاب هكذا ..؟؟!!
.
.
- الرفض ..
انتفضت و تبعثرت أفكارها حولها حين قال كلمته بحزم و هو يركز على نقش الطبق أمامه ..
- الرفض و اليأس .. ضغوط يمكن يسوي الانسان أي شي و هو تحتها ..
ثم رفع رأسه فتشتتت و هي تراه يراقبها بعينيه الحادتين ..
- انت لي قلتيلي هالرمسة .. صـــح ..؟
لم تجبه .. شدت على شفتيها و هي تحاول بقوة الثبات أمام نظرته المدققة .. فقال فجأة متسائلا ..
- خبرينيه الحين .. لو كانت وحدة من الحالات لي تتابعينها .. عندها هالمرض .. هل بترفضين متابعتها .. و انتي تعرفين ان هالشي بيحطمها ..؟ .. و الا بتعرضين عمرج للخطر .. و بتستمرين وياها بس عسب تساعدين شخص ضعيف كل لي يباه حد يسمعه ..؟؟
لم تجبه أحلام و هي تشيح بوجهها عنه .. فهي نفسها لا تعرف الاجابة .. لماذا يسأل هل يريد أن يلهيها عن الموضوع ..؟ .. نظرت له مجددا ..
- أنا هب لي في السالفة الحين .. انت .. و لازم تودر هالشخص .. و لاتييه مرة ثانية ..
.
.
وضع باقي الخبزه الممزقة لأشلاء على طرف الصحن و هو يقول بصرامة ..
- أنا هب ياي أطلب منج الاذن و الا أناقشج .. أنا بكمل لي أسويه .. لين ما أوصل للي أبا ..
ثم حرك كرسيه يبتعد عن المائدة و صوته الحازم يتردد مرة أخرى معلنا نهاية النقاش ..
- و زهبي عمرج عقب المغرب بنسير قدا هليه ..

* * * * *
تتمة




تجلس هناك و هي لا تطيق ثيابها .. مجبرة على الابتسام في وجه شقيقتيه التان بدتا سعيدتين لرؤيتها .. هي كذلك و لكن غيظ أكبر يعترم صدرها .. تكاد تنفجر .. لا يمكنه أن يواصل ما يفعل .. نفخت بضيق شديد ..
ثم سرعان ما ابتسمت معتذرة حين تساءلت ميثا ..
- أحلام شفيج متضايقة ..
قالت كاذبة ..
- حر .. العنود ما تحسين ..
هزت العنود كتفيها ..
- شوي .. ميثاني نشي بطلي المكيف ..
نهضت ميثا لتدير المكيف ثم تخرج للمطبخ .. و التفتت العنود لأحلام ..
- أونه حر .. هاا .. كذابة .. خبرينيه .. بلاج ..
تظاهرت أحلام بعدم الفهم ..
- ماشي يختي .. بس أحس عمريه ميهودة شوي .. و عظاميه تعورنيه ..
نظرت لها العنود بإمعان ..
- متأكــــــــــــدة ..؟
هزت أحلام رأسها بصدق فقد كان هذا صدقا نسبيا .. فهي حقا تشعر بإرهاق .. ربما لأنها لم تستطع أخذ قيلولة من شدة وطأة القلق ..
- هيه .. أمج وين ..؟
سألتها أحلام ذلك بحيرة حقيقية .. فمنصور الآن مع مبارك و أبيه و زوج العنود في المجلس .. مما يتيح الفرصة لحماتها بالمهاجمة .. و لكن تلك كانت هادئة على غير العادة .. قالت العنود ..
- تعابل العشا .. خبرينيه علومه منصور ..؟
- طيبة ..
- ليش ما تسيرون علينا .. و الله من عرست ما شفت منصور خوية في بيتي ..
- أفاا عليج يا العنود .. فالج طيب يوم نشوف عمارنا فاضيين بنطب عليج .. الحين قولي شوه الوحام وياج ..؟
هزت العنود كتفيها ..
- عادي و لاشي .. ما عنديه أي مشاكل ويا العيشة .. بس واحد من عطوري كرهت ريحته ..
- اهااا ..
و صمتت أحلام فور رؤيتها لزوجة عمها مقبلة نحوهن .. التي نظرت لهن شزرا حين توقفن عن الكلام ..
- نشن العشا زاهب ..
.
.
مر العشاء وسط الأحاديث الخفيفة .. و ذهن أحلام المشغول يتجاوب معها ببطء .. شديد ..
كادت تقفز على قدميها حين دخل مبارك ليعلمها بأن منصور ينتظرها في السيارة .. و لكن حين نهضت بوقار أوقفها صوت زوجة عمها و هي تقول بهدوء ..
- أحلام تعالي ويايه .. اباج ..
اتسعت عينا ابنتيها بصدمة شديدة .. و لم تكن أحلام أقل عنهن .. جف حلقها بتوتر .. لو لم يكن عقلها مشتتا بالتفكير في زوجها و مشكلته .. لكانت الآن تحاول ايجاد تفسير معقول هدوء حماتها التي تقف الآن و تطلب منها الحديث .. نهضت المرأة متوجهه نحو غرفة الطعام القريبة من الصالة .. نظرت أحلام باستفسار لابنتيها .. التين هزتا كتفيهما بعدم دراية .. لم يكن بيد أحلام سوى أن تتبعها و عندها ستزول حيرتها ..
حين دلفت الغرفة وقعت عينيها على زوجة عمها التي تتوسطها فاقتربت أحلام ببطء و قلبها ترتفع دقاته بارتباك .. ما الذي تريده هذه المرأة التي كلما اعتقدت أنها حسنت علاقتها بها .. وجدتها لا تترك نزعتها السادية لنغزها .. لتزداد الأمور في عينيها أكثر تعقيدا .. جلست أحلام قريبا منها .. و اعتصرت يدها المرتجفة و هي تنتظر منها الحديث .. لم يطل بها الانتظار اذ سرعان ما قالت أم منصور ..
- أحلام .. شحالج و شحال ريلج وياج ..
مقدمات ...!!
لا بأس .. جل ما تتمناه أن لا يكون الموضوع متعلقا بعملها ..
- الحمد الله عمووه .. يسرج الحال ..
نظرت العجوز ليدها و قد بدت مرتبكة للحظة و كأنها مضطرة لقول ما لديها ..
- أنا ابا أرمسج فسالفة .. بس مابا حد يدريبها انزين ..
أومأت أحلام برأسها موافقة .. فتابعت أم منصور ..
- أنا أدري انج هب متعودة انيه ارمسج فشي خاص .. بس انتي حرمة ولديه و ماشي في الكون أهم عن مصلحته ..
و تزداد الحيرة ..
اذا تعجلي و ألقي ما في جعبتك ..!! ..
- انتي سرتي للدختر عسب تشوفين ليش تأخر الحمل عندج ..؟
أغمضت أحلام عيناها بمرارة .. اذا هذا هو الموضوع المهم .. حسنا استعدي أحلام هناك الكثير من الألم قادم اليك في الطريق ..
- هيه عمووه و منصور سار ويايه .. و قالوا لنا ماشي مشاكل .. محد فيه شي و الحمد الله ... عادي يتأخر الحمل .. فيه عرب تيلس عشر سنين و ما تييب عيال ..
الآن أصبحت حماتها أكثر جدية و هي تقول ..
- قالتليه عمتج انج ما طعتيها عسب توديج للممسدة .. أنا الحين ابا ارمسج في هالسالفة ليش ما تسيرين وياها قدا الحرمة يمكن تنفعج .. وااايد يمدحونها ..
.
.
لحظات كان وجه أحلام الهادئ ينظر للأمام بهدوء شديد .. هدوء لم يعكس أبدا غليانها الداخلي .. كان القهر ينتشر في روحها .. و احساس بالغبن يتعاظم ..
كيـــــــــــــف ..!!
كيف استطاعت أمها أن تضعها في هذا الموقف المذل .. ؟ .. كيف توجهت لآخر شخص قد يكن لها المودة أو يريد مساعدتها لتناقش معه أسرارها و شؤونها الخاصة .. لا تبالي قط إن كانت هذه أم منصور .. هذه المرأة لم تتوانى عند أدنى فرصة لإذلالها .. كيف فعلت أمها بها ذلك ..
أمسكت زمام نفسها و هي تشعر بأنها على وشك البكاء .. رفعت عينها لزوجة عمها .. عليها أن تنهي كل شيء بسرعة فزوجها ينتظرها في الخارج .. و لكن حذارِ يا أحلام .. هذه تضل أم زوجك .. الذي لن يرضيه أي هجوم عليها .. أغمضت عينيها لولهة قبل أن تفتحهما ثم تبتلع ريقها .. و تقول بصوت خافت .. و احساسها بالحرقة في قلبها من هذا الموقف المهين يتزايد ..
- بقولج ليش ما بسير ..لن هاي الحرمة ساحرة .. دجااالة .. و أنا حتى لو كنت ..
صمتت للحظة قبل أن تقول بقوة ..
- بنت هندية .. و هب عايبتنج .. بس أنا هب ناقصة دين .. و ماريد أكفر بربي و أطيعكن ..
ثم نهضت من مكانها و هي تقول ..
- أدري انج ما تداانينيه .. و انج ما كنتي تبين منصور ياخذني .. بس هذا ما يعني انيه بيلس أسترضيج و أسوي شي أنا أعرف و انتي بعد تعرفين انه أكبر حراام .. سمحيليه .. كانج بس تبين ترمسينيه عن هالموضوع .. أنا مستعيلة و ريليه يرقبني برا ..
ثم خرجت مسرعة .. و هي تكبح عبرتها الخائنة .. لم تشعر في حياتها بهذا الكم الهائل من الرثاء للنفس .. لقد خذلتها أمها هذه الليلة بقوة .. هل كانت تظن أنها ستوافق استرضاءً و تقربا لأم منصور ..؟!! .. اذا كانت مخطئة .. دلفت السيارة و أغلقت الباب خلفها بهدوء .. و قال منصور بصوته البارد ..
- أبطيتــــــــــــــــــي ..
بلعت ريقها دون أن ترد .. تعلم أنه صوتها سيكون مثقلا بالألم .. و آخر ما تريده هو انفجار من أي نوع أمام منصور و على مرأى من ساجد ..!!

* * * * *

آثار ضيق البارحة لا تزال جلية عليها .. و رغم ذلك استمرت بالمرور على الجميع تاركة أم حميد في آخر الجولة فلا ينقصها الآن صراخها أو سبابها الذي لن تحتمله أحلام هذه المرة .. قضت بداية النهار مع خليفة .. تحدثه في شتى الأمور .. تضيع وقتا قبل أن تتجه لأم حميد .. كم كان مريحا الجلوس معه كالعادة .. لاحديث ببساطة و لا رد على الكلمات سوى صداها ..!!
.
.
حمدت ربها بقوة حين وجدت العجوز تغط في سبات عميق في مكانها فوق السجادة .. لذلك خرجت بسرعة .. و قررت التوجه نحو سهيلة لتنفذ وعدها بمشاهدة فلم كرتوني معها .. و لكن يبدو أن سهيلة ليست بحاجتها في تلك اللحظة فحين دخلت أحلام كانت هناك فتاة في العشرينات على ما يبدو .. بكامل أناقتها .. شكت أحلام بوجودها قبل أن تدخل الغرفة من رائحة العطر التي أسكرتها .. ما هذا ..!! كانت ترتدي ملابس مبالغ فيها لزيارة مريض .. و تلك المساحيق التي تراكمت على وجهها .. هي غاية في الجمال لا تنكر و لكن الزكرشة في عبائتها و الألوان التي ملأت محياها أعطتها طابعا مبتذلا جعل أحلام تتضايق من النظر اليها و قد بدت في تلك اللحظة كالدمية الخزفية ..
.
.
اللحظة التي تجاوزت أحلام الباب استبشر وجه سهيلة التي كانت تقبض على كيس عملاق امتلأ بالحلوى .. مما جعل الفتاة تلتفت هي الأخرى لأحلام ..
قالت أحلام بهدوء ..
- السلام عليكم ..
لم تقف الفتاة عن كرسييها .. بل ظلت جالسا و هي تضع ساقا على أخرى و تقول بصوت ناعم ..
- و عليكم السلام ...
أمعنت أحلام النظر جيدا .. ما هذا الكرنفال المتنقل ....!! لم تبالي الفتاة بنظرات أحلام التي بدا أنها تتعرض للفحص فقد بدا بريق ترفع بعيد في عيني الشابة و هي تقول ..
- نعم ختيه .. تبين شي ..
نظرت لها أحلام بهدوء ..
- أنا مستشارة أتابع سهيلة .. انتي لي منوه ..
لوحت الفتاة بيدها في طريقة لم تعجب أحلام أبدا ..
- يعني تشتغلين هنيه .. أهاا .. - ثم تغيرت نبرتها لشيء من الغرور - أنا الغالية خت سهيلة العودة ..
عقدت أحلام حاجبيها و هي تنقل بصرها بين الاثنتين .. رغم ذلك بدت الفتاة أصغر سنا من سهيلة .. ثم لما صوت التعالي هذا .. ليست مالكة المكان بالتأكيد ..!!
- خلاص عيل أنا بظهر و أخليج ويا أختج .. خذي راحتج ..
و استدارت خارجة و تناهى لأذنها أن الفتاة قالت شيئا و لكنها لم تلقه له بالا .. فمنظر وجه أبو ثاني أريح لها بالتأكيد من الحملقة في تلك الألوان الفاقعة ..!!

.
.
.
.
مد قدميه الهزيلتين و هو يقول ..
- النعيّم .. أنا ما قد خبرتج عنها ..؟!! .. آآآآه يا النعيّم ..
سألته و هي تقضم حبة الرطب الحمراء تشعر بحلاوتها في فمها ..
- لا ما قد خبرتنيه عنها .. تقرب لك ..؟
ضحك بشدة ضحكة خرجت من أعماق حلقه صدئة مهتزة .. و الفراغ مكان ضرس بدا بينا .. في تلك اللحظة تبخر ضيق أحلام بشكل مدهش و ابتسمت بصدق و هو يقول و لا زال صوته متحشرجا اثر الضحك ..
- الله يسامحج وين تقرب ليه .. النعيّم ناقتيه ..
أصبحت أحلام هي من تضحك الآن حتى كادت تختنق ..
- اسمحليه بو ثانب تحريتاا حرمة ..
ابتسم و هو يقول ..
- بالحل يا بنيتي .. لو هي حرمة ما خليتااا .. و الله ينج ما شفتيهاا .. علي بالحناث انها ....
- بو ثاني حرام الحلف بغير اسم الله ..
و كعادته لا يبدو و كأنه سمعها ..
- حي شوفها النعيّم .. انا شريت امها من ..........
.
.
كان مرتاحا و هو يستعيد ذكرى عزيزته تلك على مسامعها .. ربما لم تكن ملمة بهذه الأمور .. أو مهتمة .. و لكنها أصاخت السمع باهتمام .. قد يكون هذا بلا قيمة في عيني غيره .. و لكنه بالتأكيد يعني له الكثير ..!!

* * * * *
كانت الساعة تشير لتمام الثانية ظهرا و لايفصل موعد انتهاء العمل عنها سوى نصف ساعة قررت أن تقوم خلالها بزيارة سريعة لأم حميد الذي لا بد أنها مستيقظة الآن .. و لكن سرعان ماندمت على قرارها الأحمق ذاك فور تخطيها عتبة العجوز ..
شعرت بكلماتها الحادة تهب كريح عاتية في وجهها .. لتيطير كل ما فيها من هدوء فصوتها المدوي يتردد في أذنيها بقوة ..
- خير إن شا الله .. توو الناس يا الشيخة .. كان ما ييتي .. غادية حمارة القايلة ما تنشافين الا الظهر ..
كادت أحلام أن تسد أذنيها بيديها .. و لكنها ليست راغبة بأن تنهشها هذه الشمطاء بأسنانها .. تمنت لو أنها أحضرت سهيلة أو حصة درعا بشريا ..!! .. فهذه العجوز ترشق كلماتها في كل اتجاه دون مراعاة ..
- أم حميد أنا ييتج و لقيتج راقدة ..
نعقت العجوز ..
- راقدة ما تعرفين توعينيه .. ؟؟ .. و الا شفتيها فرصة تودرين شغلج و ترتغدين .. أنا من أشوف بو عبد الرحمن بخبره بكل علومج .. محد بيسنعج الا هو ..
أغمضت أحلام عينيها .. هي مضطرة الآن للجلوس معها و استرضائها .. ليس خوفا من المدير .. بل للتقرب منها ..
.
.
.
.
.
.
.
لم تستطع الخروج من عندها الا في تمام الثالثة لتنطلق مسرعة نحو مكتبها تلتقط حقيبتها و تغلقه .. لتهرول نحو سيارتها .. لقد تأخرت جدا ..
و المثير للعجب أنه لم يتصل بها ..!!
خرجت من باب الدار و كان مكان أمينة خاليا .. لقد تأخرت كثيرا .. هل تغدى يا ترى ..؟!!
ستسرع و تصل الى حيث تريد في غضون ربع ساعة أو ثلثها على الأكثر ..
و لكن كل آمالها تلك راحت أدراج الرياح .. يحملها الإحباط الى حيث لا تحقيق ..
و عيناها تنظران الى ما لم تتوقع حدوثه قط .. خصوصا في هذا اليوم ..
لا يمكن أن يكون القدر قاسيا لهذه الدرجة ..!!

* * * * *

04:45 PM
تألقت بلونها الأخضر في ساعة السيارة الالكترونية حين أوفقتها في كراج البيت .. قفزت من السيارة تلتقط حقيبتها و هاتفها ذو البطارية فارغة الشحن .. و عينها على تلك السيارة الفارهة التي توقفت أمام البيت .. مبارك هنا ..!!
دلفت البيت بسرعة و قلبها يخفق بعنف .. كم سيسر منصور جدا أن يجد تأخرها هذا عذرا لكي يشيد بأن العمل ألهاها عن واجباتها .. و لكن ذلك لم يكن بيدها ..
في اللحظة التي فتحت بها الباب و استدار الرأسين اليها علمت أنها ستجد حسابا على هذا التأخير .. بدت الراحة الشديدة أولا على وجه الرجلين الذي كان أحدهما واقفا على قدميه و الآخر على كرسيه .. قبل أن تنقلب سنحة زوجها للهدوء .. الذي لمست غليان الغضب تحته .. إلهي اجعل الأمور تسير على ما يرام ..!!
- السلام عليكم ..
قالتها بصوت خافت و هي تشد على حقيبة يدها ..
- و عليكم السلام ..
يردان بصوت واحد قبل أن يتحرك مبارك بهدوء نحو الباب الذي تقف عنده ..
- شحالج أحلام ..
ابتسمت بارتباك ..
- الله يعافيك .. شحالك انته ..
- يسرج الحال .. روعتينا عليج ..
ثم التفت لمنصور ..
- أمر عليك اليوم ..؟
هز منصور رأسه بصمت رفضا ..
- خلاص عيل أترخص أنا الحين .. فدااعت الله ..
ترفع صوتها الخافت ليعلو على دقات قلبها المدوية ..
- الله يحفظك ..
.
.
كان انسحاب مبارك اللبق في غير محله .. تمنت و هي ترى الغضب العارم ينعكس خلف عيني أخيه البعيدتين لو أنه ظل هنا لدقائق أخرى .. و لكن في اللحظة التي أغلق فيها الباب .. لم يعقب تكة انصفاق ضلفيه أدنى صوت .. سوى أنفاسها و دوي قلبها المتوتر ..
لم تدري لما تشعر بهذا الخوف .. بالطبع ستشرح له ثم سيعذرها .. ثم........
.
.
رددت جدران البيت المزخرفة بترف صوته القاسي و هو يقول ..
- وين كنتي ..؟
بلعت ريقها ..
- في الدوام ..
نظر لساعة الجدار و لمسة من الاحتقار بدت واضحة في صوته ..
- الساعة خمس و في الدوام .. ليش مبندة تيلفونج ..
صوتها الخافت لا يكاد يسمع من بين ترددات صدى غضبه ..
- كان مفظي ..
.
.
للحظة تمنت لو أنها استمرت بالصمت حين انفجر يصرخ بقوة ..
- هب عذر .. شوه تتحرين عمرج عايشة بروحج .. تبطين متى ما تبين .. لا تستأذنين و لا تخبرين ..
سحب نفسا عميقا و كأنه يهدئ نفسه ..
- نحن محتشرين هنيه .. و لفكار تودينا و تييبنا .. و انتي هناك و لا عندج خبر ..
- منصور والـ ..
رفع يده مقاطعا اياها ..
- ما ريد أسمع شي .. بس مرة ثانية يا الشيخة .. راعي إن ريلج عاجز و ما يروم كل ما اتأخرتي و تلفونج مغلق يسير يدورج ..
كانت هذه طعنة مباشرة .. لم تدري اذا أصابته قبل أن تصيبها .. !!
أدار كرسيه بسرعة و توجه نحو مكتبه ليتوارى خلف الباب الخشبي البائس ..

* * * * *

كان ستار الليل قد أسدل ببطء معلنا انتهاء دور النهار لهذا اليوم فقط .. النهار الذي حمل خيوطه المشعة و رحل متوعدا بالعودة غدا ..
.
.
و لم يعد يبلغ مكتبه من الضوء سوى بقايا أشعة من أنوار الشارع القريب تحاول مستميته إفساد هذا الظلام المريح .. الذي يجلس هو وسطه بهدوء ..
أسدل جفنيه الثقيلين ببطء .. حين سمع طرقات خفيفة على الباب .. بدت له مترددة ..!!
لقد كان قلقا عليها اليوم .. قلقا للغاية .. رفع صوته يأمرها بالدخول متأكدا بأنها هي ..
- تعـــــــــــــــــالي ..
سمعها تدير مقبض الباب و تفتحه ليصدر صريرا غريبا .. و يتدفق مع الفرجة الكبيرة هذه ضوء من الصالة أنار المكان ..حالما دخلت الغرفة مدت أناملها لتبث الضوء في الغرفة .. فيغمرها النور بقوة مهاجما عينيها ..
يغمضها قليلا .. و يسمعها تهمس ..
- كنت راقد ؟؟
- لا ..
ثم أشار للأريكة القريبة ..
- يلسي ..
جلست حيث أشار بسرعة .. لم يكن يعجبها هذا السطح البارد .. فقالت و هي تفرك يدها بقوة ..
- منصور اليوم و الله ما كنت متعمدة ابطي .. بس الموتر كان مبنشر و ما حصلنا سكروب على مقاس التاير ..
ينظر لها بنفس الهدوء .. لا يرد ..!!
- منصور .......
أشار بيده مقاطعا ..
- بس خلاص طاحت السالفة ... ماريد أرمس فيهل ..
تمعنت في وجهه .. لا لم ينته شيء هنا .. ما زال غاضبا لأنها تأخرت .. في الاسبوعين الأخيرين شعرت بأنه قد بدأ يلين .. رغم لمسات البرود الذي تتخلخل علاقتها به .. الا أن الدفء أصبح يسري بينهما مؤخرا .. لا تنكر أنهما أحيانا يجدان ما يختلفان عليه .. كموضوع مصاب الايدز البارحة .. الا أنها الآن استلذت لهذا القرب الطفيف .. لا تريد أن تدفعه بأي طريقه ليعود الى قوقعته البائسة تلك .. بالأمس تشاجرا .. و اليوم هو غاضب منها ..
عاودي فعل شيء هذا القبيل أحلام و ستجدين أنك أمام تلك الواجهة الجليدية مجددا ..
تنهدت بتعاسة و هي تفكر بأنها لا تريده أن يجد تأخرها مبررا ليجعلها تترك العمل .. مع أنه لم يذكر شيئا عن ذلك ..
.
.
التفت لها و هو يسمع تنهيدتها تلك .. كانت بعيدة عنه .. و لكنها سالمة .. لم تصب بمكروه كما خطر له هذا اليوم حين تأخرت .. هز رأسه و هو يقول ببرود ..
- نشي زهبي العشا ..

* * * * *

لم تعد ترغب في هذه اللحظة سوى وضع كاتم للصوت في حلق هذه المرأة .. و هي تشعر بأن صوتها سيشطر رأسها لنصفين .. و عظامها المزعزعة من قلة الراحة ترتج إثر موجات صوتها القوية ..!!
- يوم أقول لمعرسااات ما فيهن خير .. بس محد يفطن ليه .. الوحدة تيي من بيتااا متواقعة ويا ريلها و تفك حرتاا فيناا ...
تنهدت أحلام .. حقا لا ينقصها سوى هذا ..
- أم حميد عييينيي خيييير .. بلاج محتشرة .. شوه سويت أنا الحين ..
صرخت العجوز ..
- شوه بعد شوه سويتي .. البارحة يايتنيه يوم امخلص دوامج و تقولين أخرتينيه .. و اليوم منزربة في حجرتج و محد شاف عينج .. و يوم يتيينا تتمننين علينا بطيبة الخاطر .. اممممف عليكن .. ما فيييكن خير ..
شدت أحلام قبضتها بقوة .. تقاوم رغبة بأن تمسك أقرب ما حولها لتلقيه على هذه العجوز .. شعرت بالغبن .. آخر ما تريده هو الشجار معها الآن ..
و لكن يبدو بأن الله قد لطف بها حين أقبلت زكية تقود معها سهيلة التي كانت تقبض على كيس حلوى البارحة و ما زال يحوي فيه الكثير ..
لتنقلب العجوز للطفها الذي لا تلمسه أحلام أبدا و تنشغل قليلا بالحديث مع سهيلة .. في حين اقتربت زكية و وضعت يدها بحنان الأمومة على كتف أحلام تسألها بعطف ..
- فيه ايه يا حبيبتي .. شكلك تعبانة أوي ..
ابتسمت أحلام و تخنقها العبرة ..
- ماشي فدييتج مصدعة شوية .. شحالها حصة الحين ..
همست زكية ..
- ماخدة مسكن ديلوئتي و عاوزة راحة شوية .. و سهيلة جالسة ما تعملش حاقة أولت أجيبها هنا لأم حميد .. مش عاوزاها تجلس لوحديها كتير و هي حتمشي بعد أسبوع ..
عقد أحلام جبينها ..
- وين بتسير ..
هزت زكية رأسها ..
- حتروح البيت .. أصل أهلها بييجو كل عطلة ربيع ياخدوها .. تئعد الأسبوعين معاهم و ترجع هنا تاني .. أولت أخليها تشوف أم حميد ..أصلها بتحب البت أوي ..
ثم تساءلت ..
- هي عاملة ايه معاكي ..
- بلاوي يختي .. لا تتخبرين ..
- أعملك كوباية شاي ..
تنهدت بامتنان ..
- تسوين خير و الله ..
ابتسمت زكية مشجعة .. و خرجت لتترك أحلام غارقة و كلمات أم حميد تتسلل لذهنها المشغول .. تسمعها تداعب سهيلة و تسألها أن تعطيها بعض الحلوى .. هذه العجوز تتحول لكائن رقيق مذهل مع من تحب .. و لكن معها أو مع الأطباء بشكل عام تصبح شيئا بغيضا لا يحتمل .. كم تتمنى لو أن هذا الوجه يكون لها لثوانٍ فقط .. تريد أن تشعر كيف يكون الإحساس بحنان القسوة ..!!
ما زال زوجها متكدرا بشأن تأخرها البارحة و بدا الامتعاض عليه حين رآها ذاهبة للعمل و لكن ذلك لم يردعها من تحذيره مرة أخرى بشأن ذاك المصاب الذي يصر على مقابلته ....
تنهدت بوهن .. أما آن لتلك الزوابع أن تنقشع عن حياتها ..!!
و كأنما أرادت أن تنتشلها بقوة من مستنقع أفكارها صرخت ام حميد صرخة مدوية ..
- لبنيــــــــــــــة بتمووووووووووت يعلكن السل لحقن عليها ..
اجفلت أحلام بذعر و التفتت لهن لترى أم حميد تمسك بكتفي سهيلة و هي تقول كلمات مرتاعة لم تبدو واضحة .. و لكن أحلام فهمت الأمر فورا .. فوجه سهيلة المسود كان يخبرها أنها تختنق ..
قفزت بسرعة لحيث يجلسن لتنكس رأس الفتاة و تضربها بحافة يدها على مؤخرة عنقها .. سهيلة ما زال صوتها متحشرجا و أحلام تحاول جاهدة أخراج ما علق في حلقها .. أم حميد صوتها باكي الآن .. و هي تشتم الجميع بلا استثناء ..
- غيثووها .. لا بركتن فيكم .. لااااااا تموووت .. دحيها .. سهيلة يمييييه ..لا تسرطينه ..
ثم فجأة مع ضربات أحلام اليائسة و هي تظن للحظات بأن سهيلة تلفظ أنفاسها .. تقيأت الفتاة بشدة .. لتخرج قطعة سكاكر ضخمة
أمام عيني أحلام المرتاحتين .. لم تشعر بالسعادة قط لرؤية أحدهم يتقيأ كما هي الآن .. كادت تبكي من الفرحة .. و هي تهرع للحمام و تلتقط منشفة و كوب ماء من فوق طاولة أم حميد ..
سهيلة كانت تبكي و هي خائفة بشدة .. و تكح باختناق .. و أحلام تمسح ثوبها و تسقيها الماء .. ثم مدت أم حميد ذراعيها تحتضن تلك الصغيرة بشدة .. و عينيها التين تحيطان بهما التجاعيد تترقرق فيهما دموع حبيسة جعلتها أكثر انسانية في عيني أحلام ..
ماذا لو كانت هذه حقا آخر لحظات سهيلة ..!!
سهيلة الطفلة .. التي لم ترى في حياتها أبعد من جدران بيتهم و الدار .. التي حرمت من العيش كأي فتاة طبيعية .. التعلم .. تكوين أصدقاء ..
.
.
حتى الأهل ..!!
هل ستلين تلك القلوب رحمة اذا ماتت ؟!! لا يهم .. هناك شيء واحد تأكدت منه أحلام و ألم خفيف غزا قلبها للحظات بدأ يخبو لتحل مكانه الراحة ..
هي تحب هذه الشابة .. تحب براءتها .. و طفولتها .. تحب عقلها العاجزعن فهم سبب وجودها هنا بعيدا عن أهلها ..
نظرت لرأسها المدفون في صدر أم حميد لا تتبين من وجهها الباكي شيئا سوى اهتزازها اثر شهقاتها المتعاقبة ..
رفعت عينيها لأم حميد .. و عبراتها تنسل بين خنادق الزمن المحفورة على وجهها .. لتقول لأحلام بصدق لم تلمسه الأولى منها قط ..
- يعلنيه أسد عوقج .. ما قصرتي يا أحلام .. هذي غالية عليه ..
بلعت أحلام عبرة تسد حلقها و هي تهز رأسها عاجزة عن الكلام ..
كانت هذه المرة الأولى التي تتلفظ فبها أم حميد بإسمها ..!!

* * * * *
●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الرابعــــــــــــــــــــــة▌○●



بعــــــــــــد أسبــــــــــــوع .. و نيــــــــف ..
.
.

كان وجهها شاحبا .. هالات داكنة تحيط بعينيها الغائرتين .. بدا التعب متجسدا في حنايا هذا الوجه المضنى ..
خطوط الزمن الغابرة المحفورة على كل ما تراه عيناها .. تحوي ألما .. أوجع قلب أحلام قبل أن تمسه هي ..
تغط في سبات حميد غارقة في عالم بلا أبعاد .. بلا ألم .. قد تجد في شيئا من الراحة التي تفتقدها هنا .. في تلك الظلمات اللامتناهية ..
تنهدت أحلام و هي تنظر لحصة .. هذه المرأة البسيطة .. سلّمت أمرها .. و لم تعد تحلم سوى بالعيش في آخر لحظاتها بلا ألم ..
لا أحد يتحدث هنا عن أمل بعيد قد يكون ممكننا .. و لا أحد يتحدث عن أجل قريب قد يضع نهاية لهذا الفصل من الحكاية ..!!
كل شيء فيها كان مبهما .. كأمر لم تفهمه .. أو بالأحرى لم ترد أن تفهمه .. حصة هنا مستلقية و قد أنتهك العذاب جسدها .. فلم يعد لها راحة سوى دفقات المسكنات التي تضخ في عروقها .. تهدئ شيئا من ألمها ..
و هي تجلس هنا .. تدرك أن تلك لن تشعر بوجودها .. و لكن .. احتاجت إلى الهدوء .. إلى هالة السلام الغريب الذي تبثه حصة حولها .. حتى لو كانت طريحة المرض ..
مر بعض الوقت و هي تجلس عندها .. و لم يكن الأمر مشابها قط للجلوس مع خليفة .. شتان بين الحديث مع شخص بحرية .. و كتم أنفاسك عند الآخر كي لا تزعجه ..
نهضت من مكانها بهدوء .. لا يمكنها أن تقضي النهار كله هنا .. عليها أن تجد شيئا تفعله .. فبعد أن أنقذت سهيلة من الاختناق الأسبوع الماضي .. انقلب حال أم حميد و كأنما قررت فجأة أن تستخدم وجهها اللطيف مع أحلام .. مما شتت الأخيرة و تركها في حيرة ..
تتوجه نحو الباب و تحاذر أن لا يكون لخطواتها وقع .. و قبل أن تخرج .. ترى تلك المفكرة الصفراء .. ملقية على الأرض .. لتعود إليها فترفعها بين أناملها متأملة .. فتحتها بلا عناية .. تتجاهل صوت ضميرها المؤنب يردعه فضولها .. لتقلب الصفحات بسرعة .. فتنزلق من بينها صورة بحجم كف يدها ..
انسابت من بين الوريقات التي تحاول التقاط شيء مما تحوي .. لتتهاوي ببطء كورقة خريفية مسنة .. أسقطت في يدها بعد أن أنهكها التعلق بالغصن .. لتلامس الأرض بخفة و هي مقلوبة ..
صــــــــورة ..!!
انحنت تريد التقاطها حين سمعت صوت حركة من السرير بقربها .. فتلتقط الصورة بسرعة و تدسها بين صفحات المفكرة دون أن تنظر إليها .. ترفع عينها ..
لا تزال تلك مستغرقة في النوم .. فتتنهد هي بشيء من الراحة و شعور بالذنب ينغزها .. فتضع المفكرة على الطاولة بحرص ..
لم تحبذ فكرة أن تمسكها حصة و هي تفتش في مفكرتها الخاصة .. لذلك سارعت بالخروج قبل أن تخضع لرغبتها في اقتحام أسرار حصة ..
و هي تتذكر ..
أنت أحلام من أردت تجاهل الورق ..
أنت أردت البحث عن حقيقة سكان هذه الدار في أرواحهم ..

* * * * *

يجلس على كرسيه الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من جسده .. مقابلا ذاك المسترخي على الأريكة الضيقة و أشعة الشمس تسقط في الغرفة بينهما عبر النافذة ..
كان يراقب تعابير وجهه المدققة و هو يقلب الكتاب بين يديه قبل أن يتساءل ..
- عايض القرني ..؟
هز منصور رأسه بهدوء ..
- هيه .. تحب القراءة ..
توقف عند صفحة يطالعها باهتمام ..
- يعني .. كنت ما أقرأ واايد .. بس عقب ما دريت انيه مريض و ان ماشي دراسة و لا علم .. قلت أنفع عمريه و أثقف نفسي بنفسي .. بس تدري شوه ؟؟ الاسم مال الكتاب عيبني ..
ثم ضيق عينيه و هو يمرر أنامله على الاسم المحفور في الغلاف ..
- لا تحـــــــــــــزن ..
ربت منصور على ذراع كرسيه و هو يتنهد ..
- هذا الكتاب ياني هدية من واحد من الربع .. عقب الحادث ..
نظر له سعيد بهدوء ..
- الحادث لي ..
هز منصور رأسه ..
- تعوقت فيه .. هيه ..
ثم صمت قليلا .. قبل أن يقول بهدوء ..
- أنا عقب الحادث اضطريت انيه أتم في البيت و لجأت للقراءة بالغصب مع انيه ما دانيها .. خلاف عيبتنيه ..
ثم ابتسم متذكرا ..
- تطلع من العالم لي انت فيه و تعيش عالم ثاني بكل ما فيه .. يختلف عن واقعك .. فيه الضحكة .. و فيه الدمعة ... عالم كامل بناسه و احساسه .. في غلاف .. يمحي كل لي قدامك و لي وراك .. ما تبقى غير انت و الكتاب .. عسب كذيه حبيت القراءة .. و عقب فترة بديت أكتب .. و نزلت لي أول رواية العام لي طاف .. و الحين أكتب الثانية ..
عقد سعيد جبينه بحيرة ..
- الحين كل واحد يكتب سيده ينشروله كتاباته ..؟
- لا طبعا .. أنا روايتيه نشرتها على حسابيه .. هاي مطابع و تجارة .. يعني نحن ندور لي يطبع لنا هب المطابع لي تدور الكتّاب .. و هاي اعاقة يواجهها أي كاتب .. وااايد مبدعين ما يلقون لي يراعي انتاجاتهم الادبية .. لنّا ندور أصحاب الشهادات أو نتوجه لفئة معيّنة .. فهمت ..
ابتسم سعيد بخفة ..
- شوه محاظرة ما شا الله .. تعرض معاناة المجتمع .. بس هب معقولة .. يعني الدولة ما تقدم أي مساعدات ..؟
- و الله ما قد سمعت ان وحدة من الحكومات ترعى كاتب ألف شي و نشروه ..
ابتسم سعيد بهدوء دون أن يرد و عاد ينظر للكتاب مجددا .. و هذا ما كان يثير دهشة منصور .. هذا الشاب يسري الموت على طول شريانه .. و لكنه هادئ جدا ..
- هااا .. شرايك فيه ..
وضعه على الطاولة المجاورة بجانب الكرة الزرقاء تلك ..
- خله عنديه بقرااه ..

ارادة الحياة 08-05-08 04:15 PM

حقيقة مفجعة ..

في الدورة الرابعة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب (2005) لم يصدر عن دور النشر العربية التي شاركت في هذه الدورة وعددها 707 أكثر من 2100 عنوان موجهة إلى 284 مليون نسمة هم عدد سكان الوطن العربي، في الوقت الذي تنتج فيه إسرائيل وحدها 13000 عنوان جديد سنويا موجهة إلى 5 ملايين قارئ فقط.


* * * * *


- لطيفة عبيد ..؟
هزت لطيفة رأسها تبرز بطاقتها الجامعية ..
- هيه نعم ..
قالت المرأة من خلف مكتبها ..
- كم دعوة تبين ..
عقدت لطيفة حاجبيها ..
- ليش الدعوة هب عامة و مفتوحة ..؟
هزت المرأة رأسها ببرود ..
- هيه .. بس الثلاثة أيام الأولى خاصة بالشخصيات و الدعوات الموجهة الخاصة .. خلاف بنفتحها للمدارس و العامة .. بس كل مشترك في المعرض يحق له بدعوتين خاصتين في اليوم الأول .. تبينهن و الا لا ..
.
.
هل تريد الدعوتين يا ترى ..؟ .. من سيتمكن من الحضور .. ليس أمها أو شقيقيها بالتأكيد .. ماذا عن أحلام .. ربما .. حسنا ستكتفي بواحدة ..
- ما عليه ختيه عطينيه وحدة بس ..
راحت المرأة تنتزع وريقات و توقع على أخرى .. و عيني لطيفة تتأملان حافة المكتب بهدوء .. لماذا لم تفكر بموزة .. هي تعلم جيدا أن ذلك سببه عزلتها و واثقة بأنه من المستحيل أن تتزحزح أختها من البيت كي تحضر المعرض .. لذلك فكرت بدعوة أحلام دونها ..
لا يعني هذا أنها لا تتألم على حال موزة .. ان قلبها ينفطر حسرة على حالها .. و لكنها لا تجد في يدها حيلة لدفع أختها خارج جدران البيت ..
و كأنما تنبهت لطيفة لشيء فضيع .. عندما عرضت عليها الدعوتين و فكرت بأحلام فقط .. شعرت بالخسة .. هي لم تحاول حتى مساعدة موزة .. و تلقي اللوم في عزلتها عليها الآن ..
الوضع صعب جدا .. مسألة طلاقها بعد ثلاثة أشهر من ذاك الحثالة .. أثرت بشكل كبير على حياتها .. هي خائفة من نظرة الناس ..
لا تقوى على مواجهة أعينهم .. و لا مواجهة واقعها المحصور تحت مسمى [ مطلقة ] ما الذي عليها أن تفعله الآن اذا ..؟!!
فكرت لطيفة بأن تحاول على الأقل .. عليها أن تحاول دفع موزة الى خارج قوقعتها تلك .. تعلم أن أحلام تحاول مستميتة .. و هي لا تقل عن أحلام ..
ستفعل أي شيء في الدنيا .. كي ترى انعكاس الحياة في عيني موزة يعود كالسابق ..
.
.
- لو سمحتي ....
اجفلت لطيفة .. و تبعثرت أفكارها تلك حولها .. و المرأة تمد يدها ممسكة بدعوة بضجر ..
- البطاقة ..
نظرت لطيفة للدعوة مرة أخرى .. قبل أن ترفع رأسها لوجه تلك المرأة المتضايقة بابتسامة حلوة ..
- غيرت رايي الشيخة .. أبا بطاقتين ..

* * * * *

ابتسمت بهدوء في وجه العجوز تلك .. رغم الارتباك الذي يغشاها مؤخرا و هي تتعامل مع [ النسخة اللطيفة ] من أم حميد ..
- سمحيليه و الله أدري انيه ابطيت عليج .. بس كنت عند حصة تعابة شوي .. و الحين بسير لخليفة أشوفه ..
قالت أم حميد بصوتها الوقور الذي أصبحت أحلام لا تواجه سواه .. الا ما صادف أن تكون موجودة حين يتلقاه الغير ..
- بالحل يا بنيتي .. ادريبج مشغولة .. خطفي عليه يوم بتخلصين .. الحين حصة مريظة .. و سهيلة مروحة .. و بو ثاني ريال .. أخيّل اسير قداه بروحيه ..
كانت قد قضت ساعتين معها .. و لكن يبدو أن رضا أم حميد يعني قضاء وقت أطول معها ..
- ما عليه .. أنا بس بخطف ع الباقين .. و برد لج ان شا الله ..
.
.
خرجت متوجهة نحو غرفة خليفة .. تصلها و تدخل .. ثم تغلق الباب خلفها .. و ها هو كعادته مستلق على ظهره .. عاجزا عن الحراك .. لا بريق للحياة سوى في عينيه المتأملتين للسقف ..
تقترب ببطء ثم تجلس بجانبه .. لتهمس بابتسامة ..
- السلام عليك خليفة .. شحالك .. شكلك أحسن اليوم .. حد مر عليك ..؟
.
.
وقع كلماتها في المكان يخترق سكون الغرفة .. لترد هي على ذاتها ..
فتستمر في بعثرة كلماتها ..
- آآآ .. ما خبرتك .. ترا سهيلة لي دوم أخبرك عنها .. بتسير باكر بيت هلها اسبوعين .. و بترد ..
ثم عقدت جبينها ..
- مادري ليش ما ارتحت لروحتهاا هناك .. أحس هلها ما بيراعوونها .. صح أنا هب أحرص منهم ع بنتهم .. بس في ذمتك .. هاييل بشر لي يفرون بنتهم المريظة بعيد عنهم في السنة ما يشلونها غير اسبوعين ..
هزت رأسها بعدم رضى ..
- أنا ما قد شفت هلها كلهم .. ما شفت الا ختها العودة .. استغفر الله .. ما بيلس اسبها .. بس شكلها ما عيبنيه .. اسلوبها في التعامل .. مصيبة لو هلها كلهم كذيه .. محد طلع منهم الا سهيلة .. فدييييتاا .. اسمينا بنتولّه عليها ..
ثم ابتسمت بخفة ..
- حتى أم حميد الشرانية تموت عليها .. ما قلتلك أم حميد قالبة عليّه امية و ثمانين درجة .. من يوم ما طلعت الحلاوة لي بغت تغص بها سهيلة .. رب ضارة نافعة ياخي ..
تنهدت و هي تقول ..
- هاي ام حميد رضت علينا .. ما بقى الا منصور .. و قودزيلا ع قولة رشود ..
كانت ساهمة و هي تقول ..
- تصدق .. منصور يمكن أتعايش ويا جفاه .. لنيه من سنتين و أنا أشوف هالجانب منه .. و بعدين هو قريب منيه .. أحيانا يتغير ..
نظرت لعيني خليفة الجامدتين ..
- ما يخرب علينا الا تعارض وجهات النظر .. هو ما يبانيه أشتغل .. و أنا ما باه يسير للمريض لي فيه الايدز .. أنا اتحريته اصطلب و رد يعاملنيه شرات قبل .. يعني يعطيني ويه .. بس شرات ما قلت .. منصور يمكن أتعايش وياه .. بس حمدان ..!!
بدت نبرة اليأس واضحة في صوتها ..
- صعب و الله .. هذا خوية .. حبيبي .. هو لي مربينا و قايم بنا .. هو لي يوزنيه .. هذا شرات ابوية .. مع انه هب أكبر منيه غير بثلاث سنين .. لي يعور قلبيه انه واايد زعلان من سالفة الشغل ..
لوحت بحزن ..
- زعلان و حتى السلام ما يسلم عليه .. الجمعه يوم سرت بيت عمي لقيته هناك .. يخرب بيته قفطنيه قدامهم .. من شهر ما ريته .. و ما نش يسلم عليه ..
مدت يدها بعجز للأمام ..
- و الله قهرنيه .. يتحرا انيه بودر شغليه اذا تم ع هالحالة .. الحين خلاص .. عناااد و غيااااظ .. ما بووودر الشغل .. ريليه موافق .. صح مراات يبين انه ما يبانيه أشتغل .. بس هو عند كلمته .. منصور دوووم كذيه .. اذا وعد ينفذ ..
نظرت لوجهه المتيبس .. لا حركة ..
.
.
لا إحساس حتى ..!!
.
.
زكية قالت بأنه يشعر بهم .. و لكنها علمت مؤخرا بأن ذلك مجرد احتمال واهٍ .. خليفة ليس لديه أدنى مؤشر لتقدم حيوي ..
ذاك يزرع اليأس في النفوس .. و لكنها مستمرة .. تأتي لزيارته .. لتجالسه .. فهو جزء من عملها ..
.
.
كان خليفة يذكرها بشكل ما .. و يعيدها لرائحة البحر ..
البحر الذي قد تسامره لساعات .. يمكنها الثرثرة فيها عن كل همومها .. مشاكلها .. حتى تفاهات الأمور تلك التي بلا معنى ..
دون أن تجد ملامة أو اعتراض أو حتى سأم من تلك الأذنين الصاغيتين ..
فقط ارتطام الأمواج بتلك الصخور ينبأها .. بأن البحر يشعر بكل ما يخالجها .. ينصت لكلماتها الخافته .. لا تحجبها صوت عجاجه ..
يصله إحساسها بخفة ..
.
.
و حتى حزنها يلمسه .. فيصل أطراف الشواطئ يبللها بدموعه .. اذا أتته ذات ألـــ،ــم ..
يهمس لتلك الرمال مبتلة ..
لما هي حزينه .. لما هي حزينة ..!!
.
.
هذا خليفة أيضا .. هو بحــــر .. لها أن تلقي بكلماتها هنا دون أن تبالي .. لا صوت للموج هنا يتكسر على حد الصخور يشاكي مشاعرها المختلفة ..
ربما لا يسمعها.. فتضيع تلك الأحرف .. بين هذه الجدران في صمت ..
فلا يعلم أحد ما راودها ..
.
.
و ربما كلماتها تلك .. و حكاياتها المهملة .. أحلامها الخرقاء ..
تتسلل ببطء .. لتخترق عالم الصمت الذي غرق فيه هذا الشاب .. تلامس شيئا بداخله .. فتنتشله من وحدته ..

* * * * *

تتقافز أنامله بخفة على لوحة المفاتيح .. و سيل من الأحرف يتدفق صفا على الشاشة و هو يركز فيها ..
و فجأة تتجمد أصابعه .. ترفض بعناد الاستمرار في رسم الكلمات بحماسه المتخاذل هذا .. لا يعلم حقا لما بدت له قصته في تلك اللحظة خاوية .. بلا معنى ..
استرخي في كرسيه و أشاح بوجهه بعيدا عن الشاشة .. يشعر بخمول شديد يعجزه عن التعبير عما يجول حقا في خاطره ..!!
لما ؟ .. أ لأنه هو ذاته لم يعد يفهم تلك الأحاسيس المبهمة التي تتخبط داخله ..؟ ..
صور كثيرة غدت تنسج أمام عينيه بضبابيه .. قد يمد يده ليلمسها .. و لكنه لا يراها ..
أ عليه أن يستشعر ألوانها بإحساس أعمى ..؟
.
.
نفض هذه الأفكار المبعثرة عن ذهنه .. و صوت من البعيد يتسلل عبر نافذة مكتبه .. ينبئه بأنه النداء .. و قد حان أن يلبى ..
.
.
الله أكبر الله أكبر ..
الله أكبر الله أكبر ..
.
.
قد حان وقت صلاة العصر إذا .. حرك كرسيه ليخرج من المكتب متوجها لجناحهم الخاص ..يدفع الباب الموارب بيده .. ليجتاز المسافة لغرفة النوم بهدوء ..
كان ما توقع صائبا .. فقد رفضت تناول الغداء حين عادت .. و رفضه أيضا .. فهو لا يريد أن يأكل وحيدا ..
و ها هي الآن أمام عينيه تغط في نوم عميق على الأريكة الوثيرة .. و وجهها مدفون في الوسادة الصغيرة ..
مكيف الهواء غير مدار و نوافذ الغرفة موصدة .. الجو هنا خانق جدا .. دفع الكرسي نحو النافذة القريبة .. ليمد جسده و يدفعها بيده .. سامحا للنسائم اللطيفة بالدخول و ترطيب هذا الهواء الجاف ..
دفع كرسيه مجددا إلى حيث تستلقي .. بدا الإرهاق واضحا على وجهها و هي تنام بتعب على الأريكة ..
في تلك اللحظة شعر بحنان يضرم به صدره نحوها .. دوما هي متعبة .. تثقل كاهلها هموم قد لا تلقي ببعض حملها كلمات ..
تستمر بمواصلة حياتها و المكافحة للا شيء .. هذا ما يراه .. عملها لا نتيجة له سوى ارهاقها .. هي تكافح كل محاولاتهم لإحباطها .. و هم مستمرون .. تلقى الضغوط من كل صوب .. و لا تبالي ..
منظرها و هي نائمة .. ساكنة .. جعله يراها ضعيفة .. لا تقوى على رد الأذى عنها .... و عاودته صورة قريبة .. أدنى من الوريد ..
يتهدج صوتها و هي تمنع نفسها من البكاء ..
- ليش تحاول انك تحبطنيه ..
.
.
رغم ذلك لم يردعها شيء .. ها هي تواصل حياتها .. تخرج كل صباح للعمل .. متحدية كل قيود قد تفرض عليها ..
رفضهم لعملها ..، عجزه ..، مشاكلهم ..، معاملته لها ..، و حتى ما يواجهها مع عائلتها ..!!
كل ذلك و لا تزال بقايا قوة خامدة تشتعل تحت الرماد .. يشعر بدفئها .. كل ما استطاعت أن تحفر فجوة في ذاك الجدار بينهما ..لتصله شيء من حرارتها ..
.
.
و هي نائمة .. مجردة من كل شيء ..
عنادها .. غيظها .. يأسها .. و إحباطها .. حتى ابتسامتها التي يجد أنها نادرا ما ترتسم على شفتها داخل جدران هذه الغرفة ..
كل الإحساس غائب الآن عن وجهها ..
و لا تجسد ملامحها .. سوى الهدوء .. الأمــــــان ..!!
بدت في تلك اللحظات كالحلم القديم ..
بعيد .....
و قد نسي تفاصيله ..!!
أدركه الوقت .. و عليه المضي ليقضي فرض العصر .. مد يده بخفة يلامس وجنتها الدافئة ..
- أحــــــلام ..
لم تتحرك ..
- أحــــــــــلام .. أحــــــــــلام ..
رفعت وجهها ببطء ..
- همممم ..
وجنتها المحمرة و شعرها الفوضى مبعثر حول وجهها بإهمال .. و النوم لا زال يسكن عينيها .. يكبح ابتسامة غريبة .. ناوشت شفتيه و هو يرى طفلة قد عرفها في الزمن الغابر ..
- نشي .. أذن العصر .. ما تبين تصلين ..
تأوهت و هي تستوي على الأريكة .. و تتذمر بصوت غائب ..
- آممم .. آنس ضلوعيه مكسره ..
- من نومج هنيه .. شوه لي حادنج ع الضيق .. و الشبرية طول و عرض ..
مطت يديها إلى الأمام ..
- ما حسيت من التعب .. أمس ما رقدت زين ..
ثم صمتت فجأة ....
نظر لها بتساول .. فلم ترد عليه جوابا .. فقال ببرود ..
- نشي يا الله الصلاة بتطوفنا ..
و تراجع بكرسيه للخلف ليوجهه نحو الباب .. قبل أن توقفه ..
- منصــــــــــــور ..
أوقف الكرسي .. و لم يلتفت .. صوتها يصل لمسمعه ..
- بتسير الصالة اليوم ..
- هيه .. بيمر مبارك عليه ..
كانت مترددة ..
- آآ .. انزين انا بسير بيت هليه ..
- برايج ..
و عاد يدفع كرسيه .. ليتجاوز عتبة الباب .. تاركا خلفه إحساس مختلفا راوده للحظات .. و ما زال أثره حتى الآن يسري في روحه ..
لا يدري لما يجد نفسه يدفعها لآخر حدود الصبر .. و كأنما يمني نفسه بأنها لن تحتمل ..
رغم أنه مدرك بأنها إن فعلت .. سيحطمه ذلك ..
أ ليس هو من قرر أنه لن يعطيها سببا لتشعر بالرفض .. اذا متى سينهي هذا ..؟
كل ما يعلمه أنه لن يتغير بين ليلة و ضحاها .. يحتاج الى الوقت .. الكثير من الوقت كي يعود الى سابق عهده ..
و الى ذلك الحين ..
سيظل اقترابه من روحها وعدا عالقا في ذمة الأيـــام ..!!

* * * * *

تجلسان لوحدهما في صالة البيت الفسيح .. و الضيق جلي على وجه زوجة أبيها .. و قد أشاحت بوجهها جانبا .. في حين شعرت أحلام بكل غيظها الدفين يتدافع مع كلماتها ..
- يعني ما لقيتي غير عمتيه شريفة طرشينها عليه .. أنا ما سمعت رمستج و انتي أمي .. تبينيه أطيعها و هي لي ما تدانينيه و أنا بنت الهندية ..؟
هزت رأسها بيأس ..
- أمايا هاي حياتي أنا .. و اذا انتي شفتيلج شي و أنا ما طعتج .. ما اباج تسيرين لها و تخبرينها .. تدرين انها ترقب الزلة مني ..
تذمرت تلك و هي تمسك طرف برقعها .. للحظات شعرت أحلام بأنها ترى تشابها بينها و بين جانب أم حميد النزق ..
- و شوه درانيه انج بتعصبين .. تحريتج ما تبين تطيعين شوريه .. قلت يمكن عمتج تلين راسج ..
ضغطت أحلام بسبابتيها على صدغيها بتعب ..
- أماااه .. هاي ما فيها أطيع شورج و الا شورها .. و بعدين أنا أمشي ورا لي تبينه و عيونيه مغمظة .. الا في هااي .. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. حتى لو هي أمي .. و بعدين أنا خبرتج هاي الحرمة ساحرة و دجاااالة .. اذا ما كنتي تعرفين معذورة .. بس الحين انتي تدرين بهالشي .. و تتحاسبين حتى ع التفكير ..
نهضت من مكانها تجلس بجانبها و تمسك بيدها ..
- أمايا .. لا تزعلين فدييتج .. بس و الله الحق حق .. الرسول صلى الله عليه وسلم : قال { ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن خمر , وقاطع رحم , ومصدق بالسحر } .. شفتي كيف .. تبين تبيعين آخرتج عسب تكسبين دنيا غيرج .. أنا راضية و الحمد الله .. الدنيا مقاسيم .. و بعدين الطب يقول انه أنا و ريليه محد فيه عيب ..
ثم ابتسمت تسترضي أمها ..
- يعني حتى يمكن أييج باكر و أقولج انا حامل .. بس كل شي بيد الله .. و نحن مالنا الا الصبر ..
ملامح عدم الرضا ما زالت تلوح على محيا أمها .. رغم ذلك نظرة التأمل بعثت الراحة في نفس أحلام .. عليها أن تدفع أمها بعيدا عن هذه الخزعبلات ..
هزت المرأة رأسها بفتور ..
- خلاص على راحتج .. لي تبينه بيصير ..
ابتسمت أحلام ..
- و ما ريدج مرة ثانية تسيرين لعموه شريفة و ترمسين وياها فأي شي من خصوصياتيه ..
هزت تلك رأسها بشيء من الإحراج ..
- إن شا الله .. أنا بسير أشوف العشا و بخلي زينة تزقر البنات ..
ضغطت أحلام على يدها و طبعت قبلة على رأسها ..
- لا تزعلين يا الغالية .. ألزم ما عليه رضااج ..
.
.
نهضت زوجة أبيها متوجهة نحو المطبخ ببطء .. كان من حسن حظ أحلام أنها صادفتها لوحدها فور وصولها لتلقي بكلمات تثقل صدرها ..
تنهدت براحة شديدة .. ثم التفتت نحو باب الصالة الخارجي الذي فتح على اتساعه .. ليدلف منه ذاك بطوله الفارع و جسده العريض ..
.
.
كان وجهه أقسى من الصخر .. و عيناه تنظران للأمام مباشرة .. لم يلقي نحوها نظرة واحدة ..!!
بالتأكيد يعلم أنها هنا فسيارتها موقفة بالخارج .. الآن يمشي بخطوات واسعة متوجها نحو الدرج .. متجاهلا وجودها في المكان ..
شعرت أحلام بشيء يتصاعد في داخلها .. تذكرت موقفه حين تجاهلها أمام عائلة عمها الجمعة الماضية ..
لا يحق له أبدا أن يفعل بها ذلك .. هي شقيقته .. لما يقاطعها على شيء لم يعد هو المسئول عنها منذ زمن ..
هبت من مكانها بقوة و أسرعت لتقف أمامه قبل بلوغه الدرج .. تواجهه .. و هي تقول بصوت مرتجف ..
- السلام عليك يا خوية ..
في الحقيقة لم تكن الشجاعة التي تتظاهر بها هي ما تشعر به .. بل كانت الرهبة التي لطالما واجهته بها .. فدوما هو كان مصدر خشية لها ..
ينظر لشيء وراءها و كأنها غير موجودة ..
.
.
و لكنه توقف ..!!
هذا بصيص من الأمـــــل ..!!
.
.
تتجاهل رعشة يدها .. و تشد قبضتها بقوة ..
- رد السلام ع الأقل .. السلام لله ..
تلك كلماتها تتناثر من بين شفتيها لترتد عن جانب وجهه الصلد .. دون أن يرف له جفن ..!!
- حمدااان .. ليش تسويبيه كذيه ..
لامست بيدها ذراعه ..
- حراام عليك .. مقاطعنيه أكثر عن شهرين ..ما اشتقتلي .. حمدان .. رد عليه ..
.
.
لا يلين ..!!
عينيه الجامدتين تنظران للأمام مباشرة ..
.
.
آلمها تجاهله هذا .. لا يمكنه أن يستمر على هذا النحو .. حاولت أن تلتقي بنظرته فلم تقدر ..
أمسكت كفه الكبيرة بيديها و نبرتها تتوسل ..
- أنـــــــــا أختـــــــك ..
.
.
شعرت بيده تنتفض بين أصابعها .. فعلت دقات قلبها بلهفة ..
- أنـــ ....
و بترت عبارتها فجأة حين التفت بعينيه لها .. هذه قسوة لم تألفها في عيني هذا الأب أبدا ..
نفض يدها عن يده .. و تجاوزها بسرعة متوجها للأعلى ..
.
.
تلك دمعة بلعتها بقوة ..
إيّـــــــــــــــاك ..
إياك أن تتجاوزي عتبات الجفن يا عبرة .. لي هذا المكان المناسب للإنكسار ..
.
.
جرت قدميها و هي تعود لتجلس على الأريكة .. حمدان لن يرضيه سوى تركها للعمل .. و هذا ما لن يحصل بالتأكيد .. ستقاوم كل هذه الوسائل .. ليدرك أن ليس بإمكانه أن يبتزها لتتخلى عما تصبو اليه ..
تخيلت للحظة أن تترك عملها .. أن تهدم ما لم تبدأ حتى في بناءه .. كيف سيكون وقع ذلك على حياتها ..؟
انها تمتحن صبرا .. تبحث عن ذاتها في ذاك المكان .. بين أوجاع و أسرار الغير .. الخافية .. الدفينة ..
اذا وصلت لأعماقهم .. قد تجد هناك ما تبحث عنه .. ما لم تجده في أي من زوايا روحها .. أو أنها موجود و لم تدركه بعد ..
.
.
.
.
.
.
.
- واااااااااااااااااا ..
شقت تلك الصرخة السكون قرب اذنيها .. فقفزت في الهواء بذعر و تصرخ هي الأخرى ..
قبل أن تلتفت بغلٍ و الشر يلمع في عينيها نحو ذاك الذي انفجر ضاحكا .. التقطت من الصحن الذي أمامها فنجانا فارغا تلوح به غاضبا ..
- عيدها مرة ثانية يا السبال و الله لفرك بالفنيال ..
استمر هذا في الضحك ..
- ههههههههههههههه يا ولد ع السجع بس .. سبال و فنيال .. ههههههههههه .. ما شفتي شكلج كيف .. و الله كان متي من الضحك ..
جلست أحلام بضيق .. و صرخته المدوية شتتها و انتزعتها من عمق التفكير ..
- جب .. يا الهرم و الله تروعت ..
جلس بجانبها يقبل جبينها ..
- افااا جب عااد ..
ثم عاد يبتسم ابتسامته الكبيرة ..
- بس ما عليه تأثير العفدة خمسة متر لي قبل شوي .. لو تشاركين في الجومباز بس ..
دفعته بيدها و ما زالت غاضبة ..
- خوووز عنيه .. كم مرة أقووولك لا تروعنيه ..
- يختي شفتج سرحانه .. و غارقة قلت العب عليج شوي ..
- تلعب عليه هاا ..؟ .. تعال اسمع قلبيه كيف يدق .. هب زين تروع الواحد و هو غافل .. بعض العرب ما تتحمل تموت ..
لوح بيده بلامبالاة ..
- انزين يا عمتي حشرتينا .. ما ترزا علينا هالهمسة ..
- أي همسة انتي و شيفتك .. طريت إذنيه بهالصريخ .. ما تقول غير أم حميد ماكلة مالح ..
- منوه أم حميد ..؟؟
- وحدة الله يستر عليها .. - ثم نظرت له شزرا - بكون أخير عنك و بخطف السالفة .. بس عيدها يا راشد و الله يا ويلك ..
ابتسم بحلاوة ..
- إن شا الله عمتيه .. فااالج طيب .. الحين Came down .. - ثم استرخى و هو يسحب نفسا - شحاالج ..
- بخير .. انته شحالك .. و شوه الجامعة ..
تأوه و هو يمط يديه بكسل ..
- آآخخخ .. الله يعافيج .. نكرف في هالجامعة .. علوم دوامج ..
- ترتوب ..
- مستشفى الساد واايد بعيد ...؟
- ماشي فديتك .. ثلث ساعة بس ..!!
- خيبة عيل قولي تشخطين الشارع ويلات .. ليش يالسة بروحج وين البنات عنج ؟؟
- تونيه ياية .. الحين زينة سارت تزقرهن ..
لم تكد تنهي عبارتها الا و أقبلت لطيفة تمشي الهوينا نحوهم ..
- السلااااااااااااااام عليـــــــــــــكم .. مرحبااااا و سهلااااااا ..
سلمت على أختها الكبرى قبل أن تلتفت لراشد ..
- ليش مبند تيلفونك ..؟ ..
- مفظي ..
- حمدان يباك فوق ..
- شييييييييت .. بياكلنيه الحين .. - التفت لأحلام بسرعة - جبنة حلوووم .. سوالفج بمليون ربية .. بس حياتي ما تنشرى .. انا بسير .. ترقبي انتي و الغراشيب لي عندج في الدوام زيارة منيه ..
صاحت أحلام خلفه ..
- حلوم فخشمك .. مابا اشوف عينك فدواميه ..
ثم التفتت للطيفة ..
- شحالج لطفين ..
هبت لطيفة منمكانها و أمسكت بيد أختها تجرها خلفها ..
- بخير الحمد الله .. زين انج ييتي اليوم .. كنت بتصلبج ..
.
.
.
.
.
.
.
مدت يدها تلامس سطح اللوحة غريبة الشكل ..
- الحين شو هذا لي ناقز ..؟
اقتربت لطيفة من اللوحة ..
- علوووم و أخيرلج ما تدرين بها ..
- و هاي الألوان ..؟
- ألوان زجاج .. - ثم أمعنت النظر في أحلام ..- ما قلتيليه .. شرايج في الموضوع ..
تأملت أحلام اللوحة بعناية ..
- ظنج موزان بتطيع ..
قالت لطيفة بحماس ..
- غصبن عنها تطيع .. أنا أدري انج تعانين وياها و تحاولين تظهرينها من لي هي فيه .. انا بعد ملزومة انيه اساعدها .. احسها لو حظرت المعرض و دخلت جو الجامعة مرة ثانية بتتشجع ترد و تدرس و الا شوه رايج ..؟
نظرت لها أحلام ..
- رايي ان رمستج صح .. نحاول من هالناحية .. و ما بنخسر شي ..
ابتسمت أختها ..
- خلاص عيل .. أول ثلاثة أيام خاصة .. و ما بتتبطل الا للشخصيات و لي عندهم بطاقات دعوة .. و انا يبتلكن وحدة انتي و موزان ..
نظرت لها أحلام باعتذار ..
- لطفيـــــــن .. ماروم أحظر و الله .. نسيتي دواميه ..؟
بدت الخيبة على وجه لطيفة ..
- ما ترومين تترخصين ساعة و الا ثنتين ..؟
هزت أحلام رأسها بأسى ..
- ماروم و الله ..
القت لطيفة جسدها على أريكة قريبة ...
- عيل بعقهن البطاقات .. أكيد موزان ما بتيي ..
جلست أحلام بقربها ..
- لا يا الخبلة بتيي بس خلينا نشوف شطارتج و ميولج الدرامية .. لا تتحمسين واايد و تسوين أفلام ..
- كيف ..؟
- قولي انج تبينها تحظر و ان محد بيي من صوبج يشوف المعرض .. و اكسري خاطرها .. و انج بتزعلين لو ما يت .. تعرفين موزاان حساسة و كلمتين تلينها ..
بدا التردد على وجه الأخرى ..
- مـــا أدري و الله يمــكـــــ ..
قاطعتها أحلام ..
- لا تدرين .. لحي عليها و طفريبها .. خلاف بتوافق .. و بطاقتيه أنا بقولج منوه تعطينهااا .. و أكيد بتسااعدنا عسب نرد موزان شرات قبل ..


* * * * *
تتمة


و مضى الليل حاملا معه أحــــلام لا تذكر .. تاركا الصدارة لرائحة التفاؤل يحملها النسيم مع خيوط الفجر المشعة..
و لكن تلك الرائحة لم تصل لأنف أحلام المرهق .. فقد نهضت من رقادها تشعر برأسها يكاد ينشطر ..
لم تكن تشعر بأنها على ما يرام و هذا الصداع يهاجمها بشراسة .. لا بد أنه نتيجة أرقها البارحة و هي تفكر بحمدان و كيفية ارضاءه ..
لم يسفر ذاك السهاد عن شيء سوى التعب الذي نالها من قلة النوم ..جمعت الماء البارد بين يديها لتنثره على وجهها .. تحاول انعاش نشاطها الصباحي بيأس ..
و ليزداد الأمر سوءا .. ها هي تستنشق رائحة كريهة في معجون الأسنان .. حسنا هذا ما ينقصها .. أن تبتلع معجون أسنان منتهي الصلاحية ..
رمت فرشاتها تحت الماء تغسل فمها بسرعة .. لا تدري لما تشعر باكتئاب و خمول .. هل هذا تأثير تصرف شقيقها الأكبر ..؟
لا يهم .. ستجبر نفسها على الذهاب و حين تصل الى هناك ستنسى كل هذا الإرهاق حالما تقع عينيها على تلك الوجوه الطيبة ..
استعدت للذهاب بسرعة .. و تنطلق نحو الشرفة .. جالسا على مقعده قرب طاولة الطعام الصغيرة .. و هو ينظر بتمعن لشاشة جهازه المحمول .. فالتفت لها حين سمع صوت دخولها ..
مرت أمام عينيها صورة قريبة .. حين كانت تصدر الأصوات بشتى الطرق كي يلتفت اليها ..!!
- صباح الخير ..
عاد ينظر لشاشته ..
- صباح النور .. بتسيرين ..؟
سؤال غريب ..!!
- هيه .. الساعة ثمان الا ربع ..
عاد ينظر اليها .. ثم فجأة شعرت بقلبها يتخبط بين أضلعها بقوة .. أَ هذه نظرة اهتمام بعيدة تلوح في أفق عينيه ..؟
كان ينظر لها بطريقة لم تألفها .. و شعرت بجفاف حلقها حين سمعته يقول ..
- شكلج تعبانه ..
هزت رأسها و هي تبتلع ريقها ..
- لا عاادي .. ماا آآ ..
بترت عبارتها و هي تكتم خفقات قلبها العنيفة .. شعرت بسعادة حمقاء تجتاحها و هي تراه يلاحظ ارهاقها .. تعثرت بأحرفها و هي تقول بعجل ..
- أنا بسير الحين .. تبا شي ..؟
هز رأسه رفضا بصمت .. للحظات أبت قدماها أن تتزحزح .. تريد أن تمكث هنا لدهر ..
و لكنها أسرعت بجر قدميها .. هذا الصباح غريب جدا ..!! هل أثر صداعها على رؤيتها للأمور .. أم أن الأشياء تبدو على غير عادتها ..!!

* * * * *

لم تكد تضع حقيبة يدها على سطح مكتبها حتى انتفضت فزعة من صوت الصراخ البعيد ..
كان الصوت قويا .. و غريبا .. و بدأ الذعر يدب في روحها .. ما الذي يحدث ..؟
هرعت لترى ما في الأمر .. و قلبها الخائف يحاول ردعها .. و مع اقترابها من الممر الذي يضم غرف الحالات ازداد ارتفاع الصوت ..
.
.
ما أن وصلت المكان حتى فجعها ما رأت عينها ..
أمام نظرها مباشرة .. كان رجلان يمسكان بيديها فيما هي تقاوم سحبهما العنيف باستماتة ..
صراخها يملأ المكان .. بصوت مزق نياط قلبها .. لم تكن صرخاتها حادة .. بل كانت تخرج من حلقها بصوت غليظ و هي تحاول دفعهم و التملص من بين أيديهم ..
و أمام ناظرها تقف زكية في الزاوية و هي تضع يدها على فمها دون أن تتحرك قيد أنملة ..!!
.
.
و مع استمرار تلك الصيحات المبحوحة الملتاعة .. شعرت أحلام بشيء كالنار يتصاعد في صدرها ..
لما تجر هكذا و الجميع ينظر لها مكتوفي الأيدي .. انطلقت تحث الخطى نحو الرجلين .. و لكن قبل أن تبلغهما تقدمت زكية نحوها بسرعة .. كانت الصدمة لا تزال بيّنة على وجه أحلام و هي تقول بحدة ..
- امنوه هاييلا لي يسحبووونها كذيه ..
ومضة الألم تلك في عيني زكية لم تبر نار غيظ أحلام ..
- دول اخواتها يا مدام .. ما تدخليش ..
نظرت أحلام لها بغل ..
- كيف ما اتدخل .. اشعندهم ييرونهاا كذيه شراات اليعدة ..
قبضت زكية على ذراعها بقوة .. و هي تتسول ..
- عشان خاطري يا مدام ما تعمليش مشاكل .. دي سوهيلة مش عاوزة تروح البيت مع خواتها .. هي دايمن كداا كل ما جاو يشيلوها البيت بتعمل هيصة و مش عاوزة تمشي من هنا ..
كان هناك صوت يصل مسامع أحلام من مكان قريب .. امتزج بصوت صراخ سهيلة ليجعل الأمر كالجنون ..
- يعلكــــــــــــم الســـــــــل يا مسودييين الويوووووووه .. ودرووها .. ما تباااكم .. حسبـــــــي الله عليييييييكم .. خلووووها هنيه .. شهور ما تنشدوووون عنها .. خلوووهااا .. يعلهااااااا ما تطلع من ذمتكم .. الله يغربلكم .. حشــــى هب بشر انتووو .. ما تعرفووون الرحمة .. وردرووووها .. ما تباا تسير ..
نقلت أحلام نظرها بين زكية و سهيلة ..
- مدام أحلام .. كل مرة بتروح سوهيلة البيت بيحصل كداا .. ما تعمليش لنفسك مشاكل .. دا أبو عبدالرحمن ما تدخلش .. أهلها هما اللي جابوها و هما لي ياخدوهاا ..
شعرت أحلام بالغبن و صوت سهيلة يخفت تدريجيا مع ابتعادها القسري ..!!
- ياخذونهاا كذيه .. ييرونها و هي تصااارخ .. حراام و الله..
بدت عينا زكية تتألق بإحساس أم حزين و هي تقول بصوت مختنق ..
- حَ تئولي ايه .. ناس ما بتختشيش و ما تخافش ربنا ..
ثم أدارت لأحلام ظهرها و ذهبت تاركة أياها تقف مكانها في الممر الخالي الذي كان منذ لحظات يضج بالصراخ و العنف ..
لوحدها هنا و لا أثر على ما رأت عينيها من قسوة تلك اللحظات .. سوى ألم يجتاح روحها ببطء ..
.
.
و صراخ يائس ما زال ينطلق من حنجرة أم حميد .. أصبح يخبو الآن ..
كصوت الضمير الذي نتجاهله متى أردنا ..!!

* * * * *

شعرت باليأس يتسلل لقلبها و هي ترى العناد في عيني تلك و لا أثر للين .. و لكن لا .. لا بد أن تستمر بالمحاولة ..
- موزاااااان .. دخيــــــــــلج عااااد .. ذليتينيه .. و الله ما ترزا هالدعوة ..
هزت موزة رأسها ..
- ما ذليتج انتي لي ذليتيه عمرج .. قلتلج لا يعني لا .. ماريد اسير ..
تحس الآن لطيفة بالغضب الشديد .. منذ الأمس و هي تحاول دفع موزة لقبول دعوتها و الحضور للمعرض و كل ما تفعله هي اعراضها دون حتى التفكير في الموضوع ..!!
- تدرين شوه .. أصلا انا لي ما عندي سالفة و متعنية أعزمج .. و الا انتي هب ويه دعوات .. خلج هنيه فحجرتج طول عمرج .. العرب تكمل حياتها و انتي تتحسرين ع شي راح ..
لمع الضيق في عيني موزة و هي تقول بصوتها الخافت ..
- لطيفة لو سمحتي ما فيه داعي لهالرمسة ..
هبت لطيفة على قدميها تقول بقوة ..
- لا فيه مليووون داااعي .. اباج تحظرين المعرض و تساندينيه .. أنا مالقيت حد يوقف ويالية في أول ظهور لي .. بيطلعون المعرض في الجرايد و التلفزيون .. ابا حد يشاركنيه هالحدث المهم في حياتيه .. انتي ختيه .. ملزومة توقفين وياية .. شرات ما أوقف وياج في كل مرة تحتايينيه ..
همست موزة بيأس ..
- مــــــاروم ..
- ليييش ..؟؟؟؟ و بعدين انتي حاولتي أصلا .. صدقينيه ما بتندمين .. انتي خايفة من رمسة الناس و الناس ما عليها منج .. و اذا رمست كلن لاهي بعمره .. موزاااااان دخيلج .. حاولي تظهرين عشانيـــــه ..
بوادر التردد على وجهة موزة أوقدت شمعة الأمل في قلب أختها من جديد ..
لتقول برجــاء ..
- هـــــــــا شو رايـــــــج ..؟

ارادة الحياة 08-05-08 04:18 PM

- طبعا لا ..
نظر له الآخر بدهشة ..
- كيف يعني ..؟ .. انته هنيه بارادتك .. هب هلك لي طلبوا منك تظهر من البيت ..
استرخى سعيد في مقعد الحديقة الخشبي و نسائم الصباح الباردة تحرك شعره الخفيف و تلامس وجهه الناحل .. و نظر لوجه منصور الذي يقابله على كرسيه المتحرك ..
- انته ما تحدنيه قلتلك ان هليه وقفوا ويايه ..؟
أومأ منصور برأسه ..
- بلى ....
هز سعيد كتفه ..
- أوكيه عقب ما اكتشفت المرض تعبت نفسيتيه بس هليه تمو واقفين ويايه .. و يشجعونيه .. يلست وياهم في البيت أربع شهور خلاف طلبت انهم يعطونيه حجرة هنيه في المستشفى ..
- ليش و انته تعرف ان هلك ما عندهم خلاف ..
سحب سعيد نفسا عميقا و هو يقول ..
- و اذا ما كان عندهم خلاف .. أنا كنت خايف عليهم .. كل حركة أسويها تروعنيه .. أخاف المرض يي خوانيه و الا أمايا و أبوية .. عنديه خوات بيعرسن و خوان وراهم مستقبل و اذا أنا روحت فيها نفاديه .. بس الا خوانيه يروحون بسبتيه .. انا كنت أخاف أحب راس أمي و الا خشم ابوية ..
نظر له منصور بعناية .. قبل أن يتابع سعيد ..
- كل عطسة يعني جراثيم في المكان و احتمال انتقال الفيروس وارد .. أي خاشوقة آكل بها تنعق .. أي لحاف يغطينيه محد يلمسه عقبي .. حمامي و حجرتيه ممنوع دخولهم .. يعني عزل صحي كامل بس في البيت .. و مع كذيه ما حسيت بشي غريب داخل البيت .. لي كان يعور قلبيه هو يوم أظهر منه ..
نظر له منصور مستفهما ..فقال سعيد بمرارة ..
- يعني بعدنيه مخلص الثنوية و ما عندي ربع غير لي وياية في المدرسة و عيال الفريق لي يلعبون وياية كورة .. من يوم ما عرفت بالمرض ما شفت عين حد منهم يقرب منيه .. كل ربعي .. يمكن تقول هالصداقات هب حقيقية .. بس أنا في هذاك السن ما كنت أشوف الا هم ربع .. يعني شباب دارسين و رابين وياية .. بعضهم كان يبات عدناا في البيت .. بس من انتشر الخبر عنيه .. محد منهم رفع سماعة التيلفوون .. يا شاردين مني .. يا كاسر خاطرهم ..
قال منصور مواسيا ..
- يمكن ما .... آآ .. يعني الواحد يلتمس لخووه الأعذار ..
هز سعيد رأسه بمرارة و ذكرى تلك الأيام البائسة تعاوده ..
- أكثر من مرة أشوفهم في المسيد .. أقولك انته الحين ما جربت هالشي و ما تعرف كيف كانوا يعاملونيه الناس .. تعرف انيه ما كنت أروم أوضي في حمام المسيد ..؟ !! امام المسيد يا بنفسه و قال انيه لازم ما ايي الا و انا متوضي .. لو ممنوع أحدر حمام المسيد عسب محد يتأذى و الا يكون عرضة للعدوى .. و أنــ ..
بتر عبارته فجأة و رفع رأسه للسماء و دمعه لم تخفى عن عين منصور تغالبه .. كان منصور دوما يتسائل عن سر الهدوء الذي يغشى نفس هذا الشاب و كيف لم يحطمه وضعه القاسي .. كم هو غبي .. أغفل أن الكثير منا قد يحوي جراحا لا ترى بأعيننا .. تخفى تحت طيات الإحساس ..!!
تلك دمعة ضعيفة ترتعد في زاوية عينه البعيدة .. و هو يقول بألم ..
- أنا كنت أصلي وياهم في المسيد جماعة .. بس في صف بروحيه .. محد يبا يصلي عداليه .. يعني الناس كلها ما تبانيه .. العدوى ما تنتقل لو مريت عدالك بس منوه بيفهم حتى المتعلمين محد منهم يبا يخاطر .. لنه محد يظمن لهم انيه ما بعطس أو بكح و أنا أصلي .. تعرف يا منصور .. عقب المرض وااايد أشياء شفتها بعيني ما كنت أشوفها قبل .. كنت شاب شرات كل الشباب لعب و ملاحق دراسة و خرابيط الصبيان ..
نظر لمنصور بشيء من الألم ..
- كل عصريه ألعب كورة في الفريق ..مع الشباب .. ما أهتم بشي .. بس عقب الفحص حسيت انيه كبرت سنين .. كرهت كل شي كانت أحبه قبل لا أدري بالمرض .. عسب كذيه ظهرت من البيت و ييت هنيه ..
رفع عينه ينظر للمبنى خلفه ..
- في الحجر الصحي لمستشفى الجيمي عطونيه حجرة .. لي أربع سنين هنيه .. أعيش حياتيه بدون قيود أو شي يربطنيه حتى الأهداف معدووومة .. ما أحط راسي ع المخدة في الليل الا و أنا أدري انيه تحت رحمة رب العالمين .. لو تيينيه انفلونزاا بتذبحنيه .. مابا من الدنيا شي الحمد الله .. ابا بس اعييش باقي أيامي دون محد يحتقرنيه و الا يشفق عليه تسدنيه زيارات هليه .. أنا انفصلت عن كل شي حوليه لنيه ما حسيت انه حد يبانيه من الناس .. العرب كلها تنفر منيه ..
.
.
في تلك اللحظة عاد صوتها يهمس مع الريح ..
الرفض .. الرفض ..!!
.
.
كان ينصت لصوت سعيد المثقل بأحزان دفينة لم يستطع أن يستشفها حين التقاه لأول مرة .. لقد تبخر كل شيء من حياته فور ظهور نتيجة الفحص .. كل شيء كان سراب يوهمه بالدوام ..
نظر لوجه سعيد الساهم .. و كأنما أعاده منصور بقوة لتلك الأيام المفجعة ..
- المجتمع رفضك ..!!
التفت سعيد نحوه بعدم فهم .. ليعود منصور فيقول ..
- انته تقول ان العرب تنفر منك يعني المجتمع رفضك .. الرفض شي قاسي .. صعب ان تشوف المجتمع لي خدمته سنين من عمرك .. يكون ببساطة قادر انه يتخلى عنك ..!!
كانت نظرة سعيد باردة بعض الشيء .. لحظتها تأكد منصور من أنه يظن أن كلماته تلك مجرد مجاراة أو محاولة مواساة .. لذلك ربت على قدمه اليمنى بهدوء ..
- انا أدري بشوه لي فخاطرك .. يعني لي مريت به فحياتي يمكن يشبه شي من لي انت شفته ..
في البداية لم يجد بادرة اهتمام على وجه سعيد .. و لكنه تابع ..
- أنا كنت ملازم أول في الجيش و مرشح لترقية استثنائية خاصة بالمتميزين .. يعني عقب كم شهر بستوي نقيب .. العسكرية كانت كل حياتي من كبرت و أنا من مدرسة عسكرية لغيرها .. اعدادية و ثنوية .. خلاف الكلية .. تقريبا أكثر عن 13 سنة و أنا أخدمها .. أبوي تاجر بس ما دخلت الادارة و الا غيرها.. حبيت العسكرية ..
ثم صمت قليلا .. يستنشق الهواء البارد الذي تخلخل رئته يبرد حر تلك الأيام المضنية و ذكراها ..
- عقب صار الحادث ..
ثم نظر لسعيد .. و كأن هذه فقط نهاية القصة .. الاهتمام كان واضحا على وجه الأخير .. ينتظر أن ينثر منصور ما تبقى في جعبته .. و لكن ذلك استمر في خنق الكلمات على شفير لسانه و لم ينطق ..
- و بعدها ...؟
يراقب منصور شجرة تراقصت وريقاتها على أنغام الهبوب المنعشة .. و حفيف احتكاكها الخافت يصل لأنيه فيطربها ..
- بعدها ماشي .. زقرونيه بكل بساطة .. منصور .. مشكور على خدماتك .. و آسفين ع لي صارلك .. و ......
ابتلع كلمة شائكة علقت في حلقه قبل أن يلتفت لسعيد بألم غابر تجدد في تلك اللحظة و كأنما تلقى وجعه للتو ..
- أحالوني تقاعد مبكر ..!!
تنهد .. و أطلق أنفاسه الساخنة حبيسة صدره ..
- هاي كل السالفة .. عقب ما كنت مرشح للترقية الاستثنائية .. أحالونيه تقاعد لنهم هب محتايينيه .. أنا ريال عمريه 25 يحيلونيه تقاعد .. شسوي .. وين السنين لي راحت من عمريه في الدراسة و غيرها ..؟ .. خلاص الحين أيلس في البيت و الا أرابط في القهاوي .. ليش .. ؟؟ أنا بعدنيه في عز شبابيه و أريد أخدم بلاديه لا شيبت هاذيك الحزة يعطونيه تقاعد .. بس خلاص ربطوا اعاقتي بعدم منفعة و خلونيه متقاعد .. أو قاعد على كرسي بلا شغله ..
.
.
ابتسم بحسره و ضرب ذراع كرسيّه.. و هو ينظر لسعيد الذي عض على شفته السفلى و التعاطف جلي على وجهه ..
- من ثلاث سنين و أنا يالس ع الكرسي هذا .. مرت عليه أيام حسيت انيه وصلت لنهاية حياتي العملية .. و انيه عقب العسكرية ما بحصل شي اسويه .. بس ربك فرجها .. لقيت الكتابة مخرج .. أو مهرب من عجزي ..
و توقف منصور هنا عن الحديث .. لم يعد في جعبته شيء من الكلمات .. و تلك الراحة الغريبة تسري في روحه .. هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها عن الموضوع ..
لم يتكلم أحد من أهله قط عن الحادث أو ما تلاه .. حتى زوجته .. و كأنما عقد بينهم قانون صامت ينص على أن لا يتم إعادة تلك الذكريات الموجعة ..!!
طال الصمت بينهما منصور غارق حتى أذنيه في أفكاره .. و سعيد الساهم لا علم إلى أين رمى به الفكر.. أصبحت ألحان وريقات الشجر أخف صوتا و كأنما لا تريد أن تقطع هذا السكون ..
تنفس منصور الصعداء و هو يقطعه ..
- قلتلي انك كنت تلعب ويا ربعك كورة .. تحب الكورة ..؟
ابتسم سعيد بخفة .. و لا تزال ومضة التعاطف تلمع في عينيه .. و قبض قلب منصور بقوة .. أ يجد هذا الشاب في نفسه القوة على الشفقة على الغير في حين أنه هو من أحوج لها ..!!
- هيه هوايتي ..كنـ ....
قطع كلماته .. و هو ينظر لشيء خلف منصور .. و يبتسم .. تبع منصور عينيه ليرى ذاك المسن الذي كان يتقدم منهم ..
و لمس حبا كبير ينضح من صوت سعيد و هو يقول بخفوت ..
- هــــــــذا أبـــــــــــوية ..

* * * * *


انحدرت تلك الدمعة عن عين ام حميد لتجري مع الأخاديد التي حفرت على وجنتها بمعول الزمن .. و صوتها المبحوح يتردد بخفوت ..
- يعلهم العوووووووق .. يرووها الكلاب شرات البهيمة .. ما تبااهم .. ما تبااهم .. لا بركتن فيهم .. حشى ما في قلوبهم رحمه ..
كانت أحلام تشعر بالحزن هي الأخرى و لكن هذه النبرة المنكسرة تسمعها للمرة الأولى من أم حميد .. فلم تشا أن تزيدها حزنا .. أمسكت بيدها مواسية و هي تناولها كوبا من الماء ..
- ما عليه يا أم حميد .. هدي شوي هب زين عسب صحتج .. ارتاحي انتي و هي سبوعين و تلقينها عندج ..
ارتشفت أم حميد جرعة من الماء قبل أن تقول ...
- و أنا شوه بيصبرني سبوعين .. سهيلة شرات بنتيه .. من اربع سنين و هي وياية .. هاي أغلى ما عنديه و الله ..
ابتسمت أحلام مازحة بحنان ..
- أغلـــى من حمـــيد حتى ..؟
.
.
و انتفض الكوب في يد العجوز .. و انتفض قلب أحلام حين لاح الوجع على وجهها .. ماذا فعلت ..؟!! كم هي حمقاء ..!!
كرهت أحلام تسرعها .. و تلك النظرة المكسور تغشى عينيها .. فهمست أحلام و هي تشد على قبضتها ..
- أم حمـــيد .. سمحيليه و الله .. أنا آسفة .. ما كان قصديه ...
الضياع على وجه العجوز مزق قلب أحلام .. و تلك الدمعة عادت لتطل من مقلتها بألم ..
هذا ألم شخص فاقد .. أم حميد تفتقد ابنها .. ابنها الذي لم تره أحلام قط هنا .. هل هو ......؟!!
يا إلهي ..!! ماذا فعلت .. بالتأكيد هذا هو التفسير الوحيد .. لا بد أن ابنها قد شد الرحال عن وجه الوجود ..!!
- أم حميد .. بلاج ....
ابتسمت أم حميد بلوعة .. و تهاوت دمعتها بتعب السنين الماضية تلك ..
- أغلى حتى من حميد .. لي ما كتب له ربيه عيشه ..
الذنب يتعاظم في قلب أحلام .. و لكنها هنا لتنبش أوجاعهم .. و تداويها .. همست بخفوت ..
- الله يرحمه ..
نظرت لها أم حميد بغرابة .. و عادت أحلام تسألها بتعاطف ..
- توفى قريب ..؟
- منوه ..؟
- حميد ..؟
كانت أم حميد حزينة جدا .. و ألم قوي يدوي في صوتها و هي تهمس بصوتها المهتز ..
- حميد ما توفى .. أصلا محد حميد ..
شعرت أحلام بتشتت ..
- ما فهمت ..
اليد المرتجفة تضع الكوب على الأرض بهدوء ..
- أنا ما عنديه عيال ..
.
.
للحظات كانت كلماتها الأخيرة ترن في الغرفة الخالية ..
.
.
لم تنجب ..!! لم تنجب ..!!
قالت أم حميد ..
- يقالي أم حميد ببوية .. و الا أنا ما عنديه عيال .. ما عرست عسب اييب عيال ..
شعرت أحلام الآن بالضياع .. و كأنها تتعرف المرأة لأول مرة .. لم تتزوج .. هذه العجوز تناهز السبعين و لم تتزوج بعد .. لم تعرف بما يمكنها أن تواسيها .. لكن يبدو أن هذه ليست النهاية ..
دوما هناك أوجاع في قلوب البعض لا ترجو الا من ينبشها .. يبدو أنها مست وجعا منسيا في روح هذه المرأة ..
- أنا ما عرست .. و لا يبت عيال .. و لارمت أعين عمريه ..
صوتها المتهدج الآن .. و كلماتها المتقطعة لم تعد واضحة .. و هي تتمتم ..
- و الله ما بغيت في الدنيا الا انيه اعتمر و الا أحج .. أشوف بيت الله .. بس حتى العبادة ما كتبت ليه .. انا ان مت ما بتتسجل وفاتي ..
وجدت أحلام صوتها ..
- ليش ..؟
.
.
و ارتعشت الكلمات و هي تتجاوز فمها المحاط بالتجاعيد ..
- أنا ما عنديه الجواز ..
انتفت يد أحلام الممسكة بيدها .. كانت تتوقع مفاجأة خلف هذه العجوز .. و ها هي فاجعة لم تخطر ببالها .. فهمست بصدمة ..
- بدون ...؟؟؟؟؟
أومأت أم حميد رأسها ..
- هيه .. ما عنديه الجواز ..
عضت تلك على شفتيها بشفقة ..
- تحريتج اماراتيه ..
قالت أم حميد بحدة ..
- أنا اماراتيه .. و حتى لو ما عنديه جواز .. أنا بنت البلاد ..
كرهت أحلام نفسها ..
- أنا آسفة ..
سحبت أم حميد يدها من قبضة أحلام ..
- من سنين و أنا مقدمة على الجواز و لاظهر .. راح العمر و أنا أرقب الجواز .. مابا شي .. كنت ابا اسافر أشوف الكعبة .. أحج و الا أعتمر .. بس وين أظهر من البلاد و انا ما عنديه ثبوتات .. اصلا أنا هب موجودة في الاحصائيات .. حاليه حال هالزولية .. لو هندي بيموت .. قامت السفارات تتخابص .. و أنا لو أموت ما بحصل من يدفنيه .. أنا ما ييت هنيه الا بواسطة من بو عبدالرحمن .. دخلنيه هنيه و ما خلى عليه قاصر ..
كانت أم حميد تتكلم بحزن و ضيق .. الآن تفهم أحلام سر احترام هذه العجوز لبو عبدالرحمن ..
شعرت بذهول شديد .. هذه أول مرة تلتقي بمثل هذه الفئة .. بدون ..!!
.
.
هؤلاء الناس لا وجود لهم بنظر الدولة .. لا جوازات و لا أوراق هوية .. اذا هم غير موجودون ..!!
شعرت برؤية صافية غريبة تتضح لها و هي تطالع أم حميد ..
كيف يمكن لوريقات تنقصهم أن تعدم وجودهم عن الحياة .. بلا حقوق و لا عيشة .. و لا مساعدة ..!!
هم بلا هوية .. الكل ينظر لهم على أنهم ليسو هنا .. و لكن لحظة ..!!
ماذا عن مشاعرهم .. أحلامهم .. ماذا عن أيامهم .. عن كل ما قضوه على وجه الأرض .. أكل هذا يخضع أيضا لحكم الأوراق .. كيف ..؟!!
هذه العجوز .. حرمت الزواج .. الانجاب .. حرمت حتى الذهاب لأداء الفريضة .. لأنها بلا جواز .. لا جواز يسمع بمرور تلك الأحلام لعالم الواقع .. أو تحقيقها ..!!
.
.
هي بدون ..
ليست بدون هوية فقط ..!!
بل بدون احساس بالوجود .. بدون انتماء .. تساءلت أحلام لبرهة ..
ماذا عن مشاعرها .. و كل ما تحويه روحها من أحاسبس ..؟!!
هل يُنكر حقيقة ذلك أيضا .. كيف اذا نعيش أغرابا على أرضنا .. بلا هوية ..
.
.
سيحطمنا احساسنا هذا ..
و يترك أحلامنا منسية ..!!

* * * * *

حقا لم يكن لديها أدنى رغبة في الحديث مع موزة عن موضوعها في تلك اللحظة .. و لكنها مضطرة فلطيفة تعتمد عليها ..
لذلك أسندت كوعها على سطح مكتبها الذي اعتزلته ثوان كي تستعيد توازنها .. بعد الحقائق التي فجرتها أم حميد و أمسكت رأسها الذي ينبض ألما و هي تقول بتعب ..
- موزة .. لو انتي مترددة ليش متصلة ..؟
صوت أختها الرقيق لم يأت بمفعوله هذه المرة .. فقد زعزعتها معرفة أن أم حميد ضعيفة بهذا الشكل .. و لسانها الشائك ليس سوى طوق دفاع معتمد ..
- أبااج تشورين عليه ..
قالت أحلام بضيق ..
- انتي تبين تسيرين ..
- مادري ..
- شوه ما تدرين .. تبينيه اخبرج كيف تعيشين حياتج .. حبيبتي .. خلاص يسد انعزال في حجرتج .. كم وقت بعدج تبين أكثر عن ست شهور هااا ..؟! لازم تظهرين .. انتي تشجعي أول مرة بس .. المرة الأولى هي الصعبة .. خلاف بترد أمورج شرات قبل ..
همست موزة بضعف ..
- أخااف الصراحة أحصل حد يعرفنيه و يعرف السالفة .. لو سألنيه شوه أقوله ..؟
سحبت أحلام نفسا عميقا .. يكفي تردد .. يكفي ..
لتقول بحزم و صوتها القوي تحمله الأسلاك لأختها .. فيشد من أزرها ..
- قوليله .. { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ..
.
.
و تبعثرت الكلمات ..
لم يعد في داخلها ما قد تجده ليفوق هذه الحكمة الالهية ..!!

* * * * *

●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الخامســــــــــــــــــــــة▌○●


.
.
المكان غارق في الظلام الدامس ..
أنفاسها المذعورة تتردد في سكون هذه الحجرة المغلقة ..
تعلم أنه هنا .. تشعر بحركته ..
.
.
إنه يقترب ..
كيف ستستطيع الخلاص ..؟!!
.
.
و يتفصد العرق من جبينها و هي تضع يدها على فمها .. تريد كتم النفس ..
كي تبقى بلا صوت ..
لا تريده أن يصل إليها ..
.
.
و لكن كيف .. ؟
ها هي يد أثقل تكتم نفسها الآن ..
تشعر به يجرها بقوة .. و هي تختنق ..
تحاول مستميتة التشبث بغطاء سريرها ..
.
.
و تئن بصوت مكتوم .. لا يتجاوز شفتيها ..
و لا يده الثقيلة المطبقة ..
ليرتد في صدرها .. و يتيه في نواحيه ..
فلا سامع ..!!
.
.
النجـــدة .. لينقذني أحد ..!!
و ها هو الظلام الرحيم يحيط بها مجددا ..
لتغوص فيه بلا قرار ..
و أصابع يدها لا تزال تقبض على أطراف الفراش بخذلان ..
.
.
.
.
.
.
اللعنــــــــــــــــــة ..
ألم يسمع أحدكم صراخ هذه الطفلة ..!!

* * * * *

همست ميثا بخفوت ..
- ما صدق .. الحين موزان بتيي الجامعة يوم افتتاح المعرض ..
أومأت أحلام برأسها ببطء .. و هي تطالع وجه أم زوجها المتجهم عبر المائدة .. ثم تشير لميثا بعينيها أن تكف عن حديثها الهامس ..
أعادت نظرها للصحن الذي بالكاد لمسته .. لم تكن لها أي رغبة في الطعام .. هناك الكثير مما يشغل بالها و يثقل قلبها ..
نهضت من مكانها .. و عينا زوجة عمها تتابعان حركتها و صوت الجاف يوقفها ..
- ما تغديتي ..
ابتسمت أحلام بهدوء ..
- الحمد الله شبعت عمووه ..
و تركت الصالة متوجهة نحو الحمام لتغسل يديها .. اليوم هو الجمعة .. و أتت هي و زوجها كعادتهم لتناول الغداء في بيت عمها ..
حين انتهت ذهبت للمطبخ تبغي شرب الماء فتطفئ ذلك اللهب الذي تشعر به يستعر في جوفها و يتصاعد لفمها ..
تملأ الكوب بالماء و هي تتأمل قطراته النقية تتدفق في إناء الزجاج هذا ..
الأيام السابقة شعرت أحلام بتشوش بالغ و هي تكاد لا تدرك الأمور ..
يصعب حقا عليها أن تعتاد على شيء ما ثم تجد نفسها في وسط مختلف تماما .. و إذا أتينا للحقيقة فهي تجد نفسها مشتاقة جدا لوجه أم حميد القاسي الصعب المراس ..
لوجود سهيلة في أرجاء المكان .. لتملأه شيئا من بريق الطفولة الخامد هنا ..لحيوية حصة الذاوية ..
كانت تعتقد أنه ليس لوجود سهيلة الأثر القوي .. و لكن يبدو أنها مخطئة .. فقد أصبح سكان الدار في حالة أشبه بالسبات بعد رحيلها .. و يفتقر المكان هناك للمسة من الحياة .. رحلت معها ..!!
حسنا .. لن تعجز صبرا .. ستعود سهيلة بعد يومين .. و ستعود الأمور لطبيعتها ..
تنهدت براحة و هي تشعر ببرودة الماء تسري في حلقها .. وضعت الكوب جانبا حين سمعت صوت أحدهم قادما نحو المطبخ .. فأصلحت حال حجابها تحسبا .. سرعان ما طل رأس مبارك من الباب دون أن ينتبه لوجودها .. فيوجه حديثه للخادمة ..
- وين الجاهي ..؟
ابتسمت أحلام و هي تنبهه لوجودها ..
- مبارك شحالك ..
التفت نوحها متفاجئا .. ليقول بابتسامة أخوية ..
- هلاااااااا أحلااااام .. سمحيليه ما شفتج .. يسرج الحال .. شحالج انتي ..
- بخير الحمد الله .. وينك ما تنشاف ..
- موجود و الله .. كل يومين و أنا عندكم في البيت .. مشتغل دريول لريلج ..
ابتسمت أحلام ..
- انفع خوك .. مالك عليه يماله ..
- ههههههههههه .. بتدافعين .. ريلج ..
و قفزت فكرة بغتة أمام عيني أحلام .. لتندفع قائلة ..
- انته لي توديه عسب يسوي أبحاثه للرواية ..
صمت مبارك لبرهة قبل أن تطمئنه أحلام ..
- خبرنيه منصور ..
أومأ برأسه مجيبا .. فقالت بشيء من الضيق ..
- الله يهديك يا مبارك .. تسعابه الين العوق .. ليش ما تحاول ترده و تخليه يودر هالمريض ..
هز مبارك كتفيه ..
- حاولت و ما طاعنيه .. منصور ريال و أكبر عنيه .. ما بيي أعلمه شوه الصح و الغلط .. و بعدين أنا ملاحظ شي ..
ثم نظر لها بامعان ..
- منصور متغير من يوم اتعرف على هالريال .. - ثم يمد يده ليأخذ ابريق الشاي من يد الخادمة - مشكورة ..
عقدت أحلام جبينها و هي تخفض صوتها ..
- حتى لو ريال و الا عود .. بيسير يعق عمره في خرابيط مالها أول و لا تالي .. هذا ايدز يا مبارك .. يعني المووت ..!!
وصل للباب ينوي الذهاب و هو يقول ..
- قلتلج رمسته و ما طاعنيه .. أحلام .. منصور ما ينخاف عليه ..
و ألقى نظرة مؤكدة قبل أن يخرج تاركا اياها تعتصر الكوب الزجاجي بقوة ..
لا يعجبها هذا .. هي تخشى عليه كثيرا .. و الاندفاع فيما يفعل مخاطرة كبيرة ..

* * * * *


- مالك يا مدام أحلام ..؟
رفعت أحلام عينها بارهاق ..
- ماشي فديتج .. تعبانة شوي
وضعت زكية يدهل على صدرها و هي تقول بحنان
- يا حبة عيني .. و جاية اليوم ليه .. ما خدتيش اليوم أجازة ..؟
هزت أحلام رأسها رفضا ..
- لا .. إلا الإجازة .. أنا أصلا ما بتم الا خمس شهور .. و تبينيه أطوف يوم واحد .. مستحيل ..
- يختي .. دنتي لاحئة ع الغلبة دي .. أعملك كوباية شاي ..
ابتسمت بلطف ..
- لا مشكورة .. أنا بسير أشوف بو ثاني ..
نهضت من مكانها تحت نظرات زكية القلقة و خرجت متوجهة نحو بو ثاني .. لا تعلم لما يراودها احساس بالتقصير .. غياب سهيلة أشعرها بشيء من الإهمال ..
سحبت نفسا عميقا و هي تقف أمام بو ثاني .. تدين له بحلسة طويلة .. تنتشلها من حاضرها هذا لترميها في الماضي البعيد .. عندها سترى كيف تبدو أبعاد الأمور واضحة ..
احمر وجهها و احساس خفيف بالذنب يلفها حين داهمها صوت بو ثاني مرحبا فور دخولها غرفته ..
- مرحباااا .. مرحبااا السااع .. حيا الله من ياا ..
مع انها كانت قد رأته يوم الخميس .. الا أنها شعرت بأن أيام تفصل بينهما .. فقد انشغلت بارضاء ام حميد و لم تعد تقضي الكثير من الوقت معه ..
- لمرحب باااقي .. الله يحييك و يبقيك ..
و جلست على زوليته الأثيرة .. لتمد يدها و تسحب الصينية التي أمامه و قد وضعت عليها - دلة - قهوة .. فتصب له فنجانا منها .. و يعلو صوتها تردده الجدران لهفة ..
- اشحالك يا بو ثااني ..
التقط الفنجان و قد بدا الحبور على وجهه .. هل شعر بما شعرت يا ترى ..؟!
- بخييير و سهالة .. شحالج انتي و شحال عربانج و تواليج .. رب ما تشكون من باس ..
- يسرك الحال .. فنعمة .. علووومك ..
- لعلوم طيبة .. ما به علم .. و من صوبج ..
- أبد و الله .. ما به يديد ..
ابتسم بو ثاني بعتب و قد بدا محرجا من السؤال ..
- هييييه .. من زمان ما يلستي و قهويتيناا .. الحين ما نشوفج الا خاطفة و الا حادرة تسلمين و تروحين ..
أخفضت رأسها ..
- سمحليه يا بو ثاني .. و الله الشغل .. خبرنيه عنك .. رب ما شي يعورك .. ما تانس شي ..
هز رأسه و مكان ضرسه المفقود يبرز خلف شق ثغره السعيد ..
- نحمد الله ع كل نعمه ..
.
.
كانت الراحة مرسومة بوضوح على محياه و هو يسترسل في أحاديثه معها ليغرقها مجددا في عبق أيامه المدبره ..
لم تمانع هي أبدا .. كانت قد اشتاقت بشدة لجلساته و حكاياته الممتعة .. فتركت نفسها تغوص معه ببطء في صوته العتيق المنبثق من غياهب الزمن الرمادي ..
- و ذيب من أشجع الشباب في ذاك الزمان لولي .. و بااار .. يحب ابووه لي هو شيخ قبيلته و يقاله شالح بن هدلان .. و ما يفارقه .. تعلم الفروسية و عاده صغير .. و ما يخاف لا حدته شده .. و ذاع صيته بين القبايل .. محد ما سمع بذيب بن شالح .. و الريال محد شرواه في الفزعة و الا نخوة .. مخاوي شماا ما ترده معاذير .. ما يرقد و جفن أبوه صاحي .. و من كثر ما هو شجاع .. و ما يهاب الموت .. رثاه أبوه و هو حي .. و يقول فيه ..
.
.
ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب .. واليوم انا بابكيك لو كنت حيا
ويا ذيب يبكونك هل الفطر الشيب .. و ان لايعتهم مثل خيل المحيّا
و تبكيك قطعان عليها الكواليب .. و شيال حمل اللي يبون الكفيا
وتبكيك وضح علقوها دباديب .. ان ردّدت من يمه الخوف عيا
ويبكيك من صكت عليه المغاليب .. ان صاح باعلى الصوت ياهل الحميا
تنزل بك الحزم المطرّف لياهيب .. ان رددوهن نا قلين العصيّا
انا اشهد انك بيننا منقع الطيب .. و الطيب عسر مطلبه ما تهيا
.
.
و شرات ما قلتلج .. ذيب كان شيخ ولد شيخ .. و عزوة أهله و قبيلته ..الين صارت السالفة لي راح فيها ..
.
.
كانت أحلام ترى احساسا ما هنا يتكرر .. أهو حقيقة و انعكاس للقصة .. أم أن وجعا دفينا في صوت بو ثاني أبرزه ..؟!!
ضيق عينيه و صوت الصدئ يواصل بحماس قائلا ..
- يات ليلة و تسامر هو و أبوه .. و بين سوالف و مزوح .. ياب ابوه طاري خيل قد سمع ابها .. و يقول فيها ..

يا ذيب انا يا بوك حالي تردى .. وانا عليك من المواجيب يا ذيب
تكسب لي اللي لاقح عقب عدا .. طويله النسنوس حرشا عراقيب
تجر ذيل مثل حبل المعدّا .. وتبرى لحيران صغار حبا حيب
واشري لك اللي ركضها ما تقدا .. ماحدن لقى فيها عيوب وعذاريب
قبّا على خيل المعادي تحدى .. مثل الفهد توثب عليه م تواثيب
انا اشهد انك بللوازم تسدّا .. وعز الله انك خيرة الربع بالطيب
ياللي على ذيب السرايا تعدا .. لو حال من دونه عيال معاطيب
ليث على دروب المراجل مقدّا .. ما فيك يا ذيب السبايا عذاريب

و يسمع ذيب لي أبوه يقوله و هو يضحك .. و حس ان خاطر ابوه في الفرس لي مدحهاا ..و يوم بات أبووه .. ظهر من خيمته ذيب و سرا لخويااه .. يطلب مخوتهم .. قاصد الفرس لي طراها أبووه .. يباها هدية له .. و نفس الليلة راح ذيب و لي وياه قدا المكان لي فيها الفرس .. و يوم أصبح الثالث من الأيام و هم قرب أرض قبيلة .. طلعوو راس يبل .. لي يطل على بير يقال لها بير ( مليه ) .. و شافوو عندها رعيان .. و بوشهم .. و بغوو يردون عسب محد يشوفهم .. بس شافهم صياد كان ويا الرعيان و صوب عليهم و أطلق رصاصة وحدة .. لي ما صادت من 15 ريال الا ذيب ..
صاحت أحلام محتجة ..
- لاااااا .. حرااام ..
أومأ بو ثاني برأسه ..
- الموت ما شي يرده يا بنيتي .. الرصاصة ذبحت ذيب و أخوياه لي وياه شردوا .. و خلوه وراهم .. لنهم خافوا على عمارهم و هم يتحرون ان لي أطلق الرصاصة يمكن يكون في المكان غيره .. و تناقلوا العرب لخبار .. و ردوا فرسان شالح بن هدلان .. و يابوله خبر ولده ذيب ..
عضت أحلام على شفتيها .. و بو ثاني يتنهد بحسرة .. و كأنما يتمزق قلبه هو الآخر على فقدان ذيب ..
- يوم درا ان ولده ذيب توفى .. ما صدق .. بس يوم سمع العرب كلها تردد الخبر .. تأكد من موته .. و يقول فيه ..
يا ربعنا ياللي على الفطّر الشيب .. عز الله انه ضاع منكم وداعه
رحتوا على الطوعات مثل العياسيب .. و جيتوا وخليتوا لقبي بضاعه
خليتوا النادر بدار الاجانيب .. وضاقت بي الآفاق عقب اتساعه
تكدرون لي صافيات المشاريب .. وبالعون شفت الذل عقب الشجاعه
يا ذيب أنا بوصيك لا تاكل الذيب .. كم ليلة عشاك عقب المجاعه
كم ليلة عشاك حرش العراقيب .. وكم شيخ قوم كزته لك ذراعه
كفه بعدوانه شنيع المضاريب .. ويسقي عدوه بالوغى سم ساعه
ويضحك ليا صكت عليه المغاليب .. ويلكد على جمع العدو باندفاعه
وبيته لجيرانه يشيد على الطيب .. وللضيف يبني في طويل الرقاعه
جرحي عطيب ولا بقى لي مقاظيب .. وكني غريب الدار مالي جماعه
من عقب ذيب الخيل عرج مهاليب .. يا هل الرمك ما عاد فيهن طماعه
قالو تطيب وقلت وشلون ابا طيب .. وطلبت من عند الكريم الشفاعه

و معاد عقب ذيب يا بنيتي .. ذيب خيرت القوم .. لي تهابه قبايل .. سناد ابوه .. و عضيده ..الله يرحمه .. ما بتلقين حد شراته من عيال هالايام .. الواحد ما يذكر اسم ابوه ..
.
.
و هنا أدركت أحلام ما هو خيط الاحساس الذي حبكه صوت بو ثاني مع القصة ..
بر الابن لأبيه .. هذا ما رسم اللوعة في صوته على موت ذيب .. نظرت أحلام له و شفقة هائلة تتدفق في عروقها نحوه ..
بو ثاني .. الرجل الذي رمي خلف حدود الذاكرة .. يفتقد أبناءه .. و حنانهم ..
هل كان يحلم في قرارة نفسه لو أن ذيب كان أحد أبناءه .. أو أن أحدهم كان مثله ..
و حفنة متبلدي المشاعر .. ألا يجر الحنين أحدهم يوما ليعودوا فيذكروا هذا الرجل ..
كان يحرك القهوة في فنجانه و هو يترنم بأحد تلك الأبيات التي سردها من لحظات ..
- ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب .. واليوم انا بابكيك لو كنت حيا
ويا ذيب يبكونك هل الفطر الشيب .. و ان لايعتهم مثل خيل المحيّا
و تبكيك قطعان عليها الكواليب .. و شيال حمل اللي يبون الكفيا
.
.
في تلك اللحظة أرادت أحلام أن تمد يدها و تعتصر يده المغضنة .. أن تنحني لتطبع قبله حنونه عليها .. قلب هذا الرجل كبئر لا قرار له .. كم من احساس حوى يا ترى ..؟!!
رغم كل شي ما زالت حدود هنا مرسومة .. صمت بو ثاني للحظة ثم رفع عينه لها .. و كأنما شعر بهدوئها ..
ابتسمت بحزن ..
- أفاا يا بو ثاني و أنا بنتك .. أنا ما أذكر اسمك ..
ثواني تمر و عيناه معلقتان بوجهها .. ثم يخفض البصر ليقول بصوت طفل خائف ..
- يا بنيتي انتي بتيلسين كم شهر و بتروحين .. و بتلتهين .. و ......
و ارتجف صوته و هو يقول بخفوت ..
- و بتنسينااا ..
أغمضت أحلام عينيها حين شعرت بدمعتها و قد أقبلت من بعيد .. لتدفع الكلمات بهدوء من بين شفتيها .. تأمرها أن تحمل الاحساس و تلثم جبينه المغضن ..
- لا يا بو ثاني .. انت هنيه ..
و أشارت لقلبها .. و هي تقول بقوة ..
- ما بنساك ..
.
.
و تألقت دمعة لم تقرأ أحلام احساسها في عينه ..
كانت تعني ما قالت .. لن تنساهم ما دامت أنفاس تتردد في صدرها ..
فقد علموها الكثير ..!!

* * * * *

مد منصور يده يصافحه باحترام .. و قد بدا الضيق على وجه الرجل .. و هو يسأل بشك ..
- كاتب ..؟!! .. في جريده و الا ..؟
التفت منصور لسعيد بابتسامة قبل أن يعود ليقول للرجل ..
- لا كاتب أصدر روايات ..
ما زال عدم الرضا يلوح على محياه و هو يسأل ..
- و شوه يخصه سعيد خوية في الروايات ..؟
القى سعيد بكرته الزرقاء على الحائط لترتد برتابه كعادتها و هو يجيب ..
- سالم .. منصور يسوي بحث لروايته لي يكتبها .. عن مرضى الايدز .. و يباني أساعده فيها ..
كان سالم الذي يكبر سعيد بثلاث سنوات يقف مواجها منصور في غرفة سعيد .. و رغم ما قال الأخير الا أن وجهه لم يلين .. استمر ينظر لمنصور بامعان و القلق يلمع في أفق عينيه .. قبل أن يعلن رحيله ..
- ع راحتكم .. أنا بسير الحين الدوام ..
ثم التفت لسعيد .. و قد انقلبت تماما ليقول بصوت خافت مهتم ..
- تبا شي ..؟
هز سعيد رأسه بابتسامة و هو يقول ..
- سلم ع الأهل و العيال ..
رد سالم الابتسامة التي بدت غريبة على وجهه الخشن .. و جعلته أكثر انسانية و هو يقول ..
- يبلغ ..
و خرج تاركا الاثنين خلفه يراقبان مكانه الخالي .. قبل أن يرفع منصور بصره لسعيد الذي واجهه بابتسامة ..
- شرايك ..؟
ضحك منصور بخفة ..
- أنا قلت بيخطبلي ....
ضحك سعيد ..
- من يوم كنا صغار و هو شاد شوي .. و يوم مرضت استوا يخاف عليه أكثر عن قبل خص من الناس لي ما يعرفهم .. أنا أقولك انه ما ارتاح لك .. و بيحاول يرمسك مرة ثانيه ..
- ما ظن ..
ابتسم سعيد مؤكدا ..
- بنشوف .. الحين خبرنيه .. شوه ها ..؟!
و أشار للكيس الذي كان ساجد قد وضعه في زاوية الغرفة قبل أن يقتحم سالم المكان .. بدا الغموض على وجه منصور ..
- هاته و بتعرف ..
نهض سعيد على قدميه النحيلتين ليلتقط الكيس عن الأرض و يحضره لمنصور الذي وضعه على طاولة القهوة العتيقة و هو يشير بيده لها ..
- افتحها ..
تردد سعيد للحظة و منصور يحثه بعينه مشجعا .. ثم تقدم ليخرج علبة من الورق المقوى من الكيس ..
حين وضعها على الطاولة أمامه بدت الدهشة جلية على وجهه ..
- شوه ها ..؟
- هذا سوني ..
نظر مستفهما ..
- سوني ..؟
- لعبة اسمها بلاي ستيشن .. توصلها بالتلفزيون و تلعب ..
ضحك سعيد بهدوء ..
- شوه ياهل أنا ..؟ .. و بعدين امنوه قالك انيه أعرف العب بهالألعاب ..؟ أنا ما أعرف زر التشغيل من غيره ..
- أولا هب بس اليهال لي يلعبون بها .. أما عن اللعب .. أنا بعلمك تلعب ..
هز سعيد رأسه رفضا ..
- تعلمني ليش ..؟
ابتسم منصور ..
- انته ما تقول انك تحب تلعب كورة ..؟
هو حائر الآن ..!!
- هيه بس شوه يخصها الكورة في البلاي ستيشن ..
- انا بخليك تلعب و انته يالس فمكانك .. مع أقوى فرق العالم ..
نقل سعيد نظره بشك ما بين منصور و علبة الجهاز ..
.
.
- حتى مانشستر يونايتد ..؟؟
اتسعت ابتسامة منصور ..
- حتى الإنتـــــــــــــــــر ..!!

ارادة الحياة 08-05-08 04:20 PM

تقف بالباب المفتوح على الحديقة .. و راحة جميلة تغمر كيانها و هي تراها جالسة هناك على العشب ..
ناحلة .. شاحبة .. و مريضة .. لكنها هنا.. بعيد عن أحضان ملاءة بيضاء لا تعيد لذاكرتها إلا الكفن ..!!
تلك النسائم تسري بهدوء .. لتلامسها بلطف .. و هدوء .. و كأنما تراعي وهنها و المرض ..
تمسح على وجهها الطيب برقة .. و تهمس بشي خفي لا يسمعه إلا هي .. فترتسم ابتسامتها المسالمة لتوقد دفء شمعة في قلب أحلام .. التي ما زالت على قدميها .. و قلبها ينظر لوجه تلك المرأة .. و يخفق بخفوت ..
و كأنما يحاذر أن يكسر نقاء هذه الصورة ..
ألم خفي تنازع روحها و هي ترى حصة تجلس وحيدة في وسط الحديقة .. و تناهت لقلبها ذكرى قريبة .. حين أقبلت لأول مرة إلى هنا .. و صادفتها هي و تلك البعيدة تجلسان في نفس المكان .. و ضحكات بلا قيود .. حلوة .. حرة .. تسابق النسيم .. لتسري بعيدا عن مكمن أدنى ألم هنا ..!!
.
.
و لكنها وحيدة اليوم .. و رغم ابتسامها لتلك النسائم .. إلا أن حزنا يقطر من تلك العينين الهادئتين ..
وجع يسكن روحها .. تستشفه أحلام من بريق دمعة يتيمة .. أمسكتها تلك بقوة .. تمنعها من الانفلات ..
.
.
كلنا يدفن ألمه ..
كلنا يحب أن تتنازعه أوجاعه خفية عن أعين الغير ..!!
هذا يبث في أرواحنا رثاءً غريبا .. و إدراكا مميزا .. بأننا نتألم لوحدنا .. و مع ذلك .. لا زلنا صابرين ..
.
.
دفعت أحلام قدميها تتوجه نحو حصة .. تطوي المسافة برفق.. تخشى أن تثني رؤوس الأعشاب تحت قدميها ..
لتصل بهدوء لها و تجلس بجانبها على الأرض .. تداعب يدها العشب المبتل .. و ابتسامة لا تخبو على شفتيها ..
تعلمت هنا .. كيف أن الابتسامة لن تكلفك شيئا .. لن تكلفك سوى احساس جميلا تزرعه ببساطة بشاشتك في قلوب الآخرين .. لتهمس بهدوء همسة لم تحملها النسائم قيد خطوات ..
- صباح الخير ..
و ها هو السلام مرة أخرى ينبثق من عيني تلك المرأة ليسكن روح أحلام ..
لحظات .. و تتمنى لو أنها هذا السلام يسود عالمها للأبد ..
- صباح النور ..
- ما شا الله طلعتي اليوم .. شكلج واايد أحسن عن أمس .. شوه تانسين الحين ..؟
تومئ بهدوء..
- الحمد الله ع كل حال .. انتي شحالج ..
و وضعت يدها على يد أحلام .. التي ارتجفت تحت ملمس يدها النحيلة .. هذه العزيزة ..!!
كم هي مريضة..!!
- بخير فدييييتج .. يا الله عااد شدي حيلج .. سهيلة بتيي باكر و الا عقبه .. و تبااج تعابلينها .. الا فلم تشوفينه .. و الا قصة تقرأينها ..
ابتسمت حصة بحب ..
- فديتاا .. لو تبانيه ألعب قيس ما عنديه خلاف .. بس ترد ..
- قيس أونه .. وين ترومين انتي ترفعين وحدة من ريولج .. بترد ان شا الله و بتحشرج ..
ضحكت بهدوء ..
- ما عليه .. حتى حشرتاا تولهت عليها .. خبرينيه يا بنيتي .. شوه أخبارها أم حميد وياج ..
أخفضت أحلام عينيها و هي توصل مداعبة العشب ..
- ما بتصدقينيه لو أقولج ليتها ما رضت عليه ..
اتسعت عينا حصة بدهشة .. في حين تابعت أحلام ..
- أم حميد واايد مستوية هادية هالأيام حتى ما قامت تسب شرات قبل .. من راحت سهيلة و هي على غير عادتاا و الله خالووه .. خاطريه أحدر الحجرة و ألقاها فويهي و تلعن خيري شرا قبل .. ما تعيبنيه حالتاا ..
ابتسمت مجددا ..و هي تستطرد ..
- متولهة على صريخها ..
ربتت حصة على كتفها مطمئنة ..
- أم حميد متولهة على سهيلة و متضايقة لنها راحت .. هاي وياها من أربع سنين .. عسب كذيه تشوفينها هادية و زعلانة شوي .. و أول ما ترد سهيلة .. بتسمعين صريخها قبل لا تحدرين بوابة المستشفى ..
ثم ابتسمت مشجعة ..
- و بتقولين .. أوووه ليت سهيلة يلست يومين بعد ..
ضحكت أحلام و هي تهز رأسها ..
- لا ما بقول .. و الله انه حتى صريخ أم حميد استوى يعيبنيه .. أحسها تنفع تشجع العين بدال العمدة ..
ضربتها حصة بخفة على كتفها ..
- لا تسمعج بس .. بتصارخ قبل لا تيي سهيلة ..
واصلت أحلام ملامسة الأرض بهدوء .. و هي تسحب نفسا عميقا .. باردا ..
شعرت به يتغلغل في خفايا الروح .. فينعشها .. يصلها صوت حصة الهادئ ..
- شفيج يا أحلام ..؟
نظرت أحلام بعدم فهم .. فقالت حصة ..
- شكلج هب عايبنيه .. و ويهج أصفر .. تعبانة ..؟
هزت أحلام رأسها ..
- شوي ..
ما زالت النظرة القلقة تعلو وجه حصة .. فشد أحلام على يدها و هي تطمئنها ..
- لا تخافين خالووه .. قل النوم بس ..
- و شوه لي ما يخليج تنامين ..؟
همست أحلام ...
- التفكير ..

* * * * *



>>
تتمة


كانت الضحكات و تختلط بصيحات الحماس التي انطلقت من حناجرهم .. و منصور يضحك بقوة على منظر سعيد الذي كان يتحرك دون أن يعي مع تحرك جهاز التحكم .. و كأنما يلعب على أرض حقيقية .. يجلس على الأرض و هو يصيح ..
- تشيفشينكوو .. تشيفشينكووو .. لااا .. لااا ..
و خبط بيده على جبينه حين استطاع منصور ادخال هدف ثالث في مرماه ..
- يااا ريااال .. أنا قلتلك ماريد العب بتشيلسي .. لعيبتهم معثرين ..
- ههههههههههههههههههههههههه .. معثرين اونه .. قول انك ما عرفت تلعب و بس ..
- لو ما عرفت ألعب ما هزمتني 2/3 .. بس اللعيبة خريط .. خلنيه أبدلهم .. و أبدل التشكيلة .. و بهزمك ..
ابتسم منصور و هو ينظر لساعته .. مر الوقت سريعا ..!!
- العب و يا الكمبيوتر و زهب عمرك باكر للهزيمة .. هههههه .. أنا بسير الحين ..
وضع سعيد الجهاز جانبا و هب واقفا عن الأرض .. يلح ..
- بدري يا ريال .. خلك شوي بعد ..
ضحك منصور و يقول ..
- بدري من عمرك من ثلاث ساعات نلعب .. الساعة ثنعش الحين .. ابا أوصل البيت قبل الصلاة ..
هز سعيد رأسه متفهما ..
- ع راحتك ..
ثم قال بأمل ..
- بتيي باكر ..؟
مست نبرته شيئا في داخل منصور .. سعيد وحيد لم يعد له رفاق منذ دهر مضى ..
- هيه .. تدرب .. برشلونه محد يهزمه ..
ضحك سعيد ..
- بنشووف ..
و دفع منصور كرسيّه نحو الباب يبغي الخروج .. فتح سعيد له الباب .. و حين تجاوز عتبته .. أوقفه النداء ..
- منصـــــــور ...
التفت نحوه بتساءل ..
- همم ..؟
ابتسم سعيد باخلاص ..
- مشكــــــــور ..
.
.
شعر منصور بالعبرة تخنقه و هو يهز رأسه بصمت ..
الصدق الذي انعكس في عيني سعيد و هو يشكره آلمه ..
.
.
كيف للمرء أن يعيش بلا أصدقاء ..!!

* * * * *

كان يقف أمام الباب يستجمع شجاعته .. يأخذ نفسا عميقا .. ثم يرفع يده ليقرع الباب ..
لحظات قبل أن يأتي صوته الغليظ من خلف الباب ..
- ادخـــــل ..
دفع الباب ليدلف الغرفة فتقع عيناه على أخيه الذي قان واقفا مقابل المرآة يعدل من شأن لباسه .. سأله بهدوء ..
- بتسير مكان ..؟
ألقى نظرة عليه قبل أن يعود فينشغل بصورته المنعكسة أمامه ..
- هيه .. تبا شي ..؟
- حمدان أبا أرمسك فسالفة ..
- سالفة شوه ..
تنهد راشد قبل أن يقول ..
- يمكن أول شي تيلس ..
توقف حمدان عن النظر في المرآة و التفت نحو راشد ليقول بصرامة ..
- ارمس شعندك ..
تردد الأخير .. يخشى حقا من ردة فعله اذا تدخل .. و لكنه يكره أن يقف مكتوف اليدين و تلك العزيزة تتأذى رغم سكوتها .. لذلك قال و هو يفرك يديه بعصبيه ..
- أبا رمسك عن أحلام ..
و على الفور ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه ..
- خير .. بلاها أختك ..
عقد راشد جبينه ..
- و أختك .. ابا أعرف الين متى بتم مقاطعنها ..؟!!
عاد راشد ينظر للمرآة بلا مبالاة ..
- شوه مطرشتنك هي ..
- لا .. أصلا ما تعرف انيه برمسك في السالفة .. حمدان .. بلاك عليها .. ؟
يقطر الصقيع من صوته و هي يجيب ..
- لا تتدخل ..
أصر راشد ..
- بتدخل .. انته خوية .. و هي ختيه .. شفيك عليها .. عسب سالفة الشغل .. ريلها لي مخليها تشتغل .. ليش ما قاطعت منصور هاا ..؟
زمجر من بين أسنانه ..
- ما يخصنيه في منصور أنا ختيه ماباها تشتغل .. يوم تركب راسهاا عناد عليه و ما تطيع الشور .. لا أنا خوها و لا خشميه بيدق خشمها ..
- كل هذا لنها اشتغلت .. أحلام لها ثلاث سنين و ظروفها صعبة .. كلنا نعرف كيف منصور غدا نكد عقب الحادث .. ليش ما تباها تغير شوي .. و تظهر شوي برا الحبس لي هي فيه ..
ارتفع صوت حمدان بغضب .. و الشرار يتطاير من عينيه ..
- ريلها تتحمله ..هب ترتغد في كل مكان .. أنا ما عنديه خوات يشتغل .. و وصللها هالرمسة .. ما دامت تشتغل .. النفس هب طيبة عليها ..
و التقط مفتاح سيارته ليخرج و يصفق الباب خلفه بقوة ..
تاركا راشد يقف مكانه .. و قد أسقط يده ..!!

* * * * *

شعرت بأطرافها ترتعش قليلا و هي تشعر بالوهن .. حسناً .. ها هو نقص الجلوكوز قد بدأ يلعب لعبته .. فهي لم تتناول شيئا منذ الأمس ..
التقطت حقيبتها و مفتاح سيارتها و أغلقت مكتبها متوجهة للخارج ..
الفترة الصباحية قضتها برفقة حصة و بو ثاني .. و حين أرادت رؤية أم حميد وجدتها راقدة في فراشها بهدوء ..
تعلم أنها ستلقى عتبا منها على تقصيرها .. مرت من أمام أمينة التي جلست خلف نافذة الاستقبال بملل لترفع يدها مودعة ..
تدفع الباب الخارجي للباب .. لتعانقها أشعة الشمس بدفء .. أذاب برودة التكييف التي أثلجت جسدها منذ دقائق ..
حكيم يجلس عند الباب .. هذا الوجه الكالح النحيل .. الذي تنضح ابتسامته بانسانية صادقة لم يسبق لأحلام أن رأتها قط ..!!
و تستقل سيارتها لتنطلق متوجهه للبيت .. تشعر بالتعب و الوهن يغزوها الآن ..
كم تود لو أن لهذه السيارة محرك ذاتيا كي تستلقي هي قليلا لتغفو حتى تصل للبيت ..!!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان المساء قد أزف بسرعة.. و المحبرة العملاقة قد انكسرت على حدود الفضاء .. لتغرق الدنيا حبرا أسودا .. فلا تتبين حروف الضوء على صفحة السماء ..!!
.
.
- أحلام وين ..؟
هزت تلك رأسها ..
- مدام أحلام قول مايريد عشا ..
عقد جبينه .. لا .. انها ليست على ما يرام متأكد من ذلك .. لم تشاركه الغداء .. و الآن لا تريد العشاء .. ما الأمر ..؟!! هل تتجنبه ..؟
أشار برأسه للخادمة آذنا لها بالذهاب .. ثم حرك كرسيه متوجها نحو غرفة النوم .. حين وصل قبل ساعة من الصالة الرياضية .. كانت تستلقي على السرير .. لم يكلمها .. و لم تحدثه هي ..
دفع باب غرفة النوم بهدوء .. ليدلف بكرسيه .. فتقع عينيه عليها و هي تستلقي على الفراش ..
كانت مغمضة العينين ..
.
.
.
.
.
.
.
و لكنها لم تكن نائمة .. شعرت بدخوله .. و لم تقوى على فتح جفنيها .. الإرهاق يغزو جسدها بقوة .. لا تدري ما الذي دهاها .. حتى أنه لم تجد في نفسها الرغبة بتناول الطعام .. رغم جوعها المنهك ..
كل ما تريده هو الاستلقاء .. أن تسدل جفنيها المثقلين و تغرق في الظلام المريح .. إلى مالانهاية ..
تسلل لأذنها صوت صرير إطارات كرسيّه على الأرضية الرخامية .. و شعرت به يقترب و لم تفتح عينيها .. و لدقائق ساد الصمت الغرفة .. هل رحل ..؟!!
سرعان ما انتفض قلبها بلهفة .. حين شعرت بأنامله تلامس وجنتها الشاحبة برقة .. و لفحها دفء أنفاسه و هو يهمس برفق ..
- أحــــــــــلام .. انتي راقدة ..؟
قاومت رغبة حمقاء تدفعها للتظاهر بالنوم .. لا تريد لهذا الحنان أن يخبو حالما تفتح عيناها .. و لكنها تنهدت و هي لا تزال مغمضة العينين .. لتقول بخفوت ..
- لا ..
يداعب خصلات شعرها المتناثرة على المخدة حالكة السواد .. شيء آخر ورثته من أمها غير مسمى بنت الهندية ..!!
- انزين طالعيني ..
تفتح عينيها بتعب .. لتصطدم بوجهه .. كان قريبا للغاية .. و نظرة القلق في عينيه .. أربكتها ..
- شفيج أحلام ..؟ شي يعورج ..؟
اندفعت دموعها الغبية لزاوية العين فتنشقت الهواء بسرعة تمنع تدفقها .. تشعر بنفسها ضعيفة .. ضعيفة جدا .. و لاتقوى على مقاومة نبرته الحانية ..
هذه من اللحظات التي يصبح فيها هذا الرجل لها .. الوريد .. أو أدنى ..!!
خشيت أن تجيبه فيتضح الألم الغريب الذي يجتاحها .. فعضت على شفتيها و هي تهز رأسها بـلا ..
و لكن صوته الرقيق لازال يحرك إحساسها الذاوي ..
- شي مزعلنج ..؟!
هزت رأسها نهيا مرة أخرى .. و قربه ينبش أحاسيسها الدفينة .. يستفز دموعا تقف على أعتاب الجفن بلا مأوى .. تنشد الرحيل لتسقي خدها الظامئ ..
لتلامس أنامله المستريحة على وجهها ..!!
- ليش ما تبين تاكلين ..؟
شعرت بأنها طفلة .. و هو ينظر لها بعتاب .. لترد بصوتها المبحوح ..
- ما أشتهي ..
ركز عينيه في وجهها للحظة .. و ضربات قلبها تتعالى .. قبل أن يقول بحزم ..
- خلاص يا الله نشي تزهبي ..
عقدت جبينها ..
- ليش ..؟
- بوديج العيادة ..
- ليش تودينيه ..
قال بصراحة ..
- لنج تعبانة .. و ميهودة .. و ويهج أصفر .. و أعرف انج مريظة حتى لو ما قلتي ..
قالت بوهن ..
- خيبة كل هذا لنيه ما تعشيت .. خلاص ياخي .. بنش الحين أتعشى ..
قال بقوة ..
-أحــــــــــــــــلام ..
و لكنها ابتسمت مطمئنة ..
- منصور ماشي و الله بس تعبانة لنيه ما قيلت .. بتعشى و برقد و باكر بيخوز التعب ..
و لكن ابتسامتها المرتجفة تؤكد مدى إرهاقها ..
رفعت غطاء السرير عنها .. لتنزل بحركة بطيئة .. و هي تشعر برأسها يكاد ينفجر ..
سيعميها هذا الصداع ..!!
تشعر بقدميها الواهنتين ضعيفتين .. و باب الحمام الذي لا يبعد خطوات يفصل بينها و بينه أميال ..
منصور يقول شيئا لم يعد ذهنها يتبينه .. و الصورة أمام عينها تهتز بشكل ما ..
و يكسو البصر ضباب لا تكاد تخترقه ..
و للحظات لم يعد لها وزن ..
أصبحت أخف من الهواء الذي تخترقه و هي تهوي في قعر الظلام ..!!

* * * * *

يقف الاثنان و الثالث على كرسي خشبي أًحضر له .. يسند بجانبه عكازيه .. و ينتظرون أمام غرفة الفحص .. و يتأملهما هو بحذر ..
الصمت يخيم على المكان .. و لا صوت يخترقه سوى صوت خطوات أخيه الذي تقطع الممر ذهابا و ايابا ..
لو كان في موقف غير هذا .. لسخر منه في وجهه على الكلمات التي ألقاها ظهر هذا اليوم ..
ليست لديه أخت تعمل ها ..؟!! اذا لماذا كل هذا القلق عليها .. و هذا الخوف و الحرص .. انه يقاطعها منذ ما يقارب الشهرين .. و لكنه نسي كل شيء في اللحظة التي اتصل فيهما منصور ..
و استعاد في داخله تلك اللحظة العصيبة التي وصلا فيها بيت أختهما ليجداها ملقاة على الأرض و زوجها يجثو بجانبا محاولا إيقاظها ..
للحظة فظيعة هناك ظن أنه رأى شبح الموت على وجهها الشاحب .. و هي تستلقي بلا حراك .. و منصور يصرخ بها محولا إعادتها لعالمهم ..
التفت لزوج أخته الذي لم ينبس ببنت شفة منذ وصولهم ..كان يحني رأسه متأملا الأرض .. شيء ما في وجهه حرك فرحة في غير وقتها داخله .. و هو يرى خوفه على أحلام .. الذعر في صوته حين اتصل بهم .. و هذا القلق البالغ .. جعل راشد يدرك في قرارة نفسه .. أن أخته تعني الكثير لهذا الرجل ..
دائما كان يشفق على أحلام .. لم يعترض مثل حمدان على موضوع عملها .. لأنه يعلم في أي قوقعة تعيش مع منصور منذ ثلاث سنوات ..
يحزنه ذاك الشعور بأن أحلام مُتَجاهله من قبلهم .. و مُهملة ..
.
.
يؤلمه إحساس خفي يؤكد بأن أحلام منسية ..!!
كان يرثي حالها حين يدرك أن خلف ابتسامتها التي تقابلهم بها .. حزن دفين يجعله متأكدا أن سببه هو الجفاء الذي اعتكفه منصور نحو الجميع منذ الحادث .. و لطالما تمنى أن تنصلح الأمور .. أن يعود منصور بمعجزة لسابق عهده ..
فيلمس الفرحة و الأمان مجددا في عينيها .. لا ينكر أنه قد مرت عليه لحظات شعر بأنه ليس من العدل أن تبقى مع هذا الرجل الذي لم يرى بادرة واحدة منه قد تدل على أنه يكن لها شيء يجعلها تتمسك به رغم بروده اتجاهها ..
و لكن الآن .. يشعر براحة حقيقية و هو يرى الألم يرتسم على محيا منصور بقوة .. هذا يعني أن أحلام تسكن في داخل هذا الرجل .. و أنه يكره أن يفقدها ..
لقد رفض بقوة عرضهم أن يحضروا كرسيا متحركا له .. رغم أنه سيسهل عليه التحرك به أكثر من هذه العكازين و القدم المريضة التي تعيقه ..!!
الآن و هم ينتظرون أن يخرج أحدهم من غرفة الفحص .. ليطمئنهم عليها .. كلٌ منهم لم يستطع إخفاء حقيقة ما يجول في خاطره ..
.
.
سحب نفسا عميقا .. و هو يرجو شيئا واحدا .. أن تكون تلك الحبيبة بخير ..
فهناك الكثيرون الذي يهمهم أمرها ..
انتفض بغتة حين فتح باب حجرة الفحص .. رأى حمدان يحث الخطى نحو الطبيبة التي خرجت للتو من غرفة الفحص ..
و منصور يحاول بقوة التوازن على عكازيه و قدمه الضعيفة و هو يقترب جاهدا منهم .. تقدم هو الآخر منهم .. و حين وصل كان حمدان يسأل بلهفة ..
- ها دكتوورة بشري ..؟؟
نظرت له الطبيبة متسائلة ..
- انتا جوزا لمدام أحلام ..؟!!
أشار حمدان بقلة صبر لمنصور ..
- أنا خوها .. و هذا ريلها ..
ابتسمت تطمئنهم ..
- أي ما في داعي للخوف .. ما بها شي المدام بس عم تدلع عليكوو ..
رأى راشد رغبة حمدان في لكم الطبيبة جلية على وجهه الغاضب .. فسألها بسرعة ..
- شوه تدلع الله يهديج .. الحرمة طايحة من طولها .. اكيد شي فيها ..
اتسعت ابتسامتها مرة أخرى .. الآن هو من يرغب في ضربها ..!!
- أي لأاا .. ما بهاا شي .. بس شوي إلة تغزية .. أسرت علياا .. بس شي طبيعي عند كل الحوامل .. كتير منون بيحصلون هيك في فترة الوحام ..
.
.
للحظات لم يعد هناك صوت سوى صدى أنفاسهم المرتفعة .. ارتجفت يد منصور الممسكة بالعكازة .. و كاد يتهاوى ..
بدا التعبير الذي على وجهه غير مفهوم أبدا .. و تعالت أنفاسه و هو يهمس بتقطع ..
- حــــــــوامل ..
ثم رفع عينه للطبيبة يسألها بشيء من التوسل ..
- أحلام حامل ....؟!!
هزت رأسها بحبور ..
- آآي حامل .. و بالشهر التاني كمان ..
تراجع منصور ببطء ليسند جسده على الجدار .. و يده ترتعش .. رفع راشد بصره نحوها حين وجد صوته ..
- و الحين شوه الحال عليها ..؟
- ما فيه إشي .. بدنا نعطيّا مغزي لساعا .. و نئطب الجرح لي براسا بعد الطيحا .. و بعدا تئدر تروح البيت .. بس ياليت تكون تحت رعاية أكتر من هيك .. المدام حامل هلأ .. و بدا عناية خاصة .. لنوو الحامل تغزيتاا بتختلف و محتاجة مداراة أكتر ..
ثم نقلت بصرهم ما بينهم معاتبة ..
- ديروو بالكوون علياا .. هي كتير نحفانة و نائصة مواد غزائية .. بليز يا إخوان .. ما بدي أشوفا هوون مرة تانية بسبب نئص تغزية ..
ابتسم راشد مطمئنا ..
- ما عليه دكتوورة .. ازهليها .. و يعطيج العافية ما قصرتي ..
ردت ابتسامته ..
- الله يعافيك ..
و استدارت خارجة قبل أن يوقفها صوت منصور الأجش ..
- دكتــــــــــورة ..
التفتت نحوه ليسألها ..
- أبا أشوفها ....
لم يسمع راشد ما الذي أجابت به الطبيبة .. لأن ذهنه تركز على حمدان الذي توجه نحو الباب الخارجي لمبنى الطوارئ ..
اندفع خلفه بسرعة ..
- حمـــــــــــــــدان ...
توقف حمدان لينظر إليه ببرود ..
- نعم ..
- وين ساير ..؟
- برد البيت ..
- و أحلام ..؟
لم يهتز طرف جفنه و هو يقول ..
- بلاها ..
- ما تبا تطمن عليها ..
هز كتفيه بلامبالاة يعرف راشد جيدا أنها كاذبة ..
- خلاص .. اطمنا عليها .. و انته خلك هنيه ..
و مد يده بمفتاح سيارته ..
- يوم يخلصون و يظهرونها وصلهم البيت ..
- و انت ..؟
- بتصل بواحد من الربع يمرنيه ..
ألح راشد ..
- حمدان دخـ ..
و لكن حمدان رفع يده بصرامة مقاطعا ..
- بس خلاص .. لي صار ما بيغير شي من الوضع .. أنا ما نسيت شي ..
ثم أدار ظهره لراشد .. و ترك المكان بسرعة ..
.
.
حقا أخي ..
إلى متى ستظل ترتدي قناع القسوة الكاذب هذا ..؟!!

* * * * *

عينيها التين أرختا أسدالها بوهن .. و وجهها المتعب .. و إبرة اخترقت ظاهر يدها اليسرى لتمدها بالعلاج و هي بلا وعي .. فيما جلس هو على كرسي بجانبها ..و يمر بناظره عليها ..
ملقاة بلا حيله على الملاءة البيضاء .. فيمد يده ليمسك بيده اليمنى .. يحني رأسه ببطء و يلثمها برقة .. ثم يريح جبينه عليها ..
.
.
لا شيء يبرد حرة هذا الوجع الذي يعتصر قلبه ..رغم برودة يدها الذي يستشعرها على جبينه .. إلا أن قلبه ما زال يعيش رعب تلك اللحظات .. منظرها و هي تتهاوى على الأرض مزق فؤاده ..
أغمض عينيه بقوة يطرد ذكرى تلك الصورة العصيبة .. و ضرب قدمه بالأرض حتى شعر بأنها تكاد تقتله ألما ..
لم يشعر قط منذ قيد مصيره بكرسي متحرك بالعجز كما شعر و هو يجثو عليها محاولا إعادة وعيها .. عاجزا عن حملها بين ذراعيه ليهرع بها نحو أقرب طبيب ..
كان عاجزا .. عاجزا ..
لم يقدر على تحريكها و تحريك نفسه .. و هو يرى ألوان الحياة تخبو عن وجهها الأثير ..
لم يقوى إلا على الاتصال بإخوتها .. دقائق الانتظار تلك التي فصلت مجيئهم .. كانت كابوسا حقيقيا ..
ضغط على يدها بشدة .. و فكرة فقدانها لا تزال تدور في مخيلته .. هل سيقوى ذات يوم على رحيل الأحلام من حياته ..!!
حياته التي لا يكاد ترويه بوجودها .. ماذا لو شدت الرحيل ..؟!! ستتركه وحيدا .. و قد انقلب العالم بعدها لصحراء قاحلة ..
فكرة فقدانها مزقت فؤاده ببطء .. لتنثره أشلاء لم يستطع لملمتها .. الآن ..؟!! الآن أصبح يشعر بقيمتها و هو يستمتع بممارسة شتى أنواع و ألوان التعذيب عليها ..؟
حين شعر بأن لحظة ما قد تدنو ليجد نفسه بلا وجود أو أثر منها في حياته .. بعثر إحساسه هذا الشعور ..
رفع بصره مجددا ينظر إليها ..
.
.
عليه أن يجدها .. أن يبحث عنها .. أن يعود إليها ليعيدها له ..
ليس عليه أن يدفعها مجددا للهروب من حياته ..
تشبث بكفها النحيل بقوة .. و رفع رأسه يناظر وجهها الباهت .. ما زالت غافلة عن كل ما حولها ..
غارقة خلف غياهب ظلمة عالم بلا أحـــــــــلام .. مهلا .. هي تسكنه الآن ..!!
شيء واحد أوقد شمعة أدفأت قلبه و هو يضع راحة يده الأخرى على بطنها ..
لم تعد أحلام لوحدها الآن .. هناك حلم آخر لطالما أرادا نيله ..
يسكن بين حناياها .. ينمو ببطء ليبث الحياة فيهما من جديد ..

* * * * *


●○▐بقايـــــــــــــــــــــــا الرؤيــــــــــــــــــــــا الخامســـــــــــــــــــــة▌○●




شمس كعادتها كل صباح .. تأتي بهون .. لتملأ الدنيا نورا يبث الأمل في كل قلب أظلمه اليأس ..
و هو يوم آخر ..!!
.
.
و تقف هي في زاوية وحيدة بعيدة .. تدير ظهرها لكل من حولها في تلك القاعة العملاقة .. و عينيها الشاردتين لا تميزان ألوان اللوحة أمامها ..
تهرب من الحضور .. طوال الوقت و هي واقفة هكذا و تدير ظهرها للعالم .. تبتهل من قلبها أن يمضي الوقت بسرعة لتتمكن من الهروب لملجئها الآمن .. حيث لا خوف .. و لن تصلها أذية ..
أجفلت بقوة و كأنما أطلق أحدهم رصاصة على ظهرها حين تناهى لأذنها صوت ناعم يتسائل ..
- موزة ....؟!!
أغمضت عينيها بقوة .. و ضربات قلبها تتسارع بشدة .. لا تلتفتي موزة .. قد تكون مخطئة ..!!
و لكن الصوت الناعم بدا أكثر وضوحا و هو يكرر ..
- انتي موزة صح ..؟!!
لا لست هي ارحلي .. !!
ولكن تلك لم تستجب لتوسلها الصامت .. أجفلت موزة حين شعرت بيد تلك المجهولة توضع على كتفها ..
التفتت موزة ببطء نحو تلك المصرة على التقائها .. و هي تنظم أحرفها المشتتة لتلقي بها في وجه أي سؤال قد يستفز صمتها ..
و لكن ما إن وقعت عيناها على وجه صاحبت الصوت الناعم حتى اتسعت عينيها بصدمة ..
هذه آخر من تتوقع رؤيته هنا .. و في هذه اللحظة ..!!
اندفعت تلك تلفها بين ذراعيها بلهفة دون أن تبالي بالجموع التي تملأ المكان ..!!
- موووزووووه يا سباااااااالة .. تولهت عليييييييييج ..
تحشرجت الكلمات في حلق موزة و هي تحبس أنفاسها .. و قبضة تلك تضمها بقوة .. إذا هذا ليس حلما ..!!
همست بعدم تصديق ..
- غزيل ...؟؟!!!!!
ابتعدت غزيل عنها و الابتسامة لا تخفي نظرة العتب ..
- لا خيالها .. زين و الله بعدج تحيديني ..
ما زالت موزة مشدوهة رغم الإحراج من حركة غزيل العفوية ..
- متى رديتي البلاد ..؟
- آآممم .. من خمس شهور ..
اتسعت عينا موزة ..
- خمس شهور ..
وضعت غزيل يدها على صدرها و هي تنظر اليها شزرا ..
- شوي لا تاكلينيه بعيونج ..
ثم ضربت موزة بخفة على كتفها ..
- شوه بنطول واقفين ع الباب .. قربينا و ضيفينا ..
عقدت موزة جبينها ..
- أي باب ..
ضحكت غزيل من قلبها .. حتى المزاح لا تستشفه هذه الفتاة ..
- أمزح .. مشي خلينا نسير الكوفي بقهويج ..
الرفض كان فوريا ..
- لا ..
- ليش ..؟
لكن موزة لم تتحرك قيد أنملة ..
- آآآ .. أنا ماريد أبعد تعرفين لطوف .. بـتم تدور علـ ...
نظرت لها غزيل بصرامة و لم تكن تتوقع ردا أفضل ..!!
- جب زييين .. تعالي ..

* * * * *

أصاخت السمع في سماعة الهاتف و هي تحاول جاهدة اخفاض ضربات قلبها .. و تتظاهر بأنها لم تنتبه لنظراته المتأملة ..
تبتلع ريقها و كلمات زكية المتدفقة لا تلهيها ..
- معليش يا مدام ما فيش أي مشاكل .. حتوحشينا النهاردة .. بس صحتك أهم ..
ثم ارتجت السماعة لضحكتها الحلوة ..
- هههههههههههه .. دي الست حصة طايرة من الفرحة .. أنا لسا ما ئولتش لأم حميد .. دي ما بتديش حد فرصة يتكلم معاها النهاردة .. انتي عارفة سوهيلة راجعة المركز ..
ابتسمت أحلام بارتباك .. لما لا يوجه نظره لمكان آخر ..
- سلميلي عليهاا .. انا بشوفاا باكر ان شا الله ..
- يوصل يا ستي .. ما تغلبيش نفسك خالص .. لو عاوزة الاسبوع دا كوله أجازة ما فيش مشاكل .. أهم حاقة ترجعي لينا زي البومب ..
ابتسمت بخفة ..
- ان شا الله .. يا الله زكية .. ما بطول عليج .. فدااعة الله ..
- مع السلامة ..
.
.
أخفضت الهاتف .. لحضنها .. تعتصره بتوتر .. و هي تقاوم رغبة شديدة بأن تختفي تحت غطاء السرير ..
لا تدري لما تشعر بحرج بالغ .. سعيدة .. و تكاد الفرحة داخلها تحملها لتلامس باناملها عنان السحاب .. احساس غريب يراودها .. لم يعرفه قلبها قط في أيام عمرها الماضية ..!!
أشهر فقط تفصلها عن الأمومة .. مهلا .. أي أشهر .. الحنان و الحب لحلمها يسكن فؤادها منذ هذه اللحظات .. و مشاعر حلوة تعيشها كلما فكرت بأنها تحمل بين في أحشائها ذاك الحلم القديم .. الذي لطالما ظنت أنه بعيد المنال .. و لكن الله كان أكرم من يأسها .. فمنحها هذه الهبة ..
رابط أبدي بينها و بينه .. الشيء الوحيد الذي حققاه سوية .. طفل قد يقلب موازين الأمور هنا ..
إلهي أتمم علينا هذه الفرحة ..

ارادة الحياة 08-05-08 04:21 PM

- أحلام ..
صوته الدافئ يداعب أحاسيسها المرهفة .. لا تدري لما أصبحت الدنيا ملونة في عينها تلك اللحظة ..
هي تنتظر طفلا .. و منصور سعيد بذلك ..
و لكن ذلك الإحساس الخبيث يسخر منها بقوة .. حمقاء أنتِ ..!!
نفضته عنها بسرعة .. لن تسمح لأي شيء أن يفسد لحظاتها المميزة هذه ..
- همممم ..
- ما تبين تتريقين ..؟!
هزت رأسها بعدم رغبتها في الطعام .. يعتني بها ..!!
أبعد هو غطاء الفراش و نقل جسده للكرسي المتحرك بشيء من الجهد ..
استوى جالسا و هو ينظر لها بإمعان ..
- لازم تاكلين .. ع الأقل شي خفيف ..
ثم أدار كرسيه متوجها للحمام .. و نظرت هي في أثره .. حريص جدا عليها الآن ..
مطت شفتيها و هي تتنهد .. شعرت بسعادتها الآن تتسرب ببطء .. و ابتسمت بسخرية .. حريص جدا .. في السابق لا يكاد يشعر بوجودها ..
رفعت الغطاء بضيق وتوجهت نحو غرفة تبديل الملابس .. عجبا كيف تبخرت فرحتها بهذه السرعة ..!!
حين خرجت لغرفة النوم .. كانت خالية ..إذا فقد سبقها لتناول الإفطار .. توجهت للشرفة الخلفية .. لتجده في مكانه المعتاد يقابل جهازه .. و بمجرد أن دلفت الشرفة رفع عينيه ينظر إليها .. ليكتسيها ذاك الخجل من جديد ..!!
.
.
كان يتأملها و هي تقف في مكانها بارتباك .. قبل أن تتقدم لتجلس على الكرسي الأقرب .. بدت هادئة جدا و هي تنظر للطبق الفارغ أمامها .. لماذا تتجنب النظر إليه ؟..
- تبينهم ييبون لج خبز رقاق و إلا شي ناشف ..
هزت رأسها و هي تجيبه بخفوت ..
- لا .. بشرب عصير برتقال الحين ..
و سكبت بعضا من العصير في كأسها لتلتهي به .. لحظات و يسود الصمت بينهما .. و رغم مواصلته الكتابة التي بدا أنها تأخذ مسارا مختلفا غير ما يريد ذهنه المشغول .. إلا أنه شعر ببعض الضيق من هذا السكون ..
للحظات فكر بأن يفاتحها بما يريد .. هذا هو الوقت الأمثل .. لكن عليه أن يسبق ذلك بأي شيء قد يريحها من توترها الذي بدا وضحا و هي تشد بأناملها على الكأس حتى ابيضت .. نظر إليها ليجدها تتأمل الكأس الذي لم تمسه ساهمة.. ما الذي تفكر به و يجعلها تركز هكذا ..!! .. اخترق عالمها البعيد بصوته الهادئ ..
- عمتيه مريم اتصلت أمس و انتي راقدة ..
نظرت إليه بغتة و كأنما انتشلها مما هي غارقة فيه .. تابع يقول ..
- بغت تييج اليوم الصبح بس أنا قلتلها لا تتعبل .. نحن بنييها الليلة ..
هزت رأسها موافقة ..
- زين سويت ..
- و أمايا اتصلت بعد ..
لمعت السخرية في عينيها و هي تقول ..
- و بغت تيي هي بعد ..؟!
لم تعجبه نبرتها هذه فنهرها بصرامة ..
- كانت تتخبر عنج .. و طمنتها ..
هزت رأسها بهدوء و احمرار خفيف يغزو خديها ..
- ما قصرت ..
سحب نفسا مهدئا ..
- مرتاحة لنج خذتي اليوم اجازة ..؟!
بدا جليا على وجهها أنها ترى سؤاله غريبا ..!! رغم ذلك أجابته و هي تومئ برأسها ..
- هيه .. ما فيّه شدة اليوم أظرب خط ..
سحب نفسا عميقا ..
- حلوو .. انزين ابا منج شي ..
علم أنها متوجسة .. نظرة الحذر تلك في عينيها أنبأته بذلك و هي تجيبه ..
- شوه ..؟!
ركز نظره عليها لا يريد أن يفلت أي انفعال قد يغشى عينيها هاتين و هو يقول بحزم ..
- اباج تودرين الشغل ..

* * * * *

استرخت في جلستها و ترتسم على وجهها الابتسامة فيما انشغلت الأخرى في محاولة مستميتة لخلق زاوية لا يمكن لأحدهم رؤيتها منها .. قالت غزيل بأريحية ..
- خيبة تقريبا سنة من آخر مرة شفتج .. متى .. متى ..؟!! هيه .. في عرس العنود بنت عمج .. الله يغربلج .. انا قلت هاي ماتت .. امررة معاد ذكرتينا .. و لا اتصلتيبنا .. عنبوووه ربيعتج من الروضة أنا ما قد فارقت شيفتج الا يوم عرست ..
اجابتها موزة بخفوت ..
- يختي انتي سافرتي عب عرس العنود باسبوعين .. وين أشوفج .. حتى رقمج ماعرفه ..!!
- لا اتعذرين .. رقميه ويا العنود و الا كان اتصلتي بخواتيه و عطنج اياه .. بس انتي التهيتي و عرستي ..
أجفلت موزة كم أطلق عليها رصاصة .. فهمست بألم و هي تخفض بصرها ..
- خلاص.. انا هب معرسة .. أنا .. آآآ .. تطلقت ..
ابتسمت غزيل بتعاطف ..
- ادري ..افتكيتي يختي من الشر .. أنا أحيد علي خوية كان مستغرب من حمدان كيف قرب بـهالعبدالله .. مع ان الشبيبة كلهم يدرون بسواد ويهه .. و انه ماخذ المغربية ..
لما تنكئين جروحي صديقتي ..؟!!
- يقول انه ما كان يعرف ..
لوحت غزيل باستهجان ..
- و اذا ما يعرف .. ما بيتنشد .. و الا خلاص ولد مطر خطب عندكم بيوافق .. بعدين أنا متأكدة ان هله يدرون .. معقولة ولدهم من شهور مايدروبه وين يبات ليلته ..
هزت موزة رأسها رفضا ..
- أنا ما كنت واايد وياهم .. يعني .. آآ .. ظنتيه ما كانو يبونه ياخذنيه ..
- يعلهم فدوه عن راسج .. ما يستاهلون طرف ظفرج .. وحدة من بناتهم في الجامعة هنيه صح ..؟!
أخفت وجهها أكثر و كأنما تذكرت من قد يصادفها هنا ..
- هيه .. سلامة ..
- حلوو .. نشي ندورها و نصفعها ..
كانت تتكلم بحماسها العفوي الذي لطالما عرفته موزة .. فهمست بسرعة ..
- قصري حسج يا الخبلة ..
ابتسمت غزيل بحنان ..
- شوي زين لا تنخشين تحت الطاولة ..
بدا اليأس في صوتها ..
- غزول ماريد حد يعرفنيه ..
- و ليش ان شا الله .. ذابحة حد و شاردة ..
- سخيفة .. بس كيفي .. أنا من كورسين مودرة الجامعة .. يعني بعدنيه أعرف كل البنات لي هنيه .. ما فيّه ألقا حد منهن و تناشبنيه .. دخيلج ..
- في شوه ..؟!
أغمضت عينيها لبرهة ..
- بس مابا حد يعرف انيه تطلقت ..
- ليش ان شا الله .. مرتكبة الفاحشة ..
فتحت موزة عيناها بصدمة و همست مستنكرة ..
- غزيــــل ..
زمجرت غزيل في ضيق ..
- جب زييييين غزيل أونه .. ما تعيبينيه انتي .. غادية غير عن موزان لي أعرفها ..
انكمشت موزة ..
- ظروفيه ..
نفخت الأخرى بصبر ..
- شوه من ظروف بتخليج تعيشين رمسة الناس بدال حياتج .. ها ..
توسلت موزة ..
- غزيل .. انتي ما تعرفين شي .. دخيلج غيري الموضوع الحين .. لا المكان و لا الوقت مناسب عسب نرمس ..
تنهدت غزيل ..
- ع راحتج فديتج .. شوه تبين ترمسين عنه ..
- شوه تسوين هنيه ..؟
ارتبكت غزيل ..
- آآ أشتغل ..
- بشهادة ثنوية ..؟!
- لا .. تطوع بس في المكتبة .. تعرفين عقب ما خلص ناصر دراسة و ردينا البلاد حسيت بالملل ..
نظرت لها موزة بحسد ..
- يا حظج ..
- ليش انتي شوه قاصر عليج .. كملي دراسة و اشتغلي ..
ابتسمت موزة ساخرة ..
- هه .. أونه اشتغلي .. تبين حمدان يذبحنيه ..
- ليش ..؟ العنود قالت إن أحلام تشتغل ..
- أحلام في ذمة ريلها .. و أنا فذمة حمدان كان ما بيرحمنيه ..
- ع طاري أحلام .. ما حملت ..؟!!
ابتسمت موزة بفرحة ..
- بلى حملت ..

* * * * *

اتسعت عيناها بذهول بعدما ألقى بكلماته تلك .. فتحت فمها تريد قول شيء ما .. ثم أغلقته .. يبدو أنها لم تجد الكلمات .. قفزت من مكانها .. و هي تنظر حولها .. كالتائهة تبحث عن شيء أضاعته .. لم تصدق الكلمات التي تفوه بها للتو ..!!
- منصور .. شوه يالس تقول ..؟
لم يتراجع .. أعاد بهدوء ..
- أباج تودرين الشغل ..
يعيد هذه الكلمات التي تخترق سمعها .. ارتجفت شفتاها ..
- انزين ليش ..؟
عقد جبينه .. و منظرها يضعفه ..
- لنج الحين حامل .. و لازم تراعين عمرج ..
- و اذا حامل .. أنا هب مريظة و الا بموت ..
- محد قال انج مريظة و الا بتموتين .. بس أنا خلاص ماباج تشتغلين .. ريحي عمرج و يلسي في البيت .. الحين الوضع تغير ..
كانت على وشك البكاء .. يرى دمعتها ترتعش على شفير المقلة .. صمتت للحظات طويلة قبل أن تقول بانكسار ..
- لا تخاااف .. ماشي بيستوي بالياهل .. أدري ان همك كله لي فبطنيه و الا أنا نفاديه ..
تدلى فكه في صدمة و سحبت هي نفسا عميقا و شفتاها ترتجفان و كأنما تمسك زمام نفسها عن البكاء .. قبل أن يقول بحدة ..
- شوه تقولين انتي ..
هوت دمعتها تبلل خدها و صوتها المتهدج يسري مع الشرفة المفتوحه .. ليلامس الهواء ..
- لي سمعته .. انته هب خايف الا ع الياهل عسب كذيه تبانيه أودر الشغل .. من زمان و انته ما تعطينيه ويه و تتجاهلنيه .. الحين بس تراعينيه يوم حملت يعني .. أنا ما بـ ......
و قطعت كلماتها لتعض على شفتيها بقوة و تضع كفيها على وجهها .. و هي تتنشق الهواء .. قبل أن تبعد يدها عن عينيها و أهدابها المبتلة .. تقترب منه .. لتجثو على ركبتيها عند كرسيّه و هي تتوسل ..
- منصور دخيلك .. الا الشغل .. دخيلك .. مابقى الا خمس شهور .. ما بربي الا و أنا مخلصة ..
ثم همست بصوت متقطع ..
- انته .. وعدتني ..
.
.
لكن منصور في تلك اللحظات كان مذهولا .. سمع مسبقا عن حساسية الحوامل .. لكن ما هذا ..!!!
نظر الى وجهها المنخفض و هي تبتلع عبرتها و تتطلع اليه برجاء .. نخر قلبه الأسى .. حقا يستحق كلماتها الشائكة هذه ألديها أي دليل على أنه يهتم بها .. لم يحسن معاملتها الا بالأمس .. يتجاهلها منذ دهر ..
كيف له أن يوصل لها حقيقة ما يشعر به .. رفع يده ليريح راحته على رأسها ..
- أحــلام ..
قاطعته و هي تنشج ..
- و الله بحاسب على عمريه .. و لو ما تبانيه أسوق بخلي ساجد يوصلنيه .. بس دخيلك .. عطنيه هالخمس شهور ..
.
.
و أوجعته همستها و هي تتشبث بذراع كرسيه يائسة ..
- منصــور ..
أمسك جانب وجهها بيده و أغمض عينيه لوهلة .. قبل أن يقول بصوته العميق ..
- أحلام .. صخي شوي و صلي على رسول الله ..
أثر البكاء لا زال في صوتها ..
- اللهم صلي و سلم على رسول الله ..
ابتسم لها مهدئا ..
- عيني خير و هدي شوي .. العصبيه هب زينه لج ..
بدا الغيظ فورا على وجهها .. لكنه لم يكترث لذلك .. ركز في عينيها المحمرتين ..
- أولا الرمسة السخيفة لي قلتيها قبل شوي ماريدج تعيدينها .. - و أشار بيده مهددا - و الا يا ويلج .. شوه هالخرابيط هاي .. أنا ما يهمنيه الا الياهل و انتي لا ..؟؟؟
ضغط على جانب وجهها و هو يقول بهدوء و كأنما يشرح لطفلة ..
- أدري انا وياج متباعدين واايد .. و انيه مهملنج .. و مقصر في حقج .. و أنا ما قول هالرمسة عسب أسترضيج الحين و الا لنج حامل ع قولتج ..
أشار بيده الأخرى الى صدره ..
- أنا أقوله لنيه أحس بهالشي .. أنا ظروفيه صعبة .. و حالتيه هب هينه .. انتي ما تعرفين شوه يعني يكون الانسان عاجز .. الحين يوم قلتلج ودري الشغل احتشرتي .. فكري فينيه .. كيف أنا لي كانت كل حياتيه حركة .. أحصل عمريه فجأة طايح و ما تقوى ريوليه ..
.
.
في حفنة الثواني تلك .. ابتهلت أحلام الله بصمت أن لا يكون هذا حلم سيطويه الصباح مع ظلمة الليل .. منصور أمامها .. لا يفصلها عن احساسه الا كلمات تسمعه يتفوه بها لأول مرة ..
شعرت بغرابة شديدة و هي تركع بجانب كرسيه .. و يده تستريح على وجنتها .. لم تكن أكثر دنوا لروحه .. أبدا ..!!
يمسح على رأسها بلطف .. و صوته يتوغل في روحها و هو يعترف ..
- أنا ما في نفسي الشجاعة عسب أرمس عن وضعيه أو احساسي .. و الصراحة أنا ماريد أرمس عن شي منهن .. بس أباج تفهمينيه .. مرت سنين و انتي وياية .. يمكن ما قد حسستج بالأهمية و الا حتى تقربت منج يمكن أحيانا كانت تمر علي لحظات و أنسى وجودج في حياتيه ..
و تطعنها هذه الكلمة في الصميم .. و ما زال الاحساس ينزف ببطء .. و الألم الأثير يكسو صوته ..
- بس أمس يوم شفتج طايحة ع القاع .. و لا منج حركة .. مادريت اذا انتي ميته و الا حية .. و ستين هاجس يودينيه و ييبنيه .. حسيت انج رحتي .. و ما بتردين ..
شد على شعرها بقوة دون أن يشعر ..
- ياني الموت و أنا أحاول أوعيج و انتي هب حاسة .. أحلام .. أنا كنت عاجز انيه حتى أشلج و أوديج الدختر .. هاييك اللحظة ما كنت أعرف انج حامل .. و ما كان همي الياهل و الا غيره .. كل لي كنت أباه هو انج تكونين بخير و تنشين ..
ثم نظر بقوة لها ليقول بصوت أجش ..
- أنا و انتي كل واحد منا بعيد عن الثاني .. و في فجوة امبيناا .. و تمر أيام ما نرمس بعض .. أحيانا أحس انيه ما أعرفج .. و أنا متأكد انج رغم هالسنين لي مرت علينا ما تفهمينيه ..
شعرت بأنها كالشمعة الآن .. ريح تخمدها .. و أخرى تزيدها إشتعالا ..
- بس .. هب خلاص .. ما يسد .. ؟! .. أدري ان القصور هب من صوبج .. و انيه أنا أكثر واحد عليه الملامة .. بس أحلام .. ساعدينيه .. خلينيه أوصل وياج لحياة طبيعية .. أقرب منج .. أعرفج ..
و هنا نفدت الكلمات .. لم يعد في جعبته الشحيحة غير تلك التي ألقاها للتو ..
لحظات و هدوء يسود المكان كذاك الذي يعقب القاء الحصي في البحيرة .. لم تعلم ما الذي عليها أن تجيبه به .. رفعت عينيها تنظر لعينيه .. كان واثقا .. مؤكدا .. و صادقا ..!!
أجبت بخفوت و هي تشعر بالإعياء يجتاح جسدها بعد هذه المواجهة ..
- منصور كيف تبا تتقرب منيه و انت باديها من أولها غلط ..
نظر لها بعدم فهم فأمسكت كفه لتعتصرها برجاء ..
- لا تحرمنيه من الشغل .. أنا مرتاحة و أنا أشتغل .. أغير جوو و أشغل عمريه ..
جر نفسا عميقا و صمت للحظة .. قبل أن يهز رأسه على مضض ..
- خلاص برايج كان تبين تشتغلين .. أهم شي تكونين مرتاحة ..

* * * * *

شعرت أحلام بالراحة الشديدة حين أقبلت لطيفة و ميثا بالقهوة .. أشارت للطيفة بعصبية أن تأتي لتجلس بجانبها .. فجلست لطيفة بأريحية فيما انهمكت ميثا في صب القهوة و تمريرها للجميع .. فنهرت أمها لطيفة ..
- لطفين .. نشي صبي بدال بنت عمج ..
قالت لطيفة بلامبالاة ..
- عادي أمايا بنت عمي هب غريبة ..خليها تنفعنا .. باكر بتكد البيت كديد يوم بتعرس
و نظرت لميثا المحمرة بخبث .. ليعلو صوت شريفة و هي تقول بهدوء ..
- الميث لا تصبين لأحلام قهوة .. يقولون انها هب زينة للحوامل .. صبيلها جاهي حليب ..
نفخت أحلام في ضيق و هي تلتقط نظرة ميثا و لطيفة الضاحكة فيما اكتفت أمها بالابتسام .. لقد تحقق شيء ما لشريفة الآن .. ألم تكن تدفعها للذهاب للمشعوذة ..؟! تذكرت أحلام قولها ( بس انتي حرمة ولديه و ماشي في الكون أهم عن مصلحته ) ..
هل تحققت مصلحته الآن بحملها ..؟ لا تعلم .. كل ما تعرفه هو أن الوجه الناعم الذي تقابلها به في وجود منصور تقابله الآن في غيابه .. ما يعني أنها راضية .. شخرت ساخرة حين قالت لطيفة بخفوت و كأنما تقرأ أفكارها ..
- ما شا الله .. عموه شريفة راضيه عليج اليوم ..
همست أحلام ..
- أكيد بترضى .. لي تباه صار ..
- و منصور يا عشق الامارات .. فرحان ..؟!
- شوه هالسؤال الغبي .. أكيد .. المهم خبرينيه .. موزان وينها ..؟!
- في المطبخ الحين بتيي ..
- شوه سوت في المعرض اليوم ..؟ غزيل يت ..؟!
أومأت لطيفة ..
- هيه يت و رمستاا و يلست عندها و طااف لمعرضيه .. ما قول غير مالت عليكن انتن هب ويه ابداعات ..
- ههههههههه ما عليه معوضة ان شا الله .. شرايج أييب لي عنديه في المركز رحلة يتفرجون ع لوحاتج ..
- لا و الله شوه أبابهن العيايز .. ما بيفهمن شي من اللوحة بيقولن شخابيط .. و بيحطم معنوياتيه ..
ضحكت أختها ..
- مالت عليج انتي و لوحاتج .. هب منج .. من لي يبا يزيد معجبينج ..
- معجبين عيايز .. مشكورة يختي ... هاتي لي واحد سنافي .. كشيخ .. يبدي إعجابه بوردة .. بخطبة ..
- أونه خطبة .. شوه يتفرج عليج و الا على لوحاتج ..
همست لطيفة ..
- موزان يت .. لا تنسين .. نحن ما نعرف شي ..
- لا تخافين ..
و نهضت لطيفة من مكانها لتجلس بجانب ميثا في استقرت موزة على أريكة أحلام .. لتقول بتلك النبرة الرقيقة ..
- هاا أحلام .. علومج ..
ابتسمت أحلام لها .. حقا فرق شاسع بينها و بين كتلة الازعاج لطيفة ..
- طيبة .. انتي أخبارج .. سرتي و يا لطوف اليوم ..؟
بدا الحماس على وجهها الأثير ..
- هيه .. بقولج .. بس و الله ما بتصدقين ..
تظاهرت أحلام باللهفة ..
- شوووووووه ..؟
- قولي منوه لقيت هناك ..؟
- امنوه ..؟
قالت بنبرة من يفاجئ أحدا ما ..
- غزيل ..
صرخت أحلام بردة فعل مبالغ فيها و هي تشعر بالذنب لكذبها على هذه الطفلة الشفافة ..
- أووونه ..!!!!
التفتت أعين الحاضرات نحوها بتعجب .. لتحمر خجلا .. حسنا لا يعجبها أن تتلاعب بموزة .. هناك صدق في تعامل هذا الفتاة يحرج الكاذب ..!!
ابتسمت موزة لتقول بخفوت ..
- حتى أنا ما صدقت عمريه يوم شفتاا .. ردت البلاد و ريلها خلص دراسه .. الحين تشتغل تطوع في الجامعة ..
- وين لقيتيها في المعرض ..؟
- هيه خلاف سرنا الكوفي و يلست وياها الين خلصت لطووف ..
ثم التفتت للطيفة ..
- فديتاا لطفين .. أوني ياية المعرض عسب أشوف ابداعاتاا ..
نظرت لطوف لتقول ..
- ليش تطالعنيه .. أكيد تسبنيه ..
هزت موزة رأسها بسرعة ..
- لا والله .. بس كنت أمدح لوحاتج ..
ابتسمت أحلام .. جيد .. تكذب هي الأخرى اذا .. تصنعت لطيفة عدم الرضا و هي تنظر شزرا ..
- أي لوحات .. انتي ما شفتي شي من المعروضات غير لوحة كحيانة معلقة في آخر الصالة .. و ياليتهااا كانت ليوحتيه .. لوحة زينة حاطينها هناك بالغلط .. مادري شوه كنتي تتأملين فيها ..
أمسكت أحلام بيد موزة ..
- قلتيليه يلستن في الكوفي .. ما شفتي حد من ربيعااتج .. ؟؟
- لا .. بس بنات كنت أعرف لقيتهن هنااك ..
- حلووو .. شرايج في الجامعة الحين ..
- عاادية ماشي تغير ..
بدا الأمل في صوت أحلام ..
- انزين ليش ما تردين تدرسين ..
هزت موزة كتفيها و هي تخفض صوتها ..
- مادري .. بس أفكر ..

* * * * *

الممر غارقا في الظلام الدامس .. و تتلمس هي طريقها بلا هداية ..
الظمأ أيقضها لتقصد المطبخ ..
الهدوء يعم المكان .. و صمت الجدران يردد خطواتها المكتومة ..
.
.
و تقترب من غايتها ببطء ..
قبل أن يجمدها الخوف في مكانها ..
و توقف شعر رأسها رعبا و هي تصيخ السمع جيدا ..
.
.
الصوت يسري عبر الممر ليصل أذنيها ..
هي لا تتوهم ..!!
هذا صوت نشيج متوجع .. لا يشبه البكاء العادي إطلاقا ..
شيء ما يحمله صوت البكاء كأنين حيوان جريح .. أفزعها ..
لتلتصق بالجدار خوفا و هي تحاول إخماد طبول قلبها ..
و الصوت مستمر في العلو ..
.
.
من هذا الذي يختفي تحت ستار الليل ليسكب أحزانه ..!!


* * * * *

غادرت للتو متوجهة نحو عملها .. لا ينكر هذا الضيق الذي يجتاح صدره .. لم يعد راغبا بأن تعمل .. و لكنه مضطر لمجاراتها ..
لا يريد إفساد هذه الهدنة .. ما زال أمامهم الكثير ليبذلوه كي يصلوا لحدود شواطئ لم يعرفوها من قبل ..
تنهد و هو يغلق جهازه بعد أن وجد أنه لا رغبة له في الكتابة الآن ..
فكر في سعيد و تذكر وعده له بأنه سيحضر بالأمس و لكنه أخلف ذلك من أجلها .. لا بأس سيعوض الزيارة بهذا اليوم ..
و أدار كرسيه متوجها للباب قبل أن يعلو رنين هاتفه المتحرك ..
رفعه ينظر لذاك الرقم الغريب الذي ارتسم على شاشته .. لم يتردد في الرد .. أجاب بسرعة و هو يضع السماعة على أذنه ..
- آلوووه .. مرحباا ..
أصاخ السمع قليلا .. قبل أن يعود فيقول ..
- هيه نعم وياك منصور حمدان .. منوه الريال ..؟!!
و مع تدفق الكلمات في أذنه .. عقد جبينه بحيره ..
- هيه عرفتك ..
.
.
ماذا يريد يا ترى .. ؟!! هل توقع ذاك في محله ..؟!!

* * * * *

اعتصرت سماعة الهاتف و هي تبتسم ..
- ياخي ما وراك محاظرات .. اذييييتنااا ..
صوته الغليظ يمازحها ..
- أنا قلت أحلام هب ويه سوالف .. المفروض أتصل بلطفين .. بس هاي بعد حشرة ما تنعطى ويه .. المهم بسير قدا ربعيه الحين ورايه محاظرة ..
- الله يحفظك ..
بدت السخرية في صوته ..
- شووه الله يحفظك .. لحظة شوي ..
- رشووووووووود أخرتني ..
- رشود فعينج .. أصغر عيالج .. اسمعي أباج توصلين رسالة لريلج ..
ضحكت ..
- رساله أونه شوه من رسالة هااي ..
قال بخبث ..
- سلمي عليه و قوليله يقولك راشد ..
و فجأة انقلب صوته لغناء طفولي ساخر ..
- عمي منصور النجاااااار يضحك و في يده المنشااااااار .. قلت لعمي يصنع لي بيتا من لعبة .. هز رأسه و قااااااااال .. أنا أهوى الأطفاااااااال .. بعد قليييل رحت اليه .. شيء حلووو بين يديه .. سوااااه عمي منصووووور .. أجمل من بيت العصفووووور ..
- و الله انك خبل .. وين انته من الشباب عسب تغني كذيه بيفضحونك ..
- بينيه و بينهم كيلووو .. يا الله حلووم ..
- ما داااااني هالاسم ..
- جب .. تباني أدلعها بعد .. شوه ريلج .. يلا هنااك ..
أغمضت عينيها بتوسل ..
- رشوووود أبطيت ع العرب ..
- صدق ما عندج سالفة .. مأخرتنيه ع محاظراتيه عسب سوالفج البايخة .. قلبي ويهج يا الله و لا تتصلين مرة ثانية الا و أنا راقد .. بتحصلينه مغلق ..
- هههههههههههههه إن شا الله ..
فجأة انقلب صوته للجدية ..
- يا الله حبيبتي شي فخاطرج ..
ابتسمت أحلام بحنان .. مجنـــــــون..!!
- سلامة راسك فديتك ..
- الله يسلمني و يسمنج .. سلمي سلمي ع الغراشيب لي عندج ..
- مالك إلا سوما .. يبلغ ..
- شوه سوما .. اسمها سيلاني ..
- لا يا الخبل .. لبنانية بتطير فوادك من تشوفهاا ..
- يا ويل حاليه .. عيل بتغدا عندج في الدواام اليوم ..
- لاااااااااااا دخيلك .. رشووود ما كنت بتصكر من شوي ..؟؟
و .....
طوط .. طوط .. طوط .. طوط ..
أغلق الهاتف في وجهها .. تنهدت أحلام بصبر .. رغم ثقل ظل راشد .. إلا أن نكاته السخيفة تلك تسليها .. خرجت من مكتبها و الشوق يدفعها دفعا .. سهيلة عادت بالأمس لا بد أنها في غرفتها الآن ..
تجاوزت باب بو ثاني الموارب .. و خليفة المغلق .. متوجهة نحو غرفتها .. و لكن قبل أن تصل إلى الغرفة المجاورة صم أذنيها صراخ مألوف .. لم تعد تسمعه منذ فترة ..
- شوه هاااي هاااا ؟؟.. تبينيه آكلهاا نية .. تكذبين عليه زكيوووه .. أكيد السمسومة يعلها السم هي لي مسويتنيه هالخبز .. و الا حكيم ما ييبه نيّ .. ظكي هناك .. أقووووولج خوزي عنيه و الا سنعتج .. قليلات خير .. يا ويلكن من ربكن .. نحن ذنوووب عليكن .. بيحاسبكن رب العالمين .. لي تغربلنااا و نحن في ذمتكن .. آآه منكن .. بموووت أنا .. بمووت ع ايديكن .. ترفعن ليه السكري و الضغط .. تبن لي الموووت .. الواااحد يوم يجود ييبين خيره في نفعته .. و الا انتن خيركن من عدمه .. حسبي الله عليكن .. كان ما بتنفدنيه قبل يوميه ..
.
.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها و هي تصيخ السمع بوله .. و صوت أم حميد يتردد في غل أطرب قلب أحلام ..
يمكنها الرقص على أنغام صيحات هذه العجوز ..
.
.
كم افتقدتها ..!!

* * * * *

●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا السادســــــــــــــــــــــة▌○●






العصبية بادية بوضوح على وجهه و هو يفرك راحتي يده بتوتر دون أن يرتشف قطرة من فنجان القهوة الموضوع أمامه .. فيما استمر هو في تأمله بحيرة ..!!
لم يكن هذا ما توقعه .. فشخصية سالم الجافة الذي التقاها المرة الأولى لا تشابه هذا التردد على سحنته .. ألح منصور عليه ..
- بو غنيم اتقهوا ..
التقط فنجانه ليرتشفه دفعة واحدة .. قبل أن يقول ..
- السموحة منك يا بوحمدان .. ييت الصبح يمكن وراك أشغال و الا شي ..
و نظر لكرسي منصور بشك .. و كأنما لا يرى شيئا في العالم قد يفعله المقعد سوى جلوسه مرتاحا على كرسي يقيده ..
أجاب منصور ببرود ..
- بالحل يا بو غنيم .. ما ورايه غير زيارة خوك اليوم ..
لمس منصور القوة الآن في صوته و هو يقول ..
- زين عيل يوم ييتك .. أبا أرمس وياك عن سعيد ..
- بلاه ..؟!
- من وين عرفته .. و ليش اخترته بالذات عسب تسوي أبحاث كتابك عنده ..؟!
عقد منصور جبينه ..
- أنا طلبت حالات الايدز لي في نطاق المنطقة خارج السجن أو الحجر الطبي .. و عرضت عليه ثلاث حالات .. اخترت منهن سعيد خوك ..
- ليش ..؟
- من دون ليش .. حسيت انيه أول مرة بقابل شرات هاي الحالة ..
- و شوه الحالة ؟؟
- سعيد خوك غير عمّا تعودنا و شفنا من مرضى يصابون بالعدوى عن طرق منحرفة ..
وضع فنجانه و هو يلقي ما في جعبته دفعة واحدة ..
- انزين اسمعنيه.. أنا أقدر انك محتاي المساعدة و المقابلات .. بس أنا ما أباك تستغل خوية .. و يا ليت لو سمحت تقطع علاقتك به ..
لم يفاجئ طلبه هذا منصور..!! لا يدري لما كان مدركا في قرارة نفسه أن سالم سيحاول جاهدا ابعاده عن سعيد ..!!
تشدق قائلا ..
- و ليش إن شا الله ..؟! سعيد مطرشنك ترمسنيه ..؟!
- سعيد مايدري انيه هنيه ..
- عيل ما ظن ان سعيد ياهل .. هو أدرى بعمره .. و بعدين شوه الاستغلال لي تشوفنيه أسويه ويا خوك .. ؟؟
- انت ما تشوف بحوثك لي أونك تسويها استغلال لحالة سعيد .. يعني ترابعه بس عسب يساعدك في لي انته تبا .. و يوم تخلص ما بيشوف رقعة ويهك .. يمكن هالشي عادي عندك .. بس سعيد حساس من ناحية الربع ..
ثم صر على أسنانه و هو يقول ..
- ما ريد أشوفه يعاني يوم تقضي حايتك و تخليه بروحه ..
شعر منصور بالغيظ يجتاحه ..
- اسمع يا سالم .. أنا ريال لو كنت أبا البحوث بس كان خلصت من زمان .. بس أنا خاويت سعيد خوك و حبيت اليلسة و ياه ..
شخر سالم بسخرية دليلا على عدم تصديقه .. فاشتاط منصور أكثر ..
- ما يهمنيه اذا بتصدق و الا لا .. أنا و سعيد ربع الحين .. و رمستك ما بتخلينيه أقاطعه .. مادري شوه غايتك .. و ليش تبانيه أبعد عنه ..
ثم ضيق عينيه و هو يقول بصرامة ..
- و لاتقول اني أستغل خوك .. اذا عندك غير هالرمسة هاتها ..

* * * * *

تشيح بوجهها للجانب الآخر .. و رغبتها بعدم رؤيتها جلية .. فيما تكبح هي ابتسامة متمردة تأبى إلا أن ترتسم على شفتيها ..
- أفاا .. بلاج يا أم حميد .. عطينا ويه .. ربج هب زعلانة ..؟
أصدرت العجوز صوتا متذمرا .. و هي تتمتم بشيء لم يصل مسمع أحلام ..
- قلتي شي ..؟!
نظرت لها شزرا ..
- لا ما قلت .. بلاج يالسة هنيه .. سيري قابلي شغلج أخيرلج .. بنأخرج نحن ..
ثم أشاحت وجهها مجددا .. و أحلام تبتسم ..
- تراج انتي شغليه .. ما تبينيه أقابلج ..؟!
انفجرت أم حميد ..
- و يوم انج تعرفين انيه شغلج .. شعنه يومين ما شوف رقعة ويهج .. ؟ ما تخطفين و لا تنشدين عنيه .. تعالي شوفينيه .. ميته .. و الا بعدنيه ..
- بسم الله عليج ..
تجاهلتها بتلويحة لامبالية ..
- أنا شغلج .. وايقي عليه .. ترا حاليه حال العرب هاييل .. و ما عليه قصور .. مادري بلاج قلبتي مرة وحدة .. قبل تخطفين و رايحة و غادية من عنديه .. و الحين ما نشوف غير غبرة ريولج ..
ثم نظرت لأحلام و هي تحرك يدها مؤكدة و صوتها الحاد يعلو قليلا ..
- لا تتحرينيه مستلغثة و الا محتاية .. الحمد الله .. أنا هب في حاية حد .. بقضي عمريه .. الله يسدنيه و يغنينيه عن معونتكن .. الوحدة منكن يوم بتقوم بمواجبيها كنها تتصدق .. لا تشوفينيه عيوز و تيلسين تتعطفين .. أنا مابا المنة من حد .. حد يبا ييلس عنديه مرحبا به .. و لي ما يبا .. فدااعة الله ..
.
.
لا .. يبدو أنها غاضبة جدا هذه المرة .. فكلماتها تخز كالشوك ..!!
اقتربت أحلام منها و هي تقول باستعطاف ..
- عيييني خييير يام حميد .. شهالرمسة الله يهديج بس ..!! أول أمس ما لحقت عليج .. قيلتي ..و أمس انا كانت عنديه ظروف لو سمعتينيه شوي كان خبرتج عنها .. غير انتي اليوم غاادية عصبية .. امرررة ما تتناغين ..!!
عينيها الضيقتين تزدحم على مشارفها خطوط الزمن تعكس عتبا ..
- دنــيـــاك دواريــــــة اتــــــدور .. شـــروات مـالــك قـــل عـلـيـه
ان جان صابك م الثرى اذرور .. أنــــا الـيـبــل طــايــح عـلــيــه
ثم هزت كتفيها مجددا و تلتزم الصمت .. ابتسمت أحلام بعطف .. لا تريد من أم حميد أن تشعر بأنها ثقل عليها .. اقتربت من تلك العجوز التي لطالما حيرها أمرها .. فهي تتلاعب بها كما يتلاعب ذاك الموج بذرات الرمال البعيدة ..!!
أمسكت كفها المغضنة .. و انحنت تطبع قبلة على رأسها و هي تقول ..
- افاا و الله زعلانة ع بنتج .. ما يطيع زينج يا أم حميد .. هذا و يايتنج و ويايه بشارة .. - ثم شدت على يدها و هي تقول بسعادة جمة - زهبي عمرج .. سبع شهور و الا ثمان .. و بتغدين يدّه ..
للحظة ظنت أحلام أنها لم تسمع شيئا اذ عم الهدوء و لم يعد للأنفاس صوت .. ثم تدريجيا بدا شيء غريب يعلو وجه أم حميد و أحلام تبتسم بصدق .. شيء يشبه الحنين ارتسم على ملامحها بإنسانية لا يمكنها إلا أن تخالط تجاعيد هذا الوجه الغابر ..!!
كانت متأثرة جدا .. لم تعلم أحلام هل هذا الإحساس انعكاسا لتقبيلها رأس العجوز أو ما قالت .. ؟!
كل ما كانت متأكدة منه في تلك اللحظة أن هذه الثواني ثمينة جدا .. و ستعني لها الكثير دوما ..!!
.
.
- أم حميد .. أهوه المحلى .. حكيم عملهولك تاني ..
و انفضت تلك النظرة ليحل مكانها عدم الرضا ..
- هاتي أشوفه ..
أقبلت زكية بالصحن تضعه بين يديها .. لتلتقط أم حميد خبزة منها .. تقضم طرقها فتلوكها للحظة قبل أن تطلق صرخاتها مجددا ..
- هذا حكيم شيّب .. و اخترب .. ما ييب العيشة الا نية .. أنا ماباها هااي .. لولية أخير سيري هاتيها ..
تنهدت زكية بصبر ..
- أولية اييييه .. منتي أولتيلي أرميها ..
أنكرت أم حميد ..
- أنا قلتلج تفرينها .. حشى عليه .. الرمسة هااي ما يبتاا .. لكن انتن ما تحاسب ع نعمة ربكن .. يوم أرد العيشة بتفرينها .. خليها كاد ربج آكلها خلاف .. حسبي الله ع بطرتكن .. بتدخلناا النار ..
كبحت أحلام ابتسامة و هي تسمع زكية تهمس ..
- يا نهار منيّل .....!!


* * * * *

حين ساعده ساجد في الاستواء على كرسيه المتحرك أشار له بالانتظار ككل مرة .. ثم دفع كرسيه قاصدا دخول المبنى القابع أمامه ..
لن يردعه طلب سالم بالابتعاد عن سعيد .. و لا يهمه رأيه فيه البتة ..!! هو لا يستغل سعيد أبدا .. بل يرغب في مساعدته بقوة .. ربما كان هذا الشعور نابعا عن الشفقة التي قد يرفضها سعيد بقوة .. و لكنه حقا يحب رفقة هذا الفتى ..
شيء ما في حماسه و لامبالاته بمأساته يولد إحساسا غريبا بالقوة يجتاحه هو ..!! ثم أنه متأكد من أن سعيد مرتاح لهذه الصداقة الحديثة بينهما .. و دليل على ذلك لهفته الشديدة للقائه دوما ..
كيف لسالم أن يقرر بتبجح أنه يستغل أخيه .. لا يمكن أن يفعل منصور أو أن يقصد فعل مثل هذا العمل الشائن .. لا ينكر بأن تعرفه عليه كان بقصد المنفعة البحتة .. و لكن هذا تغير .. !!
سعيد لم يحظى قط بأصدقاء بخلاف الذين عرفهم في مراهقته .. و هو متلهف لأن يجد شخصا ما يجالسه .. و سيكون منصور مسرورا كونه هذا الشخص ..!!
.
.
أمام باب غرفته يقرع الخشب بقوة .. و تتعاقب أصابعه في خدش الخشب ..
و لا مجيب ..!!
أين هو ..؟!
استمر للحظات يقرع باب الغرفة الموصد بأمل .. لربما كان في الحمام أو شيئا ما .. و حين أدركه الوقت و اليأس .. أدار كرسيه و توجه نحو مكتب الاستعلامات في هذا القسم ..
المرأة خلف مكتب الاستقبال تستقبله عيناها باستفسار ..
- نعم خوية ..؟! أي خدمة ..؟
أشار منصور لنهاية الممر ..
- لو سمحتي الشيخة المريض سعيد محمد حجرة رقم 17 .. موجود ..؟!
أشارت بإصبعها لتطالع بعض الأوراق أمامها ..
- دقيقة بس .. سعيد .. سعيد .. هيه سعيد محمد .. يطولي بعمرك الريال عنده فحوصات اليوم ..
هز منصور رأسه محبطا .. سعيه إلى هنا كان بلا قيمة ..
- أهااا .. مشكورة عيل .. ما قصرتي ..
- العفو خوية .. حاظرين ..
و أدار كرسيه عائدا نحو المصاعد .. لم يُكتب له رؤية سعيد لهذا اليوم رغم لهفته الشديدة لذلك .. لا يدري لما ؟؟ و لكنه أراد أن يراه بعد مواجهته مع أخيه ..
لا نصيب ..!!
حسنا يمكنه على الأقل التوجه لبيت أهله .. ليرى أمه و أبيه هناك ..

* * * * *
تنهدت براحة حين تجاوزت عتبة باب أم حميد للخارج .. تتغلغل في روحها هذه العجوز ..!!
توجهت نحو غرفة سهيلة مقصدها الأول قبل أن تعترض صرخات أم حميد طريقها .. شعرت بنشوة تغمرها و هي تتوجه مباشرة نحو غرفتها .. كم اشتاقت لبراءة الطفولة ترتسم على وجه تلك العذراء التي تجاوزت السابعة عشر .. شيء قد لا يصادفه غيرها من البشر .. إلا من يقطنون هنا .. نقاء تلك الكائنات الصغيرة ينعكس في ضحكتها الصافية التي لطالما انطلقت بلا أسباب .. و لا قيود ..!!
لتملأ الجو حولهم حبورا .. تريد أحلام أن تلمسه .. أن تعيشه بصدق لتشاركه فرحتها الصغيرة ..
دفعت باب غرفتها بلهفة .. ليقابلها الخلو بسخرية .. حسنا .. في الاستراحة إذا ..!!
.
.
لحظات و تحملها قدماها إلى هناك .. الأصوات المميزة ترتفع خارج الغرفة ..
أطلت برأسها بمرح ..
- السلاااام عليـــكم ..
التفت الرؤس الثلاث بصيحات الترحيب فدلفت أحلام بحبور شديد .. كان أول من تلقاها سهيلة .. التي مدت أحلام ذراعيها لها بشوق لتلفها في حضنها .. و صوت تلك العالي يطن في أذنيها ..
- آآآحـــــــــــــام ..
- حبيبتي و الله .. شحالج سهيلة .. تولهنا عليج ..
- أبــ .. آآ .. أبخييــي ..
ابتسمت أحلام لتمسك بيدها و تقتادها نحو زكية و حصة اللتان استقبلتاها بالابتسام .. بادرت حصة تقول بشيء من الحماس الواهن ..
- مرحبا الساع ..
صاحت زكية بفرحة ..
- مبروووك يامدام .. الله يئومك بالسلامة ..
جلست أحلام بجانب حصة ..
- الله يبارك فيج زكية .. ههههههههه .. شردتي عيل من أم حميد ..
نفخت زكية براحة ..
- الله يهديها ..
مدت حصة يدها الناحلة المعروقة تضعها على ظهر أحلام ..
- هاا .. تحملي و داري ع عمرج .. الحين غير عن قبل ..
شعرت هي بشيء من الخجل ..
- آحم .. لا توصين خالوه .. - ثم التفتت لسهيلة - هاا علوومها الحلوة .. استانستي في بيت هلج ..
لم تجب سهيلة .. يبدو أنها لم تفهم السؤال جيدا .. لذلك سألتها مجددا ..
- سرتي البيت هناك .. حلووو ..؟!
اختفت ابتسامتها فورا .. لتلوح بيدها بطريقة غير مفهومة .. أدركت أحلام أن سهيلة لم يعجبها المكان هناك .. لذلك سألتها مجددا ..
- شوه كنتي تسوين ..؟!
أشارت للتلفاز ..
- آشوفين آكوون متاتا ..
- أنا شكلي بسوي خير في المسلمين و بييب لج غير هالفلم ..
هزت زكية رأسها ..
- لأ يا مدام .. دي بتحب الشريط دا بالزات .. و الا أبو عبد الرحمن كان جاب غيرو ..
ضحكت أحلام ..
- الشريط يطلب الرحمه .. يوميا و هو يتشغل .. ما عليه عشانج سهيلة .. شغليه زكية ..
نهضت زكية و أدارت الشريط ثم عادت لتجلس بجانب سهيلة على الأرض فيما استقرت أحلام و حصة على الأريكة المقابلة للتلفاز ..
و مع الوقت .. انخرطت الاثنتين في حديث عميق .. فيما واصلت سهيلة إطلاق صرخات متحمسة و متفاعلة مع اللقطات التي تشاهدها للمرة المليون ..!!

ارادة الحياة 08-05-08 04:23 PM

- لا .. أمه غير عنهن .. تقولين عايشة فعالم بروحها .. ما لها خص فحد .. بس كانت تتخبرنيه .. انتي بخير .. مرتاحة ..
تدفق صوت غزيل عبر السماعة ..
- كيف يعني تهييت ..؟!
- لاااااا .. تعرفين شوه .. أبوهم شخصيته قاسية شوي .. قابضهم كلهم في ايده .. و تحسينه مستقوي ع هالمسكينة .. و الله مراات كانت تغمضنيه .. وااايد ضعيفة شخصيتاا .. و عيالها طالعين على أبوهم . الواحد راكز خشمه مادري ع شوه ..
سألت غزيل باهتمام ..
- يعني محد منهن قد غلطت عليج و الا شي ..؟!
تنهدت موزة ..
- لا شوه يغلطون الله يهديج .. تراه آآ عبد الله ..
و قطعتها غزيل بسرعة ..
- السبال ..
ابتسمت بألم ..
- هيه .. كانن يخافن منه .. محد منهن تروم تقوليه شي .. كنت أدري إنهن يبنه لبنت خالتهن .. و ما كانن يعطنيه ويه .. تخيلي غزووول .. ايلس في قسميه بروحي طوول اليوم محد يخطف عليه و الا يتنشد ..
مس صوتها المتألم قلب صديقتها ..
- هو كان يعاملج زين ..؟!
شعرت موزة بذكرى تلك الأيام تجثو على أنفاسها ..
- كان زين وياية .. واايد يراعينيه .. أول شهرين بس .. و يوم دريت إنه معرس بالمغربية .. انقلب حاله امية و ثمانين درجة .. غدى عصبي ..و دوووم يهد عليه .. حاولت أصبر عليه ما رمت .. شليت عمريه و رديت البيت و خبرت حمدان خوية بكل شي .. قلتله أبا أطلق .. اسبوع بس و ورقتي كانت عنديه ..
ثم تنهدت لتقول غزيل مواسية ..
- افتكيتي من الشر .. ما عليه حسوفة الهرم .. بس موزان خبرينيه .. منوه لي قالج عنها .. أطري المغربية ..؟!
- أخته العودة ..
- خيبة .. تفاتن على أخوها ..
- تبا المشاكل تبدا منيه ..
- أهاا .. و من هذاك اليوم و انتي يالسة في البيت .. تضيعين مستقبلج عسب هالحثالة ..
تنهدت موزة ..
- لااا بس .. آآآ .. اسمعي غزيل .. أناا كنت أبا اجازة ..
- خطفن ست شهور على هالاجازة .. باقس اسبوعين و يبدا الكورس الياي ليش ما تسجلين ..؟!
- مادري .. أبا أفكر ..
ألحت غزيل بقوة ..
- هاااي لي بتقهرني .. تفكرين فشوووه ..؟؟ يختي يسد لي راااح .. كم بتضيعين من الوقت .. هذاك السبال يرتغد من مكان لمكان .. و العرب عايشين حيااتهم .. الا انتي .. مادري ليش شخصيتج غاادية ضعيفة و يمشونج الناس على هواهم ..؟!
نفخت موزة بضيق ..
- غزيل دخيلج .. لا تضغطين عليه .. أبا أكون مرتاحة في شي لي بسويه .. و بعدين هاي خطوة جريئة بالنسبة لي و يبالها تقدير و شجاعة .. خلينيه على راحتيه .. و أن بردلج خبر هاليومين ..
لم ترد غزيل أن تزيد شيئا مما قالت ..
- خلاص فديتج .. على راحتج .. بس فكري بشي وااحد .. عبدالله خذج و غربلج وياه و طلقج .. ضيع من حياتج وااايد أشياء .. الحين بس أباج تفكرين .. يستاهل عقب لي سوااه يضيع أكثر من لي راح ..؟!

* * * * *

في اللحظة التي دلف فيها الصالة اجتاحه تيار من الترحيب .. كانت أمه التي انتبهت لدخوله تجلس وحيدة في الصالة لتهب واقفة و تقترب منه ..
- مرحبا .. مرحبا ... حيا الله من ياا .. اقرب .. اقرب فديتك ..
و انحنت لتسلم عليه .. ثم أمالت رأسها ليطبع قبلة عليه ..
- قريب ..
و تقدم بكرسيه إلى حيث كانت تجلس منذ وهلة .. تتبعه هي ثم تستقر على الأريكة التي بجانب كرسيه ..
- شحالك فديتك ..
- بخير يا أميه .. شحالج انتي .. ربج بخير ..
- بخير يعلك الخير .. و الله يا مرحبا .. هيه .. خلنا نشوفك .. حاكر عمرك في البيت .. يوم بتحصل عمرك فاضي خطف عليه .. أنا دوم أيلس بروحيه الصبح مبارك في دوامه .. و ميثا في الجامعة ..
- ابوية وين ..؟!
- راح يقظي له أشغال و بيرد ..
- يا حيّه .. و انتي علومج ..
- علوم الخير يعلنيه فداك .. أحلام وينها ما يت وياك ..
نظر منصور لها مباشرة .. متأكد بأنها تعلم الإجابة ..!!
- أحلام في الدوام ..
أطلقت نفسا عميقا في ضيق ..
- و شوه مودنها الدوام الله يهديها .. أحلام الحين غير عن لول .. الحين حامل .. و الحامل هب زينة الحركة لها في أول شهورها ..
لم ينبس منصور بحرف .. و انعكاس الهدوء على سحنته لا يبين فيما يفكر .. تابعت أمه تتذمر ..
- نحن من لول ما نباها تشتغل .. محد من بناتناا قد سوتاا .. بس انته الله يهديك ما تشاور حد .. و محد بييلس يحاسبك ع حرمتك .. انته أدرابها ..
ثم أمسكت بيده و تخفض صوتها ..
- لكن الحين غيير .. الحين أحلام لازم تقر في البيت .. وين بتروم للعبالة و هي حامل .. الدوام ما منه فايدة .. الخير واايد و سادنها عن الحاية .. و الشغل منقود عدنا .. لكن يوم انت ابتدعت هالشي لها محد خالفك .. بس الحين كلنا بنخالفك .. ما نبا بنتنا تهيت و تتعبل بالغير و هي حامل .. هب رايمة تشل عمرها .. و طايحة علينا من التعب ..
كان وجهه القاسي لا يعكس إطلاقا ما يعتمر داخله من أفكار .. أمه تحثه على جعل أحلام تترك العمل .. هذا ما كان يسعى إليه في قرارة نفسه .. و لكنه تراجع ..
لم يكن يريد أن يخلف وعده لها .. يريد أن يشعرها بالأمان .. يريد أن يقدم لها دليلا قويا على أنه يهتم لأمرها حقا .. هل سيرضخ لكلمات أمه هذه ..؟!
عادت أمه تقول ..
- رمسها فديتك .. لازم تودر عنها هالشغل ..
ثم اعتصرت يده ..
- الريال يراعي حرمته ما قلنا شي .. لكن لو الحرمة ما تعرف مصلحتاا .. لا يطاوعها ..
ثم ألحت عليه بقوة ..
- هاي رمستيه و شوريه .. و كانك ما بتطيعنيه برايك ..
ثم نظرت إليه تنتظر اجابة على كلماتها هذه .. يبتسم لها بحب ..
- افاا يام منصور .. رمستج و شورج ع العين و الراس ..
يدوم الصمت للحظات قبل أن يمسك كف أمه الممسكة بيده ..يرفعها لشفتيه و يطبع قبلة عليها .. و يخالف ما تريد نفسه بقوة و هو يقول بحزم ..
.
.
.
.
- بس أحلام بتم تداوم ..

* * * * *

انتشرت تلك العباءة السوداء تغطي السماء .. تنام تحتها عيون المتعبين ..
و هبوب الرياح الخفيفة .. تتوقف لثوان على عتبات تلك الشرفة .. لتسامر روحا استقرت هناك تتجرع هذا الهدوء بشفافية و استقرار لم تذقه منذ زمن ..
كم مر عليها من الوقت لم تشعر بهذا السكون يعم حياتها .. أغمضت عينيها و بسمة حالمة تناوش ثغرها ..
مر عليها الكثير .. الكثير جدا .. ألم دائم احتضن فؤادها لمدة طويلة .. أزهق أحلامها .. و أسقط يدها يأسا كانت فريسة سهلة له ..
أي قدر ساقها إلى هنا .. بعد كل حزن سكن روحها .. ها هي تجلس هنا .. سعيدة .. تكاد تطال تلك النجوم المتناثرة كالجواهر بيدها .. تلامسها بأناملها .. لتداعبها بشقاوة ..
لقد رُسم لها طريقا .. حفر في طيات الأيام .. تعلم دوما أنه سيحمل لها الكثير .. و لكن ..!!
للحظات لم تعد آبهه بما قد يحدث في الدهر القادم .. لم يعد يهمها إلا هذه الثواني الصامتة ..
لا يخرق شيء سكون الليل سوى دقات قلبها المنتظمة تبث في أوردتها أحلاما جديدة .. لم يسلبها ما مر بها ..
تغمض عينيها متلذذة ..
.
.
بأي ثمن قد تُقدر راحة البال يا ترى ..؟!

* * * * *

متوترة جدا .. رغم أن جلوسها الهادئ و كفين تعقدهما في حجرها .. و نظرة صامتة تسكن تلك العينين .. لم تعكس ارتباكها ..!!
تنتظره و هي ترتب كلماتها .. تضع الأحرف في مواضعها .. و تجس نبض الحماس المحتضر ..
كيف ستنعش قوة قديمة الآن .. كيف ستعيد ذاك العزم القديم إلى الحياة ..؟!!
.
.
أَ واثقة ..؟!
أَ واثقــــــــــــــة ..؟!!!!
.
.
- سمحيليه فديتج أبطيت عليج ..
رفعت رأسها متفاجئة .. و قلبها يخفق بعنف ..
- لا عادي ..
استقر بجانبها ليضع يده خلف ظهرها يسألها بحنان ..
- هاا موااز .. قلتي تبينيه فسالفة .. شوه لي فخاطرج ..؟!
ابتلعت ريقها بهدوء ..
- حمدان أنا من كورسين معطلة و يالسة في البيت ..
- انزين ..؟!
- و .. آآ .. أشوف يلستيه في البيت مالها داعي .. يعني أضيع وقتي بس ..
ابتسم لها مطمئنا ..
- و شوه تبين ..؟!
ارتجفت موزة فرغم طبيعته الحنون إلا أنهم يهابونه ..
إفعليها الآن ..!!
- أباا أرد الجامعة و أكمل دراسة ..
ثم أخفضت أهدابها في ترقب .. صمت لثوانٍ .. قبل أن يقول بحبور ..
- بس ......؟! .. فالج طيب .. باكر بنسير أنا و انتي نسجلج للكورس الياي .. غيره ..؟!
تنهدت بارتياح .. و هي ترفع رأسها في امتنان ..
- سلامتك .. ما قصرت حمدان ..
- حاظرين فديتج .. يا الله نشي خلينا نتعشى ..
و نهض متوجها نحو الباب قبل أن تستوقفه بصوت رقيق ..
- حمدان ..!!
التفت لها مجددا .. و يد تمسك بالباب ..
- لبيه ..
لم تعلم في أي زاوية من قلبها وجدت تلك الشجاعة ..؟! و لكن هذا الحنان يستحيل أن يكون لها وحدها .. لذلك كان صوتها خافتا و هي تخفض عينيها ..
- أحلام تسلم عليك ..
.
.
و انقبض فكه في صرامة ..
.
.
و لكنه لم يروض حنينا تمرد على الإحساس ليتألق في عينيه ..!!


* * * * *

طرقات تترد على سطح بابه تخترق عالمه هذا .. فيبحث عن نفسه للحظات قبل أن يتراجع في مكانه ..
- ادخل ..
ليفتح الباب فتطل برأسها مترددة ..
.
.
زوايا هذه البقعة من المكان و الزمان تخفي ما لم تعرفه هي قط .. أ تصيبها الحيرة مما قد تلمسه من برودة بين صمت هذه الجدران ..!!
اقتربي ..
بل اقتحمي ..
هذا عالم يفتقر إليك .. هنا المشاعر مستوحشة .. ظمآنة ..
للسراب البعيد في عينيك .. لا يرويها ..!!
.
.
صوتها يتغلغل الهواء الجامد ليبثه الحياة ..
- مســــــاء الخــــــير ..
و ابتسامة صعبة تكابر الظهور .. لم يعتد بعد على قرب روحها هذا ..!!
- مســــــاء الورد ..
- مشغول ..؟!
الآن ابتسامة حقيقية تتوسط وجهه .. تبدو كطفلة تستأذن أبيها ..
- لا ..
اندفعت للداخل بابتسامة محرجة ..
- زين عيل .. مليت من اليلسة بروحيه .. قلت .. آآ .. أيي أسولف وياك ..
و احمر وجهها بشدة .. لا يدري لما يغشى الخجل عينيها .. أ لأن الوضع غريب و هما يجلسان معا لتبادل الأحاديث // الأحاسيس ..
لم يفعلا ذلك مسبقا ..!!
لحظات بطيئة .. ثقيلة .. تمر و كلاهما يلتزم الهدوء.. ألم تأتي لتسامره ..!! إذا لما يحجب السكون كلماتها ..؟!
يراقب أناملها التي تحفر سطح المكتب بتوتر .. قبل أن يقرر تمزيق وشائج الصمت ..
- هاا علومج اليوم .. شوه سويتي ..؟!
هزت كتفيها ..
- ماشي مهم .. سرت الدوام .. و شيكت ع الحالات لي عنديه .. و كان وحدة منهن رادة اليوم من عند هلها ..
- كم حالة عندج ..؟!
- آآ .. خمسة بس ..
موضوع آمن للحديث .. و سيجيب عن الكثير من علامات الإستفهام ..
- و كيف تعالجينهم بالضبط ..
ابتسمت بهدوء ..
- - أنا ما أعالجهم .. يعني .. آآآ ..
ثم أوضحت ..
- اسمع هاي أول مرة أسوي شي ميداني غير التدريب لي خذته .. يعني أول مرة أجرب أستخدم لي درسته .. يمكن لو كنت في عيادة و الا ما شابه .. كان طلبت جلسات خاصة مع المرضى نناقش فيها مشاكلهم .. بس الحالات هناك وااايد غير .. و صعب أتخذ وياهم هالاسلوب و الا اسلوب الاسئلة لنهم يشوفونه استجواب .. لازم أتعامل وياهم بطريقة عادية و أشوف مشاكلهم بالطريقة لي هم يشوفونها و يراووني اياها ..!!
بدا الاهتمام يتعاظم .. ها هي تكشف زوايا من حياتها لم يقع ناظره عليها مسبقا ..!!
- أهم شي في الموضوع انيه استشف أي شي يمكن يعانون منه من أي نوع و أساعدهم .. أنا هب دكتورة نفسية .. أقصاي مستشارة .. بس الحمد الله ما ألقى صعوبة .. الحالات لي وياية عرب طيبة .. و التعامل وياهم سهل .. تيلس وياهم .. تسمعهم .. تسولف لهم .. و .. آآآآ .. ليش تضحك ..؟!
نظرت إليه متسائلة .. حين رأت تلك الابتسامة الغريبة ترتسم على وجهه .. ابتسامة حقيقية ..!! واحدة من شحيحات الظهور ..
هز رأسه و شيء غريب يعتمر في صدره .. يحاول إخفاء تلك الابتسامة ..
- ما أضحك .. - ثم استطرد كاذبا - بس عيبتنيه السالفة ..
ابتسمت هي الأخرى بحماس .. و كأنما أفرحها إعجابه .. لم يخبرها أن ابتسامته سببها الإحساس العميق الذي لمسه في صوتها و هي تتحدث عن العمل .. أكان وليد العمل .. أم وليد تلك الأرواح التي سعت إلى هناك لمداواتها ..
تمنى بصدق .. أن يلمس هذا الإحساس يوما و هي تتحدث عنه ..
فقد بدا شيئا مميزا للغاية .. و هي تسكب تلك المشاعر من روحها .. لأشخاص لم يتجاوز عمر معرفتهم الثلاثة أشهر ..!!

* * * * *
تتمة


عندما يقبل الصباح كل يوم .. ترسل الشمس خيوط الضوء .. إلى كل مكان .. الأفنية .. الطرقات .. عتبات الأبواب ..
و مصاريع النوافذ المغلقة .. لتتوقد الأرض بأضواء يحملها اليوم الجديد في كل مكان ..
.
.
و أحيانا .. حين تطرق تلك الأشعة أبوابنا .. تتسلل إلى مخادعنا عبر النوافذ ..
لا نعلم حقا بأن في هذا اليوم قد تمر علينا لحظة .. نتمنى أن فيها الشمس ظلت غافية حتى الغد ..
ربما كان هذا اليوم لن يأتي ..!!
رغم هذا .. لا زالت الشمس تخرج .. كل فجر بعنفوانها .. تضيء عتمة الليل متحدية ..
علينا أن نتقبل بامتنان كل ما تحمله في طيات صبحها الجديد ..
.
.
.
.
.
.
.
- مدام أحلااام ..؟!
استقبل أحلام هذا النداء في اللحظة التي دفعت فيها باب المركز .. لتلتفت للمنادي ..
زكية تقف عند نافذة الاستقبال .. ابتسمت أحلام بحبور ..
- هلا زكية .. صباح الخير ..
هزت زكية رأسها بسرعة ..
- صباح النور يا مدام .. دنا من الصبح بستناكي ..
عقدت أحلام جبينها و ذكرى قريبة لخبر بو ثاني تراود مخيلتها ..
- رب ما شر ..؟!
- عاوزة أكلمك في موضوع أبل ما تشوفي حد .. ممكن ..؟!
رغم القلق الذي اجتاح فؤادها إلا أنها جاهدت بابتسامة و هي تمازح زكية ..
- أوي يا ستي ..
أشارت لها زكية ..
- بقى انتي اسبئيني لمكتبك و أنا حقيب البت سوما و جيالك حالا ..
- سوماا ..؟؟؟ بلاها ..!!
- ما فيش يا ستي ما تتخضيش .. روحي انتي دلوئتي و أنا جيالك ..
و التفتت لتقطع الممر مسرعة بحركتها النشيطة التي دوما تذهل أحلام ..
أحلام التي ظلت تنظر في أعقابها للحظات ..
ما الأمر ..؟!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قالت زكية حين استقرت على المقعد المقابل لأحلام و تجلس بجوارها سوما ..
- مدام أحلام انتي مسؤولة عن كل حالة هنا مش كده ..؟!
سؤال غريب ..!!
- أكيد ..
- طب لو كان عندينا أي ملاحظات على حالة معينة .. نبئى نجيلك و نحكيلك .. صح ..؟!
- أكيد .. شوه زكية .. روعتينيه تراج .. عندج شي قولي ..!!
ابتلعت زكية بعض الهواء قبل أن تخفض صوتها و كأن هناك من يتنصت عليهم ..
- مدام نحن ملاحظين حاجات غريبة ع البت سوهيلة .. يعني حاجة ممكن تهمك ..
اتسعت عيناها باهتمام ..
- زكية لا تمين تلعبين باعصابي نحن هب في فلم مخابرات .. عقي الرمسة مرة وحدة .. قطعتي فواديه الله يهديج ..!!
تنهدت زكية بصبر ..
- معليش يا مدام صبرك عليا .. أنا عوزاكي تاخدي الموضوع حبة حبة ..
أشارت أحلام بيدها تحثها ..
- خلاص كملي ..
مالت زكية بخفوت مجددا ..
- يا ستي النهاردة الصبح و أنا بوعي سوهيلة لاحظت حاجة .. دي .. آآآ .. يعني .. يا ستي دا السرير كان متوسخ ..!!
- تبول ليلي لا ارادي ..؟!
هزت زكية رأسها بسرعة موافقة .. فقالت أحلام بحذر ..
- بس يا زكية .. هاي حالة واايد ناس يعانون منها .. أي اضطراب نفسي يمكن يسببها .. يمكن انتقال سهيلة المفاجئ لبيت هلها و ردتها هنيه وترها شوي .. عاادي مراات تستوي حتى عند نااس تجاوزوا سن الرشد ..
ثم ابتسمت بامتنان ..
- بس زين انج خبرتينيه .. عسب أحط هالشي في الاعتبار ..
قالت زكية بضيق ..
- ما تستعجليش يا مدام .. دي مش بس المشكلة .. خلينيه أكمل كلامي ..
شعرت أحلام باحراج ..
- السموحة منج زكية .. تفضلي .. خذي راحتج ..
سحبت نفسا عميقا ..
- معليش يا حبيبتي ..صبرك عليا .. المهم سوما آلت إنها كانت خارجة في الليلة اللي رجعت فيها سوهيلة هينا .. عشان تشرب شوية ميّه .. و لما كانت رايحة للمطبخ سمعت سهيلة تبكي ..
أمسكت أحلام أنفاسها ..
- تبكي ..؟!
- آآه يا مدام .. آلت إنها سمعت سهيلة تبكي أوي .. آلت .. واجد واجد .. – ثم التفتت لسوما – مش كدا يا سوما ..
هزت أحلام رأسها ..
- سومـــا ..؟؟
أومأت سوما برأسها ..
- هاا مدام .. أنا فيه إسمع ساهيلا إيبكي .. وااجد إيبكي .. ما بيه معلوم ليش إيبكي .. أنا أول شي يهس خوف .. صوت نفر ايبكي وااجد آآلي ..
عقدت أحلام جبينها بشدة .. و هي تقبض على يديها .. هذا يثير قلقها ..!!
واصلت زكية حديثها ..
- دي مش كل حاجة مدام ..
أما زال هناك المزيد ..!! تمنت بصمت أن لا تزيد زكية شيئا على هذا ..
و لكنها قالت ما استطاع حقا أن يثير شيئا في نفسها .. كانت حازمة و هي تقول بهدوء ..
- مومكن تيجي معايا يا مدام ..
الآن حقا يدب الذعر في قلبها ..!!
ماذا هناك أيضا ؟!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانت زكية صبورة للغاية و هادئة و هي تمسح على رأسها و تحثها ..
- يالله يا حببتي .. ما حدش حيشوف غير أحلام .. – التفتت لأحلام – مش كدا ..؟!
أومأت أحلام مشجعة ..
- هيه حبيبتي .. خلينيه أشوف ..
كان الخوف جليا على وجهها و هي تهز رأسها رفضا ..
- مااااباااا .. مااابااا ..
أغمضت أحلام عينيها قبل أن تتقدم ..
- ليش فديتج .. سهيله .. ما بخبر حد .. بس أنا بشوف ..
و تلح عليها برفق .. فيما تجر زكية ببطء كتف الثوب و هي تطمئنها بعينيها .. سرعان ما نقشع طرف الثوب عن كتفها كاشفا ما وقع عينا أحلام عليه لتتسعا بصدمة .. نظرت زكية و قالت بصوت منفطر ..
- أنا ما شفتهاش غير لما كنت عاوزة أبدل ليها .. دي تيجي خمس ست كدمات في جسمها كامل ..
و ضعت أحلام يدها على جبيها و شيء ما يتعاظم في داخلها .. و عبرة تسد حلقها .. تمنع الكلمات من العبور ..
و عينيها تناظر تلك الكدمة التي رغم أنها بدت قديمة .. إلا أن شكلها الشنيع ما زال مخضبا باللون البنفسجي ..
همست بحقد و يدها ترتجف ..
- الحيوانات ..
و استدارت متوجهة نحو الباب .. لتسألها زكية بقلق ..
- على فين يا مدام ..
كانت صارمة و هي تدفع خطواتها بأقدام ضعيفة ..
- مكتب بو عبد الرحمن ..

* * * * *

فتح بابه ليجده جالسا على كرسيه .. ابتسم بوهن ..
- مرحبااا بو حمدان ..
تنحى جانبا و هو يفتح الباب كله ليدفع منصور كرسيه متقدما للداخل ..
- لمرحب بااقي .. شحالك سعيد ..
جلس على الأريكة المتهاوية ..
- بخير يعلك الخير .. شحالك انته ..
- يسرك الحال .. علوم ..
- أبد و الله .. مابه يديد .. هاا يومين مقاطعنا .. و انت واعدنيه تيي أول أمس ..
ثم ابتسم بتعب ..
- شوه خايف من المباراة ..
رغم بريق غريب في عينيه .. نغز قلب منصور .. إلا أنه أجاب ..
- وااايد وااثق يا الحبيب .. أقول اسكت أخيرلك .. لاطرك شرات كل مرة ..
- هه .. يا الله .. خلنا نشوف ..
ثم هب يوصل أسلاك اللعبة و يديرها .. قبل أن يسأل منصور ..
- أمس ييتك .. و قالوليه عندك فحوصات ..
- آآآ .. هيه .. شوه الفريق لي بتلعب به ..؟!
- الأرجنتين و أنا بحط التشكيلة .. ربها طيبة الفحوصات ..؟!
- الحمد الله .. أنا بلعب بالبرازيل .. ليش أول أمس ما ييت.. ؟؟
تنهد منصور ..
- و الله شوي ظروف في البيت ..
لحظات و تبدأ المباراة .. و رغم صيحات الحماس و الاحباطات المختلفة و اشتعال اللعب بينهما .. إلا أن منصور شعر بشيء مختلف هنا ..!!
لا يدري لما .. و لكن هناك اصطناع يلمسه منصور في حماسة سعيد الواهية ..
رغم ذلك استمر باللعب حتى انتهت المباراة بخسارة سعيد ..فابتسم منصور ..
- هاا خايف من المباراة ..؟!
- ياخي لعيبتهم البرازيل ..........
ضحك منصور .. بشدة .. في حين ابتسم سعيد لضحكته ..
- أوه أوه .. خل بعضها لباكر ..
ثم اقترب من النافذة ينظر للسماء ..
- الجووو مغيم .. خلنا ننزل الحديقة نغير جو ..
هز منصور رأسه موافقا ..
- أوكيه ..


* * * * *

أول مرة التقت فيها أحلام بهذا الرجل .. ترك فيها انطباعا قويا بالصلابة .. هدوءه لا ينم إلا عن تحكم و سيطرة .. شيء أسمته في داخلها .. سطوة الأسد العجوز ..
عينيه الصارمتين القاسيتين تتألق ببريق رقة في مزيج غريب .. يتركها دوما في حيرة من أمرها .. كان ينظر إليها مباشرة .. جالسا خلف طاولته على مقعده الجلدي الضخم .. رغم كل شيء .. عينيه المسلطتين عليها لم تشعرها بالارتباك .. إن ما قالته هو ما تراه مناسبا ..
يعقد أصابعه بهدوء .. لا يمكنها أن تتأكد مما يفكر في هذا العجوز ..!!
حين تكلم أرسل قشعريرة على طول ظهرها فصوته كان يحمل في طياته وعيدا أفزعها رغم أنه لم يوجه إليها ..
- دكتورة أحلام .. الموضوع هب هين شرات ما تتصورين .. انتي متأكدة من إنج تبين تتدخلين ....؟! تذكري ان هلها واصلين .. و يمكن يفرونج برا المركز اليوم ..!!
كان هذا استفزازا حقيقيا .. يريد أن يرى لأي مدى قد تتمسك بما تعتقد .. قالت بهدوء ..
- بو عبد الرحمن .. اذا انته ما همك هالشي .. تباه يهمني .. أنا ما عنديه خلاف .. بس انت خبرنيه شوه لي تبانا نسويه و أنا حاظرة ..
تأملها لبرهة قبل أن يقول آمرا ..
- تنشين الحين و تشلينها و تاخذين زكية وياج .. تروحين توام .. و تسوين لها فحص و تطلبين تقارير عن الضرب لي فجسمها .. سوي لها فحص شامل .. قبل نهاية الدوام تكونين انتي وياها و زكية و التقارير هنيه ..
ثم قال بقوة و هو يشير بسبابته ..
- و خلي الباقي عليه ..
.
.
و في تلك اللحظة انعكس غضب مخيف على وجهه .. شيء انفلت و لم يستطع مسك زمامه ..
و عاد للذاكرة صوته البعيد ..
.
.
.
.
.
.
.
.
[ - لي أبا أقوله إن الحالات لي تحت إشرافي أنا مسئول عنها و عن راحتها فيا ليت تحاولين توفرين لهم الجو المناسب قدر الإمكان ما ريد حد منهم يتعرض لأي مضايقات أو ما شابه .. ]
.
.
كان يحذرها من أن تسبب الأذى لأحد أولئك الذين يقعون تحت رعايته .. شيء ما في حماسته لحمايتهم .. جعلها تشعر و كأن هؤلاء المرضى كأطفاله الصغار ..
.
.
لقد آذى شخص ما أحدهم .. و لم يعجبه هذا ..
ففجر ذلك غضب الأسد العجوز ..
ألهبــــــه !!

* * * * * *

كانت الشمس تختبئ خلف الغيوم المتراكمة .. و الجو منعش .. و نسائم تائهه تبحث لها عن سبيل ضيعته .. فتصطدم بوجوههم .. تتحدا أنفاسهم .. تجبرهم على استنشاق برودتها اللطيفة ..
و يسترخي هو في مقعده بارتياح لم يصل إلى عينيه الضيقتين .. و هو يقول ..
- البرد يا ..
هز منصور رأسه موافقا قبل أن يقول ..
- ما خبرتك .. سالم خوك ياني البيت ..
التفت سعيد باهتمام ..
- قلتلك بييك .. و شوه كان يبا ..
نظر منصور أمامه مباشرة .. ينصت لحفيف الأشجار التي يحركها الهواء ..
- يبانيه أقطع علاقتي بك ..
صمت سعيد و لم يجب للحظات .. و حين ألقى بكلماته التالية صدم منصور لما قال ..!! توقع أن يغضبه طلب سالم .. و لكن ....!!
- يمكن سالم صادق ..
ثم التفت لوجه منصور المصدوم ..
- دامك ويايه .. انت عرضة للعدوى ..
ثم قال بهدوء ..
- انته ما خلصت أبحاث الرواية ..؟! اذا ما خلصتاا أنا مستعد أساعدك عسب تخلص بسرعة .. بس تخلص عمرك .. ترا زياراتك هب لصالحك ما تدري إذا صار بالـ .....
قاطعه منصور بهدوء ..
- سعيد ..
نظر له سعيد .. في حين قال منصور بحزم ..
- شوه السالفة ..؟!
- سالفة شوه ..؟!
- أحسك هب طبيعي اليوم .. و بعدين من متى و انته تفكر في العدوى .. إذا ما تبانيه أيي مرة ثانية قلها و بس ..
عقد سعيد جبينه بشدة ..
- هب قصدي .. بس صدق أنا ...
- سعيـــــــــــد ..
ثم سأل بصرامة ..
- الصراحة لو سمحت ..
تنهد سعيد و نظر للأرض قبل أن يقول بخفوت ..
- أمس استعدونيه لفحوصات .. عقب ما كنت مسوي مزرعة لخلايا الكبد ..
لم يستطع منصور إطلاق أنفاسه .. فيما تابع سعيد بأسى ..
- يقولون التهاب الكبد الوبائي C ..!!
.
.
ثم سكت ..
و التزم منصور الصمت هو الآخر .. لم يرد أن يخدش هذه اللحظة الساكنة .. بكلمات لا يملكها حقيقةً ..!!
حفيف الشجر هو الصوت الوحيد .. و بدا في تلك اللحظة لحنا بائسا .. تتراقص على أنغامه أحزانهم و المخاوف ..
لحظات ..
تمر مرور الكرام بلا أثر ..
سوى أحاسيس دفينة في روح كلٍ منهما ..
قبل أن ينفض سعيد ذاك الهم الجاثم على أنفاسهم بعد وقع ما قال بهدوء ..
- عسب كذيه .. الوضع صار أخطر .. و أنا ملزوم أنبهك ..
نظر له منصور و هو يقول بقوة ..
- لا تخاف .. أنا أحرص منك على عمريه ..
سكتا مجددا ..!!
قبل أن يقول سعيد ..
- تدري شوه ..؟!
- شوه ..؟!
- تشوف هذيك البوابة ..؟
- هيه ..
- بسابقك الين عندها ..
.
.
أي قلب تحويه ضلوع هذا الفتى ..؟
شيء لا يمكن لليأس قهره ....!!
.
.
شخر ساخرا ..
- أكيد بتفوز ..
ابتسم سعيد ..
- امنوه قال ..؟! أنا بدز الكرسي .. يا الله ..
تردد منصور و هو يعقد جبينه ..
- لا مـا ريـ...
استدار سعيد بسرعة لخلف الكرسي ..
- يا الله .. لا تكون خواف ..
ثم راح يدفع كرسي منصور حتى توقف على الرصيف المصفوف .. ثم توقف .. رفع منصور عينه له متسائلا .. فابتسم سعيد ..
- مستعد ..؟!
- هيه ..
صرخ بحماس ..
- تمسك ..
تشبث منصور بالكرسي بقوة .. و سعيد يدفع جاريا بقوة .. و العجلات تسابق الرياح المعاكسة .. فتصطدم بوجهيهما .. و تحرك خصلات شعر سعيد و تكاد تنتزع - غترة - منصور ..
كان هذا ضربا من الجنون .. جريهم هكذا كالمجانين ..!! و الحركات المخبولة التي يقوم بها سعيد و كأنه يستعرض بسيارة سباق ..
في لحظة تنشق منصور الهواء بنهم .. الهواء الذي يتكسر عليه .. و شعور غريب يغزو روحه و هو يكاد يستعيد إحساسه بالركض ..
اندفاعه بهذه القوة .. شعر بفرحة غريبة ..!! تناقض الخبر الذي سمعه للتو .. و ضحكات سعيد الرنانة تداعب أذنيه ..
سعيد مرتاح ..!!
هو مريض .. و على وشك أن يموت .. !!
و لكنه لا يهتم .. كل ما يهمه أن لا تضيع تلك الثواني المتبقية من حياته في شقاء ..
احساس بلامبالاةٍ عجيبة سيطرت عليهما و هما يندفعان بقوة نحو البوابة ..
و ضحكاتهم الخرقاء .. تخترق الجو .. تصل للبعيد ..
فتلامس حدود السماء .. و تقبع عند تلك الغيوم ..
.
.
بلا يأس ..!!

* * * * *

عقدت أحلام جبينها بشدة و تراجعت خطوتين إلى الخلف .. و هي تنظر بقلق لوجهي الطبيب و الإدارية .. ثم تتبادل النظرات هي و زكية ..
- الأمن ..!! ليش ..؟!
كانت كلمات المرأة حازمة ..
- دكتورة .. لازم توصل نسخة من التقارير للأمن في المستشفى لنه تابع للشرطة .. يوم تيينا حالات شرات هاي ..
- بس أظن العنف المنزلي تختص به دائرة الشؤون الإجتماعية و الا أنا غلطانه ..
عادت المرأة تقول ببرود ..
- و منوه قال إن الموضوع عنف منزلي و بس .. هاي قضية إغتصاب و إعتداء على قاصر ..
.
.
تصلب ظهرها و ارتجفت قدماها ..
تسربت الكلمات .. فلم تعد تنطق و هي تسند نفسها بالجدار كي لا تقع .. أغمضت عينيها و صوت زكية المصدوم يصيح بلوعة ..
- يا لهوي ...!! إغتصاااب ....!!!!
.
.
أحلام تسألها بصوت مرتجف ..
- الحين شوه ..؟!
المرأة تجيب بهدوء .. لا تعلم أن تلك الأحلام تتهاوى ببطء ..
- الحين بناخذ نسخ من التقارير تتسلم للأمن و توقيع على إنج انتي لي يبتيها للفحص ..
ثم حملت ملفاتها من على مكتب الطبيب الذي التزم الصمت طوال المحادثة ليقف هو الآخر و يخرج معها ..
تاركا أحلام .. و دموع زكية ..
تعظ الأولى على شفتها بقوة حتى تكاد تجرحها .. و شيء يشابه ثورة البركان يتصاعد داخلها .. تشعر بنار تستعر في أحشائها ..
لتستدير خارجة ..
تترك زكية متخبطة في حسرتها .. و تتوجه نحو الغرفة التي تركت فيها سهيلة بعد الفحص ..
لتتوقف عند بابها تنظر عبر نافذة زجاجية تتوسط الباب .. تراقب وجه تلك الطفلة التي كانت تطالع التلفاز و كأن لا هم لها في العالم سوى ما يعرض ..
و ابتسامة نقية ترتسم على ثغرها ..
لا تدرك هي ..!!
لا تدرك .. أين رمت بها الأيام و في أي شق إستقرت حياتها ..
و اجتاح الحزن روح أحلام على هذه الطفلة ..
.
.
تلصق جبينها بالجدار البارد .. تبتلع الجفون دموعا متمردة تنشد الخروج ..
و شريط أمام عينيها المغمضتين يمر بقسوة .. ليعيرها هي ..!!
كانوا يجرونها .. و هي تصيح .. ترفض الذهاب .. تستنجد بهم ..!!
و لم يسمع أحد منهم صرخاتها .. و لم يجب أحدهم استغاثتها ..
و لم يعلموا جميعا .. أنها تتأذى .. لذلك هي خائفة حتى الموت من العودة إلى هناك ..
كادت أحلام أن تضرب جبينها في الجدار و اليأس يتغلغل روحها ..
لقد تجاهلوها ..
و ضاعت صيحاتها بين تلك الجدران ..
لم يصغي لها أحد ..!!

dew 09-05-08 10:53 PM



يا هلا ومرحبا بإرادة ,,, أجزاء أو رؤى رائعة جدا ,,خطتها هذه الكاتبة التي أحترمها أشد الاحترام على كتاباتها المبدعة


أحــــــلام : يالها من مخلوقة تلك التي تتفانى في سبيل إسعاد تلك الوجوه التي نسيها الزمن في ذلك المكان المنبوذ من قبل المجتمع ,,محبة ودافئة المشاعر ,,كم أتمنى لها السعادة في حياتها وأن يحبها الجميع وينسوا أنها *بنت الهندية * أريد أن أعلم لماذا أو مالذي جعل علاقتها فاترة مع زوجها ؟


منصـــــور : على الرغم من البرود الذي ألمسه في تصرفاته إلا أنه رجل بحاجة إلى الحنان والمحبة كالطفل الصغير الذي كُسر قلبه ,,وعلاقته مع سعيد تثبت حاجته إلى أن يفهمه أحد

سعيد : قصته مؤثرة وطريقة انتقال المرض الشنيع إليه جعلتني أتعاطف معه جدا

حمدان :: ياله من أخ ! لماذا هذا التزمت والجفاء الذي يظهره لأخته ؟ هل هو فقط بسبب العمل الذي اتخذته؟


أم حميد:: يالها من عجوز عزيزة على الرغم من إزعاجها وتذمرها المستمر . وكم تقطع قلبي عليها عندما قالت أنه لايوجد حميد لأنها لم تتزوج ..قطعت قلبي !

حصة : قصتها لازالت غامضة قليلا .

سهيلة :: هذه الطفلة المسكينة التي استغلت بكل وحشية ,,**جعله يحترق في نار جهنم آمين *<<منقهرة


موزة : أتمنى أن تكون أكثر قوة مما هي عليه فليست نهاية العام إن كانت مطلقة .

راشد :: ما أحلى شخصيته ,,,هذا ما أستطيع قوله



شكرا لك ليتني غريبة على التحفة الرائعة وشكرا لك إرادة على النقل :flowers2::flowers2:

ارادة الحياة 12-05-08 04:57 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة dew (المشاركة 1398384)


يا هلا ومرحبا بإرادة ,,, أجزاء أو رؤى رائعة جدا ,,خطتها هذه الكاتبة التي أحترمها أشد الاحترام على كتاباتها المبدعة


أحــــــلام : يالها من مخلوقة تلك التي تتفانى في سبيل إسعاد تلك الوجوه التي نسيها الزمن في ذلك المكان المنبوذ من قبل المجتمع ,,محبة ودافئة المشاعر ,,كم أتمنى لها السعادة في حياتها وأن يحبها الجميع وينسوا أنها *بنت الهندية * أريد أن أعلم لماذا أو مالذي جعل علاقتها فاترة مع زوجها ؟


منصـــــور : على الرغم من البرود الذي ألمسه في تصرفاته إلا أنه رجل بحاجة إلى الحنان والمحبة كالطفل الصغير الذي كُسر قلبه ,,وعلاقته مع سعيد تثبت حاجته إلى أن يفهمه أحد

سعيد : قصته مؤثرة وطريقة انتقال المرض الشنيع إليه جعلتني أتعاطف معه جدا

حمدان :: ياله من أخ ! لماذا هذا التزمت والجفاء الذي يظهره لأخته ؟ هل هو فقط بسبب العمل الذي اتخذته؟


أم حميد:: يالها من عجوز عزيزة على الرغم من إزعاجها وتذمرها المستمر . وكم تقطع قلبي عليها عندما قالت أنه لايوجد حميد لأنها لم تتزوج ..قطعت قلبي !

حصة : قصتها لازالت غامضة قليلا .

سهيلة :: هذه الطفلة المسكينة التي استغلت بكل وحشية ,,**جعله يحترق في نار جهنم آمين *<<منقهرة


موزة : أتمنى أن تكون أكثر قوة مما هي عليه فليست نهاية العام إن كانت مطلقة .

راشد :: ما أحلى شخصيته ,,,هذا ما أستطيع قوله



شكرا لك ليتني غريبة على التحفة الرائعة وشكرا لك إرادة على النقل :flowers2::flowers2:


مشكورة ديو على المتابعة

لعل اكثر ما يعجبني بقصص ليتني غريبة واقعيتها وطريقة وصفها والغموض الذي تحيط به كل شخصية من شخصيات القصة
واطريقة التي تزيل بها هذا الغموض
انتظري لتري قصة حصة
شكرا لمتابعتك

ارادة الحياة 28-05-08 05:36 PM

ابتسمت في وجه المرأة بخجل و هي تشكرها ثم تلتقط الوريقات بخفة و حقيبتها ..
تشعر براحة حقيقية .. لا تنكر هذا القلق التي يجتاحها .. و الخوف المتأصل الذي لم تبتر جذوره بعد ..
و لكنها سعيدة بهذه الخطوة .. لقد تطلب منها الأمر إقداما و شجاعة .. تحدت خوفها لتتقدم إلى هنا مجددا ..
استنشقت الهواء تعب رئتيها بحبور .. تعلم أنه لا زال هناك الكثير ينتظرها ..
و لكنها أقدمت على هذا الآن .. و يمكنها أن تفعل الكثير مستقبلا ..
تجاوزت الباب الخارجي لشعبة القبول و التسجيل .. قاصدة الخروج إلى حيث ينتظر حمدان .. حين أوقفها ذاك الصوت العالي ..
- مــــــــــــــوزة ..؟!
التفتت بسرعة نحو الصوت .. ثم تجمدت ..أصابعها تقبض بقوة على الأوراق في يدها .. و تعتصر حقيبتها ..
و خفقات قلبها تكاد أن تصم أذنيها .. لا يمكن ..!!
لا يمكن أن يكون القدر بهذه السخرية ..!!
لم تكد تضع قدمها على أول طريقها المستقبلي مندفعة .. حتى يواجهها الماضي متحديا في وجه تلك الفتاة التي اقتربت منها هي و صديقتها التي ترافقها لتطبع على خدها قبلة باردة ..
- شحالج ..
انفاسها تتحشرج ..
- بخير ..
تنظر الفتاة إلى يدها التي تخنق الأوراق ..ثم تطالع وجه صديقتها ..
- قالوليه انج رديتي الجامعة بس ما صدقت .. قلت أيي أتأكد بنفسي ..
لم تعرف موزة بما عليها أن ترد .. فقد اعتادت من هذه الفتاة خبثا لا تستطيع مجاراته .. التزمت الصمت للحظات قبل أن تميل تلك برأسها ..
- شوه مروحة ..؟!
- هيه
- أهاا .. خلاص عيل .. ما بأخرج ..
تنهدت موزة بارتياح و هي تتمنى في داخلها أن لا تضطر لمواجهتها مجددا ..!! استدارت لتوليهن ظهرها بغية الرحيل ..
و لم تكد تخطو خطوتين .. حتى تسلل صوت سلامة بخبث و هو يقول مستطردا ..
- على فكرة .. في عرب طيبين يسلمون عليج ..
.
.
كادت أن تقع على وجهها ..
يا إلهي ....!!!

* * * * *


حين وصلت أحلام للمستشفى كان المكان مقلوبا رأسا على عقب .. علمت أن بو عبد الرحمن حالما اتصلت به تخبره نتيجة التقرير قد جر عائلة سهيلة بأسرها للمركز ..
مجموعة لا بأس بها لم تميز أحدهم سوى كرنفال الألوان ذاك الذي قابلته مسبقا .. شقيقة سهيلة الكبرى التي تلقت أحلام بأشنع نظرة استكبار لديها .. شيء قبيح و لكنه لم يهز شعرة من مشاعر أحلام الجامدة في تلك اللحظات ..
دخلت مكتب بو عبد الرحمن و رأت رجلا بدا أكبرهم سنا مهموم الوجه يتحدث بجدية معه .. و إمرأة مسنة تفرك عينيها الدامعتين و هي تتمتم بكلمات غير مفهومة .. و الرجلين اللذان رأتهما أحلام مسبقا يجران سهيلة من هنا ..
في اللحظة التي دلفت فيها من الباب و توجهت الأنظار نحوها .. لم تخالجها سوى رغبة جامحة بالتقاط كل ما قد تصل يديها له .. لتلقيه في أوجه حثالة البشر هذه .. حشد القلوب الميتة ..
أن تجرهم من ثيابهم جرا لترميهم خارج هذا المكان .. فلينفثوا قذارتهم و سمومهم في الخارج ..
كانت نظرات اللوم تنطق من عيون الأم و ابنتها .. ماذا ..؟! أَ هي من اغتصبت طفلتهم ..؟! أم من سمح بذلك ..؟!
تلجم نفسها بقوة حقيقية .. و لكن سرعان ما كان هناك متنفس لقهرها .. و إن لم ينطق لسانها .. ففي اللحظة التي تجاوزت فيها زكية عتبة الباب و وقعها ناظرها على المشهد الذي رأته أحلام حتى انفجرت بسخط .. و وجهها البدين يختقن .. و دموعها الشفافة تنساب على خديها .. في منظر كسير أوجع قلب أحلام .. أكثر من أي شيء آخر .. في حين بدت زكية في تلك اللحظة ندا لأم حميد في صراخها و هي تصيح بهياج ..
- إيـه ..؟! جايين ليه ..؟! عاوزين تخلصوو عليها .. يا ناس اختشووو .. خافوو ربكوو .. انتووو ايه .. ما في ألوبكومش رحمة .. ما فيش انسانية .. لو ما كانيتش بنتكوم دي انسانة .. مخلوئة .. بس حئول ايه .. دنتو رميتوها هنا من البداية .. مش حتصعب عليكوو يعني .. انتي يا ست انتي .. جاية تعيّطي ليه .. ما خلاص .. العياط مش حينفع .. الفاس وئعت بالراس ..
كان بو عبدالرحمن جالسا .. و لم يرفع إصبعا لإيقاف سبابها .. و كأنما أعجبه ما تفعل ..!! فيما صاح أحد الرجلين الذين جرا سهيلة ذات يوم ..
- جاااب .. ايه انتي .. شوه تحرين عمرج هاا .. أنا لو ارفع السماعة الحين أكنسلج و أكنسل اللي يابج .. لا تغلطين و لا تدخلين .. لا أفرج خاري الحين ..
هب بو عبد الرحمن بهيبته ليرهبهم أجمعين دون أن يرفع صوته عن مستواه العادي..
- تخسي تفرها .. ها لي قاصر بعد .. الزم حدودك و صخ .. لي يشتغلون عنديه مالك حايه فيهم .. عندك رمسة عطني اياها ..
ثم التفت لأبو سهيلة ليقول بصرامة ..
- بو عبيد .. يا تحترمون وجوديه و موظفينيه .. يا الوعد في مركز الشرطة و نفتح التحقيق .. أنا ما وافقت ع التفاهم هنيه إلا عشانك .. لا تخلينيه أغير رايي ..
ارتبك بو عبيد عندما ذكر بو عبدالرحمن مركز الشرطة ..
- عييين خيير يا بو عبد الرحمن .. بنتفاهم ان شا الله ..
ثم التفت بغضب نحو ولده ..
- ناااصر .. انطب .. لا تسويلنا مشاكل ..
احتقن وجه ناصر و هو يطالع زكية بحقد ثم تبادل هو و الرجل الآخر النظرات في ضيق .. بينما خرجت زكية و هي تردد بصوت عالٍ ..
- حسبنا الله و نعم الوكيل .. حسبنا الله و نعم الوكيل ..
.
.
أحلام لا تزال تقف مكانها .. يسألها بو عبد الرحمن بهدوء ..
- دكتورة .. قالتلج شي ..؟!
تتركز الأعين الحقيرة عليها مجددا .. كم تشتهي من قلبها أن تفقأها .. تلك التي لم تراعي عجز براءتها .. !!
و يتردد صوت سهيلة الباكي في أذنها حين سألتها عمن فعل بها ذلك .. كان انتزاع هذا صعبا للغاية .. فجل ما كانت تردده .. هو ..
- آآآ كب .. كب .. بيعڤني .. بيعڤني ..!!
ليعود ذعر سهيلة من صورة كلب في التلفاز مباشرة إلى مخيلتها .. الكلاب ترعبها .. أحد ما يخيفها بها ..
و لكنها تلفظت بذاك الاسم .. باستحالة نعم .. و لكنها فعلت .. وكانت شجاعة حقيقية منها .. أن تتغلب على مخاوفها ..
و لم يحدث ذلك سوى بمساعدة زكية ..
.
.
أومأت برأسها .. ثم سألت و هي لا تستطيع كبح الحقد الجلي في صوتها .. و ربما تعمدت ظهوره ..
- عندكم كلاب في البيت ..؟!
نظروا إلى بعضهم بدهشة .. الحثالة .. البائسين ..
ثم أجابوا بالموافقة .. قبل أن تقول كتلة الألوان المبهرجة تلك بتعالٍ فارغ ..
- عدناا كلاب حراسة .. اربع .. ليش ..؟!
لم تعرها اهتماما بل نظرت للجميع تدير عينيها بينهم .. فسألها بو عبدالرحمن مجددا ..
- دكتورة .. شوه قالتلج البنت ..
- فهد ..
و فجأة انقلب المكان الى فوضى .. اندفع المسمى بناصر راكضا خارج الغرفة .. و صاحت الأم و هي تنشج ..
- قلتلك ظهره من البيت ما طعتنيه .. شوووف آخرتاا .. شوف شووه سوى ولد خوك ..
صاح بو عبيد في الرجل الآخر الذي بدا أن الاسم قد شله ..
- عبيد الحق على خوووك لا يسوي بولد عمه شي.. هب ناقصييين مصااايب .
انتفض عبيد على صراخ أبيه ليخرج هو الآخر في أعقاب أخيه ..
التعبير الغريب هو ذاك الذي على وجه غالية .. بدت على شفير البكاء فجأة .. شفتيها ترتعش بقوة .. و هي تنظر لأحلام و كأنما تنتظر منها أن تصرح فجأة بأن ما قالته مجرد كذبه .. الذهول اختلط بدموعها الباردة ..
في حين زادت وتيرة بكاء الأم ..
الأم التي لم تشعر أحلام نحوها بأدنى شفقة .. و هي تطالعها باحتقار عميق ..
للحظات انفصل جزء من أحلام يراقبها و هي تتقدم نحو المرأة الباكية .. تتوقف أمامها مباشرة .. و تقول بقسوة ..
- انتي لي ضيعتيها .. هااي بنتج ..؟! أهملتيها .. و فريتيها .. لا تنشدين و لا تدرين بحالها .. كيف تلتهين بالدنيا .. و تنسين عيالج .. ليش تييبينهم أصلا و انتي ما بتكونين أمهم ..
ثم ارتفع صوتها و هي تشير لتلك التي وقفت وراء أمها ..
- تشوفين هااي .. بعد ضيعتيها ..!! الحين ياية تتحسرين ..؟؟ ليش ..؟! سيري و كملي مشاغل دنياج .. صياحج ما بيرد شي ..
دموع المرأة في ازدياد .. و تصيح ابنتها بصوت متحشرج ..
- اييييييه انتي .. مااا يخصج في أمااايااا ..
لكنها لم تتوقف .. شيء غريب داهمها .. تشعر بأنها لم تعد تقود ذاتها ..!! همست بحقد حقيقي ..
- انتي ما تستاهلين تييبين عيال .. انتي ما تستاهلين تكونين أم ..
انفجرت أمها بالبكاء المرير .. في حين قال بو عبد الرحمن بصوت عميق ..
- دكتورة أحلام ..
نظرت إليه ..
و تشعر بأن عقارب الساعة لم تعد تدور .. الزمن يتوقف .. ليموت الإحساس منتظرا ..
و هي كالميتة .. تكبح شعورها .. حتى يكاد يخنقها ..!!
ليتابع ذاك آمرا بهدوء ..
- يكفي ..
هزت رأسها باحترام .. لتستدير تاركا كل هذا خلف ظهرها .. تخرج من هذا المكان .. و تتمنى من قلبها .. أن تواصل المسير ..
أن لا تتوقف بها الخطى ..
أن تبتعد قدر ما أمكن لقدميها أن تحملها .. أن تفصل المسافات بينها و بين هذه الفظاعة ..
وضعت كفها على بطنها و ألم شديد يغزو روحها .. يغشى قلبها ..
انتهكوها ..!!
انتهكوا طفولتها ..
كلهم فعلوا ..!!
.
.
و تسري بها الخطى فتصل إلى ذاك الباب ..
تدير مقبضه .. لتتوارى خلفه ..
و ذاك الجسد الجامد مسجى على كفن لم يحن وقته بعد ..
بلا حراك ..
صامتا ..
فتتوقف عند الباب ..
تنظر إليه لبرهة .. هنا اعتادت على سكب ما يخالجها بلا تحفظ ..
و عيناه الشاخصتين لا تتحركان .. و كأنما قضى دهرا يرقب مجيئها ..
سحبت قدميه بتعاسة ..
تجلس على الكرسي المقابل لسريره ..
و الوجع القاتل يتصاعد في روحها ..
ليس هناك من قد يلمس ما يؤلمني ..سوى هذا الصمت المريح الذي لا يخترقه غير صدى شكواي ..!!
.
.
تدفن وجهها في كفيها .. لتنخرط في بكاء عميق ..
مرارة تلفظها دموعها ..
تروي حرقة تسكن قلبها على ما حدث لنقاء تلك ..!!
الآن يمكن لجراحها أن تنقشع بعيدا عن أعين الناظرين ..
.
.
لا مكان قد يدرك ما في داخلي .. سواك ..
فاعذر أحزاني ..يا بحر ..!!

* * * * *

●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا السابعـــــــــــــــــــــــة▌○●





و تنسل ذرات الأيام ببطء من بين أنامل الزمن .. لا يتداركونها ..
و لا يملكونها ..
تذروها رياح العمر في مهب الأيام ..
.
.
ماضية ..
إلى حيث لا عودة ..!!

.
.
.
.
.
.
.
بعــــــد مـــــرور شهـــــرين


.
.
عقد جبينه و هو يميل للأمام .. جيد .. يبدو الإهتمام على وجه ..
- و شوه المطلوب بالضبط يا دكتورة .. ندخلها مدرسة ..؟! صعب ..!!
هز أحلام رأسها رفضا ..
- لا .. قدّم على طلب مدرس أو مرشد تعليمي لذوي الاحتياجات الخاصة .. يداوم هنيه .. و يعطيها الدروس ..
صمت برهة قبل أن يهز رأسه غير موافقا ..
- ما نروم نييب مدرس خاص عسب حالة وحدة ..؟!
- ليش لا ..؟!
- صعب .. أكيد محتايين هالمدرسين في مكان ثاني ..
خالفته الرأي بحماس ..
- يا بو عبد الرحمن .. الخريجين يالسين في بيوتهم و كلن يرقب الوظيفة .. هب معقولة إن الدولة ما تروم تدبر واحد منهم ايي يدرسها .. و الا شرايك ..
- ما عليه .. خلي الموضوع عليه أحاول وياهم و برد لج خبر ..
قالت بإصرار ..
- لا تطيعهم يا بو عبدالرحمن .. حرام تتم البنية كذيه و عمرها يروح ع الفاضي .. خلها تستفيد شرات لي بعمرها ..
ابتسم بو عبد الرحمن لتنكمش تجاعيد وجهه القوي ..
- لا تخافين .. أنا أحرص منج على هالشي .. بس لو ما لبونا .. شوه بنسوي ..
كان الحزم يلمع في عينيها ..
- لو ما لبونا بنخلي ابوها ييب المدرس لخصوصي .. يسوي خير فبنته و يحلل فلوسه عليها مرة وحدة ..
ارتعش طرف شفته و هو يكبح ابتسامة لم تخفى على عينيها .. قبل أن يقول بهدوء ..
- خلاص هب مشكلة .. أنا بشوف الموضوع .. الحين زين انج ييتي أنا كنت بطلبج .. عنديه شي أبا أرمسج فيه ..
- رب ما شر ..؟!
طمأنها ..
- و لا شر .. كل خير إن شا الله .. بس بغيت أخبرج إن بو ثاني في رمضان يمكن يظهر من المركز ..
اتسعت عيناها بذهول ..
- يظهر يسير وين ..؟!
هز كتفيه ببساطة ..
- بنت خوه ردت من السفر .. و تقول إنها تباه عندها شهر رمضان كله و العيد و خلاف بترده .. بس يبالها وقت ترتب مكانه و تييب حد يعاونها عليه ..
تنهدت براحة و هي تبتسم ..
- خبرتوه ..؟!
- لا
- عيل خلنيه أنا لي أبشره ..
أشار لها بالموافقة لتستأذن خارجة في انكب هو على مطالعة أوراقه تلك ..
لوهلة حين قال بأن بو ثاني سيخرج ظنت أنه يعني خروجه من هنا للأبد .. و أفزعها ذلك .. كان هذا أنانية مطلقة منها .. فأبو ثاني يرغب بشدة أن يترك المكان ..
و لكن يصعب عليها التخيل بأن تمر من أمام باب تلك الحجرة .. دون أن يغمرها غبار تلك الأيام القديمة ..
تكاد تشم صورها .. أسود .. أبيض .. // بلا ألوان ..!!
باهتة .. و لكن حية ..
تخلق فيها شعورا متأصلا بعراقة و صدق الإحساس فيها .. صورة منسية .. تعيدها إلى حيث لم تكن يوما ..
إلى الزمان المطوي بين جنبات الذاكرة ..
إلى الأنفاس اللاهثة للقمة عيش بسيطة .. تتساقط قطرات عرقهم مطرا شحيحا لنيلها ..
إلى رحمة تسكن قلوب البشر ..
.
.
إلى حيث يشد بو ثاني الحنين .. فيشدها معه ..
هذا الرجل ببساطته و خطوط الأيام على الوجه و الكف .. متأصل في روحها ..
تعشق بريق الأمل بين حطام كل ما هو قديم خلف مقلتيه ..
و تهوى رائحة الأتربة المتراكمة على حروف لم تمس منذ دهور .. يرويها في تلك الحكايات الأثيرية التي تلامس قلبها بما تحمل ..
كيف إذا لهذا المكان أن يكون دونه ..؟!
كيف لها أن .....
.
.
و يبعثر رنين هاتفها أفكارها تلك .. لتناظر شاشته .. ابتسامه مرتعشة ترتسم على ثغرها ..
قلبها يخفق في ترقب .. و هي تلبي الرنين الملح ..
- ألوووه ..
و يتدفق صوته الدافئ ليداعب أذنها ..
- مرحباا ..
- أهلين ..
- شحالج ..؟!
لقد رأته قبل ساعة ..!!
- بخير الحمدالله ..
برهة صمت قبل أن يقول بصوت يكبح الحماس المتفجر فيه ..
- آآآ .. أنا في المطبعة .. بغيت أقولج بس إن الرواية إنطبعت ..
الآن يتراقص قلبها فرحا .. يتصل بها ليشاركها هذه اللحظة ..
- مبروك ..
- الله يبارك فيج .. بييب نسخة للبيت تشوفينها ..
- الحين بتسير البيت ..؟!
- لا .. الحين بسير لسعيد ..
و يتوقف قلبها عن الرقص بضيق .. لكنها لم تقل شيئا .. علاقتهم الهشة هذه قابلة للإنهيار عند أدنى ضغط ..
كوني صبورة أحلام .. كوني صبورة .. انتهت الرواية .. و ستنتهي هذه العلاقة مع آخر نقطة تلت الخاتمة ..
صوته المتسائل يصلها ..
- أحلام ..؟
-هاا ..؟!
- أنا ببند ..
تنهدت .. أرادت أن تقول الكثير .. سعيدة لأجله .. و لكن ......!!
- أوكيــــه .. برايك ..
لحظات .. ثم انقطاع الخط هو المجيب .. تنظر لهاتف في قبضتها و كأنما تلومه على انتهاء الوصل بينهما ..
.
.
- مدام أحلام ..؟؟
انتفضت متفاجئة تنظر لها ..
- هلا زكية ..
ابتسمت زكية ..
- ايه ..؟! هو انتي كنتي سرحانه و الا ايه ..؟
- شوي ..
- يبئى خضيتك .. معلش .. أصلي كنت عاوزة أسألك حصل ايه في موضوع سهيلة ..
أومأت أحلام تقول بأمل ..
- يقول بيشوف الموضوع ..
- إن شا الله يوافئوو .. انتي عارفة يا ستي لو يحصل الموضوع حتكون خطوة كبيرة و الا انتي رأيك ايه ..؟! ..
.
.
.
.
.
.
.
.
للمرة الأولى منذ قدومها إلى هنا .. تجده جالسا في الخارج .. يتنعم باستنشاق الهواء الحر .. غير مقيد بجدران تكتم أنفاسه ..
ثغره المبتسم يكشف عن ظرسه الغائبة و صوته المهتز يعلو فلا يتردد صداه بالقوة التي ألفتها بين جدران غرفته الحجرية .. بل ينطلق للبعيد .. لحدود السحاب .. فيجبر سمعها المتلهف على الانصات و تذوق تلك الكلمات ..
- كم لي وكم لي وكم ذكرى اسجّ ابهـا .. لي نامت الناس انا ماغمّضت عينـي
كـم أسـأل الريـح لـي هبـت هبايبـهـا .. ولا مـــن الـريــح خـبــر بايسـلـيـنـي
صبـرت قلـبـي وكـبـدي زاد لا هبـهـا .. تذرف دموعي ونار الشـوق تكوينـي
يا طول صبري علـى عالـي مراقبهـا .. ومجاوب الورق لي غنّـى بصوتينـي
.
.
ترد بصوت عالٍ يصل لمسامعه الواهنة بابتسامه ..
- بصوتيني .. صح لسانه الشاعر ..
يصيح هو الآخر ..
- صح بدنج يا بنت عبيد .. هذا أحمد الكندي الله يرحمه ..
- الله يرحمه .. تحب الشعر يا بو ثاني ..؟!
ابتسم و هو ينظر لها بعتب .. و كأن هذا السؤال لا يُسأل ..!!
- كيف ماحب الشعر ..؟! امنوه لي ما يحب الشعر ..؟! الكلام الموزون يطرب النفس .. و العرب في الزمان لول كل قبيله لها شاعر .. الفارس يعزيه شعره .. حتى الرسول كان له شاعر .. حسان بن ثابت ..
ابتسمت أحلام له .. و هو يشير بيده ..
- الشيخ زايد الله يرحمه كان شاعر .. و شاعر كبير ..
همست أحلام ..
- الله يرحمه ..
- و يقول ..
شـاعـر اوشـعـره بـانـي .. او مشهور في الاشعـار
او مشهور ابشيء ثاني .. فـــي الـعـلـم والأفــكــار
يـبـدع لــك فــي ثـوانــي .. جــيــل شـــــرا لـنــهــار
يـتـغـزل فـــي الـغـوانـي .. او يتـبـع ظـبــي لـقـفـار
الله يرحمه .. كان أشعاره طيبه و مسموعه .. الشاعر انسان قلبه صافي احساسه .. و الشيخ زايد كان معروف عنه هالشي ..
.
.
كانت تلك الهبوب تداعب وجنتها الباردة .. و خاطر خفي مر بداخلها و هي تتذكر ذاك الرجل ..
شيء غريب خالجها و هي للمرة الأولى تمعن التفكير في روح الشاعر فيه ..
كيف لرجل كان يحكم قبضته على زمام أمور أرض بأهلها .. يزدحم وقته // تفكيره .. بمشاغل لا تنتهي ..!!
أن يجد الوقت كي ينزف مشاعره أحرف موزونة .. تنبض إحساسا .. لا يستشفه إلا من شعر به ..
متأكدة .. بأنها قد عاشت في زاوية من زوايا قلبه الكبير .. احساس حقيقي .. حلم خفي .. لم يصله أحد أبدا ..
.
.
ذاك الراحل ..
كان رجلا .. و الرجال قليلون ..!!
كان زايدا أسطورة .. كان حلما أجمل من أن يستمر ..!
فمضـــــى ..
أي ذكرى خلفها في أرواحنا تحمل ألما لا ينضب .. نستشعره كلما صاب قلوبنا حنينا لرؤيته يطوف الشوارع رافعا يده محييا شعبه بابتسامة لم ترحل معه ..
بل حفرت في داخل كل واحد منا ..
.
.
رحمك الله يا زايد ..
.
.
- بو ثاني ما قلتلك ..!!
نظر لها بعينيه الضيقتين متسائلا ..
- شوه ..؟!
ابتسمت و إحساس غامر بالنشوة يجتاحها .. كم هو رائع أن نوزع المفاجآت لقلوب متعطشة للفرحة ..
- عنديه لك بشارة ..
- ابشري و الله بالبشارة ..
كان متلهفا للغاية و هو يترقب ما ستقول ..
- أهاا .. عيل بخبرك .. ترا بنت خوك ردت من السفر .. و تقول تباك عندها رمضان و العيد ..
.
.
غريبة تلك الفرحة التي علت وجهه فتتسع ابتسامته مفسحة لإطلالة ما هو مفقود خلفها ..
شيء يشبه احساس طفل وجد ما يبهج قلبه الصغير ..!!


* * * * *

نفخت بضيق و هي تضم نفسها بقوة .. تطرد البرد من جوانب جسدها المتجمد ..
- و الله ما عندج سالفة .. الحين فهمينيه .. الين متى بنتم كذيه .. كل يوم مشردتنا من الكوفي ..؟؟
مدت يدها بعجز ..
- غزيل إفهمينيه .. يختي تنغزنيه بالرمسة .. خص عند ربيعاتها ..
صرت غزيل أسنانها بضيق ..
- و أنا أقولج خلينيه أتفاهم وياها .. بلعن خيرها مسودة الويه ..
كالعادة .. جواب الرفض ..!!
- لاااا دخيلج .. كل شي الا حركات الدراما مالتج .. بتسويلنا مشاكل ..
- تخسي .. تراها تخاف منيه .. و الا ليش ما تسوي هالحركات و أنا موجودة ..
تأوهت بكلل ..
- مادري ..!!
نظرت لها غزيل شزرا ..
- انتي الحين شاردة .. تراج بتقابلين شيفتاا و شيفة لي يابوها يوم الخميس ..
عقدت موزة جبينها بشدة .. هذه الفكرة تسلبها الراحة .. تؤرقها ..!!
- أدري ..
- انتي يا أدري .. يا ما أدري .. ما عندج غير هالكلمتين .. قوليليه شوه بتسوين ..
- مادري ..
ثم تداركت حين رأت الغيظ يلوح على وجه غزيل ..
- يختي يومها يحلها ألف حلاّل ..
ثم توسلت بضيق ..
- دخيلج غزووول طبيها .. ارمسي في شي ثاني ..
- أوكيه ..
.
.
أَ هو الوقت المناسب ..؟؟
نظرت لوجه صديقتها المحمر من البرد .. هي متأكدة بأن شقيقة طليقها لم تتعرض لها أكثر من ثلاث أو أربع مرات .. و لكن موزة حساسة بما يكفي لتثير ذعرها مثل هذه المواجهات ..
و لا تعلم حقا أهي بالقوة الكافية الآن .. ؟!! .. هل التأمت خدوشها تلك ..؟! .. أم أنها إن ألقت بما في جعبتها قد تذر ملح عليها .. فتزيدها وجعا ..!!
لن تعلم ..!! لن تعلم إلا إن فعلت ...!! لذلك أمعنت النظر فيها .. تبحث عن بريق قوة في وجهها يمكنه أن يدفعها لما ستقول ..
فتبتسم موزة برقة ..
- بلاج غزووول تتأملينيه ..؟!
كم هي شفافة هذه الفتاة .. لا تريد أن تسبب لها الأذى ..
- معجبة ..!!
ضحكت بخفة .. قبل أن تحزم غزيل أمرها .. ستفعلها .. و الآن ..
- موزة ..!
- لبيه ..
تتعثر بها أحرفها و الشجاعة ..
- لبيتي في منى .. آآآ .. أبا أرمسج فسالفة ..
- سالفة شوه ..
- سالفـــــــة .. بس .. موزان .. ماباج تقاطعينيه الين ما أخلص رمستيه .. خلاف قولي لي تبينه .. أوكيه ..؟!
تتسع عيناها بتلك الهشاشة السحريه .. و صوتها الناعم يربك غزيل التي تشعر بأنها على وشك تحطيم شيء ما ..
- ترتوب ..
ابتلعت ريقها .. و تدفع الأحرف من بين شفتيها دفعا ..
- موزان .. تعرفين انيه أنا و انتي ربيعات من زمااان .. من الابتدائية و الا قبل .. و نحن أهل قبل لا نكون ربيعاات .. و الله موزوه انيه أعدج أقرب من خواتيه و انتي تحسين بهالشي .. أنا ما قول لهن و الا حتى لأمايا لي أقولج اياه .. حتى هالسنة لي سافرت فيها ما غيرت شي .. يوم شفتج حسيت عمريه مفارقتنج البارحة .. هب من شهور ..
تحوي نفسها أكثر من البرد و هي تتساءل ..
- و ليش هالمقدمة الطويلة ..؟!
- قلتلج لا تقاطعينيه ..!!
اعتذرت بنعومة ..
- آسفــــــة .. كملي ..
فركت غزيل كفيها ببعض ..
- موزة التجربة لي انتي مريتي بها هب هينة .. و وااايد غيرج يبطن ما ظهرن من لي انتي فيه .. أعرف انج وااايد عانيتي من رمسة العرب لي ما يعرفون السالفة .. و أعرف إن هل هالسبال غطو ع سالفة المغربية حتى عقب ما طلقها .. أقولج و الله لولا العنود أنا ما كان دريت و بعدين .. آآآ .. خوية قالي السالفة .. و تأكدت ..
تغير وجه موزة الآن .. فمدت تلك يدها لتشد عليها ..
- ما عليج من العرب .. ما تاخذ الا الظاهر .. و سويتي خير فعمرج يوم قررتي تظهرين من الحبسة .. لن الناس بترمس لين تشبع .. و اذا تميتي حابسة عمرج و الا ظاهرة ما شي بيتغير .. بيتمون يرمسون .. أهم شي إنج تتأكدين من إن رمستم ما تعني الحقيقة و لا انج تطيعينها .. انتي انسانة و لج عقلج و روحج و مشاعرج الخاصة .. هب مضطرة تكونين لعبة يحركونها الناس بأقوالهم و هم ما يعرفون الحقيقة أصلا ..
ثم قالت بقوة ..
- أنا أدري انج قوية .. و مع الوقت بتنسين كل شي و بتحطين هالشي ورا ظهرج .. و بتردين موزة لولية .. يمكن تصيرين أقوى .. تديرن ليش ..؟! لن الماضي يمكن يكون نص حياتنا .. هو لي يأثر في الحاظر و المستقبل .. بس بالطريقة لي نحن نباها .. اذا تمينا نعيش سلبياته و نتعايشها .. بتروح أيام العمر و ما لحقنا الا ع شقا راح بس نحن ما في نفوسنا القوة عسب ننساه .. بس اذا كنا أذكياء بناخذ التجربة .. الحكمة .. ناخذ درس من الماضي .. و نبني حياتنا من يديد .. نحاول مرة و مرتين ... الين نوصل للطريق لي نباه .. بعيد عن كل شي كان يعور قلوبنا في الماضي ..
بدا صوتها أكثر عمقا .. و هي تروض أحرفها العشوائية // المشاغبة .. لا تنفلت ..!!
- فيه ناس توقف عند نقطة في حياتها .. و النقطة هاي مع الوقت ما تكون غير ماضي .. بس هي خلاص ما تبا تتحرك أو ما عندها الشجاعة أو هي ما تريد تتخلى عن هالذكرى .. بس هالشي غلط .. انزين .. ما نروم نشلها على كتوفنا و نكمل حياتنا .. ؟! ويا الزمن بنلقى عمارنا نبني شي يديد .. يمكن ع الماضي صح ..!! بس ع الأقل سوينا تقدم .. موزان غناتيه .. أنا أشوفج الين الحين متمسكة بفكرة انج مطلقة و تخافين من نظرة الناس لماضيج .. مع انج المفروض ترفعين راسج .. لنج ما غلطتي .. اذا انتي محاسبة عمرج على شي هب ذنبج .. شوه خليتي لغيرج ..؟! للناس لي صدق عندهم نقاط سودا في حيااتهم بس يتخطونها و يكملون .. و بعدين أنا ما يعيبنيه خوفج من هالسلامة .. و اذا نغزتج .. هاي تنغز عمرها حبيبتي لنها تعرف شرات ما تعرفين إنه الخياس من صوب خوها .. و انج أشرف منها و منه .. بس موزان لي ما يعرف الصدق .. بيصدقها هي .. خص ان ضعفج هذا يبين انج مسوية جريمة ..
فتحت فمها بألم تريد أن تقول شيئا .. فتوقف تلك بحزم ..
- لحظــــــة .. أنا ما خلصت رمستيه ..!! انتي لازم تواجهين أي حد يوقف في دربج .. في حياتج اليديدة .. و أول حد لازم تواجهينه .. هو نفسج .. انتي الين الحين تشوفين انج شاذة عن المجتمع بكبرة لنج مطلقة .. فيه مليار مطلقة في البلاد .. هب انتي بروحج .. بس انتي نبذتي عمرج قبل لا الناس يسوونها .. و تميتي تتلومين على شي ما كان غلطة كثر ما كان مكتوب لج .. موزوه .. كيف تبين الناس يشوفونج انسانة عادية و ما ينظرون لج بنظرة المطلقة .. اذا انتي نفسج هب رايمة تشوفين غير هالشي ..؟! .. كيف تبين العرب تحسج شرات غيرج و انتي مصدقة انج غير عن الكل .. انتي هب طفرة في البشرية .. !! انتي مطلقة بس ..عرستي و ما كتب ربج نصيب و كل واحد منكم سار في طريقه .. خذي الموضوع ببساطة و بتبين لج الصورة بسيطة ..
صمتت للحظات .. وجه موزة كان مخطوف اللون و كأنما اختنقت بهذا الكم من الأحرف ..!! أصبحت اللحظة الآن .. فسحبت غزيل يدها من قبضت موزة التي كانت تشد عليها بلا احساس حقيقي .. تنظر لها بقوة .. و هي تقول بوضوح ..
- انا أعرف انج ما بتتعلقين في الماضي الا في حالة وحدة بس ..
كانت مشدوهة الآن و هي تنتظر ما ستقول .. فضغطت غزيل على مخارج الأحرف ..
- إلا إذا كنتي تحبينه ..
.
.
.
.
لم يرف لموزة جفن و هي تطالع وجه صديقتها بغرابة .. و صوتها أصبح حادا و هي تتساءل ..
- أحبه ...؟!!
لكن غزيل لم تتراجع .. تحملق فيها بصمت .. تنتظر انفجارا ما ..
و لكنه لم يأت ..!! كان صوت موزة هادئا جدا ..
- أصلا أنا ما عرفته زين عسب أحبه و الا لا .. و لي عرفته منه طين عيشتي .. و تتوقعين انه بيتم شي في داخلي قداه ..؟!
ضيقت غزيل عيناها بحدة ..
- متأكــــــــدة ...؟
نهرتها موزة بثقة ..
- غزيل ..!! شوه قالو لج .. مشاعريه هب رخيصه لهالدرجة .. و أنا ما أكابر أقول الصدق .. عبدالله ما يعنيليه شي و الشهرين لي يلستهم وياه ما تسد عسب أحبه !!
.
.
استرخت الآن في مكانها .. و راحة عامرة تغزو كيانها .. كان تعلقها و خوفها الشديد من الماضي يثير مخاوف شتى في نفسها .. و لكن يبدو أنها كانت مخطئة ..!!
- الحمد الله ..
سألت موزة بهدوء ..
- الحين كل هالرمسة عسب تسألينيه هالسؤال ..!!!!
اضطربت غزيل و تبخرت الراحة بسرعة مجيئها لتستوي جالسة ..
الآن .. الآن ..
- لا .. كل هالرمسة عسب أسأل سؤال .. بس هب هذا .. سؤال ثاني ..
- شوه ..؟!
- لحظة .. اوعديني انج تفكرين أول .. لا ترديليه اليواب قبل لا تفكرين ..
- اوكيه ..
- لا اوعدينيه ...
تنهدت موزة ..
- خلاص وعد ..
- تفكرين قبل لا تردين ..؟
- أفكر قبل لا أرد .. شوه السؤال ..؟؟
.
.
ثبتت نظرها في عينيها الشفافتين .. لترى بريق مشاعر الترقب خلفها .. فتقول هي بهدوء شديد لا يعكس فوضى القلق في داخلها من هذه الخطوة ..
- علي خوية يبا يخطبج .. شرايج ..؟!
.
.
و تبعثرت تلك الأحاسيس في مقلتيها ..
فلم تعد تعكس سوى الضباب ..!!

* * * * *

كانت رائحة المطهرات و المعقمات تعبق في أنفه بقوة .. تكاد تسكره .. و لكنه لم يعد يهتم ..!! منذ فترة طويلة لم تعد تضايقه هذه الروائح .. فبسخرية ما أصبحت تخالط الأمل بشكل لا يصدق ..!!
يجلس هو على الكرسي و قد ارتدى فوق ملابسه الرداء الأخضر الغريب الذي يلزم بارتدائه كل ما أتى إلى هنا .. فيما الحجاب المحيط بسرير ذاك قد أنزلت منه فرجه .. ليطالعه من خلالها ..
تدهورت صحته بسرعة رهيبة أرعبتهم .. الالتهاب يلتهم كبده و بفتك بها فيما هو مجرد من مناعته .. عاجزا عن مقاومة ذاك الغزو الحقير ..
يعلمون أنه مجرد وقت .. و ستمضي روحه إلى البعيد .. عاجلا ..!!
.
.
وجهه الرمادي غدا بلا لونٍ الآن .. و عيناه يغشاها لون أصفر كئيب لا يكاد يقضي على بريق اعتاده دوما فيها ..!!
و يده الناحلة تمسك الكتاب بوهن شديد .. و قد تدلت شفتاه المبيضتان بتعب .. و يكاد الجفن أن يسدل أهدابه الباهتة إرهاقا .. لكنه لا زال يكابر هذا المرض ..
يتأمل الصفحة الأولى بإمعان .. و لا تكاد عيناه أن تقوم بحركة .. لحظات طويلة تمر و هو يقرأ العبارات الصغيرة التي تراصت على سطح الورقة البيضاء ..
ليقرأ بصوته المبحوح الخافت .. الذي بدا له خارجا من غياهب بئر سحيق .. يكاد لا يسمع .. !!
- لرجل ترجم التفاؤل حين لم أعد أفهمه ..
لرجل أتقن رسم ملامح الصبر في أيامي ..
لرجل علمني أن الحزن ليس سوى عجزنا عن خلق الأمل في أرواحنا ..
فنُترك متخبطين في غمرة اليأس بلا هداية ..!!
لرجل كان بعمق أحاسيسي تلك التي لا تروى ..
لصديق ..
كانت مختلفا .. فرحل ..!!
.
.
لحظات صمت لا يقرؤها الإحساس .. و هو ينتظر ردة فعله بلهفة .. فيمسح ذاك يده المرتعشة على صفحات الكتاب بابتسامة ذابلة ..
كإحساس تجاهل لسنين ..!!
ثم يرفع رأسه له و قد بدت تلك الابتسامة المتعبة أقرب للتكشير في وسط ذاك الوجه الهش ..
- حلو الكلام و الله .. بس ما كأنك بالغت شوي ..
ابتسم ..
- لا .. هاي ترضية ع الهزايم السوني عقب ما كسرت خاطريه ..
اهتز جسده قليلا و اتسعت التكشيرة مصدرة صوتا صدئا .. كان ضحكة ذات يوم ...!!
- هييييه يا ريال .. أنا هالسوني ما عرفت أختار لعيبته و الا غلبتك ..
هز منصور رأسه و ثغره لا زال متمسكا بتلك البسمة ..
- أدري .. بس شرايك في الإهداء ..؟
- خطير و الله .. بس شرات ما قلت من شوي .. حسيتك تبالغ ..
ثم تبخرت ابتسامته و وجهه ينكمش في ألم .. فيصمت للحظات و هو يعتصر الرواية بين يديه .. و منصور قلق عليه .. قبل أن يتنهد في إرهاق ..
- الله يغربل هالويع .. ذبحنيه ....!! .. شوه كنت أرمس عنه ...؟! عن الإهداء ..
ثم تأوه و هو يلوح ساخطا ..
- لا تطالعنيه كذيه .. إنته تقول أمل و تفاؤل .. و مادري شوه .. أنا ما حسيت انيه سويت شي ..!! و لا ساعدتك بشي .. حتى بحوث القصة انشغلنا عنها ..بس تدري يا بو حمدان ..
سكت للحظات و كأنه يفكر قبل أن يتدفق صوته المبحوح عبر فرجة الغطاء العازل .. ليلامس قلب منصور بخفة ..
- انته لي علمتني الأمل و التفاؤل ..
علت الدهشة وجه منصور بسرعة .. فأردف سعيد بوهن ..
- أول مرة شفتك فيها .. ريال عاجز و ياي يسوي وياي تحقيق .. تيي و تيلس .. ترمس عن أشياء واايد .. كنت أحسك أحيانا بارد .. و أحيانا أعرف انك تلين ..
ابتسم منصور و هو يستعيد تلك الأيام .. بدت قديمة .. قدم أحافير مشاعر منسية في روحه ..!!
- و يوم تقربت منك .. عرفت إنه شي فخاطرك .. في شي يضايقك .. تحيد هاييك المرة يوم خبرتنيه عن سالفة التقاعد ...؟؟ قلت هالشي لي مضيق خاطره .. أكثر شي أثر فيّه هب الرفض شرات ما قلت .. لي أثر فينيه انيه حسيتك أول مرة ترمس عن لي استوا وياك .. و هالشي يعني انك ترتاح لي .. غديت شرات الخوي .. و أنا لي سنين ما شفت حد يتقرب منيه ...!!
قال منصور بثقة ..
- أنا خوييك
و تناوش شفتيه ابتسامة متألمة ..
- مشكور يا منصور ..
و أسند قبضته على صدره ..
- و الله ان مخوتك تعنيليه واااايد .. علمتنيه كيف أحب و أدور الأمل .. شفتك و انت تنبش فواديه .. تدور شي يقويك .. و تقول انا لي علمتك ..!! أنا بس كنت مستسلم ..بس انت كنت تقاوم وضعك .. تحرر روحك من كل شي يربطها ..!!! - ثم عاد ينظر للكتاب بين يديه ليردد بصوت مرتجف - لرجل علمني أن الحزن ليس سوى عجزنا عن خلق الأمل في أرواحنا .. فنُترك متخبطين في غمرة اليأس بلا هداية ..!!
ثم أطبق مصراعي تلك الأوراق التي حوت بداخلها من الاحساس ما لم يستشف بعد .. ليقول بهدوء ..
- تعرف شوه المشكلة ....؟!
كان منصور مهتما .. و هو يتساءل ..
- شوه المشكلة يا الفيلسوف ...؟!
أمعن النظر فيه بقوة خامدة .. تخبو ..!!
- المشكلة ان فيه شي فخاطرك الين الحين كابتنه و لاظهرته .. شي كاتمنه بالقووو .. و قاهرنك .. ظهر لي فقلبك يا منصور .. و بترتاح ..!!
ضحك منصور بخفة .. و استرخى في كرسيه أكثر ينظر في كل مكان .. الا تلك العينين .. ففي الروح ما يخفي و لا يريد لأحد أن ينبشه ..
- يااا خي فكناا .. سويتلنا فيها .. شوه كتم ما كتم .. الحمد الله أنا مرتاح و لاشي فخاطريه ..
يسأل سعيد بشك ..
- متأكد ..
- هيه نعم ..
أومأ برأسه قبل أن يعيده الى المخدة بارهاق ..
- ع راحتك .. بس ترانيه ما صدقتك ..
.
.
- أفااا ....

ارادة الحياة 28-05-08 05:38 PM

انفجرت أحلام ضاحكة بقوة لتشاركها زكية الضحك هي الأخرى .. فيما بدت الحيرة على وجه أم حميد ..
- شعندكن .. أنا ما قلت شي يضحك ..؟!
استمرتا في الضحك فبدا الغل على وجهها .. لتنفس عنه في وجه زكية الأقرب ..
- حوووه .. شعندج تناهقين شرا الحمار ..
توقفت الاثنتن بسرعة عن الضحك .. غضب العجوز يتصاعد .. لتقول أحلام و هي تلجم تلك الضحكات التي تعاندها .. تبغي الإنطلاق ..
- أم حميد .. ما يوز تشبهين الانسان بالحيوان يزاج الله خير ..
عقدت جبينها في ضيق ..
- انتن تطلعن الواحد من طوره ..أنا شوه قلت عسب تخورنها ضحك .. امممف عليكن و على ضحكاتكن الماصخة ..
ابتسمت زكية و هي تتبادل النظرات مع أحلام ..
- عديجة ايه و بدنجان ايه يام حميد .. محدش بيسمي كدا دلوئتي ..
تطاير الشرر من عينيها و هي ترد بحدة ..
- و انتي شدراج ..؟ هاا ..؟! - ثم نظرت لأحلام التي رفعت يدها بسرعة كأنما تعتذر - بلاهن غبيشة و عذيجة .. أسامي زينة و العرب كلهم يسمونها ..
ضحكت أحلام بخبث ..
- لا يام حميد .. زكية صادقة .. العرب تغيرت أساميها الحين ..
ردت العجوز بعصبية هازئة ..
- و شوه تسمي يا الفطينة ..؟!
تقول بابتسامة متسعة ..
- تسمي نازك .. عصمت .. من هالأسامي السنعة صح زكية ..
لكن زكية لم تُمنح الفرصة لتعبر عن رأيها .. فصرخة أم حميد صمّت أذن الاثنتين ..
- الخلااا .. شهالخريط .. شوه من منكر يايباتنه .. منووه لي يسمي عنصت ..؟؟؟!!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
بطريقة ما استطاعت أحلام التملص من مسميات أم حميد و الهرب من هناك .. تاركة زكية خلفها عرضة لهجومها المضني ..
استرخت في جلستها تنعم بالهدوء المميز الذي ترتشفه بتلذذ عند حصة التي كانت تستلقي على سريرها تنظر لها بابتسامة ..
- صادقة أم حميد ..العرب ما كانت تسمي غير هالأسامي ..
ضحكت أحلام و هي تتذكر تفجر غضب العجوز ..
- ندري بها .. بس نحن كنا نمزح و هي الله يهديها ما تعطي حد فرصة يرمس .. و بعدين تو الناس ع الأسامي ..
هزت حصة رأسها بهدوء..
- كم لج شهر ..
- آآآممم .. الشهر الرابع هذا .. يعني باقيلي خمس شهور .. و الله يسهل الين هذاك اليوم ..
ثم تذكرت شيئا و غضنت أنفها باستياء ..
- خوفي أربي في الصيف ..
تساءلت حصة بهدوء ..
- ليش ..؟!
تنهدت أحلام تتذمر ..
- أولا الحر و القيظ بتلعوز و الله .. و بعدين عرس ختيه بيكون في الصيف ..
النظرة المسالمة الآمنة لا تختفي قط عن ذاك الوجه الذي اتسعت ابتسامته و هي تسأل ..
- ختج بتعرس في الصيف ..؟!
أومأت أحلام ..
- هيه .. ملكتاا يوم الخميس .. بس العرس حددوه في الصيف إن شا الله ..
- منوه بياخذها ..؟!
- ولد عمنا .. خو ريليه ..
- هييييه .. بالمبارك إن شا الله الله يتمم عليكم بخير ..
ابتسمت أحلام ببساطة لها ..
- الله يبارك فيج ..
ثم ..
ذاك الخاطر الملح عاد يزاول نفسها .. تطرده بحرج .. و لكنه يعاند ..!!
أُم مَن هذه ..؟!
تنظر لوجهها اللطيف .. نظرة الحنان تلك .. نظرة الحنين ..
ابتسامة تزرع الهدوء في نفسها .. أمان أم تنشره حولها بصبر .. و كأنما لا تحتاجه هي في أيامها التي تأتي // تمضي ..
هذه الأنثى تنشر إحساسها المريح حولها ببساطة انتشار ذاك العطر القديم الذي لم تعد تذكر رائحته ..!!
أي شعور حقيقي تدفنه نفسها و لم تطلعها عليه يوما ..؟! أي سر في أعماق روحها ينتظر بلهفة نبشه ..؟!
أَ أمٌ أنتي ..؟! أم إنني واهمة بذاك الدفء الأُموي ..؟!
.
.
- أحــلام ..؟!
صوتها العميق ينتزعها من دوامة الأفكار تلك فتلتفت بخجل لها .. حمدا لله أنه لا يمكنك الإطلاع على فضولية إحساسي ..!!
- لبيه ..
ابتسمت و كأنما لمست خجلها ..
- سرحانه أشوفج ..!! شوه فخاطرج ..؟!
تخجلها صراحة هذه المرأة .. لا يمكنها قط أن تكذب عليها ..!! فتضطرب كلماتها تسعى صادقة للإفصاح ..
- آآمم .. فخاطريه أنشدج عن شي ..!!
مدت يدها بوهن لتمسك بيد أحلام المتساندة على السرير ..
- انشدي فديتج ..
توترت الآن .. عجبا ..!
لما يصعب علينا استشفاء حقائق الآخرين منهم فيما يسرنا الاستماع لها من أفواه غير المعنيين بها ..؟!
- آآ.. انتي كنتي معرسة ..؟!
الابتسامة المطمئنة لا تزال ترتسم على شفتيها الشاحبتين ..
- هيــــه .. و ريليه ما توفى إلا من سبع سنين ..
عقدت جبينها و الخجل يتضاعف بتعاظم فضولها .. تستشعره قبيحا ينخر نفسها ..
- من شوه ..؟!
- من ربيه .. أزمة .. توفى و هو يتقهوى الله يرحمه ..
همست أحلام ..
- الله يرحمه .. ما عندج عيال ..
.
.
و اهتز ثبات النظرة .. شيء مختلف إنعكس خلف أفق تلك العينين .. لا تزال تنظر لأحلام بإمعان .. و لكن الابتسامة لم تعد تتربع عرش وجهها .. شيء تنازع روح أحلام و هي تراها تغرق في الفراغ قبل أن تعود فتبتسم ..!! تشير للطاولة المتوسطة ..
- هاتي هذاك الدفتر ..
الدفتر الأسود ..!!! الذي راودت أحلام نفسها بأن تختلس أحاسيس هذه المرأة دفينة طياته .. تهب على قدميها فتجلبه لها ..
ملمس سطحه الناعم ينبئها بالكثير .. كم من خبايا يحمل يا ترى ...؟
تعود لمقعدها ذاك تستوي عليه و تلتقط حصة الدفتر من بين أناملها بتعب .. تفرد مصراعيه بهدوء ..لتسترق شيئا من بين وريقاته .. فتمده لأحلام ..
الصــورة ..!!!!!
الآن الذنب يتآكل فؤادها .. لا تعلم حصة أن أحلام كانت قاب تأنيب ضمير أو أدنى من أن تكشف النقاب عن غموض صورة سقطت من بين يديها تعير فضولها ذاك ..
ألحـــت حصة بخفوت ..
- شوفيها ..
تمد يدها بتردد .. تأخذ الصورة مهترءة الأطراف ... الغابرة فتقلبها .. لتلتقي عينيها بوجهه ..!!
رغم تلك الصورة بالغة القدم خالية الألوان .. كانت الحياة تطفح من عينيه بوضوح .. طيش مقتبل العمر يلوح على ابتسامته العابثة .. و رجولة نامية على أطراف لحيته الخشنة .. و الزغب الذي يعتلي شفته العليا ..
نافخا صدره .. مندفعا لهذه الحياة ..
صوت حصة الخافت يخالطه الحنين.. حنين غريب لم يكن قط كشيء لمسته أحلام مسبقا ..!! شيء أوجعها بشدة ..
- هذا ولديه مطر ..
رفعت أحلام نظرها لها .. تراقب الابتسامة الرقيقة التي أرسلت القشعريرة على طول ظهرها ..
- هاي صورته قبل 19 سنة .. قبل أربع سنين من آخر مرة شفته فيها ..
الآن تشعر بشعر رأسها يقف من هول ما قالت ..!! هذه المرأة لم ترى ولدها منذ ما يقارب 15 سنة ..!!!
همست أحلام بعدم تصديق ..
- كيف يعني ..؟؟ ما شفتيه من......
قاطعتها حصة ..
- من 15 سنة ..
ثم تنهدت و هي تلتقط الصورة من يدها .. تداعبها بأناملها .. تمررها على وجنته تلك .. بوله جارف .. و كأنما تراه أمامها ..!!
- تدرين يا أحلام .. يوم الحرمة تييب عيال .. يغدون عالمها .. يوم تشوفه صغير .. تقول يالله متى بيكبر .. متى بييلس .. و اذا يلس .. تباه يمشي .. و اذا مشى ودها إنه يربع .. و اذا ربع تبا تشوفه في المدرسة .. حتى لو درس تقول متى بييني من دوامه تعبان و يحب راسي ..
ترتسم ابتسامة على شفتيها ..
- بتعرفين عن شوه أرمس يوم ربج يسهل عليج .. ما نبا العمر يصرق منا شي .. نبا عيالنا يسوون كل شي و نعيشه وياهم ..!! .. أبا ولديه يكبر .. يعرس و ييب عيال .. و عقبها خلاص .. هذا كل شي كنت أباه من الدنيا .. اذا مت ما عليها حسافة ..
رفعت عينيها الغائمتين بالحب ذاك لأحلام ..
- ماشي أغلى من الظنا ..!! الوحدة يوم تشقى ع ولدها تكبره و ترعاه .. قطعة منها .. ماشي أغلى منه ..
هزت رأسها رفضا .. ثم التقطت كف أحلام المرتخية على الملاءة ..
- ماشي أغلى من الولد إلا شي واحد ..
أمعنت النظر في عينيها و هي تقول بقوة ..
- البلاد ..
للحظات شعرت أحلام بالتيه .. أضاعت نفسها بين الكلمات و لم تعد تجد السبيل .. فيما صوت حصة يملأ رأسها ..
- الأرض لي نحن نربى عليها و نربي عيالنا أغلى من كل شي .. حتى من عيالنا ..
عادت بعينيها للصورة تطالعها بشغف .. تشاركها أحلام النظر ..
- أنا أم .. كنت أباه يكبر .. يدرس .. يشتغل .. يعرس ..!! .. الحين شوه ...؟! أنا هنيه .. على فراشيه و كل يوم مادري كان بتطلع الشمس عليه و إلا لا .. خلاص مابا من الدنيا غير شوفته ..
رفعت أحلام نظرها لها و هي تسأل بألم يخالط صوتها فيهزه // يزعزعها .......
- وينـــــه مطر ...؟!
بدت تنثر الاحساس ببطء و هي ترسم حدود قصته ..
- مطر ..!! مادري وينه ..!!
.
.
.
كل ماطار الفراش أعرف إن أمي طفت
يمه ويني ؟؟
نامت سنيني علي تلتحف من برد عمري
مامعاي إلا عيونج .. تقطر الدمعه في بالي
تطفي البرد ويجيني زولج بداخل عيوني
أحضن عيوني وأنام
تهزهزي البرواز أدري
صح يمه ؟؟
مثل ماكنت اتهزهز باغنياتك
.
.
.
- تشوفين هالصورة ..؟! كان عمره فيها 20 سنة .. عقبها بأربع سنين راح في مهمة ..
- مهمة شوه ..؟!
- مهمة عسكرية .. ويا كتيبته كاملة .. مهمة عسكريه فجزيرة طنب الصغرى ..
أسدلت أحلام أهدابها .. الآن تتضح الصورة .. اذا فالجزر المفقودة في الأمر .. نصل الألم المنغرس في قلب الإمارات ..
جزر الحلم المسلوبة .. المنسية ..
أرضهم الموجوعه .. التي لم تعد في ذاكرة الكثيرين ..
ينسون أناسا مسكنهم .. أرضهم .. إحساسهم يغرس فيها .. ليصبح الأمر مجرد مصالح سياسية ..
أَ يا أرضي ..!! ألم تحن صحوة منتظرة من السبات ..؟ ألم يغدو الوقت هو لحظة نهب فيها لدفع الأذى عن تلك الحبيبة ..!!
مسجّاة على أطراف البحار .. نازفة .. لا ضمادة لأحزانها سوى حرية منفية ..
لا تصل لمسامع الأمم صيحاتها التي تشابهت و صيحاتٍ أخرى ..
عراق .. فلسطين ..
و أجزاء أخرى من كيان مُحتضر ..
لا يُغاث ..!!
- المهمة غدت اشتباك ويا القوات المتحلة .. ماتوو لي ماتوو .. و الباقين شلوهم أسرى ..!!
أعادت الصورة لدفء الوريقات ..
- سوو مفاوضات .. بس ما صار شي ..!! .. الين يومج .. من 15 سنة .. و ولديه مادري عنه .. ميت و الا حي .. مريض و الا صاحي .. ينام ..؟! ياكل ..؟! .. يفكر فينيه شرات ما أهويس به ...؟! شوه أقولج يا بنتي .. ودي انه الحين يحدر من هالباب .. يرد ليه ..
ثم ابتسمت مازحة .. مازحة ...!!!
كم أوغلت الحزن في قلب أحلام هذه الابتسامة ..!!
- يرد و أيوزه .. أخطب له البنت لي يباها ..
.
.
.
يمه نامي تمشط الصوره عيونج
تشعلي دمج تدفي الغرفة من بحات صوتي
مجدله شيبك تقولي آآآآآه يا نذر نذرته
تفتحين كروت عرس وترسمين بشوت عرسي
ألبس الأسود في بالج
ألبس البني في بالج
ألبس الأبيض ترفضين
الكفن يطري في بالج
صح يمه ..؟؟
يمه أدري .. أدري همج هو وجودي
هو زواجي
تشوفي عيالي وتموتي ..!!
.
.
.
تنظر أحلام هي الأخرى للصورة .. قوة حقيقية تنبض من عروق الحياة في تلك الصورة الخالية من الألوان ..
شيء مس شغاف قلبها .. فيما هي تسرح في ابتسامته ..
أ خطر في باله ذات يوم بأن هذه ستكون ماهية أيامه ..؟!
أما زالت هذه الابتسامة هي نفسها التي تعلو وجهه في غياهب مرارة ما هو فيه ..؟!
أين رمت الأقدار بتلك الروح يا ترى ..؟!
هل بذلها فدى لأرضه ..؟!
.
.
.
تتجه للقبله روحج
تلتقي وياها روحي
بكل صلاه
واعرف انج بآخر ايام الضوى
و غافي فيج الفراش
كل ماطار الفراش اعرف ان امي طفت
يمه نامي ..نامي يمه
الأسر هو نام فيني
والله مايقوى يزعزع شخص راضع من حليبج
او يهز يايمه شعره
شعره من ونات شيبج
قولي أقدار وخذتنا و رحنا أسرى
ويعني أسرى
ماهو لازم مثل هذا اليوم نعرف
من عدوج .. ؟ من صديقج .. ؟
يعني جوع .. ؟ ماأجوع ..!
وانتي اصلا تذكرين
عزة النفس ويميني
ماوصلت أكل ٍ ولو هي
نفسي تدفعني عليه
يعني حريه يايمه
اجمل الحريات والله
إني اقيد كل عمري
ولايتضايق صدر شارع
من رئة خطوات فاجر
تاطي مسلم مانطق الا الشهاده
باصبعه ووقف فجر
لاغسلج الدمع يمه قولي فدوه
فدوه لعيون الشواطي لاغسلها المد قامت
توقظ الناس بفرحها
بعد ماكانت حزينه
ادري همج هو وجودي هو زواجي
تشوفي عيالي وتموتي
مثل همي إني اشوفج قبل مايطير الفراش
خلي همي إني طالب يد بلادي
ومهرها أبقى أسير
حتى لو طار الفراش
.
.
.
همست حصة و هي ترخي أسدال أهدابها المختفية ..
- أبا أشوف ظنايه .. قبل لا ربيه ياخذ أمانته .. أبوه الله يرحمه توفى و هو يراكض له .. يدوره .. مابا أموت و ما يدفني ولديه ..
مدت يدها تنتزع غطاء شعرها .. لتكشف عن رأسها .. فيقشعر بدن أحلام ..
كان رأسها الأصلع خاليا تقريبا من الشعر .. لا شيء يكسو فروتها غير شعيرات باهتة متناثرة ..
بدا منظرها غريبا و هي تجلس على الملاءة ممسكة بغطاء رأسها بين يديها تنكس رأسها متأملة كفيها ..
فيما خلى رأسها من تاج كل النساء .. لقد أوهنها العلاج بلا فائدة .. و تركته طواعية
لم تعد ترد سوى الرحيل بسلام ..
و لكن ليس قبل أن تراه .. ليس قبل أن تقبل عينيها وجهه البعيد .. تلتقطه في الذاكرة ..
تأخذ صورة تحملها لقبرها فتؤنس وحدتها ..
و لكن أين ..؟!
أين هو ..؟!
و في أي من بقاع الأرض المديدة رمي بعيدا عن لهفة والدته ..؟!
.
.
.
انت وينك ؟؟ انت وينك ؟؟!
من زمان كنت أدور في وجيه الناس عنك وجه .. وجه ..
ولالقيتك
في زوايا البيت أدور
في الشوارع .. في الصباح اللي تشرب غترتك
في المكان الي فرشته بالجريده
لما تقراها وتشرب كل صباحي قهوتك
و آخذ الفنجان حتى تقرى حظك لي عجوز
ترفع البسمه تقول فيها لج شي بيتحقق
وفيها له شي ثمين
ليه ماقلتي فيها لي شي بيتهدم ..؟
وفيها له شي حزين
أثري كنتي تكفرين ..!!
إنت وينك تسأل الأشجار عنك
لما ترمي فوق ظلها كل ظلك
لما تسقيها بدمك هي تبلك
تنحني لك
تدري إنك لو تغيب ينكسر طير
وتموت
إسأل الأيام عني
و لا تدري
اسأل نعاس تكسر من صباحك في وريدي
اسأل شفاهن هجرها من بعادك ماي بارد
ليه تتركني أتوسل
واتسول في عيون الناس
انا اطلب منهم حفنة حنان ..؟؟!
انت وينك ماتركت إلا بعباتي
عطر جسمك من صلاتك
و شعرتين بكف مشطك
صافحني وسط بالي
واتذكر ..
.
.

[ يالله يمه .. يالله يمه اخطبيلي والا يعني ماني رجال بعيونج ..؟!
شفتي شعرك الا افله في زواجي .. ]
.
.
انت وينك ..؟!
هذي دارك ماتغير شي فيها
هذا بوكك هذا عطرك هذا مشطك
الا ساعه يوم طاحت من يديني اتكسرت
لاتخاف جبت ساعه تشبه الي تكسرت
انت وينك ..؟!
ماتركت الا عيونك داخل البرواز
تتبع وجهتي من وين أروح
ماتركت إلا عيونك داخل البرواز تسأل
يمه وينج؟
إنت وينك ؟؟ *
.
.
.
كانت أحاسيسها مبعثرة .. تشتتها جوارحها الآن ..
لا تجد في نفسها من المشاعر المتخبطة ما يمكن تفسيره ..
شيء واضح وحيد راودها و هي تنظر لشعيرات حصة الخفيفة تلك ..
لقد وجدت قطعة الأحجية الناقصة التي كانت تحيرها في أسرار ساكني هذا المكان .. كشفت النقاب عن أوجاع هذه المرأة
عن حنين دفين يسكنها دهرا ..!!
فتقترب منها .. تريح راحة يدها على رأسها المجرد .. لتلتقي بعينيها الحانيتين ..
دوما .. و أبدا ..
هذه المرأة تزرع طمأنينة في نفسها .. شيئا بقوة الصبر يجتاح روحها حين تكون بقربها ..
فتهوي أحلام على رأسها .. تطبع قبلة بقوة ..
و عبرة كبيرة تسد حلقها كالشوك .. فيخرج صوتها مبحوحا .. و هي ترى تلك الدمعة ترتعش على أطراف أهداب حصة الذابلة ..
- الله كريم .. بيرده ..
ثم شدت على يدها و كأنما تؤكد لها ذلك ..
- بيرده ..
.
.
فطفحت تلك الدمعة لتسقي خد العجوز الظامي ..
أي آلام تتلف أرواحنا .. نطويها بصمت .. فلا يردد صداها سوى تلك الضلوع الخاوية // الذاوية ..
.
.
أرضي ..
لا زال أمل بفك قيدك نابض في عروقنا ..
فصبر جميل .. و الله المستعان ..

* * * * *



تستلقيان على السرير و رؤوسهما متقاربة .. تنظران لسقف الغرفة في صمت قبل أن تسألها تلك بخفوت ..
- علـــي ..؟!
هزت تلك رأسها بهدوء دون أن تفارق عينيها سطح الغرفة .. فعادت تسأل ..
- و شوه قلتيلها ...؟؟
تنهدت .. و لم تجب .. لحظات قبل أن تقول مرة أخرى ..
- علي ..!! هذا لي حرمته متوفيه و عنده ولدين ..!!
همست و هي تضع يدها على صدرها ..
- أدري ..
- شوه بتسوين موزان ..؟!
لم تكن موزة تملك إجابة على هذا السؤال .. لقد زعزعت هذه القنبلة التي فجرتها غزيل هدوئها ..!!
- بفكر ..
شعرت الأخرى بفرحة خفية تسري داخلها .. قالت ستفكر ..!! هذا يعني أنها لم تعتزل الزواج بعد .. و تجربتها الأولى لم تؤثر في تفكيرها من هذه الناحية ..
عادت تلك تقول بصوتها الخافت ..
- بس تدرين لطوف .. أحس انيه هب مستعدة أعرس حاليا .. ع الأقل سنتين .. و الا ثلاث .. محتايه وقت لعمريه ..
أدرات لطيفة رأسها ..
- شوه سنتينه يا الخبلة .. خلاف بتعنسين ..
هزت كتفيها و هي تسحب نفسا ..
- أعنس أخير ليه من إنيه أفر عمريه في مصيبه ثانية شرات لوليه ..
تأوهت لطيفة بتذمر ..
- تونيه أقول فخاطريه زين ما تعقدت ..
عقدت موزة جبينها ..
- منوه قالج انيه تعقدت ..؟! .. بس لي أعرفه إن أغلب المطلقات ينقسمن لفئتين .. وحدة تبا تعرس بسرعة عقب طلاقها شاردة من الواقع لي هي فيه .. حتى لو كان الزواج هذا هب زين و لا فمصلحتاا .. و الثانية هي اعتزال الزواج ..
ثم قالت بهدوء شعرت لطيفة بقوته ..
- أنا ماريد أفر عمريه في زواج عسب أشرد من لي فيه لشي أخس .. و ما تعقدت .. أكيد أبا أعرس .. بس حاليا أحس عمريه هب مستقرة و محتاية أشوف عمريه .. أتفرغ لنفسي شوي .. أبني أساس يديد عقب لي صار ..
ثم سكتت .. سكون يحوم فوق رؤوسهن لمدة ليست بقصيرة .. و عيونهن لا تزال معلقة بالسقف ..
قبل أن تسأل لطيفة بحذر ..
- شوه يعني بترفضين ..؟!
.
.
كانت حازمة و هي تقول ..
- لا .. بفكر ..

* * * * *

كان يمشي يقود سيارته ببطء .. منذ قضى صلاة العصر و هو يدور في شوارع المنطقة دون توقف ..
و لن يتوقف حتى تتوقف هذه الأفكار التي تتنازعه .. و تتقاذفه ..
يشعر بالضيق فيفتح نافذة سيارته ليستنشق الهواء و يعب منه بلا ارتواء ..
كان هناك شوقا يؤرقه .. حنينا يجعل نومه مستحيلا و هو يفكر بها كثيرا هذه الأيام ..
يعلم جيدا أنه هو من حشر نفسه في هذه الزاوية الضيقة .. و لكنه كان مضطرا فهي مصرة على متابعة ما تفعل ..
دوما كانت مختلفة عن أخواته .. موزة بهشاشتها .. لطيفة بصخبها .. أحلام بماذا ..؟!
لا يكاد يجزم بشيء يميزها .. كانت مختلفة تماما .. هدوئها .. صبرها ..
شخصيتها المتقلبة مع الغير .. لكل منهم سيجد معاملة خاصة .. لا يعلم إن كان هذا جزءا من دراستها في علم النفس ..
مر وقت طويل لم يرها فيه .. لم يعتد على ذلك .. كانت الصدف تجمعهم على الأقل ..
يمكنه من خلالها استراق نظرة .. يطمئن أنها على ما يرام ..
تمزقه نظرة التوسل في عينيها .. و لكن التجاهل يفلح في إخماد تلك المشاعر الثائرة ..
ما يضيق الخناق على مشاعره هو معرفته بأنها تعاني الكثير دون الحاجة لما يمارسه من ضغط عليها ..
.
.
عجبا ..
يجد نفسه يبحث عن ثغرة في قناعته بما يفعل ..!!
هل أثرت فيه كلمات راشد الملحة ..
دائما يردد بأن العمل أنقذها .. من ماذا ..؟! يراها في أحسن ما يرام ..
ليست بحاجة لشيء ..
و للحظات استعاد قول راشد ذاك ..
.
.
[ أحلام لها ثلاث سنين و ظروفها صعبة .. كلنا نعرف كيف منصور غدا نكد عقب الحادث .. ليش ما تباها تغير شوي .. و تظهر شوي برا الحبس لي هي فيه ] ..
.
.
هل كان مسؤولا بشكل ما عن ذاك [ الحبس ] ..!!
أم أنها مجرد مشيئة الله ..؟
كل ما يعرفه الآن أنها قد انقطعت عن زيارة البيت .. و هو قلق جدا عليها ..
.
.
و مشتاق لها أيضا ..
عليه أن يجد وسيلة لمعرفة أخبارها .. دون الاضطرار للتنازل من عرش كبرياءه الزائفة ..


* * * * *

أنهت صلاة العصر و راحت تطوي سجادتها .. في حين خرج هو من غرفة الملابس مرتديا ملابسه الرياضية و متساندا على عكازيه بصعوبة .. سألته بهدوء ..
- بتسير الحين ..؟!
اقترب من الأريكة يرمي بثقله عليها و هو يهز رأسه ..
- لا مبارك بيمرنيه عقب نص ساعة . بتقهوا أول ..
- خلاص أنا بقول لهم يحطون القهوة ..
خرجت مسرعة لترتب لذلك ..
لحظات و تسترخي هي في مقعدها .. تنتظر قدومه ..
شعرت بتململ غريب يوهنها ..
نهضت من مكانها تتوجه للسور القصير للشرفة الأرضية و تتساند عليه .. دفء شمس العصر يعانق ورق الشجر الأخضر ليفوح عبق الطبيعة رائحة منعشة داعبت أنفها ..
فتستنشق الهواء النظيف ملئ رئتيها ..
لحظات و سيقبل إلى هنا .. سيجلس .. و يلتزم الصمت لحظات .. ثم كالعادة .. كلمات متوترة يتبادلانها .. لم يستطيعا حتى الآن ردم الفجوة التي أُحدثت في السنوات الماضية . .
على الأقل لم يفعلا في غضون المدة القصيرة التي خلت .. ما زالا بحاجة الكثير من الوقت .. هناك أجزاء من روحه بعيدة عن متناول يدها لم تصل إليها بعد ..
تحتاج الكثير .. الكثير .. لتستكشف نفسه .. لتعلم ما يخفي في ثنيات قلبه لها .. ما الذي يحمله ..؟
كي تتمكن من إدراك أي زاوية سكنت في حياته ..!!
قبل الغداء كان قد أحضر لها نسخة من روايته الجديدة .. لم تنخرط في غمار أحداثها بعد .. و لكن تعلم جيدا أنه سكب فيها من إحساسه ما قد يهمها ..
ضايقها الإهداء كثيرا .. يبين أي علاقة متينة تربطه بذاك الرجل الذي يقلقها ارتباطه به .. و لكنه لم تبد له شيئا من ذلك ..
إذا كانت تريد أن تستمر في هدنة مشاعرهم هذه .. عليها تجنب كل ما قد يستفز هدوءه ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
و يتساند هو على عكازه يراقب جانب وجهها الشارد .. فيما هي غارقة يا ترى ..؟!
ما الذي يجعلها بهذا الهدوء .. شعر برغبة جامحة بأن يعرف ما الذي يجول بخاطرها الآن ..
منحنية بذراعيها على حافة الشرفة .. ينظر لامتلاء بطنها الخفيف دليل تقدم حملها .. شعر بموجة حنان تتدفق في عروقه ..
تقدم يجلس على الكرسي الصلب الطويل دون أن تنتبه .. لا تزال ساهمة .. فيناديها بصوته العميق ..
- أحلام ...؟
أدارت رأسها بهدوء نحوه .. لم تفاجئ بوجوده إذا .. أشار للمساحة الشاغرة بجانبه كي تجلس .. تتقدم بهدوء لتحتلها .. و لحظات الصمت المربكة .. اللذيذة بينهما .. قبل أن يسألها ..
- ما تبين تسيرين لهلج اليوم ..؟؟!
اشتدت أناملها .. قبل أن تعلو ابتسامة خفيفة ثغرها ..
- لا .. اليوم لا .. ما فينيه ..
ضيق عينيه و هو يقول بحذر ..
- من زمان ما شفتج تسيرين صوبهم ..؟؟
بدت اللهفة في عينيها بوضوح يخالطها شيء من الحزن ..
- و الله من زمان عنهم ..أمايا من الجمعة لي طافت في بيت هلك .. و الا الباقين تقريبا من شهر ما شفتهم ..
أصابته صدمة ..!! كان يلاحظ أنها لم تعد تتردد على البيت كثيرا .. و لكن شهر ..!! هذا كثير جدا على تعلقها بهم ..!
- خيبة .. و ليش مقاطعتهم ..؟!
نظرت له لبرهة .. قبل أن تخفض أهدابها و تداعب ذراع المقعد ..
- آآآ .. ماشي .. بس غديت أتعايز .. و تعرف الوحام .. و كذيه .. آآ .. يعني .. مالي بارض أسير مكان هالأيام ..
كاذبــــــــــة ..!!
يعلم أنها تختلق أعذارا .. و يكاد يجزم بالسبب الذي تتجنب الذهاب هناك من أجله .. لذلك قال بهدوء ..
- أهاا .. يعني حمدان ماله خص في السالفة ..؟!
و لم تغب عن عينه رعشة يدها و صوتها المرتجف ..
- شوه يخصه حمدان ..؟
أمعن النظر في عينيها يلتقط احساسها الشفاف منها ..
- قلت يمكن زعلانه عليه و إلا شي من بينكم ..
هزت كتفيها ساخرة و هي تقول ..
- هه .. ليش حمدان أصلا متى رمسنيه عسب نتزاعل و الا نتراضى .. هذا يوم يشوفنيه حتى السلام ما يسـ ..
و بترت عبارتها فجأة و هي تضغط أناملها بألم على فمها .. كان الحزن جليا على وجهها .. كلماتها الساخرة تلك خدشت قلبها قبل أيٍ آخر ..
لم يحتمل رؤيتها بهذا الشكل ..!!
أصبحت حساسة جدا و مرهفة المشاعر .. تنتقل من ذروة إلى أخرى بسرعة .. مد يده يعتصر أناملها .. و هو يهمس ..
- أحلام شفيج ...؟
سحبت نفسا عميقا تغمض عينيها لبرهة قبل أن تفتحهما بابتسامة باهتة لم تخفي لمعة الدموع في عينيها ..
- ماشي ..
لكنه أصر بصلابة ..
- ارمسي .. فخاطرج شي .. حمدان قالج شي ........؟!
نظرت له تقاوم إصراره ذاك ..
لحظات قبل أن يرتخي كتفيها .. و تقول بصوت كسير ..
- حتى ما باركلي ع الحمل ...
.
.
أثر فيه كثيرا منظرها هذا .. بدت ضعيفة جدا .. هشة .. و قابلة للأذى ..
كيف إستطاع حمدان أن يقاطعها كل هذه المدة ..
نظر لرأسها المنكوس و شي يتوقد وسط روحه بقوة ..
لن يسمح أبدا بأن يؤلمها أحد ما ..حتى و لو كان أخيها ..
.
.
أما حمدان .. فعليه أن يجده ليحدثه ..
سيعرف كيف يثني كبرياءه عن تحطيم قلوب الغير ..!!

* * * * *

* هذيان التنك / للشاعر سالم السيار ..
●○▐بقــــــــــــــــــايا الرؤيـــــــــــــــــــــــا السابعـــــــــــــــــــــــة▌○●





تصف الأعذار الذي بدا واضحا أنها قد تدربت على قولها .. و هو يبتسم بحنان .. بدت كطفلة تبرر سبب تأخرها ..
- و الله يا بو سنيدة ما يحدنيه الا الشديد القوي .. و الا انته تعرف انيه ما أصبر عنكم .. انته لو تشوف ويهي الحين بتتروع و بتتبرا منيه ..
قال مازحا ..
- كذابة .. انتي من غديتي تستلمين راتب كبر راسج علينا .. ما تتصلين و لا تيين البيت .. حتى الوالدة متعاونة وياج .. تسير لج بيتج .. بتخبرج .. تعطينها نسبة و الا شوه السالفة ..
رنت ضحكتها الخفيفة ..
- بايخة .. أمايا تراعينيه فديتاا .. تعرف انيه ميهودة .. و بعدين تعال انته .. محتشر و تعاتب .. ياخي شف عمرك لول .. عنبوه يا راشد من متى ما شفت حادر عليه من باب بيتيه .. ظنتيه حتى الطريق له ما تدل ..
- لا أفااا .. أدل .. بس تعرفينيه ريال مشغول و ورايه التزامات و احتماعات ..
- عدااال يا بو اجتماعات .. انته ما لك شغله غير هالجامعة ..
- و تتحرين الجامعة شوية ..؟!
- لا هب شوية .. خبرنيه شوه مسوي في دراستك ..
- هب مسويبها شي .. ليش اشتكتلج ..؟!
قالت بغيظ ..
- رشووووووووود لا تستهبل ..
كتم ضحكته و هو يتظاهر بالغضب ..
- شوه رشود انتي بعد .. احترمي نفسج .. حلوم وحدة ..
الآن انفجرت بعصبية ..
- حلوووم فخشمك ..
- هههههه لحظة بطلعج من خشميه ..
قالت بقوة ..
- راااااااشد ..
الآن يضحك بهستيرية ..
- و العثرة .. بلاج غادية كبريت من حملتي و نحن ما نسمع الا صريخج .. أقول دخيل الله سوي خير في الأمة الاسلامية و قاطعينا الشهور الخمس الباقية الين ما ربج ينفس كربج و تفتك عقدج .. ما فينا الصراحة على حالات الصرع هاي ..
- أوووه .. وااايد متوله عليه فديتك .. ثره الشوق لاعب فيك و الا ما اتصلتبي ..
و فجأة ارتفع صوتها بحدة ..
- و الله ما قول غير ما عندك سالفة .. انت و لي يرد عليك .. أصلا هب منك منيه انا لي أعبرك .. انت هب ويه أخذ و عطا .. ما ينفع وياك إلا الطاف ..
الآن يبذل جهدا حقيقيا في خنق ضحكاته ..
- افاا قوية و الله .. ترانيه قلتهاا .. تكبرتي من استلمتي الراتب .. بس ما عليه .. بتردك الايااااام .. يا مغرووور يا مدلل .. يا لي عليناااااا من أول شاااااايفن حاااااالك ..
ثم اعتدل صوته ..
- لا صدق و الله .. شعندج عليناا مقاطعتنا من شهر ..؟؟
و عادت للأعذار مجددا ..
- آآ .. ترانيه خبرتك و .........
هز رأسه مقاطعا بابتسامه ..
- خلاص خلاص .. فهمنا .. متى بنشوفج إن شا الله ..؟!
- و الله هو ما فيه مجال إلا يوم الخميس فملكة لطفين .. إلا اذا الشوق معذبنك تعال عدنا البيت ..
- يختي ودي لكن تعرفين أعماليه ..
قاطعته بسخرية ..
- و أشغالك و اجتماعاتك .. دخيلك رشود لا تشغل عمرك بي .. اذا انته التهيت خمس دقايق بينهار الاقتصاد العالمي .. - ثم اختلفت نبرتها - أقول إنقع فكشرة الطوية .. انت حتى الأسهم ما تعرف اسمها بالانجليزي ..
عقد جبينه بغباء ..
- منوه قص عليج .. أعرف أنا اسمها .. هذاك هو لي تعرفينه ..
سمع ضحكتها الخفيفة ..
- هيه لي أعرفه .. و يوم انك مشغول .. ليش متصل ..
قال بغرور ..
- أتخبر عنج .. و الا لو يينا ع الصدق انتي ما تستاهلين حد يتصلبج .. من رديتي و انتي طايحة فيني سب .. ما تقولين غير أنا لي مقاطع البيت من شهر ..
صمتت للحظات قبل أن تقول بهدوء ..
- فديتك و الله .. تحمل مودي هالأيام .. و ما تقصر .. غيرك لو أموت ما بيي يشوفنيه ..
علم أنها تقصد أخيهم الكبير و لكنه لم يعلق ..
- ما عليج من غيري .. أهم شي نحن نبا نشوفج ..
.
.
.
ثم قال بحنان حقيقي كاد يسيل دموعها ..
- تولهنا عليج حلوم ..

ارادة الحياة 28-05-08 05:40 PM

تتشابك نظراتهما .. و ينتظر هو أن يتفوه ذاك بكلمة تفسر طلبه الغريب لموافاته هنا .. كان بإمكانه أن يطلب منه الحضور لبيته و سيكون مسرورا بتلبية الدعوة .. قد يرى هناك شيء تاقت له روحه ..
في لباسه الرياضي .. و جسده القوي مسترخي في كرسيه الخشبي بإرهاق و قد أسند عكازيه لذراع المقعد .. بدا مرتاحا نوعا ما و هو يرتشف الماء من القنينة التي في يده .. و رغم الضجة التي تتسرب من قسم التدريب في النادي الرياضي .. إلا أن صوته الرجولي العميق يصل بسهولة له و هو يسأله ..
- و الوالـــدة شحالها ..؟؟
لقد طالت هذه المقدمات ..!! مذ جلسا على هذه الطاولة و هما يتبادلان الأخبار بلا كلل .. هو يشعر بالتوتر من هذه المقابلة الغريبة .. لم يعتد أن يكون مع إبن عمه في هذه الأجواء المحاطة بالغموض .. هو متأكد من موضوع الحديث .. لا شك في أنه يريد أن يحدثه بشأن أخته ..
- يسرك حالها .. منصور .. خل المقدمات و ارمس في الموضوع لي زاقرنيه عنه ..
أعاد القنينة للطاولة ببساطة ..
- و ليش تتحرانيه طالبنك فموضوع .. يمكن اشتقت لك ابا أشوفك ..
نظر له حمدان شزرا ..
- أمس ريتك في القهوة ... و لو بتشتاق لي بتتصلبيه أييك البيت .. هب النادي .. أكيد فيه شي وراك لا تيلس تلف و تدور شوه السالفة.. ؟؟
حملق فيه لحظات بعينيه القويتين قبل أن يقول بصوت هادئ ..
- السالفة عن أحلام ..
و انتفض عرق نابض في فكه المتقلص .. و هو يشعر بنبضات قلبه تختلج .. فيسأله بخفوت ..
- أحلام ..؟
ثم اقتحم عقله خاطر غريب فانقبض قلبه ..
- بلاها أحلام .. فيها شي .....؟؟؟
.
.
.
.
شعر ببريق الأمل ينوهج في داخله بقوة .. و هو يرى إنعكاس الخوف على أخته جليا على وجهه الصلب .. يهتم لأمرها بشدة و لو تظاهر بعكس ذلك ..
تعمد أن يتركه قلقا لثوانٍ قبل أن يشير بيده مطمئنا ..
- لا تخاف ما فيها إلا العافية ..
ثم نظر له متمعنا قبل أن يلتقط قنينة المياه و يقلبها ببطء .. و يتقلب السائل الشفاف فيها .. كم تمنى لو أن الأمور بسهولة شربه .. راح يسدد سهامه .. يرميها بدقه ..
- و بعدين ليش تروعت .. تهمك .....؟؟
بدت الحيرة في عينيه من هذا السؤال ..
- أكيد تهمنيه .. هاي ختيه ..
- متأكد ..؟
استنكر هذا الشك منه ..
- منصـــــــــور .....!!
قال بقوة و هو يركز نظره في عينيه ..
- لا تلومنيه يا حمدان .. بس أشك إن أحلام تهمك .. و إلا إنك حتى تفكر فيها ..
اتسعت عينا حمدان بصدمه قبل أن يصر على أسنانه بغيظ ..
- شوه هالخرابيط .. أحلام ختيه .. و ما تهمنيه شكوكك يا منصور .. و بعدين انته شدراك باللي فخاطريه ..؟!
هز منصور كتفيه بلامبالاة ..
- مادري شوه لي فخاطرك .. بس لي أعرفه إن الواحد يوم يهتم من خوه .. يتخبر عنه .. يخطف عليه .. يسلم ..
ثم نظر له مباشرة و بصوت قوي ..
- و أنا الصراحة ما شوفك مهتم منها ..!!
استطرد و عينه على قبضة حمدان المشدودة ..
- اذا صدق تهمك ختك كان عرفت عنها شي محد يعرفه منكم .. بس كل لي تعرفونه انتو من المخوة انك تتخبر عن الحال .. ختك من ثلاث سنين عندها مشكلة و محد منكم صدع راسه و نشدها عنها ..
لا يدري لما يشعر بالتشفي و هو يرى القلق يتعاظم في عيني حمدان .. ربما شعر بأنه يأخذ بحق تلك التي تجرعت قسوة جفاءه لأشهر ..
- اسمع يا حمدان .. انته مسوي عمرك زعلان و مقاطع ختك عشان الشغل .. أونك معارض .. نحن كلنا معارضين .. و لا وحدة من بناتنا قد ظهرت تشتغل غير أحلام .. انتو هب أشد عنيه و تعرفنيه زين .. أنا أول معارض للشغل ..
ثم استطرد و هو يعود فيسترخي في الكرسي الخشبي ..
- لكني وافقت على شغل أحلام .. و أنا راضي الين الحين انها تشتغل .. محد منكم سألنيه ليش خليتاا تشتغل .. ليش سمحتلها تظهر من البيت و تكسر واحد من أهم عوايدنا .. كل لي فكرت فيه ان ختك تشتغل و إنك لازم تقاطعها .. تعال ياخي .. شوف شوه لي وراها .. و بعدين ليش مسويلنا فيها .. أحلام حرمتيه من ثلاث سنين .. و أنا وليها .. ليش حارق أعصابك و هام عمرك من شي هب في ايدك ..
بدا الغضب الشديد على وجه حمدان و هو يقول بصوت حاد ..
- و اذا حرمتك بتم ختيه الين ما أموت .. و أنا خواتيه ما باهن يشتغلن .. و بعدين أحلام شوه قاصر عليها عسب تشتغل .. كيف رضيت انته على عمرك تخليها تشتغل ....؟؟
نظر منصور له بهدوء .. الحقيقة أنه كان متوقعا إنفجارا أكبر من هذا .. لكنه ابتسم بسخرية ..
- أنا بقولك شوه لي قاصر عليها .. قاصر عليها حد وياها في البيت يعبرها .. يشوفها و ياخذ و يعطي وياها .. قاصرها احساس ان حد مهتم فيها .. قاصرها تحس انها انسانة و لها كيان و روح و أهداف .. هب مخلوقة و يالسة بين أربع طوف .. تروح لكم البيت و ترد .. بقولك الصدق الشي لي انته ما تعرفه .. أنا يوم سويت الحادث نبذت ختك من حياتي .. كان وجودها و العدم واحد .. يخطف اليوم و نحن ما نقول لبعض كلمتين .. مادري عنها بشي و لا كنت مهتم أعرف عنها .. أستفز صبرها لأبعد الحدود .. أنكد عليها و أطفر بها ..
ثم قال بالقسوة التي تتآكله ..
- قد ياتك و اشتكتلك ..؟؟
الذهول بيّن على وجه حمدان من هذه الكلمات الغير قابلة للتصديق ..
- حط عمرك مكانها .. محبوس ويا شخص معاق نكد ما يطيق ثيابه لي لابسنها .. ما يعرف الا الصد و القسوة .. ما تروم تشتكي لحد .. و لا تريد تشتكي لحد .. أصلا محد مهتم باللي يمكن تقوله ..
لحظات و يمهله منصور ارتشاف مرارة كلماته .. قبل أن يقول حمدان بمرارة و كأنما آلمه معرفة كل تلك الخبايا ..!!
- و اذا انته تجاهلتها .. أنا هب ملزوم أتحمل غلطاتك ..
شعر منصور بالغيظ يتآكله .. لم يعهد حمدان قط بهذا التحجر ..
- بس ملزوم تدور راحة ختك .. لي هي حصلتاا يوم ظهرت من الحبس و سارت تشتغل .. ترانيه الا شراتكم ما كنت أباها تشتغل .. بس الحين أنا مرتاح .. أحلام تغيرت عقب الشغل و نفسيتاا استوت أحسن ..
كان يريد منصور أن يمسكه بقوة و يهزه .. أن يسدد له لكمة قد تشتت مكابرته السخيفة هذه ..
- حمدان هاي اختك .. و مالها غنى عنك .. زعلك خانقنها .. من شهر ما طبت البيت عسب لا شفتها ما تطنشها .. ما يسدها لي ياها من الصد في حياتها .. ختك محتايتنك .. ليش تعطيها ظهرك .. و بعدين هي شهرين و أحلام مخلصة المدة و بترد ع حكرة البيت .. ليش مستخسر فيها رضاك و راحتها ..
تنهد و هو يقول ..
- خلنا من كل هالرمسة .. تعال للدين .. انته تئثم الحين .. قاطع صلة الرحم .. و قطع صلة الرحم من الكبائر .. الله سبحانه و تعالى يقول : قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}* .. يا حمدان انته ختك عندك و قلبها مشفق عليك و نفسها طيبة ما تبا الا رضاك .. فيه أهل بينها و بين عيالها مشاكل .. تمر سنين و الواحد ما يشوف أخوه .. وصل ختك واجب و فرض عليك .. و انت يالس ترتكب اثم .. الدنيا زايلة يا خوية و ما تسوى .. شوه يضمنلك انك تنش من مكانك هذا ..؟! انته ظامن عمرك ..؟؟؟
كان واضحا أن حمدان يكره هذا الضعف الذي بدأ منصور يطعن فيه ..
- لا ..!!
رفع منصور رأسه بقوة و هو يقول بعمق ..
- عيل اسمع .. الرسول عليه الصلاة و السلام يقول .. " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار " .. ما تبا تدخل النار يا حمدان .. لا تبيع آخرتك عشان دنياك ..
كان حمدان الآن منكوس الرأس لا ينظر لمنصور .. و لا يعلم الأخير إن كان كلامه قد أثر فيه أو لا .. جل ما علمه أن عليه أن يستمر في طعن تلك الحجج الواهية ..
- أحلام محتايتنك .. لا تخليها .. الحين نحن نعاني عسب نبدا من يديد .. لا تكسر نفسها و تردها ..
ثم قال بخفوت زلزله ..
- لا تكون قاسي يا حمدان ..
رفع حمدان عينه لمنصور .. الإحساس فيها لا يقرأ أبدا ..!!
لم يتفوه بشيء .. و كان منصور قد استنزف ما في جعبته من كلمات .. يعلم جيدا أن ابن عمه ليس بقاسي .. ربما متكبر نعم .. و لكن ليس بقاسي ..
متأكد من أن كلماته قد طبعت على جدار القلب .. و لكنه ليس واثق مما إذا كانت كبرياءه الفارغة ستطغى على حنانه ..!!
على حبه الجلي للأخت التي كان الأب لها لسنوات خلت ..؟!
على شوقه الذي يكابره ..
على إحساسه ..!!
.
.
.
لحظات صمت و أخذ الأمل بذلك يخبو في قلب منصور كشمعة مهددة في مهب النسيم ..
ثم للحظة .. عاد يتفجر من جديد ..
كان الصوت خافتا .. مترددا ..
و لكنه سمعه حين همس بهدوء ..
- شحالهـــــــــا ..؟
نظر منصور للطاولة و هو يخفي الابتسامة التي تربعت وجهه ببساطة ..
- محتايتنك ...

* * * * *

- مرتبش شوي ..
قال ذلك و هو خارج من غرفة الملابس يدفع كرسيه و بيده الكنزة الصوفية ليتوقف في منتصف الحجرة و يرتديها فيما تبتسم هي ..
- حليله و الله يستاهل .. مادري ليش ما تخيل مبارك معرس ..!!
هز رأسه بهدوء ..
- يمكن لنه طوّل عزابي .. بس خلاص يسد .. الين متى بيتم بدون عرس ..
لمعت الفكرة في ذهنها ..
- يبالنا نييب هدية ..
ثم شد الكنزة الصوفية على جسده القوي و هو يقول بهدوء ..
- أكيد ..
- بنسير نختارها رباعة ..
و لمع شيء غريب في عينيه .. و هز رأسه موافقا ..
ابتهج قلبها .. ثم ربتت بأناملها على خدها تكبح جماح ضحكة سعيدة قد تنفجر لتملأ الجو حولها ..
- أوكيه .. بما انك العصر تسير النادي .. بآخذ ساعة من الدوام و نسير نتشرى الهدية و نرد ..
لم يبدو أن الفكرة عجبته ..
- لا الصبح أنا ما أكون هنيه .. بسير لسعيد ..
.
.
و تبخرت فرحتها كعادتها كل ما طرأ هذا الاسم الذي يؤرقها ..
- سعيد ..!!
كان مشغولا بتمرير المشط في شعره .. و لم يجبها .. هبت واقفة من على السرير تقترب منه ..
- منصور .. انته ما خلصت الرواية ..؟
- هيه ..
- عيل خلصت الأبحاث .. شوه لك من حاية في هالسعيد .. ما خلصنا منه ..؟!
التفت ينظر لها و كأنما تتحدث بالصينيه ..
- و منوه قالج انيه أزوره عسب الأبحاث بس ..؟؟
اتسعت عيناها بذهول ..
- عيل ليش تزوره ..؟!
اشتد فكه و هو يعود للمرآة ..
- لنه ربيعيه ..
كادت تصاب بسكتة قلبيه .. ماذا يعني بـ - ربيعي - ......؟؟
ارتعشت يديها و هي تقول ..
- أي ربيع ..؟ منصور انته صاحي ..!! هذا عنده الايدز .. يعني ميت ..
تجاهلها ببساطة لتقول بغيظ ..
- انا تحريتك تزوره عسب الابحاث مالت الرواية .. هب لنك تشوفه ربيعك .. هذا مريض .. تعرف شوه يعني مريض ..؟ أي حركة يسويها فيها خطر عليك ..
ثم قالت بشيء من القسوة ..
- أنا ماريدك تسير له .. اقطع علاقتك به .. عندك وااايد ربع .. ما شفتك تزور غيره .. و بعدين كيف استوا ربيعك و انته ما عرفته الا من خمس شهور ..
تهدج صوتها الآن و هي تتوسله باستعطاف ..
- منصور دخيلك ..!!! فكر فينيه .. في ولدك .. لو استوا بك شي .. نحن لي بنتضرر ..
كانت تعتمد الابتزاز العاطفي .. قد يخضع ..!!
و لكنه قال ببرود أسقمها ..
- خلصتي ..؟
سيتجاهلها .. تعلم هذا .. لقد ألفت نظرة الجمود هذه .. لتقول بعناد و صوتها يرتفع ..
- لااا .. ما خلصت .. ماااباااك تسير له .. اقطع علاقتك بهالريال لو لـ ...
و لكن صوته المرتفع الصارم تردد في الغرفة و هو يصيح بقسوة يقاطعها ..
- أحــــــــلام ..
بترت عبارتها و هي تكاد تختنق بكلماته .. كانت عينيه تلمعان بحدة .. و وجهه الحجري لا يلين .. أرعبها صوته الهادئ ..
- لا ترفعين صوتج و انتي ترمسينيه .. تسمعين ..؟
تمتمت بالموافقة و لكنه عاد يقول بقوة ..
- تسمعين ..
رفعت صوتها المبحوح و هي على وشك البكاء .. لماذا يصرخ بها ..؟؟ من أجل ذاك الرجل ..!!
- هيه ..
ثم قال بحزم و عينيه تتركزان عليها بتهديد ..
- و سالفة روحتيه للريال مالج دخل فيها .. و ما بتفتحينها مرة ثانية ..
أومأت برأسها مجددا .. قبل أن يلقي المشط على طاولة الزينة و هو يسأل بجمود ..
- العشا زاهب ..
كتمت أنفاسها المتحشرجة ..
- هيه ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
تقدم أمامها بكرسيه فيما لحقته هي ببطء على مائدة الطعام .. بدت أحسن حالا حين عاد .. فقد خرج و هي مستاءة بعد أن فتح موضوع انقطاعها عن زيارة أهلها .. و حين جلسوا على مائدة الطعام عادت لمزاجها العكر عصر هذا اليوم .. و راحت تقدم له الطعام بهدوء فيما يلوح الضيق على وجهها .. تتجنب النظر اليه بعصبيه ليجدها فرصة فيمعن النظر فيها .. يعلم جيدا أنه قسى عليها .. و لكنه لن يسمح لها بأن تملي عليه ما يجب عليها فعله .. ثم إنها لا ترى أبعاد الحقيقة كما يرها ..
للحظات و هي تتحرك بآلية .. فكر في داخله ..
الكلام الذي قاله لحمدان اليوم .. هل كان حقيقيا و نابعا من صدقه .. أم أنه مجرد استعطاف لكبرياء أخيها كي يخضع و يسامحها ...
كل واحد منهم يتلهى بأموره .. يضيق و يضحك و يعيش لنفسه .. كلنا يغرق في عالمه .. يعيش ذاته فقط .. يشعر بها .. و أحيانا يقترب من عالم الغير .. يصير قاب شعور أو أدنى من أن يقتحم روحه .. و لكنه يفضل الانسحاب بسرعة .. الهرب مما قد يلقاه خلف أسوار الغير ..
ما الذي يضري يا ترى إذا توقفنا للحظات .. لنشارك الغير عالمه ..!! نلمس احساسه ..
هو كان هكذا سابقا يعيش في عالمه الخاص لوحده .. يتجاهل وجود الأحلام فيها .. لم يستطع قط أحد إختراق قلبه ليصل لتلك الزاوية البعيدة التي دفن فيها من الإحساس أسرارا لا تفشى ..
و لكنه هو من قام بهذه الخطوة .. هو من سعى لكشف جماح عالم الغير .. لنبش ما قد يرويه و لم يجده حوله ..
شيء غريب تماما ..!! لقد لجأ لذاك البعيد دون سابق معرفة .. اقتحم حياته .. شعر بلذة شديدة و سعادة غامرة في مقدرته على ابهاج الغير .. كان ذاك يطلب صديقا فقط .. و كم كان هو سعيدا بتلبية هذه الرغبة ..
تعلم بأن رسم الفرحة في وجدان الآخرين .. هو احساس نبيل يترك في داخل شعورا طيبا بأنك استطعت المساعدة .. و تخفيف آلام الغير ..
ابتسم بشيء من الغرابة .. و هو يراها هي الأخرى غارقة في أفكارها .. تضيق عينيها و كأنما تفكر بشيء يثير غيظها .. شعر بدفء يتدفق في قلبه و هي تقلب الملعقة في صحنها بسرحان .. لما لم يقم باقتحام عالمها هي ..؟! هي من تحتاج حقا لقربه .. لمعرفته .. لأيام و ليال طويلة كانت مركونه في زاوية الاهمال .. و لم تشتكي يوما .. كانت تنفجر بين الفينة و الأخرى .. تحتج !!
و لكنها ما زالت هنا .. ما زالت معه .. تقاوم صده .. و تتجاهل قسوة صمته .. لم تتركه لعالمه .. ظلت لسنوات تخدش الجدار الصلب الذي بناه حوله حتى أصاب قلبها اليأس .. و ها هو في صحوة متأخرة .. عاد لينفضه من قلبها .. لقد اتخذت حياتهما منحنى آخر في الأشهر الماضية ..
ما السبب يا ترى ..!!
خروجها للعمل ..؟! .. خروجه هو من عزلته ..؟! حملها ..؟؟ .. تعرفه على سعيد ..؟ أم ماذا ..؟!
كل ما يعرفه هو أن متحمس ..
متحمس للبدء من جديد .. يمكنه أن يأخذ بيدها ليبدأ من الصفر .. من اللاشيء .. أحيانا تجبره على تلك القسوة التي أبرزها منذ لحظات ..
يكره جدا أن تكون كغيرها .. أن تضغط عليه لكي يتخلى عن ذاك في آخر أيامه .. لا يريد أن يرى الجانب البشري الناقص منها ..
يريد أن تكون أرفع و أرقى روحا من أن تبدي آلام الغير على أذاها .. أو ليست هي المداوية لمشاكل الغير .. ألا تنطلق كل صباح لذاك المركز كي تساعد المحطمين من الناس تجبر ما انكسر من خواطرهم ..
تذكر مرة كانت تحكي له عنهم .. كيف هم غامضين .. و كيف لكل واحد منهم قصة ألقت به في أحضان ذاك المكان ليصبح مستقرا لهم ..
لقد علم أنها تساعدهم بقوة .. تتمنى لو أنها تستطيع ابعاد آلامهم .. و الأذى ..!!
لماذا يا ترى كل هذا الحماس ..؟!
هل شعرت بأنهم يشبهونها نوعا ما ..!!
مهملين ..؟ .. منسيين ..؟!
.
.
منسيين ..؟!
أهي منسية ..؟ أتشعر بأنها كذلك ..؟؟
نظر لها و هي لا تزال غارقة في أفكارها .. شعر بشفقة رهيبة تجتاحه .. شعر بالذنب .. بقسوته عليها .. كلن منهم كان يلتهي بعالمه .. و لم يفكر أحد أن يدنو من عالمها .. كيف لها أن تحمل جراح الغير .. و هي لا تزال تحمل على أكتافها من جراحها ما يثقل ..
كيف لهذه الأحلام بهشاشتها .. أن لا تنتهي بقدوم الفجر .. بمرارة الأحزان ..!!
.
.
رغبة حمقاء .. غريبة .. جامحة .. اجتاحت كيانه ..
أراد أن يهب من مكانه على قدميه الخائنتين .. ليتقدم منها و يعتصرها بين ذراعيه بقوة .. ليبثها الأمان .. ليجعلها حقيقية ..
ليعتذر من قلبه ..
و يخبرها بأنه آسف ..
لأنها منسية ..!!
.
.
و لكن حدود الفجوة المتسعة بينهما لم تتقلص بما يكفي ..
لذلك .. أبعد كرسيه عن الطاولة .. لترتفع عينيها متفاجئة .. ثم تنظر لصحنه ..
- ما تعشيت ..؟؟؟؟؟!!
كانت تظنه سيترك الطاولة .. و لكنه قام بما هو أغرب .. استدار حولها .. ليصل الى حيث تجلس و يقترب ببطء حتى أوقف الكرسي بجانبها .. أصبح يجلس بجوارها الآن .. كانت معالم التشتت على وجهها .. أمسك بيدها الباردة .. ليغرقها دفئا و يرد على سؤال لاح في عينيها..
- ابا ايلس عندج ..
ارتعشت شفتيها .. و عيناها تلمع ببريق غريب .. يبدو أنها لم تجد ما ستقول .. لذلك انشغلت بالتقاط طبق آخر و تقديم الطعام له بيدين مرتجفتين .. أيربكها قربه هكذا ..؟!
وضعت الصحن أمامه .. و هي لاتزال تتجنب النظر اليه .. فأمسك معصمها بقوة .. لترفع عينيها باضطراب ..
شعر بصوته أجشا من ثقل ما يشعر به و هو يغرق في الضياع الذي ساد عينيها ..
- زعلتي ..؟
.
.
.
.
.
.
كانت أنفاسها تترد بعنف في صدرها الذي يهبط و يعلو بعنف .. هل هذه طريقته في الاعتذار .. لا تعلم حقا ..!! كل ما تدركه أن قلبها يتخبط بعنف .. هل هي مستاءة ..؟!
هزت رأيها بلا و لسانها قد قيّد بما تعجز عن البوح به .. رفع كفها المرتجفة لشفتيه يطبع قبلة حانية بعثرت احساسها حولها ..
نثرته أشلاء في المكان ..
شعرت بالدموع الغبية تندفع لحلقها ... فرمشت بعينيها عدة مرات تبعدها عن مقلتيها .. و شعور بالخفة يجتاح قلبها .. جل ما استطاعت فعله هو أن تشد على يده بقوة صامتة ..
هذه اللحظات لا يفسدها إلا ما يخرق سكونها ..
تمتعي .. انعمي أحلام بهذه الأحاسيس الحقيقية .. الصادقة ..
أخفضت عينيها .. و هي عاجزة .. عاجزة تماما عن فهم ما يشعرها بالدوار ..
لحظات و يستمر الصمت بينهما ..
يجلسان بجمود دون أدنى حركة قد تخدش هذا السكون اللذيذ .. فيما يضطرم الاضطراب في صدرها ..
لتشير بيدها المرتجفة ..
- آآ.. ما تبا تتعشى ..
نظر لصحنه بهدوء ..
- بتعشى .. بس نسيت أخبرج ..
ألقى كلماته التالية بخفوت و كأنما يريد تخفيف وقعها عليها ..
- لقيت حمدان اليوم ..
الآن ينكمش قلبها الصغير .. و هي تترقب بلوعة ما سيقول .. و لكن ذاك الثبات لم يهتز قط ..
- و تخبر عنج ..
.
.
ضمت يدها لصدرها بقوة .. تمنع قلبها من الخروج و خلف الأضلع من شدة ضرباته ..
لن يحتمل فؤادها هذا الكم الضخم من الأحاسيس المتفجرة ..!!
و بصمت ابتهلت ..
إلهي ..
فليكن هذا حقيقيا ..
لن أحتمل ألما أرتشفه سرابا لا يرويني .. سيقتلني ذلك..
.
.
اجعلها بادرة خير يا قادر .. فلا تعجز بقدرتك عن شيء ..!!

* * * * *
تتمـــة




- مش خلاص يا حببتي ..؟
هزت رأسها رفضا و عيناها لا تزالان متعلقتين بشاشة التلفاز .. فيما تثائبت حصة و هي تبتسم معتذرة ..
- خليها على راحتها يا زكية .. الفلم قرب يخلص ..
هزت زكية رأسها بلامبالاة ..
- أيوة يا ستي .. بس هو نفسو اللي بتشوفو كل يوم .. حيحصل ايه ازا كملت بوكرة .. دي الساعة تمانية لازم تنام ..!! و بعدين بوكرة لما حنقيب المدرسين و البتاع دول عشان يعلموها .. إزاي حنخليها تسيب الهباب دا ..؟!
ضحكت حصة من قلبها ..
- هباب شوه بارك الله فيج .. الا شريط رسوم ما بيسوي شي ..
- مين آل .. دا بيأسر أوي على الأطفال و الزهن .. مش كويسة المتابعة المواصلة بيئولي تجيب الصرع ..
نظرت حصة بحنان لسهيلة المشدوهة تطالع شاشة التلفاز بلهفة ..
- بسم الله عليها .. لا تفاولين الله يهديج .. ما عليه .. نص ساعة و يخلص .. لا تكسرين خاطرها ..
عادت زكية لتجلس ..
- على أولتك يا ستي .. هيا الدنيا حتطير .. لاحئين ع النوم ..
ضحكت حصة بوهن على تراجع زكية السريع في كلامها ..
- خلاص عيل أنا بسير أرقد تصبحن ع خير ..
- و انتي من أهلوو
و لم يبدو أن سهيلة قد سمعت الاثنتين وسط اندماجها ..


* * * * *

مر اليومين التاليين بسرعة رهيبة و كأنما يتدهور الوقت .. و أقبل يوم الخميس و الجميع في حالة استنفار عامة ..
.
.
.
.
.
كانت تجلس بثبات على الكرسي فيما استغرقت الخبيرة في تزيينها .. أطرافها المتجمدة ترتعش بقوة ..
يفتح الباب بقوة فتتطلع اليه مستنجدة لتصطدم عيناها بأختها واقفة و هي تبتسم برقة ..
- فديييييييتج لطوووووف .. شكلج خبااال ..
تنفست لطيفة بسرعة ..
- أحس انيه بصيح موزاان ..
تقدمت أختها بسرعة ..
- لا يا غبية لا تصيحين بيخترب شكلج . حرام تعب الحرمة يروح ع الفاضي ..
ابتلعت لطيفة الكثير من الهواء في محاولة يائسة لتهدئة ضربات قلبها .. قبل أن تنظر لشقيقتها بابتسامة مرتجفة ..
- يا بنت شوه هالكشخة .. حد قص عليج و قال ملكتج ..
أطلقت موزة ضحكة صافية ترقرقت كالغدير الصافي ..
- توج بتصيحين .. و بعدين لا تنسين اليوم أول ظهور اجتماعي عقب ما اطلقت .. و وايد ناس متعنين لشوفتيه ..
شخرت لطيفة ساخرة ..
- ظهور اجتماعي أونه .. شوه وين عايشين .. و بعدين تعالي ..
أخفضت صوتها ..
- فكرتي ..؟!
ضمت موزة شفتيها .. و هي تومئ بالايجاب .. فسألت لطيفة بلهفة ...
- و شوه بتقوليلها ..؟!
قرصت موزة وجنتها بخفة ..
- خلاف بقولج .. اليلة ليلتج ..
ارتعشت لطيفة بخوف ..
- لا تذكرينيه .. أحلام يت ..؟!
- بعدها ..
كان صوتها باكي و هي تتذمر ..
- آآآآآه .. ما عليهاااا ملعونة الصير دواها عنديه ..

* * * * *

شدت قبضتها بقوة توقف الرجفة التي تسري بها و هي تثبت القرط في أذنها .. تشعر بالوهن الشديد يسري في أطرافها ..
لم تكن بهذا التوتر قط في حياتها .. خوف عظيم يجتاحها و كأنما ستساق الليلة لحبل المشنقة ..
ستذهب لبيت أهلها .. و ستصادف حمدان .. كم مر من الوقت و لم تره فيها ..؟! شهر ..؟! أكثر .....!!
هل إبتعادها لتك الفترة قد أثار شيء في نفسه .. ربما شوق أو حنين واهٍ لها ..!!
لا تريد ..
لا تريد أن تذهب الى هناك .. تلتقيه .. فيصدها ..!!
لا تريد ..
فذلك سينثر فؤادها شظايا مهشمة على أرضية المكان ..
رفعت عينيها للأعلى تمنع تدفق الدموع الخائنة .. الحقيقة أنها أصبحت تبكي كثيرا منذ ان حملت كل شيء يثير شجنها ..
و كل شيء قد يحرق احساسها ..
يصيّره رمادا ..
و يذروه في مهب الريح ..
سحبت نفسا عميقا و هي ترتب من هندامها قليلا ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
تبدو كحلم حقيقي و هي تقف هناك .. مر وقت طويل لم يراها بهذا القدر من الجمال .. كان قد أسقمها منذ دهر فلم تعد تهتم كثيرا بزينتها ..
بدت متألقة للغاية .. رقيقة ..
و بعيدة المنال ..!!
لا يدري لما كان ينظر لها و هي تتأمل نفسها في المرآة .. يشعر أنه قد قطع مسافات طويلة ليبتعد ..
.
.
و ابتعد ..
و لم يعد يتجرأ كثيرا على العودة لسابق مكانه ..
و لكنه الآن متلهف جدا .. يريد من قلبه بكل قوة .. أن يعود ..
أن يحط رحاله في مكانه القديم مجددا ..
أضنته غربة النفس تلك كثيرا .. يريد أن يدنو من هذا الحلم .. يمد أنامله ليلامس خياله الخرافي ..
يصل اليه .. يحتويه داخل أضلعه ..
للأبد ..!!
تلتفت ببطء نحوه .. ما زالت تقف في مكانها .. و تبدو متوترة جدا .. أم خائفة ..!!
أم أنه الضياع ذاك الذي دوما يشتت نظراتها ..!!
حيره وجهها كثيرا .. بدت ضعيفة و كأنما ترتقب شيئا يهولها .. مد يده بهدوء للأمام .. يدعوها أن تقترب ..
خطواتها تلك التي تقلص المسافة بينهما .. تقترب بهدوء .. لتصل اليه تركع على ركبتيها و تستند على ذراع قيده المتحرك هذا ..
وجهها على مستوى وجهه الآن .. متأكد بأن هناك ما يثير ذعرها .. !!
دمعة يتيمة ترتجف على شفير مقلتها .. قد تخالط الكحل فتسيله نهرا أسود .. أوجعته هذه الدمعة ..
مد أنامله بتردد يلامس وجنتها الناعمة .. ليسألها مازحا ..
- وين حرمتيه ..؟!
كانت تلك مفاجأة لها .. يعلم أنها لم تعتد منه أن يمازحها كثيرا .. و لكن اعتلت ثغرها ابتسامه صغيرة ..
رغم دمعتها تلك .. كانت تبتسم ..
.
.
.

Would you smile
if I asked you to smile ?
Would you run
and never look back ?
Would you cry
if you saw me cry ?
And would you save my soul, tonight ?
.
.
.
أبعد خصلة ممتمردة من الشعر عن عينيها و هو يسأل بهدوء ..
- شفيج ..؟!
رفعت عينيها المتسعتين تنظر اليه و كأنها تطلب نجدته ..
- خايفة ..
عقد جبينه ..
- من شوه ..؟!
تهدج صوتها و هي تعتصر ذراع مقعده ..
- خايفة أشوف حمدان و لا يعبرنيه ....!!
هو الآخر كان قلقا .. لا يملك سبيلا لتهدئتها بهذا الشأن .. كل ما بيده هو أن يوهمها بالأمل .. قد يخفف وطأة الوجع عليها حينها ..
- لا تخافين حمدان قلبه طيب و انتي تعرفينه .. أمس يوم لقيته كان متوله عليج ..
نظرت اليه بأمل .. جيد .. هذا ما يريده .. أن يشع قلبها بالقوة يمكنها حين الألم أن لا تنهار .. ثم قال باخلاص حقيقي ..
- و لو ما عبرج .. خبرينيه .. و الله للعن خيره ..
تأثرت كثيرا .. و لمعت الدموع الآن في عينيها .. تظنه يمزح ..!!
و صوتها المبحوح يحتج ..
- لا ما طيع في حمدان .. ما يهون عليه خوية ..
ثم أحنت رأسها لتضعه بهدوء على ركبته ..
- بس ما نستغني عن خدماتك ..!!
و ارتجف قلبه بقوة .. هذه اللحظة كانت مميزة للغاية .. منذ وقت طويل لم يعد يهتم بابعاد الأذى عنها .. ها هو الآن لا يريد أن تصاب بخدش في روحها ..
.
.
سيقتل حمدان إن عادت الليلة و هي تبكي ..!!
.
.
.
I can be your hero, baby
I can kiss away the pain
I will stand by your forever
You can take my breath away
.
.
.
مد يده المترددة ليريحها على رأسها المسترخي .. بدت أفضل حالا و هي ليست متوترة ..
تريح رأسها // همها .. على ركبتيه ..
و تنسى العالم على حدود أملها .. لا تنظري لحدود هذا الكون الضيقة ..
انظري لوسع رحمة من خلقها ..
من رسم خطوط أقدارنا بهذه المنحنيات البعيدة .. ترمي بنا كل في اتجاه ..
فتعود دوما لتجمعنا ..
لا يخنقنكِ يأسكِ .. تنفسي الأمل ..
فلو تركك كل من على وجه هذه الدنيا ..
هناك من هو مستعد لترك الدنيا من أجل دمعتكِ المهملة ..
كوني دوما سعيدة ..
.
.
.
Would you swear
that you'll always be mine
Or would you lie
would you run and hide
Am I in too deep
Have I lost my mind
I don't care
You're here tonight
.
.
I will stand by your forever
You can take my breath away**

* * * * *

كانت الغرفة غارقة في الظلمة المريحة .. شيء يمكن لأي مخلوق أن يختفي تحت ستارها ..
مستلق على ملاءته الشاحبة .. و لا يتبين شيئا مما حوله إلا على ضوء خفيف تسلل من الممر ..
يريح رأسه بوهن على مخدته الوثيرة ..
منذ فترة لم يعد يشعر بشيء .. لم يعد يتألم .. لم يعد للوجع مكان في جسده ليحتله ..
شيء غريب ..!!
يشعر بأن روحه قد انفصلت عن الجسد .. روحه الشفافة قد انسلت من بين أضلعه التي أصبحت قضبانا تخنقه ألما ..
كان مرتاحا ..!! سعيدا ..
قلبه متشبع بالأمل .. بشيء يفوق المقاييس .. بفرحة مريحة .. يشعر بخفة مشاعره ..
بوهن ما يؤذيه ..
ربما كان وحيدا في هذه اللحظة .. مستلقيا على هذه الملاءة البائسة ..
بعيدا عن أهله .. أحبته ..
و ذاك الصديق الوحيد ..
و لكن الراحة تغرقه .. تحتويه ..
تسري في عروقه .. فتسكنه ..!! لا يمكن للوجع أن يشتد بعد ذلك ..
كان يعلم أن النهاية تدنو .. أن الخاتمة أصبحت على مقربة أنفاس منه ..
يشعر بالموت يحوم حوله .. في رائحة المطهرات و المعقمات .. في ملمس حاجز النايلون العازل ..
في نظرات اليأس التي يلمسها في عيون من يأتونه ..
في لحظات الألم التي تزهق روحه ببطء ..
يعلم أن الرحيل قد اقترب .. و أنه قد آن الأوان ..
ليودع كل ما سيتركه خلفه ..
و لكن ..
ما الذي سيتركه خلفه يا ترى ..؟!
أحزانه .. أوجاعه .. يأس احتل زاوية من الروح لم يفارقها ..
.
.
سيترك كل ذلك خلفه ..
و سيحمل معه كل ما هو جميل .. كل ما لن يثقل روحه فيعجزها عن الحراك .. عن الابتعاد .. عن ترك هذه المنغصات و الهرب ..
سيأخذ في جعبته الأمل .. الفرحة القصيرة .. ذكرياته القديمة ..
و صور أهله .. أحبته التي تحتل مخيلته ..
سيحمل معه إبتسامة ذاك الصديق .. ذكراه الجميلة ..
و مشاعر سامية زرعها في فؤاده بنبل جعل آخر هذه الأيام ..
دمعة سكريّه ..
و التئام جرح .. و سلوى ...
.
.
.
نظر لتلك الرواية التي احتلت مكانها على الطاولة ..
ترتخي أطرافه .. و يثقل جفنه ..
و تتخاذل الأنفاس ..
.
.
و على الثغر تقاتل ابتسامته مستميتة ..
ما زال في القلب أمل ..!!
أَ يمهله الوقت .. فيقرأها ..؟!
هذا الظلام يهبط من جديد ..
داكنا أكثر من السابق ..
يلفّه ..
فيغرقه ..!!
.
.
يعلم هو ببساطة أن نور الممر لن يخترقه أبــدا ..!!

ارادة الحياة 28-05-08 05:41 PM

كان وجهها محتقنا و هي تنظر لأحلام بغضب شديد ..
- لا تعذرين .. اليوم ملكة و ياية حظرتج ويا العرب انزين كانت تميتي وياهم و اتعشيتي و روحتي بيتج .. ما عندج سالفة ..
ابتسمت أحلام باستعطاف ..
- خلاااااااااااااص لطوف دخيلج ذليتينيه ..
- و بذلج بعدنيه .. لي شهر ما شفت عينج ما قلتي بفازع ختيه .. يمكن تبا شي .. و الا شي ..
تنهدت أحلام و هي تتظاهر بالتعب ..
- لطوف دخيلج بروحيه أحس الدنيا الدور لا تزيدينها عليه ..
عقدت لطيفة جبينها و يلوح القلق في أفق عينيها ..
- شوه دايخة ..؟
- شوي ..
صاحت لطيفة ..
- يلسي زين ليش واقفة .. مالت عليج .. وينها هاي موزة عديمة النفع و الفايدة ..
- شوه تبينبها ..؟؟
- تييبلج ماي .. و الا عصير ..
ابتسمت أحلام بحنان ..
- مابا لا ماي و لا عصير .. اباج ترضين ..
نظرت لطيفة لها شزرا ..
- أرضا ها ..؟ .. حلفي ما تعيدينها ..؟
- ليش كم مرة ناوية تملكين ..؟!
ابتسمت لطيفة مضطرة ..
- مرة يا السخيفة .. أطري المقاطعة .. حلفي ما تعيدينها ..
- أحلفلج إنه ما يردنيه الا الشديد القوي .. خلاص ..
ابتسمت لطيفة بحب ..
- خلاص .. يا الله - و احمر وجهها - ماشي مبرووك يا حرم برووك ..
ضحكت أحلام بخفة ..
- مبرووك يا حرم برووك .. الحين متى بييبون الدفتر توقعين .. نباج تنزلين ..
و لم تكد تنهي عبارتها حتى أطلت موزة برأسها و هي تلهث و عينيها على أحلام ..
- حمدان و رشود يايبين الدفتر ..
كانت قد طلبت منها أن تخبرها في حال مجيئهم ..
لذلك قفزت من الكرسي و هي تجيل بصرها في المكان ..
أين لها أن تختبئ ....؟؟
هرعت لتسند جسدها على الجدار الذي يقع خلف الباب .. يمكنها أن تجلس هناك بهدوء دون أن يشعروا بها ..
ما ان التصقت به حتى فتح الباب بعنف كاد يصطدم بها لتلتف على نفسها حتى لا يرتطم بها ..
و كعادته يدخل الغرفة مباشرة و هو يغني بصوت عالي صم أذنيها فيما انكمش أنف لطيفة اشمئزازا ..
- صبوووووووحاااااااه خطباهاااااااا نصيييييييب .. أووووووووووه .. خطبهااااااااا نصييييييييييييييب ..
نفخت لطيفة بقوة و هي على وشك البكاء إثر توترها ..
- نصيب فعينك ..
راحت ضربات قلبها ترتفع كقرع الطبول حين رأته يدلف الغرفة بهامته العريضة و يدفع الباب خلفه ثم يتقدم إلى الداخل ..
الأحمق ..!! أغلق الباب .. كيف لها أن تخرج دون أن تلفت إنتباههما ..؟!
كانا يوليانها ظهورهما .. فراحت تبتهل بصمت كي لا يلتفت أحدهما .. كان راشد يضحك ساخرا ..
- شوي شوي .. لا تصيحين بس .. شعندج خايفة .. ما تقولين ميوزينج هولاكو ..
نظرت لطيفة لأخيها الأكبر تتذمر ..
- حمدااااااااااااان .. قله يووز عنيه .. هب ناقصة أنا ..
نهره حمدان بقوة ..
- رااشد .. لا تغثها ..
هز راشد كتفيها ..
- خيبة هاي ع الدقة و تصيح ..
نظر له بصرامة ..
- أقولك خلاص .. لا تغثها ..
لكن من سيسكت راشد الذي قال بخبث ..
- لا تغثها أونه .. من زينها عاد .. شف الالوان بس كيف خابصة ويها .. باندا هب حرمة .. أقول الشيخة ما انقرظت فصيلتج ..
صاحت لطيفة ..
- حمداااااان ..
و تحرك بسرعة و لكن راشد كان أسرع اذ استدار حول لطيفة هربا من قبضة حمدان ..
فجأة وقعت عيناه عليها .. و قبل أن تشير له أحلام بالصمت .. كان قد صاح بصوت مصدوم ..
- أحــــــــــــلام ..؟؟؟
و تجمد الجميع ..!!
رأت ظهر حمدان يتصلب بقوة .. فيما وضعت لطيفة أناملها على شفتيها .. و بدا راشد ضائعا و غير مدرك لما تختبئ أحلام هناك ..
في حين جل ما كانت تريد أحلام من حياتها في تلك اللحظة أن تنشق الأرض و تبتلعها ..
أرادت أن يكون هذا حلما سخيفا .. و شعرت بالإحراج الشديد من اختبائها ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أطرافه متشنجة و قد تيبست رقبته و هو جامد .. كان ينظر بشيء من الذهول لوجه راشد الذي كان يقابله تماما قبل أن يتحرك بسرعة و هو يصيح مرحبا ..
أ حقا تقف خلفه تماما ..؟! .. ليس عليه سوى أن يستدير ليتأكد من ذلك ..
رفع نظره عن الأرض .. لطيفة تنظر اليه بعينين غير مفهومتين ..!!
جزء خبيث من نفسه يجبره على التظاهر بأنه لا يعلم بوجودها .. و لكنه لم يقدر ..!!
كان متشوقا لرؤيتها .. مرت أيام طويلة لم يرها فيها .. شعر بأن سنوات تفصل بينه و بين آخر لقاء لهما ..
استدار ببطء ليجد راشد يحتضنها فرحا و وجهها مختفٍ في صدره و هو يصدر مختلف عبارات العتاب ..
وخزه مؤلمة يشعر بها و هو يرى بساطة تعامل راشد معها .. كم كان سهلا عليه أن يتقدم منها و يأخذها بين ذراعيه و يلومها على ذاك الغياب الطويل ..
هو لن يستطيع فعل ذلك .. لماذا ..؟! أو ليس أخيها كما هو راشد ..؟! ألا يحبها كما يفعل ..؟!
ألم يشتاق إليها ..؟؟
ابتعد راشد قليلا عن أحلام ليتبين وجهها المحمر المحتقن .. خلع منظرها ذاك قلب حمدان .. أخته ..
ها هي أمامه .. لا يمنعها عنه سوى كبرياءه .. قسوته ..
كان يقف جامدا ينظر اليها و كأنه غير مصدق .. فيما تمتمت هي بشيء لم يسمعه و استدارت تبغي الخروج ..
لا .. توقفي .. لا ترحلي بعد ..!!
.
.
و كأنما شعر راشد برغبته تلك أمسك رسغها بإحكام و هو يقول بصلابة ..
- لحظة أحلام .. ما تبين تسلمين على خوج ..؟!
مزقه ذاك الألم الذي ارتسم على وجهها .. و راشد يرفع عينه له بقوة .. و كأنما يطلب منه أن يفعلها ..
يتوسله بعينيه أن لا يهشم فلبها ..
لا تكن جحودا ..
و رن صوت زوجها العميق في أذنيه ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
[ لا تكون قاسي يا حمدان ]
.
.
.
.
.
.
.
بدت على وشك الإنهيار .. و هي تمعن النظر في وجه راشد الذي كان متيبسا يترقب حركة منه .. تتجنب النظر إليه ..
لا يدري كيف حدث هذا .. و لكنه لم يعد يحتمل ثقل المكابرة ..
وجد صوته الأجش بصعوبة ليقول بقوة ..
- أحـــــلام ..
انتفضت بقوة .. و هي تشيح بوجهها ..
أ هي خائفة .. أم غاضبة .. أم ماذا ..؟!
سمع راشد يقول بخفوت ..
- بس أحلام .. لا تصيحين ..
شعر بكتلة شوك تسد حلقه .. تخنقه ..
أ تبكي ....؟؟؟!
اقترب منها ببطء يجر قدميه الثقيلتين .. يصل إليها .. لا تزال مشيحة بوجهها و كفيها يهتزان ..
يقبض على كتفها النحيل ليديرها .. شعر بحنان جارف يجتاحه بقوة ليجذبها نحوه يحتويها بين ذراعيه ..
لتنفجر مشاعرها في لحظة .. فتنخرط في بكاء عميق .. كطفلة بائسة أتلفت روحها الأحزان ..
تجاهل ابتسامة راشد المتسعة ليطبع قبلة على رأسها المدفون في صدره ..
و يغمض عينيه ببطء و هو يشعر براحة حقيقية كان قد فقدها منذ بعض الوقت ..
.
.
كيف للمرء أن يكون بهذا الغباء .. و يبعد أقربائه عنه ..!!
لقد آذاها كثيرا في وقت كانت هي بأمس الحاجة لقربه منها ..

* * * * *
* سورة الرعد / آية رقم 25 ..
** Hero ..
●○▐ الرؤيـــــــــــــــــــــــا الثامنـــــــــــــــــــــــة▌○●





تجتاز البوابة الضخمة بسيارتها الصغيرة التي تخطو ببطء بين تلك المباني العتيقة ..
أكوام الحجارة الهزيلة التي ترتجف بردا تحت وطأة الشتاء ..
رغم هذا لا تزال الحميمية تكسو تلك الشوراع الضيقة .. و الأرصفة القديمة ..
دفء مختلف يجتاحها كل ما مرت من هنا ..!!
كم مرة تمنت لو أن إحساس ساكني هذه البيوت المتهاوية سكن قلبها مرة ..
لا تعلم لما تراودها هذه الأمنية الغريبة ..!!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
- صبــاح الخـــير خليفــة ..
ألقت التحية عليه بابتسامة .. و نظراته الشاخصة لا تتزعزع ..
جلست على الكرسي الخشبي الذي يجاور سريره .. و هي تنظر لوجهه الجامد بحبور ..
- اشحالك ..
و كالعادة لا تنتظر ردا .. تشير للكتاب الذي بين يديها و هي تتابع ..
- ما خبرتك .. منصور أصدر الرواية .. و هاي النسخة لي عطاني اياها .. بقراها لك .. ع فكرة .. ترا هاي أول مرة أقرأ الرواية .. أول قريت مسودة لها .. بس وااايد تغيرت الرواية ..
ابتسمت و هي تردف ..
- عسب كذيه بتكون أول مرة أقراها عندك .. عاد انته تحمل انفعالاتيه و اندماجيه .. و أنا بحاول ما أنقع في الكلمات .. من يوميه و أنا ميح في اللغة العربية ..
وضعت الكتاب جانبا و هي تتنهد ..
- قبل لا أقرالك .. خلنيه أخبرك شوه استوا ويايه يوم الخميس .. تطورات في الأوضاع ما تتخيلها ..!!
أسندت فكها بيدها و هي تقول ..
- تراضينا أنا وحمدان خوية .. لا تنشدنيه كيف الله حنن قلبه عليه .. أول مرة يشوفنيه ويسلم ..!! تخيل .. أنا كنت مندسة عنه عسب لا يسويليه طاف شرات كل مرة .. بس رشود المعثور شافنيه .. و خرب السالفة ..
هزت كتفها بهدوء ..
- مادري ليش غير رايه .. سلم عليه و تخبرنيه .. أنا عاااد ما صدقت فتحت له مناحة .. بس مارمس عن الشغل أبداا .. يمكن لنه موضوع حساس شوي .. يعني بيزعل مرة ثانية لو فتح الموضوع و قلت لا .. كيف أشرحلك ..؟! آآممممم .. هيه ..! يعني هدنة مفهومة .. ما بنرمس عن لي طاف .. لي فات مات و نحن عيال اليوم .. و أنا عقب شهرين مخلصة و يالسة فبيتيه ..!!
ابتلعت بعض الهواء و هي تهب على قدميها .. تزيح ستار المافذة الوحيدة ..
و تنظر عبرها للخارج لمباني أضناها الوقوف لدهور طويلة ..!!
- تخيل .. باقيليه شهرين بس ..!! خلاف بخلص .. و ..آآآ
أسندت جبينها على الزجاج البارد .. و تغمض عينيها حالما سارت الرعشة في مؤخرة عنقها ..
- و بروح ..!!
شعرت بألم يعتصر قلبها ..
- أحس فواديه يعورنيه .. ماريد أخليكم .. ماريد آخر يوم يي .. ماريد تيي اللحظة لي أظهر فيها من هنيه و ما اييكم الا زايرة .. الحين يوم أيي و أروح أحس انيه مسؤولة عنكم .. أساعدكم ..
و ابتسمت بشيء من الحزن ..
- و تساعدونيه .. مابا أخليكم ..!!
شعرت بأنها تكاد تهوي في مرارة لا قاع لها ..
تنهدت و هي تبتعد عن النافذة و تبتسم لوجه المتصلب ..
- غادية نكدية هالأيام .. تحملنيه .. يقولون تأثير الحمل ..بس بينيه و بينك هب بس هذا تأثير الحمل .. طلع له أعراض جانبية ع الغير تعيبك .. عموه شريفة من حملت نست أمي الهندية .
ضحكت بشيء من السخرية ..
- خوفيه تتذكرها أول ما أربي .. الحين الياهل رهينة و قابضة لسانها ..!! مادري شوه من إثم ارتكبته يوم انيه بنت الهندية ..؟؟ يعني الواحد ما يختار أمه و أبوه .. و بعدين حتى لو أميه هنديه .. أصلا أنا ما أذكرها لن فحياتيه ما شفتاا .. تسدنيه أميه مريم .. بس بقولك شي محد يعرفه .. مرات أفكر فيها .. خاطريه أشوفها .. أميه ...!! كيف هاي الأم .. كيف شكلها .. كيف احساسها .. تذكرنيه و الا لا ..؟! أبا أعرف هالأم لي من خلقت و اسميه عالق بها ..
و شخرت بسخرية ..
- بنت الهندية ..!! انزين وينها الهندية .. و بعدين العافية .. هندية و الا سيلانيه .. نحن عباد الله و سواسية .. و الرسول يقول : [لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى] .. كلنا انخلقنا من تراب .. و يوم القيامة الله ما بيحاسبنا على مراكزنا و الا جنسياتنا ..!! بيحاسبنا على أعمالنا .. مادري ليش هالتفرقة العنصرية .. و الله أنا ما أهتم من حد لو قال لي بنت الهندية .. بس و الله يعورنيه قلبيه .. ينسون كل شي ليه و عليه .. و خلاص ما يخطر ع البال الا بنت الهندية ..!! و الله يا خليفة يا خوية الدنيا هاي صعبة .. و الناس و رمستهم أصعب .. الواحد ما بيتلاحق عمره و يرضيهم .. لازم فيه عيب .. من زمان معاد همونيه بسالفة أمايا .. بس بعض النغزات تييك قوية .. تعور قلبك حتى لو سويت عمرك هب مهتم .. عموه شريفة دوم كانت تنغز ع سالفة الهندية .. هي أصلا ما كانت تبا بكرها حبيبها ياخذ بنت الهندية لي أكيد بتنعاف لو خلاها .. بس هو خذنيه .. ثلاث سنين و أنا عنده ماقد رمسنيه عن أمي أو إنها هندية ..
هزت كتفيها ببساطة ..
- أصلا هب من كثر سوالفنا ... أول يا الله يالله .. نقول كلمتين .. بس الحين أحسن بوايد .. أرمس وياه .. و غدا مزاجه أحسن .. يضحك ..!! و يمزح وياية .. أول ما شوف الا عقدة حياته ما قد تبسم لله صدقة .. بس التغيرات الحين واااايد زينة .. أصلا منصور من خذنيه ما يخلي حد يرمس عن هالسالفة .. ما دري كانه مهتم منيه و الا بس ما يبا حد يلصق الرمسة في أم عياله .. ما يهم .. الحين غير .. وااايد تغير .. و الله أحسن عن قبل بوااايد .. أدري إن الريال لي خبرتك عنه ..
أشارت بيدها ..
- مريض الايدز .. له دخل في تغييره ..أنا متأكدة .. ما أنكر انه تغير من يوم تعرف عليه .. انقلب حاله .. بس بعد ماريده يحتك فيه و يتعلق به واايد ..
مطت شفتيها بعدم رضا ..
- بس منوه لي بيطيع .. منصور متمسك بهالسعيد .. و مادري شوه آخرتاا .. و الله أنا ما أعترض ع الريال .. ما شفت منه شي .. بس هذا مريض .. يعني منصور في خطر ما دام وياه ..!! كيف أخليه يقنع و يقطع علاقته به .. مادري ..!!
نظرت لساعتها ..
- خليفة .. أدري انيه ما طولت عندك .. بس خلنيه أمر ع الباقيين عسب لا خلصت أردلك و أقرا لك الرواية .. ترتوب ..؟!
و ابتسمت ابتسامة أخيرة قبل أن تخرج و تغلق الباب خلفها .. كانت تشعر بسكينة لم تلمسها منذ زمن .. شيء من الراحة يتردد مع أنفاسها .. ينبض به خافقها بهدوء ..
تحركت متوجهة نحو الاستراحة اذ أصبحن يجتمعن هناك كثيرا كلما استطاعت حصة التحرك ليجلسن عند التلفاز قرب المدفأة الكهربائية بدل احتجاز أنفسهن في غرفهن ..
و حالما دلفت الاستراحة علت شفتيها الابتسامة من ذاك المنظر الغريب بعض الشيء ..
كن يجلسن جميعا على الأرض تحت التلفاز المعلق و قد رفعن نظارتهن عليه .. أم حميد المتدثرة ببطانية ثقيلة بدت تزن طنا .. تخفي نصف جسدها الضئيل .. و سهيلة المستلقية على السجادة الأرضية و تضع رأسها في حجر حصة .. فيما استغرقت زكية تسكب الشاي في الأكواب الزجاجية .. و يتصاعد البخار منها ..
للحظات بدا الأمر مثاليا .. صورة لم ترى مثلا لها قط في حياتها ..
شيء مميز لم تتمكن من إمساكه بين أناملها تجاهد فكرا لإيجاد تعبيرا واضحا قد تدركها و هي تشعر بعمق الألفة في هذا المكان ..
لكن بدا أن الكلمات رفضت أن تظلم هذه الصورة الدافئة .. تتيه الأحرف .. أم تنسل هاربة ..
لا عبارة في داخلها قد ترسم حدود مشاعرها و هي تمعن النظر في هذا الوضع ..
ستضل هذه الصورة دائما تحتل مكانا من ذاكرتها ..
لن تمحوها الأيام ..!!!
انتشلها صوت أم حميد الحاد تقول من تحت البطانية الثقيلة ..
- يا الله تبلاهم .. يعلهم العوووق و ما يبرون .. هاييل ربج يباهم تحادون ع بعض .. يعلهم شورهم هب عندهم .. تفاقدوا عيال ابليس ..
هزت رأسها و طرقت بخفة على الباب ..
- السلام عليكم ..
التفتت الرؤوس جميعها لأحلام ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
ثم صاحت أم حميد تزيح جزءا من البطانية ..
- قربي يا أحلام من البرد .. هب زين لج ..
أشارت أحلام للعباءة الثقيلة التي ترتديها على ملابسها و لا تخلعها إطلاقا ..
- لا يام حميد .. خليج انتي تتدفين أنا ما أحس بالبرد من العباة ..
تذمرت العجوز بحدة ..
- أنا آنسه في عظاميه .. كسرنا .. لو حاطيلنا كوار هب أخيرلنا ..؟؟
ابتسمت حصة بهدوء فيما استمرت سهيلة تراقب الشاشة التي تراصت عليها الصور المختلفة و كانت تعرض عليها الأخبار .. و زكية تتساءل بفضول ..
- هو ايه الكوار يام حميد ..
نفخت أم حميد بضيق ..
- وشوله تتنشدين بعد بتييبينه ..؟؟
ابتسمت زكية بصبر ..
- آآه لو أأدر مش حأصر .. - ثم التفتت لأحلام - شاي يا مدام ..؟
أومأت أحلام برأسها و هي تبتسم لوسع صدر هذه المرأة .. فيما سألت أم حميد حصة مجددا ..
- بلاها أمريكا عليهم يا حصة ..
حصة بهدوء ..
- بلاج تدعين عليهم و انتي ما تدرين شوه سالفتهم ..؟
صاحت أم حميد بشيء من الحماس ..
- هاييلا الكفار الله يغربلهم .. ندعي عليهم و لو قاموا بنا ...
قالت حصة ..
- أمريكا تبا ايران تصكر المفاعل النووي لي هي فاتحتنه ..
كان واضحا أن أم حميد لم تفهم شيئا .. فقد عقدت جبينها ..
- و شوه النووي هذا ..؟
- بو شهر ..
- منوه بو شهر ..؟؟
تجيبها حصة بصبر ..
- هذا المفاعل يام حميد .. يسوي كيماويات بتسمم العرب و أمريكا تبا ايران تبنده .. لو تتسرب الكيماويات بتقتل الخلق ..
- ما حيدها أمريكا تحب الخير .. يعلهم كيماوي يفتك عليهم و ينفدهم يميع .. غير زين تسوي فيهم .. عيل تبالنا الشين ايران لا بركتن فيها ..
هزت حصة رأسها بعدم رضا .. و أحلام تلتزم الصمت و ابتسامة .. مناقشة سياسية فريدة من نوعها ..!!
- و الله أمريكا ما تباها تبنده لسواد عيونا .. بس ما تبا ايران تتحداها في النووي تراها أمريكا أخس عن ايران عندها نووي زاهب .. و ايران حليلها بعدها تصنّع ..
- حلهم حلول .. تصنع و الا بعدها .. ايران عدوة يعلها خراب و تستحق لي اييها من الكفار ..
ذهلن جميعا من هذا الكلام .. اتسعت عينا حصة بصدمة ..
- استغفري ربج يام حميد .. شوه هالرمسة ..
- شوه بعد .. سمعتينيه .. هاييلا محتلين جزرنا .. معتدين عليناا ..و تبينيه أدعيلهم ..؟!
قالت زكية باستياء حقيقي ..
- يام حميد دول الحكومة اللي محتلينها الشعب مالوا و مال خراب بيوتهم ..؟؟
نظرت أم حميد بشراسة لزكية ..
- [ البحر له ناس لفيحة تعرف التوح من اليره هب كل من تاح سريحة قال هذا خيط بايره ] .. صخي انتي ما تعرفين التوح من اليره ..
و لكن حصة قاطعتها بصرامة ..
- صادقة زكية يأم حميد .. ايران دولة اسلامية و شعبها مسلم .. ما يخص الشعب في لي تسويه الحكومة .. لا تدعين ع المسلمين ما يوز يا وخيتي .. تئثمين ..
ظلت أم حميد تشيح بوجهه .. قبل أن تتابع حصة بقوة ..
- و بعدين ما خلا الحريم أكثر أهل النار الا ألسنتهن .. كل كلمة تتحاسبين عليها .. خفي شوي يا الغالية .. حلي لسانك تلقى الناس خلانك .. و الا شرايج ..
تذمرت أم حميد كطفلة وبّخت للتو ..
- عنبوووه يا حصة .. و أنا ثرنيه شوه قلت .. عسب تحاسبينيه .. الواحد ما يحكم قلبه ..
- هيه بس يحكم عقله و جوارحه .. احكمي لسانج ..
كانت المناقشة السياسية انقلبت بطريقة ما .. إلى محاضرة أخلاقية ..
ارتشفت أحلام الشاي الساخن ببطء و هي تشعر بحرارته تنتشر في حلقها .. فتدفئها ..
لم تكن تنصت للمفاوضات الحادة .. فأم حميد ستتدبر أمرها جيدا بطريقة ما ..!!
متأكدة من أنها لن تستغني عن درعها الواقي و كلماتها الشائكة تلك ..!!
ما هزها بقوة هو تلك العظيمة ..
تلك المرأة أُحتجز إبنها على يد أولئك التي تدافع عنهم ..
ما زال مسمى [ إخوتنا المسلمين ] يلامس شغاف فؤادها لتهب بحمية و غيره ..
ما زال رابط الإسلام ..
الدين ..
المعتقدات تعني شيئا ..
تعني لها أننا إخوة ..
لا تهتم بما تتفق أو تختلف عليه السياسات ..
لا تبالي بأهداف قد تتخذ مفترق طرق ..
ما زال هناك إيمان ينبض به خافقها يجعل معاناة إخوتنا في جميع أنحاء العالم يحرق أحاسيسها حسرة ..
فيما أصبح منظر أشلاءهم مجرد صورة مثيرة للاشمئزاز تعرض في أخبار التاسعة لدى الغير ..!!

* * * * *

استرخت موزة في مقعدها بهدوء و هي تبتسم في وجه صديقتها ..
- و الله مرتاااااحة غزول .. سالفة حمدان و أحلام كانت هم ع صدريه .. بس الحمد الله يوم تراضوا ..
ردت غزيل ابتسامتها ..
- باين عليج الراحة .. دوووم فديتج ..
استمرت موزة في الابتسام .. في الحقيقة لم يكن هذا هو السبب الوحيد لإحساسها بالراحة .. إنما تلك الثقة التي بدأت تسري في نفسها ..
عرض الزواج الذي تقدم به شقيق صديقتها أشعرها بأنها ما زالت مرغوبة ..
ما زال هناك من هو مستعد لاستقبالها مجددا في مجتمع كان قد لفظها لوقت طويل ..
شيء أرضى فيها نزعة أنثى دفينة شعرت لفترة طويلة أنها مهملة ..
ما زال هناك من يخطب ودها .. ينتظر أن تجيبه بالموافقة لتقتحم الحياة تلك من جديد ..
و لكن هل هي حقا مستعدة لفعل ذلك مجددا ..؟!
- غريبة ميلستنا في الكوفي اليوم ..
انتزعها من أفكارها صوت غزيل فاسترخت في جلستها و هي تقول ..
- هب انتي لي قلتي اني لازم أواجه أي حد يوقف في دربي ..؟! .. أنا الحين أتحدا نفسي ..
- صح و ع فكرة عيبتينيه في ملكة لطووووف .. حسيتج واثقة و حلوة حركتج يوم سلمتي على أم عبدالله .. شفتي خواته و خص هالسلامة قافطات .. أحسج بينتي لهن إنج أخير عنهن ..
هز موزة رأسها بشرود ..
- أم عبدالله ما سوت بي شي .. و السلام عليها واجب ..
ثم استطردت بثقة لم تعد غزيل ترى لمعانها في عينيها كثيرا في الآونة الأخيرة ..
- بعدين خواته أنا ما حفلتهن و لا امتحنت من رمستهن .. يقولن لي يقولنه .. و الا شرايج ..؟!
أطلقت غزيل ضحكة اعجاب قصيرة ..
- رايي إنها هاي موزان لي كنت أعرفها قبل لا تعرس ..
غمزت موزة و هي تقول برقة ..
- أعيبج أنا أحيانا أغدي قوية .. المهم .. قهوينا يختي ..
- فالج طيب .. بس قبل لا أقهويج ..
عقدت أصابعها على الطاولة و هي تقول بوضوح ..
- اممم.. ما خبرتينيه .. فكرتي في الموضوع لي مرمستنج فيه ..؟!
ضيقت موزة عينيها الجميلتين و هي تتمنعن في وجه صديقتها ..
- هيه ..
بدت اللهفة على وجهها و هي تهتف ..
- انزين ..؟!
عقدت موزة جبينها ..
- اممم .. غزيل مهما كان ردي بنتم ربيعات صح ..؟
أصبحت الخيبة الآن ما تستحل وجهها .. و هي تقول ..
- و لا يكون عندج شك ..
سحبت موزة نفسا عميقا و قد ارتاحت ..
- خلاص عيل ..
عينا غزيل متعلقة في وجهها و هي تنتظر ..!! و حين طال سكوتها ..
- شوه يعني ..؟!
- يعني خلاص ..
شعرت غزيل بأن موزة تكتم ضحكة .. فقالت بغل ..
- خلاص شوه ....؟؟؟
- خلاص انتهت السالفة ..
تملك غزيل الغيظ .. و هي تشير لحقيبة يدها ..
- بترمسين عدل و الا فلعتج بالشنطة ..
أشارت موزة بيدها ..
- خيبة .. خلاص .. خلاص ..
الآن أصبحت تنفث لهبا ..
- شوه خلاصة بعد ..؟!
ابتسمت موزة بخجل و هي تسدل أهدابها ..
- اذا خوج مستعد يرقبنيه الين ما أتخرج أنا ما عنديه خلاف ..
ضحكت غزيل بحبور و هي تقول ..
- عيل قهوتج اليوم شربات ..


* * * * *

توقفت سيارته أما باب مبنى المستشفى مباشرة .. لينزل ساجد مسرعا يقوم بتقريب كرسيه المتحرك من الباب الذي سينزل منه .. لينقل جسده على الكرسي بمساعدته .. ثم عاد ساجد ليلتقط لفافة الورق البني الكبيرة ليتناولها هو و يضعها في حجره .. ابتسم بهدوء و هو يفكر بأنها لن تعلم لمن التقطت هذه الورود من الحديقة ..!!
واثق بأن هذه الورود ستسعده .. ففي روحه ن الشفافية ما يجعله متأكدا من أنه سيعشق إحساس عبقها الملموس ..
أشار له بيده سامحا له بالذهاب فقد اعتاد أن يصعد إلى هناك لوحده ..
كان الجو باردا .. و الشتاء يلفح وجوههم بأنفاسه زمهريرا .. رغم أطرافه المنتعش إلا أن قلبه الدافئ كان يخفق ببطء شديد .. و الهواء المتجمد الذي تسلل لرئتيه لا يؤثر على سكينة خافقه .. شد معطفه الثقيل حول جسده و دفع كرسيه متوجها نحو المدخل الرئيسي للمستشفى ..
نظر للسماء الصافية .. رغم البرد القارص لم تكن تبشر بنزول المطر ..
.
.
.
.
.
.
لفه دفء المكان حالما تجاوز الباب الرئيسي .. و توجه نحو المصاعد في الجانب الأيمن من الردهة .. لا يدري لما كان يشعر بشيء من خفة الإحساس .. الأيام الأخيرة كانت بمثابة حلم تحقق .. هدوء حقيقي افتقده منذ سنين عاد ليغشا حياته و سكينة ألفتها نفسه .. شعر و كأن هذه الأيام مسروقة من الماضي الذي ولى ..!!
كانت هي سعيدة للغاية بعودة العلاقات بينها و بين أخيها .. و سعيد هو كذلك لسعادتها .. شعور غريب يراوده كل ما فكر بأنه يهتم بها .. و يراعيها .. يبحث عن البهجة ليجمعها بين راحتيه و ينثرها في حجرها ..
شيء يشبه القوة تتوهج في داخله و هو يفكر بأنه لا زال قادرا على تقديم الكثير .. لها .. و لغيرها .. كم هو رائع بأن نتعلم العطاء .. نتقن تبادله .. و لا نتمرس الأخذ بلا مقابل .. لأن ذلك سيجعل الجشع هو ما يغزو أرواحنا ..
و هو الآن يعطيها .. ربما لا تعلم حقا ما فعل .. و لكن ذلك يزيد شعور الراحة في داخله .. لأنه الآن واثق من أنه فعل ذلك من أجلها .. لا يهمه إن كانت تدرك ذلك أو كانت تعلم أنه هو من وراء لين أخيها ذاك .. يكفيه الشعور الخفي الذي يملأ صدره ..
شعور مميز يراودنا كلما فعلنا شيئا جميلا في الخفاء نتأكد بأن نيتنا لم تكن التباهي به .. أو البحث عن مقابل لفعلنا ذاك .. بل كل ما أردناه هو بث الفرحة في قلوب الغير فيما نجلس نحن في المقاعد الخلفية تحت الظل لا تتضح ملامح إحساننا ..
كم هو نبيل ذاك الشعور ..!!
.
.
ضم لفافة الورد لصدره ثم دفع كرسيه ليستقل المصعد الذي كان مأهولا من قبل رجل و طفلته التي كانت تختفي في معطفها الوثير .. ابتسم لها بهدوء .. فانسدت خلف أبيها بخجل ..
عجبا ....!!
يستطيع أن يبتسم الآن في وجوه الآخرين و إن كان يجهل من هم .. بعدما كان يجد صعوبة شديدة في تبادل الكلمات مع زوجته ..!
فتح باب المصعد حال وصوله للطابق الأول ليدفع كرسيه خرجا منه .. متوجها لقسم الحجر الصحي ..
لا يدري بسر لهفته تلك و هو يزيد نم سرعة عجلات كرسيه .. كان قد رآه يوم الخميس و قد اعتاد أن لا يأتي في إجازة آخر الأسبوع ..
هل أنهى قراءة روايته يا ترى ..؟!
هل أعجبته ..؟! كما هو واثق بأن هذه الورود الصغيرة ستفعل ..؟!
لا يدري لما كان متلهفا لأن يعلم .. شعر بأنه سكب من الإحساس بين كلمات ذاك الكتاب ما أراد أن يقرأه الأمل في روح سعيد ..
اجتاز باب القسم محييا ضابط الأمن الذي اعتاد دوما على رؤيته و السماح له بالدخول ..توجه للغرفة مباشرة و حين وصل للباب الموارب .. ابتسم و هو يرفع اللفافة بين يديه و يدفع الباب بكوعه ..
- السلام عليكم ..
و رددت الجدران الصامتة الباردة صوته العميق ..
يجيل بصره في الحجرة الخاوية ..
ملاءة السرير البيضاء مرتبة .. و قد انقشع ستار العازل من حولها ..
و نوافذها المفتوحة راحت تسرب الصقيع لينتشر ببطء في أنحاء الغرفة ..
يلامس أطرافه .. يجمد أوصاله ..
كره ذاك الشعور الخبيث بالبرودة الذي يسري على طول عاموده الفقري و هو يراها خالية على عروشها ..!
أين هو ..؟؟
أعاد اللفافة لحجره ثم تراجع بسرعة خارجا من الغرفة ..
تبخر إحساسه الحلو الذي سكنه روحه منذ لحظات ليجتاحه الخوف و القلق .. هل ساءت حالته لينقل من هذه الغرفة .. أم أنها مجرد فحوصات عادية ..!!
.
.
خــــــيرا ..
اللهــــــــــم إجعلـــــــــــه خـــــــــيرا ..
.
.
توقف أمام مكتب استقبال القسم و هو يلهث اثر الجهد الذي بذله ..
التفت الممرض له باستفهام ..
فيما ظل هو جامدا .. أنفاسه تتردد .. و ضربات خافقه تتعالى .. كان يلهث و عرق بارد يتفصد من جبينه المتجمد ..
يستمر في النظر للرجل الواقف .. و كأنما يسأله أن يجيبه ..
و لكن الرجل لم يفهم مطلبه .. واقفا خلف مكتبه ينظر له بهدوء ..
- نعم خوية .. أخدمك بشيء ..؟!
.
.
و ما زالت جرعات الهواء تعب في رئتيه .. و هو متجمد في مكانه ..
الحقيقة أنه كان خائفا من السؤال ...!!!
كان الرعب الشديد يتملكه من أن يستفهم ببساطة عن تفسير تلك الغرفة المهجورة ..
.
.
تتعثر أحرفه .. و هو يشد بقبضته على تلك الورود ..
لا يترفق بها .. !!
- لــو سمحــت المريض سعيد لي كان في الحجرة 9 .. ما لقيته ..!
نظر له الرجل و كأنه متعجب من كل هذا الخوف ..
- لحظة خوية بس أراجع السجل ..
هز منصور رأسه و هو يشعر بحلقه جافا ..
كانت تلك الثواني ثقيلة .. بطيئة ..
تمر و هي تدوس احساسه بلامبالاة .. لا يوجد ما هو أقسى من الانتظار ..
إلا مرارة نتائج الصبر بلا فائدة ترجى ..!!
عقد الرجل جبينه لتنعقد أحاسيس منصور و هو يشعر بالاختناق .. ثم رفع الأول رأسه يقول بوضوح ..
- سعيد محمد حجرة رقم 9 ...؟!
أومأ منصور برأسه موافقا .. لم يجد القدرة في نفسه على الكلام .. انقبض لسانه .. قلبه .. و الكلمات ..!!
هز الرجل رأسه ..
- يقربلك ..؟!
كان صوته خافتا..
- لا ..
هز الرجل كتفيه و هو ينظر للرجل المقعد الذي بدت اللهفة عليخ لسماع ما يحمل ..
- عيل مالي حق إنيه أعطيك أي معلومات عنه ..
شعر منصور بالغضب .. هو يحترق هنا و هذا يرفض اخباره ببساطة ..
- خوية أنا مرخص انيه أزوره .. ما تشوف ليه الحق انك تخبرنيه هو وين ..؟!
نظر الرجل له للحظات طويلة قبل أن يصفق مصراعي السجل و هو يقول بهدوء ..
- المريض عطاك عمره .. متوفي من يومين ..
.
.
.
للحظات ..
توقف الزمن هنا .. و لم تعد للأوقات نهاية أو بداية .. لم يعد هناك أمساً .. أو غد ..
ينظر لوجه الرجل بقوة .. و قد فقد النطق للحظات .. ينتظر منه أن يضحك ممازحا و يخبره أن يمزح و أن عليه العودة ..
ينتظر منه أن يطالبه بالعودة للحجرة في آخر الرواق و سيجده هناك ..
ينتظر منه أن يخبره بأن يتوقف عن هذه الأسئلة السخيفة .. أين يمكن أن يذهب سعيد .. ربما كان في الحمام ..!!
و لكن الرجل لم يضحك ..
لم يكن يمزح ..
.
.
الآن أصبحت أنفاسه تتقطع و ألم مروع يعتصر فؤاده .. شعر بشيء يتمزق بين أضلعه .. و هو يسأل ..
- متوفــــي ..؟!
هز الرجل رأسه بأسف .. فيما ظل منصور جامدا لا يتحرك ..
شعر بأن لحظة أمل تحتضر حزنا أمام عينيه .. ظمأً .. و لا يملك دمعة ليرويها ..
كان الألم فضيعا .. فضيعا للغاية ..
.
.
صمتــــــــا .. صمتــــــــا ..
أصيخـــــــــوا ..!!
أ هــــذا هو همس الورود المفجوعة و هي تتهاوى من بين يديه لترتطم ببطء على أرضيه المكان ..؟!
ذبلت انتظارا ..
و لم يعد لها مكان يحويها برحيل من تقصده ..؟!
أم أنه صوت تهشم الأمـــل الهش تحت وطأة الحزن الرهيب الذي تجرعه صامتا و هو يراها متناثرة على الأرض ..
كقطرات الدم في عينيه المغشيتين .. ضبابية الرؤيا ..
.
.
و من البعيد كان صوت الرجل يسأل بتعاطف ..
- كنت تعرفه ..؟!
صوته يصل لمسامع منصور يخترق الضباب الذي يحيط به .. فيفصله عما حوله ..
ليرسل منصور الرد إليه .. بوجع قاتل .. يهمس بصوت جاهد كي يسمعه أحد وسط نواح روحه // مشاعره الممزقة ..
و دمعة وحيدة .. تفارق مقلته الخاوية .. راحلة إلى حيث لا عودة .. تشق طريقها بين ما يتنارعه ..
لتهوى من علو ..
تسقط على الأرض .. تنضم لتلك الورد .. قطرات الدماء .. للأمل المحتضر .. لشظايا حلم قديم بعثرت بأسى ..
يهمس بصوت لا يعلم إن كان قد فارق الشفاه .. أم أنه ارتد ليتردد صداه بين الضلوع ..
فيملأ روحه .. بتلك الأحرف ..
- كـــــــــان ربيعــــــــي ..!
.
.
ثم أدار كرسيه خارجا من هذا المكان للأبد .. لم يعد له شيئا هنا ..
لقد رحـــــل ..
رحل سعيد ..
أو الأمـــــــــــــل ..!!
و يدرك جيدا أنه لن يعود .. لن يعود ..!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
[ لرجل ترجم التفاؤل حين لم أعد أفهمه ..
لرجل أتقن رسم ملامح الصبر في أيامي ..
لرجل علمني أن الحزن ليس سوى عجزنا عن خلق الأمل في أرواحنا ..
فنُترك متخبطين في غمرة اليأس بلا هداية ..!!
لرجل كان بعمق أحاسيسي تلك التي لا تروى ..
لصديق ..
كانت مختلفا .. فرحل ..!! ]


* * * * *
تتمة


- روه مستسفا مشان سوي فحوصات ..
هزت أحلام رأسها بهدوء قبل أن تعود لتقول ..
- خلاص سوما لو رد بو ثاني و أنا داخل دوام خبرينيه أوكيه ..
أومأت سوما برأسها ..
- تمام مدام ..
ثم ابتسمت ..
- الحين انتي روح مدير يريد انتي ..
عقدت أحلام جبينها و هي تهب وافقة على قدميها ..
- يباني ..؟!
- أيوا ..
أغلقت أحلام الملف الذي كان أمامها لتقول بسرعة ..
- خلاص أنا بسير ..
خرجت هي و سوما من المكتب و توجهت لوحدها نحو مكتب المدير .. كانت متوترة بعض الشيء و هي تبتهل لأن لا تكون دعوته سببها طلب تقارير منها ..
فهي لم تبدأ بأي أعمال مكتبيه حتى الآن ..!!
توقفت أمام بابه لتمد أناملها و تطرقه بلباقة .. رفع رأسه من أوراقه التي كان غارقا بها .. و هو يصيح ..
- تفضل ..
تقدمت بهدوء و هي تسأله ..
- بو عبد الرحمن .. طلبتنيه ..؟!
ابتسم بهدوء و هو يقول بصوته القوي ..
- هيه تفضلي دكتورة ..
جلست أحلام على الكرسي المقابل لمكتبه لتنظر اليه باهتمام .. أما هو فأعاد نظره لوريقاته الأثير و هو يقول ..
- دكتورة بغيت أرمسج في الموضوع لي انتي فتحتيه ويايه ن كم يوم ..
اعتصرت أحلام مخها بلهفة .. و هي تفكر .. أي موضوع يا ترى ..؟! ثم فجأة لمعت عيناها ..
- موضوع المدرس مال سهيلة ..
أومأ برأسه و هو يجيب بهدوء ..
- هيه .. أنا قدمت طلب ع الموضوع .. و اليوم الصبح ردو عليه ..
لم تكن بحاجة لأن تسأله فالابتسامة المرتاحة على ثغره أكدت لها بأن كل شيء على ما يرام ..
- وافقوا ..؟!
- هيه ..
كادت أحلام أن تقفز فرحة لتتراقص بسعادة ..
- الله يبشرك بالخير يا بو عبد الرحمن ..
ثم هبت واقفة من مكانها ..
- أنا بسير أبشرها .. اسمحليه ..
هز رأسه و توجهت نحو الباب مسرعة .. ثم أوقفها صوته ..
- دكتورة أحلام ..
التفتت نحوه باستفهام .. ليقف على قدميه و هو يقول بهدوء ..
- أبا أشكرج ع الجهد و المراعاة لي تبذلينها و يا المرضى هنيه .. حماس ما قد شفته من لي سبقنج و إخلاص حقيقي ..
ثم قال بقوة ..
- شرفنيه الشغل وياج يا دكتورة ..
.
.
كانت هذه الكلمات البسيطة بمثابة أكبر إطراء قد تلقته في حياتها كلها من رجل كأبو عبد الرحمن ..
رجل كان من الصدق في تعامله ما لم تره في حياتها قط ..
همست بقوة و هي تشعر بعبرات التأثر تسد حلقها و هي تنظر له بتبجيل و احترام ..
- الشرف ليه يا حضرة المدير ..


* * * * *



تلك الليلة خيم الظلام بصمت مهيب .. ببرودته الشديدة ..
لا يشبه أبدا الفوضى العارمة بين أضلعه ..!!
.
.
.
.
.
خرجت هي من المطبخ تمسح يديها في منشفة و توجهت لغرفة النوم .. أما زال نائما ..؟!
كان أمره غريبا .. !!
رفض تناول الغداء .. و لم يخرج للصالة الرياضية ..
لم يبارح الفراش قط منذ عادت للبيت .. إجاباته المبتورة كانت تفحم أسئلتها عن حاله ..
دفعت باب الغرفة لتجدها خالية .. أين هو ..؟!
المكتب أيضا كان خالي ..!!! عقدت جبيها و القلق يتفاقم داخلها .. توجهت إلى الشرفة الخلفية ..
تنهدت براحة شديدة و هي تراه جالسا .. ينظر للحديقة أمامه مديرا ظهره لها .. الجو قارص البرودة من حولها ..
تعلم جيدا أنه لم يكن طبيعيا أبدا اليوم .. ليس على عادته ..
لم يبدو جافا أو مرحا .. لم يبدو كعادته ..
أو حتى على غير عادته ...!
كان خاليا من الإحساس نوعا ما ..!!
تقدمت ببطء شديد لتجر كرسيا و تضعه قرب كرسيه لتجلس عليه .. لفحتها موجة من الهواء البارد لتضم نفسها تحاول البحث عن الدفء .. في حين ظل هو جامدا بلا حراك ..
نظرت لجانب وجه و هي تهمس ..
- منصـــــور ..!
.
.
لثوانٍ قليلة ظنت أنه لم يسمعها .. و كادت أن تناديه مجددا ..
و لكنه التفت إليها ببطء شديد .. و راح خافقها يضرب بعنف حتى شعرت به يصل لحلقها ..
نظرة لم ترها يوما تسكن في عينيه .. شيء لم تلمسه قبلا في إحساسه ..
رؤية المدائن خربة .. محطمة .. تحترق أسقفها ..
و تنهار جدرانها ..
و يفجع أهلها ..!
نظرة نهاية .. أو حتف ..
تسكن عينيه و هو ينظر لوجهها و كأنه لا يراه ..
تعود لتهمس بخوف و هي تلامس كتفه ..
- منصور ... بلاك ..؟!
ينظر ليدها نظرة خاوية .. لم يجبها ..
حتى أصبح الصمت ثقيلا .. يجثم على أنفاسها .. عادت تلح عليه ..
- منصور رد عليه ..؟!
انتكس رأسه .. فوخز شيء ما قلبها بقوة .. هو ليس على ما يرام إنها متأكدة من ذلك ..

ارادة الحياة 28-05-08 05:44 PM

ثم فجأة ..
أجابها صوته .. مبحوحا .. غريبا عنها .. بدا خارجا من غياهب بئر بلا قرار ..!!
- يوم سويت الحادث .. تحريت إن محد يمكن تييه فوق مصيبتيه .. ناجح و متوفق .. و خلاف حادث ينهي مستقبلي كله .. الياس لي حسيتبه سود الدنيا فعينيه .. حتى كتابة الرواية الأولى و نجاحها .. ما خوز هالاحساس ..!! كنت عايش بروحيه في هالعالم .. محد يدري بالشيء لي كنت أحس به .. كل يوم أموت ألف مرة .. لنيه ماروم أنش على ريوليه و ألبس ادريسي و أروح الدوام ..
ثم خفض صوته ..
- كل شي روح .. كل شي مات ويا الحادث .. حسيت إن ما فيه حد في هالدنيـا حس باللي أحسبه ..! حتى إنتي ..
و نظر اليها بضياع مزق نياط قلبها ..
- حتى انتي نفيتج من حياتيه .. حسيت كل شي ماله طعم .. شوه لي أخس عن هالشي ..؟!
لم تجبه أحلام .. الحقيقة أنها لم ترد بتر هذه اللحظات الخيالية أبدا ..!! لم ترد أن تنهي هذا الحلم المستحيل ..!
لأول مرة في حياته .. كان يشق قلبه ببساطة يقشع الستار عن إحساسه .. يحكي لها كل تلك الأسرار الغابرة .. التي اختبأت زمنا بين طيات روحه المتعبة ..!!
ما الذي دفعه للحديث الآن ..؟ ما الذي أخرجه من صمته السرمدي ذاك ..؟؟؟
و لما هذا الوجع الذي لامس قلبها بأحرفه ..؟
- أنا بخبرج .. لي أخس عن هذا كله إنيه كنت راضي بوضعي .. ما كان عنديه النية انيه أظهر من لي أنا فيه .. كل أيامي كانت متشابهة .. و أحس انيه شوي شوي كنت أطيح فحفرة ..
صمت للحظة .. قبل أن يقول بصوت فارغ ..
- و بعدين تعرفت على سعيد ..!!
عقدت أحلام جبينها و هي تسمع ذاك الاسم .. و لكنها استمرت في الإنصات .. كل ما يقوله هو تدفق مما يشعر ليس عليها أن تقطع سيل الكلمات .. و لو كانت مؤذية ..!
كان يتحدث بصوت غريب .. فارغ ..
- ريال بعده ما طاف الاربع و عشرين .. فعز شبابه .. الحياه قدامه .. يدرس و يتخرج و يشتغل و يعرس و يعيش حياته .. بس هو ما وصل لهالشي ..!! أول خطوة لمستقبله وقفته يوم درى انه مريض .. درى انه محكوم عليه بالموت قريب .. بس ما يلس يتحسر .. ما نفى أحبابه من حوله .. لنهم أصلا ما عطوه الفرصة .. كل واحد منهم شرد .. بس ..... يوم كان يخبرنيه ..
لحظات صمت متقطعه ..
- و يبتسم .. كنه يرمس عن شخص ثاني .. مادري شوه لي حسيتبه في هاييك اللحظة .. فخاطريه أنا ظيعت الثلاث سنين لي راحن ..!! هالريال عمره كله ضاع و هو توه ما بدا و يبتسم لنه يشوف ماشي يستاهل عسب نضيع أيامنا الباقية و نحن نتحسر ع لي راح ..
نظر لوجهها و كأنه يستنجد بها ..
- حسيت عمريه صغير قدامه .. قدام قوته .. و تفاؤله .. صغير بيأسي .. و ضعفي .. هو ما كان يبا شي ..! ما كان يبا من الدنيا غير حد يتقرب منه .. ما كان عنده ربع .. كلهم خلوه عقب ما اكتشف المرض ..!! كنت عاجز .. عاجز .. عاجز عن الوقفة و المشي على ريوليه .. عن العيش بشكل طبيعي شرات ما الناس تعيش .. عاجز ماروم أنفع حد .. ماروم حتى أحلم ..!! بس كل شي تغير يوم تعرفت عليه .. عرفت ان في ايديه انيه أعطيه شي محد بيروم عليه غيري ..
و ابتســــــــم .. كان وجهه شاحبا .. و على ثغره تلك البسمة الساخرة ..
- سعيد كان أغرب شخص لاقيته فحياتيه ..!! و الا فيه حد يضحك و كل دقيقة تمر عليه هي الموت ..؟
صمت للحظات طويلة لتضع يدها على ظهره و تقول بصوت هامس ..
يكاد لا يسمع مع صرير الريح .. و كأنما لا تريد أن تجفل هذه اللحظات تولي هاربة ..
- منصور انته هب عاجز ..! العاجز هو الشخص لي يوقف عند عقبه في حياته و لا يتجاوزها ..
هز رأسه بهدوء ..
- عيل كنت عاجز الين ما تعرفت عليه ..!!!
ثم حملق في وجهها بصمت للحظات طويلة قبل أن يقول بصوت مبحوح و نظرة مشتتة تسكن عينيه ..
- تدرين إنه مرة قال لي إن مشكلتي هي إنيه كاتم شي في داخلي و ماقد ظهرته و انيه لو رمست عنه برتاح ..!! يمكن كان صادق ..!! دوم كان خاطريه أرمس عن لي استوا ليه .. أخبر حد عن الياس لي صابنيه ..
اعتصرت يده بشيء من القوة .. و هي تنظر اليه بتشجيع .. رغم أن الانكسار في صوته آلمها ..
- أنا مرتاح لنيه خبرتج يا أحلام ..
حقا كان هذا كثير عليها .. شعرت بدمعتها و قد أقبلت من بعيد تنشد الخروج .. فلم تقبضها .. إنما تركت لها الحرية لتتدفق بإحساس خرافي زرعه إعترافه ذاك ..! ..
و لكن ما قال بعد ذلك بصوت متألم بعثر مشاعرها ..
- سعيد مات ..!
شعرت بأنها على وشك أن تفقد وعيها و هي تستوعب ما قال للتو ..
مـــــــــات ..!!
كان رأس منصور منتكسا و هو يقول بنبرة خاوية أفزعتها .. بل جمدتها ..
- متوفي من يومين ..!!
لم تجد أحلام أي كلمات تقولها و هي تشعر بيدها تتهاوى من الصدمة ..
- من يومين و أنا ما أدري .. أنا كنت أقرب واحد له في آخر أيامه .. و هو قال إنه ربيعي ..
ثم همس بغرابة ..
- ربيعي ..!! بس مات ..
كان صوتها يرتجف و هي تقول بخفوت و شعور الذنب يقتلها .. ها هو من كانت تسعى لإبعاده عن زوجها قد آثر الرحيل على عالم لم يتسع له ..!!
- فكر يا منصور انه ارتاح لنه فآخر أيامه كان له ربيع .. تحقق حلمه .. كنت انته وياه .. تتحرا انه مات و هو هب مرتاح ..؟! لا .. أكيد كان راضي .. انته تقول انه كان دوم راضي .. هذا أجله و يومه .. و مالك الا انك تدعيله ..
قال منصور بصوت ضعيف ..
- مات و هو بروحه ..
و شعرت أحلام بتلك الأحرف حراب تغرس في صميمها .. همست ..
- الله يرحمه و يغفر له ..
هز منصور رأسه ..
- الله يرحمه و يغفر له ..
شيء ما لم ترتاح له في برود منصور .. أهذا هو الرجل الذي دافع عن صداقة هشة بهشاشة الحياة نفسها ..!! كيف لدرة فعله بأن تكون بهذه البرودة .. لكنه كانت تعلم جيدا .. و تدرك ما الذي يعيشه في هذه اللحظات ..
ألم تتمرس طيلة حياتها في نبش آلام الغير .. كيف لها أن لا تنبش آلامه و هو الأقرب لها ..؟!
نظرت لوجهه المنخفض .. بدا غير منصور في تلك اللحظة ..
شخص آخر لم تره قط .. هزائم على وجهه أربكتها و لكنها قالت بهدوء ..
- منصور .. هب غلطتك إنه توفى بروحه..
أومأ برأسه بألم .. و همس بضعف ..
- أدري ..
.
.
عادت تقول مرة أخرى ..
- هب غلطتك إنه مات بروحه ..
و عاد يهز رأسه ..
.
.
و أعادت الكرة و بصوت حازم هذه المرة ..
- منصور .. هب غلطتك إنه مات بروحة ..
نظر لها بغرابة و هو يعود فيقول ..
- أدري ..
أمسكت بيده بقوة ..
- هب غلطتك ..
أشاح بوجهه عنها الآن .. و هي ترفع صوتها قليلا ..
- هب غلطتك و لا ذنبك ..
حاول سحب يده من قبضتها النحيلة و هو لا ينظر إليها ..
- تسمعنيه يا منصور ..
ارتجف صوته و هو يقول ..
- بس خلاص ..
لكنها أصرت ..
- هب غلطتك ..
كانت الكلمات تترد على مسامعه تقلب مواجعا يدفنها .. فنفض يدها بقوة .. لتهب من مكانها و تقف بجانبه ..
- منصور ..
لازال يشيح بوجهه .. فتناديه مرة أخرى..
- منصور طالعنيه ..
ليلتفت ببطء شديد و كأنما يخشى من أن تلتقى نظرتها بعينيه ..!! تشد بيدها على كتفه لتقول بقوة ..
- سعيد مات و هو بروحه .. و هب ذنبك ..
.
.
و فجأة إنفجر الوضع .. صرخ بحدة و هو يدفع يدها ..
- باااااااااااااااس خلااااااااااااااااص .. صخييييي .. ماريييييييد أسمع شي ..
اندفعت أحلام تحتضنه بقوة .. رأسه مدفون في صدرها و صرخاته المكتومة لا زالت تتعالى و هو يحاول التملص ..
- خوووووووزي .. مارييييد أسمع شيييي ..
و لكن أحلام لا زالت تعتصر بين ذراعيها .. كان قويا للغاية .. هائجا بشدة ..
و للحظات خشية أن يؤذيها أو يؤذي الطفل ..
و لكنه كان متألما .. أرادت أن يخرج ما في داخله ليرتاح ..
- ماااااااارييييييد .. مارييييد .. خوزي عنيه .. ماريد أسمع ..
و بدأ صوته يتقطع .. و شهقاته تتردد لتمتزج مع صرخاته التي بدأت تخبو ..
- مااريد .. بس خلاص .. خـ .. خلاص ..
و أفجعتها شهقاته و صوت الرجولي الأجش ينشج بضعف ..
- خلاااص .. سعيد مات .. مات ..
.
.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تراه في هذه الحالة .. يبكي بصوت متقطع و أنفاسه تكاد تخنقه .. كطفل صغير ظل طريقه ..
انكساره ذاك يحطم فؤادها ..
لم تره حزينا قط كما هو في هذه اللحظات .. و عبراته تغرق ملابسها ..
صوته المخنوق يبكيها .. لتنحدر دمعتها على وجنتيها ..
- مات بروحه .. لو كنت عنده .. و الا تميت وياه .. لو زرته يمكن ..
همست في شعره و هي تضمه أكثر ..
- استغفر ربك يا منصور لو تفتح عمل الشيطان .. كل شي مقدر و مكتوب .. سعيد مات .. و الله يرحمه ..
استمرت شهقاته و هو يتمتم بكلمات لم تفقه منها شيئا .. كان يهذي بأوجاعه .. و انفجاره ذاك سبب فجوة أوصلتها لحدود روحه البعيدة ..!!
.
.
و هي واقفة هناك .. تحتوي آلامه بين ذراعيه .. فيما يبث قبلها شكواه و يروي جفاء ما بين الضلوع بعبراته ..
يتغلغل الدفء فيها رغم تلك البرودة التي تتراقص على مهبها أوراق الشجر ..
و ينير قلبها قبس من الضوء تحت جناح ذاك الليل ..
أرخت أهدابها الأسدال ببطء .. و هي تنعم بسرابية هذه اللحظة المستحيل ..
وهو هنا بعد أن قشع الستار عن آلامه .. ترتشف هي الأحزان معه بلا مرارة ..
على يقين بأنها الآن أقرب من نبضات خافقه الجريح .. أقرب من عباراته التي ينزفها من مقلتيه وجعا ..
أقرب إحساسا كما لم تكن قبلا .. و لن تكون ..
.
.
رغم هذا ..
كان الأمل يعتصر روحها .. فبرحيل ذاك الرجل إنهارت كل قلاع و حصون الجفاء بينهما ..
لم يعد للحواجز و الأسوار مكان ..
طويت المسافات الشاسعة ..
.
.
و بأمنية متأخرة ..
أرادت أن تجده .. تلتقيه للحظات أخير لتشكره .. و تخبره لأي مدى هي ممتنة له ..
كانت هذه هدية وداعية أخيرة منه .. لن تنساها ما ظل خافق نابض في جسدها ..
لقد قاد زوجها الى حيث قضت أوقات طويلة تنتظره ..
أرادت أن تشكره ..
.
.
و لكنه رحل ..
بعد أن حاولت ابعاد حلمه عنه رحل ..!!
و لم تفلح في كتم دمعتها المهرولة تلك ..
ربما تخفف شيئا من حرقتها ..
و حرقته ....!!

* * * * *
●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الأخـــــــــــــــــــــيرة▌○●

.
.
.
.
.
.
.
.
.
أحد ما أخبرني ذات غفوة .. أن الأحلام ليست سوى رغباتنا المستحيلة ..
ننبشها حين السبات .. نعيشها للحظات مسروقة ..
قبل أن يطويها الصباح ..
لذلك هي دوما بعيدة عن متناول التحقيق ..
.
.
ولكن في داخلي لا زالت تعيش طفلة تؤمن أبدا بأن الأحلام تصبح حقيقة مع كل نهاية ..
حتى و إن لم تكن هذه النهاية إحداها ..!!
.
.
.
.
.
.
.
عجيب حقا أمر الأوقات الجميلة ..
أي لحظات نتذوقها بحلاوة .. تمضي بسرعة خرافية ..
تنسل تلك الأيام الرائعة بهدوء .. تغافلنا ..
فلا ندركها إلا بعد الرحيل ..
.
.
.
بعــــــــــــــد مـــــــــــــرور شهريـــــــــــــن


بدا وجهه جامدا تماما غير متأثر بما يقولون أو يعرضون عليه .. فيما لاحت الجدية الشديدة و الغضب على وجه أمه لعدم مبالاته ..
- بلاها ميثاا .. شيخة البنات و محد أخير عنهاا .. غرشوب و ذربة .. و بنت عمك ..
تململ قليلا في جلسته ..
- ميثا ما يعيبها شي ..بس أنا ما ريد أعرس الحين .. و بعدين ميثاا صغيرة عليه ..
قالت أمه في غل ..
- لا هب صغيرة ميثا .. أكبر عن لطفين .. غير انته شيبت .. متى تبا تعرس ان شا الله .. قلت بتيوز خواتك أول .. و هاي لطوف عرسها في الصيف و موزان بتملك أول ما تتخرج .. امنوه ترقب .. رشود ..؟! بتبطي عيل ما عرست ..
اتسعت عينا راشد ..
- شوه رشود الله يهداج يا أميه .. ياهل قدامج .. و بعدين منوه قال بيبطي .. أنا العروس خلاص تخيرتاا و أول ما أتخرج بخطبها .. - ثم التفت لأخته - و الغالية هي لي متخيرتلي اياها .. صح حلوم ..
عقدت أحلام جبينها ..
- حلوم فعينك .. لا هب صح .. خلفتك و نسيتك .. رح يا بوية خل أمك تخطب لك .. بعدين ما حيدنيه تخيرتلك ..؟؟
نظر لها راشد شزرا ..
- شوه بديناا الخيانات .. و سوما ..؟!
لمع الادراك في عينيها قبل أن تبتسم بخبث .. فيما نهرته أمه ..
- راشد صخ شوي .. - ثم التفتت لأخيه الكبير - حمدان يا بوية .. أباك تعرس .. و أشوف عيالك قبل لا أموت ..
همس راشد لأحلام ..
- حركات افلام .. هالعيايز شغلتهن الابتزاز العاطفي .. - ثم راح يخفض صوته أكثر و هو يقلد صوت أمه - آآه .. ريل في القاع و ريل في القبر .. بااا موووت .. عرسوو و الا بااموووت ..
ثم لكم راحت يده ..
- أأخخخ .. و نحن الشباب ضحاياهن ..
أغمضت أحلام عيناها بهدوء .. لا يمكنها أن تتصور حقا من هو أثقل دما من أخيها الأصغر ..
- راشد فديتك .. بروحه الياهل مثقل عليه .. لا تزيدنيه بنظرياتك ..
نظر لها بطرف عينه و هو يقول بلهجة مسرحية ..
- هب منج .. من لي يعطي الدرامات ويه ويعبر عن أفكاره عندها .. أظهر للشباب أخيرليه ..
ثم مط شفتيه بامتعاض أطفال و هو يصفق بيديه ثم يدفعها في وجه أحلام ..
- ماااااااالت ..
كتمت أحلام ضحكتها و هي تنظر اليه بغل .. و خرج و هو يترنم بأغنية مزعجة .. التفتت لزوجة أبيها و أخيها الكبير الذي بدا الضجر الشديد على وجهه فيما استمرت الأولى بالإلحاح ..
سحبت أحلام نفسها بهدوء دون أن يلاحظا .. و توجهت نحو الأعلى .. كان صعود الدرج شاقا بعض الشيء ..
وقفت عند رأسه لتلتقط أنفاسها للحظات قبل أن تتسلل لأذنها أصوات انسلت من الغرفة القريبة لتبتسم بهدوء .. و تتوجه نحوها ..
تنقر على الباب بخفة لتنقطع الأصوات لثوان .. ثم صوت لطيفة الحــــاد ..
- ادخــــــل ..
دفعت الباب و أنفاسها ما زالت متسارعة من جهد صعودها الدرج .. لتقفز موزة من على السرير و هو ترحب بها بحنان ..
- أحــــــلااااام .. فدييييييييتج .. متى ييتي ..؟!
سلمت عليها أحلام بتعب ..
- من ساعة يا مسودات الويه و أنا يالسة تحت .. انتن دوم مرابطات في حجركن ..؟ منوه ييلس ويا أمايا ..؟
تركت لطيفة فرشاة ألوانها التي كانت تلطخ بها لوحة .. ثم اقتربت من أختها الكبرى تضمها بقوة ..
- يا الخاااااااامة .. تولهت علييييييييج ..
ثم ابتعدت عنها قليلا ..
- شوه واصلة من مراثون ..
رمت أحلام نفسها على الكرسي و هي لا زالت تلهث ..
- يختي كسرنيه الدري .. تعرفين نحن قسمنا تحت هب ضاريه ع الدري..
مدت رجليها بتعب .. فراحت موزة تدلكها بلطف .. قبل أن تسأل لطيفة بارهاق ..
- شوه يالسة تشخبطين ..؟؟
عادت لطيفة تمعن النظر في لوحتها ..
- هاي لوحة أباها هدية لوحدة من ربيعاتيه ..
نظرت موزة لأحلام تغمز لها و هي تقول ..
- لوحدة من ربيعاتج و الا لواحد من عيال عمج ..
احمر وجه لطيفة و هي تقول بغيظ ..
- لو لواحد من عيال عمي بقول .. ما بستحي ..
تبادلت أحلام و موزة ابتسامة مكر .. يستمتعن دوما بمضايقتها ..!!

* * * * *
.
.
.
.
و من أطراف السماء انبثقت سهام الضوء تنتهك حرمات الليل ..
تنحر الظلام على حدود الكون بوحشية ..
لتسيّل دمه قطرات وردية دامية تغرق الأفق ..
رغم هذا ما زالت خيوط النور تنتشر ببطء .. لتضيء كل ما هو حولها ..
تحمل معها التفــاؤل .. الأمــل ..
.
.
كان هذا فجرا جديدا ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
تلتقط حقيبة يدها و مفتاح السيارة و غطاء رأسها ..
تلقي نظرة أخيرة على انعكاس صورتها في المرآة .. تمعن النظر في عينيها ..
جيد .. تخلو من بقايا كحل البارحة ..
تخرج من غرفة النوم بسرعة .. قرعات كعب حذائها تتردد على الأرضية الرخامية ..
تتجاهل المكتب .. و الصالة . و هي واثقة بأنها خالية ..
تقودها الخطوات مباشرة نحو الشرفة الخلفية ..
توقفت بهدوء عند بابها المفتوح حين وقعت عيناها عليه جالسا في كرسيه باسترخاء و هو يحتسي قهوته الصباحية ..
ينظر للأمام مباشرة .. و هو غارق في هدوء المكان ينصت لصوت حفيف أوراق الشجر ..
و كأنما شعر بوجودها يرفع عينيه إلى حيث تقف .. ثم ابتسم بخفة ..
شعرت بقلبها ينتفض .. و نبضات خافقها تتسارع .. هذا الرجل يمتلك إحساسها ..!!
يأسرها .. كيف يفعل ذلك ..؟!
تقدمت بهدوء لتجلس على الكرسي بجانبه .. و هي ترد ابتسامته بهمس ..
- صباح الخير ..
- صباح النور ..
لوهلة يحملق في عينيها اللامعتين .. ثم يعود يرتشف القهوة ببطء و هو يستنشق هواء الفجر الربيعي المنعش .. فيما التقطت هي قطعة خبز تدهنها بالجبنة .. و تقضمها بعجل .. يغرقان في هدوء مريح لا يشبه صمتا متوتر كانا يعتكفانه في الدهر المدبر ..!
تلوك لقمتها بسرعة .. فلم يعد لها سوى أسبوعين تقضيهما في العمل .. لا رغبة لديها أبدا في أن تسمح للحظة واحدة ثمينة بأن تنسل هاربة من بين أناملها ..
دون أن تعيشها و تغرق في جو ذاك المكان و إحساسه المختلف ..
ستة أشهر و نيف مرت عليها منذ أول مرة ساقتها الأقدار إلى هناك ..
ستة أشهر ..!!!
مرت سريعة حقا .. كلمح البصر .. كالحلم ..
ستة أشهر قلبت مجرى حياتها .. و المنحنى المرسوم لها ..
استعادت في داخلها مكانها القديم .. أين كانت قبل هذا الوقت ..؟!
كانت بعيدة ..
مرمية في بقعة من النسيان لم تصل إليها الذاكرة ..!!
و لكن الآن كل شيء تغير ..
تغيرت روحها .. و إحساسها ..
و الأحلام ..
حتى مشاعر من حولها .. أحقا كل شيء تغير أم أنها هي من اختلفت نظرتها للأمور ..!!
لا يهم ..
هي هنا الآن .. بقلب جديد .. و حياة جديدة ..
و يوم جديد ..
اخفض ناظرها بهدوء و هي تعب الهواء ذو الرائحة الباردة .. لتثمل رئتها بعبقه ..
و بهجة خفية .. مجهولة تسري في عروقها لتصل لقلبها المنتشي ..
قبل أشهر لم يكن لتلك الأسماء وجود في حياتها .. أو معنى قد ترسمه ..
لكن الآن .. تجزم بأنهم علموها ما لن تقضي عمرها بأكمله و تفلح في فهمه ..
غريب جدا هذا التحول.. اقتراب رحيلها من تلك الدار يعيدها لأيامها السابقة .. فتحاول جاهدة العودة للوراء ..
تفكر قليلا ..
تريد استرجاع إحساسها الذي كان يراودها ذاك الصباح و هي تجلس هنا ..
تريد أن يحتوي ذاك الشعور قلبها مجددا و لو لحظات ..!
رغبة ماسوشية غريبة .و لكنها حقا تريد إدراك أبعاد الاختلاف في حياتها الآن ..
ارتسمت بسمة حلوة على ثغرها .. رقيقة ..
و بعيدة .. كالحلـــــم ..!!
لم تكن تعلم قبل تلك الأيام أنها ستصل لإحساسها هذا .. و لا تعلم بعد أيام أين ستجد نفسها ..
لا يهم .. ليس عليها سوى أن تواصل عيش لحظاتها دون أن تحسب ما يمضي منها ..
أو تتوجس من ما هو قادم ..
- شوه لي يظحكج ...؟!
أخفضت رأسها قليلا تنظر لسطح الطاولة .. قبل أن ترفع ناظرها له فتلتقي بعينيه الداكنتين .. و ابتسامتها تلك لا تتزعزع .
- ماشي .. بس أفكر ..!
- في شوه ..؟
أ تبوح له .. تنهدت بهدوء ..
- في الحج .. الله ما كتبلنا نسير هالمرة مع إنا كنا مخططين نسير السنة لي طافت .. تحيد ..؟
لحظات ينظر إليها جيدا قبل أن يشيح بصره للأفق ..
- معوظة .. بنسير السنة الياية يوم بتقومين بالسلامة ..
ثم عاد ينظر لها بابتسامة ..
- أهم شي صحتج ..
نظرت له بحنان .. ما زالت في صراع مر مع هواجسها .. تسعى جاهدة لنفيها ..
فيما يقاوم هو مستميتا أي شك قد يغزو قلبها بأن اهتماما ليس حكرا إلا على الطفل الذي تحمله ..!!
ارتشفت جرعة من كوب العصير قبل أن تسأله باهتمام ..
- بتسير مكان اليوم ..
ثوان مرت قبل أن يحرك فنجان قهوته قليلا ..
- لا بييني ريال ..
- منوه ..؟
كان الغموض يلوح على وجهه ..
- واحد من الربع ..
أومأت برأسها و هي تضع كوب العصير جانبا ..
- أهاا .. انزين ما قلتلي .. شوه الخبر لي قلت بتخبرنيه به أمس ..؟!
قال ببساطة ..
- ببدا أكتب رواية ثانية ..
اتسعت عيناها ثم انعقد حاجبيها ..
- توك مخلص وحدة ..
هو كتفيه ..
- و اذا ..؟
نظرت له باهتمام ..
- ما تحس انك تضغط ع عمرك و أفكارك ..؟ أحس إنك لو تييبهن ورا بعض كذيه يمكن ما تطلع على مستوا الأولى و الثانية ..! خذ لك بريك فترة .. جدد أفكارك و ريح عقلك و قدراتك .. و عقب فترة لو حسيت انك تبا تكتب اكتب ..
يصمت للحظات ثم يرفع عينيه لها ليقول بقوة ..
- أحس انيه أبا أكتب الحين ..في شي فداخلي أبا أظهره .. و لو حطيت مسودة الرواية ع الأقل ..
نظرت لعينيه التي تألق الإصرار فيها .. ماذا تريد أكثر من حماسه هذا .. يرضيها جدا خروجه من دائرة البرود ..
- خلاص على راحتك .. أنا بسير الحين .. شي فخاطرك ..؟!
قال بعمق ..
- هيه .. تعالي شوي ..
هبت من مكانها و اقتربت منه و هي تتساءل ..
- شوه ..؟!
أشار لها بيده ..
- انزلي ..
ركعت على ركبتها لتصل إلى مستوى وجهه .. فاحتضن وجهها بكفيه .. ليسري دفئها على جانب وجهها ..
أحنى رأسها يطبع قبلة رقيقة على جبينها .. لتتقطع أنفاسها ..
و يهمس هو بصوت تغلغل في روحها ..
- تحملي على عمرج ..
أسدلت أهدابها ببط و أومأت برأسها عاجزة عن الكلام ..
التقطت حقيبة يدها و هي تخنق دمعة حمقاء كادت تخر على الأرض .. تختلف هذه الصورة المثالية تمام الاختلاف عن لوحة مشوهة كانت تعيش في إطارها سابقا ..
انقبض قلبها و هي تنظر لوجهه للحظة ساكنة .. تحب هذا الوضع كثيرا .. اعتادت على محادثته ..
لم تزل الغشاوة بينهما تماما .. و لكنها تحتوي في داخلها جزءا من روح حية أصبحت هي ما تطل من وراء عينيه خلاف تلك النظرة الميتة التي اعتادتها بعد الحادث ..
همست و هي تبتسم بحنان ..
- فداعة الله ..
أشار بيده بهدوء .. لا يعلم أي زعزعة أصابت هدوء نفسها ..
- الله يحفظج ..
خرجت متوجهة لسيارتها .. استقلتها بهدوء لتديرها ثم تنطلق لعملها ..
حالما وصلت الشارع العام .. أسندت رأسها بيدها و هي تتأمل الطريق الطويل أمامها ..
سيأتي يوما و لن تعبر هذا الشارع أبدا ..
حياتها تشبه نهاية هذا الطريق .. إذا استمرت في تتبعه لا تعلم أين سيودى بها ..!!
و هذه هي حياتها .. تسابق مضي أيامها بسرعة و لا تدركها ..
فتجد نفسها واقفة في ذاك الطريق الطويل لاهثة .. ما زال أمامها الكثير لتقطعه ..
رغم أنها لا تعلم حقا أين ستحملها الأقدار في نهايته ..
.
.
.
Who can say where the road goes
Where the day flows, only time
And who can say if your love grows
As your heart chose, only time
.
.
.
نفضت تلك الفكرة الواسعة من مخها .. فأشياء كهذه قد تغرق ذهنها في ما لا تعرف كنهه ..
لتجد نفسها قد انحرفت عن مسارها الذي رسمته ..
شيء واحد هي على ثقة منه .. لقد وجدت نفسها .. لقد أدركت ذاتها ..
تعلمت من هي .. و ما يسكن بداخلها ..و أن لها ..
و أن لهــــــا ..!
هكذا عليها دوما أن تشعر بالثقة .. هي هنا .. و على الجميع أن يدركون ذلك .. و يتذكرونه ..
لن تقبل البتة أن تعود لأراضي النسيان تلك مرة أخرى ..
و أولهم هو .. لقد تذوقت قرب روحه .. و أدمنت وجوده إحساسا ..
أحبت أن تجد نفسها معه ..
.
.
.

Who can say when the roads meet
That love might be in your heart
And who can say when the day sleeps
If the night keeps all your heart
.
.
Night keeps all your heart *
.
.
.
تجاوزتِ الكثير أحلام ..
و ما زال أمامكِ أكثر ..
لا عليك سوى التحلي بالصبر و القوة .. لكل طريق نهاية ..
لكل طريق نهاية ..!!
و قد دنوت بشكل ما من نهاية هذا الطريق ..


* * * * *

عيناه لا تفارقان المكان الخالي الذي بارحته منذ لحظات ..
حملت معها شفافية وجودها .. تلك الأحلام تخترق سبات حياته ..
لتعيث فيه إحساسا لا يملك ما قد يرسم حدود وصفه من كلمات ..
سحب نفسا عميقا يروي روحه من رائحة عطرها الخفيف .. أغفل توبيخها لرائحتها السكريّة تلك ..
تنهد بهدوء و أدار كرسيّه خارجا من الشرفة و هو يلقي نظرة سريعة على ساعة يده ..
ما زال يفصله عن الموعد ساعة أو أكثر .. رغم ذلك لا ينكر ذاك الفضول و الحيرة التي تسكنه ..!
لوقت طويل اعتقد أنه لم يعد بينهما ما يتحدثان عنه .. و لكن يبدو أن على خطأ بما أن ذاك ما زال يسعى إليه ..
فهذا لا يعني سوى أنه ما زال في جعبته ما يقوله ..
.
.
ماذا يريد يا ترى ..؟!

* * * * *

توقفت سيارتهم أمام البوابة الرئيسية للجامعة و أختها ما زالت تتذمر ..
- لو ما أبطيتي عليه كان خلصت شغليه في الحين في المعرض .. شوفي الساعة كم الحين ..!! باقي نص ساعة ع المحاضرة بس .. شوه بسوي في النص ساعة .. ؟؟؟؟
تنهدت موزة و هي تنظر لأختها ..
- الحين بتضيع النص ساعة لو يلستي تتحرطمين .. سيري عسب تلحقين ع شي ..
نظرت لها لطيفة بغل قبل أن تسحب حقيبتها و تخرج من السيارة .. و هي ما زالت تطلق عبارات التذمر التي راحت تذوي بابتعادها ..
التقطت موزة كتبها و ترجلت هي الأخرى من السيارة ..
حثت الخطى و هي تنظر لساعتها .. لا يفصلها عن محاضرتها غير عشر دقائق ستكفيها لتصل إلى القاعة ..
نقلت ثقل كتبها ليدها الأخرى ..و خطاها تتعاقب بسرعة ..
.
.
- موزة ...!!
توقفت عن السير لتلتفت لمن تناديها .. ابتسمت في وجه زميلتها في أحد المواد التي تأخذها رغم أنها لا تذكر اسمها ..
اقتربت الفتاة منها ترد ابتسامتها ..
- السلام عليكم ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا ..
صافحتها الفتاة بشيء من الارتباك ..
- شحالج موزة ..؟
- يسرج الحال .. شحالج انتي ..
و احمرت وجنتيها إحراجا فهي لا تتذكر اسم الفتاة ..
- بخير و سهالة .. شوه وراج محاضرة ..؟!
أومأت برأسها ..
- هيه و الله عقب عشر دقايق ..
- أهاا عيل ما بأخرج .. بس أبا دفتر محاضراتج مال الديزايننق .. لو ترومين تعطيني اياه الين عقب باكر ..
ثم نظرت لها بخجل ..
- لو ما ترومين عادي ترا ..
التقطت موزة الدفتر بهدوء ..
- لا أفاا عليج .. عادي و الله .. بس آآ .. ياا ..
- مريم ..
- عاشت الأسامي ..
- عاشت أيامج ..
- مريم ترانيه ما كتبت شي عن المحاضرة الأخيرة .. عادي ..؟!
قالت الفتاة بامتنان ..
- عادي .. ترانيه مقصرة في لي طافن و وحدة من البنات قالت ان ما شي يطوفج ..
- خلاص عيل .. هاذوه الدفتر .. خذي راحتج ..
صافحتها الفتاة مجددا قبل أن تنطلق ..
- ما تقصرين .. أنا بسير الحين ..
لوحت موزة بيدها ..
- برايج الغالية ..
وقفت لثوانٍ تراقب خيالها يختفي بين زحام الدارسات .. و قلبها يخفق بهدوء ..
تضم قبضتها لصدرها و قدماها ترفضان القيام بخطوة واحدة قد تدهس ذاك السكون الذي يغزو روحها ...
فكرة يتيمة تناوش عقلها و هي تستوعبها ببطء ..
لم يعد ذاك الخوف القديم من نظرة الناس يراودها و هي تبتسم لزميلاتها ..
الآن تبتسم بثقة مع إدراكها و لمسها لتلك الحقيقة ..
و تتحرك متوجهة لقاعة المحاضرة ..
.
.
و كأنما لا يريد القدر إمهالها مع تلك الابتسامة الوليدة ..
فسرعان ما تبخرت .. و تسربت الراحة اللحظية تلك من نفسها و هي تجد نفسها في مواجهة رياح الماضي تهب عليها حين غفلة ..
لم تجد الفرصة بعد لسد نوافذ حياتها في وجهها ..
ابتسامة تلك الفتاة الصفراء كانت مقلقة و هي تتقدم منها مع صديقاتها و كأنما لاحظت تجمد موزة و نظرتها المرتبكة ..
تصل لها بسرعة و هي تضم الكتب لصدرها ..
- صباح الخير ..
تنظر لها موزة بتوجس .. إحذري .. سرعان ما ستجدين نفسك في مصيده تحبكها هذه الفتاة الليئمة ..
- صباح النور ..
- شحالج ..؟
ابتلعت موزة ريقها بصعوبة .. و ماذا بعد ..؟
هي لا تجد سببا واحدا يجعل هذه الفتاة تحقد عليها فهي لم تؤذها قط ..!!
إنما هي من تلقت الإساءة منها و من أفراد عائلتها .. أهناك من يحثها على مضايقتها ..؟
أم أنها تستمتع بذلك لرغبة خفية في نفسها ..؟!!
- بخير ..
كانت تجتر الكلمات اجترارا و بصعوبة شعورها بالوحدة و هي تقف في مواجهة هذه الفتاة التي تذكرها ابتسامتها بتكشيرة ذاك الذي ارتبطت به في الزمن الماضي ..
- وينها غزيل عنج ..؟
- في المكتبة ..
إقتربت سلامة منها أكثر و هي تنظر لها بطريقة لم تعجبها ..
- أشوفج مستعيلة .. وراج شي ..؟!
سؤال سخيف .. أو أنه يحمل معنى خبيثا لم تفهمه هي ..
- عنديه محاضرة عقب خمس دقايق ..
فتحت فاهها بسخرية ..
- أهاا .. عيل ما بأخرج .. بس أباج فكلمتين ..
ثم أمسكت موزة من ذراعها .. شعرت موزة بلمستها كريهة فنفضت يدها بسرعة .. تنظر لوجهها و تقول بقوة و صوتها يرتجف ..
- ارمسي شوه عندج ..
نظرت سلامة لصديقاتها بشيء من الاحراج ..
- يمكن ما تبين حد يسمع لي بقوله ..؟
لمست موزة نبرة التهديد في صوتها .. و لكنها لم تبالي لقد صدتها منذ قليل .. و هذا بث شجاعة في روحها لا تنكر ..!
- لي يسمع يسمع أنا عنديه محاضرة.. عندج شي قوليه و الا بسير .. أخرتينيه ..
نظرت لها سلامة و لم يخفى على موزة بريق الدهشة الخفيفة .. هل تظن أنها ستظل للأبد ذاك الأرنب الخائف الذي يدس أذنيه ..!!
مخطئة هي اذا ..!
و لكن تلك الشجاعة خمدت في اللحظة التي رفعت سلامة صوتها كي يسمعن صديقاتها ما كانت تقول .. و لمعة الخبث لا تفارق عينيها ..
- أوكيه على راحتج .. بس بغيت أخبرج إن عرب طيبين يسلمون عليج .. و يقولون لج إنهم إحتمال يردونج ..
شعرت موزة بقدميها ترتعشان .. و الدم يضخ في عروقها بقوة .. و حقد ..
إبتسمت تلك الابتسامة الصفراء .. و هي تستطرد بصوت تأكدت موزة من أن الهدف منه أن تذلها ..
- تعرفين الحين محد يقبّل صوب المطلقات ..
أغمضت عينيها و هي تبتلع ألم هذه الوخزة القوية فيما وقفت تلك تنتظر اجابتها ..
كانت تشعر بشيء من عدم الواقعية و هي تستسيغ تلك الكلمات السامة .. قبل أن ترفع رأسها بشي من الحزم المتزعزع ..
تقابل سحنة تلك التي تلوح باللؤم .. فتقول بنفس الصوت العالي ..
- شوه ما تعرفين إنيه مخطوبة ..!!
الدهشة على وجه سلامة التي خالطت الشك دفعتها لهز تلك الثقة الحقيرة أكثر ..
- و قولي لعربج الله لا يسلمهم .. و حتى لو ما كنت مخطوبة .. أنا ما آخذ فضلة المغربيات ..
ضمت كتبها لصدرها و تجاوزت سلامة المصعوقة ..
تدفع قدميها للأمام بقوة .. و تعشر بجسدها مرتعشا .. الحقيقة أن هذه المواجهة هزتها بقوة ..
و لكن لا تغفل عن تلك النشوة التي تتدفق في شرايينها و هي تترك تلك الحاقدة و سمها النافذ خلف ظهرها و تخترق جموع الفتيات ..
رافعة رأسها .. شامخة .. هي لم تخطئ .. و لا تقل عن كل من يحيط بها من فتيات ..
أساءت الاختيار فقط ..
و وضعها ذلك في مشكلة .. و لكنها تخلصت من تبعات تلك الغلطة ..
هي حرة الآن .. و شريفة ..
و لن تسمح لأحد ما بعد الآن أن يمسها بأذيه .. و بالأخص إن كان طيفا واهيا من الماضي ..
.
.
ابتسامة انتصار تتراقص على شفتيها برقة ..
و هي تلمس قوة في أفكارها لم تعرفها من قبل .. هذه بداية .. و ليس عليها سوى الانطلاق منها ..
ستواجه الكثير من الألم .. الكثير من العقبات ..
و لكن مع الوقت ستجد مكانها .. و ستعرف أين رسمت لها الأقدار خطوط النهاية ..
يجلس على كرسيه و هو ينظر لجهازه بصمت .. تتدافع الخواطر بلهفة ..
تريد أن تنزلق عبر أنامله ..
أن تحتضنها صلفتي كتابه المقبل أن يستشفها إحساس القارئين فيما إذا توارى هو إلى غير عودة ..
ترغب أن تخلد في أرواح كل من قد يرتشف مشاعره عبر كتابته ..
تريد أن تترك بين الأوراق أبدا ..
لا رغبة لديها بأن تظل منسية للأبد في زاوية من قلبه يعلوها الغبار .. و تنتهي بانتهاء صلاحيته ..
مد يده يريد أن يدير الجهاز ..
.
.
- بابا منصور ..!
تجمدت يده في الهواء و هو يلتفت لساجد باستفهام ..
- هدا نفر داخل مزلس .. يريد انتا .. أنا يقرب قهوا ..
أراح يده الممدودة على ذراع كرسيه و هو يومئ برأسه .. خرج ساجد ..
و أخفض هو رأسه بهدوء .. لحظات و سيزول غشاء الغموض هذا الذي لف طلبه الغريب ..
رفع رأسه للباب المفتوح .. قبل أن يدفع عجلات الكرسي بهمة ..
.
.
حالما تجاوزت عجلاته عتبة الباب لداخل المجلس .. وقعت عينيه على ذاك الذي يجلس في أقصى المجلس و رأسه منخفضا .. فرفع صوته العميق كي ينتشله من صمته ..
- السلام عليكم ..
انتفض ليقف على قدميه باحترام ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
ثم اقترب من منصور ليسلم عليه .. دون أن يعلم بذلك الحزن الذي راود منصور و هو ينظر إلى وجهه ..
- حياك بو غنيم استريح ..
جلس سالم على مقعد قريب و قد بدا الارتباك على وجهه و هو يقول ..
- اسمحليه يا بو حمدان يمكن ييتك في وقت غير مناسب ..
ابتسم منصور بهدوء و شيء ما يعتصر قلبه و هو ينظر لوجهه .. ذكرى سعيد ما زالت قريبه ..
- بالحل يا سالم البيت بيتك .. و متى ما بغيت تيي حياك ..
- تسلم ..
ثم رفع نظره لمنصور ..
- أنا ما بطول عليك لنيه لازم أظرب خط وراي دوام .. بس .. آآآ ..
بدا صوته أكثر خفوتا ..
- أنا ييتك أستسمح منك على آخر مرة ييتك فيها .. يوم عقيت هاييك الرمسة ..
رفع رأسه يمد يديه للأمام بشيء من العجز ..
- و الله يا خوية ما قلت لي قلته الا من خوفي ع سعيد ..
و ابتلع ريقه و قد بدا متألما حين تلفظ باسم أخيه الراحل ..
- أدري انيه اتهمتك بانك تستغله .. و ما صدقتك .. بس الحين ياي أستسمح منك .. أنا مرتاح لنه كان عنده ربيع على آخر عمره ..
ثم نظر لمنصور بامتنان حقيقي ..
- يزاك الله خير يا منصور .. هو خلانيه أشوف اهداءك له .. و كان مستانس وااايد عليه .. أنا مادري شوه أقولك .. سعيد كان خوية ما كنت أباله المضرة .. كل شي يمكن ياذيه أبا أبعده عنه .. لنه حساس .. و تحريتك بتودره أول ما تخلص روايتك ..
.
.
.
بعد فيض الكلمات هذه صمت .. ينظر لوجه منصور الجامد .. ينتظر منه اجابة على ما قال ..
لحظات ظن أن منصور لم يكن يستمع لما يقول .. و لكن صوته الرجولي العميق تغلغل داخله و هو يقول بقوة ..
- بالحل يا سالم .. أدري ان لي صار ما صار الا من حرصك عليه .. و أنا ما كان عنديه نية انيه أستغل سعيد ..
تنهد و صورة ابتسامة ذاك الوجه النحيل تراود مخيلته ..
- سعيد كان انسان صادق .. ما يستاهل الكذب و الا اللاستغلال ..
ثم استطرد بابتسامة جانبية مرة ..
- و أنا لو كنت مكانك كان سويت لي انته سويته .. ما عليك يا بو غنيم ما صار الا كل خير ..
بدت الراحة على وجه سالم و هو يقول ..
- تسلم يا بو حمدان ما قصرت و الله على هالكلام الطيب .. ريحتنيه ..
ثم تلفت قليلا قبل أن يهب واقفا ..
- الحين ما عنديه شي أقوله غير مشكور ع كل شي سويته لسعيد .. و أترخص أنا ..
ألح منصور بهدوء ..
- اتقهوا يا ريال ..
ابتسم سالم ..
- مرة ثانية ان شا الله .. اسمحليه ..
- بالحل الله يحفظك ..
و راقبه و هو يخرج من المجلس .. ثم عاد بنظره لمكانه الذي كان يشغله منذ لحظات ..
شيء ما يعتصر فؤاده .. حزن خفي ما زال يدركه كل ما لمس شيئا من ذاك الراحل ..
من أمله .. من دفء مشاعره ..
.
.
فلترقد بسلام يا سعيد ..
احساس اسمك لا زال يسري في أرواح كل من عرفوك ..

* * * * *
تتمة


كانت قد صفت الملفات جانبا .. و قد ضمنتها بالتقارير التي طلبت منها .. أنهت أعمالها المكتبية العالقة التي كانت تؤجلها للنهاية ..
انغمست هنا حتى غدت تكتب بأناملهم .. بكلماتهم ..
بأحلامهم ..
غير آسفة البتة على هذا الوجع الذي يلامس فؤادها كل ما راودتها فكرة رحيلها القريب ..
لقد عاشت هنا .. وجدت الحياة بمذاق آخر .. تخلصت من تبلد إحساسها ذاك ..
لتعرف أن للعيش أبعاد أخرى لا تعني بأنك تمشي على سطح الأرض و تتنفس الهواء و ما زال قلبك يقرع الصدر بانتظام ..
الحياة تعني الكثير ..
تعني أن هناك أماكن نائية في قلب كل حيّ .. لن يعيش بحق حتى يصل إليها ..
عندها يمكنه إذا آن الرحيل عن هذه الدنيا أن يرقد بهدوء تحت أكوام التربة غير متحسرا .. لقد عاش بصدق .. لم يقضي أيام عمره عبثا في يأس .. أو ملل .. أو تيه لا يدل بعده طريقا ..
لقد تذوق ملوحة الدمع .. تذوق حلاوة الضحكة العابثة .. حين تكون ضحكة فقط ..
لا يخالطها مرارة .. أو ألم .. أو إحساسا قد يفسد مذاقها السكري ...
رأى التفاؤل ينبثق من عيون اليائسين .. و سمعه في ونات المتوجعين ..
عرف أن لا حدود لهذا الكون أو لعظمة خالقه ..
تشبث بلحظات حياته قبل أن تتسرب بهدوء كأنفاسه الأخيرة ..
تلك الأماكن النائية ..
في قلب كل واحد منا .. قد تحوي حزنا .. و قد تحتضن فرحة ..
و قد لا تكون سوى مجرد مسكنٍ لحلم منسي .. أغفلته الأيام ..!!
.
.
.
.
.
و في مكانٍ ليس بالبعيد .. أوقفه عجلات كرسيه ..
و عاد ينظر لجهازه الجامد .. بدا ميتا و هو ملقي هنا .. لا تتألق في شاشته تلك العبارات الحية ..
تلك الخواطر المخنوقة .. التي لطالما وجد لها متنفسا عبر كلماته ..
و ببطء شديد مد يده ليديره .. لا يوقفه ساجد هذه المرة .. فلا يتوقع حضور أحد الآن..
.
.
.
.
.
- الكبيرة منهن كبرج يمكن ..
ابتسمت له بحنان .. هذا الحماس الذي تلمع عينيه الغابرتين به يخلق شعورا لا يوصف ..
شيء كلهفة الطفل للحديث عن مغامرته الرهيبة ..
- ليش كم بنت عندها بنت خوك ..؟
- عندها أربع بنات .. ثنتين منهن معرسات .. و ثنتين منهن يدرسن .. العودة عندها ثلاث عيال .. هاتيها .. هاتيها - و أشار الى الدرج الصغير المجاور لسريره – هاتيها الصورة لي بتحصلينها هناك ..
هبت أحلام من مكانها تفتح الدرج لتجد به صورة حديثة للغاية .. التقطتها و هي تتعرف أحد من فيها ..
مدت يدها بالصورة له .. فالتقطها مبتسما .. يمعن النظر في تلك الوجوه الصغيرة الباسمة التي تحتضنها الصورة .. يشير باصبعه المجعدة ..
- تعالي شوفي يا أحلام .. هذا أنا متصور وياهم في العيد ..
ثم ضحك بصوته الصدئ .. و هو يشير على كل واحد من الصغار الذين اصطفوا أمامه في الصورة ..
- هذا هزاع العود منهم فطين ما شا الله عليه .. و هذا خوه تبيعه أحمد امررة ما يخصه فحد .. بزي و دومه لاصق في امه .. و هذا يطولي بعمرج نواف مقلوووووع هالصبي .. ما يقر .. و هذا أصغرهم ..
و أشار للطفل الصغير الجالس بينهم ..
- هذا غانم .. توه يتخطا ..
كان يبتسم بسعادة و هو ينظر لتلك الأوجه الصغيرة الباسمة التي تطالعه ..
و شاركته أحلام هذه الفرحة الخالصة .. لا تنكر حبا خفيا متأصلا في أعماقها لهذا العجوز ..
تحب أحاديثه .. و صفاء إحساسه .. نظرت له بعتاب محب ..
- هيه عيال بنات بنت خوك بتتصور وياهم .. و أنا يوم بصورك تبا مية ربيه حتى دسكاون ما تسويليه .. - ثم أشاحت بوجهها مازحة - خلاص زعلت أنا ..
نظر لها و تجاعيد ما حول مقلتيه تنكمش و هو يهتز ضاحكا ..
- افاا كله و لا زعلج يا بنت عبيد .. تبين الدكساون فالج طيب ..
ضحكت أحلام ..
- لا مابا .. لا ديسكاون و لا دكساون .. خلنيه أصورك بلاش ..
أومأ برأسه موافقا ..
- خلاص غايته .. وينه بو كيمره ..؟!
ابتسمت أحلام بسعادة و هي تدس يدها في جيبها و تخرج هاتفها ..
- هاذوه لحظة شوي ..
و راحت تبحث عن خدمة الكاميرا .. سرعان ما رفعت عينيها عن الهاتف ..
- يا الله يا بو ثاني .. بصورك ..
تجمد في مكانه استعدادا للالتقاط الصور و هو يبتسم .. قبل أن تضغط أحلام باصبعها على زر الالتقاط ..
.
.
و تجمدت الصورة في شاشة هاتفها المحول ..
وجهه المجعد الكالح الذي أضنته السنون .. تتوسطه ابتسامه صادقة ..
حقيقية ..
يطل من خلفها ضرسه المفقود و تتزاحم التجاعيد حول عينيه المخلصتين ..
.
.
.
.
.
مرر راحة يديه على تلك الأزرار المسطحة برقة .. قبل أن يفتح صفحة للكتابة ..
بيضاء نقية تتحداه أن يلطخها بتلك الخواطر التي تراها خلف أفق عينيه متهافتة على الخروج ..
و ها هي أصابعه باندفاع تضرب الأزرار بتعاقب .. و كلمات تنتثر على صفحة الصفاء هذه ..
.
.
أحلام مهملة على رفوف الحياة .. في زحمة أيامنا ..
نغفل عن وجودها ..
فيما تظل هي هناك لسنوات ..
يعلوها الغبار .. و تهترئ ..
و لا تزال تنتظر بأمل ..
ترجوا أن تشرق الشمس على ذاك النهار الذي سنتذكرها فيه ..
تبتهل بقوة أن يكون ذاك اليوم قريبا ..
.
.
أقرب من الرحيل ذاته ..!!
.
.
.
.
.
تقدمت بهدوء في الغرفة ..شعرت بسخافة و هي تكتم صوت تحركاتها و كأنما لا تريد انتشاله مما هو فيه ..
غريب تعلقها بهذا الشاب .. فقد كان أول مخاوفها هنا ..
شيء مس واقعها المر الذي كانت تغرق فيه ببطء .. و لا يغيثها أحد ..
حاله تشبه أخرى تعيشها منذ زمن .. بفرق أن ذاك وجد طريق العودة ..
فيما تاه خليفة في عالمه المجهول الذي لا يعلمون أين هي بقاعه بالضبط ..
جلست على الكرسي بجانبه .. و على خلاف عادته كان مسدلا جفنيه ... نائما ..
لحظات تتأمله .. دنيا بلا مقاييس و لا أبعاد لا يدرك مخلوق أين وصل يا ترى ..
بماذا يشعر ..؟! ما الذي يخالجه ..؟!
أ يشتاق لأحد .. أ يشعر بمن حوله ..؟
أم أن خيوط الاتصال و الإحساس الواهية تقطعت بعجزه ..
كم من يوم جلست على هذا المقعد تسكب أحزانها على شواطئ صمته .. في حدود عمق سكونه ..
يمتصها بهدوء .. أو لا يفعل ..!
لا يهم .. كل ما يهم أنه كان ملجأ لشكواها طوال هذه الأشهر ..
نظرت له بحنان .. يرقد على ملاءته بهدوء .. سيستيقظ و يظل راقدا عليها ..
ثم يعود للنوم و هو راقد عليها ..
أ يلمس إحساسها .. أيصله صوتها ..!
أم أن يضيع في غياهب ظلمة أبدية ..؟!
تغرق عالمه .. فلا يشعر بها .. و لا بنفسه ..!!
.
.
عجبا .. كم تتمنى بإخلاص أن تكون قد آنسته طوال تلك الجلسات ..
حتى و لو باحت بأسرارها .. حتى و لو كان حديثها مجرد أحزانٍ تخز فؤادها كالشوك فتبعثرها هنا ..
حتى و لو نغزته إحداها و أدمت روحه ..
كان هذا ليكون أفضل من الوحدة .. أكثر بكثير من ذاك الشعور اليائس بالضياع ..
بالحيرة .. حين لا تعرف حقا من أنت ..؟! و من هم هؤلاء الغرباء الذين يحيطون بك ..
فيما أنت عاجز حتى عن السؤال ..!!
.
.
.
.
.
و ما زالت أنامله تتقافز على أزرار لوحة المفاتيح .. و خطوط من الهام ترتسم أمام عينه ..
و هو يبث توارد مشاعره ..
.
.
أحلام كسيره .. عاجزة ..
تعجز عن المواصلة .. المتابعة ..
لا تجد من يضمدها .. من يعتني بها ..
عاجزة عن مواصلة المسير .. عن الطيران حتى
لا فضاء يتسع لها ..
فلا جبر قد يصلح حطامها ..
لذلك تمضى الحياة و هي مبعثرة ..
على جانب الطريق ..!!
.
.
.
.
.
تنهدت زكية بصبر و هي تتوسل أحلام بعينيها ..
- طب حتعملي ايه لما أنا أروح بالسلامة في أجازة لمصر .. مين حيديكي الابرة غير سوماا ..
أو مأت أحلام برأسها موافقة و هي تنظر لوجه أم حميد التي عقدت جبينها ..
- و شعنه تسيرين مصر .. هاك الصيف سايره .. قري هنيه و قابلي شغلي ..
اتسعت عينا زكية ..
- الله .. ايه يام حميد .. مش عاوزاني أروح لولادي و الا ايه ..؟!!!
لوحت أم حميد بيدها رافضة ..
- عيالج مالج منهم سنة .. لاحقة عليهم .. أنا لو تميت حية الين الصيف الياي ربج كريم .. خلج عنديه و يوم أموت توكلي ..
اتسعت عينا أحلام ..
- أستغفر الله .. شوه هالرمسة الله يهديج يام حميد ..
تنهدت زكية ..
- استغفر الله .. دي الاعمار بيد الله يا ستي .. محدش بيموت أبل يوموه .. يام حميد نحنا عاوزينك ترحمي البت سوماا شوية .. دي هي اللي ح تتابعك لما حروح ..
صاحت أم حميد بشراسة ..
- يعلها سم ما تبرا عقبه .. ماباها الهندية ..هاي بتذبحنيه ..
- طب أعملك ايه آخدك معايا مصر ..
نظرت لها أم حميد بقسوة ..
- و الله لو كان فيها سفر كان فزعت لمكة .. اسير مصر وياج شوه اسوي .. أعلف رودس .. امممف عليج و على شويراتج ..
ثم صاحت في وجه أحلام ..
- و انتي شعنه صاخة .. ما ترمسين ..
أجابت أحلام بهدوء شديد ..
- و الله زكية صادقة .. شوه بتوسيبج سوما .. من سنين تعالج بو ثاني .. ما تشكا منها .. بس انتي الله يهديج مادري بلاج عليها .. المسكينة تترزق الله .. و انتي مأذيتنها و قاطعة شغلها ..
- يعلهااا قاطع يقطع أماصيرها مسودة الويه .. غربلاتهاا أنا قاطعة شغلها ..؟! تكذب عينها السمسومة .. أقوووولكن ما تحبنيه .. لو ودرتونيه عندها بتلعوزنيه ..
تبادلت زكية و أحلام النظرات بعجز .. لن تتغير هذه العجوز .. تتشبث بمن تثق به بأية وسيلة ..
و لكن ما زال تحت تلك الأشواك من صدق المشاعر ما يعلمون أن هذا الغطاء المتنمر ليس سوى دفاع يائس في عالم ينفي وجودها ..
متناسيا كل ما تحمله في داخلها .......
.
.
.
.
.
و في تلك البقعة البعيدة لا زال هو ينثر من الأحرف ما يراوده ببطء ..
بتلذذ ..
.
.
أحلام صاخبة ..متفجرة ..
ضجيجها كفيل بانتشالنا من سباتنا ذاك ..
أقصى ما قد تحتاجه هو أن نعلم أنها هنا ..
أن نلتفت لها ..
أن نعيرها بعض الاهتمام ..
أن نبثها الإحساس بأن كينونتها لا تقتلها كلمات قد تنفيها ..
.
.
لا تريد أن ترمى في زاوية المكان لمجرد أن الغير لا يعترف بوجودها ..!
.
.
.
.
.
سحنة الهدوء المسالمة .. تبتسم بحكمتها المعهودة و هي تربت بجانبها تدعوها للجلوس ..
فتقترب أحلام ببطء لتستقر بجانبها .. و تنظر لوجهها بابتسامة مرتعشة .. قبل أن تمد حصة يدها تعتصر قبضة أحلام المشدودة برقة ..
- شكلج مهمومة .. شي فخاطرج ..؟!
تنهدت أحلام .. و هي تنظر ليدها تهز كتفيها ..
- ماشي و الله بس .. آآآ - رفعت رأسها تنظر لوجه حصة المرهق - باقيليه اسبوعين و بودركم .. و ..ما أدري ..
رفعت رأسها لأعلى و هي تسحب نفسا عميقا لتبتلع عبرة سدت حلقها ..
- أحس انيه بصيح ..
طالعتها حصة بهدوء ..
- صيحي ..
نظرت لها أحلام بصمت .. فيما استمر حصة في الابتسام بهدوء ..
قبل أن تدفن أحلام رأسها بحركة سريعة في صدر حصة .. لتنشج باكية بلوعة ..
كان اقتراب رحيلها يمزقها ..
ضمتها حصة بقوة .. و راحت تمسح برقة على رأسها .. و هي تهمس بكلماتها المطمئنة ..
و دموع أحلام المناسبة تغرق ثوبها ..
تحب هذا المكان .. تحب ساكنيه .. و تحب أكثر هذه المرأة الصابرة التي تضمها لصدرها ..
و كأن لا هم لها في العالم سوى دموع أحلام .. و تهدئتها ..!
.
.
.
.
.
و هناك توقف هو للحظات عن الكتابة .. ينظر لأزرار اللوحة بحيرة .. ما زال تدفق الإحساس هائجا .. لا يتوقف ..
.
.
أحلام صامتة .. هي الهدوء ذاته ..
هي الصبر ..
هي أطياف الأمل .. تعيش و قوتها الذكرى ..
لا وجود لها سوى في مخيلة من ترتقب عودته ..
يمر الليل فيما هي واقفة على أعتاب أرواحنا ..
.
.
و لا يضنيها الانتظار ..!
.
.
.
.
.
واقفة في الممر و تنظر لها عبر الباب المفتوح ..
وجهها الطفولي الكبير مستغرق بحيرة فيما تلقيه عليها المدرسة بإسهاب ..
بدت مندمجة و هي تحاول جاهدة مجارات ما تقوله المرأة مع صعوبة لفظها ..
و تتلفظ بصعوبة شديدة لتلك الأحرف ..
شيء يخترق الروح في هذه الصورة الغريبة ..
و صوتها يتناهى لأحلام ..
- آآآآف .. باااااااء ... تاااااااء .......
تنتظر تعاقب الأحرف قبل أن ترفع عينها مفكرة فتقع على أحلام الواقفة في الممر ..
لترفع يدها محيية قاطعة الدرس ببهجة ..
- آآآحـــــــــــاااااااام ..
ابتسمت أحلام بحب لسهيلة و هي تلوح بيدها لها قبل أن تومئ برأسها معتذرة من معلمتها ..
.
.
.
.
.
و تضيء شاشته بتلك الكلمات المعبرة ..
.
.
أحلام وليدة ..
منبثقة من حيث لا شيء سوى
براءة الطفولة ..
و نقاء تلك الرغبات البسيطة التي تبدو لهم هي العالم بأسره ..
و ضحكاتهم العابثة الصافية ..
.
.
و هشاشة أحاسيسهم تلك التي لا شيء أسهل من تهشيمها ..!
.
.
.
.
.
تستند بذراعيها على الحاجز المطل على الحديقة ..
رغم شمس الظهيرة الساخنة .. التي تلذع وجهها ..
إلا أنها راحت تعب الهواء بنهم ..
لا شيء قد يرسم إحساسها في تلك اللحظات و هي تقف وحيدة تنظر لحديقة المركز و تتذكر أول مرة خطت قدماها لتدهس رؤوس تلك الأعشاب الطرية النامية ..
كم كانت جميلة تلك اللحظات ..
رغم الارتباك الذي سادها .. رغم توتر حداثتها ..
و رغم غرابة أولئك الذي تعرفتهم ذاك اليوم ..
.
.
بو ثاني .. و عبق الزمان الماضي ..
بساطة رجل أثقل كاهله مضي السنون ..
فلم يعد يبحث عن شيء سوى الراحة البعيدة ..
.
.
خليفة .. و جسده اليافع مسجى بلا حراك ..
أنهت سير أيامه خردة الحديد تلك بعجل ..
و كأنما تأبى إلا أن تلتهم أحلام المزيد من الشباب ..
.
.
أم حميد و صراخ بدا كطلب الغوث لها الآن ..
بعد إن استنكرته أول لقاءها ..
صيحات مستنجدة ..
أن إذكروني .. فإني هنا ..
و إن لم تنطق الأوراق بذلك ..!
.
.
حصة .. و عمر يمضي ..
بأمل جعلها تنسى الوجع الذي يسكنها جسدا ..
متشبثة بأمنية واهية .. لا تتفلت من بين أناملها ..
و لا خافق في جسدها الضيف الا و ينبض بــ ..
سيعود .. سيعود ...!!!
.
.
سهيلة .. و روح طفلة هي الحياة لهؤلاء ..
هي الأمل ..
هي الحلم ..
هي قوة البراءة التي تلمع في عينيها ..
و تذكرنا بأن الدنيا ما زالت في أوجها ..
و أن الكثير لا زال ينتظرنا ..!!
.
.
بو عبد الرحمن .. زكية .. سوما .. و حكيم ..
و كل وجه بلا اسم حفر في الذاكرة .. لتستعيده كل ما حملهتا الخطوات إلى هنا ..
لتبحث عن إحساس ملموس في أعينهم .. في كلماتهم ..
في أحلامهم ..
.
.
إحساس غريب يراودها و هي لا تبالي بأشعة الشمس الحارقة تلوّح وجهها ..
و هي تسحب نفسا عميقا ساخنا ..
هي هنا الآن ..
و دوما ستجد الوقت للعودة ..!!
.
.
.
.
.
و هو يسترخي في كرسيه // قيده ذاك ..
و تخف وتيرة سرعة تقافز أنامله على اللوحة ..
و هو يضع النقاط لبدايته الجديدة ..
.
.
تلك رؤى نراها حين غفوة ..
تتوارى خلف الذاكرة بصمت ..
لا تنبّه أحدا لوجودها ..
.
.
سراب يرحل مع أشعة الفجر ..
لا يترك خلفه دليلا على أنه كان هنا ..
.
.
تلك رؤى ..
لا تتحقق ..
و لا حتى ندرك أنها منزوية في ثنايا الروح ..
ليمر دهر عليها هناك ..
يعلوها غبار الأيام ..
فتهترئ إهمالا و تجاهلا ..
.
.
تلك أحلام لا تُذكر ..
.
.
تلك أحلام منسية ..!!
.
.
يتوقف للحظات بسيطة قبل أن يمعن النظر فيما خط منذ لحظات ..
يشد على أصابعه قبل أن يعود ليهوي بها على رؤوس تلك الأحرف ..
فتتراقص الكلمة أمام عينيه ..
.
.
[ البدايــــــــــــة ]
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أحد ما أخبرني ذات غفوة .. أن الأحلام ليست سوى رغباتنا المستحيلة ..
ننبشها حين السبات .. نعيشها للحظات مسروقة ..
قبل أن يطويها الصباح ..
لذلك هي دوما بعيدة عن متناول التحقيق ..
.
.
ولكن في داخلي لا زالت تعيش طفلة تؤمن أبدا بأن الأحلام تصبح حقيقة مع كل نهاية ..
حتى و إن لم تكن هذه النهاية إحداها ..!!


* * * * *

* Only time
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
[ انتهت ]

النهاية

dew 31-05-08 02:59 PM



السلام عليكم ,,:asd::asd::asd::asd::asd:

ماني مصدقة انها انتهت ,,رااااااااااااااااااااااااااائعة جدا جدا جدا ,,مذهلة ,إبداع صرف ,,جميل

لآأدري ماذا أقول ياإرادة على هذه التحفة الفنية الرائعة ,,

على الرغم من هدوء الأحداث إلا أنها شدتني إلى آخر حرف قرأته فيها ,,مبدعة هذه الكاتبة

أقسم أنني وأنا أقرأ أن الدموع تترقرق في عيني ,,أحداث مؤثرة جدا ,,

منصور : كم هو مسكين هذا الرجل الذي عزل نفسه ظنا بأنه سيقدر على العيش وحيدا مع ألمه ,وكم تغير من ذاك الرجل البارد الذي لايهتم لأحد ,,لمست نمو وتطور في شخصيته رائع جدا ,جعلني أحبه وأقدره لما يحاول فعله لزوجته المنسية ,,تلك التي نسي وجودها في ظل أحزانه أكثر موقف هزني هو ردة فعله عندما مات سعيد

اقتباس:

شخص آخر لم تره قط .. هزائم على وجهه أربكتها و لكنها قالت بهدوء ..
- منصور .. هب غلطتك إنه توفى بروحه..
أومأ برأسه بألم .. و همس بضعف ..
- أدري ..
.
.
عادت تقول مرة أخرى ..
- هب غلطتك إنه مات بروحه ..
و عاد يهز رأسه ..
.
.
و أعادت الكرة و بصوت حازم هذه المرة ..
- منصور .. هب غلطتك إنه مات بروحة ..
نظر لها بغرابة و هو يعود فيقول ..
- أدري ..
أمسكت بيده بقوة ..
- هب غلطتك ..
أشاح بوجهه عنها الآن .. و هي ترفع صوتها قليلا ..
- هب غلطتك و لا ذنبك ..
حاول سحب يده من قبضتها النحيلة و هو لا ينظر إليها ..
- تسمعنيه يا منصور ..
ارتجف صوته و هو يقول ..
- بس خلاص ..
لكنها أصرت ..
- هب غلطتك ..
كانت الكلمات تترد على مسامعه تقلب مواجعا يدفنها .. فنفض يدها بقوة .. لتهب من مكانها و تقف بجانبه ..
- منصور ..
لازال يشيح بوجهه .. فتناديه مرة أخرى..
- منصور طالعنيه ..
ليلتفت ببطء شديد و كأنما يخشى من أن تلتقى نظرتها بعينيه ..!! تشد بيدها على كتفه لتقول بقوة ..
- سعيد مات و هو بروحه .. و هب ذنبك ..
.
.
و فجأة إنفجر الوضع .. صرخ بحدة و هو يدفع يدها ..
- باااااااااااااااس خلااااااااااااااااص .. صخييييي .. ماريييييييد أسمع شي ..
اندفعت أحلام تحتضنه بقوة .. رأسه مدفون في صدرها و صرخاته المكتومة لا زالت تتعالى و هو يحاول التملص ..
- خوووووووزي .. مارييييد أسمع شيييي ..
و لكن أحلام لا زالت تعتصر بين ذراعيها .. كان قويا للغاية .. هائجا بشدة ..
و للحظات خشية أن يؤذيها أو يؤذي الطفل ..
و لكنه كان متألما .. أرادت أن يخرج ما في داخله ليرتاح ..
- ماااااااارييييييد .. مارييييد .. خوزي عنيه .. ماريد أسمع ..
و بدأ صوته يتقطع .. و شهقاته تتردد لتمتزج مع صرخاته التي بدأت تخبو ..
- مااريد .. بس خلاص .. خـ .. خلاص ..
و أفجعتها شهقاته و صوت الرجولي الأجش ينشج بضعف ..
- خلاااص .. سعيد مات .. مات ..
.
.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تراه في هذه الحالة .. يبكي بصوت متقطع و أنفاسه تكاد تخنقه .. كطفل صغير ظل طريقه ..
انكساره ذاك يحطم فؤادها ..
لم تره حزينا قط كما هو في هذه اللحظات .. و عبراته تغرق ملابسها ..
صوته المخنوق يبكيها .. لتنحدر دمعتها على وجنتيها ..
- مات بروحه .. لو كنت عنده .. و الا تميت وياه .. لو زرته يمكن ..
همست في شعره و هي تضمه أكثر ..
- استغفر ربك يا منصور لو تفتح عمل الشيطان .. كل شي مقدر و مكتوب .. سعيد مات .. و الله يرحمه ..
استمرت شهقاته و هو يتمتم بكلمات لم تفقه منها شيئا .. كان يهذي بأوجاعه .. و انفجاره ذاك سبب فجوة أوصلتها لحدود روحه البعيدة ..!!
.
.
و هي واقفة هناك .. تحتوي آلامه بين ذراعيه .. فيما يبث قبلها شكواه و يروي جفاء ما بين الضلوع بعبراته ..
يتغلغل الدفء فيها رغم تلك البرودة التي تتراقص على مهبها أوراق الشجر ..
و ينير قلبها قبس من الضوء تحت جناح ذاك الليل ..
أرخت أهدابها الأسدال ببطء .. و هي تنعم بسرابية هذه اللحظة المستحيل ..
وهو هنا بعد أن قشع الستار عن آلامه .. ترتشف هي الأحزان معه بلا مرارة ..
على يقين بأنها الآن أقرب من نبضات خافقه الجريح .. أقرب من عباراته التي ينزفها من مقلتيه وجعا ..
أقرب إحساسا كما لم تكن قبلا .. و لن تكون ..
.
.
رغم هذا ..
كان الأمل يعتصر روحها .. فبرحيل ذاك الرجل إنهارت كل قلاع و حصون الجفاء بينهما ..
لم يعد للحواجز و الأسوار مكان ..
طويت المسافات الشاسعة ..
.
.
و بأمنية متأخرة ..
أرادت أن تجده .. تلتقيه للحظات أخير لتشكره .. و تخبره لأي مدى هي ممتنة له ..
كانت هذه هدية وداعية أخيرة منه .. لن تنساها ما ظل خافق نابض في جسدها ..
لقد قاد زوجها الى حيث قضت أوقات طويلة تنتظره ..
أرادت أن تشكره ..
.
.
و لكنه رحل ..
بعد أن حاولت ابعاد حلمه عنه رحل ..!!
و لم تفلح في كتم دمعتها المهرولة تلك ..
ربما تخفف شيئا من حرقتها ..
و حرقته ....!!

كم هو صعب أن تري تلك الدموع الأبية تجد طريقها الى النور في عيني من تحبين

:55::55::55::55:


أحلام :: لاأدري ماذا أقول عن هذه المخلوقة الشفافة ,,

إنها في منتهى الرقة والنقاء ,,فهي الأخت الحنونة لخليفة المسجى على ذلك السرير الأبيض والأم لسهيلة البريئة والصديقة لحصة الهادئة والابنة لأم حميد وبو ثاني ,,كم أحبها
وكم تأثرت لموقفها مع أخيها الأكبر


اقتباس:

تحرك بسرعة و لكن راشد كان أسرع اذ استدار حول لطيفة هربا من قبضة حمدان ..
فجأة وقعت عيناه عليها .. و قبل أن تشير له أحلام بالصمت .. كان قد صاح بصوت مصدوم ..
- أحــــــــــــلام ..؟؟؟
و تجمد الجميع ..!!
رأت ظهر حمدان يتصلب بقوة .. فيما وضعت لطيفة أناملها على شفتيها .. و بدا راشد ضائعا و غير مدرك لما تختبئ أحلام هناك ..
في حين جل ما كانت تريد أحلام من حياتها في تلك اللحظة أن تنشق الأرض و تبتلعها ..
أرادت أن يكون هذا حلما سخيفا .. و شعرت بالإحراج الشديد من اختبائها ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أطرافه متشنجة و قد تيبست رقبته و هو جامد .. كان ينظر بشيء من الذهول لوجه راشد الذي كان يقابله تماما قبل أن يتحرك بسرعة و هو يصيح مرحبا ..
أ حقا تقف خلفه تماما ..؟! .. ليس عليه سوى أن يستدير ليتأكد من ذلك ..
رفع نظره عن الأرض .. لطيفة تنظر اليه بعينين غير مفهومتين ..!!
جزء خبيث من نفسه يجبره على التظاهر بأنه لا يعلم بوجودها .. و لكنه لم يقدر ..!!
كان متشوقا لرؤيتها .. مرت أيام طويلة لم يرها فيها .. شعر بأن سنوات تفصل بينه و بين آخر لقاء لهما ..
استدار ببطء ليجد راشد يحتضنها فرحا و وجهها مختفٍ في صدره و هو يصدر مختلف عبارات العتاب ..
وخزه مؤلمة يشعر بها و هو يرى بساطة تعامل راشد معها .. كم كان سهلا عليه أن يتقدم منها و يأخذها بين ذراعيه و يلومها على ذاك الغياب الطويل ..
هو لن يستطيع فعل ذلك .. لماذا ..؟! أو ليس أخيها كما هو راشد ..؟! ألا يحبها كما يفعل ..؟!
ألم يشتاق إليها ..؟؟
ابتعد راشد قليلا عن أحلام ليتبين وجهها المحمر المحتقن .. خلع منظرها ذاك قلب حمدان .. أخته ..
ها هي أمامه .. لا يمنعها عنه سوى كبرياءه .. قسوته ..
كان يقف جامدا ينظر اليها و كأنه غير مصدق .. فيما تمتمت هي بشيء لم يسمعه و استدارت تبغي الخروج ..
لا .. توقفي .. لا ترحلي بعد ..!!
.
.
و كأنما شعر راشد برغبته تلك أمسك رسغها بإحكام و هو يقول بصلابة ..
- لحظة أحلام .. ما تبين تسلمين على خوج ..؟!
مزقه ذاك الألم الذي ارتسم على وجهها .. و راشد يرفع عينه له بقوة .. و كأنما يطلب منه أن يفعلها ..
يتوسله بعينيه أن لا يهشم فلبها ..
لا تكن جحودا ..
و رن صوت زوجها العميق في أذنيه ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
[ لا تكون قاسي يا حمدان ]
.
.
.
.
.
.
.
بدت على وشك الإنهيار .. و هي تمعن النظر في وجه راشد الذي كان متيبسا يترقب حركة منه .. تتجنب النظر إليه ..
لا يدري كيف حدث هذا .. و لكنه لم يعد يحتمل ثقل المكابرة ..
وجد صوته الأجش بصعوبة ليقول بقوة ..
- أحـــــلام ..
انتفضت بقوة .. و هي تشيح بوجهها ..
أ هي خائفة .. أم غاضبة .. أم ماذا ..؟!
سمع راشد يقول بخفوت ..
- بس أحلام .. لا تصيحين ..
شعر بكتلة شوك تسد حلقه .. تخنقه ..
أ تبكي ....؟؟؟!
اقترب منها ببطء يجر قدميه الثقيلتين .. يصل إليها .. لا تزال مشيحة بوجهها و كفيها يهتزان ..
يقبض على كتفها النحيل ليديرها .. شعر بحنان جارف يجتاحه بقوة ليجذبها نحوه يحتويها بين ذراعيه ..
لتنفجر مشاعرها في لحظة .. فتنخرط في بكاء عميق .. كطفلة بائسة أتلفت روحها الأحزان ..
تجاهل ابتسامة راشد المتسعة ليطبع قبلة على رأسها المدفون في صدره ..
و يغمض عينيه ببطء و هو يشعر براحة حقيقية كان قد فقدها منذ بعض الوقت ..
.
.
كيف للمرء أن يكون بهذا الغباء .. و يبعد أقربائه عنه ..!!
لقد آذاها كثيرا في وقت كانت هي بأمس الحاجة لقربه منها ..
مؤثر جدا هذا المقطع ,,


لو أخذت أتكلم عن كل شخصية ,,لم يكفني أو يسعفني الكلام ,,كل ما أقدر على قوله ,,هو ماشاء الله على موهبنك الفذة الرائعة يا ليتني غريبة :55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55:

:55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55::55: :55::55::55::55::55::55::55:

angel911 31-05-08 09:19 PM

ابله اراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااد تسلللللللللللللللللمين على القصه الروعه انا مساااعه بديت ااااااقره فيها ومو قاااااااادره اشيل عيني منهااااااااااااا

جزاج الله خيرا
جد راااااااااااااااااااااااائعه القصه


اينجل




لحين ماخلصتها

angel911 06-06-08 08:20 AM

اولا ابلة تسلمين على النقل الرااااااااااااااائع اختيار موفقه لقصه راااائغه لكاتبة ارروح جزاك الله خير

اااااه انا في النهاية كنت احس روحي مثل احلام انها راتضطر تودع ناس صاروا يحتلو جزء كبير من حياتها




بوثاني يا الله شو حبيت هشاااايب بذكرياته الي تذكرني با صالة المااااااااضي حلوة وبسااطته كلامه الي يريح القلب


خليفه كان عندي امل ان في النهايه هذا الشابا راح يتكلم يتحرك بس القدر اقسى من كذا بس كان له لمسه حلوة ويبين كيف ان الحياة ممكن تخطف منه شاب بعمر الزهور لحينه مادخل دنيا وخلته مجر جسد بلا روح


ام حميد هذي العيوز عاد حبيبت قلبي صراااااخه اضفى على القصة جو ثاني حياة ثانيه وطعم اخر جد باشتاق لها واكثر شي لصراخه الي كان يبهجني ويضحكني


حصة هالانسانة متجسد فيها قوة الايمااااان الحكمة الصبر حب الحنااااااااااااااان احسى هي دفى الدار والصدر الحنون له الامل الي تعيش له بعودة ابنها تحملها المرضها وايمانها بالقضاء والقدر

سهيلة براااءه الطفولة ومن تضفي الحياة لدار


بشتاق لزكيه ولسمسومة هههههههههههههه




سعيد هذا الشااااب المفروض يكون قدوة للكثير عجبني صبره ايمااااااااانه عنده تعميق واحترام لامر الله وقضاتءة ما سخط على ربه بالعكس تقبل الي فيه وعاش حياته يمكن بين جدران بس ما عاشها بياس وحزن عاشها بامل وتفائل وهو متسلح بايمان ناس غيره على الرغن من مصيبتهم ابسط الا انهم سلموا انفسهم للياس


منصور انتصر بانه ما استسلم للوضع الي كان فيه واستمر في انغماسه في الوحدة صح للخطى الي كان فيه وحول حياته للافضل


احلام حبيتها اعجبت باصرارها على الشغل تعاملها مع المرضى تمسكها بمنصور وصبرها عليه احلام هي كانت الاحلام للقصه هذي


وفي النهايه مالي الا ان اكرر شكري ابللللتي تسلمين ومممممشكورة على النقل



اينجل

لقافتي سر ثقافتي 10-06-08 04:19 AM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسلوب أروع من الرائع أول مره أقرء مثل هذي الرواية بجد روعه..
أشكرك على نقلك الرائع..

ارادة الحياة 10-06-08 08:32 AM

السلام عليكم بنات
ديو ,ملاكي ,ولقافتي سر ثقافتي
جدا فرحت من شفت تعليقاتكم اتمنيت القصة تكون اوت لاين لان تفاعلكم جدا حلوة
انا اعتبر قصص ليتني غريبة قصص تجسد الواقع بطريقة جدا حلوة ومعبر عن معاناة الانسان
اغلب ابطالها لفهم الغموض الممتع للقارئ
يعجبني سلاسة الحوار بشكل فوق التصور تعجبني جانب الارشاد والوعظ الديني المتخفي بين السطور
تشدني في كتاباتها صورة المرأة القوية الباحثة عن الحنان
اجد ليتني غريبة انسانة مثقفة جدا في تناول شخصيات ابطالها مثلا ام حميد قصتها شدتني جدا وجعلتني اتسائل لماذا لاتملك الجنسية وذهبت وبحث عن الاسباب التي تدفع بعض الدول لعدم منح الجنسية
حصة استغربت اي حرب واي جزر وعندما بحثت وجدت الجزر المتنازع عليها بين ايران والامارات
حتى احلام ابنة الهندي بصراحة سألت بنات وكتلهم ليش الخليجين يزوجون هنود اذا كانت النتيجة نظرة مؤلمة لاطفالهم
هناك من قالت تجارته ذهبت به الى الهند وتزوج وهناك من قالت غلاء المهور الى اخره
سعدت كثرا بتواجدك بين صفحات هذه القصة الممتعة \
وفقكم الله

زارا 26-02-09 04:06 PM

قصه رااااااائعه .. تستحق انها تكووون بالصفحااات الاولى.. موو مختفيه من القسم كله.. وخصووصاااا ان الكااااااااااااتبه الاسطووره ليتني غريبه.. لااااااااا يفووتكم قمة الابدااع..

قراااءه ممتعه..

زارا 23-10-09 03:08 PM

للمره الثانيه على التواااااااالي اقوووووووووووووول..
قصه رااااااائعه .. تستحق انها تكووون بالصفحااات الاولى.. موو مختفيه من القسم كله.. وخصووصاااا ان الكااااااااااااتبه الاسطووره ليتني غريبه.. لااااااااا يفووتكم قمة الابدااع..

قراااءه ممتعه..

سهرانة الليل 31-10-09 06:35 AM

صباحو
سلمت يمناك على النقل ارادة الحياة
وسلمتي ليتني على هذه الرائعه

eng_saleh 09-11-09 03:38 PM

رائعه هادي الروايه

سلمو ايديكي على النقل

زارا 14-07-10 02:24 AM

قصه رااائعه لكاااتبه ارووع حرامات تكون بالصفحات المجهوووله..جبتها هنا للصفحه الاولى لان هذا مكانها المستحق..

قرااءه ممتعه للجميع..

nsamir 14-07-10 12:45 PM

ما شاء الله رائعة - هذي ثاني رواية أقراءها لليتي غريبة

بارك الله فيكي

Queen of the feeling 16-07-10 12:25 AM

من أروع ما قرأت ..~

وليتني غنية عن التعريف ..~

همس الغرور 17-07-10 01:01 AM



السسلام عليكم ورحمــــــــة الله وبركــآآآآته ..


قبل كل شي .. أحب أقدم خــآلص شكري وتقديري لك .. يــآ ( ـإرادة حيـــآة ) .. القصــــــــــــه بـآلحيل عذـآآآآآآآآآآب ..



( ليتنــــــــــــي غريبــــــــــــــــــــــــــــة ) ..



أسسطوووووورـة .. ( الله يحرسك ويحميك وين ما كنتـي .. وتكملين لنـآ خطوآآآت ) .. كتــآبتك واقعيــة جدـآ .. ونهــآيتك للقصه من ـأروع ما يكــــــــــون .. تطورآآت في كل لحظــة ..


منصور : شخص واقعي جدآ .. ومشكلته موجود بالفعل .. أبدعتي فيه بالحيــــــــل .. تجسدت لنا مشكلتـه والأرووع كيف تخطــآهـآ ..

سعيد : قطـــع قلبي .. بكيت على مووته وكأنه صدق .. حبيته من كل قلبـــــــــــــي ..

مووزهـ + غزيل : يهبلوون هالصديقــآت كانت عزيل دوا موزه .. وموزه لغزيل نفس الشــي < أمــآ سلامه بردت مووزه حرتي فيها .. يوم ردت عليها

لطفيـــــن : وهـ الله يوفقهــآ < ههههه

حمدان : للحظــآت كرهته كررررهـ .. بس من لان قلبه على أحلام رجعت أحبه .. < نرآآآ حلووم ما تستــآهل

رشوود : يــــــــــــآ لبــــــى قلبه بس


أم حميد : أوجعتني قصتها يا ناس ما تنلام على اللي صار لهــآ < ولو انها شووي مززعجه .. بس طيوووبه

أمــآ حصه : فكل الطيبـــــــــه فيهــآ .. >< الله يرجع لها ولدها

سهيله : يا عمرري رحمتهــآآآآآآ .. بس زيــن اللي سوته حلوم في أمهــآ .. < تستــآهل

أبو ثــآني : يـآ ريحـــة المــآضي وهـ بسس .. ولك أحلى مية روبيه .. بس أبي لك صصورهـ .. والله اني حبيته أكثر واحد ..

خليفه : كــآن ودي إنه يرد على حلوم .. لو مرهـ بس .. يعبرها .. بس إنه يسمع حلووم كان يكفيني ...

امممممممم أتمنى مانسسيت حد ..



يعطيـــــــــــــك ألف عــآفيه .. ( ليتني غريبه ) .. من جد الإبداع منك وفيـــــــــــك ..



تحيــآتي ..

طوق الليلك 14-11-10 05:42 PM

ما شاء الله القصه مررررررررررررره رائعه

تسلم يد الكاتبه المبدعه ليتني غريبه :55:


وتسلم يد التي نقله
القصه :55:

أنثى الأمل 22-12-10 03:29 PM

إرادة الحياة ..
شكرا على نقل القصة ... فهي تستحق القراءة ..

تعرفت على ليتني غريبة ز. من خلال أحدث رواياتها ..
التي تنقلها لنا العزيزة زارا .. خطوات تغفو على عتبات الرحيل ..

تعلقت بالشخصيات كثيييييييييييييييييييرا .. ولكن .. للأسف لم تستطع الكاتبة حتى الآن
أن تتم أجزاءها .. عسى أن تكون بخير ..


أحلام منسية ..

اسم رائع .. فعلا يوضح ما تحويه القصة .. من مشاعر ..

أحببت طابع المنزل الغريب الذي عملت فيه أحلام ..

ليس بيتا للعجزة .. ولكنه دار من دور الرعاية .. ومختلف تماما ..

عبدالرحمن "المدير" ..
احترمته جدا .. فهو لم يقم بواجبه وفقط ..
ولم يرى ما يفعله عملا وفقط ..

بل رآه .. شيئا يختص بضميره .. وبقدرته على منح الناس الكثير ..
أهمها محبته الخالصة لساكني هذه المنازل ..
أحببت شخصيته بشدة .. فقليلون من هم مثله ..

زكية أيضا .. احتملت الكثير ولازالت .. ولكنها أحبت كل شخص في هذه الدار ..
وعاملتهم كما كانت لتعامل أهلها ..


بو ثاني وحصة ..
رائعان حد الروعة .. بقصصه القديمة .. وبصبرها الأعجب ..
نكهة رائعة أضافاها للقصة ..

سهيلة .. تلك الطفلة التي .. غدر بها الزمان ..
كانت فكرة أحلام بأن تخرجها من دائرة الطفولة المرحة رائعة
ستبد"أ الآن بالتعلم .. واستغلال مهاراتها ..

أحلام ..
بشجاعتها استطاعت أن تكسر العادات ..
وأن تواجه الناس بعملها الذي .. يدفعني لاحترامها وبشدة ..

استطاعت بصبرها أن تغير مجرى حياتها رغم كل ما واجهها ..


سعيد .. أحببته من قلبي...
أعطى بعدا كبيرا للقصة .. إن لم يكن هو محركها الأساسي ..

منصور ..
وصف رائع لشخصيته التي تكونت نتيجة إعاقته ..
وتعاف بصورة جميلة ..
لم يكن فيها سرعة أو مبالغة ..

ولا زال في طور التعافي ..

.
.

ليتني غريبة ..
مبدعة فكرتك .. وأسلوبك راق ..

ويبد لي أن قلمك نما بتطور ملحوظ ..
فقد أسهبت بصورة اكثر عمقا ودفقا في المشاعر في روايتك الأخيرة ..
" خطات تغفو على عتبات الرحيل " ...

أتمنى أن تكوني بخير .. وأن تستطيعي الانتهاء منها في يوم ما !!


إرادة الحياة .. سلمت يمناك على النقل ..
فالقصة فيها من العبر الكثير ..


ليتني غريبة ..
سلم ذوقك وإبداعك


مودتي ..
أنثى الأمل


الساعة الآن 08:41 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية