العودة   منتديات ليلاس > القسم الادبي > منتدى الكتب > منتدى كتب المسرح والدراسات المسرحية
التسجيل مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

بحث بشبكة ليلاس الثقافية

منتدى كتب المسرح والدراسات المسرحية كتب المسرح العربي - كتب المسرح العالمي - دراسات مسرحية

نبيل الحفار , تجارب في ترجمة الفن المسرحي من الألمانية إلى العربية , مقال

تجارب في ترجمة الفن المسرحي من الألمانية إلى العربية ـــ د.نبيل الحفار منذ القديم كانت الترجمة وسيلة لتبادل المعارف والخبرات والإبداعات بين شعب وآخر أو بين ثقافة وأخرى. قد

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-08-09, 03:18 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو راقي


البيانات
التسجيل: Sep 2006
العضوية: 11622
المشاركات: 1,113
الجنس ذكر
معدل التقييم: معرفتي عضو بحاجه الى تحسين وضعه
نقاط التقييم: 12
شكراً: 69
تم شكره 170 مرة في 130 مشاركة

االدولة
البلدEgypt
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
معرفتي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى كتب المسرح والدراسات المسرحية
Thanks نبيل الحفار , تجارب في ترجمة الفن المسرحي من الألمانية إلى العربية , مقال

 

تجارب في ترجمة الفن المسرحي من الألمانية إلى العربية ـــ د.نبيل الحفار

منذ القديم كانت الترجمة وسيلة لتبادل المعارف والخبرات والإبداعات بين شعب وآخر أو بين ثقافة وأخرى. قد تكون عملية التبادل هذه بين شعبين، أو ثقافتين متفاوتتين في درجة تطورهما، وإحداهما بحاجة إلى الأخرى في هذا المجال أو ذاك، فكرياً وعلمياً وفنياً، بغرض النهوض بإمكاناتها، بما يفي باحتياجاتها ويفيض عنها. وقد تقع عملية التبادل هذه بين حضارات متقاربة في درجات تطورها المختلفة، لكنها تخوض فيما بينها معركة تنافس على صعيد الهيمنة الاقتصادية والفكرية.‏

فعل الترجمة إذن هو نشاط ذو اتجاهين، أحدهما خاضع لبرمجة مدروسة بعناية تشمل فعاليات الآخر من جوانبها المختلفة بغرض التعرف إليه وفهمه، ومن ثم استيعابه وتسييره حسب متطلبات الثقافة المصدِرة؛ والاتجاه الثاني خاضع لفعاليات عشوائية غرضها النهل على مختلف الصعد من معين الآخر الأكثر تطوراً، والذي يشكل في صورته العامة، رغم تناقضاتها، مثالاً مرغوباً يحتذى. وإلى جانب هذين الاتجاهين الرئيسيين هناك مجموعة من فعاليات الترجمة المتنوعة التي تبدو مستقلة بذاتها، لا تخدم سوى أهداف ثقافية بحتة، بغرض التوسط لتحقيق التفاهم والتقارب الإنساني بين البشر على اختلاف انتماءاتهم. لكن هذه الفعاليات في نهاية المطاف غير مستقلة؛ بل هي تصب عملياً في أحد الاتجاهين الرئيسيين سابقي الذكر.‏

وفعل الترجمة ينشط ويزدهر حال وقوع احتكاك بين شعبين أو ثقافتين، كما حدث على سبيل المثال ما بين روما اللاتينية وأثينا الهيلينية، أو بعدها بقرون ما بين العرب والروم.‏

وكلنا يعرف مسيرة صعود الحضارة العربية الإسلامية من النقل إلى الإبداع، فإلى الانكفاء في ظل الامبراطورية العثمانية التي مع سقوطها أفل نجم الحضارة الإسلامية، وأصبحت المنطقة العربية مجموعة من المستعمرات المتشرذمة، تابعةً إلى عدة دول أوروبية، أقواها انكلترا وفرنسا. وبذلك حلت لغتا هاتين الدولتين محل العربية والتركية على مختلف مستويات الحياة، عدا المستوى الديني الذي حافظ على الفصحى حاملةً تراث حضارتنا إلى جانب منجزات رواد عصر النهضة العربية.‏

إن الحضارة التي تمثلها هاتان اللغتان، الإنكليزية والفرنسية كانت تحمل سماتٍ متناقضةً بصورة جلية، فهي من جانب ذاتُ طابع إنسانوي يؤكد الفرد فيه حريته الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية، وهي من الجانب الآخر ذاتُ وجه تعصبي تسلطي يركز على حق الأقوى في البقاء، نافياً حق الآخر. والاحتكاك المباشر بين الحضارة العربية والحضارة الأوروبية المتطورة ممثلة بإنكلترا وفرنسا هو الذي دفع المفكرين والمترجمين العرب للاهتمام بهاتين اللغتين والتركيز على نتاجهما الفكري والأدبي أولاً، والعلمي ثانياً. وعندما ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى في الساحة الدولية لم يكن صعباً على مترجمينا الذين يجيدون الإنكليزية أن يولوا منجزاتها الفكرية والعلمية الاهتمام الضروري.‏

أما بالنسبة للحضارات الأخرى، على اختلاف مستوياتها وقوة إشعاعها كالروسية والألمانية أو الهندية واليابانية وغيرِها على سبيل المثال، فقد كان الأمر مختلفاً، ولأسباب متعددة، أولها عدم توفر الاحتكاك المباشر بهذه الحضارات، وبالتالي غياب تأثيرها على المنطقة العربية، وثانيها الحواجز اللغوية القائمة بيننا وبينها. لكن اللغتين الإنكليزية والفرنسية شكلتا إلى حد ما نافذة هامة للتعرف إلى بعض منجزات الحضارات الأخرى عبر الترجمات والمؤلفات التي ظهرت عنها بهاتين اللغتين. ومن هنا تحولت هاتان اللغتان بين أيدي مترجمينا إلى عامل وسيط للنقل عن تلك الحضارات، بغية التعرف إليها والتفتح بالتالي على آفاقٍ أرحب وتجاربَ أكثر تنوعاً مما تقدمه الحضارة الغربية متمثلة بإنكلترا وفرنسا. وهكذا نجد أننا قد تعرفنا إلى دوستويفسكي وتولستوي عبر اللغة الفرنسية، وإلى الرواية والمسرح اليابانيين عبر اللغة الإنكليزية، وإلى آخر القائمة الطويلة من الترجمات التي ظهرت في مختلف البلدان العربية، وبشكل أساسي في القاهرة وبيروت ودمشق.‏

أما بالنسبة للحضارة الألمانية تحديداً، التي تشمل جغرافياً ألمانيا والنمسا وجزءاً من سويسرا والأقليات الألمانية في رومانيا وتشيكيا، فإن الأمر مشابه ومختلف في الوقت نفسه.‏

لقد أنجبت الحضارة الألمانية على امتداد مراحل نهوضها وازدهارها عدداً كبيراً من أهم أعلام الفكر والفن والعلم، ممن ساهموا في تطوير الحضارة العالمية المعاصرة التي نعيش منعكساتها في حياتنا في جميع أنحاء العالم. وتعرُفُنا نحن العرب إلى عوالِم الحضارة الألمانية جرى عبر طريقين اثنين، وخاصة على صعيد الفكر والأدب. أولهما عبر اللغتين الوسيطتين الإنكليزية والفرنسية، وثانيهما عن طريق اللغة الألمانية نفسها، ولكن بصورة أضيق بما لا يقاس، مقارنة بالطريق الأول. ولا يَخفى ما في الترجمة من لغة وسيطة من آثار سلبية تَلحق بالأصل المترجَم من حيث جوانبه المضمونية والأسلوبية، رغم وجود بعض الاستثناءات النادرة. وعملياً لم يكن أمامنا من سبيل آخر؛ إذ كان لا بد لنا من التعرف إلى أعمال هؤلاء المفكرين والفنانين والأدباء. لكن العارفين باللغة الألمانية، والقادرين في الوقت نفسه على الترجمة عنها، كانوا قلة نادرة، وما زالوا، ناهيك عن مسألة الاهتمام بالموضوع وتوفر الاستعداد المعنوي والمادي للإقدام على ترجمته. ومن هنا، ليس غريباً أن تلقى الأعمال الألمانية المترجمة عن الفرنسية والإنكليزية ترحيباً كبيراُ في الأوساط الثقافية العربية، علماً بأن قراءها غير قادرين على التحقق من مدى دقتها وأمانتها. وما يسمى بالترجمات التجارية التي تسلق سلقاً، وتَحذِف من الأصل ما تشاء دون أي رادع، كي تلبي متطلبات السوق بالسرعة المطلوبة فقط، ظاهرةٌ منتشرة للآسف بكثرة في أوساطنا، ناهيك أحياناً عن التشويه المتعمد للنص نتيجة موقف إيديولوجي معارض، أو بهدف عدم خدش حياء القارئ أو إحساسه الديني.‏

ومع ذلك، فقد ظهر نسبياً عدد لا بأس به من الترجمات عن الألمانية مباشرة، وخاصة في مصر، ومنذ مطلع هذا القرن تقريباً؛ إلا أن معظمها للأسف الشديد لا يحقق الهدف المنشود من عملية الترجمة، إما لضعف المترجم في اللغة الألمانية أو في اللغة العربية، أو في كلتيهما معاً، أو لانتهاجه أسلوبَ ترجمةٍ يتنافى مع بنية العمل الأصلي، كما حدث عندما حاول أحد المترجمين نقل رائعة غوته «فاوست» إلى شعر عمودي، ففشل في مقاربة المضمون والشكل معاً.‏

والسبب الآخر الهام، بصورة عامة، هو عدم اختصاص المترجم في الميدان الذي يترجم عنه. والمسرح اختصاص كامل له معاهده العليا في أنحاء العالم كافة، والأدب المسرحي هو أحد فروع هذا الاختصاص وليس المسرح كله.‏

قيل قديماً إن المترجمين خونة، ويقال إن من يترجم الشعر يجب أن يكون شاعراً. أفلا يجب أن نطالب مترجم المسرح أيضاً بأن يكون عارفاً بفن المسرح وقوانين اللعبة المسرحية!؟‏

عند هاتين النقطتين: الخيانة والاختصاص، سأتوقف قليلاً لأعرض بعض التجارب الترجمية من الألمانية إلى العربية في ميدان المسرح. وستكون محطتنا الأولى مع الفيلسوف عبد الرحمن بدوي.‏

لقد ترجم بدوي ما ينوف عن العشرين مسرحية ألمانية، بدءاً بغوته وشيللر، وانتهاء ببرتولد بريشت. لكن أياً من هذه الترجمات لم يرَ النور على خشبات المسارح العربية، لأسباب عديدة، أولها أن أسلوبه في العربية جاف ومقعر وغير مسرحي، وهو يترجم غوته كما يترجم بريشت، بالأسلوب نفسه، كما أن لغة شخصيات النص في ترجماته تنطق جميعها بمستوى واحد، دون أن يأخذ بعين الاعتبار الانتماءات الاجتماعية والثقافية للشخصيات خلال تبادلها الحوار، هذا بالإضافة إلى الأخطاء الكثيرة في نقل المعاني، مما يؤدي أحياناً إلى عكس المقصود. وإذا راعينا أن الحوار في النص المسرحي هو الوسيلة الوحيدة أمام المؤلف لخلق أجواء الأحداث وكل ما يحيط بها من التفاصيل المرتبطة بالشخصيات وعوالمها في الزمان والمكان، لأدركنا مدى الإجحاف الذي تُلحقه الترجمة القاصرة بالأصل، ولفهمنا أيضاً السبب في ابتعاد المخرجين المسرحيين عن كثير من النصوص المترجمة.‏

في عام 1968 أراد المسرح القومي في القاهرة تقديم مسرحية بريشت « دائرة الطباشير القوقازية »، بالتعاون إخراجياً بين سعد أردش وكورت فيت من مسرح البرلينر أنزامبل، اعتماداً على ترجمة عبد الرحمن بدوي. وبعد مرور فترة على البروفات لاحظ كلاهما أن نص بدوي لا يسعف الممثلين في تجسيد الحالات المطلوبة منهم، بالإضافة إلى أن بنية الجملة تربكهم عند النطق في الكثير من الحالات. فما كان منهما إلا أن طلبا المساعدة من الشاعر المعروف صلاح جاهين الذي وجد نفسه مضطراً لتقديم ترجمة جديدة، ولكن عن الترجمة الإنكليزية. أما المخرج التونسي المنصف الصايم عند تفكيره بإخراج « حياة غاليليو غاليليه» كنموذج عن المسرح الجدلي لبريشت، فقد صرف النظر نهائياً عن ترجمة بدوي، وترجم النص لعرضه عن الفرنسية.‏

إن ترجمات عبد الرحمن بدوي الكثيرة لمسرحيات بريشت بين الستينيات والسبعينيات قد أدت إلى ترويج الرأي الشائع بأن مسرح بريشت جاف بارد لا حياة فيه، ولا يخاطب إلا العقل الألماني الفلسفي. وفي هذا إجحاف كبير بحق هذا المبدع الكبير ومسرحه، الذي قال فيه المخرج البريطاني الشهير بيتر بروك في كتابه «المساحة الفارغة»: «إن علينا أن نؤرخ للمسرح المعاصر بما قبل بريشت وما بعده، ولا يمكن للفنان المسرحي المعاصر أن يطور أدواته دون فهم عميق لمسرح بريشت.»‏

أما المقدمات التفسيرية التي ألحقها بدوي بترجماته، فإنها لم تقدم للقارئ والمهتم صورة واضحة عن مراحل تطور مسرح بريشت وانعكاساتها في كتاباته النظرية، والتي وصلت إلى ذروتها في كتابه «الأورغانون الصغير للمسرح»، الذي شرح في صيغته الأخيرة 1948 مفهومه عن المسرح الجدلي المتطور من تجربته في المسرح السردي الملحمي، رغم أن بدوي كما ذكرنا قد ترجم «حياة غاليليو غاليليه» التي تمثل مرحلة النضج عند بريشت. مع الاعتذار مسبقاً ممن يكنّون لعبد الرحمن بدوي احترماً خاصاً، أقول: إن ترجمات بدوي لمسرحيات بريشت قد أساءت إلى هذا الكاتب إساءة فادحة، أي للصورة التي استقبله بها المسرحيون والقراء العرب لفترة من الزمن.‏

لنترك بريشت جانباً لبرهة، ولنلتفت إلى مسرحية « فاوست » رائعة غوته. تقع هذه المسرحية الهامة والفائقة الصعوبة لغوياً في جزءين. بين الأربعينيات والخمسينيات ترجم الجزء الأول في مصر ثلاث مرات اعتماداً على عمود الشعر العربي، ولكن دون نجاح يذكر، ودون أن تترك هذه الترجمات أي أثر على المسرح العربي، رغم ما لهذه المسرحية من مكانة كبيرة في الأدب العالمي. وخلال السنوات الأخيرة ظهر للمسرحية ترجمتان كاملتان، الأولى لعبد الرحمن بدوي في سلسلة المسرح العالمي الكويتية مع كتاب كبير يتضمن شروحات وتحليلات للنص، والثانية للمحامي المرحوم سهيل أيوب عن الفرنسية والإنكليزية معاً، وقد صدرت في دمشق. ونصيحتي لمن يرغب بالاطلاع على هذا العمل الهام هو أن يقرأ ترجمة سهيل أيوب مع الاستعانة بكتاب الشروحات والتحليلات الذي صدر باسم عبد الرحمن بدوي، في حين أنه في حقيقة الأمر ترجمة كاملة لكتاب تيودور فريدريش «شرح فاوست لغوته»، ولا أدري ما الذي جعل بدوي يقدم على عملية الانتحال هذه.‏

لنعد الآن إلى بريشت، ولكن عن طريق آخر. قد يكون من حسن الحظ أن بعض المترجمين، ومنهم عبد الغفار مكاوي، قد تجرأ على إعادة ترجمة بعض مسرحيات بريشت التي سبق ليد بدوي أن طالتها. والمعروف أن عبد الغفار مكاوي هو كاتب مسرحي وشاعر وفيلسوف إلى جانب كونه مترجماً، ومن هنا تأتي أهمية ترجماته التي تحمل ألقاً لغوياً خاصاً يقارب الأصل بحرفية عالية، وبفهم عميق للغة المسرح ومتطلبات الحوار ومستوياته المتباينة حسبما يمليه منطق الشخصية. لكن مشكلة ترجمات مكاوي تكمن في التأويل الذي يقارب الخيانة من حيث أنه يلوي عنق مقولة الكاتب، فيجعلها تصالحية توفيقية بدلاً من كونها تناحرية، حسب فلسفة بريشت وموقفه من الصراع الطبقي. ووسيلة مكاوي لتحقيق هذا هي بضع لمسات خفيفة في خاتمة المسرحية، كما فعل مع شخصية السائق ماتي في مسرحية «السيد بونتيلا وتابعه ماتي»؛ حيث غفر ماتي أخطاء الإقطاعي بونتيلا وجرائمه معتبراً إياها هفوات بشريةً قابلةً للتقويم والإصلاح.‏

أما الكتاب الآنف الذكر «الأورغانون الصغير للمسرح» لبريشت فقد قام بأربع رحلات إلى العربية، أولاها عن الفرنسية لمحمد عيتاني في لبنان، والثانية عن الإنكليزية لفاروق عبد الوهاب في مصر، والثالثة عن الروسية لجميل نصيف في العراق، والرابعة عن الألمانية لأحمد الحمو في سورية. وإن دل هذا على شيء، فإنما على الأهمية الكبيرة لهذا الكتاب الذي يتضمن خلاصة آراء بريشت في المسرح، وكيف يمكن أن يكون مؤثراً في عصر العلم والتكنولوجيا. لكن أزمة هذه الترجمات الأربع تكمن في عدم القدرة على إيجاد المصطلحات المسرحية المناسبة في العربية للدلالة على معاني الأصول الخاصة بالمسرح الدرامي والسردي الملحمي والجدلي، وبمفاهيم الإخراج والفضاء المسرحي والسينوغرافيا وتقنيات التمثيل. والمؤسف أن الترجمة الأخيرة تحديداً عن الألمانية تنقص ما يعادل عشر صفحات عن الأصل، وهي المقاطع التي تركها المترجم بسبب صعوبتها وتضمنها مصطلحات لاتينية. وهذا ما جعلنا نحجم عن نشرها في مجلة «الحياة المسرحية»، فنشرتها مجلة «الآداب الأجنبية» في أحد أعدادها الأولى.‏

وفيما يلي سأقدم لمحة موجزة حول تأثير المسرح الألماني على المسرح العربي.‏

مع تبلور الفكر القومي في المنطقة العربية بدأ البحث على مستوى المسرح عمن يحمل في أعماله بذور الفكر القومي التحرري، فكان فريدريش شيلر هو الضالة المنشودة، وخاصة مسرحيته الشهيرة «فيلهلم تل» أو «ويليام تل» التي ترجمت إلى العربية حتى الآن عشر مرات تعود أولاها إلى عام 1900، وعبرها تم التعرف إلى أعماله الأخرى، مثل «اللصوص» و«دسيسة وحسب» وغيرها التي تمت ترجمتها إلى العربية غالباً عن طريق الفرنسية، ونادراً عن الألمانية، وقد لاقت عروض مسرحياته في القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد صدىً جماهيرياً واسعاً أدى إلى تدخل سلطات الاحتلال الإنكليزية والفرنسية لتمنع استمرار العروض. وخلال الثلاثينيات والأربعينيات ظهرت في المشرق العربي عدة مسرحيات متأثرة بشيلر تستعيد أمجاد البطولات العربية في مواجهة الصليبيين الغزاة، وذلك في لغة حماسية تستنهض المشاعر القومية للعرب ضد الصليبيين الجدد. وواضح أن هذا التأثر قد انحصر بالجانب الفكري القومي من مسرح شيلر، أما دوره الفني الجمالي في تطوير الفن المسرحي في حد ذاته، فإننا لا نجد له صدى واضحاً على صعيد التأليف المسرحي العربي. ومنذ عام 1945 لم تقدم المسارح العربية شرقاً وغرباً أي نص لشيلر. وعلى الرغم من ذلك يمكننا القول بأن التعرف إلى شيلر قد شكل إلى حد ما بوابة واسعة للإطلاع على أعمال عدد آخر من المسرحيين الألمان، ومن أهمهم غوته، ولكي لا نقع في ضيق الأفق والانحياز الجلي للمسرح على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، نستدرك ونقول بأن رواية «آلام فرتر» التي ترجمت خمس مرات إلى العربية، كانت المعبر الثاني للولوج إلى عوالم غوته الواسعة. لكن أسباب الاهتمام بغوته كانت مختلفة إلى حد كبير عما هو الحال بالنسبة لشيلر. فهي بصدد غوته أدبية فكرية محضّة، يعود أهمها إلى اهتمام غوته بالأدب العالمي عامة والشرقي خاصة، ومنه بطبيعة الحال الفارسي والعربي، وفي فترة لاحقة ترجمت لغوته إلى العربية عدة مسرحيات أخرى في مصر وسورية. لكن مسرحيته الكوميدية «الشركاء» المتأثرة بموليير هي العمل الوحيد الذي قدم على خشبة المسرح العربي، وتحديداً في دمشق. أما بالنسبة «لفاوست» فإن تأثيرها، وهذا ما يلفت النظر، قد انعكس لا على حركة التأليف المسرحي وإنما على الرواية العربية، فها هو هاني الراهب في روايته «بلد واحد هو العالم» يستخدم موضوعة فاوست، وبشكل أساسي رموز هيلينا اليونانية ورداءها كي يفسر تعلق العربي المعاصر بقشور الحضارة الغربية. وها هو سعد الله ونوس في مسرحيته السردية «ملحمة السراب» يلجأ أيضاً إلى موضوعة فاوست ومفيستو. ‏

في مرحلة الستينيات كان المجتمع العربي يعيش حالة فوران قومي وثقافي، وكانت التيارات السياسية المختلفة تتصارع على السطح وفي عمق المجتمع، وقد انعكس هذا بجلاء على حركة الترجمة، وعلى النشاط المسرحي عامة الذي كان يتبنى كل ما هو جديد في العالم دون سياسة ثقافية واضحة تسدد خطاه نحو مشروعه الخاص، فما أن راجت عروض المسرح الوجودي ومسرح العبث في فرنسا حتى تلقفته المسارح العربية بالترجمة والدراسة والعروض، وهكذا كان الأمر بالنسبة لتيار الواقعية الاشتراكية. وإذا كان بيكيت ويونسكو مثلاً قد دخلا الثقافة العربية من أوسع أبوابها، فإن بريشت ودورنمات قد دخلاها في البداية على خجل ومن أضيق أبوابها.‏

وهكذا كان الأمر أيضاً بالنسبة لترجمة بعض مسرحيات لسينغ وكلايست وبوشنر وهاوبتمان وفريش التي نشرت في سلسلة المسرح المصرية ذائعة الصيت، علماً بأن مصر كانت السباقة بين الدول العربية إلى تأسيس معهد متوسط ثم عالٍ للفنون المسرحية. خلال الستينيات والسبعينيات لاقت بعض المسرحيات الألمانية رواجاً ملفتاً للنظر على خشبات المسارح العربية شرقاً وغرباً، منها مثلا مسرحية هاينريش فون كلايست «الجرة المحطمة» التي قدمت بنصها الأصلي وباقتباسات متعددة، كان آخرها تحت عنوان «قاضي وادي الزيتون» بإخراج حسين الإدلبي في قومي دمشق قبل ست سنوات. أما مسرحيته المترجمة الثانية والأكثر أهمية على المستوى الفكري والجمالي «أمير هومبورغ» فلم يلتفت إليها أحد، تماماً كما جرى مع جميع مسرحيات بوشنر وفريش، وعلى نقيض ما جرى لبعض مسرحيات دورنمات، مثل «زيارة السيدة العجوز» و«هبط الملاك في بابل» و«النيزك» و«علماء الطبيعة» التي تمثل أرقى ما وصلت إليه التراجيكوميديا في المسرح العالمي، ومع ذلك لا نجد لهذه الترجمات وعروضها أثراً يذكر على صعيد التأليف المسرحي العربي. في حين أن مسرحيات بيتر فايس الوثائقية مثل«حوار حول فيتنام» و «أنشودة غول لوزيتانيا» قد أثرت في أسلوب كتابة ألفرد فرج في «النار والزيتون» وعلى محمد أبو معتوق في «الفلسطينيون». أما مسرحيته المبكرة «موكينبوت» فقد عرضت عدة مرات على المسارح السورية، ثم أعدها سعد الله ونوس بعنوان «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» فقامت برحلة حقيقية على خشبات المسارح العربية وحصدت عدة جوائز في المهرجانات المسرحية. وبما أننا بصدد الحديث عن سعد الله ونوس فلا بد من القول بأن نتاجه المسرحي خلال السبعينيات والذي يضم «الفيل يا ملك الزمان» و«سهرة مع أبي خليل القباني» و«مغامرة رأس المملوك جابر» و«الملك هو الملك» لا يمكن أن يفهم إلا من حيث اقترابه وتأثره بنظرية المسرح السردي الملحمي لدى بريشت، هذا الكاتب الذي كان له أثر كبير وجلي على عدد من كتابنا ومخرجينا منذ نهاية الستينيات.‏

لقد تطورت عملية الترجمة خلال عصرنا هذا لتصبح علماً قائماً بحد ذاته، له دراساته ونظرياته ومعاهده المتوسطة والعليا التي تؤهل طلابها وفق أحد المناهج اللغوية. ولذلك فإن على المترجم المحترف أن يطلع ما أمكن من منجزات هذا العلم كي يستكمل ويطور أدواته، وعليه أيضاً أن يتعمق في الميدان الذي يترجم عنه، كي لا يفقد العمل موضوع الترجمة شيئاً من قيمته وقدرته على التأثير.‏

أما بالنسبة للسياسة الثقافية للترجمة، فما هو موقف المترجم وأين يكمن دوره؟ ترى هل المترجم أداةُ نقل لغوي ملحقةٌ بدور النشر الرسمية والخاصة وخاضعةٌ لتوجهاتها وظروفها، أم أنه صاحب رأي في انتقاء العمل المراد ترجمته؟ وهل ينبع رأيه من مزاجه الخاص أم من موقف فكري وجمالي يأخذ بنظر الاعتبار احتياجات ثقافته التي يترجم إلى لغتها؟‏

إني أرى أنه لا بد للمترجم المثقف من أن يكون عنصراً فعالاً وموجهاً في إغناء ثقافته عبر بحثه المستمر عن احتياجات هذه الثقافة في حقل اختصاصه، كما لا بد له من أن يبدي رأيه صريحاً في حركة الترجمة في بلده مشيراً إلى مواضع الصواب والخطأ فيها.‏

نقلا عن مجلة الآداب الأجنبية ( السورية )


 
 

 

عرض البوم صور معرفتي   رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ معرفتي على المشاركة المفيدة:
قديم 25-01-10, 12:13 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الداعية إلى الله
مشرفة القسم الاسلامي
عضو فخري


البيانات
التسجيل: May 2008
العضوية: 73887
المشاركات: 23,005
الجنس أنثى
معدل التقييم: حفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسيحفيدة الألباني عضو ماسي
نقاط التقييم: 4970
شكراً: 3,492
تم شكره 4,910 مرة في 1,905 مشاركة

االدولة
البلدSaudiArabia
 
مدونتي

 

الإتصالات
الحالة:
حفيدة الألباني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : معرفتي المنتدى : منتدى كتب المسرح والدراسات المسرحية
افتراضي

 

الله يعطيك العافية أخوي
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية

 
 

 

عرض البوم صور حفيدة الألباني   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لقاء, تجارب في ترجمة الفن المسرحي من الألمانية إلى العربية, نبيل الحفار
facebook



جديد مواضيع قسم منتدى كتب المسرح والدراسات المسرحية
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 04:41 AM.

للاعلان لدينا اضغط هنا

حواء

 



Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.3.0 ©2009, Crawlability, Inc.
شبكة ليلاس الثقافية